الفصل الخامس عشر

نزل راشد باشا من سيارته والتفت إلى السائق عبده خليل في هدوء: سيأتي أحدهم لتسلم السيارة، سلِّمها له.

– أمرك سعادة الباشا.

ودخل راشد باشا إلى حجرة مكتبه، وجلس إلى المكتب البالغ الأناقة الذي ينتمي إلى عهد لويس السادس عشر، والذي يُقال إن بعض وزراء هذا العهد كانوا يجلسون إليه. ولكن راشد لم ينظر إلى المكتب الأنيق، وإنما كل ما فعله أن خلع الطربوش وجلس على كرسي المكتب، ورفع رجلَيه ليستقرَّ بهما على مكتب لويس السادس عشر. ونظر إلى سقف الحجرة، ورحلت عيناه في تهاويل السقف التي تصور ملائك السماء يدفُّون بأجنحتهم حول ملاكٍ كبير تباعد جناحاه المذهبان، وارتسمت على شفتَيه ابتسامةٌ وادعةٌ مطمئنة، لا يستطيع أن يفزعها أو يشغلها عن اطمئنانها مفزع أو شاغل. إنها ابتسامةٌ ترنو إلى السماء وتطمئن إليها، وما دامت بالسماء قد تعلقت فلا شيء يعنيها بعد ذلك، لا شيء. وحين توغل العين في الابتسامة وفي عيني الملاك تجد صفاءً، وتجد مرحبًا لكل بني الإنسان، يؤكدها هذان الجناحان اللذان يفرشان السماء، كأنهما ذراعان تتهيآن لاحتضان عزيزٍ عائد.

كان راشد باشا ينظر إلى هذا جميعه، ولكن عينيه كانتا لا تتبينان من التهاويل شيئًا.

يراها ولا يراها، تتماوج الصورة في عينَيه فتبين وتختفي، وتلوح حتى تبدو وكأنها مجسمةٌ واضحة، وتتلاشى حتى ليعلوها الضباب أو كأنما تمحوها أفواج من الظن وأستار من الأوهام. يفكر راشد باشا ولكنه لا يفكر، ويندهش ولكن لا يبدو التعجب على وجهه، تتزاحم صور وجوه مع صور السقف فلا يتضح رسم، ولا تتبلور صورة، ولا يتحدد وجه.

ربما توسط أمواجَ الطيوف أسامة في وجهه البريء، وفي كلامه الجديد الطازج الذي يقع من أذن أبيه وأمه موقع النغم السماوي المنسجم. يذكر ما تعلم في المدرسة، ويباهي به وكأنما تعلمه وحده ولا يعرفه أحد من الناس غيره. ولا تغيب صورة أسامة وإنما يزحف عليها وجه خديجة، ويتقلب على مدى السنوات التي تزوجها فيها، غير حريص في تقلبه على الترتيب الزمني، ولا على ترتيب ظهور هذه التجاعيد القليلة التي بدأت ترتسم في نبلٍ على صفحات وجهها. قد تبدو أمامه وهي في المرآة أول يوم رآها، ثم قد تقفز السنوات إلى يوم بشَّرته الزغاريد بمجيء أسامة، أو قد تبدو وهي تتكلم معه في خاصة أمورهما، أو وهي تتكلم في المجتمعات العامة؛ فتحيط بها هالات من الإعجاب، أو قد تحيط بها أيضًا هالات من الحسد. وقد تبدو أمه وقد يذكر مرضها وتشبثها بالفراش. وقد يثب وجه حمزة البلاشوني، ثم فهمي عبد الحميد يكبر وجهه ويكبر حتى لا يتيح لأحد، ولا حتى لأسامة أن يبقى معه في إطار الصورة، بل العجيب أنه يزيح أسامة أول ما يزيح، والأعجب أنه ما يلبث أن يضمَّه ويحتويه وكأنه يهدهد أحلامه. ويغمض الباشا عينَيه، ولكن صورة فهمي متشبثة بالظلام تشبثها بالنور، ويهزُّ الباشا رأسه فتمحى الصورة مرغمة.

