الفصل الأول

ممارسة الطِّبِّ عند فراش المريض

أبُقراط ونهجه

أصبح أبُقراط الأب المفضَّل للمعالجين بمختلف أنواعهم؛ فمختصُّو المعالجة المِثلية يجدون في كتابات أبُقراط أساسًا لمعتقداتهم، وكذلك يستشهد به مختصو المعالجة الطبيعية والمعالجة اليدوية والمعالجة بالأعشاب والمعالجة بتقويم العظام باعتباره مؤسِّس المُثُل التي تستند إليها نُهُجُهم في التعامل مع الصحة والمرض والعلاج. وكذلك يستشهد به الاستشاريون في مستشفيات العصر الحديث، الذين ردَّد كثيرون منهم قَسَم أبُقراط — أو شكلًا من أشكاله — عند حصولهم على شهادة الطب.

يمكن معرفة أسباب هذا الوضع المثير للفضول بالرجوع إلى التاريخ؛ فمن ناحيةٍ، يكتنف شخصيةَ أبُقراط التاريخية غموضٌ يسمح بكثرة التأويلات حوله. وصحيحٌ أنه يشوبه الغموض، لكنه حقيقي؛ فقد عاش على جزيرة كوس — قبالة ساحل تركيا الحالية — في الفترة من عام ٤٦٠ قبل الميلاد تقريبًا إلى عام ٣٧٠ قبل الميلاد؛ مما يعني أنَّه أكبر قليلًا من أفلاطون وأرسطو ومعاصريهما ممن أرسَوْا دعائم الثقافة الإغريقية الكلاسيكية التي تركَّزت في أثينا. وعندما ننظر إلى هذا الكَم الهائل الباقي من أعمال أبُقراط على الرغم من قِدَمه، فإننا ندرك أهمية تلك الأعمال لا محالة؛ فالناسُ يحتفظون بما يرونه ثمينًا جدًّا.

إننا لا نعرف عن أبُقراط الكثير باستثناء المكان الذي كان يقيم به والزمان الذي عاش فيه تقريبًا. كان يمارِس الطب، ويعلِّم الطلاب مقابل رسوم، وكان له ابن، وقد نالَ أيضًا قسطًا لا بأس به من الشهرة؛ إذْ إنَّ أفلاطون قد أتى على ذكره، ومن غير الواضح تمامًا إنْ كان أبُقراط قد كتب فعليًّا أيًّا من المؤلَّفات التي تُنسَب إليه، لكن من المؤكَّد أنَّه لم يكتبها كلها؛ إذْ إنها أُلِّفَت على مدَى ما يقرب من قرنين من الزمان بأقلام متعددة مجهولة، وهذا معناه أن المجموعة الأبُقراطية — ٥٠ أو ٦٠ مؤلَّفًا مكتمِلًا وناقصًا متبقِّية عنه — تنطوي على قدرٍ كبيرٍ من عدم الاتساق وتعدُّد الآراء. تلك المؤلَّفات «الأبُقراطية» تغطي نواحيَ عديدة من الطب والجراحة، وكذلك أساليب التشخيص والعلاج، والوقاية من الأمراض. وقد قدَّمَتْ تلك المؤلَّفات نصائح عن النظام الغذائي وغيره من أوجُه الحياة الصحية، وثمة أطروحة ذات أهمية خاصة عن دور البيئة في الصحة والمرض؛ ومن ثَمَّ كان هناك مواقف «أبُقراطية» عديدة. و«الطب الأبُقراطي» الذي نتحدث عنه كيان نظري تاريخي، وصلْنا إليه عن طريق انتقاءِ بعض الموضوعات والنظريات ووضْعِها معًا في إطارٍ لم يكن معروفًا في القرون التي شهدت تأليف تلك الأطروحات.

إلا أنه وسط تلك الجوانب المتعددة، ثمة اتجاه واحد سائد في المجموعة كلها، وهو الذي يُكسِب أبُقراط تلك الجاذبية الكبيرة لدى كثير من المعالجين في العصر الحديث. فالطب الأبُقراطي شمولي؛ أي إنَّ نهج أبُقراط موجَّه دائمًا إزاء المريض كاملًا؛ ولذا يجد العصر الحديث التوَّاقُ إلى طبٍّ شموليٍّ مأوًى طبيعيًّا له في ذلك النوع من الطب. وعلى الرغم من الخصائص الإيجابية المستحسَنة لتلك الشمولية، فقد كانت متأصِّلة أيضًا في القيم الثقافية السائدة في المجتمع الإغريقي؛ فالإغريق كانوا ينفرون من فكرة تشريح الجسد البشري، ولم يشرِّحوا أجساد الموتى لتحديد سبب الوفاة، ولم يعلِّم أطباء الإغريق تلامذتهم التشريح العميق، كما أنَّه لم يكن ثمة مدارس طبية بالمعنى الحديث للكلمة، وإنما كان التلامذة يتعلَّمون من أساتذتهم، وتلخَّصت معرفتهم في التشريح السطحي وفراستهم في فحص مرضاهم بعناية لاستنباط علامات تشير إلى المسار المُرَجَّح للمرض؛ أي توقعات سير المرض، ولا سيَّما تحديد ما إذا كان تعافي المريض مُرَجَّحًا أم مستَبعَدًا. وقد استتبع عدمُ وجود مستشفيات آنذاك أن يكون الفِراش المذكور في عنوان هذا الفصل فِراش المريض بالمعنى الحرفي للكلمة، في مسكنه الخاص.

