الفصل التاسع

البربرية والمدنية

تتبَّعنا فيما سبق انحلال النظام القبلي في الأمثلة التفصيلية الكبرى الثلاث: الإغريق والرومان والألمان.

وسنبحث في النهاية الظروف الاقتصادية العامة التي حطَّت من شأن النظام القبلي للمجتمع في المرحلة العليا للبربرية وألغته تمامًا بقدوم المدنية، وفي هذا البحث سيكون كتاب «رأس المال» لماركس مهمًّا بقدر أهمية كتاب مورجان.

فعندما خرجت السلالة من المرحلة الوسطى للوحشية ودخلت مرحلتها العليا، كانت السلالة في قمة مجدها، ونؤكد ذلك بقدر ما لدينا من معلومات عن المرحلة الدنيا للبربرية، ومن هذه المرحلة سنبدأ بحثنا.

ففي هذه المرحلة التي يُعتبر الهنود الأمريكيون مثلًا لها نجد النظام القبلي في قمة ازدهاره؛ فكل قبيلة كانت منقسمة إلى عدد من الفروع، يبلغ في معظم الحالات فرعين، وبازدياد عدد السكان انقسمت هذه الفروع الأصلية بدورها إلى عدة فروع. وكان الفرع الأصلي يُعتبر أخوَّة بالنسبة لهذه الفروع الجديدة. وانقسمت القبيلة بدورها إلى عدة قبائل نجد في كلٍّ منها في معظم الحالات الفروع القديمة، وفي بعض الحالات نجد اتحادًا للقبائل يضم القبائل المرتبطة برابطة القرابة. وكان هذا التنظيم البسيط كافيًا تمامًا للظروف الاجتماعية التي نشأ منها، فلم يكن أكثر من تجمُّع طبيعي قادر على حل كل المشاكل الداخلية المحتملة الوقوع في مجتمع منظم بهذا الشكل. وفيما يتعلق بالمشاكل الخارجية، فقد كانت تُسوى بالحرب التي كانت تنتهي بإفناء إحدى القبائل وليس بإخضاعها. وكان علو النظام القبلي وانخفاضه في نفس الوقت راجعًا إلى أنه لم يوجد مكان لحكام ومحكومين. ففي نطاق الشئون الداخلية لم يكن قد وُجد بعد أي تمييز بين الحقوق والواجبات، ومسألة ما إذا كانت المساهمة في الشئون العامة أو الانتقام للدم ونحوها تُعتبر واجبًا أو حقًّا، هذه المسألة لم تكن تشغل تفكير الهندي، وكانت تبدو له مثل الأكل والنوم والصيد، لا يهم أن كانت حقًّا أو واجبًا. ولم يكن ممكنًا أن تنقسم القبيلة والسلالة إلى طبقات اجتماعية. وهذا يقودنا إلى البحث عن الأسس الاقتصادية لهذه الظروف.

كان عدد الشعب قليلًا جدًّا ومبعثرًا في إقليم كبير، ولم يكن مركَّزًا إلا في موطن القبيلة تحيط به أرض الصيد الواسعة الخاصة بها، وبعدها غابة تُعتبر إقليمًا محايدًا يفصل القبيلة عن القبائل الأخرى. وكان تقسيم العمل بطريقة طبيعية مبسطة جدًّا؛ فقد كان تقسيمًا للعمل بين الرجل والمرأة فقط، فكان الرجال يذهبون للحرب والصيد والحصول على المواد الأولية للطعام والأدوات الضرورية لتحقيق هذا الغرض، وكانت النساء تتولى العناية بالبيت وإعداد الطعام والملابس والطهي والغسل والحياكة. وكان كلٌّ من الجنسين سيدًا في مجال نشاطه، الرجل في الغابة، والمرأة في البيت. وكان كلٌّ منهما يملك ما ينتجه أو يستخدمه من الأدوات؛ فكان الرجال يملكون الأسلحة وأدوات الصيد، وتملك النساء أثاث البيت. وكانت الوحدة المنزلية مشاعية تشمل عدة أسر،١ وكان كل شيء يُنتج يستعمله الجميع ويُعتبر ملكًا للجميع مثل المنزل والحديقة وقارب الصيد. وهنا فقط نجد الملكية المكتسبة التي قدَّمها الفقهاء والاقتصاديون زائفة إلى المجتمع المتمدن باعتبارها آخِر تعبير قانوني ترتكز عليه الملكية الرأسمالية الحديثة.

ولكن الإنسان لم يظل في هذه المرحلة في كل بقاع الأرض؛ ففي آسيا وجد حيوانات يمكن استئناسها وجمعها تحت سيطرته، وكان يصطاد البقر الوحشي، وكان البقر المستأنس يُنتج له عجلًا مرة كل سنة ويُدر له اللبن أيضًا. وقد قامت باستئناس الحيوانات عدد من أكثر القبائل تقدمًا وهم الآريون والساميون وربما التورانيون أيضًا. وبعد ذلك تكونت القطعان من الماشية التي أصبحت العمل الأساسي لهذه القبائل. وقد انشقت قبائل الرعاة من المجموعة العامة للبربريين، وكان هذا هو أول تقسيم اجتماعي كبير للعمل. وكانت هذه القبائل الرعاة تُنتج مواد غذائية وأنواعًا أكثر عن باقي المتبربرين؛ فقد كان عندها اللبن ومنتجاته واللحوم بكميات وفيرة عن الآخرين، كما كان لديها الجلود والصوف وشعر الماعز، والغزل والنسج اللذان حوَّلا المواد الخام المتزايدة إلى الاستعمال العام. وقد سبَّب ذلك للمرة الأولى التبادل المنتظم؛ ففي المراحل السابقة كانت عمليات التبادل تتم بصفة غير دورية، وربما كانت المقدرة الشخصية الاستثنائية في صنع الأسلحة والأدوات سببًا في إيجاد تقسيم سريع للعمل. وقد وُجدت مخلفات لا يمكن إنكارها لمصانع الأدوات الحجرية من الزمن النيوليثك في أمكنة كثيرة. وكان الصناع الذين نمت مقدرتهم في هذه المصانع يعملون للمجموعة كلها في الغالب كما يفعل الحرفيون الدائمون إلى الآن في المجتمعات القبلية الهندية. وعلى أي حال فلم يكن ممكنًا إيجاد أي نوع آخر من التبادل في القبيلة في هذه المرحلة، وحتى هذا النوع كان استثناءً. وبعد تبلور قبائل الرعاة وُجدت كل الظروف التي تمكِّن من وجود عمليات التبادل بين مختلف القبائل وتنميتها وتحولها إلى نظام عادي، وقد كانت القبائل في الأصل تُجري عمليات التبادل عن طريق رؤسائها. وعندما بدأت القطعان الحيوانية تتحول إلى الملكية الخاصة ازداد التبادل بين الأفراد تدريجيًّا حتى أصبح الشكل الوحيد للتبادل. وكانت المادة الرئيسية التي تقدِّمها قبائل الرعاة لجيرانها هي الماشية؛ فقد أصبحت الماشية هي السلعة التي كانت كل السلع الأخرى تُثمن بها، وكانت تُقبل في كل مكان في مقابل السلع الأخرى. وباختصار كانت الماشية تقوم مقام النقود في هذه المرحلة، وكانت هذه هي الضرورة التي تزايد بسببها طلب وجود سلعة نقدية في بداية تبادل السلع.

