الفصل الرابع

كان يومًا شديد القيظ. كنا قد أقمنا حاجزًا مثاليًّا جدًّا على الجسر. كان لا يُقدَّر بثمن. حاجز شبكي كبير وقديم من الحديد المطاوع كنا قد أخذناه من واجهة أحد المنازل. كان ثقيلًا للغاية بحيث ما كان لهم أن يرفعوه، وكنا نستطيع نحن أن نُطلِق النار من خلاله، وكان عليهم تسلُّقه. لقد كان ممتازًا للغاية. حاولوا تسلقه؛ فأطلقنا عليهم النار من على بعد ٤٠ ياردة. هاجموه بقوة وأتى بعض الضباط وعالجوا أمره. لقد كان حاجزًا مثاليًّا للغاية، وكان ضباطهم بارعين للغاية. انزعجنا بشدة حين سمعنا بأنَّ جناح جيشنا قد هُزِم، وأنَّ علينا أن نتراجع.

عاصفة الأيام الثلاثة

توقف المطر حين انعطف نِك إلى الطريق الذي كان يمتد عبر بستان الفاكهة. كانت الثمار قد قُطِفت، وراحت رياح الخريف تهب بين الأشجار العارية. توقَّف نِك وتناول تفاحة من نوع واجنر من على جانب الطريق كانت تلمع في العُشب البنِّي من أثر المطر. وضع التفاحة في جيب معطفه الماكينو.

بعد الخروج من البستان، كان الطريق يمتد إلى أعلى التل. وهناك كان الكوخ، والشرفة الخالية، والدخان المتصاعد من المدخنة. وفي الخلف، كان هناك المرأب وحظيرة الدجاج والجيل الثاني من الأشجار التي نمَت كسياج على خلفية الأحراج التي تقبع خلفها. راحت الأشجار الكبيرة تتمايل بعيدًا في الرياح بينما وقف يُشاهد. كانت تلك أولى عواصف الخريف.

حين عبر نِك الحقل المفتوح الذي يعلو البستان، فُتِح باب الكوخ وظهر منه بِل الذي وقف يتطلع إلى الخارج من الشرفة.

تحدث قائلًا: «حسنًا، ها أنت يا ويمِدج.»

قال نِك وهو يصعد الدرَج: «مرحبًا يا بِل.»

وقفا معًا يتطلعان إلى الريف الممتد أمامهما؛ إلى البستان بالأسفل، وإلى ما يقع خلف الطريق، وإلى الحقول السفلية، وإلى أحراج اللسان وحتى البحيرة. كانت الرياح تهب بقوة على البحيرة. كانا يستطيعان رؤية الأمواج المتكسرة على امتداد لسان تِن مايل.

قال نِك: «إنها تهب.»

قال بِل: «وستظل تهب هكذا على مدار ثلاثة أيام.»

سأل نِك: «هل أبوك بالداخل؟»

«كلا، لقد خرج وأخذ البندقية معه. تفضل بالدخول.»

دخل نِك الكوخ. كانت هناك نار كبيرة موقدة في المدفأة، وقد جعلتها الرياح تزأر؛ فأوصد بِل الباب.

تحدث قائلًا: «أتتناول مشروبًا؟»

ذهب إلى المطبخ وعاد بكأسَين وإبريق مياه. تناول نِك زجاجة الويسكي من فوق الرف الموجود أعلى المدفأة.

وقال: «ما رأيك؟»

أجاب نِك: «رائع.»

جلسا أمام المدفأة وراحا يشربان الويسكي الأيرلندي والمياه.

قال نِك: «إنَّ له طَعمًا مدخنًا رائعًا.» وراح ينظر إلى النار عبر الكأس.

قال بِل: «ذلك بسبب الخث.»

قال نِك: «إنَّ الخث لا يوجد في المشروبات الكحولية.»

قال بِل: «إنَّ ذلك لا يُشكِّل فرقًا.»

سأل نِك: «هل رأيت الخث قبل ذلك؟»

أجاب بِل: «كلا.»

قال نك: «ولا أنا رأيته.»

كان حذاء نِك يرتكز على إفريز المدفأة؛ فبدأ البخار يتصاعد منه.

