الفصل الثالث

أقرد هو أم بشر؟

في عام ١٩٢٥ عثر أحد أساتذة علم التشريح الدكتور «ريموند دارت» من مدينة جوهانسبرج بجنوب أفريقيا على جمجمة مكسورة ملصق بعظامها كتلة حجرية كان قد امتلأ بها فراغ الجمجمة قبل أن تتحطم، فأصبحت هذه الكتلة كأنها قالب أعدَّته الطبيعة لداخل تلك الجمجمة (شكل ٣-١)، وتبين من الفحص أن الجمجمة كانت لحيوان صغير السن يشبه صغير القردة العليا المعروفة، وكان الفك العلوي يحمل أسنان اللبن كاملة مُضافًا إليها الأولى من الأسنان الدائمة.

ولقد رأى الأستاذ «دارت» في هذه البقايا القديمة خليطًا من الصفات التشريحية، فبينما يشبه بعضها صفات القردة الحديثة، فإن بعضها الآخر يشبه صفات الإنسان، ولكن رأي الأستاذ دارت بهذا الخليط من الصفات لم يلق قبولًا حسنًا من أكثر العلماء في ذلك الوقت، وهاجمه كثيرون بشدة، وانتهى الأمر على كل حال بأن سمَّى هذا النوع الجديد بالقرد الجنوبي، ووقف الأمر عند هذا الحد سنين عديدة إلى أن عُثِر في السنوات الأخيرة بجنوب أفريقيا أيضًا على جماجم عديدة من نوع جمجمة القرد الجنوبي، وكانت هذه الجماجم لأفراد من مختلف الأعمار، فمنهم من مات بعد نضوج السن، ومنهم من مات قبل ذلك، ولقد عُثر إلى جانب تلك الجماجم على أجزاء أخرى عديدة من عظام الهيكل، ومما يؤسف له أن تاريخ هذه البقايا لا يزال غير مؤكد، وإن تكن تنسب في تقدير أحسن الآراء إلى أوائل العصر الجليدي (البليستوسين)، أي إلى نحو مليون من السنين، ولقد أدى فحص كل هذه البقايا إلى الاعتراف بصواب رأي الأستاذ «دارت» بخصوص الجمجمة الأولى.

fig9
شكل ٣-١: قرد الجنوب.
يُقدَّر حجم دماغ القرد الجنوبي بنحو ٦٠٠سم٣، وقد يزيد على ذلك في بعض الحالات، وهو حجم وإن يكن أقل كثيرًا من متوسط حجم الدماغ عند الإنسان الحديث فإنه يزيد بمقدار محسوس على متوسط حجم الدماغ عند القردة العليا الحديثة، وهو يبلغ نحو ٤٥٠سم٣ فقط، هذا مع أن حجم القرد المنقرض كان لا يزيد على حجم هذه القردة.

وبالإضافة إلى كبر حجم الدماغ نسبيًّا عند القرد الجنوبي فإن جمجمته، وإن كانت تشبه بصفة عامة جماجم الجوريلا والشمبانزي، فإنها تختلف عنها في عدد من التفصيلات، فمثلًا يدلُّ موضع اندغام العضلات الفِقْرية على مؤخر الجمجمة على أن العضلات العنقية لم تكن عند القرد الجنوبي كبيرة قوية كما هي الحال عند القردة العليا الحديثة، ولقد كان للقرد المنقرض جبهة مرتفعة وممتلئة تشبه إلى حدٍّ ما الجبهة البشرية، ولم يكن يبرز من قاعدتها ذلك الرف الذي تتميز به جبهة القردة الحديثة، ويقع الثقب الكبير من قاع جمجمة القرد الجنوبي أقرب إلى منتصفه منه إلى مؤخره، وهو وضع وسط بين موقع الثقب في جمجمة الإنسان وفي جمجمة القردة الحديثة، وفي هذا دليل على أن وضع الرأس فوق العمود الفِقْري عند القرد الجنوبي كان قريبًا من وضعه في الإنسان، وهذا يفسر صغر العضلات العنقية وضعفها، وهناك بعض الدلائل الأخرى تشير كلها إلى قرب الشبه بين جمجمة القرد الجنوبي وجمجمة الإنسان بقدر ما هي تبعد عن جمجمة القردة العليا.

