الفصل الأول

مجيء الطعام

١

لقد تشعَّب بالفعل محورُ قصتنا، الذي بدأ في مكتب السيد بانزنجتن، وراح يتفرَّع في اتجاهاتٍ عدَّة؛ لذا فإنَّ قصتنا من الآن فصاعدًا ستتعلق بمسألة التوزيع. إن تتبُّع طعام الآلهة يعني تتبُّع أفرُع شجرة تنمو بلا توقُّف؛ ففي غضون فترة قصيرة — عشرون عامًا تقريبًا — انتشر الطعام وزاد من أول نبتةٍ له في المزرعة الصغيرة بالقرب من هيكليبراو حتى وصل — ووصلت شُهرته وأثره — إلى جميع ربوع العالم. انتشر الطعام خارج حدود إنجلترا بسرعة كبيرة وسرعان ما وصل إلى أمريكا وجميع دول القارة الأوروبية واليابان وأستراليا ثم العالم أجمع، في خطواتٍ حثيثة نحو تحقيق هدفه الموعود. شقَّ الطعام طريقَه ببطءٍ سالكًا طرقًا غير مباشرة ومتحديًا ما لَقِيَه من مقاومة. لقد كان نموذجًا للضخامة الثائرة. على الرغم من التحيُّز ضدَّه، وعلى الرغم من القوانين واللوائح، وعلى الرغم من التحفُّظ العنيد الذي يُشكِّل أساسَ النظام البشري الرسمي، مضى طعام الآلهة، منذ لحظة انطلاقه، في تقدُّمه الخفي الذي لا يُقهَر.

نما أطفال طعام الآلهة نموًّا مطردًا على مدار كل هذه السنوات؛ كانت هذه أهم حقائق الزمن؛ لكن التسريبات هي ما صنعت تاريخه. لقد كبر الأطفال الذين تناولوا الطعام وسرعان ما أصبح هناك أطفال آخرون آخِذون في النمو، ولم تُفلح كلُّ النوايا الحسَنة في العالم في إيقاف المزيد والمزيد من التسريبات. أصرَّ الطعام على التفلُّت بإلحاحٍ لا يُوجَد إلا عند الكائنات الحية؛ فالدقيق المُعالج بمادة الهرقليوفوربيا كان يتفتت في المناخ الجافِّ مُتحوِّلًا، كما لو كان عَمدًا، إلى مسحوق لا يُرى ولا يُدرَك، وكانت أرق النسائم تحمله وتنقله لأماكنَ بعيدة. ظهر أثر ذلك فيما شهدتْهُ بعض الحشرات الجديدة من نموٍّ جديدٍ مؤقَّت وخروج أفواج جديدة من الفئران وما شابهها من الهَوام المؤذية من البالوعات. أمضى سُكَّان قرية بانجبورن في بيركشير أيامًا يُحاربون نملًا عملاقًا لدغ ثلاثة رجال ليلقَوا حتفَهم. كثيرًا ما عمَّ الهلع وبرز الصراع بين الناس وبين هذا الطعام، وتكررت محاولاتٌ مُضنية لقمع هذا الشر المُستطير، الذي دائمًا ما كان يُخلِّف مظهرًا خفيًّا من مظاهر الحياة وقد تغيَّر إلى الأبد. ثم وقع مرة أخرى تفشٍّ شديدٌ ومروِّع؛ نموٌّ سريع لأجمات عُشبية هائلة وانتشارٍ جارفٍ للنباتات الشائكة العملاقة وظهور مُخيف لصراصير ضخمة يُحاربها البشر بالبنادق وغزو لذُبابٍ جبَّار.

شهدَ العالَمُ بعضَ المواجهات الغريبة واليائسة في بعض المواقع الغامضة، وأدَّى طعامُ الآلهة إلى ظهور أبطالٍ يدافعون عن قضية الضآلة.

تقبَّل الناس مثل هذه الوقائع في حياتهم وواجهوها بكلِّ الحيل المُواتية وأخبروا بعضهم البعض أنه «لم يحدُث أيُّ تغييرٍ في النظام الجوهري للأمور.» بعد موجة الهلع الكُبرى الأولى، وعلى الرغم من بلاغة كاترام، تدهورت منزلته في عالَم السياسة ليصبح رمزًا سياسيًّا ثانويًّا وظلَّ في عقول الناس نصيرًا لفكرة متطرفة.

لم ينجح كاترام في الفوز بمكانةٍ محورية في الأحداث إلا ببطء. كان الدكتور وينكلز، القائد الشهير ذو الفِكر الحديث، واضحًا للغاية بشأن أنه «لم يحدُث تغيُّر في النظام الجوهري للأمور.» كما أن مناصري ما كان يُسمَّى في ذلك الوقت الليبرالية التقدُّمية زاد إحساسهم بزيف دعوتهم التقدُّمية. بدا أنَّ أحلامهم كانت قائمة بالكامل على الأمم الصغيرة واللُّغات الصغيرة والبيوت الصغيرة التي يقتات كلٌّ منها من مزرعته الصغيرة. شاع توجُّهٌ نحو كل ما هو صغير وأنيق. كانت الضخامة مرادفًا للسُّوقية، وأصبحت كلماتٌ مثل «دقيق» و«رقيق» و«منمنم» كلمات محورية على ألسنة أنصار الضآلة.

في غضون ذلك، ورويدًا رويدًا، وكما يأخذ الأطفال وقتهم في النمو، نما أطفال طعام الآلهة وخرجوا إلى عالَمٍ تغيَّر ليستقبلهم. خرجوا وقد حِيزَ لهم طولُ القامة والقوة والمعرفة، وأصبحوا مُتفرِّدين وذوي عَزم، ونهضوا ببطءٍ مُتجهين نحو مصائرهم المُقدَّرة. سرعان ما صار هؤلاء الأطفال جزءًا طبيعيًّا من العالم، وبدت كل وقائع الضخامة جزءًا طبيعيًّا منه أيضًا، وتساءَل الناسُ كيف كانت الأمور تسير قبل ظهورهم. تنامَى إلى أسماع الناس قصصٌ عن أمور يمكن للأطفال العمالقة أداؤها، فكانوا يُردِّدون دون أي اندهاش «رائع!» تناقلت الصحف الشهيرة أمر أبناء كُوسَار الثلاثة وكيف يمكن لهؤلاء الأطفال المُدهشين حمْل مدافع عملاقة وقذف كُتل من الحديد لمئات الياردات والقفز لمسافة مائتي قدم دفعة واحدة. رُويَ أنهم كانوا يحفرون بئرًا أعمق من أي بئرٍ حفرها البشر بحثًا عن كنوزٍ مُخبَّأة تحت الأرض منذ بدءِ الخليقة.