إنَّ تلك البِنَى التي تَميَّز بها الطب الإغريقي جعلتْه النموذج الأوَّلي للرعاية الأوَّلية الحديثة، فالطبيب الأبُقراطي كان يحتاج إلى أنْ يَعرف مريضه معرفة وثيقة؛ فيَعرف ظروفه الاجتماعية والاقتصادية والعائلية، وأسلوبه المعيشي، وما يأكله ويشربه عادةً، وما إذا كان قد سبق له السفر أم لا، وما إذا كان عبدًا أم حُرًّا، ومدى ميله واستعداده للإصابة بالمرض. وكانت الأسباب النظرية التي تقتضي تلك المعرفة الوثيقة متأصِّلة في الكتابات الأبُقراطية، التي سنتحدث عنها أكثر فيما يلي.

إذا كان مذهب الشمولية هو ما يجتذب المعالجين التكميليين في العصر الحديث إلى الإغريق، فثمة سمات أخرى يشتمل عليها الطب الأبُقراطي نجد لها صدًى في الطب العلمي المعاصر. وأهمُّ تلك السمات هي نزوعه الجوهري إلى المذهب الطبيعي، فالنُّظُم الطبية التي كانت مُتَّبَعَة في الشرق الأدنى القديم — مصر وسوريا وبلاد الرافدين وبابل — تَمْزِج بين الدين والمداواة، وشاعت فيها فكرة الطبيب الكاهن، وكان يُنظَر إلى المرض على نطاق واسع بأنه يأتي نتيجة الغضب الإلهي، أو تجاوزات من مختلف الأنواع، أو قوًى سحرية؛ فكان من الممكن أن يتضمَّن التشخيص الصلاة، أو تفسير أحشاء الحيوانات، أو تحديد ماهِيَّة تجاوزات المريض. وكان ذلك الخليط من الطب المستنِد إلى السِّحر والدين جزءًا من المشهد الإغريقي أثناء حقبة أبُقراط أيضًا؛ فقد كانت معابد الشفاء المكرَّسة لإله الطب الإغريقي أسكليبيوس منتشرة في ربوع الأراضي الإغريقية، بما في ذلك — على سبيل المفارقة — معبد شهير قائم في محيط أبُقراط نفسه؛ أيْ في جزيرة كوس نفسها، وكان أهمَّ تلك المعابد في البَرِّ الرئيسي في إبيداوروس، وهو المعبد الذي لا تزال آثاره الهائلة موجودة. وكانت تلك المعابد تخضع لسيطرة الكُهَّان المقيمين الذين كانوا يستقبلون المرضى ويفسِّرون المرض على أساس الأحلام التي يرويها لهم المرضى. وكانت تلك الأحلام تتأثر على الأرجح بوجود الثعابين المقدسة، التي كانت تؤدي بلا شك إلى اضطرابات في نمط النوم لدى المرضى. وكان الثعبان مثالًا للتجدُّد؛ إذ إنه يطرح جلده أثناء عملية الانسلاخ، وكذلك كان جزءًا رئيسيًّا من صولجان هِرْمَس، رمز إله الشفاء الإغريقي (انظر الشكل ٢-١). والغريب أنَّ أسكليبيوس وصولجان هِرْمَس — اللذين يستحضر كلاهما أفكار السِّحر والدين إلى الأذهان — اتُّخِذا رمزًا للطب الحديث.
مَثَّلت معابد الشفاء تلك جزءًا مهمًّا من الرعاية الطبية لدى الإغريق، ولكن القِيَم التي جسَّدتها لم يكن لها تأثير قوي على المجموعة الأبُقراطية؛ فالأطروحات التي تتألَّف منها تلك المجموعة تفترض أن للمرض سببًا طبيعيًّا، ولكنْ لم يحدث سوى مرة واحدة فقط أن شنَّ أحد المؤلِّفين الأبُقراطيين هجومًا صريحًا على تفسيرات المرض الخارقة للطبيعة، وكان ذلك في بداية أطروحة عن الصَّرَع، الذي يُدعَى «المرض المقدَّس» في اللغة الإغريقية الدارجة. وكان يُعتبَر مقدَّسًا لأنَّ نوبات الصرع تميَّزت بتأثيرها المثير؛ إذ تتسبَّب في فقدان الوعي، وتَكوُّن رغوة عند جانب الفم، وارتخاءٍ في العضلات والمثانة وضعف التحكُّم في العضلات العاصِرة، ولكنها تضمَّنت أيضًا أعراضًا نفسِيَّة استطاع الأشخاص الذين يعانون منها أن يحوِّلوها أحيانًا إلى مصلحتهم. وكان الإسكندر الأكبر ويوليوس قيصر (في وقت لاحق) من مرضى الصَّرَع المهِمِّين في العصور القديمة، وقد فُسِّرت العبارات الافتتاحية لكتاب «المرض المقدَّس» على أنها دعوة علنية للالتزام الكامل بالمذهب الطبيعي في الطب، ولا يزال صدى تلك العبارات يتردَّد، رغم أنَّها كُتِبت منذ ألفَي عام، وجاء فيها:

فيما يتعلق بالمرضِ المدعوِّ بالمقدَّس، الأمر كالآتي: يبدو لي أنه ليس بأي حالٍ أكثر ألوهيةً ولا قدسيةً من غيره من الأمراض، ولكنْ ثمة سبب طبيعي له ينشأ عنه مثل غيره من العِلَل. وإنَّ إضفاء الناس سمة الألوهية على طبيعته وسببه لَنابعٌ من الجهل والاستعجاب؛ لأنه لا يشبه الأمراض الأخرى البتَّة. وتستند فكرة الألوهية تلك إلى عجزهم عن فهمه، وبساطة أسلوب علاجه؛ إذ يبرأ منه الناس بالتطهُّر والتعاويذ. لكن إذا كانت ألوهيته نابعة من أنه عجيب، فأمراضٌ كثيرة — لا مرض واحد — يمكن أن تُعَدَّ مقدسة.

من الجدير بالملاحظة أنَّ المؤلِّف لم يتَّخذ موقفًا معاديًا للدين (وهو ما يتمثل في قوله: «ليس بأي حالٍ أكثر ألوهيةً ولا قدسيةً من غيره من الأمراض»)، وإنما صاغ الأمرَ في إطار يمكن أن يفسِّر منشأ ذلك المرض المقدَّس المزعوم في إطار المذهب الطبيعي. وقد تابع ذلك المؤلِّفُ الأبُقراطي حديثَه ليقدم ذلك التفسير فعلًا؛ فقال: ينشأ الصَّرَع عن انسداد في الدماغ، يتوقَّف إِثْره طردُ البَلغَم بانتظام، ويَنتج عن ذلك اختلالُ عمل الدماغ، والأعراضُ المثيرة لنوبات الصَّرَع. وثمة معنيان ضمنِيَّان آخران جديران بالذكر.

أولًا: أنَّ ذلك المؤلِّف الأبُقراطي حدَّد الدماغ بوصفه محلَّ الوعي ووظائف عقلية أخرى؛ فقال:

وينبغي للناس أن تعي أنَّ مشاعر البهجة والسرور والضحك والمرح والحزن والأسى والكآبة والفجيعة ليس لها منبع آخر سوى الدماغ. وبهذا نكتسب الحكمة والمعرفة — بطريقة معينة — ونرى ونسمع، ونميِّز الخبيث من الحميد، والفاسد من الصالح، والمذاق الحلو من الكريه. وبعض تلك الأشياء نميِّزه بحُكم العادة، والبعض الآخر ندركه بالاستخدام.

لا شك أنَّ مركزية الدماغ أصبحت الآن من الأمور المتفَق عليها في دوائر الفكر العلمي، ولكنَّها لم تكن كذلك أيام الإغريق؛ فقد سار أفلاطون على نهج أبُقراط في اعتبار الدماغ مقر النشاط النفسي، إلا أنَّ تلميذ أفلاطون، أرسطو، رأى أنَّ القلب هو مركز الانفعالات وغيرها من الوظائف العقلية. فنحن على أيِّ حال عندما نشعر بالقلق أو نقع في الحب، فإننا تعترينا مشاعر يكون مستقرُّها الصدر — أو القلب — وليس الدماغ. والقلب — وليس الدماغ — هو الذي تتسارع خفقاته حينما نكون في أقصى حالات الحيوية. وإضافةً إلى ذلك، فقد أشار أرسطو — الباحث المخضرَم في عملية التطوُّر الجنيني — إلى أنَّ أول علامة للحياة ظهرت على أجِنَّة الطيور في طور تكوُّنها كانت الحركة داخل القلب البدائي. وبعد قرابة ألفَي عام، استحضر شكسبير ذلك النقاش القديم في البيت الشعري:

أين مكان الهوى ومنبته،
في العقل أم في الفؤاد مولدُهُ؟

على الرغم من لغتنا — التي ما زالت تنسب الكثير إلى «القلب» — فقد ربح أبُقراط وأفلاطون ذلك النقاش.

