الجزء الرابع

الخروج للتحقيق

سمعت اسمي يرن في الجو، وصوت يقول: أنت مطلوبة الآن أمام المدعي الاشتراكي للتحقيق.

وكأنما تلقيت نبأ الإفراج، وقفزت الصديقات وزميلات العنبر من حولي، مهنئات، معانقات.

هتفت واحدة: بدأ التحقيق، وسنخرج كلنا إفراج.

صاحت ثانية: بدأ الحق يظهر.

وثالثة: الله أكبر.

ورابعة: اذهبي والله معك.

وتلقيت التهاني والقبلات، قلبي يخفق، أدور في العنبر، ومن حولي الزميلات، المفاجأة والفرح وبارقة الأمل.

قالت الضابطة: ارتدي ملابس الخروج بسرعة، فالضباط ينتظرونك في مكتب المأمور.

قلت: لماذا لم تبلغيني بمدة كافية لأستعد؟

قالت الضابطة: إذا تأخرت ينصرفون، وتضيع عليك جلسة التحقيق.

وبدأت كل واحدة من الزميلات تجري لتحضر لي شيئًا، واحدة أحضرت لي المشط، وأخرى الفستان. واحدة أخذت تمشط لي شعري، وساعدتني زميلة في ارتداء الفستان الأبيض الذي خرجت به ليلة القبض. ناولتني زميلة أخرى نصف رغيف داخله قطعة جبن، وقالت: لا تذهبي إلى المحقق وبطنك خاوية. صوتها مثل صوت أمي، حين كانت تناولي «الساندويتش»، وتقول لي باللهجة نفسها: لا تذهبي إلى الامتحان وبطنك خاوية.

دقات قلبي سريعة، تشبه دقات قلبي وأنا تلميذة صغيرة في المدرسة ذاهبة إلى الامتحان. حلمت ليلة الأمس أنني كنت جالسة بين التلاميذ وأمامي أسئلة الامتحان. لم أعرف الإجابة على أي سؤال. حلم كان يتكرر في جميع مراحل حياتي، حتى في السجن.

ناولتني إحدى الزميلات كوبًا من الشاي، حلقي جاف، بدأت أرشف الشاي.

صاحت الضابطة: الضباط ينتظرون.

قلت بهدوء: سأذهب بعد أن أشرب الشاي، كان يجب أن ترسلوا إليَّ بلاغًا منذ الأمس، أي تحقيقٍ هذا الذي يتم بشكل سري وبشكل فجائي أيضًا؟

شربت كوب الشاي حتى نهايته، ثم خرجت مع الضابطة إلى مكتب المأمور، رأيت جمهرة من الرجال المسلحين يتقدمهم ضابط، تذكرت اليوم الذي قبضوا عليَّ فيه، وقلت بدهشة: هل أنا بكل هذه الخطورة؟

رأيت باب السجن مفتوحًا على مصراعيه، تقف أمامه سيارات البوليس، تشبه السيارات التي وقفَتْ أمام بيتي يوم ٦ سبتمبر. الموكب المهيب نفسه، يتقدمه رجل على موتوسيكل يفسح الطريق، وصفارة إنذار بوليسية، وحشد من الجنود المسلحين، قفزوا في السيارات الخلفية.

طلب مني الضابط أن أجلس بينه وبين السائق، رفضت. المشهد يتكرر، والكلمات تتكرر.

قال: هذه هي الأوامر.

قلت: لن أجلس إلا بجوار النافذة.

بدا عليه الإصرار، وبدا عليَّ إصرارٌ أشد، انتصر إصراري على إصراره، وجلست بجوار النافذة، انتصار صغير بسيط، لكنه هام، فأنا أمارس إرادتي رغم كل شيء.

خرجَتِ السيارة من السرداب الضيق إلى سردابٍ طويل. في نهاية السرداب عمود غليظ يسد الطريق، توقفت السيارة عند العمود. برز من جانب الطريق رجل نحيل عيناه تلمعان وتتحركان بسرعة كعيني قاطع طريق.

