الفصل الرابع

البنية التحتية للفضاء العالمي

نَجَمَ عن سباق الفضاء في الحرب الباردة أيضًا بِنًى تحتية، سواءٌ عسكرية أو مدنية، سرعان ما أصبحت ضروريةً للحياة على الأرض؛ فشبكات الأقمار الصناعية والمحطَّات الأرضية تُنتِج بيانات الطقس والمِلاحة، وتدعم الاتصالات العالمية والتليفزيون، وتُنتج أيضًا صورًا ومعلومات استخباراتية، وتساعد في القيادة والسيطرة العسكرية، وفي الإنذار المُبكر ضدَّ الصواريخ، وغيرها من التطبيقات التي لم تَعُد الحكومات ولا العديد من الأفراد، لا سيما في العالم المتقدِّم، يستطيعون تخيُّل العيش بدونها. لقد كانت أنظمة الأقمار الصناعية هذه ثمرةً أخرى لثورة المَركبات الفضائية الآلية التي سمحت بالقيام بالكثير في الفضاء عن بُعد.

كان أحد الآثار المُهمَّة لهذه البنية التحتية العسكرية والمَدنية زيادة الاستقرار الاستراتيجي بين القوتَين العُظميَين المُسلَّحتَين نوويًّا؛ إذ إنَّ معرفة ما يفعله الآخر جعل الحرب أقلَّ احتمالية، بما في ذلك الحرب في الفضاء. علاوةً على ذلك، أصبح كلٌّ مِن الجانبَين مُعتمِدَين على شبكات الأقمار الصناعية للآخر، ممَّا حفَّزهما على قَبول النظام الواقعي المُتمثل في إمكانية عسكرة الفضاء، ولكن ليس تسليحه. وبينما هدَّدت اختبارات الأسلحة الفضائية السوفييتية ومبادرة الدفاع الاستراتيجي للرئيس ريجان بزعزعة استقرار هذا النظام في الثمانينيَّات من القرن العشرين، أثمرت نهاية الحرب الباردة عن حقبةٍ من الهيمنة الأمريكية العالمية التي فضَّلَت التجنُّب المستمر للأسلحة الفضائية — على الرغم من أنَّ ذلك لا يمكن ضمانُه بأي حالٍ من الأحوال في المُستقبل.

كان للظهور السريع للبِنى التحتية الفضائية تأثير آخَر؛ فبحلول الثمانينيات، كانت البشرية قد ربطتْ على نحوٍ فعَّال الفضاءَ القريب من الأرض لخدمة الكوكب. وأصبحت مُعظم الأقمار الصناعية مُركَّزة في ثلاث مناطق: (١) مدار الأرض الجغرافي الثابت (GEO) على بُعد حوالي ٢٢٣٠٠ ميل، والذي تُهيمِن عليه أقمار المُراقبة والاتصالات العالمية. (٢) مدار الأرض المتوسِّط (MEO) على بُعد حوالي ١١٠٠٠–١٢٠٠٠ ميل، يُشغِّله في المقام الأول مركبة فضاء مِلاحية. (٣) مدار الأرض المُنخفِض (LEO) على بُعد حوالي ١٢٠٠ إلى ١٠٠ ميل، مع قيام الأحمال في المدارات بفعل كلِّ شيءٍ تقريبًا. من الناحية العملية، تدور معظم الأقمار الصناعية في تلك المنطقة بين ٢٠٠ و٦٠٠ ميل؛ إذ إنَّ ما فوق ٦٠٠ ميل هو أقوى جزءٍ من حزام إشعاع فان آلن الداخلي، مما يجعل هذه المنطقة غير مُستحبَّة للمَركبات التي يُفترَض أن تظلَّ لمدةٍ طويلة في الفضاء؛ وكذلك ما تحت ٢٠٠ ميل تقريبًا، حيث تؤدي السحب من الذرَّات المُنخفضة الكثافة للغلاف الجوي الخارجي للأرض إلى إسقاط الأقمار الصناعية بسرعةٍ كبيرة، على الرغم من أنَّ الأقمار الصناعية الاستطلاعية العالية الدقة قد تصِل إلى ارتفاعاتٍ أقلَّ بكثيرٍ للحصول على رؤيةٍ أكثر وضوحًا.
وكما كان الحال في قطاعات الفضاء الأخرى، فإنَّ التدهوُر المؤقَّت إلى حدٍّ ما في القدرات الروسية بعد الحرب الباردة تمَّ تعويضه وزيادة من خلال الصعود المُتواصل لأوروبا الغربية واليابان وكندا والصين والهند. وهذا يعني أنَّ البِنية التحتية الفضائية المَدنية والعسكرية استمرَّت في العولمة حتى مع تغذية الشبكات الفضائية للعولمة في العالم.1 عِلاوة على ذلك، أدَّت إيديولوجية الأسواق الحرَّة التي اكتسبت أهميةً جديدة في الغرب في الثمانينيات إلى تسريع تسويق أنظمة الفضاء المَدنية. أصبحت الشركات المتعدِّدة الجنسيات، بدلًا من الحكومات أو الاحتكارات التي توافق عليها الحكومة، تتحكَّم في جزءٍ كبير من الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، كما انتقلت خدمات الإطلاق المداري وتصوير الأرض جزئيًّا إلى القطاع التجاري.
في هذا الفصل، سوف أُقسِّم البِنى التحتية الفضائية إلى ثلاث فئاتٍ عريضة؛ أصبحت الفئتان الأُولَيان، وهما المراقبة والاتصالات، هما أهمَّ تطبيقات تُركِّز على الأرض في أوائل عصر الفضاء. لكن الظاهرة الجديرة بالملاحظة في الثمانينيات وما بعدها كانت الاعتمادَ العالمي المتزايد على خدمات تحديد الموقِع والتوقيت من الأقمار الصناعية الملاحية الخاصة بالحكومة والناشئة في الجيش. وهكذا أصبحت الملاحة هي الفئةَ الثالثة الرئيسية. وعندما جرى دمج نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) الذي تُديره القوات الجوية الأمريكية في السيارات والهواتف الذكية، أصبح مجالًا مهمًّا للنشاط التجاري والحياة اليومية، مما يُعمِّق اعتمادنا على البِنية التحتية الفضائية. وبالتالي، بدأت روسيا والصين وأوروبا الغربية وغيرُها في تطوير أنظمة منافسة. بالنسبة إلى الجمهور، تكون هذه الأنظمة، مثل نظيراتها في الفئتَين الأُولَيَين، غيرَ مرئية على الإطلاق؛ فالمرء لا يُلاحظ البِنية التحتية الفضائية إلا في المناسبات النادرة عندما لا تعمل.

