الصدى

اعتمد على عَصاه وانتظر، تلاشى رنين الجرس، ولا صوت يجيء من وراء الباب؛ كأنَّ الشقَّة خالية، بعد لحظة سينفتح الباب عن الوجه القديم، الوجه الذي لم تَرَه منذ عشرين سنة، والزمن لم يَطمس صورتَه القديمة الباكية المتصبِّرة المتأفِّفة. وهي وإن تكن اليومَ في الثمانين، فما أكثر المعمرات في أسرتنا، أما الرجال …؟! الرصاص والمآسي والأعيُن التي لا تذرف الدمع.

وسمع صوتَ شبشب يَزحف فوق البلاط، فتهيَّأ للمفاجأة وعواقبها، ولكن الشُّرَّاعة فُتِحت عن وجهٍ ذابلٍ عليل، أم محمد الخادمة، ارتاح لذلك ونظر إليها من علٍ وهي تَتطلَّع إليه بحذرٍ ونظرٍ كلِيل: مَن؟

– افتحي يا أم محمد.

– مَن حضرتك؟

قالتها بلهجةِ مَن لا ينتظر زائرًا على الإطلاق، بيت مهجور كأن القطيع كله لم ينطلق منه إلى الساحات الدامية.

– حقًّا نسيتِني يا أم محمد؟

رمشَت عيناها طويلًا، ثم أضاءت بانتباهةٍ مذهلة: سيدي عبد الرحيم! .. يا خبر!

دخل وهو يَحبِكُ عباءتَه السوداء حول قامته الفارغة، ثم ترك لها يدَه تلثمها بحرارة قائلة: مَن يُصدِّق؟! .. مَن يُصدِّق؟!

ثم وهي تضبط أنفاسَها: سأذهب لأخبر ستي.

فاعترضها بعصاه قائلًا: لا .. أين حجرتها؟

أشارت إلى بابٍ في نهاية الصالة الممتدَّة إلى يمين الداخل، وقالت: يجب يا …

فقاطَعها بحزمٍ وهو يسير: أعرف ما يجب، أعرف كل شيء، ولا أريد أن يزعجني أحد.

دخل الحجرةَ مُتمهِّلًا، وبلا صوت، وبقلب يزدرد انفعاله بصلابةٍ معهودة، ثم أغلق البابَ وراءه. وقف في وسط الحجرة وهو ينظر إليها بتمعُّنٍ واستطلاع، ورغم غلظته تَأثَّر بعض الشيء، تَسرَّبَت إلى أنفه الأفطس رائحةٌ غريبة وأليفة معًا، كما تنبلج ذكرى ضائعة، فدفعَته إلى أحضان الماضي. ها هو يعود إلى صميم نفسه، وتَربَّعَت المرأة على كنبة قابضة بأصابعها على مسبحةٍ طويلة لامَسَت شُرَّابتها البساط، ولكنها لم ترفع رأسَها إليه، وكأنها لم تشعر له بوجود، وقد تلفَّعَت بخمارٍ غامق لم يتَّضح لونه في جوِّ الحجرة الغامض المحجوب عن النور بنافذتَين محكمتَي الإغلاق، إنها تَتجاهلك بلا شك، لعلها سمعَت ما دار من حديثٍ في الصالة فتَأهَّبَت لتجاهُلك. لا تعجب لبرودها، فكم قاسَت وكم عانَت! وهي على أي حالٍ أمُّ المآسي، فكيف تخلو من روح العنف! .. وماذا توقَّعتَ عندما اضطرَّتكَ الحال إلى العودة؟ وابتسم ليُليِّن من قسوةِ وجهِه الداكن كجلدٍ مدبوغ، ولكنها لم تَأبَه له البتة، وراحَت تُسبِّح بصوتٍ مهموس ثم تَثاءَبت! اختفت الابتسامة من وجهه. إنها أشدُّ مما تَصوَّر، إنها أقسى من تاريخ الأسرة الدامي، لكنني عنيد أيضًا، لم أقطع الوادي لأسلِّم بهزيمةٍ عاجلة. توقَّعتُ سخطًا ولَعْنًا وبكاءً ومرارة، ولكن ليس الصمت والتجاهُل، تلك صدمة أجَّلَت فكرةَ تقبيلِ اليد إلى حين، والانسحابُ أبعدُ ما يكون عن الخاطر، لم يَبْقَ إذن إلا طريق وسط، قال بهدوء: نهاركِ سعيد يا أمي.