ويعود نظر الباشا فلا يرى إلا تهاويل السقف، وتعود الصور إلى الوضوح، ثم ترين عليها أستار من الوهم أو أستار من الضباب.

وكأنما يثوب شاكر إلى مكانه فتعلو وجهه فترة من الأسى، وقد تفكِّر دمعتان أن تستميحا عينَيه الشامختَين، ثم ما تلبث الدمعتان أن ترتدا هالعتَين، يزجرهما كبرياء العينين أن تظهرا إلا في العميق العميق في نفس الرجل الأشم، رافضًا أن يبدو منه للعيان ألم، حتى وإن كان خاليًا إلى نفسه؛ فهذا المكتب بما يضم من أثاث، وما تحويه جدرانه وسقفه من نقوش أشياء خارجة عن نفسه؛ لا يجوز لها أن تعرف ما بداخله أو تطلع عليه.

لم يكن يخبي أن هذا الذي يطالعه اليوم أمر يقع لكل من يعمل في ميدانه، ولكن الذي كان يدهش له أنه كان يتقي هذا اليوم بكل ذكائه وكل خبرته. وفي سرحة تفكير استعاد بها الأحداث الأخيرة أدرك أنه تخلى عن ذكائه وعن خبرته جميعًا يوم أراد أن يجتاح أسواق البورصة ليكوِّن لابنه أعظم قدر من الثراء، وفي انشغاله بالنظر إلى الهدف عمي عن الطريق وغفل عن مزالقه.

لقد أصبح «ميداس» ملك الذهب الأسطوري الذي أحب الذهب حتى انقلب إلى ذهب، وإذا انقلب العقل وتجاربه إلى جماد — حتى وإن كان ذهبًا — كفَّ عن العمل الأصيل الذي خُلق من أجله، وانهار الإنسان؛ لأن الإنسان تركيب يختلف تمامًا عن تركيب الذهب، هكذا الأسطورة. أما في الحياة فإن العقل يتوقف، والتجارب تنزوي ذليلة وينهار الإنسان، ولكن شيئًا من العقل أو التجارب أو الإنسان لا يصبح ذهبًا.

لقد استعبده المال ففقد الاختيار، وإذا فقد العقل الاختيار فقد معه سبب وجوده في الحياة، والعجيب أن الإنسان صاحب هذا العقل لا يدرك هذا؛ لأنه لا يستطيع أن يدركه إلا بالعقل الذي توقف عن العمل، أو من هنا أجد نفسي مخطئًا أنني بدأت هذه الجملة بالتعجب، بينما العجيب حقًّا ألا يحدث هذا. لقد فقد حضرة صاحب السعادة راشد باشا برهان كل ما يملك، وما دمنا نريد الدقة في التعبير، فقد أصبح كل ما يملكه سعادة راشد باشا برهان مرهونًا رهنًا حيازيًّا لدائنين مختلفين، من بينهم فهمي عبد الحميد. وجود هذا الدائن بين الدائنين يجعل راشد على ثقةٍ مؤكدة أن الدائنين لن يتجاوزوا يوم البيع بيومٍ واحد.

لو أمعن راشد التفكير لكان الحل الطبيعي، الذي يؤدي إليه المنطق الأخرس الجامد الذي لا يعرف السماء، أن ينتحر سعادة الباشا، فهذا هو أسهل الطرق التي يستطيع أن يسير فيها، فهو لا يطيق أن يرى زوجته تلبس أخلاق الثياب، أو يرى ابنه يتكفَّف الناس، ويسألهم ما يردُّ به الجوع.

ولكن فكرة الانتحار هذه هي الفكرة الوحيدة التي لا تجرؤ أن تقترب من ذهن الرجل الصامد راشد برهان، لقد عاش غنيًّا، وسوف يثبت لنفسه وللناس أنه يستطيع أن يعيش فقيرًا، ويظل على الحالَين كريمًا على نفسه، ومن كان كريمًا على نفسه فهو كريمٌ على الناس وإن رغمت من بعض الناس أنوف.