لمح الموتوسيكل والسيارات، فأسرع يجري بظهرٍ محنيٍّ، وشد العمود بحبلٍ أو سلسلةٍ فارتفع العمود. خرج الموكب البوليسي، ثم سقط العمود، وأغلق الطريق خلفنا.

رفعت رأسي نحو الطريق، الشمس الساطعة تملأ الشارع والكون، ضوءُها قوي مبهر يؤلم العينين، القناطر تتألق من بعيد، وصفحة النيل تلمع تحت الشمس. ملأَتْ أنفي رائحة النيل وهواء نقي منعش له رائحة الزرع.

أخذت شهيقًا عميقًا، هل كنت ميتة وصحوت؟! هل كنت مدفونة، ثم خرجت إلى سطح الأرض؟! منظر الناس في الشارع عجيب، وحركتهم مدهشة. عيناي تتسعان كأنما أراهم لأول مرة في حياتي، امرأة تقف أمام بائع خضر، وتنثني أمام سلة من الطماطم الحمراء، حمرة الطماطم زاهية عجيبة، لون الخضروات في السلال أخضر مدهش، الناس يدخلون ويخرجون من الدكاكين على نحوٍ عجيب. السيارات تجري فوق أسفلت الشارع، امرأة تقود سيارة وتضغط على البوق بقوة، صوت البوق يرن في أذني مدهشًا، الأبواق كلها تصدح بألحانٍ عذبة، رجل يجلس على مقهى ويقرأ الجورنال علانية دون أن يخفيه، صوت الراديو ينبعث من المقهى عاليًا تسمعه كل الآذان، أشياء عجيبة أسمعها وأراها كأنما لأول مرة، منذ متى لم أرَ الشارع؟ عددت الأيام على أصابعي، وجدتها اثنين وعشرين يومًا، بدت لي كما لو كانت اثنين وعشرين عامًا أو قرنًا.

الناس على جانبي الطريق يتطلعون إلى الموكب البوليسي. عيون فيها دهشة خوف أو غضب مكتوم. وجوه شاحبة نحيلة، ظهور مقوَّسة، سيقان معوجة تمشي ببطء، شيء كاليأس في حركة الأذرع، وحزن كالموات في العيون.

أشرق وجه بابتسامة مفاجئة، وارتفعت يدان تلوحان بمنديل، لوَّحت بيدي، صاح الضابط بذعر: أرجوك، لا تكلمي الناس.

قلت: أنا لا أكلم الناس.

سار الموكب في الطريق الطويل، عن يميني النيل وعن يساري الحقول. طريق محفور في ذاكرتي، وجه السائق أسمر شاحب كوجوه أقاربي الفلاحين في كفر طلحة، بقع سوداء وبيضاء على الوجه واليدين. اليدان سمراوان مشققتان تقبضان على عجلة القيادة كأنها فأس.

الضابط يخلع قبعته البوليسية، ويضعها على ركبتيه، ينظر إلى الأمام نحو الطريق، يسقط رأسه فوق صدره، ويسقط جفناه فوق عينه، ويرتفع الصوت المنتظم كالشخير.

وصلت السيارة إلى ميدان التحرير، انحرفت لتدخل إلى ميدان اللاظوغلي. داس السائق على الفرامل، وفتح الضابط عينيه فجأة كأنما في ذعرٍ تلفَّت حوله، ورأى المبنى الضخم كُتب عليه: وزارة العدل، مسح فمه ووضع القبعة على رأسه، وشد عضلات جسمه ووجهه. عدل ياقة سترته، وأحكم أزرارها، هبطنا من السيارة، وهبط المسلحون أيضًا.