أمَّا عن النقطة المهمة الثانية التي يمكن استخلاصها من هذه الأطروحة، فإنها تتعلق بالسبب الأبُقراطي للصَّرَع؛ ألا وهو: حجز البلغم. قد يبدو لنا البلغم علامةً على نزلات البرد العادية، ولكنه كان أحد الأخلاط الأربعة التي تتوقف عليها الصحة والمرض لدى الأبُقراطيين؛ ومن ثَمَّ حظي بمكانة مركزية في الفسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء) والباثولوجيا (علم الأمراض) الأبُقراطية. وعلى الرغم من أنَّ مذهب الأخلاط لم يرِد في جميع الأطروحات الأبُقراطية، فإن من الممكن تجميعه، وقد اعتبره عملاق الطب الإغريقي الثاني — جالينوس (١٢٩–٢١٠ تقريبًا ميلاديًّا) — ذا أهمية محوريَّة للنظرية الطبية. وقد أكسب جالينوس طب الأخلاط مكانةً مرموقةً للغاية جعلته يتسوَّد الفكر الطبي حتى القرن الثامن عشر.

الأخلاط: المنظومة الكاملة

كانت الأخلاط الأربعة هي: الدم والمُرَّة الصفراء والمُرَّة السوداء والبَلْغَم، وكما نرى في الرسم التخطيطي في الشكل ١-١، فقد قدَّمتْ منظومة الأخلاط الأربعة هذه إطارًا ممتازًا لفهم الصحة والمرض وأمور كثيرة أخرى، وجسَّدت في نهاية الأمر نظرية للأمزجة، قدَّمت دليلًا إرشاديًّا إلى شخصية الإنسان ومدى استعداده للإصابة بالأمراض. وقدَّمت خصائص الأخلاط — الحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة — مقياسًا موازيًا لمسار الأمراض، ومراحل دورة حياة الإنسان، كما رُبِط كل مزاج بأحد العناصر الأربعة — الهواء والنار والأرض والماء — التي افترضت الفلسفة الطبيعية للإغريق أنها العناصر المكوِّنة لكل شيء تحت القمر؛ ففي عالمنا الواقع تحت القمر تتغيَّر الأشياء وتشيخ وتموت. وفوق القمر، كان من المُسلَّم به أن الحركة الدائرية المكتملة هي القاعدة، واعتُبِر أن النجوم تتكون من عنصر خامس وهو «الأثير».
fig1
شكل ١-١: الأخلاط: من السهل إدراك البساطة المذهلة التي ميَّزت المنظومة الأبُقراطية، بما تتضمَّنه من خصائص متساوية الأهمية (الحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة) حملتها الأخلاط.

وبصفة عامة، كان مذهب الأخلاط الإغريقي أقوى إطار في متناول الطبيب ورجل الشارع العادي لتفسير الصحة والمرض، حتى بدأ الطب العلمي يحل محلَّ ذلك المذهب تدريجيًّا أثناء القرن التاسع عشر.

إنَّ سوائل الجسد والآثار المترتِّبة عليها سماتٌ يلاحظها الشخص الذي يعتني بالمريض؛ فالجلد يحتقن بالدم عندما يكون المريض محمومًا، ويسعل الناس بلغمًا أو دمًا، وتدمع العينان ويسيل الأنف، ويصير البول داكنًا في حالة اليَرَقان أو الجفاف، والجلد يمكن أن يصير رطبًا أو شاحبًا أو مبلَّلًا بالعرق، وكذلك الإسهال أو القيء يمكن أن يكونا علامتين بارزتين على المرض. ونظرًا للموانع الثقافية الإغريقية التي كانت تَحُول دون تشريح الجسد البشري، كانت معرفة الأبُقراطيين بالبِنية التشريحيَّة العميقة محدودةً نسبيًّا، أو مُستَمَدَّةً من تشريح الحيوانات، أو مُكتَسَبةً من خلال إعداد الحيوانات وتحضيرها للأكل. لم يبدُ أبقراط شديد الانزعاج بذلك، وإنْ كان جالينوس حاول جاهدًا فيما بعد أن يقدِّم بعض المعرفة التشريحية، عن طريق تشريح الحيوانات بالأساس.

لا يتطلَّب طب الأخلاط قدرًا كبيرًا من المعرفة بالتشريح، بما أنَّ العناصر الفاعلة فيه هي سوائل الجسد، وليست مواده الصلبة، إلا أنه رَبَط كل واحد من الأخلاط بعضو من أعضاء الجسد؛ فرَبَط البلغم بالدماغ، والدم بالقلب، والمرَّة الصفراء بالكبد، والمرَّة السوداء بالطحال. وإضافةً إلى ذلك، ففي الأطروحات الجراحية من المؤلَّفات الأبُقراطية، ناقَش أولئك الأطباء أيضًا تجبير الكسور، وتقويم المفاصل المخلوعة، ومُداواة الجروح، وإجراء عمليات بسيطة لعدة حالات متخصصة. وكان العمل الجراحي — وما زال — يتطلب توجُّهًا أكثر تركيزًا بكثير على منطقة معيَّنة من الجسد، إلا أنَّ «الطب» الأبُقراطي ظل شموليًّا وعُنِيَ بتفسير التغييرات التي تطرأ على الأخلاط.