في لحظته تلك لم يعرف إلا أنه سيستطيع أن يعيش، ولكنه في لحظته تلك لم يعرف كيف سيعيش، كان يدري كل الدراية أنه مؤمن بالله، وأنه لن يذهب إلى رحابه إلا في طريق يرضاه الله لمن يؤمنون به.

والعجيب أنه في لحظته القاتمة القاسية العاصفة، بل التي سكنت فيها العاصفة عن خرابه الكامل، في هذه اللحظة كان يغبط نفسه؛ لقد وجد فيها شيئًا أكرم من الغنى وأغلى من المال، لقد وجد الطمأنينة إلى السماء والإيمان بالله. ماذا يفعل غير المؤمنين لو تعرضوا لما يتعرض له؟ كان شامخًا أن استطاعت نفسه أن تقر، وهي تحس أن في ثنايا نسيجها تنداح هذه النفحة الزكية الأمينة الحانية التي لا يستطيع أن يبقيها في نفوس العباد إلا اليد التي أبرأت هذه النفوس، وحنت عليه حنوًّا يتقاصر عنده حنو الأمهات على الفطيم.

تلك اليد الرءوم التي تشفع الكارثة باللطف، والجزع بالأمن، والفاجعة بالإيمان.

أسلم نفسه لها، واتضحت له الحجرة كما عهدها خالية من الطيوف، بريئة من الأخيلة، وانكشفت له تهاويل السقف عن فنها الرفيع الذي طالما بهره إذا ما سمت إليه عيناه. أهذه الرسوم محجوز عليها هي أيضًا؟ إنها فنٌّ رفيع لا يُقدَّر بمال، ولكن الدائنين لا يرون فيه إلا سقفًا لا يكمل البيت بدونه، والبيت محجوز عليه؛ لا حياة للفن في صراع المال.

دخل إدريس إلى حجرة المكتب: فهمي بك عبد الحميد.

ولم يُنزل الباشا قدمَيه عن المكتب، ولم يجزع، وإن كانت بعض الدهشة قد تولَّته.

– ما له؟

– في الخارج يريد مقابلة سعادتك.

وصمت الباشا. ليس من المعقول أن يأتي ليتشفَّى والجرح جديد. إذن …

– دعه يدخل.

وأنزل الباشا قدمَيه، واستعد للقاء الرجل، فمهما يكن البيت محجوزًا عليه إلا أنه حتى الآن بيته.

دخل فهمي عبد الحميد، وأسًى صادقٌ مرتسم على وجهه.

– سعادة الباشا.

– أهلًا فهمي، اقعد، اقعد أولًا.

– سعادة الباشا، أنا لا أعرف ماذا أقول لك.

وعجب راشد أن رأى بواكير دموع تطفر إلى عينَي الرجل، وكأنها تودع دموعًا أخرى سبقتها. وأصبح الموقف أكبر من الإنسان، وأوشكت دموع راشد العصية أن تطفر، إلا أنه زجرها. فقد تكون دموع فهمي وفاءً لصداقةٍ قديمة، أو اعتذارًا عن موقفٍ سابق، أو أخوة صمدت في وجه الأحداث. أما دموع راشد فلن تكون إلا ذلة واستكانة وضعفًا، ولن يفهم فهمي أنها إنما انهمرت إكبارًا للإنسان حين يعلو على الإنسان.

– لقد أصبح هذا البيت من نصيبي مقابل دين في الأوراق مقداره عشرون ألف جنيه، هذه أوراق الرهن اقرأها سعادتك.

– وتريد البيت الآن؟

– أريدك أن تقرأ الأوراق يا سعادة الباشا.

ونظر راشد في الأوراق نظرةً سريعة كانت كافية لمن هو في مثل خبرته، وقال وهو يرد الأوراق إلى فهمي: نعم فعلًا.

– هل ينقصها شيء؟

– لا أظن.

– أعِد النظر إليها يا سعادة الباشا واقرأها على مهلٍ، ربما كان ينقصها شيء.

