الطريقة والحقيقة

بدأت الحياة الصوفية في الإسلام بأفراد يَسلُك كلٌّ منهم في عبادته ومجاهداته «طريقته» الخاصة، ولم يكن للصوفية حتى نهاية القرن الثاني حياة منظَّمة داخل الزوايا والرُّبُط، ولكن سرعان ما ظهرت في جماعاتهم رُوح النظام وتجمَّعُوا حول المشايخ في حلقات الوعظ، وكان ذلك في المساجد أولًا، ثم في حلقات الذكر داخل الخانقاوات بعد ذلك، ولم يمضِ زمن طويل حتى كان مَشايخ الصوفية على رأس جماعات منظَّمة تأخذ كل جماعة تعاليمها وآدابها بطريقة خاصة، وهنا ظهر في الإسلام نوع من الرهبنة أشبه بالرهبنة المسيحية وإن اختلَف عنها اختلافًا جوهريًّا. فمن معاني «الطريقة» إذن الأسلوب الخاص الذي يعيش الصوفي بمُقتضاه في ظل جماعة من جماعات الصوفية تابعة لأحد كبار المشايخ، أو هي مجموعة التعاليم والآداب والتقاليد التي تختصُّ بها جماعة من هذه الجماعات.

ولكن لكلمة «الطريقة» معنى آخر أعم وأشمل؛ إذ معناها أيضًا الحياة الروحية التي يحياها السالك إلى الله أيًّا كان، وسواء أكان مُنتسبًا إلى فرقة من فرق الصوفية أم غير منتسِب، وتابعًا لشيخ من شيوخ الطرق أم غير تابع، و«الطريقة» بهذا المعنى «فردية» بكل معاني الكلمة؛ إذ لكل سالك إلى الله حياته الفردية الخاصة وعالَمه الرُّوحي الذي يعيش فيه وحده، وقديمًا قال بعض العارفين: إن الطرق إلى الله بعدد السالكين إليه.

وليسَت «الطريقة» بهذا المعنى الثاني سوى المعراج الروحي عند الصوفية، وهي التي أطلقوا عليها اسم «السفر» و«السلوك» و«المعراج»، وقسموها من أقدم العصور إلى مراحل أو منازل سموها بالمقامات، كما سموا الأحداث النفسية والمغامرات الروحية التي تعرض لهم فيها باسم الأحوال. يرى السالك في هذا الطريق أشياء لا يراها غير الصوفي، وتعترض سبيله عقبات لا تعترض سبيل غير الصوفي، وتَعتريه أحوال لا يُعانيها غير الصوفي، فلا يجد لغة يعبر بها عن هذه الأمور كلها سوى لغة الرمز والإشارة؛ لأن الأمور التي يرمز إليها لا تقع في محيط عامة الخلق، وقد تبدو هذه اللغة الرمزية في بعض الأحيان مُستبشَعة في ظاهرها منافية للتقوى، بعيدة عما يقتضيه جلال الجناب الإلهي، كأن يُوصف «المطلق المنزه» بأوصاف المحسوس المحدود، وكأن يشار إلى الذات الإلهية ﺑ «هي»، أو تشبه النشوة الحاصلة من مشاهدة الله بنشوة الخمر.

وللصوفية نظرتان إلى الطريق الذي يَسلكون فيه إلى الله؛ الأولى أنه طريق عروج من عالم الظاهر إلى عالم الحقيقة، أو من عالم الأرض إلى عالم السماء. الثانية أنه تحوُّل باطني وتغيُّر في الصفات وتهيؤ في النفس يمكنها من الاتصال بمحبوبها الأعظم: الله، وأساس هاتين النظرتين واحد، وهو أن «الله» أو الحقيقة الوجودية المطلقة هو أصل كل موجود ومصدره، فهو المقوم للعالم كما هو المقوم للنفس. فإن طلبه الصوفيُّ بالطريقة الأولى عبر عن هذا الطلب بالصعود إليه، وإن طلبَه بالطريقة الثانية عبر عنه بالهبوط إلى النفس ليجدَ الله فيها، ولكنه يَجد الله في نفسه بعد أن تتحوَّل تلك النفس عن صفاتها وتتخلَّص من أدرانها وكدَوراتها، والنَّظرة الأولى هي نظرة الصوفية الذين يُصوِّرُون النفس بصورة الطائر السجين الذي يطلب الخلاص من شباك البدن ليعود إلى موطنه الرُّوحي الأول، وهؤلاء لهم رمزيتهم الخاصة. أما الآخرون فيَصطنعون في لغتهم الرمزية أساليب الحب والشوق والسكر والصحو ونحو ذلك.