قال بِل: «من الأفضل أن تخلع حذاءك.»

«لم أرتدِ جوربًا.»

قال بِل: «اخلعه وجففه وسآتيك بأحد الجوارب.» ثم صعد الدرج إلى الطابق العلوي، وكان نِك يسمع وقع خطواته فوق رأسه. كان الطابق العلوي مفتوحًا تحت السقف، وفيه كان ينام بِل وأبوه ونِك أيضًا في بعض الأحيان. في الخلف، توجد غرفة للملابس. نقلوا الأسرَّة الخفيفة النقالة بعيدًا عن المطر وغطوها بأغطية مطاطية.

نزل بِل ومعه جوربان صوفيان ثقيلان.

تحدث قائلًا: «لقد تأخر الوقت كثيرًا وينبغي ارتداء جوربين.»

قال نِك: «أكره أن أرتديَهما ثانية.» ارتدى الجوربين وجلس متراخيًا على المقعد، مستندًا بقدمَيه على الشبكة الموجودة أمام المدفأة.

قال بِل: «سوف تتسبب في انبعاج الشبكة.» أزاح نِك قدمَيه إلى جانب المدفأة.

ثم سأل: «ألديك أي شيء أقرؤه؟»

«الجريدة وحسب.»

«ما أخبار فريق كاردز للبيسبول؟»

«لقد خسر مباراتَين متتاليتَين لصالح فريق جاينتس.»

«إنَّ ذلك سيُسهِّل عليهم الأمر.»

قال بِل: «إنها هدية. ما دام ماكجرو قادرًا على شراء جميع لاعبي الكرة الجيدين في الدوري، فسيكون الفوز حليفهم دائمًا.»

قال نِك: «إنه لا يستطيع شراءهم جميعًا.»

قال بِل: «إنه يشتري جميع اللاعبين الذين يرغب في شرائهم، وإلا فإنه يجعلهم يتذمرون إلى أن تُضطَرَّ إدارات الفرق إلى بيعهم له.»

صدَّق نِك على كلامه قائلًا: «مثلما فعل مع هايني زِم.»

«سيُحقِّق له هذا الأحمق الكثير من المكاسب.»

نهض بِل واقفًا.

قال نِك: «إنه لاعب رائع.» كانت حرارة نار المدفأة تشوي ساقَيه.

قال بِل: «وهو يتلقى الضربات ببراعة أيضًا، لكنه يخسر ألعاب الكرة.»

قال نِك بنبرة اقتراح: «ربما هذا هو ما يريده ماكجرو من أجله.»

قال بِل مؤيدًا كلامه: «ربما.»

قال نِك: «إنَّ الأمر دائمًا ما ينطوي على الكثير جدًّا من الأشياء التي لا نعرفها.»

«بالتأكيد، غير أنَّنا نعرف قدرًا لا بأس به رغم كوننا بعيدين للغاية عن المجال.»

«إنَّ الأمر يُشبِه قدرة المرء على اختيار الحصان الفائز على نحوٍ أفضل بشرط عدم رؤية الأحصنة.»

«بالضبط.»

مد بِل يده إلى زجاجة الويسكي. أمسكت يده الكبيرة بها من جميع الجهات، وصبَّ الويسكي في الكأس التي أمسك بها نِك.

«ما كَمية الماء التي تُريدها؟»

«الكَمية نفسها.»

جلس على الأرض بجوار مقعد نِك.

قال نِك: «أليس وقت هبوب عواصف الخريف بالوقت الجيد؟»

«إنه وقت رائع.»

قال نِك: «إنه أفضل أوقات العام.»

قال بِل: «ألم نكن سنشعر بالتعاسة لو كنا في المدينة في هذا الوقت؟»

قال نِك: «أودُّ مشاهدة بطولة العالم.»

قال بِل: «حسنًا، إنها دائمًا ما تُعقَد الآن إما في نيويورك وإما في فيلادلفيا. وهذا لا يُناسبنا على الإطلاق.»

«تُرى هل سيفوز فريق كاردز بأية بطولة رياضية؟»

قال بِل: «لن نشهد ذلك ما حيينا.»

