وحدة الوجود في مذهب ابن عربي

لم تظهر فكرة وحدة الوجود في صورة نظرية كاملة متسقة قبل محيي الدين بن عربي المُتوفَّى سنة ٦٣٨، وإن ظهرت بعض الاتجاهات نحو هذه النظرية نجدها بين حين وآخر في أقوال الصوفية السابقين عليه، ولم يكن ابن عربي أول من أرسى دعائم مذهب كامل في وحدة الوجود وحسب، بل ظل حتى اليوم الممثل الأكبر لهذا المذهب، ولم يأت بعده ممن تكلموا في وحدة الوجود نثرًا أو شعرًا إلا كان متأثرًا به أو ناقلًا عنه، أو مرددًا لمعانيه بعبارات جديدة.

وعلى الرغم من هذا فقد حاول كثير من الكتاب قديمًا وحديثًا أن ينفوا عن ابن عربي القول بوحدة الوجود ظنًّا منهم أن هذا المذهب مذهبٌ ماديٌّ إلحاديٌّ لا يليق بوليٍّ مسلم من كبار أولياء الله، ولو عرفوا أن وحدة الوجود التي يقول بها ابن عربي ليس فيها من المادية شيء، وأنه كما يقول ابن تيمية: «فرَّق بين «الظاهر» و«المظاهر»، فكان بذلك أقرب القائلين بوحدة الوجود إلى روح الإسلام»، لما استبعدوا صدور هذا المذهب عنه، ولما أنكروا عليه مذهبًا يعد في طليعة المذاهب الفلسفية الصوفية العالمية، ولم يكن ابن عربي مجرد فيلسوف صوفي عني بالجانب النظري الثيوسوفي من التصوف، بل كان إلى جانب هذا من أرباب المواجد والأذواق، تكلم بلسان الكشف والإشراق كما تكلم بلسان العقل، فجمع بين القول بوحدة الوجود والقول بوحدة الشهود، وهذا هو موضع الحيرة فيه وسبب اختلاف الناس في أمره: فالذين ينكرون عليه القول بوحدة الوجود ينظرون إليه نظرتهم إلى غيره من أوائل الصوفية كالجنيد والشبلي وذي النون المصري، ويفسرون ما صدر عنه من أقوال في وحدة الوجود تفسيرهم للشطحات الصوفية، أو يعتبرونها على أكثر تقدير أقوالًا معبرة عن وحدة الشهود، مع أنها أقوال لا يمكن صرفها عن ظاهر معناها إلا بضرب من التعسف لا مبرر له.

والحقيقة أنه لا ينكر على ابن عربي القول بوحدة الوجود إلا جاهل أو مكابر، فإن كل فقرة من فقرات كتابه «فصوص الحكم» وكثيرًا مما يقوله في «الفتوحات المكية» ينطق بما لا يدع مجالًا للشك بأن له مذهبًا في وحدة الوجود مَلَكَ عليه زمام عقله وروحه وتفرع عنه كل ما ذكره من مسائل الفلسفة والتصوف الكبرى كمسائل الألوهية والبشرية، والمعرفة الإنسانية والحياة النفسية، والمحبة الإلهية، والأديان، والأخلاق، وأمور الآخرة، إلى غير ذلك مما يمكن وصفه بأنه يمثل فروع شجرة واحدة يغذيها أصل واحد.

وقد أشرنا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب إلى نظريات ابن عربي في المحبة الإلهية وغيرها وبيَّنا صلتها بمذهبه العام، والآن نعرض في شيء من التفصيل قضيته الكبرى التي هي أصل هذه النظريات.١ يرى ابن عربي أن الوجود بأسره حقيقة واحدة ليس فيها ثنائية ولا تعدد، على الرغم مما يبدو لحواسنا من كثرة في الموجودات في العالم الخارجي وما نقرره بعقولنا من ثنائية الله والعالم: الحق والخلق، ولكن الحق والخلق عنده اسمان أو وجهان لحقيقة واحدة، إذا نظرت إليها من ناحية وِحْدتها سميتها حقًّا، وإن نظرت إليها من ناحية تعددها سميتها خلقًا، ولكنهما اسمان لمسمى واحد:
فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا
وليس خلقًا بهذا الوجه فأدركوا
جمِّع وفرِّق فإن العين واحدة
وهي الكثيرة لا تبقي ولا تذر٢

هذه في نظر ابن عربي قضية بديهية لا تقبل الشك ولا الدليل، ولكنها في الوقت نفسه تقبل التحقيق عن طريق التجربة الصوفية التي يدرك فيها الصوفي في حال فنائه عن نفسه وعن الخلق وحدته الذاتية مع الحق، والعقل وحده — غير المؤيد بالكشف والذوق — لا يقوى على إدراك هذه الوحدة.