أما زراعة الحدائق، التي يَحْتَمِل أنها لم تكن معروفة لدى الآسيويين في المرحلة الدنيا للبربرية، فقد ظهرت عندهم على الأكثر في المرحلة الوسطى كخطوة تالية لزراعة الحقول. فإن مُناخ أراضي التورانيين العليا لا يسمح بحياة الرعي دون مدد إضافي من الطعام للشتاء الطويل القاسي؛ وعلى ذلك قد أصبحت زراعة القمح والحشائش ضرورية. ونفس الشيء ينطبق على منطقة الاستبس شمال البحر الأسود. أما القمح الذي كان فيما مضى طعامًا للحيوان فقد أصبح طعامًا للإنسان. وظلت الأرض المنزرعة مملوكة للقبيلة، وكانت أول أمرها مملوكة للسلالة التي وزعَتْها فيما بعد إلى الوحدات العائلية لاستعمالها، وأخيرًا منحت للأفراد حقوق الحيازة ليس إلا.

أما النجاح الصناعي في هذه المرحلة فأهم مظاهره اثنان، هما: آلات الغزل (النول)، واستخراج المعادن وأهمها القصدير والبرونز والنُّحاس. وكانت الأدوات والأسلحة تُصنع من البرونز ولكنه لم يستطع الحلول محل الأدوات الحجرية كليةً، وكان الحديد وحدَه هو الذي يستطيع ذلك ولكنه لم يكن قد استُخرج بعد. وبدأ استعمال الذهب والفضة في الحُلي، ولا بد أنهما كانا أعلى قيمة لديهم من البرونز والنُّحاس.

وقد مكَّنت الزيادة في كل فروع الإنتاج، في تربية الماشية والزراعة والحِرف المنزلية، مكَّنت هذه الزيادة قوة العمل الإنساني من إنتاج أكثر مما يحتاجه الإنسان، وزادت في الوقت نفسه كمية العمل اللازمة لكل عضو من أعضاء الأسرة أو الوحدة العائلية أو السلالة، وأصبحت إضافة عمل جديد أمرًا مرغوبًا فيه، وكانت هذه الإضافة ممكنة عن طريق الحروب وتحويل الأسرى إلى عبيد. وفي ظل الظروف التاريخية القائمة، ثم التقسيم الكبير الأول للعمل، وبزيادة القوة الإنتاجية للعمل، أي الثروة، وتوسيع نطاق الإنتاج، كل ذلك حمل معه الرق. ومن التقسيم الاجتماعي الكبير الأول للعمل نشأ التقسيم الكبير الأول للمجتمع إلى طبقتين: سادة وعبيد، مستغِلين ومستغَلين.

ولا نعلم إلى اليوم كيف ومتى تحولت الملكية الجماعية للقبيلة أو السلالة في القطعان إلى الملكية الفردية لأفراد العائلة، ولكن لا بد أن ذلك قد حدث بصفة رئيسية في هذه المرحلة. فالماشية وموضوعات الثروة الأخرى سببت ثورة في العائلة؛ فكسب العيش كان دائمًا عمل الرجل ولذلك كان يُنتج ويملك وسائل الإنتاج، وكانت الماشية هي الوسيلة الجديدة لكسب العيش، وكان استئناسها وتربيتها في الأصل عمل الرجل؛ وعلى ذلك فقد كان الرجل يملك القطيع والسلع والعبيد التي كانت الماشية تُبادَل بها. وكان كل الفائض من الإنتاج من نصيب الرجل، وكانت المرأة تشارك الرجل في استهلاك هذه الأشياء دون أن تشاركه في ملكيتها.

لقد كان الصياد والمحارب في عصر الوحشية قانعًا بأن يشغل المكان الثاني في بيته ويترك الرئاسة للمرأة. أما الراعي المسالم فقد اعتمد على ثروته للوصول إلى المكان الأول في البيت ودفع بالمرأة إلى المكان الثاني، ولم تستطع المرأة الاعتراض. ونظَّمَ تقسيم العمل في المنزل توزيع الملكية بين الرجل والمرأة.

وظل هذا التقسيم دون تغيُّر ومع ذلك فقد قلب العلاقة المنزلية السابقة رأسًا على عقب؛ لأن تقسيم العمل خارج العائلة كان قد تغيَّر. فالسبب الذي جعل المرأة فيما سبق سيدة المنزل، وهو كونها مسئولة عن العمل المنزلي، أكد الآن سيادة الرجل، وفقد عمل المرأة المنزلي قيمته بمقارنته بعمل الرجل في سبيل كسب العيش؛ فقد كان كسب العيش هو كل شيء وأصبح عمل المرأة مساهمة تافهة. وهنا نرى أن تحرر النساء ومساواتهن بالرجال تصبح مستحيلة، وتظل كذلك طالما بقيت النساء مبعَدة عن العمل الاجتماعي المنتِج ومختصة بالعمل المنزلي فقط وهو شيء خاص. ولا يصبح تحرير المرأة ممكنًا إلا عندما تتمكن المرأة من المساهمة في الإنتاج على نطاق واسع، وعندما يصبح العمل المنزلي شيئًا ثانويًّا بالنسبة لها. وقد أصبح هذا ممكنًا نتيجة الصناعة الحديثة الواسعة النطاق التي أصبحت مساهمة المرأة فيها ضرورية، وزيادة على ذلك فقد جعلت المرأة تكافح من أجل تحويل العمل المنزلي الخاص إلى وظيفة عامة.

وقد حطم حصول الرجل على السلطة في المنزل العائق الأخير أمام استبداده، وتأكد هذا الاستبداد واستمر بالقضاء على الانتساب للأم وتطبيق الانتساب للأب والتحول التدريجي من العائلة المكونة من فردين إلى الزواج الحديث، وقد كان ذلك ضربة للنظام القبلي؛ فقد أصبحت العائلة الزوجية الحديثة قوة وأصبحت تهديدًا للسلالة.

والخطوة الثانية تقودنا إلى المرحلة العليا للبربرية، وهي الفترة التي مرت خلالَها كلُّ الشعوب المتمدنة أثناءَ عصورها البطولية؛ فهي فترة السيف الحديدي والمحراث والفأس الحديديين.