قال نِك: «يا إلهي! لا بد أنهم سيُجَنُّون إن حدث ذلك.»

«أتتذكر حين أبلَوْا بلاءً حسنًا في تلك المرة التي سبقَت حادثة تحطم القطار التي تعرضوا لها؟»

قال نِك: «وكيف لا أذكر ذلك؟!»

مدَّ بِل يده إلى الطاولة الموجودة تحت النافذة لكي يصل إلى الكتاب الموضوع منكفئًا والذي قد وضعه هناك حين ذهب إلى الباب. أمسك بالكأس في يد، وبالكتاب في اليد الأخرى، ومال بظهره على مقعد نِك.

«ماذا تقرأ؟»

«ريتشارد فيفريل.»

«لم يُعجبني، فلم أستطع أن أقرأه.»

قال بِل: «إنه كتاب لا بأس به. إنه ليس بالكتاب السيِّئ يا ويمِدج.»

سأل نِك: «ماذا لديك غيره من كتب لم أقرأها؟»

«هل قرأت «عشاق الغابة»؟»

«أجل. إنه يحكي عن شخصَين ينامان كل ليلة في سرير واحد ويضعان سيفًا مجردًا من غِمده بينهما.»

«إنه كتاب جيد يا ويمِدج.»

«كتاب رائع، لكنَّ الشيء الذي لم أستطع فهمه على الإطلاق هو جدوى السيف؛ إذ يجب أن تظل حافَتُه إلى الأعلى دائمًا لأنه إذا نام على أحد جانبَيه، فيُمكنك أن تتدحرج عليه دون أن يُصيبك بأي أذًى.»

قال بِل: «إنه رمز.»

قال نِك: «بالتأكيد، لكنه غير عملي.»

«هل قرأت «الجَلَد»؟»

قال نِك: «ذلك كتاب جيد. إنه كتاب أصيل يحكي عن أب يلاحق ابنه طوال الوقت. ألديك المزيد من كتب وولبول؟»

قال بِل: «لدي «الغابة المظلمة». إنه يحكي عن روسيا.»

سأل نِك: «وماذا يعرف هو عن روسيا؟»

«لا أعرف. لا يعرف المرء كثيرًا عن هؤلاء الرجال. ربما عاش بها في صباه؛ فهو يذكر في هذا الكتاب الكثير من المعلومات عنها.»

قال نِك: «أود أن ألتقي به.»

قال بِل: «أود أن ألتقيَ بتشسترتون.»

قال نِك: «أتمنى لو أنه كان هنا الآن. كنا سنأخذه لصيد الأسماك غدًا في شارلفوي.»

قال بِل: «لا أدري هل كان سيرغب في الذهاب لصيد الأسماك أم لا.»

قال نِك: «بالتأكيد. لا بد أنه أفضل الرجال على الإطلاق. هل تتذكر «النُّزُل الطائر»؟»

«إن نزل إليك ملاكٌ من السماء
وأعطاك شيئًا آخر لتشربه؛
فاشكره على نواياه الطيبة
ولتأخذه وتسكبه في الحوض.»

قال نِك: «أجل، أعتقد أنه أفضل من وولبول.»

قال بِل: «حسنًا، إنه أفضل من وولبول بالتأكيد.»

«لكنَّ وولبول ككاتبٍ أفضلُ منه.»

قال نِك: «لا أدري. إنَّ تشسترتون كاتب من الطِّراز الأول.»

قال بِل بإصرار: «وولبول أيضًا كاتب من الطراز الأول.»

قال نِك: «أتمنى لو أنَّ كليهما كانا هنا الآن، ولَكُنا إذن قد اصطحبناهما غدًا لصيد الأسماك في شارلفوي.»

قال بِل: «فلنشرب حتى السُّكر.»

قال نِك موافقًا: «حسنًا.»

قال بِل: «إنَّ أبي لن يمانع.»

سأله نِك: «هل أنت متأكد؟»

قال بِل: «أجل، متأكد.»

قال نِك: «إنني ثمل الآن قليلًا.»

قال بِل: «إنك لستَ ثملًا.»