لم يدخل معي إلى المبنى إلا الضابط وشرطي واحد. بقي الآخرون في السيارات، سرت بين الضابط وبين الشرطي، رأسي مرفوع وقامتي طويلة أطول من قامتهما، رجل عن يميني ورجل عن يساري كالياوران، رأيت طابورًا من الموظفين واقفين أمام باب المصعد ينتظرون. اتسعت عيونهم وهم يحملقون نحونا، وابتسمت لهم في ثقة. اهتزت عيونهم بذعر، ثم حركوا رءوسهم إلى الناحية الأخرى بإطراقةٍ منكسرةٍ مستسلمة، إلا رأسًا واحدًا. العينان ثابتتان في عيني، ابتسم مشجعًا، ثم رمق الضابط بنظرةٍ غاضبةٍ متحدية.

اتجه الضابط إلى مصعد آخر، مخصص للوزير وكبار الزوار. رفع عامل المصعد يده بالتحية، وأفسح للضابط الطريق، دخلت وراء الضابط إلى المصعد، ومن ورائي دخل الحارس البوليسي.

ضغط الضابط على زر رقم «٧»، وارتفع المصعد، ثم توقف. خرج الضابط وخرجت وراءه، ومن ورائي الحارس.

سار الضابط في ممرٍّ طويلٍ، على جانبيه عدد من المكاتب والأبواب المغلقة، يجلس أمامها عدد من السعاة والفراشين.

توقف الضابط وتحدث مع أحد السعاة، ثم عاد أدراجه نحو المصعد وهو يقول: ليس هذا الدور.

لم يكن المصعد موجودًا، نظر الضابط في ساعته قلقًا، ثم قال وهو يجري: لنصعد على السلم. جرينا وراءه أنا والحارس.

في الدور التاسع أشاروا عليه بالنزول إلى الدور الخامس.

نزلنا وراءه جريًا، وهو يلهث ونحن نلهث. في الدور الخامس قال له أحد السعاة: اصعد إلى الدور الثامن.

وانطلق الضابط يجري نحو السلم، وتوقفت وهتفت بغضب: غير معقول، لن أتحرك.

وقال الضابط باستجداء: معلهش يا دكتورة، لم يحدد لي أحد مكان التحقيق بالضبط، والمبنى كبير.

قلت بدهشة: ألا يعرف أحد مكان مكتب المدعي الاشتراكي؟

قال: إنه ليس مكتبًا واحدًا، إنها مكاتب كثيرة موزَّعة على عدة أدوار.

صعدنا إلى الدور الثامن، يشبه الأدوار السابقة، الممر الطويل على جانبيه الأبواب المغلقة، أمام كل باب جلس بعض السعاة والفراشين، بعضهم نائم، بعضهم يأكل، فتاة تجري في الممر، ومن خلفها طفل، على وجه الطفل ذباب، وخيط من المخاط يسيل من أنفه.

توقف الضابط أمام باب مفتوح قبل نهاية الممر، رأيت غرفة كبيرة مليئة بالضباط ورجال البوليس، بجوار الباب دكة طويلة يجلس عليها جنود مسلحون. حملقت العيون كلها نحوي، ثم سقطت الجفون فوق العيون فيما يُشبه النعاس أو الغيبوبة.

تبادل الضابط مع رئيس الضباط بضع كلماتٍ، ثم قادني إلى غرفةٍ أخرى في نهاية الممر.

أسير بخطواتٍ بطيئةٍ، أتشكك في يقظتي، ربما أحلم، أو ربما أتفرج على مسرحية، أو فصل في رواية كافكا «المحاكمة». النتيجة على الجدار تشير إلى أن اليوم ٢٨ سبتمبر ١٩٨١م، الغرفة مزدحمة بالرجال والشباب. بعضهم طويل اللحية والشارب يرتدي الجلباب، بعضهم حليق الرأس والوجه يرتدي بدلة. بعضهم يجلس حر اليدين إلى جواره الحارس، بعضهم يجلس وقد رُبطت يده مع يد الحارس بسلسلةٍ حديدية.