من المُتوقَّع لهؤلاء الأطفال، كما تُردِّد المجلاتُ الشهيرة، أن يُسَوُّوا الجبال ويعبروا البحار ويشقُّوا الأنفاق في الأرض. كان البشر الضئيلو الحجم يردُّون على هذه التوقعات: «رائعٌ، أليس كذلك؟ سنمتلك الكثير من وسائل الراحة إذن!» ثم يلتفتون لشئونهم وكأنه ليس هناك ما يُسمَّى طعام الآلهة على وجه الأرض. وبالفعل لم تكن هذه التوقعات أكثر من مجرَّد إرهاصاتٍ ووعودٍ أولى بقُدرات هؤلاء الأطفال. لم يكن استعمال الأطفال لقواهم في البداية إلا من قبيل عبث الأطفال الذي لا هدفَ من ورائه. لم يعرف أطفال طعام الآلهة أنفسهم الهدف من وجودهم. كانوا مجرد أطفال من جنسٍ جديد ينمون ببطء. نمَت قوتُهم الهائلة يومًا بعد يوم؛ وكان لا بدَّ لإرادتهم الهائلة أن تتبلور مُتِّخذةً غرضًا وهدفًا.

بالنظر للأمر من منظورٍ زمني مُختصر، فإنَّ سِنين التحوُّل تلك تبدو كسلسلة واحدة من الأحداث المُتعاقبة، لكن لم يرَ أحدٌ قط ظهور الضخامة في هذا العالم، تمامًا مثلما لم يشهد أحد قط، إلى أن انقضَتْ قرون، اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وانهيارها في واقعةٍ واحدة بعينها. من عاشوا تلك الأيام كانوا جُزءًا من تطوراتها حتى إنهم لم يَرَوْها كحدثٍ واحد. بدا حتى للعقلاء من الناس أنَّ طعام الآلهة لم يكن يُقدِّم للعالَم إلا أشتاتًا من أمور مُنفصلة يصعب السيطرة عليها والتي ربما بالفعل تُحدِث مشكلاتٍ واضطرابات، لكنها لن تضرَّ النظام الراسخ للجنس البشري وبِنيَته الثابتة بأكثر من ذلك.

بالنسبة إلى مُشاهِدٍ واحد على الأقل، فإنَّ أعجبَ ما في تلك الفترة التي شهدت تراكُم الضغوطات هو التبلُّد الشديد لعامة الناس وإصرارهم الصامت رغم كل هذا على تجاهل كل هذه الموجودات العملاقة واحتمال ظهور المزيد منها بينهم. ومثل مجرى النهر الذي يبدو أهدأ ما يكون عند وصوله إلى حافة الشلال، هكذا يبدو أن كل ما يتسم به البشر من نزعةٍ مُحافظة قد نما في هدوءٍ وأربى حتى صار له الغلبة خلال تلك الأيام الأخيرة. أصبحت الرجعية أمرًا شائعًا: بدأ الناس يتحدثون عن إفلاس العلم وفناء التقدم وقدوم الصفوة أصحاب النفوذ، وما شابه من أمور بينما يتردَّد صدى خطوات أطفال طعام الآلهة. اندثرت بالفعل أمورٌ مثل ثَورات الماضي الساخطة التي لا هدفَ من ورائها إلَّا مطاردة الجماهير العريضة من الحمقى الضئيلي الحجم لهذا الملك أو ذاك، لكن التغيير لم يندثر. كان التغيير هو مظهر الحياة الوحيد الذي تغيَّر. كان الجديد مقبلًا بطريقته الخاصة، متجاوزًا الفهمَ العام للبشر العاديين.

سيتطلب سرْد قصة مجيء الطعام كاملةً تأليفَ مُجلداتٍ ضخمة في التاريخ، لكن في كل بقعة من تلك الأرض وقعت سلسلةٌ موازية من الأحداث؛ لذا فإن سرد طريقة حلول الطعام في مكانٍ ما سيكون بمنزلة سرد جُزءٍ من الكل. تصادفَ يومًا أنْ سقطت بذرة طائشة من بذور العملقة في قرية جميلة صغيرة تُسمَّى تشيزينج آيبرايت، ومن خلال قصة نُموِّها الغريبة هناك وما تلا ذلك من عبثٍ مَأساوي، يمكن — من خلال تتبُّع خيطٍ واحد من خيوط القصة — إظهار الاتجاه الذي انفرطت فيه هذه الكتلة المُتشابكة من الأحداث من مَنْسَج الزمان.

٢

كان لقرية تشيزينج آيبرايت قَسٌّ بالطبع. هناك أنواعٌ عديدة من القساوسة، لكني دائمًا ما أحبُّ النوعَ المجدِّد أو مَن يَمزج ما بين التقدميِّ والعمليِّ والرجعيِّ على الأقل. لكن قَسَّ تشيزينج آيبرايت كان من أقل رجال الدين تجديدًا؛ حيث كان رجلًا وقورًا سمينًا متقدمًا في العمر ذا فكر مُتحفظ. يتطلب الأمر أن نرجع للوراء قليلًا في قصتنا لنتحدث عنه. كان الرجل يليق بالقرية، وربما يبدوان أنسبَ ما يكونان لبعضهما البعض في ذلك المساء الذي جلبت فيه السيدة سكينر — تتذكرون هروبها! — طعام الآلهة إلى تلك القرية، التي كان معهودًا عنها صفاؤها الريفي الخالص، جاهلةً تمامًا بما سيحدث.

كانت القرية تبدو في أبهى حُللها وفوقها شعاع الشمس الغاربة. وكانت تقبع على طول الوادي تحت أشجار خشب الزان التي تُميز غابة هانجر، حيث تمتدُّ سلسلة من الأكواخ المصنوعة من القرميد الأحمر والمسقوفة بالقش؛ أكواخ لها شرفات معروشة وواجهات تُطوِّقها نباتات شوك النار، ويزداد تقاربها من بعضها مع انحدار الطريق الذي ينحدر بين أشجار الطقسوس الواقعة بالقرب من الكنيسة وصولًا إلى الجسر. لم يبرز مقرُّ إقامة القس على نحوٍ لافتٍ للنظر من بين الأشجار وراء الحانة، وكان ذا واجهة جورجية قديمة ترك الزمانُ عليها بصمَتَه، كما برز برجُ الكنيسة شامخًا في منخفض الوادي بين التلال. كان هناك مجرًى مائيٌّ مُتعرج يتباين لونه بين زُرقة المياه وبياض الزَّبد، يلمع وسط ضفَّةٍ مُغطاة بطبقةٍ كثيفة من الخيزران والخثرية وأشجار الصفصاف المُتدلية بمُحاذاة مرج متموج مثلث الشكل. كان المشهد في جملته مثالًا عجيبًا على الريف الإنجليزي اليانع — بسكونه التام — الذي يُحاكي الكَمال تحت دفء الشمس الآفِلة.