نهض من الأرض وأمسك بزجاجة الويسكي. أمسك نِك بالكأس. وظلت عيناه مثبتتَين عليها، بينما راح بِل يصب الويسكي.

ملأ بِل الكأس بالويسكي حتى منتصفها.

ثم قال: «أضف ما تشاء من الماء. لم يتبقَّ سوى جرعةٍ واحدة.»

سأله نِك: «ألديك المزيد؟»

«لدينا الكثير، لكن أبي يريدني ألَّا أشرب إلا مما هو مفتوح.»

قال نِك: «بالتأكيد.»

فسَّر بِل كلامه قائلًا: «إنه يقول إنَّ فتح الزجاجات هو ما يصنع السكِّيرين.»

قال نِك وقد أعجبه القول: «هذا صحيح.» إنَّ ذلك لم يخطر بباله من قبل. لقد كان يظن دومًا أنَّ شرب المرء بمفرده هو ما يصنع منه سكيرًا.

سأل نِك باحترام: «كيف حال والدك؟»

أجابه بِل: «إنه بخير، غير أنه يخرج عن المألوف قليلًا في بعض الأحيان.»

قال نِك: «إنه رجل رائع.» صبَّ مياهًا من الإبريق في كأسه؛ فراحت تختلط مع الويسكي ببطء. وكان الويسكي أكثر من المياه.

قال بِل: «إنه كذلك بكل تأكيد.»

قال نِك: «والدي لا بأس به أيضًا.»

قال بِل: «هذا صحيحٌ بالطبع.»

تحدث نِك كما لو كان يُعلِن حقيقة علمية: «إنه يزعم أنه لم يتناول الخمر في حياته قط.»

«حسنًا، إنه طبيب. أما أبي فهو رسام، شتَّانَ ما بين هذا وذاك.»

تحدث نِك بنبرة من الحزن قائلًا: «لقد فاته الكثير.»

قال بِل: «وما يُدريك؟ لكل مهنة ما يُميزها عن غيرها.»

اعترف نِك: «هو نفسه يقول إنه قد فاته الكثير.»

قال بِل: «أبي أيضًا قد مر بأوقات عصيبة.»

قال نِك: «الأمور تتعادل إذن.»

جلسا ينظران إلى النار ويُفكِّران في هذه الحقيقة العميقة.

قال نِك: «سآتي بقطعة من الخشب من الشرفة الخلفية.» كان قد لاحظ بينما كان ينظر إلى النار أنها قد بدأت تخبو. وقد كان يرغب أيضًا في أن يُوضِّح أنه يستطيع أن يشرب الخمر ويظل مفيدًا في الوقت ذاتِه. حتى لو لم يكن أبوه قد شرب قطرة من الخمر في حياته، فلم يكن بِل سيُسكِره قبل أن يسكر هو.

قال بِل: «أحضر قطعة من خشب الزان الكبير.» هو أيضًا كان يتحرَّى أن يكون مفيدًا.

دخل نِك بقطعة الخشب مارًّا بالمطبخ وقد أوقع في أثناء مروره مقلاةً من فوق طاولة المطبخ. وضع قطعة الخشب على الأرض، ورفع المقلاة التي كانت تحتوي على مشمش مجفَّف منقوع في الماء. الْتقَط جميع حبات المشمش من الأرض بعناية، والتي كان بعضها قد دخل تحت الموقد، ووضعها مرة أخرى في المقلاة. صب عليها مزيدًا من الماء من الدلو الموجود بجوار الطاولة. كان فخورًا جدًّا بنفسه. فقد كان مفيدًا للغاية.

دخل حاملًا قطعة الخشب ونهض بِل من المقعد وساعده على وضعها في نار المدفأة.

قال نِك: «إنها قطعة خشب رائعة.»

قال بِل: «لقد كنت أدخرها للطقس السيئ. إنَّ مثل هذه القطعة ستظل تحترق طوال الليل.»

قال نِك: «وسيتبقى منها بعض الفحم لإشعال النار في الصباح.»

صدَّق بِل على كلامه قائلًا: «هذا صحيح.» كان حديثهما يتخذ مستوًى أعمق.

