مات أهلي

كتبت أيام المجاعة

مات أهلي وأنا قيد الحياة أندب أهلي في وحدتي وانفرادي.

مات أحبائي وقد أصبحت حياتي بعدهم بعض مصابي بهم.

مات أهلي وأحبائي، وغمرت الدموع، والدماء هضبات بلادي، وأنا ههنا أعيش مثلما كنت عائشًا عندما كان أهلي، وأحبائي جالسين على مَنْكَبَيِّ الحياة، وهضبات بلادي مغمورة بنور الشمس.

مات أهلي جائعين، ومن لم يمت جوعًا قضى بحد السيف، وأنا في هذه البلاد القصية أسير بين قوم فرحين مغبوطين يتناولون المآكل الشهية، والمشارب الطيبة، وينامون على الأَسِرَّةِ الناعمة، ويضحكون للأيام، والأيام تضحك لهم.

مات أهلي أذل ميتة، وأنا ههنا أعيش في رَغَدٍ وسلام، وهذه المأساة المستتبة على مسرح نفسي.

لو كنت جائعًا بين أهلي الجائعين مضطهدًا بين قومي المضطهدين، لكانت الأيام أخف وطأةً على صدري، والليالي أقل سوادًا أمام عيني، لأن من يشارك بالأسى، والشدة يشعر بتلك التعزية العلوية لتي يولدها الاستشهاد، بل يفتخر بنفسه؛ لأنه يموت بريئًا مع الأبرياء.

ولكنني لست مع قومي الجائعين، المضطهدين، السائرين في موكب الموت نحو مجد الاستشهاد، بل أنا ههنا وراء البحار السبعة أعيش في ظل الطمأنينة، وخمول السلامة، أنا ههنا بعيد عن النكبة، والمنكوبين، ولا أستطيع أن أفتخر بشيء حتى ولا بدموعي.

وماذا عسى يقدر المنفيُ البعيد أن يقول لأهله الجائعين.

ليت شعري، ماذا ينفع ندب الشاعر ونواحه؟

لو كنتُ سنبلةً من القمح نابتةً في تربة بلادي، لكان الطفل الجائع يلتقطني، ويزيل بحباتي يد الموت عن نفسه.

لو كنت ثمرة يانعة في بساتين بلادي، لكانت المرأة الجائعة تتناولني، وتقضمني طعامًا.

لو كنت طائرًا في فضاء بلادي، لكان الرجل الجائع يصطادني، ويزيل بجسدي ظل القبر عن جسده.

ولكن، وَاحَرَّ قلباه، لست بسنبلةٍ من القمح في سهول سورية، ولا بثمرة يانعة في أودية لبنان، وهذه هي نكبتي الصامتة التي تجعلني حقيرًا أمام نفسي، وأمام أشباح الليل.

هذه هي المأساة الموجعة التي تعقد لساني، وتكبل يدي، ثم توقفني بلا عزم، ولا إرادة، ولا عمل.

•••

يقولون لي: ما نكبة بلادك سوى جزء من نكبة العالم، وما الدموع والدماء التي هُرِقَتْ في بلادك سوى قطرات من نهر الدماء والدموع المتدفق ليلًا ونهارًا في أودية الأرض وسهولها.

نعم، ولكن نكبة بلادي نكبة خرساء، نكبة بلادي جريمة حبلت بها رؤوس الأفاعي والثعابين، نكبة بلادي مأساة بغير أناشيد ولا مشاهد.

لو ثار قومي على حكامهم الطغاة، وماتوا جميعًا متمردين، لقلت إن الموت في سبيل الحرية لأشرف من الحياة في ظلال الاستسلام، ومن يعتنق الأبدية، والسيف في يده كان خالدًا بخلود الحق.

لو اشتركت أمتي بحرب الأمم، وانقرضت عن بكرة أبيها في ساحة القتال، لقلت هي العاصفة الهوجاء تَهْصُرُ بعزمها الأغصان الخضراء، واليابسة معًا، والموت تحت أغصان العواصف لأشرف منه بين ذراعي الشيخوخة.

ولو زلزلت الأرض زلزالها، وقلبت ظهر بلادي صدرًا، وغمر التراب أهلي، وأحبائي، لقلت هي النواميس الخفية تتحرك بمشيئة قوة فوق قوى البشر، فمن الجهالة أن نحاول إدراك أسرارها وخفاياها.

ولكن لم يمت أهلي متمردين، ولا هلكوا محاربين، ولا زعزع الزلزال بلادهم، فانقرضوا مستسلمين.

مات أهلي على الصليب.

ماتوا وأكفهم ممدودة نحو الشرق والغرب، وعيونهم محدقة بسواد الفضاء.

ماتوا صامتين، لأن آذان البشرية قد أُغْلِقَتْ دون صراخهم.

ماتوا لأنهم لم يحبوا أعدائهم كالجبناء، ولم يكرهوا محبيهم كالجاحدين.

ماتوا لأنهم لم يكونوا مجرمين.

ماتوا لأنهم لم يظلموا الظالمين.

ماتوا لأنهم لم يكونوا مسالمين.

ماتوا جوعًا في الأرض التي تُدِرُّ لبنًا وعسلًا.

ماتوا لأن الثعبان الجهنمي قد التهم كل ما في حقولهم من المواشي، وما في أَهْرَائَهُم من الأقوات.

ماتوا لأن الأفاعي أبناء الأفاعي قد نفثوا السموم في الفضاء الذي كانت تملؤه أنفاس الأَرْزِ وعطور الورود واليَاسَمِيْن

•••

مات أهلي وأهلكم أيها السوريون، فماذا نستطيع أن نفعل لمن لم يمت منهم؟

إن نواحنا لا يسد رمقهم، ودموعنا لا تروي غليلهم إذن ماذا نفعل لننقذهم من الجوع والشدة؟

هل نبقى مرتابين، مترددين، متكاسلين، مشغولين عن المأساة العظمى بتوافه الحياة وصغائرها؟

إن العاطفة التي تجعلك، يا أخي السوري، أن تعطي شيئًا من حياتك لمن يكاد أن يفقد حياته، هي الأمر الوحيد الذي يجعلك حَرِيًا بنور النهار، وهدوء الليل.

وإن الدرهم الذي تضعه في اليد الفارغة الممدودة إليك هو هو الحلقة الذهبية التي تصل ما فيك من البشرية بما فوق البشرية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