أمَّا القسُّ فقد كان يبدو كذلك رجلًا ناضجًا؛ وكان يبدو هكذا بحكم عادته وطبيعته، كما لو كان قد وُلِد طفلًا ناضجًا في طبقة اجتماعية ناضجة، طفلًا غضًّا وناضجًا. يمكن للمرء أن يُخمن، حتى من قبل أن يذكُر هو، أنه ذهب لمدرسة حكومية قديمة مُغطاة باللبلاب، ذات تقاليد عتيقة ودوائر اجتماعية أرستقراطية، دون معامل كيميائية، ثم انتقل إلى جامعة مهيبة ذات طراز قُوطي. كانت الكتب التي يقتنيها يرجع عمرها إلى ألف عام إلا القليل منها، وكان الجزءُ الأكبر منها من كتب يارو وإيليس وعظاتٍ من فترة ما قبل ظهور الميثودية. كان القسُّ متوسطَ الطول لكنه يبدو قصيرًا نظرًا لسمنته، وله وجه كان يبدو غضًّا في السابق، لكنه بدا الآن في سن اليأس، ذا لحية تُخفي كبر ذقنه. لم يكن القس يرتدي أي سلسلة ساعة بداعي الرفاهية والغنى وكانت ملابسه الكهنوتية المتواضعة يحيكها خياط في ويست إند … كان يجلس واضعًا يده على إحدى ساقيه ناظرًا إلى قريته برضًا وابتهاج، مُلوِّحًا تجاهها بكفٍّ ممتلئة. ما الذي يمكن أن يتمناه المرء أكثر من هذا؟

راحَ يشرحُ الأمر ببرود: «إننا محظوظون بموقعنا هذا.»

واستطرد قائلًا: «إننا في حصنٍ بين هذه التلال.»

ثم راحَ يستفيض: «إننا بمعزِلٍ عن كل هذا.»

لقد كان يتحدَّث هو وصديقه عن أهوال هذا العصر، وأهوال الديمقراطية، والتعليم العلماني، وناطحات السحاب، والسيارات، والغزو الأمريكي، ورداءة الذَّوق العام في القراءة، بل وغياب الذائقة تمامًا.

ثم كرَّر قوله: «إننا بمعزلٍ عن كل هذا.» وبينما كان يتحدَّث قرع أذنَيه وقْعُ أقدام تقترب؛ فالتفت ناظرًا إليها.

اقتربت المرأة العجوز وهي تتقدَّم بخطواتها التي لا تفتأ ترتجِف، حاملةً الحُزْمة بيدها المجعَّدة الهزيلة، وأما أنفُها (وهو أبرز ملامحها) فقد تغضَّن مُوحيًا بعزمٍ مُذهل. تلمح زهرتي الخَشخاش تهتزَّان من أسفل قبعتها وزوجَي حذائها الطويل ذوي الجوانب المطاطية بلونها الأبيض المُغبَّر من تحت تنُّورتها المُهترئة، وهما يتعاقبان ببطء في الإشارة شرقًا وغربًا. تأبطت المرأة بإحكام مظلةً بالية ظلت تهتزُّ وتنزلق. كيف كان لهذا القسِّ أن يعرف أنَّ تلك السيدة العجوز بهيئتها الغريبة ليست سوى الصدفة المُثمِرة، أو الغيب، أو ما يدعوه الضعفاء من الرجال باسم القدَر. أما بالنسبة إلينا، فإننا نُدرك أنها ليست سوى السيدة سكينر.

ولأنها كانت مُثقلةً بالأحمال مما كان سيعجزها عن إلقاء التحية، فقد تظاهرت بأنها لم ترَ القسَّ ولا صديقه، ومن ثمَّ فقد مرَّت قُبالتهما على مسافة ثلاث ياردات، وراحت تتقدَّم إلى الأمام، وتهبط باتجاه القرية. كان القسُّ يتابع حركتها البطيئة في صمت، بينما كان يُعدُّ تعليقه ليطلقه في الوقت المناسب.

لم يبدُ ذلك أمرًا مُهمًّا بالنسبة إليه على أية حال؛ امرأةٌ عجوز هَرِمَة، تبدو وكأنها تحمل أمتعتها منذ أن بدأ العالم؛ فأيُّ فرقٍ يشكِّله ذلك؟

قال القسُّ: «إننا بمعزل عن كل ذلك؛ فنحن نعيش في مناخ من البساطة والاستقرار؛ ميلاد فكفاح، وزرع فحصاد، وهذا كل ما في الأمر. أما أيُّ جلبة، فهي تمرُّ بنا مرور الكرام.» لطالما كان متحمسًا جدًّا بشأن ما كان يصفه بالاستقرار. لقد كان يقول: «تتغيَّر الأشياء، أما الإنسانية، فهي أزلية خالدة.»

هكذا كان القسُّ. كان من عادته أن يتمثل في حديثه بأقوالٍ مأثورة لا صلةَ لها به. وفي الأسفل، نجد السيدة سكينر وقد انهمكت بعزمٍ لا يلين وهيئة رَثَّة في صعود مَرقى ويلمردينج.

٣

لا أحدَ يعرف ما الذي صنعه القسُّ بنباتات فطر النفاث الضخمة.

لا شكَّ أنه كان من بين أوائل مَن اكتشفوها؛ فقد تناثرت على مسافاتٍ من أول الطريق الذي يصل بين المنحدر القريب وأطراف القرية إلى آخره، وهو الطريق الذي كان يطؤه يوميًّا في جولته التي يؤديها للحفاظ على صحته. لم تكن كل هذه الفطريات العجيبة، من بداية الطريق حتى نهايته، تزيد عن الثلاثين في مُجملها. يبدو أنَّ القسَّ قد تأمَّل كلًّا منها عدة مرات، وهمز معظمها بعصاه مرة أو اثنتين. حاول ذات مرةٍ أن يقيس إحداها بذراعَيه، لكنها انفجرت بين ذراعيه القويتَين.

تحدَّث عنها إلى عدة أشخاصٍ وقال إنها «مُذهلة!» كما أنه قد روى لسبعة أشخاصٍ على الأقل القصةَ المعروفة للبلاط الذي رفعته الفطريات التي نمتْ من تحته عن أرضية القبو. راحَ يبحث في موسوعة النباتات عن اسم الفصيلة التي تنتمي إليها هذه الفطريات، ليعرف ما إذا كانت تُعرَف باسم لايكوبيردون كولاتم أم لايكوبيردون جيجانتيوم، كما اعتاد أن يفعل مَن هم على شاكلته؛ فمنذ أن اشتهر عالِم النبات جيلبرت وايت، اعتنق القسُّ منهجَه. آمَنَ القسُّ أنَّ اسمَ جيجانتيوم لم يكن مُنصفًا.