– أعتقد أنها كاملة يا فهمي، لا ينقصها شيء.

– سعادتك متأكد؟

– طبعًا متأكد، وأنا على استعداد أن أسلمك.

– سعادة الباشا، أرجوك تأكد من الأوراق.

– يا أخي إذا كنت تريد أن تتسلم البيت الآن فأنا على استعداد.

– سعادتك تقصد أن تخرج من بيتك الآن، ومعك أسامة والسيدة والدتك المريضة والسيدة حرمك؟

– هذا ما تقوله الأوراق، وما يقوله حقك؛ الرهن حيازي لمجموعة الدائنين.

وقد قسمتم الرهن على أنفسكم فيما بينكم، وأصبح البيت من نصيبك بموافقة جميع الدائنين. هذا لا شك فيه.

– وهذه هي أوراق الدين والحيازة يا راشد باشا.

وفي حركةٍ ثابتةٍ واثقة مزَّق فهمي الأوراق، ثم أعاد تمزيقها.

– فهمي، ماذا فعلت؟ أنت بهذا تضيع حقك في الدَّين.

– وما عشرون ألفًا عندك؟ ادفعها حين تشاء أو لا تدفعها إذا شئت، إنما أنا لا أُخرج راشد باشا وأسرته ووالدته من البيت الذي عاشوا فيه عمرهم كله.

– فهمي، أهذا معقول؟

– هذا هو المعقول، فلنختلف، أحاربك وتحاربني، ولكن راشد أدهم لا يخرج من بيته أبدًا.

– فهمي، هل هناك كلام يوفيك حقك؟

– حاولتُ أن تكون السيارة ضمن دَيني فلم أستطع.

– لا يهم، لا يهم شيء. أنت كما أنت الآن أمامي أعزُّ من كل المال الذي فقدتُ.

– أنا لن أبقى لأسمع هذا الكلام. السلام عليكم.

– والقهوة؟

– ستصبح شربات حين أرى الوقت مناسبًا.

•••

إن للسماء طرقًا عجيبة، قد أتصور أن يفعل أي دائن ما فعل فهمي عبد الحميد إلا فهمي عبد الحميد، لو أن الإنسان عرف السُّبل التي تستعملها السماء لأصبح إلهًا، ولكن السماء تحب أن تذكِّره دائمًا أنه إنسان لا يزيد، وهناك من فوق سبع سموات رحمة ترسل حنانها وشعاعها بالطريق الذي تراه مناسبًا أو طبيعيًّا، لا الطريق الذي يتصوره مجرد الإنسان. وهيهات لمجرد الإنسان أن يفهم.

كيف يمكن لفهمي عبد الحميد أن يكون ذلك الملاك، وهو هو نفسه الذي ارتكب من الأعمال ما يعفُّ الشيطان عن ارتكابه؟

كيف يستطيع الملاك والشيطان أن يعيشا معًا في كيانٍ واحد، والذي يسمو إلى ما تصنعه الملائكة هو نفسه الذي يتردى إلى ما لا تهوي إليه الشياطين؟ ألهمها فجورها وتقواها.

فالذي يصنع الخير هو خير من الملائكة، لأنه يصنع الخير باختياره لا بالطبيعة المواتية التي لا تعرف الملائكة غيرها، والذي يتردى إلى فجورها يهوي إلى حضيض أسفل من حضيض الشياطين، لأنه هو نفسه كان يستطيع أن يختار الطريق الآخر الذي لا يستطيع أن يختاره الشيطان. وألهمها فجورها وتقواها. قد يغلب الفجور مرة وقد تغلب التقوى مرة، ويصبح الإنسان تركيبًا عجيبًا لا هو شر كله ولا هو خير كله، وإنما يتمازجان فيه في غير تنافر، ويصبح كلٌّ من العنصرَين مادة في كيان الإنسان؛ ليظل إلى الأبد ذلك اللغز الذي حارت فيه مراحل البشرية على مر التاريخ.