حملقت العيون حين دخلت، أطرقت بعض الرءوس من ذوي اللحية والجلباب غاضين البصر، عيون أخرى تعرفت على وجهي، وهتف أحدهم: أهلًا يا دكتورة، أهذه أول مرة تخرجين للتحقيق؟

قلت: نعم، وأنت؟

قال: هذه هي المرة الثالثة لي، ويستغرق التحقيق في كل مرة خمس ساعات. يسألني المدعي الاشتراكي عن كلماتٍ قلتها منذ عشرين عامًا.

وضحك الحاضرون من ذوي البدل، واهتزت الرءوس من ذوي اللحية، وقد كست وجوههم ابتسامة خفيفة تنم عن المشاركة.

وقلت: إذن أتوقع أن يسألني عن طفولتي.

وقال ضاحكًا: كل شيء وارد، أي شيء ممكن في هذا العهد.

رأيت ضابطًا يدخل إلى الغرفة، ويدعوني للخروج معه إلى الممر. خرج ورائي حارسي.

قال لي الضابط وهو يشير إلى كرسي في الممر: يمكنك الانتظار هنا حتى يأتي دورك في التحقيق.

رفضت الجلوس، وقلت للضابط في غضب: هذا ممر وليس غرفة للانتظار.

– لا توجد غرفة خالية.

– إذن، سأعود لأجلس في الغرفة التي كنت فيها.

– إنها للرجال.

– ولماذا لا تخصصون غرفة للنساء، إذا كان ولا بد من الفصل بين الجنسين؟!

– لا توجد غرف كافية.

– لن أجلس في الممر.

– ليس عندنا مكان آخر.

واندفعت بغضب، ومن خلفي الحارس إلى غرفة الضابط، واتجهت مباشرةً إلى رئيسهم الجالس إلى مكتب ضخم وقلت له: لن أجلس إلا في غرفة كما يجلس الآخرون، ولا يهمني أن أجلس وحدي أو مع غيري من الرجال، لكني لن أجلس أبدًا في الممر.

بحثوا عن غرفة فلم يجدوا، واضطروا إزاء إصراري أن أعود وأجلس في غرفة الانتظار.

رحب بعودتي الرجالُ بحرارة الزمالة والمشاركة في محنةٍ واحد، وشعرت أنهم جميعًا زملاء لي، يجمعنا مصير واحد، حتى هؤلاء الشباب من ذوي اللحية الطويلة والجلاليب الذين غضُّوا البصر، أحسست أنهم ينظرون إليَّ كزميلٍ مسجون معهم.

ثم دخلت فتاة صغيرة في الثالثة عشرة تقريبًا ترتدي جلبابًا ريفيًّا طويلًا وشبشبًا بلاستيكيًّا في قدميها المشققتين، تحمل صينية عليها أكواب صغيرة من الشاي.

فرغت من توزيع الشاي على الحاضرين، ثم سألتني: هل أحضر لك كوبًا من الشاي؟

سألتها: من أين؟

قالت: من البوفيه.

– أي بوفيه؟

– بوفيه الوزارة.

عاد إلى ذاكرتي «بوفيه» وزارة الصحة، حيث كنت أعمل بعض السنين. كان البوفيه داخل دورة المياه، والذباب ينتقل من المرحاض إلى الأكواب، ويتولى عمل الشاي والقهوة أحد السعاة أو الفراشين. لا يغسل الأكواب والفناجين، ويملأ الإبريق من صنبور المرحاض.

وقلت: لا، شكرًا.

وهتف أحد الزملاء: لا يمكن، لا بد أن تشربي شيئًا قبل التحقيق، أحضري لها كوبًا من الشاي.

قلت: ليس معي نقود.

قال: كلنا لسنا معنا نقود، وكله تحت الحساب.