وأصبح الحديد خادم الإنسان، وكان الحديد آخِر وأهم كل المواد الخام التي لعبت دورًا ثوريًّا في التاريخ، وهو آخر هذه المواد ظهورًا؛ فقد جعل الحديد زراعة الحقول ممكنة على نطاق واسع، كما مكَّن من قطع أشجار الغابات الممتدة وتهيئتها للزراعة، وقدَّم الحديد للحرفيين آلة من القوة والحدة لدرجة لا ينافسها أي حجر أو معدن آخر. وقد تم كل هذا تدريجيًّا؛ فأول حديد أُنتج كان غالبًا أقل صلابة من البرونز، واختفت الأسلحة الحجرية تدريجيًّا، وكانت الفئوس الحجرية لا تزال تُستعمل في القتال، كما جاء بأغنية هيلدبراند، وكما حدث في معركة هاستنجر سنة ١٠٦٦، وكان التقدم لا يمكن مقاومته. وفي المدن كانت تُبنى المنازل من الحجارة أو الطوب داخل حوائط المدن الحجرية ذات الأبراج والشرفات، وأصبحت مثل هذه المدن المقر المركزي للقبيلة أو اتحاد القبائل، وكانت سببًا في تقدُّم فن البناء، كما كانت دليلًا على الخطر المتزايد والحاجة للحماية. وازدادت الثروة سريعًا ولكنها كانت مملوكة للأفراد، كما ازداد التخصص في صناعة المعادن والحِرف الأخرى وتطور الفن الصناعي. وكانت الزراعة تمدهم بالحبوب والخضروات والفواكه، كما كانوا يصنعون الزيت والنبيذ. ومثل هذا النشاط المتعدد لم يكن ممكنًا أن يقوم به فرد واحد، وهنا تم التقسيم الثاني الكبير للعمل؛ فقد انفصلت الحِرف عن الزراعة. رفعت الزيادة المستمرة في الإنتاج والنشاط المتزايد في العمل، رَفَعا من قيمة العمل الإنساني، وأصبح الرِّق في هذه المرحلة جزءًا هامًّا من النظام الاجتماعي بعد أن كان مبتدئًا متفرقًا في المرحلة السابقة، وأصبح العبيد يُدفعون في جماعاتٍ إلى العمل في الحقول والمصانع. وقد ترتب على تقسيم العمل إلى فرعين كبيرين: الزراعة والحِرف اليدوية، ترتب على ذلك قيام الإنتاج من أجل التبادل، كما ظهر إنتاج السلع، وجاءت التجارة معهما ولم تقتصر على حدود القبيلة بل انتقلت عبر البحار. وكل ذلك لم يكن قد اكتمل نموه بعد. وكانت المعادن الثمينة تُفضَّل في استعمالها كسلعة نقدية عالمية؛ إذ لم يكن سك النقود من المعادن الثمينة قد عُرف بعد، وكانت هذه المعادن تُقدَّر عند المبادلة بوزنها فقط. وأضيف التفريق بين الغني والفقير إلى التفريق بين الحر والعبد، ومع التقسيم الجديد للعمل جاء التقسيم الجديد للمجتمع إلى طبقات.

وقد كان الاختلاف في الثروة بين العائلات المختلفة سببًا في تحطيم مجتمعات الوحدات العائلية المشاعية القديمة في كل مكان كانت هذه المجتمعات لا تزال قائمة فيه، وهكذا وُضع حدٌّ للزراعة الجماعية للأرض لحساب المجتمع كله. وكانت الأرض المنزرعة تخصص لاستعمال عدة عائلات لمدة محدودة أولَ الأمر ثم باستمرار بعد ذلك. وتم الانتقال إلى الملكية الخاصة الكاملة بالتدريج وجنبًا إلى جنب مع الانتقال من العائلة المكونة من فردين إلى الزواج الحديث، وبدأت العائلة تصبح الوحدة الاقتصادية للمجتمع.

وحتمت الكثافة المستمرة في السكان وجود اتحاد أقوى بينهم في الداخل والخارج، وأصبح اتحاد القبائل المرتبطة برابطة القرابة ضرورة في كل مكان، وبعد ذلك فورًا تم امتزاج هذه القبائل ثم امتزاج الأقاليم القبلية المتفرقة في إقليم واحد يكوِّن قُطرًا لشعب معين. وأصبح القائد العسكري للشعب (Rex أو bacileus أو thiudans) موظفًا رسميًّا دائمًا وضروريًّا. وكانت الجمعية الشعبية تنشأ في كل مكان لم توجد فيه بعد. وكان القائد العسكري والجمعية الشعبية والمجلس يكوِّنون الديموقراطية العسكرية التي تطور إليها المجتمع القبلي، وقد كانت ديموقراطية عسكرية لأن الحرب والاستعداد لها كانا من الأعمال المنتظمة في حياة الشعب. وكانت ثروات الشعوب المجاورة تجتذب اهتمام الشعوب الأخرى التي بدأت تنظر إلى الحصول على الثروة على أساس أنه أحد الأغراض الأساسية في الحياة. وكانت هذه الشعوب بربرية، وكان السلب يبدو لهم أسهل وأشرف من العمل المنتج، أما الحرب التي كانت من قبل تقوم من أجل الانتقام أو توسيع الإقليم الذي يصبح غير كافٍ لسكانه، فقد أصبحت تقوم الآن من أجل السلب وحدَه، وأصبحت حرفة دائمة. ولم تكن إقامة الأسوار المتينة حول المدن المحصنة الجديدة دون سبب، وقد كانت خنادقها المحصنة مقبرة النظام القبلي ووصلت أبراجها إلى المدنية.

وعانت الشئون الداخلية تغييرًا مماثلًا؛ فقد زادت حروب السلب من قوة القائد العسكري الأعلى والقواد الأدنى مرتبة. وتحوَّل الانتخاب الذي جرت عليه العادة للمنحدرين من أسرة واحدة خاصةً بعد الانتساب للأب، تحوَّل تدريجيًّا إلى خلافة وراثية في المناصب، وكانت هذه الوراثة مسموحًا بها أول الأمر ثم مدَّعًى بها ثم مغتصبة.

وتم تأسيس الملكية الوراثية والأرستقراطية الوراثية. وبهذه الطريقة انتُزعت أجهزة النظام القبلي تدريجيًّا من جذورها في الشعب والسلالة والأخوة والقبيلة، وتحوَّل التنظيم القبلي كله إلى عكسه، تحوَّل من تنظيم للقبائل لإدارة شئونها في حرية إلى تنظيم لسلب واستعباد الشعوب المجاورة، وتحولت طبقًا لذلك أجهزة التنظيم القبلي من أدوات تحت مشيئة الشعب إلى أجهزة مستقلة لحكم الشعب والاستبداد به. ولم يكن ذلك بمستطاع الحدوث إذا لم يقسِّم الاختلاف في الثروة أعضاء القبائل إلى غني وفقير، وإذا لم تغيِّر الاختلافات في الثروة في السلالة، إذا تغيَّر المجتمع الموحد المصالح إلى الصراع بين أعضاء السلالة الواحدة. وإذ لم يكن نمو الرق قد بدأ فعلًا ووصم العمل من أجل العيش بالحقارة على أنه عمل من أعمال العبيد أشد مهانة من الاشتراك في السرقة.

•••

وهذا يؤدي بنا إلى مدخل المدينة. وتبدأ هذه المرحلة بتقدُّم أكثر في تقسيم العمل. ففي المرحلة الدنيا كان الرجال يُنتجون لإشباع حاجاتهم المباشرة فقط، وكان التبادل محصورًا في حالات متفرقة عندما يتصادف وجود فائض في الإنتاج. وفي المرحلة الوسطى للبربرية نجد أن الشعوب التي تعيش على الرعي كان لها في قطعانها نوعًا من الملكية ينتج عنه بانتظام — نظرًا لوفرة الماشية — فائض من الإنتاج يزيد عن حاجتهم، كما نجد تقسيمًا للعمل بين شعوب الرعاة والقبائل المتأخرة التي لا تملك ماشية. وعلى ذلك فقد كانت هناك مرحلتان للإنتاج توجدان جنبًا إلى جنب؛ مما خلق الظروف المناسبة للتبادل المنتظم، وقدمت المرحلة العليا للبربرية تقسيمًا أكثر للعمل بين الزراعة والحِرف اليدوية تسبب فيه إنتاج نسبة مستمرة الزيادة من البضائع للمبادلة خاصةً، بحيث وصلت المبادلة بين الأفراد المنتجين إلى نقطة أصبحت عندَها المبادلة ضرورة حيوية للمجتمع.