اقترن مذهب الأخلاط بفكرتين راسختين ومرتبطتين إحداهما بالأخرى في أوساط الطب الغربي؛ هما: التوازن والاعتدال؛ فقد رأى الأبُقراطيون أن الصحة نتاجُ التوازن السليم بين الأخلاط الأربعة. واختلال التوازن بينها — أيِ الزيادة المفرطة أو النقص المفرط في أيٍّ منها — أو اعتلال أيٍّ منها (الذي كثيرًا ما يُوصَف بالفساد) يُفضي إلى المرض. وكان يُنظَر إلى الجسد على أنه نوع من الأفران، وتَوَالَتِ التشبيهات المرتبطة بعملية الطهي في الأوصاف الأبُقراطية للمرض، فالإفرازات المقترنة بالمرض — الصديد والعَرَق وطرد البلغم والبول المُركَّز والقيء والإسهال — كانت تُفَسَّر على أنها نِتاج آليات دفاعية طبيعية؛ فالجسد كثيرًا ما يطهو — أو يطبخ — الأخلاط الفاسدة أو الزائدة، لإتاحة التخلُّص من الأخلاط الفائضة أو الفاسدة على نحو أفضل، واستعادة حالة التوازن.

فسَّر الأبُقراطيُّون تلك المشاهَدة التي تُلاحَظ إلى جوار فِراش المريض — وهي تخلُّص الجسد من الأخلاط — باعتبارها دليلًا على ما أسمَوه القوة الشفائيَّة للطبيعة. طالما كان ذلك المبدأ موضع نقاش في الأوساط الطبية، وقد قُنِّن في القرن التاسع عشر بمبدأ «المرض المحدود ذاتيًّا»، ويمكن لأي دواءٍ حديث قويٍّ التعاملُ معه بسهولة. ومعظم الأمراض — سواءٌ عولِجَت أم لم تُعالَج — محدودة ذاتيًّا. على سبيل المثال، معالجة أعراض نزلات البرد قد تحسِّن حالة المرء، لكنها لا تمسُّ أسباب المرض أبدًا، التي يعالجها الجسد عادةً في حينها، وجميع الأطباء يعلمون ذلك، لكنهم يعلمون أيضًا أنَّ الوصفة الطبية التي تجعل المريض يشعر بتحسُّن كثيرًا ما يكون لها تأثير علاجي شافٍ، فطالما اعتمد كثيرٌ من الطب السريري على المغالطة المنطقية الآتية: «حدث بعده، إذن هو سببه.»

كان الأبُقراطيُّون أكثر تواضعًا، وقد أفضى مبدأ القوة الشفائيَّة للطبيعة إلى اثنين من أهم أقوالهم المأثورة؛ ألا وهما: «قوى الطبيعة هي الشافية من المرض»، و«فيما يتعلق بالأمراض، تعوَّدوا على أمرين: المساعدة، أو على الأقل كَفِّ الضرر.» ومن ثَمَّ، كانت المداواة تَستهدف بالأساس مساعدةَ جسد المريض على أداء عمله «الطبيعي». وبعض الإجراءات التي كانوا يُجْرُونها تتعارض مع الشعور السائد في العصر الحديث. على سبيل المثال، كان ثمة أساس عقلاني للفَصْد؛ إذ كان يسهل تفسير الالتهاب الموضعي — أو الاحتقان الناتج عن الحُمَّى — باعتباره دليلًا على كثرة الدم في الجسد؛ ومن ثَمَّ احتياج الجسد إلى مساعدةٍ في التخلص منه. والفَصْد من أقدم الأساليب العلاجية وأبقاها، فضلًا عن أنه أكثر أسلوب علاجي يُستشهَد به كدليل على همجِيَّة الطب وبدائيته قبل العصر الحديث. وقد ظلَّ الفَصْد إحدى دعائم علم المداواة حتى منتصف القرن التاسع عشر، حتى هَجَرَه ممارسوه من العامة تدريجيًّا وعلى مضض؛ فكثيرًا ما كان المرضى يطلبونه، وكثيرٌ منهم أشاروا إلى تلقِّيهم المساعدة بالفَصْد، وأحيانًا بقدر كبير جدًّا حيث لم يكن الطبيب يتوقف إلا حينما يوشك المريض على السقوط مغشِيًّا عليه. وحسب أحد الأقوال المأثورة الأخرى للأبقراطيين «في حالة المرض الشديد، يكون العلاج الشديد هو الأكثر فاعليةً ونجاحًا»، وأحيانًا كان ذلك القول يوضَع في صياغة أقوى تأثيرًا، كالآتي: «الأمراض الخطيرة تتطلب علاجات خطيرة.»