وقالت الفتاة: المحامون يدفعون لي، أليس لك محامٍ؟

قلت: لي محامٍ، ولكني لا أعرف هل جاء أم لا.

قالت: أعطني اسمه، وأنا أسأل عنه. كل المحامين ينتظرون تحتُ، في الدور الأسفل.

أعطيتها الاسم، فخرجت مسرعة.

وسمعت الزميل إلى جواري يقول: إذا لم يحضر المحامي فلا تقلقي، إنه تحقيق شكلي لمجرد إثبات أن هناك قانونًا، لكن القانون في إجازة يا دكتورة.

وتمتم شاب له لحية سوداء كثيفة، وعينان سوداوان ضيقتان: حي على الصلاة.

ونهض الشباب، حتى هؤلاء المربوطة أيديهم في أيدي الحراس بالسلسلة الحديدية. فك الحراس السلاسل بمفاتيح صغيرة، ونهض الجميع للصلاة. خلعوا الشباشب، وقفوا صفًّا واحدًا وراء الإمام، أكتافهم متلاصقة وأقدامهم متلامسة.

رفع الإمام يديه لتلامس أذنيه وهتف: الله أكبر.

رفعوا أيديهم إلى أعلى لتلامس آذانهم مردِّدين الهتاف بصوتٍ واحد: الله أكبر.

ورن في الممر صوت مناديًا على اسمٍ من الأسماء، نهض أحد الزملاء ومن خلفه حارسه، وهتف به الآخرون: سيسألك المدعي اليوم عن الحرب العالمية الثانية!

ورد ضاحكًا: اطمئنوا، معي أربعة محامين.

ورنت الضحكات، ثم توقفوا فجأة عن الضحك. كست عيونهم سحابة حزن مفاجئ، كأنما تذكروا أنهم سجناء، وأنهم بعد التحقيق سيعودون إلى السجن، أو لعلهم أدركوا أن الضحك لا يصح، والصلاة قائمة. وكان شباب الجماعات الإسلامية ما زالوا يركعون ويسجدون وينهضون، ثم يركعون ثانية، وهم يتمتمون بآيات القرآن.

ودبَّ صمت يوحي بالحزن والرهبة.

إلى جواري سمعت صوتًا كالشخير. رأيت شابين جالسين لم ينهضا للصلاة، بينهما شبه كبير كأنهما توءَمان، الوجه طويل شاحب تناثرت عليه البقع، العينان زائغتان تنظران إلى الفراغ، يد أحدهما مربوطة مع يد الآخر بالقيد الحديدي.

وأدركت أن أحدهما مسجون والآخر حارسه، لكن الشبه بينهما غريب.

والحركة متشابهة، اهتزازة الرأس قليلًا، ثم سقوطه فوق الصدر، وإغماضة العينين المرهقتين الذابلتين، ثم تلك الانتفاضة كاليقظة المفاجئة، والجفنان ينفتحان في وقتٍ واحد، وتتسع عيونهما لحظة في دهشة أو ذعر، ثم تسقط الجفون فوق العيون، ويعود الصوت المنتظم كالشخير.

في ركن الغرفة بجوار النافذة، رأيت رجلًا جالسًا في صمتٍ يقرأ في الإنجيل، يرتدي عباءة سوداء تشبه ملابس القس، من حوله ثلاثة رجال يهزون رءوسهم ويحركون شفاههم.

بدت الغرفة أمام عيني كخشبة المسرح، يدور عليه مشهد من مسرحيات العبث أو اللامعقول.

جباه ملتصقة بالأرض، أكف مرفوعة إلى أعلى، رءوس منكسة فوق الصدر، تمتمة من القرآن والإنجيل، جلاليب واسعة فضفاضة، بدل عصرية أنيقة، وجوه بلا لحية ولا شارب، ورءوس حليقة، وجوه مغطاة بالشعر الكثيف كالغابة، وبدا كأنما لا شيء يجمع هؤلاء الناس إلا وجودهم الآن فوق خشبة هذا المسرح.