قال نِك: «لنتناول مشروبًا آخر.»

قال بِل: «أعتقد أنَّ هناك زجاجةً أخرى مفتوحة في الخزانة.»

جثا في الزاوية التي تقع أمام الخزانة، وأخرج زجاجة واجهتها مربعة.

تحدث قائلًا: «إنه ويسكي اسكتلندي.»

قال نِك: «سأُحضر المزيد من الماء.» خرج متجهًا إلى المطبخ مرة أخرى، وملأ الإبريق بمغرفة من ماء النبع البارد الموجود في الدلو. وفي طريق عودته إلى غرفة المعيشة، مر بمرآة في غرفة المائدة ونظر فيها. بدا وجهه غريبًا. ابتسم إلى الوجه الظاهر في المرآة؛ فإذا به يرد بالعبوس. غمز له بعينه وتابع طريقه. لم يكن وجهه، لكنَّ ذلك لم يُشكِّل أي فارق.

كان بل قد صب المشروب في الكأسَين.

قال نِك: «يا لها من جرعة كبيرة من الخمر!»

قال بِل: «ليس لأمثالنا، يا ويمدج.»

سأل نِك وهو يُمسِك بالكأس: «نخب من سنشرب؟»

قال بِل: «لنشرب نخب صيد الأسماك.»

قال نِك: «حسنًا! أيها السادة، نخب صيد الأسماك.»

قال بِل: «صيد الأسماك بجميع أنواعه، وفي كل مكان.»

قال نِك: «صيد الأسماك، هذا هو ما نشرب نخبه.»

قال بِل: «هذا أفضل من أن نشرب نخب البيسبول.»

قال نِك: «ما من وجه للمقارنة. كيف انتقلنا أصلًا إلى الحديث عن البيسبول؟»

قال بِل: «لقد كان خطأً؛ فالبيسبول هي لعبة الحمقى.»

شربا كل ما كان في كأسَيهما.

«لنشرب الآن نخب تشسترتون.»

تدخل نِك قائلًا: «وأيضًا وولبول.»

صبَّ نِك الخمر، وصبَّ بِل الماء. ثم تبادلا النظر وشعرا بأنهما في أفضل حال.

قال بِل: «أيها السادة، نخب تشسترتون ووولبول.»

قال نِك: «تمامًا أيها السادة.»

شربا، ثم ملأ بِل الكأسَين، وجلسا في المقعدَين الكبيرَين أمام المدفأة.

قال بِل: «لقد كنت حكيمًا للغاية يا ويمِدج.»

سأله نِك: «ماذا تقصد؟»

قال بِل: «أعني إنهاء علاقتك مع مارج.»

قال نِك: «أعتقد هذا.»

«لم يكن هناك من بديل آخر. إذا لم تكن قد فعلت ذلك، لكنت الآن في بيتك تُحاول جاهدًا توفير نفقات الزواج.»

لم يقل نِك شيئًا.

تابع بِل حديثه قائلًا: «متى تزوج الرجل، فقد انتهى للأبد. ولا يتبقى لديه أي شيء، لا شيء. لا شيء على الإطلاق. ينتهي أمره تمامًا. لقد رأيت الرجال الذين يتزوجون.»

لم يقل نِك شيئًا.

قال بِل: «يُمكِنك أن تُميِّزهم. يمكنك أن ترى فيهم سمات الترهُّل التي يكتسبها المتزوجون. إن أمرهم ينتهي تمامًا.»

قال نِك: «هذا صحيح.»

قال بِل: «لا بد أنَّ إنهاء العلاقة كان أمرًا صعبًا، لكن سيكون هناك دومًا امرأة أخرى تحبها، وسيكون الأمر على ما يُرام. يُمكنك أن تُحب، لكن لا تدع هذا الحب يُدمِّرك.»

تحدث نِك قائلًا: «أجل.»

«إن تزوجتها، فقد كنت ستُضطَر إلى الزواج من العائلة بأكملها. تذكر أمها وذلك الرجل الذي تزوجته.»

أومأ نِك برأسه.

