الفصل الثاني

ولما صرنا فى البيت، وجلسنا إلى المائدة نتعشى، قال أحد الشقيين — ولدىّ ولا فخر: «هل تعلمين يا ماما أنك عدت أصبى وأجمل؟ ومع ذلك لم تغيبى سوى أيام أربعة».

قلت: «لا عجب. فقد استراحت من وجع الرأس الذى تورثانها».

فضحك الشقى الأكبر، وعاد الأصغر يقول: «صحيح يا ماما — رجعت بنت عشرين».

فقلت: «فى مثلك سنك وتنافق، وتداهن، وتتملق، فكيف إذا دخلت مداخل الرجال»؟

فألقت إلىّ نظرة تنطوى على نذير أعرفه بالتجربة، فلئن لم أستدرك ليحيقن بى ما أكره من ائتمارها مع هذين اللعينين، فقلت: «وهل رأيتَها أسنّت وكبرت، وشابت، وشيّخت حتى تقول إنها ارتدت بنت عشرين؟ ومتى كانت إلا بنت عشرين أو أقل … رفافة الحسن..».

«ولو …».

فبلعت ريقى، وبلعت معه لقمة بلا مضغ.

وعاد الأصغر يسأل — فإنه ثرثارة مشهور: «قولى لى يا ماما. ماذا تصنعين إذا رُددت بنت عشر»؟

قالت بسرعةَ: «أذهب ألعب معكما».

قال: «وبابا..؟ ماذا يصنع»؟

قالت، وهزت كتفيها: «يصنع ما بدا له.. مالى أنا»؟

قال: «وتظلين زوجته»؟

قالت، وعينها علىّ: «أظل زوجة هذا الذى تصطك ركبتاه من الكبر»؟

ولم يكن عندى لهذا الطعن القبيح المفاجئ، جواب حاضر. وعلى أنها لم تمهلنى فمضت تقول: «بل كنت أنتظر حتى أبلغ وأرشد، ثم أزف إلى فتى نجيب بارع عليه طلاوة، وله مال، وفى خلقه دماثة، وفى نفسه طيب وخير».

فقلت: «حسبك! والله يسامحك، وما أظن بك إلا أنك ستعذبين فى جهنم الحمراء عذاباً غليظاً طويلا يما تجحدين من نعمة سيدك وتاج رأسك …».

وسكنت الثورة، وقرت الفورة، وجمعت الخادمة ما على الأرض من المقذوفات المرتجلة المصنوعة من لباب الخبز الطرى على هيئة الكرات الصغيرة. وهى خادمة «فلكية» تغنيني عن مرصد، فترينى نجوم السماء طرًّا في الظهر الأحمر. ورثتها عن أمى. لأنها — أى الخادمة — آنقذتها من بين أخفاف الابل فى طريق «منى» قبل عهد السيارات. وكانت أمى رحمها الله قد استصحبتها فى حجها الأول لتقوم على خدمتها. ولعلها آنست منها القدرة على الشيل والحط. وكانت — أى أمى — وهنانة لا عهد لها بالجِمال ولا قدرة على احتمال المخض من سيرها فدار رأسها فتدحرجت وهوت إلى الأرض. فلولا أن نطت الخادمة ورفعتها لقُضى عليها فحفظت لها هذا الجميل، وأبت أن تسرحها بعد ذلك، وأوصتنى بها خيراً، وهكذا ورثتها عنها.

والإرث يباع، أو يرهن، أو يوهب أو يبدد. ولكن الدول، كما تعلم، آجمعت — لمكيدتى — على تحريم الرق. فلا سبيل إلى بيع هذه الخادمة أو رهنها أو وهبها. ثم إنها لا تساوى ملء أذنها نخالة. ومن المستحيل تبديدها لانها هائلة الأنحاء جدًّا. والعمر— كل العمر — أقصر من أن يتسع لهذا الجهد. وعسير جدًّا إضاعتها لأنها تعرف الطريق إلى البيت. ولعله كل ما تعرفه. وقد خطر لى أن أتخلص منها، كما تتخلص الناس من قطة مزعجة لم يبق فيها خير، فيضعونها فى غرارة ويحملونها إلى مكان سحيق، وهناك يطلقونها أو يدلقونها، فتضل الطريق ولا تعود. ولكن أين الغرارة التى تسعها — أعنى الخادمة — وأين الكتف التى تقوى على حملها؟ فهى قعيدة البيت ولا حيلة لى فى ذلك.