يصرح ابن عربي بهذه العقيدة في عبارات قوية جريئة لا مواربة فيها، من ذلك قوله: «فسبحان من أظهر الأشياء وهو عينها.»

فما نظرت عيني إلى غير وجهه
ولا سمعت أذني خلاف كلامه٣
وقوله: «وقد ثبت عند المحققين أنه ما في الوجود إلا الله، ونحن وإن كنا موجودين فإنما كان وجودنا به. فمن كان وجوده بغيره فهو في حكم العدم.»٤

وقوله:

ممن تَفِرُّ وما في الكون إلا هو
وهل يجوز عليه «هو» أو ما هو؟
إن قلت «هو» فشهود العين تنكره
أو قلت «ما هو» «فما هو» ليس إلا هو
فلا تَفِر ولا تركن إلى طلب
فكل شيء تراه ذلك الله٥

وقوله:

يا خالق الأشياء في نفسه
أنت لما تخلقه جامع
تخلق ما لا ينتهي كنهه
فيك فأنت الضيق الواسع٦
هذه العبارات وأمثالها مما تفيض به مؤلفات ابن عربي صريحة في تقرير وحدة الوجود صراحةً صارخةً، وليس في تأويلها إلى غير ما يفهم من ظاهرها إلا إفسادها، ولكن ابن عربي يواجه مشكلة الكثرة في الوجود — وهي كثرة تشهد بها الحواس ويقرها العقل — ويحاول أن يفسرها على أساس أنها صور ومجال تتجلى فيها الصفات الإلهية التي هي عين الذات، أو على أنها أوهام اخترعها العقل بأدواته ومقولاته، وللحق عند ابن عربي معنيان: الأول «الحق في ذاته» وهو حقيقة مطلقة لا نعرفها ولا نتصل بها بوجه من الوجوه، والحق كما يبدو لنا في تجلياته في الوجود، وهو بهذا المعنى مرادف للخلق؛ ولذلك كان للحقيقة الوجودية وجهان: حق وخلق، وهي الواحد والكثير، والقديم والحادث، والظاهر والباطن، والأول والآخر، وغير ذلك من الأضداد. فإذا نظرت إلى الحق من حيث ذاته فهو الناظر إلى نفسه، وهذا مقام الوحدة، وإذا نظرت إليه من حيث تجلياته نظرت إليه من مقام الكثرة. كما عبر عن ذلك أفلوطين حيث قال: إن «الواحد الأول في كل مكان وهو مع ذلك لا في مكان.»٧

فالتفرقة بين الحق والخلق، أو بين الواحد والكثير، تفرقة منطقية يقول بها العقل لا الذوق الصوفي، وهي تفرقة في ظاهر الأمر لا في حقيقته: كالتفرقة بين الجوهر وأعراضه، وهما في الواقع حقيقة واحدة وإن تصور العقل الفصلَ بينهما. فالذي يحدث الكثرة في الوجود هي أحكامنا على الموجودات، أما حقيقة الموجودات فواحدة.

في هذا الجانب من فلسفة ابن عربي — وهو ما يصح أن نسميه بالجانب المنطقي أو الفلسفي — أثر ظاهر لثلاثة تيارات من الفكر: الأول نظرية أفلوطين الإسكندري في الواحد والكثير، والثاني نظرية الأشاعرة في الجوهر والأعراض، والثالث نظرية الحلاج في اللاهوت والناسوت: إذ الناسوت عند الحلاج هو المظهر الخارجي للاهوت، يقول:

سبحان من أظهر ناسُوتُه
سِرَّ سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا لخلقه ظاهرًا
في صورة الآكل والشارب
حتى لقد عاينه خلقه
كلحظة الحاجب بالحاجب

ومع هذا، فالفرق بين ابن عربي من ناحية، وبين أفلوطين والأشاعرة والحلاج من ناحية أخرى، فرق جوهري وأساسي، ومذهبه مختلف عن مذاهبهم.