إلا أنَّه بصفة عامة، كانت الأساليب العلاجية لذلك المذهب مختَلِطة، وشملت: النظام الغذائي، وممارسة الرياضة، والتدليك، وغيرها من الأساليب الموجَّهَة إزاء الاحتياجات الفردية لكل مريض. وكانت تلك النزعة الفردِيَّة الشمولِيَّة هي السمة الجوهرية لممارسة الطب من منظور مذهب الأخلاط. وعلى الرغم من أنَّ المؤلَّفات الأبُقراطية تتضمن أوصافًا لأمراض عديدة يمكن أن نطلق عليها أسماءً حديثة، فهي لم تفصل المرض عن الفرد الذي كان يعانيه قط؛ لذا، فعلى الرغم من أننا يمكننا أن نجد أوصافًا لأمراض يمكن أن نسمِّيَها السُّلَّ (الدَّرَن) والسكتة الدماغية والملاريا والصَّرَع والهستيريا والزُّحَار، فإنها معروضة بوصفها أحداثًا وقعت لأشخاص فرديين. وقد استخدموا تلك الخبرات للتوصل إلى تعميمات بشأن كيفية التعامل مع تلك الأمراض، قدموها في صورة أقوال مأثورة، وهي ما نطلِق عليه الآن «الدُّرَر السريرية». وطالما شجَّعهم الإطار التفسيري الذي استخدموه في مذهب الأخلاط على إعداد علاجات معينة تتلاءم مع حالات بعينها.

كذلك فقد كان الأبقراطيُّون يدركون تمامًا أنَّ الأمراض كثيرًا ما تجتاح المجتمعات، فتأتي على الشيخ والشاب، والغني والفقير، والنحيل والبدين، والذكر والأنثى؛ وهي السمات التي يسعى الأبُقراطيُّون إلى وضعها في الحسبان عند التشخيص والتوصية بنظام علاجي عند فراش المريض. وفي أُطروحتين لهما تأثيرهما الخاص — وهما سلسلة كتب عن «الأوبئة»، وكتاب بعنوان «الأجواء والمياه والأماكن» — قدَّم مؤلِّفون أبُقراطِيُّون أفكارًا بشأن تلك الجوانب الأشمل للمرض. ويمثِّل كتاب «الأجواء والمياه والأماكن» في جوهره البيانَ المؤسِّس لحركة المحافظة على البيئة التي ظهرت في العالم الغربي، لا سيَّما من حيث صلة هذا البيان بالصحة والمرض؛ فقد قدَّم الكتاب نصائح بشأن المكان المناسب لبناء المسكن (تربة جيدة الصرف، محمِيَّة من الرياح قارصة البرودة)، وحلَّل صحة المجتمعات من حيث العوامل البيئيَّة المؤثِّرة على قاطنيها. وعلى غرار معظم دوائر الفكر الطبي والبيولوجي حتى أواخر القرن التاسع عشر، ناصر ذلك الكتاب ما يُدعَى الآن (على سبيل المفارقة التاريخية) «اللاماركية»؛ أي إنَّ الأبُقراطيين اعتقدوا أنَّ العوامل البيئية يمكن أن تغيِّر الخصائص الأساسية للإنسان (لون البشرة وشكل القوام وما إلى ذلك)، وأنَّ تلك التغييرات يمكن أن تُوَرَّث للذُّرِّية. تلك فلسفة متفائلة لمرونة الإنسان وسهولة تشكُّله، تتماشى مع ثقة الأبُقراطيين العامة في أنَّ نظامهم العلاجي يعود على المرضى الذين يتلقَّونه بنفع عظيم. وفي الوقت نفسه، فإنَّ كتاباتهم حافلة بأحيانٍ عدَّة تعلَّموا فيها بمحض التجربة أنَّ المرض في مرحلة متقدمة جدًّا، أو أنَّه خطير جدًّا ولم يعد ثمة الكثير مما يمكن فعله حياله.

أصداءٌ أوسع للطب الأبُقراطي

قدَّمت الأخلاط إطارًا نظريًّا استمر طويلًا، فما زلنا نستخدم فكرة الأمزجة في معرِض الحديث العادي («شخص دموي المزاج»، «شخص سوداوي»)، كما أنَّ محورَي الحار/البارد والرطب/الجاف اللَّذين ينطوي عليهما مذهب الأخلاط ينظِّمان كيفية رؤيتنا للشكاوى الحادة الشائعة، فثمة اعتقاد سائد في أنَّنا نُصاب بالبرد إذا خرجنا دون ارتداء قبعة، أو إذا ابتلَّت أقدامنا. والأطباء — الذين ينبغي أنْ يكونوا أعلَم من بقية الناس — يسايرون التصوُّرات الشائعة عن الأمراض بشأن طبيعة نزلات البرد وعلاجها، وهو ما يُعزَى في جزءٍ منه إلى أنَّ هذا هو ما يتوقعه المرضى، وفي جزءٍ آخر إلى أنَّه يوفِّر وقتًا في زيارة المريض للطبيب، وفي جزء أخير إلى أنَّ الأطباء بَشَر. وفي مرحلة تالية، استغلَّ الطب الدارويني المبدأ الأبُقراطي «القوة الشفائيَّة للطبيعة» للتشكيك في أساليب معالجة الأعراض، فهل تهدئة السعال، أو تجفيف الإفرازات الأنفية هو الحلُّ الأمثل، في حين أنهما يمثِّلان جزءًا من وسائل دفاعية نَشَأت بصورة طبيعية؟