مراقبة الأرض

كما هو الحال في جميع جوانب تكنولوجيا الصواريخ والفضاء، كان الخطُّ الفاصل بين مراقبة الأرض العسكرية والمَدنية ضبابيًّا منذ البداية. الأقمار الصناعية الاستطلاعية، التي كانت حاسمةَ الأهمية في نشأة سباق الفضاء، كانت بحاجةٍ إلى تصويرٍ عالي الدقة. لكن الكاميرات ذات الدقَّة المنخفِضة، التي يتمُّ استخلاصها أحيانًا من مشاريع استخباراتية فاشلة، كانت مناسبةً لالتقاط صورٍ لأنظمة الطقس أو لسطح القمر والكواكب. وكانت معلومات الطقس ذات أهميةٍ لكلٍّ من العملاء العسكريِّين والمدنيين على حدٍّ سواء. غالبًا ما تحتاج المتطلَّبات العسكرية والاستخباراتية إلى استثمارٍ كبير في تطوير أجهزة الاستشعار السرية، على سبيل المثال، في منطقة الأشعة تحت الحمراء للكشف عن التوقيعات الحرارية لعمليات إطلاق صواريخ العدو. ولكن عندما استغلت الأقمار الصناعية المَعنية بعلوم الأرض والطقس المزيد والمزيد من نطاقات الطول المَوجي، احتاجت أيضًا إلى تطوير أدواتٍ مُتقدِّمة أيضًا، وغالبًا ما استُمِدَّت من التقنيات العسكرية السرية.

كما هو الحال في جميع جوانب تكنولوجيا الصواريخ والفضاء، كان الخطُّ الفاصل بين مُراقبة الأرض العسكرية والمَدنية ضبابيًّا منذ البداية.

fig7
شكل ٤-١: تُظهِر أول صورة استطلاع فضائية على الإطلاق مطارًا في القطب الشمالي السوفييتي في ١٨ أغسطس عام ١٩٦٠. والتقَطت هذه الصورةَ أولُ مركبة فضائية أمريكية ناجحة تحمِل كاميرا من برنامج «كورونا»، وكانت تحلِّق تحت الاسم المُستعار «ديسكفرر ١٤» (المصدر: مكتب الاستطلاع الوطني).
في الولايات المتحدة، أطلق مكتب الاستطلاع الوطني أقمارَ التجسُّس «كورونا»، التي أعادت فيلم صور فوتوغرافية في كبسولات إعادة الدخول، حتى عام ١٩٧٢، وكان يُكمِل عملَها أقمار «جامبيت» الصناعية المُماثلة العالية الدقة؛ إذ كانت تلتقِط صورًا قريبة للأهداف. لم تستطع الطُرق الإلكترونية لاسترجاع الصور إنتاج الدقَّة المطلوبة لتكون مُفيدة عسكريًّا قبل أواخر السبعينيات. وفي الوقت نفسه، أطلقت وكالة ناسا أول قمرٍ صناعي تجريبي للطقس، «تيروس ١» (قمر رصد الأشعة تحت الحمراء والإرسال المرئي)، في أبريل ١٩٦٠، وكان عبارةً عن مركبةٍ دوَّارة بسيطة مزوَّدة بكاميرات تليفزيونية تطوَّرت من اقتراح استطلاعٍ فاشل من شركة راديو أمريكا (RCA). ومثل «كورونا»، أصبح ما كان يُفترَض أن يكون مؤقَّتًا أو تجرِبةً هو الأساسَ لنظامٍ تشغيلي للأقمار الصناعية التي تدور حول القطبَين بحيث تكون كلُّ الكرة الأرضية مَرئية.2

في البداية، كان على علماء الأرصاد الجوية أن يَقتنعوا بأن الصور التي تظهر في أغلبها الغيومُ ستكون مفيدة، ولكنهم توصَّلوا بسرعةٍ إلى أنها تُوفِّر معلوماتٍ قيِّمةً على الجبهات الهوائية والعواصف. أدى الكشف عن الأعاصير وتتبُّعها في المُحيط المفتوح إلى زيادة وقت التحذير بشكلٍ كبير. عندما لم تُثبِت صور «تيروس» أنها مفيدة كما هو مُتوقَّع في التنبُّؤ بالطقس فوق الكتلة السوفييتية، أنشأَت وزارة الدفاع الأمريكية نظامًا مُوازيًا قائمًا على نفس التكنولوجيا. كانت وظيفته الأولى والأكثر أهمية هي التنبُّؤ بوجود غيومٍ تُغطِّي الأهداف، وبالتالي يسمح لمُشغِّلي الأقمار الصناعية للتجسُّس بمعرفة متى يحاولون التصوير الفوتوغرافي، وذلك لتقليل عدد صور الأهداف المغطَّاة بالغيوم.

نشر السوفييت أُولى مركبات استطلاع «زينيت» في عام ١٩٦٢، باستخدام نُسخةٍ من مركبة «فوستوك» الفضائية، كما خطَّط سيرجي كوروليف منذ البداية. كانت وحدة إعادة الدخول الكروية، بدلًا من حمل رائد الفضاء ومقعد القذْف الخاص به، تحمِل الكاميرات التي تمَّ استردادُها مع الفيلم. لكنَّ حِرْص السوفييت المُبكر على إنتاج مشاهد دعائية بمَركبات القمر والكواكب أو المَركبات المأهولة كان يعني أن يتخلَّف الاتحاد السوفييتي عن الولايات المتحدة في كلِّ تطبيقٍ عملي لتكنولوجيا الفضاء. ولم يتمَّ إطلاق أقمار «ميتيور» الصناعية التجريبية الأولى للطقس التي تَستخدِم كاميرات التيلفزيون حتى عام ١٩٦٤، وتمَّ إخفاؤها جميعًا تحت تسمية «كوزموس» العامة إلى أن تمَّ الإعلان عن تشغيلها في عام ١٩٦٩.3
وبينما كانت الولايات المتحدة تقود الطريق في أنظمة الطقس، فقد واجهت صعوبةً في تنظيم المسئولية عن البرامج المَدنية. ولم تكن وكالة ناسا، باعتبارها وكالةً تجريبية وتطويرية، هي الخيار الأفضل لإدارة نظامٍ تشغيلي، ولكنها كانت الوكالة الأكثر تقدُّمًا من جهة تطوير المَركبات الفضائية المَدنية وأجهزة الاستشعار. لقد واصلت مشروع القمر الصناعي «نيمبوس» الخاص بها حتى أثناء نقلِها الأنظمة الأبسط التي تطوَّرت من «تيروس» إلى هيئة «الأرصاد الجوية الوطنية»، التي أصبحت في النهاية جزءًا من الإدارة الوطنية للمُحيطات والغلاف الجوي (NOAA). وقد أدَّى «نيمبوس» بالفعل إلى تطوير أدواتٍ في مناطق الأشعة تحت الحمراء وأشعة الميكروويف يمكنها أن توسِّع بشكلٍ كبير ما يمكن أن تفعله الأقمار الصناعية للطقس. ولم تبدأ الأقمار الصناعية في إنتاج بياناتٍ يمكن الاستفادة منها في تغذية نماذج الكمبيوتر القوية التي تُستخدَم في التنبُّؤ بالطقس إلا عندما استطاعت الأقمار الصناعية إجراء قياساتٍ شاملة لبخار الماء وطبقات الغيوم ودرجات الحرارة والكميات الأخرى، في الثمانينيَّات وما بعدَها.4