وقد قوت المدينة وزادت من كل التقسيمات القائمة للعمل، خصوصًا بتقويتها للتعارض بين المدن والريف (فإما أن تكون للمدينة السيادة الاقتصادية على الريف كما في العصور القديمة، وإما العكس كما في العصور الوسطى). كما أضافت المدنية تقسيمًا ثالثًا للعمل غريبًا على نفسه وذا أهمية حاسمة؛ فقد خلقت طبقة لا تشترك في الإنتاج ولكن تشترك إلى أقصى حد في تبادل المنتجات، هي طبقة التجار. فكل التقسيمات الأصلية السابقة للطبقات كانت مرتبطة تمامًا بالإنتاج؛ فقد كانت تقسيمًا لهؤلاء المشتركين في الإنتاج إلى مديرين وعاملين أو إلى منتجين على نطاق واسع (الأغنياء) ومنتجين على نطاق ضيق (الفقراء). ولكن نجد هنا أن طبقة ظهرت لأول مرة وهي تستحوذ على الإنتاج ككل وتسيطر اقتصاديًّا على المنتجين وتُخضعهم لحكمها دون أن تشترك بأي نصيب في الإنتاج، وقد كانت طبقة تجعل من نفسها وسيطًا حتميًّا بين طبقتين من المنتجين وتستغل كليهما. وباسم حماية المنتجين من متاعب ومخاطر المبادلة، وباسم إيجاد أسواق بعيدة لمنتجاتهم، تصبح هذه الطبقة الجديدة (التجار) أهم طبقة نافعة في المجتمع، وهي طبقة طفيلية ومنافقة اجتماعية خالصة، تأخذ نظير خدمة غير جوهرية الزبد من الإنتاج في الوطن وفي الخارج، وتستحوذ بسرعة على ثروات ضخمة؛ وبالتالي على نفوذ اجتماعي؛ ولهذا السبب تطمع في مزيد مستمر من المناصب، وتكسب رقابة متزايدة على الإنتاج خلال فترة المدنية إلى أن تخلق شيئًا من إنتاجها الخالص تقدمه إلى المجتمع هو الأزمات الاقتصادية الدورية.

وفي مرحلة النمو التي ندرسها هذه، لم تكن طبقة التجار الفتية تعرف بعد الأشياء الضخمة التي كانت مختزنة من أجلها، ولكنها ظهرت كطبقة وجعلت نفسها ضرورية وكان هذا يكفيها.

ومع ظهور هذه الطبقة دخلت النقود المعدنية والعملة المسكوكة في دائرة التعامل؛ وبسبب ذلك ظهرت وسائل جديدة يستطيع غير المنتج بها أن يتحكم في غير المنتجين وإنتاجهم. فسلعة السلع (أي النقود) التي تختفي في طياتها كل السلع كانت قد اكتُشفت، وكانت الإغراء الذي يستطيع أن يحوِّل نفسه بإرادته إلى أي شيء مرغوب فيه. وأيًّا كان مالك هذه النقود فهو يستطيع أن يحكم عالم الإنتاج، ومن الذي كان يملكها أكثر من الجميع؟ التاجر، ففي يديه كانت هيبة النقود في مأمن؛ فقد أوضح للجميع أن كل السلع — وبالتالي كل منتجي السلع — يجب أن تركع أمام النقود. وأثبت التاجر في الحياة العملية أن كل أشكال الثروة الأخرى عبارة عن صور إذا ما قورنت بهذا الأصل المجسم للثروة. ولم تظهر قوة النقود نفسها بعد ذلك بمثل هذه الحالة البدائية والعنف كما فعلت في هذه الفترة من شبابها.

وبعد بيع السلع من أجل النقود جاء اقتراض النقود بالربا، ولم يُلقِ أي تشريع ظهر في فترة لاحقة بالمدين تحت أقدام المرابي الدائن دون شفقة أو رحمة كما فعل تشريع أثينا وروما القديم؛ فكلا التشريعين جعلا الضغط الاقتصادي قانونًا تلقائيًّا.

وبجانب الثروة في السلع والعبيد، الثروة النقدية، ظهرت الثروة في الشكل العقاري؛ فحقوق الأفراد في قطع الأرض التي منحتها لهم في الأصل السلالة أو القبيلة أصبحت سائدة، لدرجة أن هذه الأراضي أصبحت ملكية متوارثة للأفراد. وكان أكثر شيء صارع الأفراد في سبيله إلى ما قبل هذه الفترة هو تحررهم من ادعاء المجتمع القبلي الحق في أراضيهم، وكان هذا الادعاء قيدًا عليهم، وقد تحرر الأفراد من هذا القيد؛ ولكنهم تحرروا بعد ذلك فورًا من ملكيتهم العقارية الجديدة نفسها. وقد تضمنت الحرية الكاملة في الملكية العقارية إمكانية الملكية غير المحدودة وإمكانية نقل هذه الملكية؛ فطالما كانت الأرض مملوكة للسلالة لم يكن ممكنًا نقل ملكيتها. ولكن عندما حطم الملاك الجدد قيود الحق الأعظم للسلالة والقبيلة مزقوا أيضًا الروابط التي ربطته وقتًا طويلًا بالأرض.

أما الامتداد التِّجاري في النقود والربا والملكية العقارية والرهن فكانت مصحوبة بالتركيز السريع للثروة في أيدي طبقة صغيرة. ومن ناحية أخرى كان الافتقار المتزايد للكتل الشعبية وظهرت كتلة كبيرة من الفقراء. ودفعت أرستقراطية الثروة الجديدة بالجماهير إلى الحضيض دائمًا (انظر أثينا وروما وألمانيا) بشكل أقسى كثيرًا مما فعلته الأرستقراطية القبلية القديمة. وكان تقسيم الرجال الأحرار إلى طبقات طبقًا لثروتهم مصحوبًا (خاصةً لدى الإغريق) بزيادة ضخمة في عدد العبيد.٢ وكان عمل العبيد الإجباري هو الأساس الذي يقوم عليه الصرح الكامل للمجتمع.

ولْنرَ الآنَ ما انتهى إليه النظامُ القبلي نتيجةَ هذه الثورة الاجتماعية؛ فقد وقف النظام القبلي عاجزًا في وجه العناصر الجديدة التي نمت دون مساعدته، وكان معتمدًا على اضطرار أعضاء السلالة أو القبيلة أن يعيشوا معًا في إقليم واحد ويكونوا قاطنيه الوحيدين، وقد بقي ذلك مدة طويلة. وقد امتزجت الفروع والقبائل في كل مكان، وأصبح العبيد والتابعون والأجانب يعيشون مع المواطنين.

وكان يزعج الدولة التي لم تكن مطلوبة إلا حوالي نهاية المرحلة الوسطى للبربرية، كان يزعجها التنقل، وتغيُّر المقر الذي كانت التجارة وتغيُّر حيازة الأرض مشروطين به. ولم يعُد في استطاعة أعضاء التنظيم القبلي الاجتماع لبحث أمورهم العامة إلا في حالات قليلة الأهمية مثل الاحتفالات الدينية التي كانت لا تزال تُراعى دون اكتراث. فبجانب المصالح التي قامت أجهزة التنظيم القبلي للعناية بها، ظهرت مصالح جديدة في مجال كسب العيش والتغير الذي ترتب على ذلك في البناء الاجتماعي، وقد كانت هذه المصالح الجديدة غريبة على النظام القبلي ومعارضة له في كل اتجاه. فمصالح مجموعات الحرفيين التي خلقها تقسيم العمل، والحاجات الخاصة للمدن، كانت تتطلب أجرة جديدة؛ ولما كانت المجموعات الاجتماعية الجديدة تتكون من أناس من مختلف الفروع والأخوات والقبائل وتشمل حتى الأجانب، فقد كان على الأجهزة الجديدة أن تتشكل خارج النظام القبلي، وكان ذلك يعني أن تكون ضد هذا النظام. ومرة ثانية نقول إنه في كل تنظيم قبلي أصبح تعارض المصالح محسوسًا، ووصل إلى قمته بكون الأغنياء والفقراء والمرابين والمدينين مندمجين في نفس الفرع والقبيلة. كما كانت هناك كتلة المقيمين الجدد الأجانب عن الاتحادات القبلية والذين استطاعوا (كما في روما) أن يصبحوا قوة، وكان عددهم من الكثرة بحيث لا يمكن للفروع والقبائل المرتبطة برباط الدم أن تبتلعَهم بالتدريج. وواجهت الاتحادات القبلية هذه الكتل كمجموعات ذات مزايا قوية. وتحولت الديموقراطية الأصلية الطبيعية النمو إلى أرستقراطية مكروهة.

