الخاتمة: ماضي رحلات الفضاء ومُستقبلها

وصلت رحلات الفضاء بسرعةٍ مذهلة في منتصف القرن العشرين. وبعد سبعةٍ وعشرين عامًا فقط من أُولى رحلات «في-٢» في عام ١٩٤٢، وطئت أقدام البشر على سطح القمر. وبحلول عام ١٩٨٩، كانت المَركبات الفضائية الروبوتية قد حلَّقَت بالقُرب من كل الكواكب الكبرى، وتوجَّهت أربعة إلى الفضاء بين النجوم. ولم يكن من المُمكن تحقيقُ مثل هذه الإنجازات لولا رؤى ودعواتُ المنظرِّين والمُروِّجين الأوائل، المَدعومين بالثقافة الفلكية التي جعلت رحلات الفضاء تبدو مُمكنة ومُمتِعة لجمهورٍ أكبر بكثير. ولكن لولا القوى الدافعةُ للحرب، وسباقات التسلُّح الدولية، والمنافسة السياسية، لكانت رحلات الفضاء ستستغرِق وقتًا أطول بكثيرٍ للظهور ولكانت ستَّتِخذ مسارًا مختلفًا تمامًا.

بمجرَّد أنْ تباطأ سباق الفضاء في الحرب الباردة ثم انتهى، تباطأت وتيرة التغيير، لا سيما في رحلات الفضاء المأهولة. إلَّا أنَّ قُدرة إنجازات الفضاء على التدليل على أهمية الدول وقُدرتها التكنولوجية ساعدت في الحفاظ على برامج المُسهِمين الفضائيين الأصليين وجذبت دولًا جديدة في كل قارة. قد أدَّت عولمة رحلات الفضاء إلى تعجيل عولمة العالم، لا سيما من خلال انتشار التليفزيون والترفيه عبر الأقمار الصناعية للاتصالات. إنَّ الفائدة المُطلقة للبنية التحتية الفضائية، سواءٌ لكسب المال، أو تعزيز القوة العسكرية، أو تمكين المِلاحة، أو التنبؤ بالطقس، أو تقديم الإنذارات، تَعني أن النشاط الفضائي كان سيتوسَّع حتى بدون مزايا الإشارات الجيوسياسية. علاوة على ذلك، كما أشرتُ طوال الكتاب، فإنَّ إضفاء الطابع المُؤسَّسي على رحلات الفضاء في الوكالات الحكومية والشركات والجامعات ومراكز البحوث أوجدَ فُرَص عملٍ وقدراتٍ علميةً تكنولوجية حافظت على الدعم السياسي لبرامج الفضاء، لا سيما في القطاعات ذات قيمة الاستخدام الأقلِّ وضوحًا (ولكن غالبًا ما تكون قيمة الإشارة أكبر) مثل رحلات الفضاء المأهولة واستكشاف الكواكب وعِلم الفلك الفضائي. بالنظر إلى كلِّ هذه العوامل، يبدو مِن المُرجَّح أنَّ رحلات الفضاء ستستمرُّ في التوسُّع والعولمة، خاصة عندما يتعلَّق الأمر بالبنية التحتية التي تدور حول الأرض، والتي تُشكِّل حاليًّا الغالبية العُظمى من كل ما نقوم به في الفضاء.

بحلول عام ١٩٨٩، كانت المَركبات الفضائية الروبوتية قد حلَّقت بالقُرب من كلِّ الكواكب الكبرى، وتوجَّهت أربعة إلى الفضاء بين النجوم.

ومع ذلك، فإنَّ استقرار بِنيتنا التحتية الفضائية يواجه تهديدَين رئيسيَّين؛ النفايات الفضائية وحرب الفضاء؛ حيث إنَّ عدد الأقمار الصناعية المُتوقِّفة عن العمل (الميتة) ومراحل الصواريخ والمُخلَّفات العشوائية يُمثِّل مشكلةً بالفعل، خاصة في مدار الأرض المُنخفِض. وثمَّة مئات، بل آلاف من المجموعات الجديدة من المَركبات الفضائية المُصغَّرة الخاصة بالاتصالات ومراقبة الأرض، تحت الإنشاء في الوقت الحالي. ويمكن أن يُؤدِّي ذلك إلى مُتلازِمة كيسلر؛ سلسلة من التصادُمات التي تخلق غيومًا من الحطام يمكن أن تجعل بعض المناطق المدارية غير قابلة للاستخدام. كما أنَّ الهجمات المادية على الأقمار الصناعية، كجزءٍ شِبه أكيد من حربٍ على الأرض، سيُؤدي إلى السلسلة نفسها من التصادُمات. وسوف يُنتِج ذلك بالتأكيد سباقَ تسلُّحٍ جديدًا في الفضاء.