لا يعرف أحدٌ ما إذا كان قد لاحظ أنَّ تلك الكرات البيضاء تقع في الطريق ذاته الذي سلكته المرأة العجوز التي ظهرت بالأمس، أو ما إذا كان قد لاحظ أنَّ آخر نبتة في هذه السلسلة قد تضخَّمت على مسافة تقل عن عشرين ياردة من بوابة كوخ آل كادِلز. إذا كان قد لاحظ هذه الأمور، فهو لم يبذل أية محاولة لتسجيل هذه الملاحظات. لقد كانت ملاحظاته فيما يتعلق بعِلم النبات تنتمي لما تُسميه الطبقة الدنيا من العلماء باسم «المُلاحظة المُوجَّهة»: أن تبحث عن أمورٍ مُحدَّدة وتتجاهل كل ما عَدَاها. وهو لم يربط هذه الظاهرة على الإطلاق بما حدث لرَضيع آل كادِلز الذي ظلَّ ينمو بدرجةٍ ملحوظة على مدار بضعة أسابيع، وذلك بالطبع منذ أن ذهب كادِلز عصر يوم الأحد منذ شهر أو أكثر ليزور حماتَه ويسمع من السيد سكينر (الذي هو في عِداد الموتى الآن) وهو يتفاخر بإدارته لمزرعة الدجاج.

٤

إنَّ نمو فطريات النفاث الضخمة عقب النمو الملحوظ لرضيع آل كادِلز كان جديرًا بأن يفتح عينَي القسِّ، وهو ما حدث بالفعل عند التعميد، وتجلَّت تلك الحقيقة على نحوٍ صارخ.

راحَ الصغيرُ يصيح صياحًا شديدًا يُصمُّ الآذان حين سقطت على جبينه تلك المياه الباردة، والتي تضمن ميراثه الإلهي وحقَّه في الاسم «ألبرت إدوارد كادِلز». كان الطفل قد تجاوز بالفعل المرحلة التي يمكن أن تحمله فيها أمُّه، وحتى كادِلز كان يترنح بالطبع حين حَمْله، غير أنه سار به وهو يبتسم بانتصارٍ نحو الآباء الذين لم يكن لهم أبناءٌ بحجم ابنه، وعاد به إلى حيث جلسَ هو ورفاقه.

قال القسُّ: «لم أر طفلًا مثله من قبل!» وكان ذلك هو أول تلميح علني بأنَّ طفل آل كادِلز، والذي قد بدأ حياته الأرضية وهو يبلغ من الوزن سبعة أرطال إلا قليلًا، قد أصبح، بالرغم من كل شيء، مصدر تقدير لوالديه، وسرعان ما اتَّضح أنه مَجدٌ لهما، لا مصدر تقدير فحسب. وفي غضون شهر، سطعَ هذا المجد بقوةٍ شديدة، حتى إنه قد أصبح غير مناسب بالنسبة إلى مَن هم في منزلة آل كادِلز.

وزنَ الجزَّارُ الطفلَ إحدى عشرة مرة، وقد كان رجلًا قليلَ الكلام. في المرة الأولى حين وزنه قال: «إنه بصحة جيدة.» وفي المرة التالية قال: «يا إلهي!» وفي المرة الثالثة قال: «حسنًا، سيدتي.» وفي المرات التالية، كان ينفخ بعنفٍ في كل مرة، ويَحُكُّ رأسه وينظر إلى موازينه بِشكٍّ غير مسبوق. أتى الجميع لرؤية الطفل الضخم — أو هكذا اتفق الجميع على تسميته — وقال معظمهم: «إنه عملاق.» وأشار أغلبهم إليه متسائلين: «أحقًّا أطلقوا عليه هذا الاسم؟» أما الآنسة فليتشر فقد جاءت وقالت إنها «لم تفعل ذلك قطُّ.» وقد كان ذلك صحيحًا تمامًا.

أما الليدي وندرشوت، طاغيةُ القرية، فقد وصلت في اليوم التالي لحادثة الوزن الثالثة، وفحصت الظاهرة عن قُربٍ من خلال نظارتها التي قد ملأت الطفل رُعبًا، ثم تحدَّثت إلى أمِّه بصوتٍ عالٍ ونبرة آمِرة: «إنه طفلٌ ضخمٌ على نحوٍ غير معتاد. عليكِ أن تعتني به عنايةً فائقة يا كادِلز. لن يستمر الأمر على هذه الحال بالطبع، ما دام يتغذَّى على الألبان الصناعية، لكن علينا أن نفعل لأجله كل ما بوسعنا. سأرسلُ لكم المزيدَ من الثياب الداخلية.»

جاء الطبيب وقاس الطفل بالشريط ودوَّن قياساته في دفتر، وأما السيد العجوز دريفت-هاسوك فقد تجوَّل في مدينة أب ماردن وأحضر معه بائع أسمدة متجولًا من على بُعد ميلين من قريتهم لكي يلقي نظرة عليه. سأل البائع المتجول عن عمر الطفل ثلاث مرات، وأخيرًا قال إنه مذهول تمامًا، وقال أيضًا إنه يجدُر بهم تقديمه في معرض للأطفال. وعلى مدار النهار بأكمله ما عدا ساعات المدرسة، ظل الأطفال الصغار يتردَّدون على منزل السيدة كادِلز ويرجونها قائلين: «هل يُمكننا أن نلقي نظرة على طفلكِ يا سيدة كادِلز، من فضلكِ؟» وهو ما اضطرَّ السيدة كادِلز إلى أن تضع حدًّا لهذا الأمر. وبين كل مشاهد الاندهاش هذه، ظهرت السيدة سكينر، وقد وقفتْ مُبتسمة؛ كانت تقِف في الخلفية، بمرفقَيها الحادَّين وقد أمسكت بكلٍّ منهما يدٌ هزيلة مُتغضِّنة، وظلت تبتسم، وقد ملأت ابتسامتها ما تحت أنفها وما حوله؛ لقد كانت ابتسامةً لا حدود لها.

قالت الليدي وندرشوت: «إنه يجعل حتى تلك الجَدَّة العجوز البائسة تبدو أكثر لُطفًا، غير أنه يَسوءُني أنها قد عادت إلى القرية.»

لا شك بأنَّ طفل آل كادِلز قد تلقَّى مساعداتٍ خيرية كما هي الحال بالنسبة إلى معظم الأطفال الذين يولدون لتلك العائلات التي تقطن الأكواخ، لكنه سرعان ما راح يُطلق صراخه الهائل، مُعلنًا أنَّ مقدار ما يرضعونه إيَّاه لا يكفيه على الإطلاق.

عاش الطفل أجواءً من التعجُّب والدهشة استمرت لتسعة أيام، وإن كان الجميع قد ظلوا يتعجبون بحبورٍ من نموِّه المذهل ضِعف هذه المدة أو أكثر. وأما بعد ذلك، فبدلًا من أن ينحسر الطفل إلى الخلفية؛ كي يفسح الطريق لغيره من العجائب، فقد استمرَّ بالنموِّ أكثر من أي وقتٍ مضى!

استمعت الليدي وندرشوت إلى مديرة منزلها، السيدة جرينفيلد، بمنتهى الدهشة.

«إنَّ آل كادِلز بالأسفل، يقولون إنه لا يُوجد طعام للصغير مُجددًا! هذا محال يا عزيزتي جرينفيلد؛ فذلك المخلوق يأكل كما لو كان فرس نهر! لا يمكن أن يكون هذا حقيقيًّا. أنا على يقين من ذلك.»