ثم دخل رجل طويل عريض يرتدي بدلة كاملة أنيقة، الوجه عجوز يطل عليَّ منذ زمنٍ بعيدٍ موغل في القدم. هيئته ومشيته فوق الخشبة توحي أنه صاحب جاه وسلطة لولا ذلك الحارس من خلفه الذي أوحى أنه أحد المسجونين.

وهبَّ الرجال واقفين.

– أهلًا يا باشا.

– اتفضل يا باشا.

– هذا المقعد يا باشا مريح، تفضل هنا.

وجلس إلى جواري، ملامحه رأيتها منذ سنين بعيدة في الصحف، في الصفحة الأولى. كنت طفلة، أبي يقرأ الجريدة، وأنا أنظر إلى الصور، صورة النحاس باشا وصورة فؤاد سراج الدين باشا، النحاس وجهه نحيل طويل، عين أصغر من عين، العين الصغرى تنظر نحوي، والعين الكبرى تنظر ناحية سراج الدين، وجه سراج الدين كبير مستدير مليء باللحم، عيناه واسعتان شاخصتان للأمام.

كنت أسمع أبي يقول: سراج الدين يشبه الملك، لكن النحاس من الشعب.

وترد أمي: كان النحاس من الفقراء، لكنه تزوج زينب الوكيل.

ارتبط في ذهني منذ الطفولة اسم الملك بسراج الدين بزينب الوكيل بالنحاس، وحين سقط الملك في ٢٣ يوليو ١٩٥٢م سقط معه الجميع، وسقط لقب الباشا أيضًا.

في كل حياتي لم أنطق كلمة «باشا» أو «بيه» أو «أفندي». تعودت أن أخاطب الناس بلقب «أستاذ»، أو «دكتور».

وسمعت من يقول: هل سلمت على الباشا؟

وصافحته وأنا أقول: أهلًا بالأستاذ فؤاد سراج الدين.

واتسعت العيون بالدهشة، والتفتَ ناحيتي بكل جسمه، ورأيت وجهه لأول مرة، ليس هو الوجه الذي كنت أراه في الصحف، ملامحه لا تشبه الملك فاروق، عيناه رغم الشيخوخة فيهما حيوية ويقظة وانتباه.

قال لي: كيف الحال عندكم في سجن النساء؟ أتنامين على الأرض أم على سرير؟

قلت: أنام على لوح خشبي فوق سرير، وأنتم في سجن الرجال أتنامون على الأرض؟

قال: نمت على الأرض عدة أيام، ولم أكن أنهض إلا بمعاونة ثلاثة من الزملاء، ثم جاءني طبيب السجن وطلبت منه سريرًا، وجاء السرير. طلبت من الطبيب أن يفحصه ويقول لي: هل هذا سرير أم لا؟ وجاء الطبيب، وبعد الفحص اتضح له أنه ليس إلا دكة خشبية.

وضحك الجميع.

وقال أحد الرجال: عرفنا فؤاد باشا في السجن، وضرب لنا المثل في الصلابة والتحمل، نراه جالسًا في الزنزانة شامخًا كالأسد لا يتوجع.

وقال سراج الدين: لحسن حظي كان معي في الزنزانة خيرة شباب مصر ورجالها. وامتد الحديث فترة من الوقت، ثم دُعي سراج الدين للتحقيق، ودُعي آخرون بعده. ودخلتْ فتاة البوفيه تحمل أكواب الشاي.

وقالت لي: لم يحضر محاميك حتى الآن.

وقال أحد الزملاء: إذا لم يحضر المحامي؛ فيمكنك تأجيل التحقيق حتى يحضر معك.

هذا أفضل لك إلا إذا كنت تعرفين شيئًا عن القانون.

قلت: معلوماتي في القانون قليلة، وأنا لا أثق في عدالة التحقيق أيضًا.