استقرار بِنيتنا التحتية الفضائية يُواجه تهديدَين رئيسيَّين؛ النفايات الفضائية، وحرب الفضاء.

أما على المدى الطويل، فقد وضع دُعاة المستقبلية الفلكية في منتصف القرن جدول أعمالٍ لا يزال مقنعًا بالنسبة إلى الكثيرين؛ رؤية تتمحور حول رحلات الفضاء المأهولة إلى مُستعمرات القمر والمريخ ونشاط يمتدُّ عبر النظام الشمسي. ولطالما شعَر عشَّاق الفضاء بخيبة الأمل مراتٍ ومرات نتيجةً لعدم تحقُّق هذه الرؤية. ويبدو أنه لا يُوجَد سبب لتوقُّع حدوثها في أي وقتٍ قريب أيضًا، على الرغم من أنه ستكون هناك رحلاتُ طيرانٍ مأهولةٌ إلى القمر وربما إلى المريخ في العِقدَين أو الثلاثة عقود القادمة. وتُعَدُّ مثل هذه المشاريع مُكلِّفة للغاية؛ ولذا فإنَّ الحفاظ على الدعم السياسي على المدى الطويل لا يزال صعبًا إذا لم تتمكَّن هذه المشاريع من الإنفاق على نفسها. هناك أيضًا أسئلة جادَّة حول قُدرة الأجسام البشرية على التكيُّف مع الإشعاع في الفضاء العميق وانخفاض الجاذبية. وقد تساءل مُؤرِّخا الفضاء روجر لونيوس وهوارد ماكوردي عمَّا إذا كانت الآلات الذكية أو السايبورج التي يُمكِن أن نُنشِئها ستكون أكثرَ ملاءمةً للمهمة من البشر الضعفاء. ولكنَّنا بطبيعة الحال، قد لا نتقبَّل فكرة استبدالنا.1
سؤالٌ آخَر يطرح نفسه، وهو ما إذا كان بإمكاننا متابعة استكشاف الفضاء العميق، في حالة مواجهة البشرية، كما يبدو مُحتملًا، لأزمةٍ عالمية حادَّة في هذا القرن نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر، والطقس المُتطرِّف، وفقدان الأراضي الصالحة للزراعة، والنموِّ السكاني، ممَّا يؤدي إلى تدفُّقاتٍ هائلة من اللاجئين وإلى مجاعات.2 إن تغيُّر المناخ أمر خبيث لأنه يعمل على فتراتٍ زمنية أطول ممَّا يبدو أن أنظمتنا السياسية مُصمَّمة للتعامُل معها. وقد يبدو الاستكشاف الروبوتي والبشري للفضاء ترفًا يمكن الاستغناء عنه في ظلِّ مثل هذه الأزمة، إلَّا أنَّ المُناصرين له كان لهم رأي آخر؛ إذ جادلوا بأنَّنا بحاجة إلى مُستعمرات فضائية كسياسة تأمين ضدَّ تدمير كوكبنا. وقد ساعدَت صور الفضاء بالتأكيد في تعزيز وعيٍ كوكبي جديد، وعي قد يَنتج عنه إحساسٌ بضَعف الأرض. كما كانت الأقمار الصناعية أيضًا ذاتَ أهميةٍ جوهرية من الناحية العلمية لفَهم بيئتنا العالمية المُتغيِّرة، وهي معلومات ضرورية إذا أردْنا اتِّخاذ إجراءاتٍ فعَّالة. والعلوم والتكنولوجيا التي تمَّ تطويرها من أجل رحلات الفضاء كانت وستكون حاسمةً في تشكيل استجابتنا لتغيُّر المناخ وتحويل الطاقة، على سبيل المثال، بدأت الألواح الشمسية كتكنولوجيا فضائية. إنَّ المشكلة ليست في إيجاد حلول تقنية للتخفيف من الأزمات القادمة؛ بل هي إيجاد الإرادة السياسية للقيام بشيءٍ فعَّال.

ليست وظيفة المؤرِّخين، بطبيعة الحال، هي التنبؤ. وإذا ما استخدمناهم في هذه الوظيفة، فهو أمر، في أفضل الأحوال، محفوفٌ بالمخاطر. ولكننا نستطيع أن ننظُر إلى تاريخ رحلات الفضاء ونرى إنجازاتٍ بشريةً بَدَت مستحيلة قبل بضعة عقود فقط. وهذا سيُعطينا الأمل بأنَّنا قادِرون على حلِّ مشاكلنا في كلِّ الأحوال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