•••

قالت خديجة: أبيع مجوهراتي.

– هي في البنك باسمي وأغلب الظن أنها حُجز عليها هي أيضًا.

– أكلم أبي.

– إيَّاكِ!

– إنه أبي.

– اسمعي، هذه المشكلة ملكي أنا، وأنا الذي صنعتها، وأنا الذي يجب أن أتولاها وحدي.

– لتكن أنت من صنعتها، ولكن أنت رب بيتي، مسئوليتي عنك قدر مسئوليتك عني.

– لو كان لكِ مالٌ مستقل لكان الذي تقولينه طبيعيًّا.

– ولكن أبي مسئول عني.

– سقطت عنه هذه المسئولية منذ تزوجتك.

– العلاقات الإنسانية ليست عقودًا تُسجل في المحكمة، يغضب أبي أشد الغضب إذا لم أقل له.

– غضبه سيكون أكبر إذا قلتِ له.

– منك؟

– من نفسه.

– من نفسه؟

– إنه لا يستطيع أن يصنع شيئًا؛ دخلُ أبيك يكاد لا يكفيه.

– ما هذا الذي تقول؟

– حقيقة أنا أعرفها قبل أن أتزوجك، وتأخرتِ أنتِ في معرفتها.

– ولكن لا بد أنه سيعرف كل شيء عن حكايتنا.

– أنت طيبة يا خديجة. هل تظنين أن أحدًا في مصر سيجهل ما حصل لي؟

– فهو الذي سيكلمني.

– ربما.

– إذن فسيغضب لأنني لم أكلمه.

– أعلم ذلك.

– ماذا أقول له؟

– قولي إنك عرضتِ عليَّ مساعدته، فرفضتُ ذلك رفضًا قاطعًا.

– ولكنه سيكلمك.

– لا تخافي، فإن كنتُ فقدتُ مالي فإني لم أفقد لباقتي.

•••

وقالت أمه وهي في فراش مرضها: راشد لا تخف.

– أنا غير خائف.

– مصاريف بيتك عليَّ.

– وأنتِ ما ذنبكِ؟

– كنت أستطيع أن أعطيكَ أرضي فتبيعها، ولكني أخاف أن تأكلها ديونك، سأبقي أرضي لأصرف منها على البيت.

– هانم أفندي، لا أدري ماذا أقول لكِ.

– لا تقل شيئًا، لن أعيش طويلًا والأفدنة القليلة التي ورثتها عن أبيك ستئُول إليك، ولكني أريد أن أعيش كما تعودتُ أن أعيش؛ لا أسأل أحدًا شيئًا.

– سيكون لكِ هذا على كل حال.

– إنك طول حياتك تنفق عليَّ وعلى ملبسي، وكنتُ أنفق أنا إيرادي على من يستحقون الصدقة. وعندي بعد ذلك بقية، وإيراد الأرض سيكفي مصاريف البيت؛ فلا تحمل همًّا من هذه الناحية ودبِّر أنت حالك في غير هذا.

•••

وقال عثمان باشا فكري: لقد أكرمتَ خديجة منذ تزوجتها، وأصبح بينكما الآن أسامة، وهو حفيدي، وأنا مسئول عنه وعن ابنتي وسمى، وتصرفاتك الكريمة مع ابنتي تتيح لي أن أكون مسئولًا عنك أنت أيضًا، فدعني أقدم مساعدتي.

– أنا دائمًا أعتبرك أخي الأكبر إن لم أعتبرك والدي، وأنت في مكانة عندي، ولكني أحب أن أقوم بنفسي بهذا العبء.

– أساعدك في أيامه الأولى.

– وأصبح أمام زوجتي شخصًا ضعيفًا لا يستطيع أن يواجه الأحداث؟

– لقد عشتَ عمرك غنيًّا.

– فدعني أجرِّب أن أكون فقيرًا.

– أمرك.

•••

وقال أسامة: بابا، ماذا حصل؟

– ماذا حصل؟

– في البيت حاجةٌ غريبة.