ولكن الحقيقة الصوفية التي لا جدال فيها هي أن النفس الإنسانية لا تستطيع الوصول إلى الله إلا إذا فنيَت عن صفاتها وتحرَّرت من قيودها، بل إن عُروجها إلى الله في كل خطوة تخطُوها إليه رهنٌ بالخطوات الجديدة التي تخطوها في طريق التصفية والتطهير، ومعنى هذا أن المعراج الروحي وليد التطهير وأعمال المجاهَدة والرياضة النفسية، فإن تطهير النفس وتصفيتها بأعمال المجاهَدة والرياضة يلزم عنه لا محالة ترقٍّ في سلَّم المعراج الرُّوحي. فلا غنى لأي صُوفي إذن عن أن ينظر إلى طريقه بالنظرتين معًا، وهذا واضح كل الوضوح في كلام الصوفية عن المقامات: وهي مراحل الطريق الصوفي أو مراقي معراجه، فإن لكل واحد من هذه المقامات ناحيتين: الأولى أنه دور من أدوار حياة المجاهَدة والتصفية النفسية، والثانية أنه مَرقاة في سُلَّم الحياة الروحية والمعراج إلى الله، وإننا لنجد أبسط وأقدم تصوير للمعراج الرُّوحي عند متصوِّفة المسلمين واضحًا في وصفهم للطريق الصوفي وكلامهم عن مقامات السالكين فيه، فهم يقسمون الطريق إلى مراحل يُطلقُون على كل مرحلة منها اسم «المقام»: أي المنزلة الرُّوحية التي يقوم بها السالك أو يُقيمه الله تعالى فيها حتى ينتقل إلى المنزلة التي تليها.

ويختلف عدد هذه المقامات وأوصافها باختلاف الصوفية، ولكنها تَبتدئ عادةً بمقام التوبة وتَنتهي بمقام المشاهَدة، ولا يترقَّى السالك في الطريق من مقام إلى مقام حتى يستوفي أحكام المقام السابق، أو على حد قول الصوفية أنفسهم حتى يتحقق بآداب المقام السابق عن طريق منازلته.

وقد رتب الصوفية هذه المقامات بحسب رأيهم في توقف كل مقام لاحق على المقام السابق عليه، كتوقُّف مقام التوكل على مقام القناعة، ومقام التسليم على مقام التوكل، ومقام الإنابة على مقام التوبة، ومقام الزهد على مقام الورع، وهكذا.

وكذلك ذكروا الأحوال؛ وهي الأمور الروحية التي تعرض للسالك في الطريق إلى الله من قبض أو بسط أو هيبة أو أنس، أو وجد أو شوق أو انزعاج، أو شعور بالفرق أو الجمع، أو بالفناء أو البقاء، أو بالغيبة أو الحضور، ونحو ذلك من التجارب الروحية التي يُعانيها الصوفي في المقامات، وقد عرَّفوها بأنها معان ترد على القلب من غير تعمل أو اجتلاب أو اكتساب خلافًا للمقامات التي هي أمور كسبية صرفة؛ لأنها أعمال إرادية يقصد بها السالك إلى تحصيل فضيلة معيَّنة من فضائل الطريق.