«تخيل كيف أنهم كانوا سيزورون منزلك دومًا، وكيف أنك كنت ستتناول العشاء في منزلهم في عطلات الآحاد، وتدعوهم إلى العشاء بمنزلك أيضًا، وكيف أنَّ حماتك كانت ستظل تُملي على مارج طوال الوقت ما يجب أن تفعله وكيف يجب أن تتصرف.»

جلس نِك صامتًا.

قال بِل: «لقد خرجت من هذه العلاقة على أفضل نحوٍ ممكن. يمكنها الآن أن تتزوج شخصًا يوافق طبيعتها وتستقر معه وتسعد. لا يمكنك أن تمزج الزيت مع الماء، والأمر نفسه ينطبق على علاقتي مع آيدا التي تعمل في ستراتونز. هي أيضًا ستُحب ذلك على الأرجح.»

لم يقل نِك شيئًا. كان تأثير الخمر قد زال عنه تمامًا، وتركه وحيدًا. لم يكن بِل هناك. لم يكن هو من يجلس أمام نار المدفأة أو من سيذهب إلى الصيد غدًا مع بِل ووالده أو أي شيء آخر. لم يكن ثملًا. كل ذلك قد ذهب. كل ما كان يعرفه هو أنَّ مارجوري كانت له ذات يوم، وأنه قد فقدها. لقد رحلت، وكان هو السبب في رحيلها عنه. ذلك هو كل ما كان يشغل تفكيره. قد لا يراها مرة أخرى بعد الآن، وذلك هو ما سيحدث على الأرجح. كل شيء قد تلاشى وانتهى.

قال نِك: «لنتناول مشروبًا آخر.»

صبَّ بِل الخمر وخففه نِك بالقليل من الماء.

قال بِل: «لو كنتَ قد سلكت هذا الطريق، لما كنا هنا الآن.»

كان ذلك صحيحًا؛ إذ كانت خطته الأصلية أن يعود إلى مدينته ويحصل على وظيفة، ثم خطط لأن يُقيم في شارلفوي طوال الشتاء حتى يتسنى له أن يكون قريبًا من مارج. والآن، لم يعد يدري ماذا سيفعل.

قال بِل: «لم نكن حتى لنستطيع الذهاب إلى الصيد غدًا على الأرجح. حسنًا، لقد اتخذت الحل المناسب.»

قال نِك: «لم يكن باليد حيلة.»

قال بِل: «أعلم. هذه هي الحال التي تَئول إليها الأمور.»

قال نِك: «فجأة انتهى كل شيء، ولستُ أعرف السبب في هذا. لم يكن باليد حيلة. إنَّ الأمر أشبه بعاصفة الأيام الثلاثة التي تحل الآن وتنتزع جميع الأوراق من على الشجر.»

قال بِل: «حسنًا، لقد انتهى الأمر. هذا هو المهم.»

قال نِك: «لقد كان خطَئي.»

قال بِل: «لا يهم إن كان خطَأك أم لا.»

قال نِك: «أعتقد أنك على حق.»

المهم أنَّ مارجوري قد مضت في سبيلها، وأنه لن يراها على الأرجح مرة أخرى. لقد كان يُحدِّثها عن ذَهابهما معًا إلى إيطاليا، وعما سيجدانه من متعة، وعن الأماكن التي كانا سيزورانها معًا. وقد انتهى كل ذلك الآن.

قال بِل: «ما دام الأمر قد انتهى، فهذا هو كل ما يُهِم. أؤكد لك يا ويمِدج أنني كنتُ قلقًا حين كانت العلاقة قائمة، لكنك فعلت الصواب. يُقال إنَّ أمها حانقة للغاية. لقد أخبرت الكثير من الناس أنكما كنتما مخطوبَين.»

قال نِك: «لم نكن مخطوبَين.»

«لقد كان يُشاع عنكما في كل مكان أنكما مخطوبان.»

قال نِك: «لا دخل لي بهذا. لم نكن مخطوبَين.»

قال بِل: «ألم تكونا عازِمَين على الزواج؟»

قال نِك: «بلى. لكننا لم نكن مخطوبَين.»

سأله بِل بنبرة انتقاد: «وما الفرق؟»

«لا أعرف. هناك فرق.»