وأخيرًا فقد نشأ النظام القبلي ونما في مجتمع لم يعرف الصراع الداخلي؛ ولذلك لم يكن هذا النظام صالحًا إلا لمثل هذا المجتمع، ولم تكن لهذا النظام أي قوة إلزامية سوى الرأي العام.

ولكن جاء الآن مجتمع جديد كان عليه أن يفرِّق بين الأحرار والعبيد وبين الأغنياء والفقراء؛ نظرًا لقوة الظروف الاقتصادية التي أوجدته، وكان مجتمعًا عاجزًا عن التوفيق بين المصالح المتعارضة بل كان عليه أن يزيد من حدة هذا التعارض. ومثل هذا المجتمع لم يكن ممكنًا وجوده إلا في حالة صراع علني مستمر بين هذه الطبقات، أو تحت حكم قوة ثالثة وهي القوة التي كانت تقف في الظاهر فوق الطبقات المتصارعة بينما كانت تضغط الصراع العلني بين الطبقات، ولا تسمع بالصراع الطبقي إلا في الميدان الاقتصادي على أكثر تقدير وبشكل يُسمى شروعي. إذن فقد استنفد النظام القبلي أغراضه، وتحطم عن طريق تقسيم العمل ونتيجته الحتمية وهي تقسيم المجتمع إلى طبقات، وحلَّت الدولة محل النظام القبلي.

•••

بحثنا فيما سبق كلًّا من الأشكال الرئيسية الثلاثة التي نمت فيها الدولة على حُطام النظام القبلي. وكانت أثينا تمثِّل أكثر الأشكال كلاسيكية؛ فقد خرجت الدولة فيها مباشرةً وبصفة أساسية من الصراع الطبقي الذي نما في المجتمع القبلي، وفي روما أصبح المجتمع القبلي أرستقراطية كاملة يقف خارجها عدد كبير من الأفراد المحرومين من الحقوق، وكل ما عليهم هو الواجبات. وقد حطم انتصار هذه الطبقة الدنيا في روما المجتمع القبلي القديم، وأقام على أنقاضه الدولة التي ابتلعت كلًّا من الأرستقراطية القبلية والطبقة الدنيا على السواء. وأخيرًا فقد قامت الدولة عند الألمان الذين هزموا الإمبراطورية الرومانية، قامت كنتيجة مباشرة لفتح أراضي أجنبية واسعة لم تكن لدى النظام القبلي وسائل حكمها، وحيث إن هذا الفتح لم يُحَتِّمْ وجود صراع خطير مع الشعب القديم أو تقسيم أكثر تقدمًا للعمل، وحيث إن المنتصرين والمنهزمين كانوا تقريبًا في نفس المرحلة من التطور الاقتصادي فبقيت الأسس الاقتصادية كما كانت من قبل؛ لذلك استطاع النظام القبلي أن يظل قائمًا مدة قرون عديدة بشكل إقليمي مختلف، في شكل اتحاد المارك، كما استطاع أن يجدد شبابه لمدة من الزمن بشكل أضعف في العائلات الأرستقراطية المنتسبة للأب التي جاءت بعد ذلك وحتى في عائلات الفلاحين كما في دثمارشن.٣

وعلى ذلك فالدولة ليست بأي حال قوة مفروضة على المجتمع من لا شيء، أو كما يقول هيجل خطأً إنها «تحقيق لفكرة أدبية» أو «صورة وحقيقة العقل». فالدولة شيء أنتجه المجتمع في مرحلة معينة من نموه، والدولة هي الاعتراف بأن المجتمع قد أصبح مصابًا بتعارض لا حل له مع نفسه، وأنه أصبح غارقًا في صراع لا تخف حِدَّته، عَجَزَ عن إزالته. ولكي لا تدفع هذه الخلافات والطبقات المتصارعة بنفسها وبالمجتمع إلى صراع قاتل، أصبح ضروريًّا وجود قوة تقف في الظاهر فوق المجتمع لتخفيف النزاع وحصره داخل دائرة القانون، وهذه القوة التي قامت من المجتمع ووضعت نفسها فوقه وزادت من استقلالها عنه هي الدولة.

وبعكس التنظيم القبلي القديم على طول الخط، فإن الدولة تُقسم وظائفها طبقًا للإقليم. وكما سبق ورأينا فقد أصبحت الاتحادات القبلية القديمة المبنية على روابط الدم، أصبحت غير صالحة؛ خاصةً لأنها تقوم على أساس ارتباط أعضائها بإقليم معين، وهو رباط ظل قائمًا لوقت طويل.

وقد ظل الإقليم على ما هو عليه ولكن ساكنيه أصبحوا كثيري التنقل؛ وعلى ذلك فقد اتُّخذ التقسيم طبقًا للإقليم كنقطة البدء. وكان من حق المواطنين ممارسة حقوقهم وواجباتهم العامة أينما استقروا، بصرف النظر عن السلالة أو القبيلة. ويُعتبر تنظيم المواطنين طبقًا للإقليم صورة معروفة لكل الدول، وهذا هو السبب في أنه يبدو طبيعيًّا لنا، ولكننا قد رأينا كيف احتاج تغيُّر هذا النظام إلى صراع طويل مرير في أثينا وروما.

وثاني شيء في الدولة هو إنشاء قوة عامة لم تعُد تلازم الشعب الذي كان ينظم نفسه كقوة مسلحة.

وكانت هذه القوة العامة ضرورية لأن استمرار قيام الشعب بتنظيم نفسه كقوة مسلحة أصبح مستحيلًا منذ انقسام المجتمع إلى طبقات؛ فقد كان العبيد أيضًا ينتمون إلى السكان، وكان التسعون ألف مواطن أثيني يكوِّنون طبقة ممتازة ضد الثلاثمائة وخمسة وستين ألف عبد. وقد كان جيش الشعب في الديموقراطية الأثينية عبارة عن قوة أرستقراطية عامة موجهة ضد العبيد لإبقائهم تحت سلطتها، وقد كان وجود الجيش ضروريًّا على أي حال ليبقى المواطنون أنفسهم تحت سلطة الدولة كما ذكرنا قبلًا. وتوجد هذه القوة العامة في كل دولة، وتتكون من جنود مسلحين ووسائل مساعدة مادية كالسجون والإدارات الحكومية من كل نوع، وهو ما لم يعرفه المجتمع القبلي. وهذه الوسائل تكون غير ذات معنًى في المجتمعات التي لم يتطور فيها الصراع الطبقي، كما كان الحال لدى الهنود الحمر. ويزداد نمو هذه الوسائل كلما ازداد الصراع الطبقي في الدولة، وكلما اتسعت الدول الناشئة وزاد عدد سكانها. وما علينا إلا أن ننظر إلى أوربا في يومنا الحالي٤ حيث كان الصراع الطبقي والمنافسة على الاستعمار سببًا في زيادة القوة العامة إلى درجة تهدد بابتلاع المجتمع كله والدولة نفسها. ولكي يمكن المحافظة على هذه القوة العامة كان لا بد من الحصول على عطايا من المواطنين؛ فجاءت الضرائب وقد كانت مجهولة تمامًا في النظام القبلي.