وتمشيًا مع منطق العقل — لا الكشف — يحاول ابن عربي أن يفسر العلاقة بين الواحد والكثير، ويلجأ في ذلك إلى ضروب من التمثيل والتشبيه قد تعين بعض الشيء على فهم هذه المشكلة المعقدة، ولكنها قد تبلبل فكر القارئ الذي يأخذها بحرفيتها وإشاراتها المادية. من ذلك تمثيلية الذات الإلهية بشيء منعكسة صوره على مرايا، والكثرةَ الوجودية بالمرايا التي ينعكس عليها صور ذلك الشيء. أو تمثيله الذات الإلهية بالواحد العددي، والكثرةَ الوجودية بسائر الأعداد التي تستمد وجودها من «الواحد». أو تمثيله الذات الإلهية بالجسم، والكثرة الوجودية بأعضاء الجسم التي لا وجود لها ولا كيان بغير الجسم، وهذا التشبيه الأخير ممعن في المادية.

وللحقيقة الوجودية في تنزلها إلى علمنا ثلاث مراتب: مرتبة «الأحدية المطلقة»، وهي مرتبة الذات أو مرتبة «العماء»، ونحن لا نعرف عن الذات الإلهية — من حيث هي — شيئًا، ولا نستطيع أن نصفها بشيء سوى محض الوجود لأنها من هذه الحيثية مجردة عن كل اسم ووصف وإضافة، والثانية مرتبة «الواحدية» وهي المرتبة التي تتجلى فيها الذات في مجالي الأسماء والصفات، أو هي مرتبة «الحق» أو الله بالمعنى الديني، ولكن الأسماء والصفات الإلهية هي من ناحية عينُ الذات (كما يقول المعتزلة)، ومن ناحية أخرى عينُ العالم الخارجي إذ ليس العالم الخارجي عند ابن عربي سوى مجموعة من المجالي والمظاهر التي تتجلى فيها الذات الواحدة فيما لا يتناهى من الصور. فالعالم الخارجي هو مجموعة صفات الله، ووجود الذات فيه وجود مقيد نسبي لأنه وجود متعين في صور أعيان الممكنات، أو متعين في النسب والإضافات التي نطلق عليها اسم الصفات، ومن هنا كانت الموجودات كلها صفات للحق كما يقول ابن عربي: «فما وصفناه (أي الحق) بوصف إلا كنا (أي المحدثات) ذلك الوصف.» ويقول: «فهو تعالى المسمى بكل اسم لمسمى في العالم مما له أثر في الكون.»٨
وفي هذه المرتبة ندرك الفرق بين الإله والمألوه، والخالق والمخلوق، والمطلق والنسبي، والحق والخلق. أما في مرتبة العلماء — أو الإطلاق الصرف — فلا ندرك هذه المعاني؛ ولهذا يخطِّئ ابن عربي الغزالي ومن يرى رأيه من الحكماء في زعمهم أن الله تعالى يمكن أن يُعرَف من غير نظر في العالم، فيقول: «نعم تعرف ذات قديمة أزلية، لا تعرف أنها إله حتى يعرف المألوه، فهو (أي المألوه) عين الدليل عليه.»٩
والصلة بين المرتبة الأولى والمرتبة الثانية أشبه بالصلة بين ما هو بالقوة وما هو بالفعل، ولكنه خروج لما بالقوة إلى ما بالفعل غير محدود بزمان؛ إذ لا أول له ولا نهاية، بل التجلي الإلهي عملية أزلية أبدية أو عملية خلق مستمر، الغاية منه معرفة الحق بظهور أسمائه وصفاته على صفحة الوجود. بهذا يفسر ابن عربي معنى «الخلق» وسره، ويشير إلى الحديث القدسي الذي يقول الله فيه: «كنت كنزًا مخفيًّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فبي (أو فبه) عرفوني.» وكذلك يشرح سر خلق الإنسان بأنه إظهار للكمالات الإلهية في صورة جامعة يرى فيها الحق نفسه، فيقول:
لما شاء الحق من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها، وإن شئت قلت أن يرى عينه، في كون جامع يحصر الأمر كله، لكونه متصفًا بالوجود، ويظهر به سره إليه: فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير هذا المحل ولا تجليه له … إلخ.١٠

أي لما شاء الحق ذلك أوجد الإنسان، أو أظهر صفاته وأسماءه في أكمل صورة خلقية هي الصورة الإنسانية.