وعلى هذا النحو تكون المقامات الصوفية أشبه شيء بمنازل طريق السفر الحسي، وتكون الأحوال أشبه شيء بما يعرض للمسافر في سفرِه من أحداث غير منظورة، ومغامَرات غير متوقَّعة، وهذه الصورة البسيطة للمعراج الصوفي تُمثِّل الفكرة الأساسية في كل معراج رُوحي إلى الله؛ لأنها تُمثل طريقًا طويلًا شاقًّا فيه جهاد عنيف للبدن وشهواته، وتخلص تدريجي من العالم المادِّي وسلطانه ومُغرياته، ويقطع ذلك الطريق على مراحل تتخلَّى فيها النفس عن صفاتها الذميمة وتتحلَّى بصفات أخرى حميدة، وبذلك تترقَّى في سلَّم التطور الروحي درجة درجة حتى تصل إلى ما قُدِّر لها أن تصل إليه من درجات القرب إلى الله، وفي أثناء السير في الطريق تتكشف للسالك أحوال هي من ناحيةٍ ثمرات لجهاده، ومن ناحيةٍ أخرى مواهب ربانية يَهبها الله لمن يشاء، ترد على القلب في صورة بوارق أو لوامح وتلقى فيه إلقاءً ولا يدري الصوفي لها تعليلًا أو عنها تعبيرًا.

وقد اتخذ الصوفية على اختلاف مناحيهم من فكرة أفلاطون في النفس أساسًا لوصفهم المعراج الروحي. فالنفس عندهم كائن غريب عن هذا العالم، هبط إليه من العالم العُلوي وحلَّ ضيفًا على البدن، ولكنه منذ هبوطه إلى هذا العالم يحنُّ أبدًا إلى الخلاص من قيودِه واللحاق بعالَمه الأصلي، ولكن أنَّى له بالعودة وقد تغلل بأغلال العالم المادي وشغلته شواغله وغشيته غواشيه، فتكدر كيانه الصافي وخبا فيه قبس ذلك النور الإلهي الذي كان يُضيء جوانبه. لا بد من الفرار وتحطيم الأغلال وتصفية النفس من كدوراتها حتى تتهيَّأ للصعود إلى عالَمها، ولذا حلا للصوفية أن يُشبهوا النفس بالطائر السجين الذي هبط إلى الأرض من عالم السماء، ولكنه لا يفتأ يحن إلى وطنه ويُحاول الإفلات من قفصه. إلى هذا المعنى يشير ابن سينا في قصيدته العينية في النفس، ومطلعها:

هبطت إليك من المحلِّ الأرفع
ورقاء ذات تعزُّزٍ وتمنُّع
محجوبة عن كل مُقلة ناظر
وهي التي سفرت ولم تتبرقع

وكذلك يشير إليه الشاعر الصوفي الفارسي فريد الدين العطار في كتابه «منطق الطير» الذي يصور فيه النفوس بصورة الطير التي تَسير في سرب عظيم بزعامة «الهدهد» تريد أن تصل إلى «السيمرغ» وهو ملك الطيور الذي خلقت الطيور كلها من ريشة واحدة من ريشِه العجيب، وقد سقطت منه وهو يطير في ظلام الليل في سماء الصين.

تأخذ هذه الطيور أهبتها لسفر طويل شاق بعد أن تتزوَّد بمجموعة من الإرشادات يُرشدها بها «الهدهد»، ثم تَقتحم في سفرها سبعة أودية يُسميها العطار أودية «الطلب» و«العشق» و«المعرفة» و«الاستغناء» و«التوحيد» و«الحيرة» ووادي «الفقر والغناء». يتخلف بعض الطيور أثناء السفر لما يراه من وعورة الطريق وأهواله، ويهلك البعض الآخر دون الوصول إلى غايته، وتسير البقية جادة غير متوانية، يحدوها الأمل ولا يفت في عضدها ما تلقاه من مخاوف، وهكذا يمضون حتى يصلوا إلى الوادي الأخير الذي هو وادي الفقر والغُناء، ولكن لا يصلُ إليه منهم إلا ثلاثون طائرًا هم الذين ثابروا وتغلبوا على مصاعب الرحلة وأخطارها، وعندما يُمثلون بين يدي «السيمرغ» تكون أشخاصهم قد انمحت وزالت الحجب بينهم وبين ملكهم، وعندما ينظرون إليه يُشاهدون فيه «سي مرغ» (ثلاثين طائرًا) وبذلك يرون كثرة في وحدة. فإذا ما نظروا إلى أنفسهم — أي إلى سي مرغ (ثلاثين طائرًا) — شاهدوا «السيمرغ» وحده. فتأخذهم الحيرة ويسألون فيقال لهم: إن هذه الحضرة مرآة، فمن جاءها لا يرى إلا نفسه، جئتم سي مرغ (ثلاثين طائرًا) فرأيتم «السيمرغ».