ولما تقدمت المدينة أصبحت هذه الضرائب غير كافية؛ فوضعت الدولة مشروعات للمستقبل وعقدت القروض العامة وغير ذلك، وتستطيع أوربا القديمة إخبارنا بالكثير في هذا الشأن.

وبحيازة السلطة العامة وجمع الضرائب أصبح الحاكمون فوق المجتمع باعتبارهم أجهزة المجتمع. أما الاحترام الاختياري الحر الذي كانت أجهزة النظام القبلي تتمتع به فلم يعُد يكفي الحاكمين، ولو استطاعوا الحصول عليه فلكونهم فوق المجتمع؛ فالاحترام لهم يجب أن يُفرض بقوانين استثنائية يمارسون بفضلها مكانة خاصة. ويتمتع رجل البوليس العادي في الدولة المتمدنة اليوم بسلطة تَفوق سلطة أجهزة النظام القبلي مجتمعة. ولكن لا شك أن أكثر الأمراء نفوذًا وأكبر الحكام في الدولة المتمدنة يحسدون الرئيس القبلي المتواضع على الاحترام المطلق الذي كان يتمتع به. وقد كان الرئيس القبلي يقف وسط المجتمع بينما يحاول الحاكم تمثيل شيء خارج عن المجتمع وفوقه.

حيث إن الدولة نشأت من الحاجة للسيطرة على الصراع الطبقي، وحيث إنها نشأت في نفس الوقت وسط هذا الصراع فهي دولة الطبقة الأقوى بصفة عامة، الطبقة المسيطرة اقتصاديًّا والتي تصبح عن طريق الدولة الطبقة المسيطرة سياسيًّا كذلك؛ ولذلك تتطلع إلى وسائل جديدة للسيطرة على الطبقة الخاضعة واستغلالها. وعلى ذلك فقد كانت الدولة في النظم القديمة هي دولة مالكي العبيد للسيطرة على العبيد، كما كانت الدولة الإقطاعية هي جهاز الأرستقراطية للسيطرة على رقيق الأرض من الفلاحين والتابعين، كما كانت الدولة النيابية الحديث هي أداة رأس المال لاستغلال العمل الأجير.

وبطريق الاستثناء تظهر فترات يحدث فيها توازن بين الطبقات المتصارعة لدرجة أن سلطة الدولة كوسيط عشوائي تتطلب إلى حين درجة معينة من الاستقلال لكل طبقة. وكان هذا هو حال الملكية المطلقة في القرنين السابع عشر والثامن عشر حيث كان التوازن قائمًا بين النبلاء وطبقة سكان المدن، وكذلك كان الحال في عهد بونابرت الأول والإمبراطورية الفرنسية الثانية التي أثارت الطبقة العاملة ضد البورجوازية والبورجوازية ضد الطبقة العاملة. وآخِر صورة لهذا النوع الذي يظهر فيه الحكام والمحكومون على قدم المساواة كانت في الإمبراطورية الألمانية الجديدة أيام بسمارك، حيث كان التوازن قائمًا بين الرأسماليين والعمال من أجل مصلحة البحارة البروسيين الفقراء.

وفي معظم الحالات التاريخية تتناسب حقوق المواطنين مع ثرواتهم، وهذا يؤكد أن الدولة هي تنظيم من الطبقة المالكة لحمايتها من الطبقة التي لا تملك، وقد كانت كذلك في التقسيم الروماني والأثيني للمواطنين طبقًا لثرواتهم، وكانت كذلك في الدولة الإقطاعية في العصور الوسطى التي كانت السلطة السياسية فيها تتناسب مع مساحة الأرض المملوكة. ويظهر ذلك أيضًا في المؤهلات الانتخابية للدولة النيابية الحديثة، وهذا الاعتراف السياسي بالتمييز بسبب الملكية ليس أساسيًّا بأي حال. فهو على العكس يدل على مرحلة دنيا من تطور الدولة؛ فالشكل الأعلى للدولة هو الجمهورية الديموقراطية الذي يصبح تدريجيًّا في ظل ظروفنا الحديثة ضرورة لا يمكن تجنبها، وهو شكل الدولة الذي يمكن في ظله وحدَه حسم الصراع الحاسم الأخير بين الطبقة العاملة والبورجوازية. ولا تعرف الجمهورية الديموقراطية من الناحية الرسمية أي تمييز بين الناس بسبب الثروة؛ إذ تمارس الثروة قوتها في ظلها بطريق غير مباشر ولكنه مؤكد. فمن ناحية تمارس الثروة هذه السلطة في شكل الإفساد الكامل للحاكمين؛ وتُعتبر أمريكا المثل الكلاسيكي لذلك. ومن ناحية أخرى تمارس الثروة سلطتها في شكل حلف بين الحكومة والبورصة، وهو الشكل الذي يصبح أسهل تحقيقًا كلما ازداد دين الدولة وكلما ركزت شركات المضاربين في يديها الإنتاج نفسه مستعملة البورصة كمركز لها. وتُعتبر الجمهورية الفرنسية الأخيرة — مثلها في ذلك مثل الولايات المتحدة — مثلًا دقيقًا لذلك، وقد قامت سويسرا القديمة الطيبة بنصيبها في هذا المجال. وليست الجمهورية الديموقراطية ضرورية لهذا الحلف الأخوي بين الحكومة والبورصة. ويؤيد ذلك قيام هذا الحلف في إنجلترا الملكية والإمبراطورية الألمانية الجديدة (أيام بسمارك)، حيث لا يستطيع المرء أن يعرف من الذي نجح في الانتخاب: بسمارك أم بليتشرودر.٥ وأخيرًا فإن الطبقة المالكة تحكم مباشرةً عن طريق الانتخاب العام؛ فطالما أن الطبقة الخاضعة لم تنضج بعد لتحرير نفسها فإنها ستظل في أغلبيتها تنظر إلى النظام القائم على أنه النظام الوحيد الممكن للمجتمع، وستظل من الناحية السياسية ذيلًا للبورجوازية وجناحها الأكثر يسارية، إلى أن تنضج هذه الطبقة لتحرير نفسها وتكوِّن حزبها الخاص بها وتنتخب ممثليها بدلًا من ممثلي البورجوازية. وعلى ذلك فالانتخاب العام هو مقياس نضج الطبقة الخاضعة، وهو لا يستطيع أن يكون في الدولة الحالية أكثر من ذلك، وفي اليوم الذي يسجل فيه ترمومتر الانتخاب نقطة الغليان سيعرف كلٌّ من الرأسماليين والعمال ما يجب عمله.