كما قامت وكالة ناسا بدورٍ رائدٍ في وضع أجهزة استشعار الطقس في مدار الأرض الجغرافي الثابت؛ إذ يُحلِّق قمرٌ صناعيٌّ على نحوٍ فعَّال فوق مكانٍ واحد في مدارٍ دائري طوال أربع وعشرين ساعة على ارتفاع ٢٢٣٠٠ ميل فوق خط الاستواء. وأدَّت المركبة الفضائية التجريبية التابعة للوكالة في أواخر الستِّينيات إلى إنشاء شبكةٍ من أجهزة مراقبة الطقس في مدار الأرض الجغرافي الثابت تُوفِّر نظرةً عامة عالمية على أنظمة الطقس وتطوُّر العواصف التي تُكمِل الرؤية عن قُربٍ من الأقمار الصناعية المدارية القطبية الموجودة في مدار الأرض المُنخفِض. وأطلقت وكالة ناسا مركباتٍ فضائية في عامَيْ ١٩٧٤ و١٩٧٥، ممَّا أدَّى إلى الأقمار الصناعية البيئية العاملة من مدارٍ جغرافي ثابتٍ بالنسبة إلى الأرض والتي تُديرها الإدارة الوطنية للمُحيطات والغلاف الجوي. من خلال منظَّمات الأرصاد الجوية والغلاف الجوي الدولية، أنشأت الولايات المتحدة واليابان ووكالة الفضاء الأوروبية نظامًا عالميًّا في السبعينيَّات، بحيث يكون القمر الصناعي التابع لوكالة الفضاء الأوروبية مسئولًا عن مراقبة أوروبا وأفريقيا، والقمر الصناعي الياباني مسئولًا عن شرق آسيا وغرب المُحيط الهادئ. وقد وعد الاتحاد السوفييتي بوضع قمر صناعي لمُراقبة المُحيط الهندي، لكنَّ مكتب التصميم المسئول واجه صعوباتٍ في مواجهة التحدِّيات التكنولوجية وعدَم المُبالاة في برنامج الفضاء الذي يُديره الجيش. ولم تضع روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي مركبةً فضائية للطقس في المدار الجغرافي الثابت بالنسبة إلى الأرض إلَّا في عام ١٩٩٤ فقط، وحتى هذه المركبة كانت تُعاني من مشاكل فنية. ولم تُطلِق روسيا أيَّ بديلٍ حتى عام ٢٠١١ بسبب الأزمة الاقتصادية التي تمرُّ بها البلاد.

مدفوعةً بالحرب الباردة، شملت أنظمة المراقبة العسكرية والاستخباراتية أيضًا نطاقًا من الأطوال الموجية والتقنيات أبعدَ بكثيرٍ من التصوير البصري. في الواقع، كان أول قمر صناعي استخباراتي أمريكي ناجح عبارة عن حمولة إشارات بحرية تدور بشكلٍ خَفي على مركبة فضاء فلكية تابعة لمَعمل أبحاث البحرية الأمريكية في مايو ١٩٦٠. وكان دورُه هو تسجيل رادارات الدفاع الجوي السوفييتي، مما يُتيح إعادة اكتشاف مواقعها وتردُّداتها وقوَّتها. توسَّعت الإشارات وقُدرات استخبارات الاتصالات من المدار بشكلٍ كبير بمرور الوقت، ولكن تمَّ الكشف عن القليل من المعلومات حول ذلك. وبدأت تَجارِب التصوير الراداري (باستخدام إشارةٍ راديوية تنعكس على الأرض لتكوين صورة) في الستينيَّات، ولكن بسبب صعوبة الحصول على صور جيدة، لم يتم إطلاق أول قمرٍ صناعي للتصوير الراداري من سلسلة «لاكروس» في الولايات المتحدة حتى عام ١٩٨٨. وتُعَدُّ مَيزة الرادار هي أنه يستطيع التقاط الصور في الليل وعبر الغيوم. ويمكن أيضًا استخلاص بياناتٍ فريدة من خصائص انعكاس الهدف.