واقترب خطوتَين مادًّا يده، ولكنها لم تشعر له بوجود. صدمة أشدُّ من الأولى، الماضي بكل مآسيه لن يخفِّف من قسوةِ اللطمة، حقٌّ أنك آخِرُ مَن يعجب لقسوةٍ ما، وعليك أن تؤدي حسابَ عشرين عامًا من المقت، وهي كما ترى لا تَبرأ من صفة الضجر، وابتسم ابتسامة مفجعة وهو يتقهقر نحو الفراش ثم جلس على حافته، وضَع طربوشَه على الوسادة، واعتمد براحته على العصا. ما دمتَ قد رجعتَ إلى مهْدِك، فلا بأسَ من الجلوس على الفراش.

– الحق أني لم أتوقَّع مُقابَلةً لطيفة، ولكني لم أتصوَّر هذه القدرة على الإعدام!

وضحك ضحكةً قصيرة ميتة، وقال: نحن أسرةُ الأنياب والأظافر، ولكني مشوقٌ إلى معرفةِ النهاية.

رفعت رأسها قليلًا، ربما لتُرِيحه، ثم عادت إلى الانطواء على المسبحة في عالَم لا يشاركها فيه أحد.

– مَن يدري، فلعلَّ حضوري خطأٌ من أساسه، ولكني مُصمِّم على ألا أندم عليه.

لا كلمة .. لا حركة .. لا اهتمام.

– أتَتوقَّعين أن أعتذر؟! .. أن أعترف بخطأ .. أن أُعلِن الندم؟ .. أنتِ تعرفيننا خيرًا مما نعرف أنفُسَنا، والكلام لم يَعُد يُجدِي، وكلانا قد تَغيَّر كثيرًا، ولكن صحتَكِ ما زالت بحمد الله جيدة، لعلها أفضلُ من صحتي.

العبارة الأخيرة غير قابلة للتجاهُل إلى ما لا نهاية، سوف تدبُّ حركة. أجل، ستنفجر أولًا في غضبٍ وتصبُّ اللعنات، ثم تَلين رويدًا، وأخيرًا ستسمع هذه الجدران دعاء!

– أعلم ماذا يقول صمتُكِ، جاء اللص، جاء المجرم، جاء أخيرًا، بالله خبِّريني، هل تَطلَّبَت حياتُك هنا مالًا أكثر مما لديكِ؟

وركبَته رغبةٌ يائسة في المزاح، فتساءل: هل أردتِ مالًا لتجرِّبي حظَّكِ في الزواج من جديد؟

وضحك عاليًا، لكنه ضحك وحده، وحده. لله هذه القدرة الجهنمية على الإعدام!

– ما مضى قد مضى، الدم والأرواح مضت، لسنا أولَ مجموعة دموية ولن نكون آخِرَها، وكم هلك لي من أعِزَّة، وقطنَت في صدري رصاصةٌ إلى الأبد، ولا تَعُدِّي بقايا الطعنات في الفخذ والبطن والرأس، وكنتِ تبكين وتمزِّقين شعرَكِ، وكنا وما زلنا نعاني في حياتنا، ما الفائدة؟ ما مضى قد مضى.

ألم تُعاهِد نفسَك على تجنُّب الذكريات؟ ولكن كيف؟ إنها مستمرةٌ في قتلك، وأنت لم تَقطع الواديَ من أقصاه لتجلس أمام تمثالٍ من حجر.