قال بِل: «أنا لا أراه.»

قال نِك: «حسنًا، لنسكر.»

قال بِل: «حسنًا، لنسكر حتى الثمالة.»

قال نِك: «لنسكر ثم نذهب للسباحة.»

تجرع كأسه في شربة واحدة.

ثم قال: «إنني أشعر بالأسف الشديد نحوها، لكن ماذا كان عساي أن أفعل؟ أنت تعرف كيف كانت طبيعة أمها!»

قال بِل: «كانت مريعة.»

قال بِل: «لقد انتهى الأمر على حين غِرَّة. وما ينبغي لي أن أتحدث عنه.»

قال بِل: «إنك لا تتحدث عنه. أنا مَن تحدث عنه، وقد انتهيتُ الآن. ولن نتحدث عن هذا الأمر أبدًا بعد الآن. يجب ألا تفكر فيه؛ فقد تعود إليه مرة أخرى.»

لم يخطر ذلك ببال نِك. لقد بدا الأمر أكيدًا للغاية بالنسبة إليه، لكنَّها فكرة حقًّا. وقد جعلته يشعر بالتحسن.

تحدث قائلًا: «بالتأكيد. إنَّ هذا الخطر موجود دائمًا.»

شعر الآن بالسعادة. لم يكن هناك من شيء لا يمكن تغييره. ربما يذهب إلى المدينة يوم السبت ليلًا. كان اليوم هو الخميس.

تحدث قائلًا: «هذا الاحتمال وارد على الدوام.»

قال بِل: «سيكون عليك أن تحترس.»

رد قائلًا: «سأحترس.»

شعر بالسعادة. لا شيء قد انتهى. لا شيء قد ضاع إلى الأبد. كان سيذهب إلى المدينة يوم السبت. شعر بأنه قد تَخفَّف من أعبائه مثلما كان قبل أن يبدأ بِل بالحديث عن الأمر. ثمة مخرج دائمًا من أي مأزق.

تحدث نِك قائلًا: «لنأخذ البندقيتَين ونذهب إلى اللسان لنبحث عن والدك.»

«حسنًا.»

أنزل بِل البندقيتَين من المسند الموجود على الجدار، وفتح أحد صناديق القذائف. ارتدى نِك معطفه الماكيناو وحذاءه الذي كان ما يزال متصلبًا من أثر التجفيف. كان ما يزال ثملًا، لكنَّ ذهنه كان صافيًا.

سأل نِك: «كيف تشعر؟»

«بأفضل حال. لقد أفقت من السُّكر لتوِّي.» وراح يُزرِّر أزرار سترته.

«لا فائدة من السُّكر.»

«أجل. يجدر بنا الخروج.»

خرجا من الباب، وكانت الريح تعصف بشدة.

قال نِك: «إنَّ هذه الرياح ستجعل الطيور تختبئ بين العشب.»

انطلقا متجِهَين إلى البستان.

تحدث بِل قائلًا: «لقد رأيت ديك غاب هذا الصباح.»

قال نِك: «ربما سنُداهمه.»

قال بِل: «لا يُمكِنك أن تُطلِق النار في هذه الرياح.»

الآن بالخارج، لم يعد أمر مارج مأساويًا للغاية، بل لم يعد حتى مهمًّا للغاية. لقد عصفت الرياح بكل شيء وحملته في أدراجها.

قال نِك: «إنها تهب من جهة البحيرة الكبيرة.»

سمعا صوت إطلاق نار من بندقية وسط صفير الريح.

قال بِل: «هذا أبي. إنه عند المستنقع.»

قال نِك: «لنذهب من هنا.»

قال بِل: «بل لنعبر المرج السفلي ونرى لعلنا نصادف صيدًا.»

قال نِك: «حسنًا.»

لم يعد الأمر مهمًّا الآن. لقد عصفت به الريح وأخرجته من رأسه. بالرغم من ذلك، كان ما يزال بوُسْعه أن يذهب إلى المدينة يوم السبت ليلًا. وقد كان ذلك خيارًا جيدًا متاحًا بالنسبة إليه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