كما بدأت الولايات المُتحدة تجريب المركبات الفضائية للإنذار المبكر ضدَّ الصواريخ باستخدام أجهزة استشعار الأشعة تحت الحمراء في منتصف الستينيَّات. أدى ذلك إلى نظام ثابت بالنسبة إلى الأرض، تم الانتهاء منه لأول مرة في عام ١٩٧٣، ويضم ثلاثة أقمار صناعية، أحدُها يُراقب الاتحاد السوفييتي، والآخر يراقب المحيط الأطلنطي، والأخير يراقب المحيط الهادئ للكشف عن الصواريخ الباليستية التي تُطلَق من الغوَّاصات. هذه الزيادة الكبيرة في وقت الإنذار بالمقارنة بالرادارات الأرضية يمكن أن تُتيح التفوُّق في القتال النووي، لكنها تُقلِّل أيضًا من الخوف من الهجوم المفاجئ. وأخيرًا أطلق السوفييت مركبتهم الفضائية للإنذار المُبكر في الثمانينيَّات. وتَستخدِم هذه في الغالب مدارًا إهليلجيًّا، حيث تصعد المركبة الفضائية عاليًا فوق النصف الشمالي من الكرة الأرضية أثناء الجزء البطيء الحركة من مدارها، ثُم تدور بسرعةٍ في الاتجاه المعاكس حول نصف الكرة الجنوبي بينما تنزل إلى بضع مئاتٍ من الأميال عند أدنى نقطة. ولكن السوفييت واجهوا صعوباتٍ في هذا النظام — كغيره من الأنظمة — فيما يتعلق بالتقدُّم التكنولوجي الأمريكي، لا سيما في حجم ووزن وموثوقية الإلكترونيات وأجهزة الكمبيوتر. وغالبًا ما كانت المَركبات السوفييتية تتمتَّع بفترة حياةٍ أقصر من المتوقَّع، بالإضافة إلى أنه في عام ١٩٨٣ أصدرت إحدى المركبات إنذارًا كاذبًا من هجومٍ صاروخي أمريكي عندما انعكس ضوء الشمس عن الغيوم، ولولا وجودُ أحد الفنِّيين المُتيقِّظين لوقعَت كارثة. بعد انهيار اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية في عام ١٩٩١، تدهور النظام لمدَّة عقدَين، وكان الروس يعتمدون عليه دائمًا بشكل أقل، ولكن إذا ما نظرْنا إلى مُميزاته، فقد أسهم هذا النظام على الأرجح في الاستقرار الاستراتيجي.5
كانت أنظمة استطلاع الصور هي الأكثرَ أهمية؛ لأنها جعلت أُولى اتفاقيات الحدِّ من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي مُمكِنة في السبعينيات؛ إذ أضحى من الممكن احتسابُ صوامع الصواريخ وقاذفات القنابل والغواصات النووية (عندما تكون في الميناء)، الأمر الذي وضع أساسًا لحدود الاتفاقية. ونتيجةً لرفع السرية، عُرِف المزيد عن الأنظمة البصرية الأمريكية، على الأقل حتى الثمانينيات. وأحلَّ مكتبُ الاستطلاع الوطني والقوات الجوية أقمارَ الاستطلاع «هيكساجون» محلَّ سلسلة «كورونا»، بدءًا من عام ١٩٧١. غالبًا ما كان يُطلَق عليها «كيه إتش-٩»، على اسم الكاميرا الرئيسية الخاصة بها، ولُقِّبت «بيج بيرد» (أو الطائر الضخم) لأنها كانت ضخمة جدًّا، وحمَل كلُّ قمرٍ من سلسلة «هيكساجون» أربع مركبات إعادة دخول أكبر من أجل الرجوع بأشرطة صورٍ لمناطق شاسعةٍ من الكتلة السوفييتية والصين وأعداء آخرين. ومن ثَم تتولَّى الأقمار الصناعية العالية الدقة مِثل «جامبيت» وما يليها التحقيق في أهدافٍ مُعينة.6
حدَّ استرجاعُ أشرطة الصور من فائدة مركبات الاستطلاع التصويرية فأصبحت مهمَّتها الأساسية هي الاستخباراتِ الاستراتيجية؛ إذ لم تستطع إعادة الصور بسرعةٍ كافية لمساعدة القوات الأمريكية في أي أزمةٍ أو حرب مثل حرب فيتنام، على عكس الأقمار الصناعية الخاصة بالطقس التابعة لوزارة الدفاع. ابتداءً من عام ١٩٧٦، أطلقَت الولايات المتحدة أول مركبةٍ فضائية للتصوير الرقمي في المدار، مُستخدمةً رقاقات السيليكون المبكرة (CCDs)، التي أصبحت الآن الأساسَ لكل الكاميرات المُتاحة تِجاريًّا. كانت مركبات الفضاء «كينين» (لاحقًا «كريستال») (التي تُعرَف غالبًا باسم «كيه إتش-١١») تُشبه تليسكوب هابل الفضائي، الذي اشتُقَّت منه. وأدَّى إرسال الصور إلى الأرض إلى حلِّ مشكلة التوقيت وحياة المَركبات الفضائية القصيرة (بمجرد أن تنشُر المركبة الفضائية المسئولة عن إعادة أشرطة الصور مَركبةَ إعادة الدخول الأخيرة، ينتهي أمرُها). ومع ذلك، لم يكن الانتقال لحظيًّا بالنسبة إلى مكتب الاستطلاع الوطني، حيث كانت مركبات «هيكساجون» لا تزال تدور في المدار حتى عام ١٩٨٤. ولا يعرف الجمهور الكثير عن سلسلة «كينين»، ولكنَّ نهاية المَركبات الفضائية التي تُرجِع أشرطة الصور تُشير بالتأكيد إلى أنَّ التصوير الإلكتروني أصبح الآن مناسبًا لكلٍّ من البحث الواسع النطاق ومهامِّ البحث الدقيق. وبالاستعانة بأجهزة التصوير الرادارية ومجموعة متنوِّعة غير معروفة من الأقمار الصناعية وحمولات استخبارات الإشارات، اكتسبَت الولايات المتحدة القدرةَ على المراقبة العالمية السريعة، ممَّا عزَّز دَورها كقوةٍ عظمى مُهيمنةٍ بعد الحرب الباردة. ومع ذلك، كما أثبتت العقود منذ ذلك الحين، فإنَّ العلم شِبه الكامل بمجريات الأمور على المستوى الاستراتيجي ليس ضمانًا للنجاح العسكري أو السياسي عندما تكون المشكلة مُستعصية أو يكون الأعداء عبارة عن عصاباتٍ وجماعات إرهابية.7
حتى عندما بدأ السوفييت في استخدام المركبات الفضائية للتصوير الإلكتروني في عام ١٩٨٢، كافحوا لجعلها تقوم بمهامِّها وتظلُّ منافسة. ولإبقاء أمريكا وحلفائها تحت المراقبة، أطلقوا هم وحلفاؤهم الروس العديد من المركبات الفضائية ذات العمر القصير التي تعود بأشرطة الصور والتي تتمتَّع بأنظمة كاميرات متطوِّرة للغاية. كانت إحدى المركبات السوفييتية الفريدة هي القمر الصناعي المُستخدم لرادارات استطلاع المُحيطات (RORSAT) الذي يَستخدِم مفاعلًا نوويًّا لتوليد الطاقة الكهربائية، من أجل تتبُّع الأساطيل العالمية للبحرية الأمريكية وحلفائها.8 وقد فقدت روسيا الكثير من إمكانيات الاستطلاع العالمية لمدَّة عقدَين من الزمن بسبب الأزمة الاقتصادية التي مُنيَت بها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولم تبدأ في إعادة بنائها تدريجيًّا إلا بعد عام ٢٠١٠.
وعلى الرغم من الهيمنة الأمريكية في مراقبة الأرض، فقد بدأت الثمانينيات في تحوُّلٍ سريع نحو عالَم متعدد الأقطاب لم تعُد تحتكر فيه وكالات الاستخبارات الصور العالية الدقة. فرضَت وكالات المخابرات الأمريكية سياسةً وطنية تضمَن ألا تصِل جميع المركبات الفضائية المَدنية، بما في ذلك الأقمار الصناعية الخاصة بالطقس وأقمار «لاندسات» المُستخدَمة في مسح الموارد الطبيعية للأرض، إلى صورٍ بدقَّة وضوح تتجاوز ٣٠ مترًا (حوالي ١٠٠ قدم) لكل بِكسل. وفي عام ١٩٨٦، أطلقت وكالة الفضاء الفرنسية، بالتعاون مع السويد، القمر الصناعي «سبوت ١» في المدار، الذي يوفِّر صورًا بدقَّةٍ تتراوَح ما بين ١٠ أمتار و٢٠ مترًا لكلِّ بِكسل مُقابل سعرٍ مُعيَّن. وكانت هذه بداية ثورة مَدنية في التصوير، وقد أدَّت بحلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى قيام شركاتٍ مثل «ديجيتال جلوب» ببيع صورٍ شديدة الدقَّة حسب الطلب. وحتى وسائل الإعلام ومجموعات حقوق الإنسان قد تبدأ في شراء صور لأهداف مثيرة للاهتمام، ويمكن لشركات مثل «جوجل» أن تجعل صور الأقمار الصناعية أساسيةً بالنسبة إلى برامج الخرائط الخاصة بها. وبدأت وكالات الاستخبارات في شراء كمياتٍ كبيرة من الصور التجارية لتكمِلة أقمارها الصناعية المُتخصِّصة. وبدأت عدة دول في إطلاق مركبات فضائية عسكرية خاصة بها، لا سيما فرنسا وألمانيا وإسرائيل والصين. وأصبح مدار الأرض المنخفِض ومدار الأرض الجغرافي الثابت مُشَبَّعَين بأنواعٍ عديدة من المركبات الفضائية المُستخدَمة في المراقبة. وقد خلق توفُّر الكثير من الأقمار الصناعية حقبةً جديدة من الشفافية العالمية، ممَّا قلَّل من فرصة الحروب الكبرى، دون إزالة أي أسبابٍ للصراعات حول العالم.9