– إذن، تودين أن أذهب؟! لا أعجب كثيرًا ولكني أتيت، وهذا جزء لا يَتجزَّأ من الحكاية، ألم تغضبي بما فيه الكفاية؟ لعنت الأبناءَ حتى جفَّ صوتُك، هالَكِ أن يخرجَ من بطنك هذا العددُ العديد من الأعداء، ولكنه بطنُك على أي حال. وخبِّريني بالله كيف مات أبي، وأعمامي؟ وقيل لي لماذا تذهب بعدما كان، ولكن لا أحدَ يعلم بسِرِّي سِواي، وأنا أُومِن بالغيب إيماني بالدم، والوقتُ قد فات فيما بدا لهم، ولكني رأيت رأيًا آخَر، غير أني أود أن أعلم حتَّامَ تَتعلَّقين بالصمت؟!

آه! .. فَلْتعجب بها بقدر ما تحنق عليها، ما أصدقها لنا من أم! لكنَّك تمثِّل عنادَ مَن تَربَّص يومًا في حقل الذُّرة ثمانيَ ساعات دون حركة. وكم غنَّيت فوق أشلاء الجُثث، وأيدي الإخوة التي قطعتها! وقولك الساخر عن ابنَيْ عمَّيْك في البلد: «يَتحابَّان رغم أنهما أخوان!»

– لا تطرديني دون كلمة، اسأليني على الأقل عما جاء بي، الغبار لم يَعُد يُطاق، والشوكُ أدمى الأقدام، وأعترف بأنَّ نفسي نازعَتني إلى مأوى مَنسِي لأستردَّ فيه أنفاسي، شعور طبيعي بالحاجة إلى الظل بعد احتراقٍ لعين، وسمعتُ — إنْ صدقًا وإنْ كذبًا — أشياء وأشياء عن غرابة أطوار الأم، أي أمٍّ كما قالوا، ومع أن آخِر صورة احتفظتُ بها منكِ كانت عابسةً باكية لاعنة، إلا أني غامرتُ بالتجربة.

يا ربَّ السموات! ها هي تَتثاءب مرةً أخرى، من الضجر لا من التعب، ولكن طلاء القسوة سيَتقشَّر عاجلًا أو آجلًا ثم يتساقط، والأحزان قد أنضبت في نفسك مواردَ سخيَّة، ولكني أجلس أمامك بشخصي وشهادة ستين عامًا من البُنوَّة، وإن تكن بُنوَّةً مُفلِسة جدباء.

– أصغي إليَّ، أنا لا أسافر عبثًا. هكذا خُلقت، قيل لي لماذا تذهب بعد ما كان، ولكن لا أحد يعلم بسرِّ ذلك سِواي، ومُذ قدمتُ وأنا أتكلَّم وأنتِ تقتلين، سأذهب أقسى مما جئت، والساقية تدور ولا تحمل من باطن الأرض إلا العلقم، لم يَجِئ الأبناءُ خيرًا منا، هيهات أن أعترض، اليومَ يُقطِّبون ويتبادلون نظراتٍ ممتعضة، وغدًا ينطلق الرصاص، ها أنا أرى المستقبل بعين الماضي الدامية، واليومَ تجمعهم صورةٌ عائلية، كما جمعَتنا صورةٌ يومًا ما، ولكن ماذا عن الغد؟ وكان أن ضجرتُ، ضجرتُ حتى الموت، ولكننا نكره الكلمات الطيِّبة ولا نصدِّقها، وإذن فَلْتَمضِ القافلة مثيرةً للغبار ولرشاش الدم. ولكن تمادى بي الضجر حتى وقعت، وبعد عشرين عامًا من العقوق والنسيان ذكَّرني الضجر بك! ولكن ماذا أريد؟ أن أرجع إليك؟ ولكن ماذا وراء ذلك؟ ونحن نخجل من العواطف ونتباهى بالكلمات، غير أني أصبحت ذاتَ يوم مقوَّس الظهر، أزحف على أربع، وكتمتُ الألم خشيةَ الشماتة، لا شيءَ سوى الشماتة، وما جاء الظهر حتى أعلمني الطبيب بأني مريضٌ بكل معنى الكلمة، ولست أصدِّق الأطباء، ولكني لم أجد مَفرًّا من تصديق الألم، وخصوصًا وأنه لا يُؤلمني إلا الألمَ الأليم، وانزويتُ في حجرتي أيامًا، وأحدقت بي نُذر الشقاق بين الأبناء حتى رأيت صفحةَ المستقبل داميةً كالصفحة المنطوية، وتجهَّمَتني الدنيا، وأبيتُ في الوقت نفسه تذكُّرَ كلماتك القديمة، ولكني رأيتُ حُلمًا.