فالدولة إذن لم توجد منذ الأزل؛ فقد كانت هناك مجتمعات تسير بلا دولة وبلا سلطة. وعند مرحلة معينة من التطور الاقتصادي، وهي المرحلة التي رافقت تقسيم المجتمع إلى طبقات، أصبحت الدولة ضرورة طبقًا لهذا التقسيم. ونحن نقترب الآن من مرحلة من التطور الإنتاجي سيكون وجود الطبقات فيها غير ضروري، كما سيكون عائقًا إيجابيًّا للإنتاج؛ وهنا ستنتهي الطبقات بنفس الحتمية التي ظهرت بها في مرحلة سابقة، ومع انتهاء الطبقات ستنهي الدولة بالضروري. وسيضع المجتمع الذي سيُنظم الإنتاج على أُسس من الاتحاد الحر والتساوي بين المنتجين، سيضع جهاز الدولة حيث يجب أن يكون حينئذٍ، في متحف الآثار بجانب العجلة والفأس البرونزي.

•••

وعلى ذلك فمنذ القِدم والمدنية هي تلك المرحلة من تطور المجتمع التي يصل عندها تقسيم العمل والتبادل الناتج عن ذلك بين الأفراد وإنتاج البضائع الذي يربط بين الاثنين، تصل هذه الأشياء إلى كامل نموها وتعمل على إثارة كل المجتمع الذي كان قائمًا من قبل. فالإنتاج في كل المراحل السابقة للمجتمع كان جماعيًّا، وكان الاستهلاك يتم بالتوزيع المباشر للمنتجات خلال مجتمعات مشاعية صغيرة أو كبيرة. وكان هذا الإنتاج الجماعي يجري في أضيق حدود؛ ولكن بجانب ذلك كان المنتجون سادة إنتاجهم وسادة عملهم، وكانوا يعلمون مصيره فقد كانوا يستهلكونه. وطالما كان الإنتاج يجري على هذه الأسس فلم يستطع أن يخرج عن رقابة المنتجين، ولم يكن يستطيع إيجاد أي قوة غريبة ضد المنتجين كما في الحالة العادية المحتومة في ظل المدنية.

وبالتدريج زحف تقسيم العمل في عملية الإنتاج هذه ونقصت الطبيعة الجماعية للإنتاج والملكية، وقامت الملكية الفردية وصارت هي القاعدة السارية على نطاق واسع؛ وكان ذلك سببًا في قيام المبادلة بين الأفراد كما رأينا فيما سبق، وأصبح إنتاج السلع بالتدريج هو الشكل السائد.

وبإنتاج السلع لم يعُد الإنتاج لإشباع حاجات المرء الاستهلاكية ولكن للمبادلة؛ ولذلك تمر المنتجات بالضرورة من يد إلى يد. ويشترك المنتِج بإنتاجه في عملية المبادلة وهو لم يعُد يعرف مصير منتجاته. وبمجرد أن تدخل النقود ومعها التاجر كوسيط بين المنتجين فإن عملية المبادلة تصبح أكثر تعقيدًا، ويصبح مصير المنتجات النهائي غير مؤكد. فالتجار متعددون ولا يعرف أحدهم ما يفعل الآخر؛ فتمر البضائع من يد إلى يد ومن سوق إلى سوق. وقد فقد المنتجون السيطرة على المجموع الكلي للإنتاج وعلى ظروف حياتهم نفسها ولم يحصل عليها التجار. وهكذا تصبح المنتجات والإنتاج ألعوبة في يد المصادفة.

ولكن المصادفة هي جانب واحد من علاقة يُسمى جانبها الثاني الضرورة. ففي الطبيعة حيث يبدو أن المصادفة هي التي تتحكم، طالما رأينا في كل ميدان الضرورة الملحَّة والإلزام الذي يفرض نفسه على هذه المصادفة. وما ينطبق على الطبيعة ينطبق بدوره على المجتمع؛ فبقدر ما يصبح النشاط الاجتماعي (وهو مجموعة من العمليات الاجتماعية) بقدر ما يصبح هذا النشاط قويًّا بالنسبة للرقابة الإنسانية الواعية ويصل إلى ما بعد حدود الطاقة الإنسانية، بقدر ما يبدو أن هذا النشاط تتحكم فيه المصادفة المحضة، وبقدر ما تؤكد القوانين العشوائية نفسها في هذه المصادفة كما لو كان ذلك ضرورة طبيعية. ومثل هذه القوانين تتحكم أيضًا في ظروف الإنتاج وتبادل السلع، وهذه القوانين توجه المنتج بالمستهلك كما لو كانت قوًى غريبة ومجهولة في بدايتها. وهذه القوانين الاقتصادية الخاصة بإنتاج السلع تتعدل في مختلف مراحل تطور هذا النوع من الإنتاج، وقد تحكمت هذه القوانين في فترة المدنية كلها. وما زال الإنتاج هو سيد المنتج إلى يومِنا هذا، وما زال الإنتاج الكلي للمجتمع يُنظَّم، لا عن طريق خطة مدروسة؛ ولكن عن طريق قوانين عمياء تعمل بقوة حتمية تنتهي بأزمات اقتصادية دورية.

وقد رأينا فيما سبق كيف استطاعت قوة العمل الإنساني في مرحلة مبكرة نوعًا من التطور أن تُنتج أكثر من حاجة المنتجين، وكيف أن هذه المرحلة سارت جنبًا إلى جنب مع مرحلة ظهور أول تقسيم للعمل والتبادل بين الأفراد. ولم يمضِ وقت طويل حتى اتضح أن الرجل نفسه يمكن أن يكون سلعة وأن القوة الإنسانية يمكن أن تكون موضوع تبادل، وتُستخدم عن طريق تحويل الرجل إلى عبد. وقد بدأ الرجال المبادلة في الوقت الذي كانوا فيه هم أنفسهم موضوع مبادلة، وأصبح الإيجابي سلبيًّا، أراد الإنسان أم لم يُرد.

ومع الرق الذي بلغ قمة نموه في المدنية جاء التقسيم الكبير الأول للمجتمع إلى طبقة مستغِلة وطبقة مستغَلة، واستمر هذا التقسيم طوال فترة المدنية، وكان الرق هو أول أشكال الاستغلال خصوصًا في العالم القديم. وأعقب العبيد رقيق الأرض في العصور الوسطى، والعمال والأجراء في العصر الحديث. وكانت هذه هي الأشكال الثلاثة الكبرى للعبودية، وهي تميز العصور الثلاثة الكبرى للمدنية؛ فقد تنكرت العبودية في أشباهها رقيق الأرض والعمال الأجراء.

وتتميز مرحلة إنتاج السلع التي بدأت بها المدنية بما يأتي:
  • (١)

    النقود المعدنية؛ وبالتالي رأس المال المالي والفائدة الربوية.

  • (٢)

    قيام التجار بدور الوسيط بين المنتجين.

  • (٣)

    الملكية الخاصة في الأرض، والرهن.

  • (٤)

    عمل العبيد باعتباره الشكل الممتاز للإنتاج.

وكان الشكل العائلي الذي ظهر في المدنية، وأصبح الشكل السائد هو الزواج الحديث وسيادة الرجل على المرأة، والعائلة باعتبارها وحدة المجتمع الاقتصادية. أما القوة التنفيذية للمجتمع فهي الدولة التي تظهر في كل العصور باعتبارها دولة الطبقة الحاكمة، وتبقى في كل الحالات أداة للسيطرة على الطبقة الخاضعة. أما علامات المدنية الأخرى فهي: تثبيت التعارض بين المدن والريف كأساس للتقسيم الكلي للعمل في المجتمع، ومن ناحية أخرى ظهور نظام الوصايا الذي يمكن لمالك الثروة بمقتضاه التحكم في ثروته حتى بعد موته. وقد كان هذا النظام الذي يُعتبر ضربة قوية للنظام القبلي، كان مجهولًا تمامًا في أثينا حتى عهد سولون، ولكنه ظهر في روما في وقت مبكر جدًّا ولكننا لا نعلم متى.٦ وعند الألمان ظهرت الوصية عن طريق القسس حتى يستطيع الألماني المخلص أن يورِّث أملاكه للكنيسة دون عقبات.