الحقيقة أنَّ كثيرًا من التراث الأبقراطي نُقِل إلى الغرب عن طريق كتابات جالينوس، الذي سيطر على الفكر الطبي أكثر من ألف عام. كان جالينوس يرى أنه يكمِّل الإطار الأبُقراطي ويضيف إليه. وإنَّ ما نعرفه عنه أكثر بكثير مما نعرفه عن أي طبيب آخر من العصور القديمة؛ فالكلمات الباقية عنه أكثر من الباقية عن أي كاتب قديم آخر — سواء في المجال الطبي أم غيره — وأعماله تتخلَّلها لمحات من سيرته الذاتية. وقد كتب عن جوانب الطب كافة: التشخيص والعلاج والنظام الغذائي وفلسفة الطب، وقنَّن مذهب الأخلاط الأبُقراطي، ولكنه عزَّز أيضًا البُعد التجريبي للطب؛ ففي حين أنَّ الأبقراطيين قَنَعوا بالمشاهدة المتمعِّنة، تجاوَزَهم جالينوس بكثير؛ إذ قدَّم أوصافًا تشريحية وفسيولوجية لِما يحدث في الصحة والمرض. كان مفرط الثقة بنفسه، وبدا أنَّه يفترض أنَّ ما قدَّمه هو القول الفَصْل في كلِّ شيء تقريبًا. ولا يمكننا أن نلومه على أنَّ معظم الأطباء وافقوه الرأي طوال أكثر من ألف عام.

أفاد جالينوس كثيرًا من مذهب الأخلاط في ممارسة الطب عند فراش المريض؛ إذ فسَّر المرض باستخدامه، ولكنَّه ابتكر أيضًا نظامًا فسيولوجيًّا معقَّدًا لشرح وظائف الجسد الطبيعية، وهو نظام قائم على الأرواح وليس الأخلاط. في ذلك النموذج، كان الطعام يدخل المعدة، وفيها يتحول إلى كَيْلُوس، ثم يذهب بعد ذلك إلى الكبد عبر الوريد البابي؛ حيث يتحول إلى دَمٍ مختلطٍ بالروح الطبيعية، وبعد ذلك ينتقل بعض هذا الدم إلى القلب، ويذهب جزء من الدم الموجود في القلب إلى الرئتين لتغذية ذلك العضو الحيوي. وتَمُرُّ أجزاءٌ أخرى من دم القلب عبر مسام غير مرئيَّة من البُطين الأيمن إلى الأيسر؛ حيث يمتزج بالروح الحيوية المُستَمَدَّة من الرئتين وفي الأصل عبر استنشاق الهواء. وبعد ذلك، يذهب هذا الدم الحيوي عبر الشريان الأورطي والشريان السباتي إلى الدماغ؛ حيث يُنَقَّى للمَرَّة الأخيرة — بواسطة الروح الحيوانية — ثم يَمُرُّ عبر الأعصاب حتى يستثير الحركة والإحساس.

fig2
شكل ١-٢: «المنظومة الفسيولوجية» لجالينوس: فسَّر جالينوس العديد من الظواهر الفسيولوجية الأساسية بإشراك الكبد والقلب والدماغ في عمليتَي إعداد أنواع «الروح» الثلاثة وتوزيعها؛ وهي الروح الطبيعيَّة والروح الحيويَّة والروح الحيوانيَّة.

صار ذلك النموذج للفسيولوجيا البشرية عقيدة راسخة طوال أكثر من ألف عام، ومِثْله كذلك شروح جالينوس في التشريح، الذي كان يُجريه في كثير من الأحيان (لأسباب خارجة عن إرادته) على الخنازير والقِرَدة وغيرها من الحيوانات. كان تحريم تشريح الجسد البشري أمرًا خارج نطاق سيطرة جالينوس، وكان خطؤه الوحيد أنَّه لم يُخبر قُرَّاءه عن المصدر الذي استقى منه معرفته التشريحيَّة؛ فقد شجَّع ذلك الأشخاصَ الذين أَجَلُّوا جالينوس فيما بعد على افتراض أنَّ الجسد البشري قد تغيَّر حتمًا منذ شرَّحه المُعَلِّم الأكبر، ولكنَّه في نهاية الأمر جعله هدفًا سهلًا للتقدُّميين الذين لم يصدِّقوا سوى أعينهم.