الاتصالات عبر الأقمار الصناعية

على غرار الأقمار الصناعية الاستطلاعية، تعود أفكار استخدام المَركبات الفضائية في الاتصالات العالمية إلى نهاية الحرب العالمية الثانية وثورة الصواريخ التي أطلقتْها صواريخ «في-٢». في أكتوبر ١٩٤٥، اقترح مؤلِّف الخيال العلمي وداعية الفضاء آرثر سي كلارك، الذي كان آنذاك ضابطَ رادار صغيرًا في سلاح الجو الملكي البريطاني، أنَّ ثلاث منصَّات ثابتة بالنسبة إلى الأرض يُمكنها توفير اتصالاتٍ عالمية. وبالنظر إلى التكنولوجيا المُتاحة في ذلك الوقت، تخيَّلَها كمحطاتٍ تحت إدارة بشرية؛ لأنه، بالطبع، قد تكون هناك حاجةٌ إلى شخصٍ ما لتغيير الأنابيب المفرَّغة. كانت فكرة كلارك مُستبصِرة، لكنها كانت غريبة وتمَّ تجاهلها لبعض الوقت. وعندما انطلق سباق الفضاء في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، جرَّبت القوات المسلحة الأمريكية، ووكالة ناسا، والشركات الخاصة عدة أفكار مختلفة لأنظمةٍ آلية، بما في ذلك البالونات العملاقة أو حزام الإبَر النُّحاسية لعكس الإشارات، ومركبات الاتصالات في مدار الأرض المُنخفِض التي تَستخدِم تقنية «تخزين البيانات وإرسالها»، وأيضًا أفكار مدار الأرض الجغرافي الثابت. وقد خطَّطت شركة «إيه تي آند تي» — عملاقُ الاتصالات عن بُعد — لكوكبة مدار الأرض المنخفض استنادًا إلى قمرِها الصناعي «تيلستار» الذي جرى إطلاقه في يوليو ١٩٦٢. وتركت عمليات البث بين أوروبا وأمريكا الشمالية التي نقلها «تيلستار» انطباعًا عميقًا على العالم بأسره، على الرغم من أن كلًّا منها استغرق حوالي خمس عشرة دقيقة فقط نظرًا إلى أنَّ المركبة الفضائية سرعان ما خرجت من النطاق؛ إذ بشَّرت بعالَمٍ جديد من الاتصالات العالمية الفورية.

حتى قبل إطلاق «تيلستار»، كان مفهوم شركة «إيه تي آند تي» لنظام مدار الأرض المنخفض الذي يُديره القطاع الخاص يخسَر بالفعل. أرادت إدارة كينيدي، المُهتمَّة أكثر بالفوز على الاتحاد السوفييتي في إنشاء نظام عالمي، تعزيزَ النفوذ الأمريكي على الغرب والعالم النامي. بالتوازي مع قرار «أبولُّو»، بدأت الإدارة الأمريكية دراسة للاتصالات الفضائية في عام ١٩٦١ التي أدَّت إلى قانونٍ وقَّعه الرئيس في نهاية أغسطس ١٩٦٢، وأُسِّست شركة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية (التي تُعرَف اختصارًا ﺑ COMSAT أو كومسات). وأصبحت شركة «إيه تي آند تي» مجرد واحدةٍ من حاملي الأسهم. كما قامت وكالة ناسا بتمويل تجارِبَ منافسة، لا سيما المركبة الفضائية للاتصالات المُتزامنة «سينكوم» التي تَبنيها هيوز للطائرات لتدور في مدار الأرض الجغرافي الثابت. وأثبتت «سينكوم ٢» و«سينكوم ٣» في عامَي ١٩٦٣ و١٩٦٤ جدوى فكرة الأقمار الصناعية الروبوتية التي تدور في مدار الأرض الجغرافي الثابت. وفي غضون ذلك، شرعت «كومسات» في مجموعةٍ من المفاوضات العالمية، على النحو المنصوص عليه في القانون، ممَّا أدى إلى إنشاء المنظمة الدولية للاتصالات السلكية واللاسلكية عبر الأقمار الصناعية (إنتلسات) في عام ١٩٦٤، بالتعاون مع شركات الهاتف المملوكة للحكومة في الغالِب في دول الغرب والدول النامية. وتبنَّت هذه المنظمة نسخةً من «سينكوم»، تحت إدارة شركة «كومسات». وتمَّ وضع أول مركبةٍ فضائية لها، «إنتلسات ١» أو «إيرلي بيرد»، فوق المُحيط الأطلنطي في أبريل ١٩٦٥. وتبع ذلك الجيل الثاني من الأقمار الصناعية ذات السَّعة العالية في ١٩٦٦-١٩٦٧، والجيل الثالث في ١٩٦٨–١٩٧٠، وبدأ الجيل الرابع في ١٩٧١. وبسبب أعطال الأقمار الصناعية، ظهرَتْ بالفعل التغطيةُ العالمية الدائمة في بداية السبعينيات.10
fig8
شكل ٤-٢: أصبح «إنتيلسات ١»، المُلقَّب ﺑ «إيرلي بيرد»، أول قمرٍ صناعي تجاري للاتصالات في المدار الجغرافي الثابت في العالَم عندما تمَّ إيقافه فوق المُحيط الأطلنطي في أبريل ١٩٦٥. في هذه الصورة الدعائية، يوجد نموذج مركبة فضائية فوق مجموعة من الهواتف، حيث كانت المكالمات الطويلة المدى هي الوظيفةَ الأساسية لإيرلي بيرد. وبمرور الوقت، استحوذت الكابلات البحرية على الاتصالات الهاتفية وسيطرت الأقمار الصناعية التجارية على البثِّ التليفزيوني لمسافاتٍ طويلة (المصدر: متحف الطيران والفضاء الوطني التابع لمؤسَّسة سميثسونيان).

رفض السوفييت بطبيعة الحال هذا النظام الذي يُسيطر عليه الأمريكيون وأبعدوا حلفاءهم عنه. وأطلقوا أول أقمار الاتصالات التجريبية العسكرية الذي أطلقوا عليه «مولنيا» (أو «لايتنينج») في عامَي ١٩٦٤ و١٩٦٥، وكانوا رائدين في المدارات الإهليلجية التي تمَّ تبنِّيها فيما بعد بواسطة مركبات الإنذار المبكِّر ضدَّ الصواريخ الخاصة بهم. كانت الأقمار الصناعية الموجودة في مدار الأرض الجغرافي الثابت شديدة القُرب من الأفق في مناطق القطب الشمالي من الاتحاد السوفييتي، أما المدارات الاستوائية فكان من الصعب الوصول إليها من مواقع الإطلاق السوفييتية ذات خطوط العرض العالية ومن ثمَّ فهي تتطلَّب تطويرًا مُعزِّزًا جديدًا. ولذا كانت المدارات القطبية الإهليلجية للغاية التي كانت المركبة الفضائية تدور فيها فوق نصف الكرة الشمالي حلًّا جيدًا، ولكنه حلٌّ يتطلَّب عدة أقمارٍ صناعية من سلسلة «مولنيا» في مستوياتٍ مدارية مختلفة بحيث يكون أحدُها على الأقل في الأعلى في أيِّ وقت. نظرًا إلى برنامج الفضاء الوحدوي الذي يسيطر عليه الجيش في الاتحاد السوفييتي، جاء المُستخدِمون العسكريون أولًا، ولكن تمَّ استخدام المركبة الفضائية أيضًا لِبَثِّ قنوات التليفزيون المَدني عبر مساحةٍ شاسعة من الأراضي السوفييتية. وفي أواخر السبعينيَّات، بدأ السوفييت أيضًا في نشر الأقمار الصناعية في مدار الأرض الجغرافي الثابت كمُكمِّل.