– مثل ماذا؟

– لا أعرف!

– هل نقص شيء؟

– السيارة.

– وأنت ما لك بالسيارة؟

– أنا فقط لا أراها.

– أصبحتْ قديمة.

– اشتريتَ سيارةً جديدة؟

– ليس الآن. هل هذا هو كل التغيير؟

– طبعًا لا.

– وماذا أيضًا؟

– لا أعرف، ستي ليست كما تعودتُ أن أراها.

– مريضة.

– إنها مريضة من زمان، ولكنها ليست هي!

– وماذا أيضًا؟

– وكفاية.

– وماما؟

– لا، ماما لم تتغير.

– وأنا؟

– أنت؟! أنت؟! لا أعرف.

– والخدم؟

– لا أعرف .. يمكن .. ربما .. نعم. افتكرت، كانوا دائمًا يهزرون معي. الآن دائمًا التكشيرة على وشهم.

– كل هذا رأيته؟

– لا أعرف. تعرف يا بابا ساعات أحس بأشياء ولا أعرف كيف أقولها.

– مثل ماذا؟

– لو كنت أعرف كنت قلت. لا أعرف. فيه شيء، ولكن ما هو؟ لا أعرف.

– ستعرف يا أسامة، سيأتي يوم وتعرف.

•••

بدأ حياته الجديدة بداية لم ترَ مثلها القاهرة، ولا أحسب أنها ستراها. كانت هناك عملياتٌ تجاريةٌ صغيرة، تعوَّد أن يتركها ولا يُعنى بها ليهتم بعملياتٍ أكبر؛ عاد إلى هذه العمليات، ولكنه كان يريد أن ينتقل بسرعة. وكان قد انتوى أمام نفسه ألا يستغني عن أحد من الخدم أبدًا، فقد استقروا في البيت منذ سنواتٍ طوال وأصبح من غير الممكن أن يستغني عن أحدٍ منهم، كان هناك شعور يجمعهم أنهم أسرةٌ واحدة، لعل أحدًا منهم لم يفصح للآخر بهذا الشعور، ولكنه راسخ في نفوسهم ربما إلى درجةٍ عميقة وثابتة ومؤكدة؛ حتى ليصبح من العبث أن تكون موضوع حديث.

وهكذا بقي عبده خليل سائق السيارة دون أن تكون هناك سيارة، وسرعان ما نبتت الفكرة في ذهن راشد باشا.

والذين كانوا يعيشون في القاهرة هذه الأيام أصبحوا يرون منظرًا عجيبًا.

سعادة الباشا يركب موتوسيكل له مقعدٌ جانبي؛ الذي يطلقون عليه سيدكار، يقود الموتوسيكل سائق غاية في أناقة المظهر، يلبس البذلة التي كانوا يطلقون عليها بذلة طلب، وهي تمتاز بسترةٍ مقفلة عند الرقبة زرقاء داكنة الزرقة على حوافيها قطانٌ أحمر، والبنطلون منتفخ من أعلى، تلقفه بعد ذلك رقبةٌ طويلة لحذاءٍ جلديٍّ فاخر. هكذا كان ملبس عبده وهو يقود السيارة الباكار؛ نفس ملبس عبده خليل وهو يقود الموتوسيكل السيدكار الذي يركب سعادة الباشا في مقعده. حتى إذا أراد الباشا أن ينزل في مكانٍ ما لبعض شأنه سارع عبده خليل يفتح باب السيدكار في عظمة ووقار، ونزل الباشا في سمته المهيب الذي تعوَّد أن ينزل به من السيارة الباكار.

والباشا وهو يصنع هذا لا يفكر لحظة أنه يفعل شيئًا يدعو إلى الدهشة، وفيمَ الدهشة أن الباشا يعتبر السيارة وسيلة لا غاية؟ والموتوسيكل وسيلة تؤدي الغرض نفسه، وراشد باشا برهان الذي كان يركب السيارة الباكار هو نفسه راشد باشا برهان الذي يركب الموتوسيكل السيدكار.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