ردَّت السيدة جرينفيلد: «أتمنَّى فقط ألَّا تكوني محلًّا للاستغلال يا سيدتي.»

خاطبتها الليدي وندرشوت: «من الصعب جدًّا أن نعرف مع أمثال هؤلاء. والآن يا عزيزتي جرينفيلد، فأنا أرجو أن تذهبي بنفسك عصر هذا اليوم وترَيْهِ بنفسك وهو يتناول زجاجته. فمهما يكن ضخمًا، لا يُمكني أن أتخيَّل أنه يحتاج إلى أكثر من ستة باينتات في اليوم.»

أجابت السيدة جرينفيلد: «أجل، فما ينبغي له ذلك يا سيدتي.»

ارتعشت يد الليدي وندرشوت؛ إذ ساورها هذا الشعور بالغضب الممزوج بالشكِّ والذي يُراود جميع أبناء الطبقة الأرستقراطية حين يفكرون باحتمال أن يُضاهي الفقراء أسيادهم في اللؤم وأنهم — حين يتطلب الأمر — قد يخدعونهم.

غير أنَّ السيدة جرينفيلد لم تلاحظ أيَّ دليل على الاحتيال، فصدر الأمر بزيادة المؤنة اليومية المُخصَّصة لطفل آل كادِلز، لكن ما إن وصلتهم الدفعة الأولى حتى عاد كادِلز إلى المنزل الفخم مُجددًا وهو في غاية الأسف والمذلَّة.

«لقد اعتنينا بها عناية فائقة يا سيدة جرينفيلد، أؤكِّد لكِ ذلك يا سيدتي، لكنه فتقَها! لقد تمزَّقت عنه بعُنف يا سيدتي، حتى إنَّ أحد الأزرار كسر أحد الألواح الزجاجية في النافذة، وأصابني زر آخر هنا يا سيدتي، وقد وخَزَني وخزةً لاذعة.»

أما الليدي وندرشوت، فحين سمعت بأنَّ هذا الطفل المذهل قد تمزَّقت عنه ثيابه الجميلة التي حصل عليها من التبرُّعات الخيرية، قررت أنها لا بدَّ أن تتحدَّث بنفسها مع كادِلز. ظهر في حضرتها وقد بلَّل شعره بسرعة وملَّسه بيده. وقف بين يديها لاهثَ الأنفاس وقد تمسَّك بطرف قبعته كما لو كان طوق النجاة، كما تعثر في حافة السجادة؛ إذ كان مُشوشًا مضطربَ الذهن.

لطالما كانت الليدي وندرشوت تحبُّ التنمُّر بكادِلز؛ إذ إنه كان يجسِّد بالنسبة إليها صفات الطبقة الدنيا تجسيدًا مثاليًّا: مُخادع ومُطيع وذليل ومُجد وغير قادر على تحمل المسئولية على نحوٍ لا يُصدَّق. أخبرته أنَّ الطريقة التي يستمر بها طفله في النمو مسألة خطيرة؛ فأجابها كادِلز وقد ارتفعت نبرة صوته: «إنها شهيَّتُه للطعام يا سيدتي.»

وأكمل: «إنْ حاولنا أن نمنَعه الطعام يا سيدتي فإننا لا نستطيع. إنه ينطرح أرضًا يا سيدتي ويظلُّ يركل بقدمَيه ويصرخ صراخًا مُزعجًا. إننا لا نستطيع أن نفعل ذلك يا سيدتي، وحتى إن استطعنا، فسوف يتدخَّل الجيران …»

استشارت الليدي وندرشوت طبيبَ الأبرشية.

وسألته الليدي وندرشوت: «ما أريد أن أعرفه هو ما إذا كان من الطبيعي لطفلٍ في هذه السن أن يتناول هذه الكمية الاستثنائية من الحليب أم لا.»

فأجابها الطبيب: «إنَّ الكمية المناسبة لطفلٍ في مثل سِنه تتراوح ما بين باينت ونصف إلى اثنين من الباينتات يوميًّا؛ لذا فإنني لا أرى بأنَّ عليكِ أن تُخصِّصي له أكثر من ذلك. وإن فعلتِ، فذلك كرمٌ منكِ. يمكننا بالطبع أن نُجرِّب الكمية المعقولة لبضعة أيام، لكن عليَّ أن أقرَّ بأنَّ الطفل مختلفٌ من الناحية الفسيولوجية لسببٍ أو لآخر. ربما هو ما نُسمِّيه طفرة. وهي حالة من التضخُّم العام.»

ردَّت الليدي وندرشوت: «إنَّ ذلك ليس عادلًا لغيره من أطفال الأبرشية؛ فأنا متأكدة بأننا سنبدأ في تلقِّي الشكاوى إن استمرَّ هذا الوضع.»

«لا أعتقد أنَّه يُتوقَّع من أي شخصٍ أن يقدم ما هو أكثر من الكمية المقررة. ربما علينا أن نُصرَّ على اكتفائه بهذه الكمية، وإن لم يفعل، فيمكننا أن نُرسله إلى المستوصف لفحص حالته.»

تحدَّثت الليدي وندرشوت مُتفكرةً: «أعتقد ذلك، لكن بخلاف الحجم والشهية للطعام، ألا تجِد أي شيء غير عادي أو شاذًّا؟»

«كلا، كلا، على الإطلاق، لكن لا شكَّ أنه في حال استمرَّ هذا النمو، فسوف نجد عيوبًا فكرية وأخلاقية خطيرة. يُمكنني أن أتنبَّأ بذلك وفقًا لقانون ماكس نوردو، وهو فيلسوف نابغة ومشهور للغاية يا ليدي وندرشوت. لقد اكتشف أنَّ ما هو غير عادي غير عادي؛ إنه اكتشاف ثمين، ويجدُر بنا أن نأخذه في الحسبان، وأنا أجد ذلك مفيدًا جدًّا في مهنتي؛ فعندما أجد شيئًا غير عادي، أُميزه على الفور وأقول إنه غير عادي.» ارتسمت على عينَيه نظرة من العُمق وانخفض صوته، وقد أصبح سلوكه أقربَ إلى سلوك مَن يفصح عن سر، ثم رفع يدًا واحدة بجدية وصرامة وقال: «وأنا أعالِجه بمثل هذه الروح.»

٥

«بئسًا! بئسًا!» هكذا تحدَّث القس إلى أغراض إفطاره في اليوم التالي لمجيء السيدة سكينر. «بئسًا! بئسًا! ما هذا؟» ثم وجَّه نظارته إلى الجريدة بأسلوبٍ ينمُّ عن اعتراض.

«دبابير عملاقة! في أي اتجاه يذهب هذا العالم؟ ذلك من فِعل الصحفيين الأمريكيين على ما أعتقد! يا لهم من مُبتدعين! إنني أريد نوعًا من الكشمش العملاق؛ سيكون ذلك أفضل.»

صاح القس قائلًا: «هراء!» ثم شرب قهوته على جرعةٍ واحدة، بينما عيناه مُثبَّتتان على الجريدة وهو يتلمَّظ بشفتَيه متشككًا.

