مقدمة

قال أبو العلاء المَعَرِّي منذ تسعة قرون كاملة (تُوفِّي عام ١٠٥٧م):

والذي حارت البَرِيَّةُ فيه
حيوانٌ مُستحدَثٌ من جماد

ولقد عبر أبو العلاء بقوله هذا عما يُخالِج نفس كل مفكِّر يتجه فكره إلى جلال الطبيعة ومظاهرها، ولا شك أن استحداث الحياة من الجماد سر كان ولا يزال محجوبًا عن بصيرة العلماء، ولكنه ليس بالسر المحير الوحيد، فمثله ولا يقل عنه روعةً ولا عجبًا استحداث العقل البشري المبدع في واحد من ذلك الحيوان الذي حيَّر استحداثُه أبا العلاء، وهكذا يكون استحداث حيوان عاقل هو الإنسان أدعى للعَجَب والحيرة مرتين، ولعل هذا هو السبب في أن دراسة الإنسان لنفسه كانت تسير على مهل، وكان خَطْوها وئيدًا، وهو فعلًا ما زال حتى الآن في حيرة من نشأة الحياة، وفي عجب من نشأة عقله.

ولقد سجل الإنسان عنايته بنفسه منذ قديم الزمان، ففيما وصلنا من بقاياه وتماثيله ورسومه في العصر الحجري القديم ما يُنبِئ عن اهتمامه بشخصه وعن قوة ملاحظته وميله إلى المعنويات بجانب الماديات، وربما يُنبِئ كذلك عن اعتناقه لعقيدة ما تتصل بما وراء الحياة.

ثمَّ جاء قدماء المصريين فتركوا في تماثيلهم ورسومهم وفي مومياتهم وكتاباتهم تراثًا يزخَر بكل ما يَنطِق عن بصيرة نافذة، فكانوا أول من لاحظ وسجل ما بين الجماعات البشرية من فروق في البنية والسَّحْنة، وربط بين اختلاف الناس في هذه المظاهر البدنية وبين اختلاف مواطنهم، وتدل آثار قدماء المصريين كذلك على تمتعهم بالذوق الرقيق، وحبهم للرفاهية والتنميق، وشغفهم بالجمال لذات الجمال، وعلى عقيدتهم في حياة أخرى بعد الموت، وتكشف كتاباتهم وأقاصيصهم عن الحكمة البالغة والمعرفة العميقة بالنفس البشرية، وعن إيمانهم بقوة خالقة، تلهم الخير والشر وتملك النفع والضر.

وظهر الإغريق القدامى على مسرح التاريخ على أعقاب المصريين، وكانوا ذوي طريقة منظمة في جمع الحقائق وترتيبها، ولقد خلَّف الإغريق لنا ثروة لا تُجحَد من المشاهدات القيِّمة عن الإنسان وطبائعه وأخلاقه وعاداته، ولقد امتزجت بجامعة الإسكندرية في عهد البطالسة (وكانوا إغريقًا حكموا مصر) طريقة الإغريق بحنكة المصريين السالفين، فكانت قفزة جديدة على طريق التقدم في العلم وفي التفكير، وكان لدراسة الإنسان في هذا الشأن نصيب كبير، فعُرِف عن تشريح الجسم البشري ووظائف أعضائه كثير لم يكن معروفًا من قبل.

وتبع الإغريقَ الرومانُ، فكانوا أهل حرب وسياسة أكثر مما كانوا أهل علم وثقافة، ولكن ظهر جالينوس أبو الطب في عهدهم، وكان قد تعلم في الإسكندرية، ولكنه مارس علمه في روما، وكان جالينوس عالمًا فذًّا، فزاد علم التشريح ثروةً وعلم وظائف الأعضاء غنًى، ولقد ظلَّت آراء جالينوس صاحبة السلطان في هذا المجال لأكثر من ألف عام من بعده، ولم تزد المعرفة بطبيعة الإنسان في هذه الحقبة الطويلة كثيرًا عمَّا كان معروفًا في أيامه، بالرغم مما دار في هذه الحقبة من حروب وفتوحات لبسط السلطان أو لنشر الأمان، كان أسوأها الحروبُ الصليبية المتعصبة.