فالطير في النفوس البشرية، والسيمرغ هو «الحق»، والأودية هي مقامات الطريق الصوفي. لم تقطع الطير أودية حسية ولا طوت أرضًا مادية، بل كان سفرها رحلة باطنية صرفة في أودية معنوية: شاهَدُوا فيها عجائب النفس وأحوالها وما فيها من ظلمة ومن نور، ومن تعلُّق بأمور هذه الدنيا وحب للجَناب الإلهي الأقدس. فإذا وصلَت إلى الوادي الأخير، وقد صفت وتطهرت وارتفعت عنها الحجب، إذا بها مرآة صافية يَنعكِس على صفحتها جمال النور الإلهي، وإذا بها نجد «السيمرغ» — الذي هو طلبتها — في ذاتها، لا في شيء خارج عن ذاتها.

هذا التصوير الشعري الرائع للمعراج الصوفي لا يبعد كثيرًا — من حيث الشكل — عن تصوير الصوفية الأوائل للطريق ومقاماته وأحواله، ولكنه يختلف عنه اختلافًا جوهريًّا في الفكرة الاتحادية التي يستند إليها، وإذا نظرنا إلى تفاصيل وصف العطار للأودية التي يقطعها طيره، وجدنا شبهًا كبيرًا بينها وبين مقامات الصوفية وإن اختلفَت عنها في عددها وترتيبها وفي الوظيفة الروحية لكلٍّ منها؛ فوادي الطلب هو وادي الزهد والعزوف عن الدنيا وما يلزم ذلك من مجاهَدة النفس، وهو ما سماه دانتي ومتصوِّفة القرون الوسطى المسيحية باسم طريق التطهير، ووادي العِشق هو الذي تتهالَك فيه النفس على اتصالها بمعشوقها الأول بعد أن مسها شعاع من نُورِه الأزلي، وبه تبتدئ الحياة الصوفية الحقيقية، وفيه أول مراحل الكشف، ووادي المعرفة هو الذي يَرتفع فيه الحجاب وتتكشَّف الأسرار وتعرف كل نفس منزلتها من الحق، ومهما اختلفَت النفوس في درجات معرفتها بالله فإنها كلها مجمَّعة على شيء واحد، وهو أن الله تعالى هو مشهود الكل؛ لأنه في قلبِ كل عبدٍ مؤمن. يقول الله في حديث قدسي: «ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن.»

ووادي الاستغناء هو مقام العظمة حيث يظهر جلال الحق فيَنمحي فيه كل شيء، وحيث يفنى السالك عن نفسه ويَستغرق في الحب الإلهي، ووادي التوحيد هو مقام فناء الكثرة والتعدُّد، وتجلِّي الواحد الحق الذي لا كثرة فيه بحال، وبانمحاء الكثرة تنمحي أيضًا لوازمها من الزمان والمكان والتناهي، وهنا يتجلَّى الحق في صورة الجمال الشامل لكل شيء، الماحق لكل شيء، وفي هذه المنزلة من منازل الطريق الصوفي يَحصل الجذب، ووادي الحيرة هو مقام غلبة الشهود الإلهي في كل شيء، وهي حال لا يُدركها العقل ولا تحتملها قواه، فيفقد السالك في هذا المقام نفسه كما يفقد العالَم ولا يَدري أهو فان أم باق، ولكنه يَدري شيئًا واحدًا وهو أنه عاشق، وأن المعشوق معروف له وحده كما يقول الشاعر:

صحَّ عند الناس أني عاشق
غير أن لم يعرفوا عشقي لمن

وهذه هي الحال التي سماها ديونسيوس الأريوباعي بالظلام الإلهي، وتبعه في هذه التسمية متصوفة القرون الوسطى المسيحية.