آه هل تستسلم لليأس؟ وما هذا الألم الذي يدبُّ في أعماقك، أهو نذيرُ نوبةٍ جديدة؟ إذن ماذا تفعل العقاقير؟ ولِمَ هي ليست حاسمة كالرصاص والفأس؟ وأنتِ أيتها العجوز ماذا بالله يُمكِن أن يحرِّكك؟ أأقول إنك أقسى منَّا جميعًا؟ لا تضطريني إلى هزِّكِ حتى تفيقي، إني إذا صرختُ تَقوَّضَت الجدران!

– حلمت حلمًا، فلماذا لا تسألينني عما رأيت؟ هل فقدتِ ولعَكِ بالأحلام وتأويلها؟ اعذريني إذا اعتقدتُ بأننا إنما ورثنا القسوةَ عنك، عنك أنتِ أكثر مما ورثناها عن أبي أو أيِّ جَد غابر، لا أحدَ يمكنه المحافَظة على بروده كما تفعلين، وجهُكِ لا يُفصِح عن شيء، أنتِ لا تتجاهلين وجودي ولكنك تَجهَلينه، تَجهَلينه بكل معنى الكلمة، أنتِ لا تسمعينني ولا ترينني، من أين لكِ هذه القوَّة كلها؟

وانتفض واقفًا في انفعال، ذهب مرة وجاء، ثم وقف قبالتَها مُعتمِدًا على عصاه بيُمْناه مُتجهِّم الوجه: أهذه طريقتُكِ في العقاب؟ لا شكَّ أنكِ تخيَّلتِ هذا اللقاء وتمنَّيتِ وقوعَه وانتظرتِه طويلًا، قلتِ سيجيء يومًا، سيجيء إذا ألمَّت به كارثةٌ أو صرَعَه مرض، سيذكر عند ذاك أمَّه المنسيَّة، ويُهرَع إليها سائلًا العفوَ والبركة، وعند ذاك أجد فرصتي للانتقام، سيُكفِّر عن السرقة والنَّهب والاعتداء والقتل، عن دموعي التي لم يجفِّفها أحد، عن استغاثاتي التي قُوبِلت بالنهر، عن حبسي الطويل في هذه الغربة، هذه هي الحقيقة، وإنك لأمنا حقًّا، فأسلوبك هو أسلوبنا، وقسوتك هي قسوتنا، وفي بعض أُوَيْقات الإرهاق والملل كنت أتساءل عما شكَّلنا بهذه الصورة الوحشية التي لا تعرفها الكلابُ ولا الحمير ولا البَقَر ولا الجاموس، وها هي الحقيقة تَتكشَّف لي، إن السَّيل الذميم المنصهر ينحدر منك يا امرأة!

وضرب أرضَ الحجرة بعصاه مرتَين حتى طقطق زجاج النافذة، وإذا بأم محمد تنقر على الباب المغلَق مُستطلِعة مُستأذِنة، فصاح بها غاضبًا «اذهبي»، ثم التفَت إلى المرأة التي واظَبَت على التسبيح في هدوء، وقال: كفى، كفِّي عن التسبيح، نحن لا نعرف الله، ولا نذكره إلا عند شراء النُّقل أو صنع الكعك، الحق أننا لا نعرف الله ولا نريد أن نعرفه، والحُلم الذي رأيتُ كان حُلمًا كاذبًا، وما كان ينبغي أن أحلم، أو أن أكترث للحُلم إذا حلمت، وما كان ينبغي أن أمرض، على الذين يعيشون للرصاص والدم ألا يمرضوا أو يحلموا، وعليهم ألا يبحثوا عن راحة إلا في الموت، عليهم أن ينتحروا قبل أن يُقتَلوا، فأيُّ شيطانٍ دفعني إلى زيارتك يا امرأة؟