كان ثمة أكثر من ٥٠٠ عام تَفْصل بين أبُقراط وجالينوس، ولا شك أنَّ عددًا كبيرًا من الأطباء والنُّظُم العلاجِيَّة فصل بينهما أيضًا. كان ثمة مجموعة من الأطباء في روما شدَّدت على أهمية التدليك، والحمَّامات الدافئة أو معتدلة البرودة، وغيرها من العلاجات التي تستهدف ارتخاء مسامِّ الجسد أو انقباضها؛ حيث افتُرِض أنَّ حالة التوتر المنافِيَة للطبيعة التي تعتريها هي السبب في المرض. وتبنَّى أطباء آخرون نَهجًا خاصًّا بهم في التشخيص والعلاج. وبعض تلك النظم البديلة استمرَّ رغم سيطرة جالينوس، لكن جالينوس تسوَّد الألفية التالية على وفاته على نحوٍ أشمل بكثير من أبُقراط في القرون التالية على توقف أتباعه عن الكتابة. تلك الأبعاد الطِّبِّية تستحق الدراسة في حدِّ ذاتها، ولكنَّ الطب الإغريقي في مجمله خلَّف ثلاثة مبادئ أساسية شكَّلت الطب حتى العصر الحديث.

كان المبدأ الأول — كما رأينا بالفعل — هو مذهب الأخلاط، أما الثاني فكان الأساس النباتي لمعظم العقاقير؛ فالأطِبَّاء كانوا يوجِّهون أنظارهم إلى المملكة النباتية الْتماسًا للأدوية اللازمة لمحاربة الأمراض. وثمة طبيب بعينه نظَّم دستور الأدوية القديم على نحوٍ أفاد غيره من الأطباء لقرون؛ فقد كتب ديسقوريدوس (فترة ازدهار نحو ٤٠–٨٠) أطروحةً في «الأدوية المفردة»، استخدم فيها كتابات المؤلِّفين السابقين عن النباتات الطبية، ولكنها تضمَّنت أيضًا كثيرًا مما اكتشفه هو نفسه عن النباتات وخواصِّها الدوائية. وعلى الرغم من أنَّه وصف بعض المنتجات الحيوانية، فإنَّ النباتات كان لها الغَلَبة، مثلما كان الحال بالنسبة إلى معظم الأطباء الآخرين في العصور القديمة وما بعدها؛ فالنباتات كان يمكن أن تُستَمَدَّ منها مواد تستثير العَرَق أو القيء أو إفراغ الأمعاء، أو تَجْلب النوم، أو تتحكم في الألم. كثير من المستحضرات النباتية — مثل الأفيون ونبات الخَرْبق — كان له تأثير عظيم طويل المفعول، ولكن على عكس المحتوى النظري الأساسي للطب القديم، فالنباتات لها توزيعات جغرافية محددة، والبحث عنها استتبع اضطرار الأطباء فيما بعد إلى الخروج بأنفسهم بحثًا عنها في الغابات المحلية وأَسْوِجة الأشجار المحيطة بحقولهم. وإذا كان ثمة نبات معيَّن ينمو في محيطك، يمكنك أن تُمِدَّ به آخرين لا ينمو ذلك النبات لديهم، وبذلك راجت تجارة استيراد العقاقير وتصديرها في القرون التي أعقبت ذلك. وقد استعان جالينوس بجزء كبير من عمل ديسقوريدوس في مؤلَّفاته الضخمة، وظلَّ كتاب «في الأدوية المفردة» لديسقوريدوس محلَّ تقدير في عصر النهضة.

كان الميراث الثالث — وهو النهج العلماني في دراسة المرض — أقلَّ وضوحًا، لكنه لا يقلُّ أهمية رغم ذلك؛ فقد استمرَّ تأثير الدين والسحر على تفكير الأطباء والعامة فيما يتعلَّق بالصحة والمرض، حتى هذه اللحظة. لكنَّ المعالجين القدامى الذين ظلَّت أعمالهم باقية وتحظى بالتقدير كانوا يرون أنَّ المرض يمكن فهمه من منظور طبيعي، وليس معنى هذا أنَّ الأطباء القُدامى لم يكونوا متديِّنين؛ فجالينوس كان لديه ميل إلى التوحيد حوَّله المعلِّقون فيما بعد إلى نوع من الاعتراف بالحركة الدينية التي تَنَامى زخمها في عصره؛ وهي المسيحية. ولكن عندما كان أبُقراط أو جالينوس يجد أمامه مريضًا، كان يعتمد على مخزونه الخاص من المعرفة والمهارات في محاولةٍ لمداواة المريض في فراشه. ولكنْ على الرغم من ذلك، كان المرض في كثير من الأحيان — ولا يزال — يُنظَر إليه في إطار ديني أو أخلاقي، ويُرَى على أنه عاقبة الإثم، أو أنه عقاب، أو كما في حالة امتحان أيوب: لماذا أنا يا ربي؟

إلا أنَّ تلك التفسيرات الخاطئة لا تنفي حقيقة أنَّ الإطار الذي عمل وفقه الطب القديم كان قائمًا على المذهب الطبيعي. إنَّ اللفظة المستخدمة للطبيب Physician ونظيرتها المستخدَمَة لعلم الفيزياء Physics مشتقَّتان من أصل إغريقي واحد بمعنى «الطبيعة»، وطالما كانت محاولة فهم طريقة عمل الجسد في الصحة والمرض حافزًا للطبيب النَّهِم في المعرفة والمريض القَلِق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