والمرتبة الثالثة مرتبة شهود الحق في قلب الصوفي حيث تمحى الكثرة وتتجلى الوحدة ويفنى المتناهي في اللامتناهي، وفي هذا الحال لا يرى الصوفي لنفسه ولا للعالم الخارجي وجودًا، وإنما يرى الله وحده ويعرف معرفةً ذوقيةً عن طريق اتصاله به، ويتحقق بوحدته الذاتية معه.

هذا هو الجانب الميتافيزيقي لمذهب ابن عربي في طبيعة الوجود، ويلزم عنه منطقيًّا أنه لا محل فيه لفكرة الألوهية بمعناها الديني المعروف: أي لا محل فيه لإله خالق للعالم بالمعنى المعروف لكلمة الخلق، معبود محبوب، مدبر للكون، عالم مريد، سميع بصير، إلى غير ذلك من صفات «الشخصية» التي تخلعها الأديان على الله، وابن عربي لا ينكر صفات التنزيه التي تقول بها الأديان كالقدم والأزلية والواحدية والوجود الذاتي ونحو ذلك من صفات السلوب، ولكنه يئول أسماء المعاني التي وصف بها الله نفسه تأويلًا يخرجها إلى حدٍّ كبيرٍ عن ظاهر معناها ويجعلها أكثر تمشيًّا مع فكرته الفلسفية العامة، وهو يلجأ في ذلك إلى حيل لغوية غريبة يظهر فيها أثر منهجه «الظاهري». فاسم «الجبار» عنده مشتقٌّ من «الجبر»، والحق جبار بمعنى أنه عنصر الضرورة والوجوب الذي يجعل الكائنات تظهر على نحو ما هي عليه، فهي تخضع لضرورة ذاتية إذ تخضع للحق المتجلي فيها، والاسم «الغفار» مشتقٌّ من «غفر» بمعنى غطى، والحق غفار بمعنى أنه «يغطي» ذاته في صور أعيان الممكنات، والاسم «العدل» مشتقٌّ من عدل بمعنى مَالَ، والحق عدل لأنه مال من حضرة الوجوب الذاتي إلى حضرة الوجوب بالغير، والاسم «الحفيظ» مشتقٌّ من حفظ بمعنى صان، والله هو الحفيظ بمعنى المقوِّم والصائن لوجود كل شيء بذاته، وهو العليم بمعنى الذي يعلم نفسه بنفسه في تجليه الذاتي لنفسه، وهو السميع بمعنى الذي يسمع الكلام الذاتي للموجودات في حال ثبوتها، وهكذا وهكذا.١١
من هذا يتضح أن ابن عربي موزع الفكر بين تصورين مختلفين للأولهية: بين إله وحدة الوجود الذي هو مبدأ ميتافيزيقي مجرد من الصفات المشخصة، وإله الأديان الذي له هذه الصفات، وهو يحاول جاهدًا أن يوفق بين التصورين فلا يصيب في هذا التوفيق إلا قليلًا من النجاح، ولكن الذي لا شك فيه أنه يدين بوجود إلهٍ ما يتشبث بعبادته وحبه والتقرب إليه. بل إن عاطفته الدينية لترتفع في حرارتها أحيانًا إلى الحد الذي لا يدانيها فيه عاطفة الرجل المؤمن غير المتفلسف، وترى من خلالها قوة الإيمان وصدقه. استمع إليه وهو يصف افتقار الموجودات كلها إلى الله بمعنى تقومها ووجوب وجودها به:
قال تعالى تشريفًا لجميع الموجودات وشهادةً لهم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ. فالفقراء هم الذين يفتقرون إلى كل شيء من حيث أن ذلك الشيء هو مسمى الله، فإن الحقيقة تأبى أن يفتقر إلى غير الله، وقد أخبر الله أن الناس فقراء إلى الله على الإطلاق، والفقر حاصل منهم، فعلمنا أن الحق ظهر في صورة كل ما يفتقر إليه فيه. فلا يفتقر إلى الفقراء إلى الله بهذه المثابة شيء، وهم يفتقرون إلى كل شيء. فالناس محجوبون بالأشياء عن الله، وهؤلاء السادة (يقصد فقراء الصوفية) ينظرون الأشياء مظاهر الحق تجلى فيها لعباده حتى في كل أعيانهم فيفتقر الإنسان إلى سمعه وبصره وجميع ما يفتقر إليه من جوارحه وإدراكاته ظاهرًا وباطنًا، وقد أخبر الحق في الحديث الصحيح أن الله سمع العبد وبصره ويده، فما افتقر هذا الفقير إلا إلى الله في افتقاره إلى سمعه وبصره. فسمعه وبصره إذن مظهر الحق ومجلاه، وكذلك جميع الأشياء بهذه المثابة. فما ألطف سريان الحق في الموجودات وسريان بعضها في بعض … فهذا حال الفقراء إلى الله لا ما توهمه من لا علم له بطريق القوم. قال أبو يزيد البسطامي: يا رب بماذا أتقرب إليك؟ قال: بما ليس لي: الذلة والافتقار.١٢