ثم قال القس رافضًا الفكرة برمتها: «سُخف!»

ولكنَّ اليومَ التالي كان يُخبِّئ له المزيد من تلك الأنباء، وهُنا سطعت شَمسُ الحقيقة.

بَيد أنها لم تسطع دفعةً واحدةً. عندما ذهب في جولته للتَّريُّض ذلك اليوم، كان ما زال يضحك بينه وبين نفسه غير مُصدقٍ لتلك القصة السخيفة التي أرادت جريدته أن تُقنِعه بها. الدبابير صارت تقتل الكلاب، عجبًا! مَرَّ مصادفةً بموضع أول نتاج للفُطر النفاث ولاحظ كثافة العشب الذي ينمو حوله ولكنه لم يربط بين ما رآه لتوِّه وبين ما قرأه في الصحيفة وأثار دهشته. قال مُتعجبًا: «لو صحَّ ذلك لكنا سمِعنا به! وِتستَبل تَقلُّ عن عشرين ميلًا من هُنا.»

بَعدها بمسافة مَرَّ بموضعٍ آخر به فُطر ما زال في طور النُّمو، لكنه بَدا كبَيضة طائر رُخ عملاق وسط المُرُوج الخَشِنة غير المعتادة.

وفجأةً، خطر له الأمر في لمح البصر.

لم يُكمل جَولتَه المُعتادة ذلك الصباح، بل انعطف مع ثاني مرقى قاصدًا بيت آل كادِلز. قال لهم مُطالبًا: «أين ذاك الرَّضيع؟» وعندما رآه صاح في ذهول: «يا إلهي الرَّحيم!»

توجَّه بعد ذلك صاعدًا طريق القرية وهو يدعو الله أن يحفظ قلبه ويباركه، وهُناك قابل الطبيبَ وهو خارجٌ من القرية في عجلة من أمره. قبض على ذراعه وقال: «ما معنى هذا؟ هل تابعتَ صحف الأيام الماضية؟»

أجابه الطبيبُ بالإيجاب.

«إذن! ما خَطبُ هذا الرَّضيع؟ ما خَطبُ كل شيءٍ حولنا؛ الدبابير والفُطر النَّفاث والرُّضَّع، ها؟ أخبرني ما الذي يجعلهم يكبرون إلى هذا الحد؟ هذا لا يُتَصوَّر أبدًا. حتَّى هُنا في كِنت! لو كانت أمريكا الآن …»

قاطعه الطبيبُ قائلًا: «مِن الصعب قليلًا أن نفسر الأمر بدقَّة، ولكن على حدِّ فهمي للأعراض …»

قال القَس مُستعجلًا الإجابة: «أجل؟»

أكمل الطبيبُ كلامه: «إنه تضخُّم؛ تضخُّم عام.»

تعجَّب القَس وقال: «تضخُّم؟!»

ردَّ الطبيبُ: «نعم، إنه تضخمٌ عام يُصيب جميع خلايا الجسم — الكائن الحي بأكمله. يسعني أن أقول لنفسي ولك إن لديَّ قناعة شِبه تامَّة أن السبب هو ذلك التضخُّم … ولكن على المرءِ الحذَر.»

قال القَس وقد ارتاح قدرًا لا بأس به بعد أن عرف أن الطبيب يُفكر في الأمر مثله: «أه! ولكن كيف لهذا التضخُّم أن ينتشر بهذه الطريقة في كل أرجاء المكان؟»

ردَّ الطبيبُ: «من الصعب تفسير هذا الأمر أيضًا.»

قال القس: «هُنا في أورشُت. هذه حالة تَفشٍّ واضحة.»

ردَّ الطبيب: «أجل، أجل. أنا أيضًا أظنُّ هذا. الأمرُ أشبه بوباء. إنه تضخُّم وبائي على الأرجح.»

قال القس مُتوجِّسًا: «وبائي؟ أتقصِد أنه مُعدٍ؟»

تبسَّم الطبيبُ بتؤدةٍ وفَرك كفَّيه معًا وقال: «لا يُمكنني أن أجزم بذلك.»

صرخ القس وعيناه تُحدِّق في الطبيب: «ولكن إذا كان هذا الشيء مُعدِيًا ﻓ… فهذا يعني أنه قد يُصيبنا!»

هُرع القس نحو الطريق وشَرَع في الرجوع من حيث أتى وصرخ: «لقد كنتُ هناك لتوِّي! ألم يكن يجدُر بي أن …؟! سأذهب إلى بيتي على الفور وأغتسل وأُعقِّم ملابسي.»

تَابع الطبيب تَقهقُر القس إلى بيته هُنيهة، ثم التفَّ راجعًا هو الآخر إلى بيته.

ولكن في طريقه تنبَّه إلى أن القرية قد شهدت منذ شهر حالة واحدة من التضخُّم العام ولم يلتقط أحدٌ العدوى. وبعد مُدَّة من التَّحيُّر، قرر أن يكون شجاعًا كما يجب للطبيب أن يكون، وأن يتحمَّل المخاطرة مثل الرجال.

وبالطبع تعزَّز رأيه بعد إعادة النظر فيه؛ فالنُّمو مُجددًا هو آخر شيءٍ يُمكن أن يحدُث له. فبإمكانه أن يأكُل هُو أو القس ملء شاحنةٍ من مادة الهرقليوفوربيا دون أن ينموَ بوصةً واحدة؛ فلقد تخطَّيا مَرحلة النُّمو بلا رجعةٍ، وفرغت منهما وفرغَا منها.

٦

مَرَّ يومٌ أو بعض يومٍ بعد تلك المُحادثة — يومٌ أو بعض يومٍ بعد احتراق مزرعة التَّجارب — ثم جاء وينكلز إلى ريدوود وأراه خطابًا ذا لهجةٍ مُسيئة. كان كاتب الخطاب مجهولًا، ولن أفصح عنه لأن على المؤلف أن يحترم أسرار شخصياته. كان نَصُّ الخطاب يقول: «أنت تنسُب إلى نفسك الفضل في ظاهرة طبيعية لا دخل لك بها، وتسعى لتسويقِ نفسك أنت وطعامك المُكبِّر بخطابك الذي أرسلته إلى جريدة ذا تايمز. دَعنِي أُخبرك أن طعامك هذا، ذا الاسم السَّخيف، ليست له علاقة بتلك الدبابير والفئران العملاقة اللهم إلا على سبيل المُصادفة. فالحقيقة بوضوحٍ أنَّ هُناك وباءً يُسبب التَّضخُّم؛ وباء التضخم العام. وأنت بادِّعائك التَّحكُّم به مثل ادعائك التحكُّم بأجرام المجموعة الشمسية. هذا الوباء قديمٌ قِدَم الجِبال؛ فقد شَهِدته قديمًا عائلة أنَاك. واليوم، وبعيدًا تمامًا عن إرادتك، يُوجَد طفل في قرية تشيزينج آيبرايت …»

قَطَع ريدوود القراءة وقال: «خطٌّ مُرتعش؛ يبدو أنه رجلٌ عجوز.»

