الفصل السابع

من امرئ القيس إلى الأعشى

قال نيكلسون في ص١٠٥ من كتابه: «أما معلقة امرئ القيس فقد تسابق النقاد الأوروبيون إلى التغني بجمال تعبيرها، والتحدث بفاخر تصويرها، وحلاوة تدفق أبياتها، وسحر تمثيلها المنوع، ومما زاد إعجابهم بها ذلك الشعور بأفراح الحياة وتمجيد الشباب، الذي أوحى إلى الشاعر معانيها الخلابة ومبانيها البالغة أعلى درجات الفصاحة.» وبالجملة فقد امتاز امرؤ القيس بإجماع علماء الشرق والغرب بالإبداع في الغزل، كما امتاز بقوة الخيال في مخاطبة الذئب بعد أن جرد منه شخصًا خياليًّا، ولعمري إنَّ قصيدة ألفريد دي فيني أحد أعضاء أكاديمية فرنسا في «موت الذئب» لا تضارع في مجموعها أبيات امرئ القيس، وإن كانت فكرة الشاعر العربي هي التي أوحت — بلا أدنى ريب — إلى الشاعر الفرنسي قصيدته الشهيرة، ولم يقصر امرؤ القيس في مجال الوصف الصادق نقلًا عن الطبيعة كوصفه الجياد والإبل والصيد، وكان امرؤ القيس يأخذ شعره عن المشاهدة حقًّا، ولدينا نص قديم يؤيد ذلك، نقل علي بن حمزة في كتابه عن الرواة قال: «إنَّ رؤبة بن العجاج الراجز المتوفى في وسط القرن الثاني سُئل عن قول امرئ القيس:

نَطعنُهُم سُلْكىَ ومخلوجةً
كَرَّكَ لأمين على نابل

فقال: حدثني أبي عن أبيه قال: حدثتني عمتي، وكانت في بني دارم قالت: سألت امرأ القيس وهو يشرب طلى له مع علقمة بن عبدة: ما معنى قولك «كرك لأمين»؟ قال امرؤ القيس: مررت بنابل وصاحبه يناوله فما رأيت أسرع منه فشبهت به.» وقد اختلف النقاد في شرح هذا البيت، وفسره أعرابيٌّ بالبادية للأصمعي، ومعناه: نطعنهم بالسهام بسرعة شديدة طعنًا مستويًا ومعوجًّا عن يمين وشمال.

على أنه إن جاز لمجازف أن يشك في أحد من الشعراء، فامرؤ القيس آخر من يشك فيه؛ لأنه من شعراء الدنيا القلائل الذين ابتدعوا فأبدعوا، واختطوا خطة سار عليها من خلفهم مقتديًا أو مقلدًا، فهو الذي سبق شعراء العرب في استيقاف الصحب، والبكاء على الديار، ورقة النسيب، وقرب المأخذ، وتشبيه النساء بالظباء، والخيل بالعقبان والعصي، وهذه كلها فنون في صنعة الشعر جددها امرؤ القيس وأوجدها، وروحها ظاهر في كل شعره الذي رواه ونقده وضبطه ثمانية رواة ثقات أثبتنا أسماءهم في صفحة [رواة البدو والحضر]، وغربله نقاد الإفرنج وعلماء المشرقيات وبحثوه وفسروه بلغاتهم، ثم جزموا بصحته وصحة نسبته إليه.

وقد رُوي عن الرسول وصفه بأنه أشعر شعراء الجاهلية؛ لأنه قائدهم، ولا يقود قومًا إلا أميرهم، وقال عمر بن الخطاب وكان ثقة في علم الشعر وروايته: امرؤ القيس سابقهم خسف لهم عين الشعر، فافتقر عن معانٍ عور أصح بصرًا.

وقال عنه علي بن أبي طالب: رأيته أحسنهم نادرة، وأسبقهم بادرة، وإنه لم يقل لرغبة ولا لرهبة، وأثنى عليه رينان وكليمان هوار ونولدكه ونيكلسون، وكلهم من ثقات علماء المشرقيات.

أما زهير بن أبي سلمى، فقد كان من حكماء الشعراء في الجاهلية، وكانت له مبادئ في الألوهية والحكمة أنضجت فكره، وأكسبت نظمه طلاوة، وقد أضاف إلى جمال الحكمة وجلال التجاريب أنه كان ينظم القصيدة في أربعة شهور، وينقحها في مثلها، ويعرضها على الثقات من أصدقائه في بقية العام، فلا يذيعها إلا بعد حول، وهي القصائد الحوليات، وقد مات على الوثنية ويقال إنه أدرك الإسلام وقد أربى على المائة، فلقيه النبي فاستغاث بالله من شيطانه.

وكانوا يسمونه هو والنابغة من «عبيد الشعر»؛ لأنهما كانا يتكلفان إصلاحه، ويشغلان به خواطرهما وحواسهما، ومن عبيد الشعر في الجاهلية الحطيئة والنمر بن تولب العكلي الذي سبق ذكره، وكان النقاد يسمونه الكيس، ولهؤلاء العبيد لربة الشعر أمثال وأشباه في اليونان واللاتين وفرنسا الحديثة بوالو ورونسار وغيرهما.