فالله الذي تصوره ابن عربي مبدأ الوجود وأصل كل موجود هو وحده الغني على الإطلاق، وكل موجود مفتقرٌ إليه على الحقيقة، وما يبدو من افتقار الموجودات إلى الأسباب وهمٌ وخداعٌ؛ لأن الذي يُفْتَقَر إليه على الحقيقة هو الحق المتجلي في صورة هذه الأسباب لا الأسباب نفسها.

هكذا يهدم ابن عربي فكرة السببية الطبيعية ليقيم مقامها السببية الإلهية؛ إذ الحق وحده هو الفاعل لكل شيء، وهو وحده الذي يمد الموجودات بما تفتقر إليه من حاجات، وبالطريقة عينها يبرز من خلال نظريته في وحدة الوجود سائر المعاني الدينية العميقة كالربوبية والعبودية والألوهية والمألوهية والرحمة والمحبة والتدبير والخلق وغير ذلك ويعرضها في صور جديدة لا عهد لمفكري الإسلام بها من قبله.

والنتيجة التي نستخلصها من كل ما تقدم هي أن وحدة الوجود التي يقول بها ابن عربي ليست وحدة وجود مادية بمعنى أن الحقيقة الوجودية هي ذلك العالم المادي الماثل أمام حواسنا، ولكنها وحدة وجود مثالية أو روحية تقرر وجود حقيقية عليا هي الحق الظاهر في صور الموجودات، وتعتبر وجود العالم بمثابة الظل لصاحب الظل؛ ولهذا يحرص ابن عربي على القول بأن الحق منزه مشبه معًا، فتنزيهه في وحدته الذاتية ومخالفته للحوادث، وتشبيهه في تجليه بصورها، وتختلف درجة توكيده لجانب التنزيه أو جانب التشبيه باختلاف الحال التي يكتب فيها، فقد يغلب عليه لسان التشبيه حتى تكاد تظنه ماديًّا، وقد تغلب عليه العاطفة الدينية فيتكلم بلسان التنزيه وينكر كل مناسبة بين الله والمخلوقات. يقول في كلامه عن تجريد التوحيد: «إذ لا مناسبة بين الله تعالى وبين خلقه البتة، فإن أطلقت المناسبة يومًا عليه كما أطلقها أبو حامد الغزالي رضي الله عنه في كتبه، وغيره، فبضرب من التكلف وبمرمى بعيد عن الحقائق، وإلا فأي نسبة بين المحدث والقديم، وكيف يشبه من لا يقبل المثل من يقبل المثل؟ هذا محال. كما قال أبو العباس بن العريف الصنهاجي في «محاسن المجالس» التي تعزى إليه: «ليس بينه وبين العباد نَسبٌ إلا العناية، ولا سببٌ إلا الحكم، ولا وقتٌ إلا الأزل، وما بقي فعمًى وتلبيس.» فانظر ما أحسن هذا الكلام وما أتم هذه المعرفة بالله وما أقدس هذه المشاهدة.»١٣

(١) وحدة الوجود والمذهب الأفلاطوني الحديث

سبق أن ذكرنا أن في مذهب ابن عربي في وحدة الوجود عناصر استمدها من نظرية أفلوطين الإسكندري في «الواحد والكثير» ونظرية الأشاعرة في «الجوهر والأعراض»، وقررنا أن مذهبه في نهاية التحليل مذهب خاص به يختلف اختلافًا جوهريًّا عن هاتين النظريتين، والآن نزيد القول تفصيلًا في وجه الشبه ووجوه الاختلاف بين نظرية ابن عربي في تجلي الحق في صور الموجودات ونظرية أفلوطين في صدور الكثرة عن الواحد.