والوادي السابع هو وادي الفقر والغناء، وهو آخر الأودية، وفيه يتَّحد المحب والمحبوب وتنطوي الموجة في البحر المحيط. فهي حال يرجع فيها الفرع إلى أصله والجزء إلى كله، ولكنها عودة غير مسبوقة بفراق، واتصال غير مسبوق بانفصال حقيقي، والذي أوهم الانفصال هو الحجاب، بل ما لا يتناهى من الحجب. فلما زالت الحجب ظهرت الحقيقة.

ومن الصوفية من صوَّروا المعراج الروحي بصورة أشبه ما تكون بصورة المعراج النبوي؛ ففسروا المعراج النبوي تفسيرًا صوفيًّا وشرحوا مغازيه الروحية، ومن هؤلاء محيي الدين بن عربي المُتوفَّى سنة ٦٣٨ الذي وصف في كتبه أكثر من معراج واحد للصوفية، وصور هذه المعارج في صور مختلفة نقتصر على ذكر أهمها:

وردت إحدى هذه الصور في كتابه «الإسرا إلى المقام الأسرى»: وهو بحث في مغزى المعراج الذي هو في نظره ترقٍّ باطنيٌّ يظهر فيه ما يتجلَّى للسالك من أنواع الكشف، وخلاصته ما يأتي: أن الصوفية هم ورثة النبي المتبعون لشرعه وسنته، يصلون إلى الحضرة الإلهية بدوام ذكر الله والتأمل في أسرار القرآن، و«البُراق» الذي يحملهم سريعًا في رحلتهم إلى الله هو «المحبة الإلهية»، و«المسجد الأقصى» هو النور والحق. إذا وصلوا إلى هذا المسجد وقفوا إلى جانب حائطه كما فعل النبي، وهذا الحائط رمز لصفاء القلب لأنه لا يدخل المسجد الأقصى غير المتطهِّرين، وإذا هم شربوا «اللبن» (الذي هو رمز للعلم الذوقي) طرقوا أبواب السماء، وطرق أبواب السماء رمز لمجاهدة النفس، وخلف أبواب السماء يرون الجنة والنار فينظرون بعينهم اليمنى إلى نعيم أهل الجنة، وبعينهم اليسرى إلى نعيم أهل النار.١ يصلون إلى «شجرة المنتهى» التي هي رمز للإيمان ويملئون بطونهم من ثمارها، وهكذا يصلون إلى غاية طريقهم حيث ترتفع عنهم الحجب وتنكشف لهم الأسرار.

فالمعراج الصوفي عند ابن عربي كما يشرحه في هذا الكتاب هو ترقي النفس من عالم الشهوات (المرموز إليه بالجحيم) إلى عالم الروح الخالص (المرموز إليه بالنعيم)، أو هو إحياء النفس بالإيمان الخالص والفضائل الدينية الحاصلين عن طريق المجاهَدة.

ولكن أكمل صورة صور فيها ابن عربي المعراج الروحي على الإطلاق هي التي وردت في الجزء الثاني من كتاب الفتوحات المكية٢ تحت عنوان «كيمياء السعادة»، وفيها يتصوَّر المعراج رمزًا لحياة النفس في هذا العالم الذي وضعها الله فيه لكي تصل كمالاتها وتحظى في النهاية بمقصودها الأعظم وهو شهود الله. أما سبب تسميته هذا الباب بكيمياء السعادة فذلك لأن التحوُّل في الحياة النفسية أشبه شيء بتحول العناصر الطبيعية الخسيسة إلى الذهب في الكيمياء الطبيعية؛ ولذلك يذهب في الموازنة بين نوعي الكيمياء إلى أقصى درجة ممكنة، فهو يتكلم عن عناصر النفوس وإكسيرها وتحولها إلى أكمل صورها وردها إلى أصلها وما إلى ذلك من الأساليب والعبارات التي يستعملها عادةً الكيميائيون الطبيعيون كما يستعملها أصحاب الكتابات الهرمسية يشيرون بها إلى نوعٍ من التغير الروحي في طبيعة النفس.