بعد أن قرَّرت وزارة الدفاع الأمريكية لفترة وجيزة الاعتماد على النظام المَدني، بدأت في إطلاق أقمارها الصناعية للاتصالات في عام ١٩٦٦ وأنشأت نظامًا كاملًا للأقمار الصناعية في المدار الجغرافي الثابت للأرض يبدأ في عام ١٩٧١. وقد كان أحد الاعتبارات الرئيسية هو الحفاظ على مستوًى كافٍ من الأمن لرسائل القيادة والتحكُّم المهمَّة، لا سيما أثناء خوض حربٍ نووية عالمية. كان من الضروري أن تصل «رسائل الاشتباك العاجلة» — الأوامر الرئاسية لإطلاق الأسلحة النووية — إلى غواصَّات الصواريخ الباليستية في البحر وإلى القواعد عبر البحار، ممَّا يعكس النطاق العالمي للانتشار العسكري الأمريكي. وبالتالي، يمكن أن تُسهِم الاتصالاتُ عبر الأقمار الصناعية في وضع نهاية للعالم، ولكن كما هو الحال مع كل جانب آخَر من منطق الأسلحة النووية مُتعدِّد الأوجه، فقد عزَّزت أيضًا مصداقية الرادع الأمريكي وقلَّلت من احتمال الحرب. نظرًا إلى تزايُد إمكانيات الاتصالات الدفاعية، فقد زاد حتمًا الاعتماد عليها في جميع مستويات الرسائل، وليس فقط الأكثر أهمية. بدأت وزارة الدفاع الأمريكية والقوات المُسلَّحة في إطلاق مجموعةٍ متنوِّعة من الأقمار الصناعية التي تحمَّلت جزءًا من العبء الذي كانت تتحمَّله سابقًا أنظمة أرضية وأجهزة إرسال موجات الراديو بعيدة المدى وكابلات تحت سطح البحر. وقد اتَّضح أنَّ هذا لم يكن كافيًا؛ إذ زاد تأجير الدوائر التجارية أيضًا، ممَّا وفَّر مصدرًا رئيسيًّا للأعمال لشركات الأقمار الصناعية الخاصة. بحلول نهاية الحرب الباردة وما بعدَها، أصبحت الهيمنة العالمية للولايات المُتحدة معتمدةً على البنية التحتية الفضائية في الاتصالات، ولكن أيضًا في المُراقبة والملاحة، مما خلق ثغرةً شجَّعت بعض الاستراتيجيين المُنتسبين إلى القوات الجوية الأمريكية على القول بأنَّ أمريكا يجِب أن تنشُر أسلحة مدارية للسيطرة على الفضاء القريب من الأرض — مما قد يُسفِر على الأرجح عن انطلاق سباق تسلُّح جديد.11

ومع ذلك، يجب ألا تحجب المبادرة الحكومية التي تقودها الحرب الباردة وملكيتها لمعظم البنية التحتية لأقمار الاتصالات أنها أصبحَت القطاع الأول — ولمدة عقدَين على الأقل القطاعَ الوحيد — الذي يتمُّ فيه تحقيق أرباحٍ من الأنشطة الفضائية غير المُمولة من قبل الحكومات. كما أن الأموال المكتسبة من إجراء المكالمات الهاتفية والبث التليفزيوني ستسمح في نهاية المطاف لشركات الاتصالات والشركات الجديدة بالخروج من نظام كومسات/إنتلسات الاحتكاري. وأصبحت الاتصالات المحلية أولَ منطقة مستقلة؛ حيث أنشأت كندا في عام ١٩٧١ النظام الوطني الثاني بعد الاتحاد السوفييتي. وفي العام التالي، أعلنت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية «سياسة السماوات المفتوحة» التي سمحت للشركات بإطلاق مركبةٍ فضائية للخدمة المحلية، ممَّا يعكس في المقام الأول انخفاض تكلفة إرسال التليفزيون من الساحل إلى الساحل بهذه الطريقة. في حين أنَّ المكالمات الهاتفية عبر الأقمار الصناعية لم تكن قادرةً على المنافسة محليًّا وسرعان ما سقطت دوليًّا نظرًا إلى توفُّر أفضل كابلات الألياف الضوئية والكابلات النحاسية تحت سطح البحر، ظلَّ التليفزيون العالمي أساس أعمال الأقمار الصناعية الخاصة بالاتصالات. عندما أصبحت الأقمار الصناعية أكبر وأكثر قوة، أصبح البثُّ المباشر لأطباقٍ أصغرَ ممكنًا في الثمانينيات — للسفن في البحر وفي النهاية لمنازل الأفراد.

أدى توسُّع الشركات، الذي عزَّزَته عودة أيديولوجية السوق الحرة في الغرب في الثمانينيات والتسعينيات، إلى انفصال كلٍّ من «كومسات» و«إنتلسات» (وأيضًا «إنمارسات»، وهي منظمة دولية موازية للملاحة البحرية ومُستخدِمي أجهزة المحمول) في حوالي عام ٢٠٠٠، وأصبحت شركات تجارية متنافسة للغاية. كما شهدت التسعينيات ازدهارًا في شركات مدار الأرض المنخفِض الجديدة التي تضمُّ العديد من الأقمار الصناعية، ولا سيما شركة «إيريديوم»، التي أسَّستها شركة الإلكترونيات «موتورولا». أنشأت «إيريديوم» نظامًا عالميًّا للهواتف الفضائية، مُبرِّرة ذلك جزئيًّا بتقديم خدمة للبلدان النامية التي أخفقَت الأنظمة الثابتة بالنسبة إلى الأرض في توفير الخدمة لها. لكن «إيريديوم» كانت بمثابة إخفاقٍ مذهل في السوق، حيث وأدَتْ أنظمة الهواتف الخلوية الأرضية الطلبَ على الهواتف الفضائية باهظة الثمن والثقيلة. وأفلست الشركة بعد أشهُر فقط من إطلاق أقمارها الصناعية الأولى في أواخر عام ١٩٩٨. ولكن سرعان ما أُعيدَ إحياؤها في عام ٢٠٠١ بسبب دعم وزارة الدفاع الأمريكية لها؛ حيث وجدت وزارة الدفاع أنَّ الاتصال الهاتفي إلى المناطق النائية مثل أفغانستان مُهم. وقد فقد المالِكون الأصليُّون استثماراتهم، إلَّا أنَّ «إيريديوم» تُواصِل حتى يومِنا هذا كونها مؤسَّسة خاصة، بل إنها تُطلِق كوكبة جديدة من الأقمار الصناعية، ويرجع الفضل في ذلك إلى الأعمال العسكرية وبعض المشروعات الإعلامية.12

في الوقت الذي ظلَّت فيه أنظمة مدار الأرض الجغرافي الثابت هي المسيطرة، ظهرت موجة مُضاربة جديدة من أنظمة مدار الأرض المنخفض بعد عام ٢٠١٠، استنادًا إلى أفكارٍ لنشر الوصول العالمي إلى الإنترنت عبر المَركبات الفضائية، من بين تطبيقاتٍ أخرى. ومن السابق لأوانه معرفة كيف سيتمُّ ذلك، ولكن في عالم مُشبَّع بأنظمة الاتصالات عبر كابلات الألياف الضوئية والأقمار الصناعية، ومع توقُّع أنَّ الوصول إلى شبكة الكمبيوتر سيكون متاحًا قريبًا من أي مكانٍ على الأرض أو فوقها، ستظلُّ البنية التحتية حاسِمة الأهمية للأداء العالمي. إنَّ القوى السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية التي تدفع العولمة أكبر بكثيرٍ من الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، ولكنْ ثمَّة شكٌّ في أن التكنولوجيا كانت قناةً رئيسية لعولمة الأعمال، والثقافة، والترفيه، والقوة العسكرية، وكل القطاعات الأخرى.