يبدأ التعدد في الوجود — على مذهب أفلوطين — بصدور العقل الأول عن «الواحد»، إذ العقل الأول وهو المعلول الأول مثلَّث الجهات، يصدر عنه باعتبار هذه الجهات الثلاث عقل ثان ونفس وجسم، وكذلك الحال في العقل القاني والعقل الثالث وما يليهما من العقول، وتستمر الصدورات حتى نصل في نهاية حلقات السلسلة إلى العالم الذي نعرفه، وإذن فليس «الواحد» هو هذا العالم ولا جزءًا منه ولا شيئًا فيه ولا وجهًا من وجوهه.

ولهذا ننكر أن نظرية الفيوضات الأفلوطينية نظرية في وحدة الوجود خلافًا للكتَّاب الذين يميلون إلى اعتبارها كذلك. أما نظرية ابن عربي فنظرية في التجليات الإلهية، أي في الموجود الواحد المتجلي في الموجودات المتكثرة، لا في الموجود الواحد الذي فاضت عنه، عن طريق الوساطات، الموجودات المتكثرة. نعم قد يفسر فكرته عن صدور الكثرة من الواحد بأنه تفتح الصور الوجودية في النَّفَس الرحماني، أو أنه تطور داخلي في ذات الحق ونحو ذلك مما يشعر بقربه من فكرة أفلوطين، ولكنه في الحقيقة أقرب إلى هيجل منه إلى أفلوطين: لأن كلمات «التفتح» و«التطور» و«التنزل» وما شاكلها كلمات لها دلالات منطقية لا واقعية؛ أي إنها كلمات لها مغزاها في نظرية مثالية في طبيعة الوجود قائمة على الجدل المحض كما يقول هيجل وليس في الوجود مجال لكثرة حقيقية ولا تعدد بأي معنى لموجودات مستقلة بعضها عن الآخر أو عن «الكل».

وظهور الكثرة عن الواحد في نظرية ابن عربي حركة دائرية لا مستقيمة كحركة الصدورات الأفلوطينية: فعند الأول يصدر عن الواحد كل شيء ويعود إليه كل شيء في حركة لا نهاية لها، أما عند الثاني فلا تلحق حلقة من حلقات سلسلة الصدورات بحلقة أخرى ولا تعود إلى الواحد، وكأن ابن عربي يرد على أفلوطين وينكر عليه نظريته وهو يقول:
فكان خروجنا من العدم إلى الوجود به سبحانه، وإليه نرجع كما قال عز وجل: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ. ألا تراك إذا بدأت وضع دائرة فإنك تبتدئ بها لا تزال تديرها إلى أن تنتهي إلى أولها، وحينئذٍ تكون دائرة؟ ولو لم يكن الأمر كذلك، لكنا إذا خرجنا من عنده خطًّا مستقيمًا لم نرجع إليه، ولم يكن يصدق قوله — وهو الصادق — وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. فكل أمر وكل موجود فهو دائرة تعود إلى ما كان منه بدؤها.١٤
١  نحيل القارئ هنا إلى كتابنا: The Mystical Philosophy of Muhyid-Din Ibn Arabi: Cambridge University Press, 1939.
وكذلك إلى تعليقاتنا على فصوص الحكم لابن عربي، القاهرة سنة ١٩٤٦، ففيها تفصيلات أوفى عن مذهب ابن عربي برمته.
٢  فصوص الحكم، ص٧٩.
٣  الفتوحات، ج٢، ص٦٠٤، س٥ من أسفل.
٤  الفتوحات، ج١، ص٣٦٣.
٥  الفتوحات، ج٢، ص٢٠٦.
٦  فصوص الحكم، ص٨٨.
٧  التاسوعات، ٣: ٩: ٣.
٨  الفتوحات، ج٤، ص٢٥١.
٩  فصوص الحكم، ص٨١.
١٠  فصوص الحكم، ص٤٨.
١١  انظر في كل هذا الفتوحات، ج٤، ص٢٥٠–٤٢١.
١٢  الفتوحات، ج٢، ص٢١.
١٣  الفتوحات، ج١، ص١١٩.
١٤  الفتوحات، ج١، ص٣٣٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١