قال: كلنا مثلك، هذا التحقيق سياسي وليس قانونيًّا. سوف يسألك المدعي عن حياتك السياسية منذ تولي السادات الحكم، وربما قبل ذلك، والله أعلم، أهذه أول مرة تدخلين فيها السجن؟

قلت: أول مرة. وأنت، هل هي أول مرة؟

وقال: لا، أنا دخلت السجن أيام الملك، وأيام عبد الناصر، وهذه هي المرة الثالثة.

قلت: أنت سياسي قديم.

قال: منذ كنت بالمدرسة الثانوية، ومظاهرات سنة ١٩٤٦م كنت أخرج مع التلاميذ إلى الشوارع نهتف ضد الملك والإنجليز، ربما لا تذكرين هذه المظاهرات.

قلت: أذكرها جيدًا، كنت بالمدرسة الثانوية.

عادت إليَّ صور قديمة، عنبر الداخلية في مدرسة حلوان. دق جرس النوم، أُطفئ نور الكهرباء، تجسست علينا ضابطة الداخلية، وتأكدت من نومنا. ما إن ابتعد صوت وقع حذائها في الممر، حتى قفزنا من الأسرة، وسهرنا حتى الصباح ننسج على ستراتنا تحت ضوء القمر هذه الحروف: «الجلاء بالدماء.» وفي الصباح تجمعنا في الفناء، كسرنا باب المدرسة، وخرجنا إلى الشارع نهتف، في محطة قطار حلوان استولينا على عربة قطار، حملتنا إلى باب اللوق، ومن هناك سرنا على الأقدام مع مظاهرات الطلبة حتى ميدان عابدين. وفي قصر عابدين دخلت مع مجموعة من الطلبة والطالبات. كانت أول مرة في حياتي أدخل مثل هذا القصر، كل ما أذكره أن حذائي المغطى بالتراب غاص في سجاجيد ناعمة طرية، وجدران عالية جدًّا منقوشة، ومكتب كبير من فوقه دفتر ضخم مفتوح، ورجال طوال يرتدون بِدَلًا سوداء عضلاتهم مشدودة كأنما بالأسلاك. طلبوا منا أن نكتب أسماءنا، ثم خرجنا إلى الميدان. واستمرت الهتافات، ثم عدت مع زميلاتي إلى المدرسة.

ما إن رأتني الضابطة حتى شدتني من وسط البنات بأصابعها القوية الحديدية، وقادتني إلى مكتب الناظرة.

سمعت الناظرة تكلم أبي في التليفون، وتقول له إن أقل جزاء لي هو الفصل من المدرسة.

جفَّ ريقي ودق قلبي، كنت أحب المدرسة رغم ضابطة الداخلية، وأحب العلوم والأدب العربي وأنوي دخول كلية الآداب أو كلية الطب.

من لهجتها في الحديث أدركت أنها تحترم أبي، فهي تناديه بلقب «بيه». كان أبي في ذلك الوقت مفتشًا بوزارة المعارف، وكنت أرى الناظرة والمدرسات يرتعدن حين كان يدخل أي مفتش إلى المدرسة.

ولم تفصلني الناظرة، علمت من أبي أنه دافع عني، قال للناظرة إن من حق الطالبات البنات المشاركة في المظاهرات الوطنية مثل الطلبة، وعلمت أيضًا أن المدرسات والمدرسين دافعوا عني؛ لأني كنت متفوقة في الدراسة.

وفي كلية الطب كنت أخرج مع الطلبة في المظاهرات، في إحدى المظاهرات وجدت أنني الطالبة الوحيدة التي تسير وسط الطلبة، وتحمل معهم اللافتة الضخمة، كتبنا عليها: طلبة وطالبات الطب.

أبي وأمي كانا يشجعانني على الاشتراك في المظاهرات الوطنية، ضد الملك وضد الإنجليز.