وبعد أن خمدت نيران الحروب الصليبية أخذ يدب في الرُّوح البشري دبيب حب المغامرة، وبدأ عهد الرحَّالة والمكتشِفِين، فكان فاتحة لفصل بل فصول جديدة في تاريخ الفكري البشري، وفي زيادة المعرفة بالإنسان وطبائعه وعاداته، وقد كان للمغرب الأقصى في هذا العصر بالذات فضل على موضوعنا ذو شأن عظيم، ففي أواخر القرن الرابع عشر سجل ابن بطوطة رحلته المشهورة إلى الشرق الأقصى، وقد كاد أن يكون مجهولًا، وكل مجهول مَخُوف، ولقد بلغت أخبار ابن بطوطة عن رحلته تلك حد الغرابة، حتى أن كثيرًا من الناس في زمانه لم يصدقوه، ولكن بعضها على الأقل قد ثبتت صحته، وكان في وقته جديدًا.

وقد لمع ببلاد المغرب في نفس الوقت نجم ساطع في تاريخ الفكر البشري، هو ابن خلدون. ولا شك أن ابن خلدون في طليعة المفكرين في صفاء ذهنه، فقد ابتدع في استقراء التاريخ وعبره منهاجًا لم يسبقه إليه أحد، عرضه في مقدمته الخالدة المشهورة، حيث خطَّ أول سطور فيما سماه بحق علم الاجتماع، ولقد كشف ابن خلدون بعين بصيرته النافذة عن بعض الظواهر الأساسية في تطور المجتمعات، وبالتالي في تطور التاريخ، إذ إنه ربط بين الحوادث وبين العوامل الكامنة في طبائع الناس، وهي لا تدوم على حال، كما ربط بين طبائع الناس وبيئتهم التي يسكنون فيها، وفي رأي المؤلف أن طريقة ابن خلدون في التفكير كانت هي نفسها الطريقة التي تبعها داروين من بعده بأكثر من أربعة قرون ونصف قرن من الزمان في تفهم ما يعتري أنواع الأحياء من مظاهر التغيير، واهتدى بهديها في تفسير التطور على مذهبه في الانتخاب الطبيعي، وسيأتي شرحه في باطن هذا الكتاب.

ثمَّ كان اكتشاف أمريكا في أواخر القرن الخامس عشر، وكان ذا أثر بالغ على التفكير البشري عامةً، وعلى ما كان مستقرًّا في الأذهان من آراء عن الإنسان وشعوبه خاصَّةً.

وبعد هذا شملت أوروبا نهضة فكرية عارمة، هي فعلًا أساس ما نحن عليه الآن من تقدم في جميع ميادين العلم والمعرفة، وكان من أبرز مظاهر هذه النهضة التجاؤها إلى طريقة البحث العلمي الموضوعية، أي التي تُعتَمد في استنباط القوانين والأحكام على الحقائق الملموسة وحدها، بدلًا من طريقة التفكير النظري التي كانت سائدة في العصور الوسطى، وكان أساسها إقامة الفروض والنظريات أوَّلًا، ثُمَّ البحث عن مطابقة الحقائق لتلك الفروض والنظريات، مما أفقد كثيرًا من الحقائق قيمتها، وقعد بالعلم عن التقدم قرونًا عديدة، ولقد كان لعلوم الأحياء (البيولوجيا)، وخاصَّة لعلمي التشريح البشري ووظائف الأعضاء، نصيبٌ وافرٌ من التقدم والرسوخ في عصر النهضة الأوروبية، ثمَّ اتسع علم التشريح وامتد إلى المقارنة بين جسم الإنسان وأجسام غيره من أنواع الحيوان، فكان في كل هذا زيادة علم عن طبيعة الإنسان جسمًا وعقلًا.

