الفصل السابع عشر

رؤيا

ما أغرب هذه الحياة! الناس يقولون إن الزوجة تفرح عندما تموت حماتها، ولكن «رؤيا» تصف حماتها في النعي بأنها أمها!

لما قرأت النعي في جرائد الصباح كذَّبت عيني؛ فقد وقفت عند هذه السطور:

أنعي إلى أصدقائنا أمي العزيزة «نعمى» التي سعدتُ بحياتها ثلاثين سنة، وسأسعد بذكراها إلى يوم وفاتي.

«رؤيا»

وكنت أعرفهما، وأعرف السيدة المتوفاة نعمى، لم تكن والدة رؤيا وإنما كانت حماتها، وأعرف أيضًا أن عمْر رؤيا لا يقل عن خمسين سنة، ولو كانت السيدة نعمى والدتها لقالت إنها هَنِأت بحياتها خمسين سنة بدلًا من ثلاثين.

وجعلت أتأمل النعي وأعود إلى قراءته، وقلت: ما أغرب هذه الحياة! الناس يقولون إن الزوجة تفرح عندما تموت حماتها، ولكن رؤيا تصف حماتها في النعي بأنها أمها!

ولا بد أن القارئ قد استغرب هذين الاسمين: نعمى ورؤيا؛ فإننا قلَّما نجد الاسم الأول في مصر، أما الثاني فلا نعرفه، ولا نذكر أنه يطلق على فتاة مصرية.

والواقع أنهما كانتا غريبتين؛ فإن السيدة نعمى كانت فلسطينية، وكانت قد جاءت مع زوجها وولديها إلى مصر قبل خمسين أو ستين سنة، ولما كبر ابناها وبلغا سن العشرين، أو حوالي ذلك، فكرت أمهما في زواجهما، وكان أبوهما قد مات، وقصد الشابان إلى فلسطين كي يتزوجا من أقارب عائلتهما، ولكنهما لم يجدا في أقاربهما الفتاتين المنشودتين.

وبينما هما يهمَّان بالرحيل للعودة إلى مصر وجدا جِمالًا وخيامًا بالقرب من القرية التي كانت وطن أبويهما، فقصدا إليها للتفرُّج، وعرفا أن إحدى القبائل التي تضرب في جنوب فلسطين قد حضرت للنجعة، وأنها هي التي تملك هذه الجمال والخيام، فجعلا يتخللان الخيام ويتصفَّحان الوجوه، وكانت وجوهًا سافرة صريحة للرجال والنساء.

ورأى كلاهما فتنة وجَمالًا في هؤلاء النساء البدويات، فجعلا يتحدثان إليهن، ويعجبان برقَّتهن، ويجدان حلاوة في لهجتهن العربية؛ فقد كان فيها من اللحن والغُنَّة والمد ما يشبه الدلال والغُنْج.

ولم يبرحا فلسطين إلا بعد أن تزوج كل منهما فتاة من هذه القبيلة، وعادوا جميعًا إلى مصر.

وفرحت أمهما بزواجهما، ووجدت في تعليم هاتين الفتاتين أساليب المتمدنين ما ملأ فراغها بالضحك والسرور؛ فقد كانت أخطاؤهما بدوية: أخطاء الفطرة التي لا تعرف شيئًا من التمدن ومركباته في السلوك والتصرف.

وكان الجميع يعيشون معًا؛ الأم وابناها وزوجتاهما، ومع أن الحظ لم يسعد ابنيها بإنجاب الأطفال فإنهم كانوا يسعدون بالعشرة والألفة، وكان البيت يخيِّم عليه السلام، وتعمُّ أفراده الصداقة الحميمة، وكانت الأم مركز الحب والحنان للجميع.

ثم دخل الموت هذا البيت؛ فمات الزوجان واحدًا بعد آخر في حمى التيفوئيد التي لم تمهل كلًّا منهما أكثر من عشرين يومًا.