أكمل القراءة عدَّة أسطرٍ أخرى: «لكنه طفلٌ غريب …»

ثم جاءته فكرةٌ مُلهمةٌ وقال في دَهشةٍ: «يا إلهي! إنها السيدة سكينر التي اختفت!»

بعد ظُهر اليوم التَّالي، حَلَّ دون ترتيبٍ ضيفًا عليها.

كانت مشغولة بجمع بعض البصل من المزرعة الصغيرة أمام كوخ ابنتها، عندما رأتْه قادمًا عبر البوابة. وقفت لبرهة وقد خُلِع قلبها فزعًا ثم عقدت ذراعَيها، وضمَّت تحت ساعدها الأيسر بضع بصلاتٍ، ضَمًّا دفاعيًّا مُنتظرة قُدومه إليها. فتحت فمَها وأطبقته عدة مراتٍ مُظهرةً سِنَّتها المُتبقية، وفجأة انحنت تحيَّةً للسيد ثم رجعت إلى وضعها الأصلي في لمح البصر.

قال ريدوود: «ظننتُ أنِّي سأجدكِ.»

ردَّت عليه بنبرة جافة: «ظننت أنَّك قد تجدني يا سيدي.»

«أين سكينر؟»

«لم يُراسِلني قَطُّ أو يزُرني منذ أن جئتُ إلى هُنا يا سيدي.»

سألها: «ألا تعلمين ما صار إليه أمرُه؟»

ردَّت عليه وهي تخطو خطوة نحو اليسار في خُطَّة بَلهَاء لصدِّ ريدوود عن باب الحظيرة: «لا يا سيدي، فهو لم يكتُب إليَّ مُطلقًا.»

قال ريدوود: «لا أحدَ يعلم ماذا حَلَّ به.»

ردَّت عليه السيدة سكينر: «أؤكد لك أنَّه يعرف.»

«لكنه لا يُخبر أحدًا.»

قالت السيدة سكينر: «لقد كان دائمًا يعرف كيف يعتني بنفسه ويترك مَن يعُولهم في الوَحل، هكذا كان سكينر. على الرُّغم من حَذاقته …»

قاطعها ريدوود بسؤاله: «أين هذا الطفل؟» لكنها طَلبت منه أن يُوضِّح ماذا يقصد.

«هذا الطفل الذي سمِعتُ عنه؛ ذاك الذي كنتِ تطعمينه من طعامنا المُكبِّر؛ الطفل الذي يزن ٢٨ رطلًا.»

تحرَّكت يدا السيدة سكينر وسقط البَصَل وقالت في احتجاجٍ: «لا أكاد أعرف حقًّا ما تقصد يا سيدي. ابنتي، السيدة كادِلز، لديها طفل.» ثم أومأت بتحية مُنفعلة وأمالت أنفها جانبًا لتتظاهر بأنَّها تتساءَل ببراءة.

قال لها ريدوود: «من الأفضل لكِ أن تُريني ذلك الطفل يا سيدة سكينر.»

رمقته السيدة سكينر وهي تقوده باتجاه الحظيرة، وقالت: «بالطبع يا سيدي. ربما كان هُناك قليلٌ من ذلك الطعام في وعاءٍ صغير أعطيته لوالده ليجلبه من المزرعة، أو ربَّما جَلبتُ بعضًا منه سهوًا وأنا أحزم أمتعتي في عُجَالة …»

همهم ريدوود بعد أن لَاعَب الطفل قليلًا قائلًا: «أمم!»

أخبر السيدة كادِلز بأن حالة رَضيعها تبدو مُمتازة — الأمر الذي بدأت تستوعبه مُؤخرًا — ثم تجاهلها كُليةً بعد هذا، فسرعان ما غَادرت الحظيرة لعدم جَدوى وجودها هُناك.

قال ريدوود للسيدة سكينر: «أما وأنكِ قد جعلتِه يتذوَّق ذلك الطعام، يجب عليكِ أن تَستمرِّي في إطعامه، كما تعلمين.»

ثم التفتَ إليها فجأة وقال: «لذلك لا تُبعثِريه هذه المرة.»

ردَّت عليه: «أُبعثِره؟»

«أوه! أنتِ تفهمين.»

صدرت منها إيماءةٌ مُختلجة أوحتْ بفَهمها لما يقصد.

سألها ريدوود: «أنتِ لم تُخبري النَّاس هُنا عمَّا فعلتِه. أليس كذلك؟ سواء الوالدان أم الطبيب أم الليدي وندرشوت أم خدَمها أم أيُّ أحد مُطلقًا؟»

هزَّت السيدة سكينر رأسها نافيةً.

فعقَّب عليها وقال: «ما كُنت لأفعل ذلك أيضًا …»

توجَّه إلى باب الحظيرة وتفحَّص المكان من حوله. كان باب الحظيرة يقع بين نهاية الكوخ وبعض حظائر الخنازير المهجورة وكان مصنوعًا من بوابةٍ ذات قضبان خمسة تطلُّ على الطريق العام. وراء ذلك كان هناك حائطٌ عالٍ من اللَّبِن الأحمر يتسلقه نبات اللَّبلَاب وزهور الحائط، وأسفله نمَتْ نباتات قَدَح مَريم، وكان بأعلاه نافذة بزجاجٍ مكسور. وراء زاوية هذا الجدار، تقف لوحةٌ تحذيرية بين أفرُعٍ خُضرٍ وصُفرٍ تعلو وُريقاتٍ مُلوَّنةً تساقطت على الأرض، وكُتبت عليها عبارةٌ أضاءت حروفها أشعة الشمس: «كلُّ من يتَعدَّى على هذه الأراضي سيتعرَّض للملاحقة القانونية.»

همهم ريدوود: «أمم.» ثم قال بنبرةٍ أعمق: «أومم!»

قطع تأمُّلاته مجيءُ الليدي وندرشُوت وسط دَويِّ عجلات عربتها وجلبة خيولها. ومع اقتراب العَربة أكثر فأكثر، مَيَّز ريدوود وجهَي الحُوذِي وأحد الخدم. كان ذاك الحُوذِي ذا مظهر راقٍ، ويقود العربة بقوة وكبرياء. قد يساور البعض الشكوك في جدوى وجودهم في هذا العالم ودورهم فيه، أمَّا هذا الحوذي فكان يَعرف يقينًا مَا خُلِق لأجله؛ كَان يعرف أنَّه حُوذِي فخامة الليدي. كان الخَادم الجالس بجواره عاقدًا ذراعَيه وعلى وجهه سيماء الحزم واليقين الصارم. ظهرت بعد ذلك السيدة المُبَجَّلة مُعتمرةً قُبَّعة وترتدي عباءةً لا يليقان بها إطلاقًا، وتُحدِّق من خلال نظَّارتها، وإلى جانبها سيدتان شابَّتان تُطلَّان برأسيهما وتحدِّقان هما أيضًا.