وكان لبيد من أحدث أصحاب المعلقات سنًّا، وقد أسلم وعاصر النبي والخلفاء الراشدين، ومات في خلافة معاوية، وانقطع عن الشعر بعد الإسلام، وقال إنه استغنى عنه بالقرآن، وكان في وثنيته يميل للتدين كزهير، وللتألُّه أثار ظاهرة في شعره، وكان شاعرًا بدويًّا مفطورًا، ومعلقته صورة من عيشة الصحراء يترقرق في أبياتها الغضة ماء الحياة، ويعدها النقاد الإفرنج من أبلغ وأجمل ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي، ومعظم شعره صادر عن إحساسه الذاتي، فشعره صدى لصوت نفسه وحوادث حياته، كافتخاره بالتجسس لقومه على الأعداء، وشهامته في الدفاع عن الحقوق العامة في مجلس القوم بالحيرة، حيث بعثت به عشيرته نائبًا.

أما الأعشى فكان شاعرًا محترفًا يمدح من يمنح ويهجو من يمنع، وشهد بعض أئمة الأدب وعلماء الشعر بتفوقه على الشعراء، ومن القائلين بفضله على غيره أبو الفرج صاحب الأغاني، ولعل جمال شعره ودقة أسلوبه مكتسبان من حياته الحافلة بالأسفار والتنقل في أنحاء الجزيرة العربية، فتهذب وتثقف بالمشاهدة والاختبار، وقد أدرك الأعشى النبي محمدًا ووفد عليه فمدحه بقصيدة مطلعها:

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا
وعادك ما عاد السليم المسهدا
وما ذاك من عشق النساء وإنما
تناسيت قبل اليوم خلة مَهددا

ومنها يقول لناقته:

فآليت لا أَرثي لها من كَلالةٍ
ولا من حفًى حتى تزور محمدا
نبي يرى ما لا ترون وذكره
أغار لعمري في البلاد وأنجدا
متى ما تُناخي عند باب ابن هاشم
تُراحي وتَلقَى من فواضله يدا

وهذا الثناء هو الذي هاج غيظ أبا سفيان وأرعبه، فاعترض الأعشى وبغَّضه في صاحب الشريعة بذكر ما يحرمه من مُتع الحياة الوثنية كالحب المحرم والميسر والربا والخمر، فأفحمه الأعشى حتى أخجله، فاشترى أبو سفيان ضميره بمائة من الإبل جمعها من قريش، فقبل الأعشى هذا الثمن، وعاد أدراجه وعدل عن الإسلام.

وكان النابغة شاعر البلاط فقضى ردحًا من الزمن في ظلال الرفاهية الملكية ما دام مولاه عنه راضيًا، ثم حركت الأفاعي رءوسها وأخرجت ألسنة الدسائس، فانقلب الرضى سخطًا والإقبال نفورًا، وأصل البلاء فتنة المرأة وغدر الصديق، وفي هذه الكلمات الأربع موجز تاريخ النابغة، ولو أدرك النابغة الإسلام لاعتنقه؛ لأنه وصف نفسه بأنه «ذو أمة»؛ أي دين (ص٧٦ من ديوانه الذي نشره درنبورج)، ومن فضائله في فن الشعر أنه نبغ بالشعر بعدما احتنك، ومات قبل أن يهتر. وظاهر في شعره التنقيح والتثقيف، وهذا بالطبع راجع إلى عادته من أنه كان يصنع القصيدة، ثم يكرر نظره فيها خوفًا من التعقب بعد أن يكون قد فرغ من نظمها في يوم وليلة، ولا غرابة فقد كان كزهير من «عبيد الشعر».

وكما امتاز كل شاعر من شعراء الجاهلية الفحول بمواهب خاصة امتاز طرفة بأن كان شديدًا في الهجاء، يهجو العدو ويهزأ بالصديق، كما امتاز بضرب المثل، وقد أنفق ماله في شرب الخمر والجري وراء الملاذ، فكان مِتلافًا للمال قنَّاصًا للَّذَّات، فوصل المال ليده مرات وبدده، وتلك لعمرك فطرة كثيرين من الشعراء في كل عصر وفي كل أمة. ومهما تكن قيمة القصة التي تروى عن مطوحته في بلاط عمرو بن هند، فإن مرارة لسانه ورعونته وطمعه كانت من أسباب حتفه في عنفوان شبابه، وإنَّ في حياة هذا الشاعر الشاب الجميل الفصيح ما يشبه حياة جولد سميث في فقره وتشرده، ولورد بيرون في عشقه وجرأته، وإنَّ الشعراء والنابغين مهما اختلفت الشعوب التي ينتمون إليها، فبعضهم قريب إلى بعض بالأخلاق والخصال والخلق البدني، وقد مات طرفة في منتصف العقد الثاني ورثته أخته بقولها:

عددنا له ستًّا وعشرين حجة
فلما توفاها استوى سيدًا ضخما
فجعنا به لما رجونا إيابه
على خير حال لا وليدًا ولا قحما

وقد أجمع الرواة والشعراء على أنه في مقدمة المقلين؛ لأنه قتل صغيرًا، بل يعد من أصحاب القصيدة الواحدة.

وعمرو بن كلثوم من قبيلة تغلب، وأمه ليلى بنت المهلهل الشاعر، وشعره في معلقته يدل على أنه جمع في شخصه فضائل الرجولة التي مجدها العرب ورأسها الشجاعة والإقدام والاعتماد على النفس، ولا شك في أنَّ هذه الخصال المحمودة تقتضي المفاخرة، وما كانت المفاخرة الصادقة إلا دليلًا على الشعور بالقوة والتغني بها، فكان عمرو بن كلثوم بشيرًا بالإنسان الكامل، أو الرجل المتميز الذي أطلق عليه فلاسفة السكسون وصف سوبر مان، وإنَّ في شعره نسقًا وسياقًا يخالف بهما بقية الشعراء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