وعمَّ البيت ذهول وصمت ووجوم، كأن الأم وزوجتي ابنيها، أو بالأحرى أرملتيهما، قد نسينَ الكلام؛ فكان التفاهم بالإشارة، وكانت وجبات الطعام تُنسى، وكان الليل يقلقه بكاؤهن، كل منهن في غرفتها.

ومضى شهران، وقعدت نعمى في الصباح أمام زوجتي ابنتيها، ثم بكت، ونهضت فغسلت وجهها وعادت إلى مكانها كأنها قد صممت على شأن، وأخذت أنفاسها وقالت لهما:

– كل شيء بإرادة الله يا ابنتيَّ، الله أراد، لقد مضى على وفاة ابنيَّ شهران، وأنتما في الشباب، فلتذهب كل منكما إلى أمها، ولتنشد زوجًا، ولتبدأ حياة جديدة، وهذا حكم الله الذي لا يُرد، وهذا عرف الناس الذي يسيرون عليه، اذهبا تزوجا، وليبارك الله عليكما، وليعطكما ما حرمكما مع ابنيَّ.

ولطمت الفتاتان وجهيهما، واستمر البكاء، وصار ثلاثتهن في مناحة.

ومضت أيام، والسيدة نعمى تحض الفتاتين على ترك بيتها، واستجابت إحدى الفتاتين إلى طلبها، وتركت البيت، وعادت إلى أهلها في جنوب فلسطين، ولكن رؤيا أبت ترك حماتها، ورضيت أن تنزل عن الزواج كي تعيش معها، وقالت رؤيا:

– هنا بيتي، هنا ذكرياتي؛ ابنك كان ينام معي في هذه الغرفة، سأبقى حتى أموت، أنام على المخدة التي كان يضع رأسه عليها، وألتحف بلحافه، وأشرب من كوبه، لا أستبدل بذكراه آخر، وسأعيش معك حتى يقضي الله بما يشاء.

وبكت الاثنتان وتعانقتا، وعاشت رؤيا مع حماتها عشرين سنة، بعد عشر سنوات مع زوجها، وهذا هو المعنى الذي قصدتْ إليه حين كتبتْ في النعي إنها سعدت بحياة أمها نعمى ثلاثين سنة.

وقاربت نعمى الثمانين من العمر، وأحست دبيب الموت، فجعلت تفكر في مستقبل رؤيا، وتتوسل إليها كي تتزوج، ولكن رؤيا كانت قد بلغت الخمسين، وأين تجد الرجل الذي يتزوج امرأة في الخمسين؟

وكانت رؤيا تأبى التفكير في الزواج، وتقول: لا تخشي شيئًا يا أمي بعد وفاتك؛ فإني لن أعيش بعدك أسبوعًا أو أسبوعين، نحن حياة واحدة، ويجب أن نبقى كذلك إلى أن نموت.

ولكن نعمى كانت، كلما أحست أنها تقترب من قبرها، تعود إلى التفكير في هذه الفتاة؛ لا بد أن تتزوج، وكانت تبكي وتتوسل إليها.

وكانت نعمى تعرف رجلًا من معارف زوجها، وكانت سنُّه تتجاوز الستين، فبعثت إليه وحضر من فوره، وعرضت عليه نعمى الزواج من رؤيا، وقبل.

ونهضت نعمى إلى غرفة رؤيا، وألبستها، وعطرتها، ورجَّلت شعرها، وجاءت بها إلى هذا الذي رشحته لزواجها، وعادت رؤيا شابة بها فتنة وسحر، وقعدت يتأملها خطيبها وقد أشرق وجهه بالسرور.

وتم الزواج، بعد أن قبل الشرط الوحيد الذي شرطته رؤيا، وهو ألا تبرح منزل أمها نعمى، وقَبِل زوجها هذا الشرط، وعاش ثلاثتهم شهورًا إلى أن ماتت نعمى وهي هانئة بهناء رؤيا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