فلما كانت الليلة ٥٣٠

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك كفيد سار إلى بلده وهو في أسوأ حال، ثم إن جانشاه قعد هو وأبوه والسيدة شمسة في ألذ عيش وأهناه، وأطيب سرور وأوفاه، وكل هذا يحكيه الشاب الجالس بين القبرين لبلوقيا، ثم قال له: وها أنا جانشاه الذي رأيتُ هذا كله يا أخي يا بلوقيا. فتعجَّبَ بلوقيا من حكايته، ثم إن بلوقيا السائح في حب محمد قال لجانشاه: يا أخي، وما شأن هذين القبرين؟ وما جلوسك بينهما؟ وما سبب بكائك؟ فردَّ عليه جانشاه، وقال له: اعلم يا بلوقيا أننا كنَّا في ألذ عيش وأهناه، وأطيب سرور وأوفاه، وكنَّا نقيم ببلادنا سنة، وبقلعة جوهر تكني سنة، ولا نسير إلا ونحن جالسون فوق التخت، والأعوان تحمله، وتطير به بين السماء والأرض. فقال له بلوقيا: يا أخي يا جانشاه، ما كان طول المسافة التي بين تلك القلعة وبين بلادكم؟ فردَّ عليه جانشاه وقال له: كنَّا نقطع في كل يوم مسافة ثلاثين شهرًا، وكنَّا نصل إلى القلعة في عشرة أيام، ولم نزل على هذه الحالة مدة من من السنين، فاتفق أننا سافرنا على عادتنا حتى وصلنا إلى هذا المكان، فنزلنا فيه بالتخت لنتفرج على هذه الجزيرة، فجلسنا على شاطئ النهر، وأكلنا وشربنا، فقالت السيدة شمسة: إني أريد أن أغتسل في هذا النهر. ثم نزعت ثيابها، ونزع الجواري ثيابهن، ونزلن في النهر، وسبحن فيه، ثم إني تمشيت على شاطئ النهر، وتركت الجواري يلعبن فيه مع السيدة شمسة، فإذا بقرش عظيم من دواب البحر ضربها في رجلها من دون الجواري، فصرخت ووقعت ميتة من وقتها وساعتها، فطلعت الجواري من النهر هاربات إلى الخيمة من ذلك القرش.

fig18
ثم نزعت ثيابَها، ونزع الجواري ثيابَهن، ونزلْنَ في النهر وسبَحْنَ.

ثم إن بعض الجواري حملنها وأتين بها الخيمة وهي ميتة، فلما رأيتُها ميتة وقعتُ مغشيًّا عليًّ، فرشُّوا وجهي بالماء، فلما أفقتُ بكيتُ عليها، وأمرت الأعوان أن يأخذوا التخت، ويروحوا به إلى أهلها، ويعلموهم بما جرى لها؛ فراحوا إلى أهلها، وأعلموهم بما جرى لها، فلم يغب أهلها إلا قليلًا حتى أتوا هذا المكان، فغسَّلوها وكفَّنوها، وفي هذا المكان دفنوها، وعملوا عزاءها، وطلبوا أن يأخذوني معهم إلى بلادهم، فقلت لأبيها: أريد منك أن تحفر لي حفرة بجانب قبرها، واجعل تلك الحفرة قبرًا لي، لعلي إذا متُّ أُدفَن فيها بجانبها. فأمر الملك شهلان عونًا من الأعوان بذلك، ففعل لي ما أردتُه، ثم راحوا من عندي، وخلوني هنا أنوح وأبكي عليها، وهذه قصتي، وسبب قعودي بين هذين القبرين. ثم أنشد هذين البيتين:

مَا الدَّارُ مُذْ غِبْتُمُو يَا سَادَتِي دَارُ
كَلَّا وَلَا ذَلِكَ الْجَارُ الرَّضِي جَارُ
وَلَا الْأَنِيسُ الَّذِي قَدْ كُنْتُ أَعْهَدُهُ
فِيهَا أَنِيسٌ وَلَا الْأَنْوَارُ أَنْوَارُ

فلما سمع بلوقيا هذا الكلام من جانشاه تعجَّبَ. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتَتْ عن الكلام المباح.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