فكيمياء السعادة هي عملية تحويل عناصر النفوس الإنسانية إلى الإكسير الروحي الخالص، ولكي يتم للنفوس ذلك لا بد لها من معرفة ذلك الأصل — الله — الذي استخلفها في الأبدان وغرس فيها حب المعرفة التي تُوصل إليه، ولكن أي نوع من المعرفة تلك التي تُوصِّل إلى الحق؟ ليست هي المعرفة المستندة إلى العقل والنظر العقلي، فإن العقل وحده قاصر عن أن يصل إلى حقيقة الله، ولا بد له من استمداد العون من الدين — من القوة الخارقة للطبيعة — لترشده في طريق الوصول إلى الله. نعم قد يُرشد العقل صاحبه في المراحل الأولى من الطريق إلى الله، ولكن المراحل النهائية لا يتوصَّل إليها إلا بنور إلهي يَحمل مشكاته الأنبياء ويَقتبسه عنهم الأولياء؛ ولهذا يَعتبر ابن عربي اتِّباع النبي والاسترشاد به أول شرط من شروط السلوك إلى الله، ويُنحي باللائمة على نظار المتكلمين والفلاسفة الذين يعتدون بعقولهم ويعتقدون أن فيها الكفاية والضمان للوصول إلى الحقيقة المطلقة.

لهذا نجده يتخيَّل في معراجه رجلَين؛ أحدهما تابع مقلد للرسول، والآخر فيلسوف صاحب نظر، وهما في طريقهما إلى الله، ويظهر بطريقة المقابلة بينهما نوع المعرفة التي يُحصِّلها كلٌّ منهما: العلم العَقلي الذي يُحصله صاحب النظر، والعلم الكشفي الذي يصل إليه «التابع» عن طريق الوراثة الروحية أو بنوعٍ من الذوق أو الإلهام.

ويقضي هذان السالكان أول مرحلة من مراحل الطريق إلى الله في الأخذ بالرياضة النفسية والمجاهَدة وتهذيب الأخلاق. هذا بنظره، وذلك بمقتضى ما شرع له أستاذه وهو الرسول صاحب الشرع. فإذا فرغا من دور المجاهَدة وتخلَّصا من أسر الطبيعة، ولم يبقَ لهما من العالم العنصري إلا مقدار ما يحفظان به وجودهما، فتح لهما باب السماء: وهنا يَبتدئ معراجهما الروحي الذي يسيران فيه معًا، متصاحبين في أول الأمر، مفترقَين بعد ذلك.

وينتهي معراج صاحب النظر به إلى الحيرة والبلبلة واليأس والندم على ما أنفق من عمر وجهد. كما ينتهي معراج «التابع» (الصوفي) المستأنس بنور الإيمان إلى اليقين، وإلى حال من الشهود تَنكشِف له فيها أسرار الذات الإلهية والأسماء والصفات انكشافًا لا يستطيع التعبير عنه، وهذا هو مقام المعرفة الحقة والغبطة العظمى، ولكنه أيضًا مقام الصمت وهو آخر مقام في الطريق وآخر منزلة من منازل المعراج.

١  يرى ابن عربي أنه سيكون لأهل النار نعيم يُخالف نعيم أهل الجنة. يقول في فصوص الحكم:
وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم
على لذَّة فيها نعيم مباين
نعيم جنان الخلد فالأمر واحد
وبينهما عند التجلِّي تباين
يُسمَّى عذابًا من عذوبة طعمه
وذاك له كالقشر القشر صاين
الفصوص، ص٩٤
٢  الفتوحات المكية، ج٢، ص٣٥٦-٣٥٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١