وشر ما فيها، إخلاصها، ومن العجائب أن تنقلب المحمدة مذمة، والمزية منقصة، والفضيلة رذيلة. ولكنها الدنيا وأنت سيد العارفين. وكل ما فيها اعتبارى، كما لا أحتاج أن أبين لك. قمت مرة برحلة مع صديق لى، فأضافنا رجل كريم، سيد ماجد. ففرحنا وزهينا. فإن مثله يفخر المرء بأن يكون — أى المرء — ضيفاً عليه. وكان يسبق كل رغبة لنا باقتراحها وتحقيقها. ويعنى براحتنا وسرورنا، عناية لم تترك لنا رأياً أو إرادة أو شعوراً حتى بحرية التفكير. وكانت مبالغته فى تحرى مرضاتنا، عن كرم وإحساس مرهف بالواجب، لا عن ثقل نفس، أو رغبة فى التظاهر. وكنا على يقين من هذا. ولكنا مع ذلك ضقنا ذرعاً بهذا الكرم. وما كدنا نرحل حتى تشهدنا كأنا كنا سجناء. وما زلنا نضحك كلما تذكرنا كيف ظلمنا هذا الرجل الكريم وغمطنا حقه وجحدنا فضله.

وأعود إلى هذه الخادمة المخلصة الأمينة فأقول إنى أغلط أحياناً فأناديها وأطلب أن تجيئنى بشىء، فتجيئنى بخلافه. ولا تغلط مرة واحدة فتجىء بما أريد.

أقول: «هاتى الكبريت».

وليس فى لفظ الكبريت ولا فى حروفه ما يمكن أن يلتبس «بالجبن الرومى». وهى ليست بالصماء فإن سمعها كسمع القطة، وأنا خفيض الصوت ولكنى آتوخى معها أن أزعق وأصيح، حتى ليبح صوتى، ويوجعنى حلقى، وأمرض يوماً أو يومين ومع ذلك لا تكاد تسمعنى أطلب الكبريت حتى تقول: «حاضر» وتعمد إلِى ملاءة سوداء تلفها على نفسها — فإنها حيية — وتخرج فتشترى لى جبناً قد يكون روميًّا غير مزيف أو مقلد، ولكنه لم يخطر لى على بال، ولا كانت لى رغبة فيه.

وأراها مقبلة علىّ تحمل على كفيها صينية عليها طبق فيه الجبن الرومى وشوكة وسكينة وفوطة ولقمة — فإنها تدرك من تلقاء نفسها وبغير حاجة إلى تلقين أن الجبن لا يؤكل وحده فلابد من خبز معه، وما دام سيدها سيأكل، وقد اشتهت نفسه الجبن الرومى فهل تتركه يوسخ يده؟ معاذ الله، وهذا هو تفسير الشوكة والسكينة.

وأنظر إلى هذا الذى على يديها فأتميز من الغيظ. وأكاد أطق وأنفلق، ولكنى ألمّ نفسى بجهد، وأهز رأسى، وأروح أتعجب لقدرة ربى على خلق كل هذه الأصناف من الناس. هذه امرأة لها كل ما لى — تقريباً — من الأعضاء. وليس ينقصها شىء. وهى تتكلم العامية التى نتكلمها ولا أعرف لها لغة غيرها. ومع ذلك لكل لفظ فى هذه اللغة معنى عندها غير معناه عندنا. فالكبريت معناه الجبن الرومى. والكتاب معناه طاحونة البن. والكلب معناه «الخيط وإلابرة». والكمون معناه السجاير إلخ.. حتى لقد خطر لى أن الألفاظ التي تبدأ بالكاف هى التى انفردت عندها بهذا الحال المقلوب. وأنا أحصى هذه الألفاظ — إيثاراً للراحة — وآثْبت معانيها إلى جانبها ليتسنى لى أن أخاطبها بلغتها فأقول لها مثلا: «خذى اشترى لى كموناً» ويكون مرادى السجاير. أو: «هاتى كلباً وخيطى هذا الزرار» وإذا مر بالشارع الذى يصلح طواحين البن قلت: «خذى الكتاب فأصلحيه عنده» أو: «اشترى لنا كرنبا» أى بترولا … إلخ إلخ ولكنى أخشى أن تتطور اللغة عندها وتكتسب الألفاظ كل بضعة أيام معانى جديدة فيذهب تعبى سدى.

وآه إذا مرضت … تلازمنى ولا تبرح كرسيها إلى جانب سريرى، وليتها تسكت ولكنها لا تكف عن الكلام والدعاء والتنهد وضرب الكف بالكف. ثم ليت هذا كان كل ما تصنع فإنها تفتأ تجسنى، وتلفنى، وتدس اللحاف تحتى هنا، وههنا، وتسوى لى المخدة، وترفع رأسى وتحطها، وتستخبرنى عن حالى ومبلغ سوِئه، حتى يكاد عقلى يطير. وما دمت مفطوماً عن طعام أهل البيت وملتزماً الحمية الموصوفة فهى صائمة، لا كصيام المسلمين من عباد الله، بل كصيام غاندى إلا عن قطرات من الماء كحسو الطائر، لبل الريق.