المِلاحة الفضائية

خلافًا للمراقبة والاتصالات عبر الأقمار الصناعية، لم تكن أنظمة الملاحة شيئًا متوقَّعًا قبل سباق الفضاء؛ ففور إطلاق «سبوتنيك» في أكتوبر ١٩٥٧، لاحظ مُهندسان في مُختبر الفيزياء التطبيقية التابع لجامعة جونز هوبكنز أن تتبُّع تأثير دوبلر في إرسال راديو «سبوتنيك» أثناء تحرُّكه نحو المراقب، الذي استُخدِم لتحديد مداره، أو بعيدًا عنه، يمكن استخدامه أيضًا في تحديد موقعٍ على الأرض، إذا كان المدار معروفًا. وأدَّى ذلك إلى نظام ترانزيت للملاحة عبر الأقمار الصناعية، الذي بنى مُختبر الفيزياء التطبيقية أقماره الصناعية، وكان الغرض الأساسي منه هو تحديد مواقع غوَّاصات الصواريخ الباليستية. وكان أول إطلاق ناجح له في عام ١٩٦٠، وأصبح النظام يعمل في عام ١٩٦٤، بالاستعانة بأربعة إلى ستة أقمار صناعية تدور على بعد ١٠٧٥ ميلًا. وقد أتاح نظام ترانزيت لأنظمة التوجيه بالقصور الذاتي الموجودة في الغوَّاصات إعطاء موقع إطلاقٍ دقيق بما فيه الكفاية لضرب أهداف في أي حرب نووية. وقد استُخدِم نظام ترانزيت التابع للبحرية الأمريكية في بعض الأحيان من قِبَل أسلحة الجيش الأمريكي الأُخرى لتحديد المواقع، بل إنَّ المُستخدِمين المدنيين اعتمدوا عليه في المسح وغيره من التطبيقات.13
ومع ذلك، لا يستطيع نظام ترانزيت سوى توفير خطِّ عرضٍ وخط طول على سطح الأرض، ويمكن أن يستغرق الأمر ما يصِل إلى نصف الساعة لحساب موضعٍ ما؛ ولذا بدأت البحرية في إجراء تَجارِب لوضع ساعاتٍ ذريَّة مدارية للحصول على وقتٍ دقيق كطريقةٍ بديلة لتحديد الموقع. كما جرَّبت القوات الجوية الأمريكية أقمارها الصناعية لعرْض مواقع الطائرات وارتفاعاتها. وأطلق الجيش ووكالة ناسا سلسلةً من المَركبات الفضائية الجيوديسية لاتخاذ قياساتٍ لشكل الأرض ومجال جاذبيَّتها، وهي بيانات مهمَّة لتحسين دقَّة الخرائط العالمية والصواريخ النووية البعيدة المدى. وفي أواخر عام ١٩٧٣، أصرَّت وزارة الدفاع الأمريكية على دمج برامج القوات المسلحة المُتنافسة، وأخذت أفضل التقنيات من كلٍّ منها. وأنتجت نظام تحديد المواقع العالمي «نافستار»، والمعروف الآن عالميًّا باسم «جي بي إس»، وسيتمُّ تشغيله بواسطة القوات الجوية. وابتداءً من عام ١٩٧٨، وضعت القوات الجوية الأقمار الصناعية لنظام «جي بي إس» في مداراتٍ دائرية مُدَّتها اثنتا عشرة ساعة تقريبًا على ارتفاع ١١٠٠٠ ميل (المنطقة التي أصبحت فيما بعد تُسمَّى مدار الأرض المتوسِّط). وقد بدأ النظام عملياتٍ محدودة في أوائل الثمانينيَّات، ووصل إلى القُدرة التشغيلية الأولية في عام ١٩٩٣، عندما كان هناك أربعٌ وعشرون مركبةً فضائية في ستِّ طائرات مدارية مختلفة؛ إذ مكَّن من التحديد شِبه الفوري للوقت والمواقع الثلاثية الأبعاد في جميع أنحاء العالَم، مع الاحتفاظ بالإشارات الأعلى دقَّةً للقوات المسلحة الأمريكية. ومن المُستحيل تخيُّل هذا الاستثمار الضخم بدون سباق التسلُّح النووي والانتشار العالمي للقوات الأمريكية، لكنَّ قيمته أثبتت أنها كبيرة جدًّا أيضًا للمُستخدِمين المدنيين، لدرجة أنه أصبح في الواقع أداةً وطنية تُديرها الحكومة، وتحافظ عليها الولايات المتحدة لأنها أصبحت مهمةً جدًّا للحياة على الأرض — وهو ما يوازي الأقمار الصناعية للطقس.14

قام السوفييت بتقليد نظام ترانزيت وتبعوا ذلك بالإطلاق الأول لنظام «جلوناس» الشبيه بنظام تحديد المَواقع العالمي «جي بي إس» في عام ١٩٨٢. وكانت أقماره الصناعية مؤهَّلةً بدرجةٍ أكبر لتوفير المزيد من الدقَّة للمناطق القطبية. وقد بدأ هذا النظام العمل في عام ١٩٩٥، لكن الأزمة الاقتصادية التي مُنِيَت بها روسيا في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي أسفرت عن تدهورٍ في الإمكانيات، نظرًا إلى عدم القُدرة على استبدال الأقمار الصناعية التي تتعطَّل عن العمل. ومع ذلك، في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أمر الرئيس فلاديمير بوتين بإعادة النظام بالكامل وترقيته ليُصبح قادرًا على المنافسة مع نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس». وأصبح «جلوناس» ثانيَ نظامٍ عالمي مدمج على نطاقٍ واسع في الاستخدام المَدني، بحيث أصبحت العديد من أجهزة الاستقبال مثل الهواتف المحمولة تَستخدِم كِلا النظامَين في وقتٍ واحد لزيادة دقة الموقع.

دفعت الأسباب السياسية إلى إنشاء أنظمةٍ أخرى؛ حيث إنَّ النظامَين الأمريكيَّ والروسي تديرهما القوات المسلحة، ويمكن أن يتدهورا أو يُشوَّشا أو يتمَّ إيقافهما للمُستخدِمين المدنيين في حالة حدوث أزمة. ومن ثَم بدأ الاتحاد الأوروبي في مناقشة نظام جاليليو للملاحة العالمية بالأقمار الصناعية في أواخر التسعينيات. وحتى بعد أنْ فتح الرئيس كلينتون إشارة «جي بي إس» العسكرية الأكثر دقَّةً لجميع المُستخدِمين في عام ٢٠٠٠، استمرَّ نظام جاليليو إلى حدٍّ كبير بسبب الانزعاج في بعض العواصم الأوروبية من الاعتماد على القوات المسلحة الأمريكية. وأُطلِقَ أول قمر صناعي تجريبي من جاليليو في عام ٢٠٠٥، ولكنَّ النظام لا يزال قَيد الإنشاء حتى كتابة هذه السطور، مثله في ذلك مثل النظام الصيني والهندي والياباني. إنَّ الاستخدام الهائل لنظام «جي بي إس» في الأجهزة المَدنية في المركبات والهواتف الخلوية جعل الأقمار الصناعية الملاحية جزءًا لا يتجزَّأ من الحياة اليومية، خاصَّة في العالم المتقدِّم، بحيث يسهُل التنبُّؤ بأنَّ هذا التوسُّع في الخدمات القائمة على الموقع سيستمرُّ ويؤدي إلى ابتكار تطبيقات جديدة.