أمَّا القس الذي كان مارًّا بالجهة المقابلة، فقد رفع قُبَّعته من فوق رأسه احترامًا لمرور السيدة التي لم تأبه به.

ظَلَّ ريدوود واقفًا بمدخل الباب طويلًا بعد أن مرَّت العَربة شابكًا يديه خلف ظهره. أجال بصَرَه بين التلال الخضراء والشَّهبَاء في الوادي وبين السَّماء المَكسُوَّة بالسَّحاب، ثم انتهى بصره إلى الحائط ذي النَّافذة المُحطَّمة. التفتَ ريدوود إلى الظلال الكائنة بداخل الكوخ وفي وسط ألوان أشعة الشمس التي غَشيت المكان، لمح الطفلَ العملاق راقدًا فوق كومة قشٍّ عاريًا إلا من خِرقَةٍ من قماشٍ صُوفي ويلعب بأصابعِ قدمه.

«بدأتُ الآن أرى نتيجةَ ما اقترفَتْه أيادينا.»

استغرق ريدوود في تأمُّلاته، وخَطَر بباله طفلُه الصغير ورضيع آل كادِلز وأبناء كُوسار.

ضحكَ فجأة، ثم قال: «يا إلهي الرَّحيم!» تعليقًا على فكرة عابرة راودتْه.

أيقظَ نفسه من أفكاره وقال مُخاطبًا السيدة سكينر: «على أي حال يجب ألَّا نُعذِّبه بقَطْع الطَّعام المُكبِّر عنه؛ فهذا أقلُّ ما يُمكننا فعله. سأرسل لك عُلبَةً كل ستة أشهر، هذه الكمية يُفترض أن تكفي حاجته.»

تَمتَمت السيدة سكينر بعباراتٍ من قبيل: «إذا كان هذا ما تَراه يا سيدي.» و«رُبَّما قد أضفتُه إلى أمتعتي خطأً … ظننتُ أن إطعامه قليلًا منه لن يَضُرَّه.» وأصدرَت بعض الإيماءات المُرتعِشة التي أوحت بأنها قد فهِمَت.

وهكذا ظلَّ الطفل ينمو.

وينمو.

قالت الليدي وندرشُوت ذات مَرَّة: «لقد أكل تقريبًا جميع عُجُول القرية. لو حَصَل وأنجبَ هذا الرَّجُل الذي يُدعى كادِلز طفلًا آخر مثل ذلك ﻓ…»

٧

لكن قرية تشيزينج آيبرايت، على انعزالها الشديد عن العالم الخارجي، لم يطُلْ رُكونها إلى نظرية وَباء التَّضخُّم — بغضِّ النَّظر عن كونه مُعديًا أم لا — وسط هَدِير أخبار الطعام المُكبِّر الذي كاد يصمُّ الآذان. مَرَّ وقتٌ ليس بطويلٍ ظهرت بَعده بعضُ التفسيرات المريرة لما اقترفته السيدة سكينر، تفسيرات كانت تُعجزها تارةً عن الكلام فتُتَمتِم بفِيها الذي فُضَّ من أسنانه إلا واحدة، وتارةً تجعلها محلًّا للشَّك وعُرضَةً للتفتيش والتَّشهير حتَّى اضطرت إلى أن تحتمي من وابل اللَّوم والتأنيب المُوجَّه إليها بكرامة الترمُّل الذي لا عزاءَ له. أدارت عينها، التي أكرهتها على البكاء إكراهًا، إلى وجه الليدي وَندرشُوت الغاضب ثم مَسحت بقايا رغوة الصابون على يدَيها وقالت:

«يبدو أنَّكِ قد نسيتِ ما أقاسيه يا سيدتي.»

تَبِعتْ هذه الجملة التحذيرية بجملةٍ أخرى تشي بنبرة تحدٍّ: «فأنا أفكر فيه ليلَ نهار يا سيدتي.»

أطبقَتْ شفتَيها حتى صار صوتها مبحوحًا متلعثمًا وهَمَست: «هذا هو حَالي!»

وبَعد أن أقَامَت حُجَّتها بتلك العِبارات المُؤثرة، كرَّرت عُذرَها الذي لم تقبله الليدي من قبلُ وقالت: «أنا لم يكن لديَّ أدنى فكرةٍ عمَّا كُنت أطعمه للطفل يا سيدتي …»

آثَرَت الليدي وَندرشُوت التَّفكير بإيجابيةٍ، ولكنها لم تكفَّ بالطبع عن التوبيخ المُوجِع لآل كادِلز. أما بانزنجتن وريدوود، فقد دخل حياتهما الصاخبة زوار جُدد؛ رُسُلٌ مُحمَّلون بتَّهديدات لبِقة، عرَّفوا أنفسهم بأعضاء مجلس الأبْرَشية. كانوا مُتَبَلِّدي الحِسِّ يتشدقون بعباراتٍ محفوظة أعِدَّت لهم مُسبقًا: «نحن نُحمِّلك يا سيد بانزنجتن مسئولية الضَّرر الواقع على أبْرَشيتنا. نحن نُحمِّلك المسئولية.»

جاءَتْهما أيضًا ثُلَّة من المحامين كأنهم أفاعٍ؛ دعَوا أنفسهم بَنجهِرست وبراوِن وفِلاب وكُدلِن وتِيدِر وسنُكِستن، وكان سَمْتُهُم دون استثناءٍ سَمْت رجلٍ ماكرٍ ضئيل الحجم أصْهَب الشَّعر ذي أنفٍ مُدَبَّب. ذكروا كلامًا غامضًا عن تَلفِيَّاتٍ وكان معهم شَخصٌ دَمِث الخُلُق؛ وهو مُمثل الليدي وَندرشُوت، وقد جاء إلى ريدوود في أحد الأيام دون سابق ميعادٍ وسأله: «حسنٌ يا سيدي، وماذا تَنوي أن تفعل؟»

كان رَدُّ ريدوود على سؤاله أن هَدَّد بقطع إمدادات الطعام المُكبِّر عن الطفل إذا ما أُزعِج هو أو بانزنجتن بهذا الأمر مُجددًا، وكان مما قال: «أنا أعطيكم هذا الطعام دون مُقابل. إذا لم تُطعموا الطفل منه، فسيصرخ صراخًا يُحِيل قريتكم أطلالًا قبل أن تموتوا جميعًا. هذا الطفل أمانة في أعناقكم ويجب أن تُحافظوا عليه. إن الليدي وَندرشُوت لا يُمكن دائمًا أن تَتَباهى بكونها أمَّ المساكين وحَامية الحِمى دون أن تحمل بعض المسئوليات على عاتقها، كما تعلم.»

حينما أُخبِرَت الليدي وَندرشُوت بما قاله ريدوود — بعد تنقيحه — اتخذت قرارًا وقالت: «انتهى وقت المُخادعة.»

كَرَّر القس جُملتَها كأنه صَدًى: «انتهى وقتُ المخادعة.»

ولكن في الحقيقة، كانت المُخادعة ما زالت في بدايتها!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