وربما تعجبت لها وتساءلت: «أترى أمى لم تكن أمى، بل تبنتنى، وهذه هى أمى الحقيقية؟ وإذا لم يكن ذاك — وأرجو ألا يكون — فهل الأمومة عندها قوية إلى هذا الحد؟ ولكأنى بها تنظر إلى ضخامة جسمها، وذهابه طولا وعرضاً، وضاَلة جسمى وهزاله فتحنو على، وترأمنى».

وأقول قد برمت بهذا العطف «الفاحش»: «ما كان ضر أمى لو نسيت أن توصينى بها قبل موتها»؟

ويجىء الطبيب، وهو يعرفها ويطيب له أن يعابثها، فيهول عليها بما أصابنى من برد أو غيره، فتروح تبكى وتندبنى، قبل الأوان سامحها الله! وينال الطبيب جزاءه أيضًا. فتأخذ بتلابيبه ولا تدعه يبرح غرفتى إلا بحيلة يحتالها. ولولا ذلك لسجنته معى حتى أشفى. وكثيرًا ما يقول لها: «يا ستى الحاجة الشفاء من الله، ولست إلا واسطة خير». فلا تقتنع ولا تطلق سراحه.

وأقول لامرأتى: «هاتى لى كل ما أمر الطبيب باجتنابه من الأكل».

فتسأل عن السبب فأقول: «إن هذه الحاجة لا تقتنع بأنى شفيت إلا إذا أكلت ما يأكل الناس. ولن تعفينى من عطفها ما لم أفعل. فاصنعى معروفاً وأطعينى وأمرى إلى الله. وسأموت على التحقيق وسيكون دمى في عنقها ولكن ما حيلتى»؟

فتضحك الزوجة وتقول: «لا تغالط. إنما تريد أن تأكل وتخالف أمر الطبيب».

فأقسم بكل يمين أعرفها. ولكن من يصدق؟

حتى أنا، ينتهى الأمر بأن يساورنى الشك، أحياناً، ولى العذر ….

•••

وقالت امرأتى تخاطب أصغر الشقيين: «لقد أذكرنى سؤالك حكاية سمعتها، أو قرأتها، وأنا صغيرة. قالوا إن ملكاً واسع السلطان، أسن ولم يرزق ولدًا، وكان تقيًّا صالحًا فدعا الله أن يرده شابًّا. ونام فهتف به هاتف أن قم فكل من شجرة التفاح، فإن عليها ثمرة فى غير أوانها. وكان له بستانى هرم همٌّ يتوكأ على العصا، وكان يجوس خلال البستان، فبلغ الشجرة ونظَر فإذا ثمرة ناضجة تتدلى فتعجب، ومد يده فقطفها، وخطر له أن يهديها إلى الملك، غير أنه راجع نفسه، واستقل الهدية وإن كانت نادرة، وقال لنفسه إن تفاحة واحدة ولو كانت فى غير أوانها، لا تستحق أن ترفع إلى ملك، وليس يضيرنى أن أكلها، فلن يفتقدها أحد وهذا غير أوان التفاح، ثم إنى جوعان فما طعمت فى يومى شيئاً. فأهوى عليها بأسنانه حتى أتى عليها، وعاد إلى كوخه فنام. وجاء الملك بعد قليل، فلم يجد تفاحة، ولا إيذانًا بتفاحة، فلم يستغرب، وقال ما كان لى أن أتوقع غير ذلك، إن هى إلا أضغاث أحلام. وكر راجعًا إلى قصره.

وأقبل ابن البستان على الكوخ ليوقظ أباه، فألفى فى فراشه فتى منظرانيًّا فتعجب وتساءل من عساه يكون؟ وأيقظه وراح يسأله من يكون؟ وماذا جاء به؟ وماذا يصنع فى كوخ أبيه؟ فقال: «أنا أبوك … ألا تعرفنى»؟ قال: «أبى؟ وكيف يمكن ان تكونه وأنت أصغر منى وأصبى»؟.

وأمسكت. وجلسنا صامتين ننتظر البقية. فضحكت وقالت: «نسيت بقية الحكاية».

فصاح بها الشقيان محتجين: «لا، لا، لا، يا ماما … هذا لا يجوز …».

قالت: «فليتمها بابا».

قلت: «كيف يمكن أن أفعل وأنا ما سمعتها إلا الساعة»؟

قالت، وهى تنهض عن المائدة وترفع أطباقًا: «أليست دعواك أنك واسع الخيال؟ تخيل إذن، ولا تخيب أمل ولديك …».

فنهضت مثلها، ودنوت منها، وغافلتها، وقرصتها، فلولا لطف الله لتهاوت الأطباق قطعًا متناثرة..

وكانت ساعة! ثم لاحت لى فرصة، ففررت إلى غرفتى، وأوصدت بابها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