ولما لم تخرج عن تجاهُلها الرهيب، قطَّب في عزم، وتقدَّم منها خطوتَين، ثم مدَّ يدَه فأمسك بيدها، ارتفع رأسُها متراجعًا في دهشة، تركت المسبحة في حجرها وأراحت يدَها الأخرى على يده، تحسَّست ظهرَها الجافَّ المعروق ومَنابتَ الشَّعرِ الأبيض عند أصول الأصابع، ارتسم الفزع في وجهها، ثم ندَّت عنها صرخةٌ وصاحت: مَن؟ .. مَن؟ .. أم محمد!

وسرعان ما ألمَّت بها نوبةُ سعال، ثم عادت تصيح بصوتٍ مخنوق شَرِق: أم محمد .. أم .. محمد.

انفتح الباب في دفعة متمرِّدة، وهرولَت المرأة إليها في اللحظة التي أخذ هو فيها يتراجع في وجومٍ شديد. احتوَت الخادمُ يدَ سيدتها المرتعشة بين راحتَيها في حنوٍّ، ثم راحت تُربِّت ظهرَها النحيل في إشفاق، قال الرجل كالمعتذر: لا أدري ماذا أفزَعَها!

فقالت الخادم بصوتٍ خائف: أردتُ أن أقول لك، فلم تسمع لي يا سيدي، ثم منعتَني من الدخول!

لبس طربوشه وتناوَلَ عصاه، وهو يقول: ماذا أفزعها؟ .. كنت طوال الوقت أتودَّد إليها، وكان أملي كبيرًا في أن تَلين إذا رأَتني بين يدَيها.

أرخت الخادم جفونَها، وهي تقول بحسرة: يا سيدي، إنها لا ترى!

اتَّسعَت عيناه الغامضتان في ذهول، وراح يَتفحَّص أمَّه، وهو يقول: تعنين …؟

– نعم يا سيدي، إنها لا ترى.

وحلَّ بالحجرة خرسٌ مقدارَ دقيقتين، ثم تمتم: لم أتصوَّر ذلك، النور خافتٌ كما ترين.

ثم بنبرةٍ مُرة، وكأنه يحادث نفسه: ولكني حدَّثتها طويلًا فتجاهَلَتني على نحوٍ أليم!

قالت الخادم بصوتٍ منكسر: يا سيدي، إنها لا تسمع!

بذهولٍ أشد: تَعنِين …؟

– نعم يا سيدي، إنها لا تسمع.

لطمه الفَهمُ لطمةً مُفزعة أدارت رأسه: كلية؟

– نعم.

– أَئِذا صرختُ …؟

– لا فائدة يا سيدي.

– لا بصر ولا سمع؟

– لا بصر ولا سمع.

– يا ألطافَ الله، متى حدث ذلك؟

– من أعوامٍ يا سيدي، بدأ أمرُ الله بالعينَين، ثم تلاه السمع، ولم يَنفع طبُّ الأطباء.

تردَّد مليًّا ثم تساءل في حرجٍ واضح: ألم تكن هناك طريقةٌ للاتصال بي؟

– أردتُ ذلك عقِبَ إصابة العينَين ولكنها منعَتني، منعَتني بشدة ورجاء معًا، فاحترمتُ رغبتَها إلى النهاية.

لم يكن الموقف كما تصوَّرت، ولكنه في الحقيقة أفظع، وأنت شريكٌ في الجناية لا مَفر، جئتَ تَتخفَّف من أثقالك فضاعَفتَها أضعافًا مُضاعفة، وها هي أنفاسُها تَتردَّد على يدك، ولكنها أبعدُ من نجم، كالموت، غير أنه ينضح بالعذاب. وها هو الصمت، وها هو السد، وعليك أن تُؤَوِّل حُلمك بنفسك، أو سوف يبقى الحُلم بلا تأويل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