ولم يقتصر الخلط بين الصفات بهذه الصورة على صندوق الدماغ وحده، وإنما هو يشمل أيضًا الفكين الأعلى والأسفل (شكل ٣-٢ و٣-٣)، فقد كانا ضخمين وكانت الأسنان كبيرة الحجم جدًّا، وكان الوجه كله واضح البروز، وهذه كلها صفات خاصة بالقردة، ولكن مع هذا كان للأسنان بعض الخصائص تدنيها من الأسنان البشرية، فقد كانت القواطع صغيرة نسبيًّا، ولم تكن الأنياب مدببة، بل كانت مشطوفة مثل الناب البشرية، وكذلك كانت الضرس الأولى على الفك الأسفل أشبه بمثيلتها عند الإنسان ومختلفة عن مثيلتها عند القردة، حيث يوجد في أعلا هذه السن نتوء ظاهر مدبب له حافة أمامية تُستعمل مع الناب العليا عند قفل الفم أثناء النهش والمضغ كأنها سلاحي مقص (شكل ٢-٥)، ومما يستلفت النظر بخصوص أسنان القرد الجنوبي أيضًا أن الطاحنات الأولى وهي أسبق الأسنان الدائمة في الظهور كانت متآكلة على نحو ما يصيب مثيلاتها من الأسنان البشرية مما يدل على أن حركات المضغ كانت تشبه حركات الفك البشري في هذه العملية، وأخيرًا في هذا الصدد كان تنسيق الأسنان على الفك في صورة قوس تشبه حذاء الفرس (شكل ٣-٢) وهو تنسيق غير بشري.
fig10
شكل ٣-٢: الأسنان العليا والحنك. (أ) ذكر الجوريلا. (ب) قرد الجنوب. (ﺟ) أسترالي أصيل.
fig11
شكل ٣-٣: الفك الأسفل. (أ) أورانج أوتان. (ب) قرد الجنوب.
قد يكون فيما سبق ذكره من خلط بين صفات القردة وصفات الإنسان في جمجمة وأسنان القرد الجنوبي ما يدعو إلى العجب، ولكن أعجب منه وأعجب ما كشفت عنه أجزاء الهيكل الأخرى، وبخاصة عظام الأطراف، وعلى الأخص عظم الحوض (شكل ٣-٤)، فقد بلغ من شدة الشبه بين هذه العظام ومثيلاتها من العظام البشرية أن ظُنَّ في أول الأمر أنها قد تكون بشرية فعلًا، ثمَّ حدث أن اختلطت بجماجم القردة عن طريق الصدفة، ولكن تكرار وجود مثل هذه العظام إلى جانب جماجم القردة مع عدم العثور على أي أثر من جماجم أو أسنان بشرية، كل هذا لا يدع مجالًا للشك في أن تلك العظام إنما هي تابعة للقرد المنقرض وليست بشرية.
من المعلوم أن عظم الحوض طويل ضيق عند القردة العليا، وأنه قصير عريض عند الإنسان الحديث، وشكل هذا العظم في الإنسان يتناسب مع احتياجات عضلات البطن والإلية، وهي العضلات التي تندغم فيه، وهي أيضًا المسئولة عن حفظ توازن الجسم عند الوقوف باعتدال وعند المشي، ولما كان عظم الحوض عند القرد الجنوبي المنقرض يشبه كثيرًا عظم الحوض البشري كما يتضح من (شكل ٣-٤)، فإن من المؤكد أن ذلك القرد كان يقف ويمشي معتدل القامة كالإنسان تمامًا، ثمَّ إن رقة عظام العضد والساعد تشير إلى أنه كان يعيش على الأرض المكشوفة لا في الأحراش والغابات كما تفعل الجوريلا والشمبانزي.
fig12
شكل ٣-٤: عظم الحوض الأيمن. (أ) شمبانزي. (ب) قرد الجنوب. (ﺟ) بشري.

والخلاصة من هذا كله هي أنه منذ نحو مليون سنة كان يعيش في جنوب أفريقيا كائن عجيب جمع في تركيب جسمه بين دماغ القرد وسَحْنته، وبين قامة الإنسان ومشيته، ولكن ما دام لم توجد له أية أدوات مصنوعة فهو قرد لا يمكن أن يرتفع إلى مرتبة البشر على الرغم من قامته ومشيته.

ويجب قبل أن نختم هذا الفصل أن ننبه إلى المغزى البعيد للعثور على القرد الجنوبي العجيب، فقد كان المعروف أن اعتدال القامة خاصة بشرية خالصة مثل الذكاء، يمكن الاعتماد عليها في تشخيص ما إذا كانت البقايا المتحجرة لبعض الأنواع المنقرضة بشرية أو غير بشرية، ولكن أصبح ينبغي الآن ألَّا تُعتَبر كذلك عند فحص مثل تلك البقايا، وألَّا يعتمد في التشخيص إلا على مظاهر الذكاء، كوجود أدوات مصنوعة، وعلى مظاهر الدماغ من حجم وشكل وما إلى ذلك، وسنرى بعض التطبيق لهذه الوجهة الحديثة عند مناقشة الأنواع البشرية البائدة في الفصل التالي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