وقد حصلت المدنية على الأشياء التي لم يستطع النظام القبلي الحصول عليها عن طريق نظامها الذي تُعتبر الوصية أساسًا له. ولكن المدنية وصلت إلى هذه الأشياء عن طريق التلاعب بأحط غرائز أو عواطف الإنسان وبتنميتها على حساب كل ميزاته الأخرى. فقد كان الجشع الصريح هو الروح المحركة للمدنية منذ اليوم الأول لوجودها إلى يومنا هذا تحت شعار واحد: «الثروة ومزيد من الثروة»، الثروة لا المجتمع، ولكن لهذا الفرد التافه كانت أمل المدنية الوحيد الثابت.

وبتتبُّع هذا الهدف سقط التقدم المتزايد للعلم وفترات ازدهار الفن في فم الجشع. وكان هذا لأن ما حققته المدنية في سبيل الحصول على الثروة كان مستحيل التحقيق بدون العلم والفن.

وحيث إن استغلال طبقة لأخرى هو أساس المدنية فإن كل تطورها يسير في تعارض مستمر. وكل تقدُّم في الإنتاج هو في الوقت نفسه تأخر في الطبقة الخاضعة، أي الأغلبية، وما هو نعمة لطبقة هو نقمة للأخرى. وكل تحرير جديد لطبقة هو يعني دائمًا استعباد جديد لطبقة أخرى، وأكبر دليل على ذلك يقدِّمه ظهور الآلات الصناعية التي نعرف اليوم جيدًا آثارها. وبينما كان المتبربرون لا يكادون يعرفون التمييز بين الحقوق والواجبات، تخلق المدنية الفرق والتعارض الظاهر بينهما حتى لأغبى العقول، معطية لطبقةٍ كل الحقوق تقريبًا وملقية على عاتق طبقةٍ كل الواجبات تقريبًا.

وليس ذلك هو ما يجب أن يكون، فما هو حسن بالنسبة للطبقة الحاكمة يجب أن يكون كذلك بالنسبة للمجتمع كله الذي تجد الطبقة الحاكمة شخصيتها فيه؛ ولذلك فبقدر ما تتقدم المدنية بقدر ما تُضْطَر لتغطية الأضرار التي تخلقها بغطاء من الحب لإخفاء هذه الأخطاء أو إنكار وجودها؛ أي لكي تقدِّم نفاقًا مقنَّعًا لم يكن معروفًا في المجتمع القديم أو حتى في المرحلة الأولى للمدنية، وهو النفاق الذي يكمن في إعلانها أن الطبقة المسيطرة تستغل الطبقة الخاضعة من أجل مصلحة الطبقة الخاضعة وحدَها، وإذا أخفقت الطبقة الخاضعة في تقدير ذلك أو تمردت فهذا يُظهر نُكران الجميل المتأصل في أحط صورة نحو خدامها من المصلحين.٧
وفي الختام يقول مورجان عن المدنية: «منذ قدوم المدنية تضخم نمو الثروة وتعددت أشكالها واستعمالاتها، وتحسنت إدارتها لمصلحة مالكيها لدرجة أنها أصبحت قوة لا قِبل للشعب بمقاومتها؛ ولذلك يقف العقل البشري حائرًا أمام ما خلقته يداه، ورغم ذلك سيأتي الوقت الذي يرتفع فيه الذكاء الإنساني ليسود الملكية ويحدد علاقات الدولة بالملكية التي تحميها، وستُوضع الالتزامات والحدود على حقوق مالكيها. إن مصالح المجتمع فوق مصلحة الفرد، ويجب أن تُنظم العلاقات بينهما على أساس عادل متجانس. إن مجرد كسب الثروة ليس المصير النهائي للبشرية إذا كان التقدم هو قانون المستقبل كما كان في الماضي. فالوقت الذي مضى منذ ظهور المدنية بدأ كمجرد قطعة من الاستمرار الماضي لحياة الإنسان، وكمجرد قطعة من العصور التي سوف تأتي. إن الحلول التي يقدِّمها المجتمع تتطلب العدالة لتحدد الاتجاه الذي تكون الملكية نهايته وغايته؛ لأن مثل هذا الاتجاه يحتوي على عناصر تحطيم الذات. إن الديموقراطية في الحكومة، والإخاء في المجتمع، والمساواة في الحقوق والمزايا والتعليم العام، ليظللون الخطة العليا التالية للمجتمع الذي تتجه إليه الخبرة والذكاء والمعرفة في ثبات. وسيكون ذلك عودة للحياة في شكلٍ أعلى من الحرية والمساواة والإخاء لدى الأقدمين.»٨
١  خصوصًا على الساحل الشمالي الغربي لأمريكا (انظر باتشوفن)، فعند الهايداس القاطنين بجزائر الملكة شارلوت تجمعت عدة وحدات منزلية معًا في عدد يبلغ السبعمائة تحت سقف منزل واحد، عند النوتكاس كانت قبائل كاملة تعيش تحت سقف منزل واحد.
٢  كان عدد العبيد في أثينا وفي كورنث أيام ازدهارهما ٤٦٠ ألفًا، وفي إيجينا ٤٧٠ ألفًا، أي إنه في كلا المدينتين كان عدد العبيد عشرة أمثال عدد المواطنين.
٣  كان تيبور هو المؤرخ الأول الذي كانت لديه فكرة صحيحة عن طبيعة السلالة؛ وذلك بفضل معلوماته عن عائلات دثمارشن، التي كانت أيضًا سبب الأخطاء التي وقع فيها.
٤  أواخر القرن التاسع عشر.
٥  أحد كبار رجال المال أيام بسمارك.
٦  جاء في الجزء الثاني من كتاب لاسال «نظام الحقوق المكتسبة» في مجال القول بأن الوصايا في روما قديمة بقِدمها، جاء أنه في التاريخ الروماني لم يكن هناك وقت لم توجد فيه الوصايا، وأن الوصايا ظهرت حتى قبل تأسيس روما من نظم الموتى الدينية. وكأي هيجلي (نسبة إلى هيجل) عن المدرسة القديمة يستمد لاسال معلوماته عن القانون الروماني من تأملاته الخاصة في الوصية وليس من الظروف الاجتماعية للرومان؛ ولذلك نجده يقول إن انتقال الملكية كان أمرًا ثانويًّا في الميراث الروماني. ولا يكتفي لاسال بتصديق مغالطات الفقهاء الرومان، وخاصةً فقهاء الفترة الأولى، ولكنه يتخطاهم أيضًا.
٧  لقد أردت في البداية وضع نقد فوريير للمدنية بجانب نقد مورجان ونقدي لها، ولكن لسوء الحظ لا أستطيع إضاعة الوقت. وأود فقط أن أشير إلى أن فوريير قد اعتبر الزواج الحديث والملكية العقارية الشكل الرئيسي المميز للمدنية واعتبرها حربًا من الأغنياء ضد الفقراء. وقد ذكر فوريير غير مرة أنه في كل المجتمعات غير السليمة نجد أن هؤلاء الذين تمزقهم المتعارضة (أي العائلات) هم الوحدات الاقتصادية للمجتمع.
٨  كتاب المجتمع القديم لمورجان، ص٥٥٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١