البنية التحتية الفضائية والعولمة

من الواضح أنَّ بناء سلسلة من البِنى التحتية الخاصة بالأقمار الصناعية كان له تأثيرات متعدِّدة وأحيانًا مُتناقضة؛ فقد عزَّز القوة العسكرية للولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وأخيرًا أوروبا الغربية والصين وروسيا الصاعدة، كما دعم القُدرة على شنِّ حربٍ نووية عالمية — في حين أنه في الوقت نفسه جعل مثل هذه الكارثة أقل احتمالًا من خلال الشفافية العالمية. كذلك أصبحت الحرب في الفضاء ممكنةً من خلال تطوير أسلحة مضادَّة للأقمار الصناعية، ولكن اعتماد القوى العظمى على أنظمة البِنى التحتية قد أحدث تأثيرًا رادعًا ذا طابع خاص: لا يزال تسليح الفضاء محظورًا حتى الآن، وإن كان ممكنًا بشكلٍ متزايد، نظرًا إلى تزايُد الصواريخ الأرضية والتهديدات الإلكترونية ضدَّ الأقمار الصناعية. وربما تمَّ تعزيز القوة الوطنية، خاصةً بالنسبة إلى عددٍ قليل من الدول الأكثر ثراءً والأكثر تقدُّمًا من الناحية التكنولوجية، لكن الأقمار الصناعية غير العسكرية المعنية بالطقس وعلوم الأرض والاتصالات عزَّزت أيضًا العولمة. وقد أسهم التليفزيون العالمي وصور الأرض من الفضاء، ولا سيما من الأقمار الصناعية في مدار الأرض الجغرافي الثابت و«أبولُّو»، في ظهور هوية الكوكب.

علاوة على ذلك، عزَّز تسويق البنية التحتية الفضائية الشركات عبر الوطنية، والتداول عبر الوطني للأفراد والمعرفة، مُغيرًا الصناعات الفضائية الوطنية التي تعتمد على الحكومة والتي انبثقت من الحرب الباردة. وقد أفاد اتحاد صناعات الأقمار الصناعية في عام ٢٠١٢ بأن من بين ٩٩٤ قمرًا صناعيًّا نشطًا للأرض، كانت ٣٨ في المائة من الأقمار الصناعية تجارية وخاصة بالاتصالات، بينما ٢٠ في المائة منها كانت حكومية وعسكرية. وبلغت إيرادات صناعة الفضاء العالمية في عام ٢٠١١ مبلغ ٢٩٨٫٨ مليار دولار، منها ١٧٧٫٨ مليار دولار (٦١٪) من صناعة الأقمار الصناعية للاتصالات (ويشمل الباقي خدمات الإطلاق ورحلات الفضاء المأهولة والمركبات الفضائية غير المَعنية بالاتصالات، إلخ). ويتألَّف معظم نسبة اﻟ ٦١ في المائة هذه من البنية التحتية الأرضية وبَيع البثِّ التليفزيوني.15 وعندما يرى المرء أنَّ إجمالي ميزانية وكالة ناسا في تلك السنوات كانت حوالي ١٨ مليار دولار، فإنَّ ذلك يُبيِّن تركيز الجمهور ووسائل الإعلام على الرحلات المأهولة، وأيضًا على الصور التي تُلتقَط في بعض الأحيان من بعثات الفضاء العلمية، كما لو كان هذا هو كل ما يُهِم في الفضاء.

أسهم التليفزيون العالمي وصور الأرض من الفضاء، ولا سيما من الأقمار الصناعية في مدار الأرض الجغرافي الثابت و«أبولُّو»، في ظهور هوية الكوكب.

يتمثَّل أحد المُنتجات الثانوية للاستخدام المكثَّف لمناطق مدار الأرض المنخفض ومدار الأرض الجغرافي الثابت، في تزايد خطر النفايات الفضائية؛ حيث إنه لكلِّ قمرٍ صناعي عامل، هناك آلاف القطع من النفايات، بالإضافة إلى مراحل الصواريخ المحروقة والمركبات الفضائية المَيتة (التي خرجت من الخدمة). إنَّ سلسلةً من التصادمات الكارثية، التي يُطلَق عليها أحيانًا مُتلازِمة كيسلر لأنَّ عالِم ناسا دونالد جيه كيسلر هو الذي لفَت النظر إليها لأول مرة في عام ١٩٧٨، يمكن أن تجعل بعض المدارات غير قابلةٍ للاستخدام. الجزء العلوي من منطقة المدار الأرضي المُنخفِض مُعرَّض لهذا الخطر بشكلٍ خاص لأنَّ الحطام لا ينزل بسرعةٍ والأقمار الصناعية تدور في جميع الاتجاهات بالقُرب من خطِّ الاستواء، ممَّا يؤدي إلى إحداث تأثيراتٍ مُحتملة بين الأجسام التي تتحرَّك بسرعة آلاف الأميال في الساعة. وقد تؤدي الهجمات على الأقمار الصناعية بواسطة الصواريخ الأرضية، التي تصِل بسهولةٍ إلى الأجسام الموجودة في المدار الأرضي المنخفض، إلى إحداث العملية أو تسريعها — أنتج اختبار صيني مضادٌّ للأقمار الصناعية في عام ٢٠٠٧ ضدَّ إحدى المركبات الفضائية الصينية البائدة سحابةً من آلاف الشظايا،16 كما فعل اصطدام عرَضي بين مركبةٍ فضائية نشطة تابعة لشركة «إيريديوم» وقمر صناعي سوفييتي مهجور في عام ٢٠٠٩. إنَّ فقدان المدار الأرضي المُنخفض سيكون بمثابة صدمةٍ كبرى لكوكبٍ أصبح يعتمد على الخدمات الفضائية، وقد تكون له آثارٌ بعيدة المدى على كلٍّ من الفعالية العسكرية والحياة اليومية.

الخلاصة

كان إنشاء بنيةٍ تحتية تدور حول الأرض أحد أعمق التأثيرات المُرتبطة برحلات الفضاء؛ فالآن تتشكَّل الحياة اليومية لمليارات الأشخاص من خلال معلومات الطقس والملاحة والاتصالات عبر الأقمار الصناعية. كما أصبحت السياسات العالمية والمؤسَّسات العسكرية مُعتمِدةً على هذه الأنظمة، بالإضافة إلى الاستخبارات والإنذار المُبكِّر من الفضاء. لقد ظلَّت أنظمة البنية التحتية باقيةً حتى بعد انتهاء سباق فضاء الحرب الباردة، الذي كانت ثمرة له في بدايتها؛ لأنَّ فائدتها بررَت زيادة الاستثمار الحكومي أو التجاري فيها. والواقع أنَّ البِنى التحتية للأقمار الصناعية قد شكَّلت الثقافات التي نعيش فيها من خلال النشر العالمي للمعلومات والترفيه. وفي تلك الأثناء، أصبح موضوع السفر إلى الفضاء الذي كان يومًا ما غريبًا، أمرًا طبيعيًّا ومضمنًا في الثقافة الشعبية والحياة اليومية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