ومنذ أقل من قرن من الزمان نشأ نشاط كبير في أوروبا وأمريكا، تناول دراسة الجنس البشري كموضوع قائم بذاته، وأُطلق على هذه الدراسة «أنثروبولوجيا»، أي علم الإنسان، وكان أكثر الاهتمام عند علماء الأنثروبولوجيا منصَبًّا أول الأمر على دراسة الإنسان من الناحية البيولوجية البحتة، ولكن سرعان ما تكشَّفت للموضوع وجوه عديدة تعرض، كل منها بدوره لأبحاث مستفيضة، مما أدى إلى اتساع المجال وإلى تعدد وسائل البحث والتقصي إلى درجة كبيرة، حتى أصبح الإلمام بمقتضيات جميع فروع الأنثروبولوجيا أمرًا يتجاوز الطاقة الفردية، فأدى هذا إلى تقسيم دراسة الإنسان إلى قسمين أساسيين:
  • أوَّلًا: قسم يُسمَّى «الأنثروبولوجيا الفيزيقية»، يتناول دراسة الإنسان من الناحية التشريحية والبيولوجية، وعلاقته بغيره من الأنواع الحيوانية، الحديث منها والمنقرض، وكذلك يتناول دراسة الجنس البشري من الداخل، أي من ناحية تقسيمه إلى شعوب وجماعات، وسيقتصر هذا الكتاب كما يدل عليه عنوانه على عرض هذا الجانب وحده من الدراسات البشرية.
  • ثانيًا: قسم يتناول دراسة الإنسان عن طريق غير مباشرة، وإنما عن طريق إنتاجه العقلي من علم وفن وفلسفة وصناعة وزراعة وتجارة … إلخ، وقد سُمِّيَ هذا الطراز من الدراسة «الأنثروبولوجيا الثقافية أو الحضارية»، ولقد بلغ اتساع المجال هنا حدًّا دعا إلى التخصص في دراسة بعض مظاهر الثقافة دون التعمق في بعضها الآخر، حتى لقد نشأت مدرسة مستقلة تُسمَّى «الأنثروبولوجيا الاجتماعية»، تهتم في المكان الأول بدراسة النظم الاجتماعية ونظم الحكم والعقائد الدينية.

ومن الواجب أن ننبه في هذا المقام إلى أن تقسيم الدراسات إلى علوم منفصلة ليس أمرًا تقضي به الطبيعة، وإنما هو أمر عرفي مصطنع، يُقصد منه التيسير على المعلمين والمتعلمين؛ ولهذا فإن دراسة الإنسان لا تقتصر على ما ذكرنا من فروع الأنثروبولوجيا، وإنما هي تستعين كذلك بعلوم الآثار وعلوم الجيولوجيا (طبقات الأرض) وعلم البقايا المتحجرة وغير ذلك.

ولقد تعرض علم الأنثروبولوجيا ككل علم ناشئ جديد لامتهانات كثيرة، إذ استُغِلَّت معلوماته استغلالًا قبيحًا، أقل ما يُقال عنه أنه يدخل في باب الحق الذي يُراد به باطل، فاستعمله أُناسٌ في التسلية كما يفعلون عند قراءة الكف، وادَّعوا أنهم يستطيعون استقراء ملكات الأفراد بتحسس رءوسهم، واستعملته السياسة في أغراضها الملتوية، فزعموا مثلًا أن الذكاء والقابلية للحضارة يقترنان بلون الجلد أو شكل الرأس أو اللغة … إلخ.

ولقد كان لمثل هذه الادِّعاءات والمزاعم آثار سيئة على العلاقات بين الأفراد وبين الجماعات، إذ إنها تخلق الكراهية والحزازات في قلوب الناس لصلتها المباشرة بطبائعهم، وما كان السعي لخلق مثل هذا من أغراض العلم أو العلماء في يومٍ من الأيام، ولعل القراء واجدون فيما نقدمه هنا تصويبًا لمثل هذه الأغلاط الشائعة.

وإني لأرجو أن يكون في هذا الكتاب بعض النفع لأولئك الطلاب الذين تشمل دراساتهم علوم الأنثروبولوجيا بالذات، هذا إلى جانب ما أرجو أن يجدوه هم وعامة القراء من متعة عقلية قد تكون حافزًا لهم إلى الانتباه دائمًا لما يصادفهم من مشاهدات عن أبناء جنسهم، مشاهدات قد تكون لو دوِّنت ذات قيمة كبيرة لدى المختصين عندما يعلمون بها. فقد حدث في الماضي أن جاء بعض الكشوف الهامة عن طريق الصدفة المحض، وتاريخ علم الآثار المصرية مليء بمثل هذه الصدف، ويعد ما دونه الرحالة القدماء من أغنى المصادر للدراسات البشرية في الوقت الحاضر، وأخيرًا نذكر أن بعض الكشوف المهمة — وخاصةً من البقايا البشرية النادرة التي سيأتي ذكرها في غضون هذا الكتاب — عثر عليها غير مختصين وبدون أي تدبير؛ ولذلك لم تُعرف قيمتها إلا بعد كشفها بزمن طويل.

أحمد البطراوي
كلية طب القصر العيني
سنة ١٩٥٧

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