في ثورة ١٩١٩م كان أبي طالبًا في دار العلوم في القاهرة، واشترك مع بعض زملائه في ضرب فرقة من الجنود الإنجليز. أصابته شظية رصاصة في ساقه، وعاد إلى قريته كفر طلحة محمولًا على عربة كارو.

أمي كانت تلميذة صغيرة في المدرسة الابتدائية في القاهرة، خرجت مع بعض زميلاتها إلى الشارع يهتفن ضد الإنجليز، أمسكها رجال البوليس، ووضعوها في قسم الشرطة نهارًا كاملًا، ثم عادت إلى بيتها.

•••

أفقت على اسمي يرن في الجو، نهضت ومن خلفي سار حارسي، وأمامي ضابط يقودني إلى باب مغلق. فُتح الباب ودخلت وحدي، وبقي الضابط والحارس خارج الباب.

وجدت نفسي في حجرة مكيفة، ملأت صدري بالهواء المنعش. رأيت رجلًا يجلس وراء مكتب كبير، ورجل آخر يجلس إلى منضدة صغيرة عليها دفتر كبير يشبه دفتر المأذون.

دعاني المحقق للجلوس، ورأيت أمامه ظرفًا حكوميًّا مغلقًا بالشمع الأحمر، إلى جواره ملف غلافه أزرق كتب عليه اسمي. فتح الملف والظرف ونظر في الأوراق، ثبتُّ عيني على وجهه، وجه كبير أسمر، عينان واسعتان لا تنظران مباشرة إلى عيني، كأنه يتفادى أن تلتقي عيناه بعيني، لماذا؟

ولماذا لا ينظر في عيني مباشرة؟

وسمعته يقول: موعد جلستك كان بالأمس، لماذا تخلفت عن الحضور بالأمس؟ اتسعت عيناي في ذهول، هل هذا المحقق مجنون؟ أم أنني جننت ولم أعُد أفهم ما يقول؟

وقلت بدهشة: ماذا تقول؟

وقال: كان يجب أن تحضري في موعدك بالأمس.

وقلت بدهشة: موعدي؟! أنا لم أعرف شيئًا عن هذا الموعد إلا صباح اليوم، ثم ألا تعرف أين أنا؟! أنا في السجن! فكيف أحضر إليك إلا بواسطة رجال البوليس؟

وقال: أنا لا شأن لي بالبوليس. كان لا بد أن تكوني هنا بالأمس، على أي حال سأبدأ معك التحقيق الآن.

هل يمكن أن أثق في عدالة هذا الرجل؟ وإذا بدأ بهذا الكلام غير المنطقي، فهل يمكن أن يكون هناك منطق أو عقل؟

وقلت: لن يتم التحقيق بدون حضور المحامي.

قال: هل لديك محامٍ؟

قلت: نعم.

جرس، ودخل أحد السعاة قال له: أحضِرْ محامي الدكتور نوال السعداوي.

– حاضر.

أغلق الباب.

وقال لي: سننتظر بضع دقائق حتى يأتي المحامي.

– ومن أين سيأتي؟

– من الدور الأسفل حيث ينتظر المحامون.

– هل أخطرتم المحامي بموعد التحقيق معي؟

– لا نخطر المحامين.

– لماذا؟

– ليس هذا عملنا.

– عمل من؟

– كل متهم يخطر محاميه.

– لكني في السجن، ولم يخطرني أحد بموعد الجلسة، ولا وسيلة لي للاتصال بالمحامي، فكيف أخطره؟!

– هذا ليس شأني.

– شأن من؟

– لا أعرف.

– لنفرض أن المحامي لم يأتِ.

– يمكنك تأجيل الجلسة إلى يوم آخر.

– ولكن هذا التأجيل يعني تأجيل ظهور الحقيقة، وتأجيل خروجي من السجن.

– يمكنك إذن عدم التأجيل.

– ولكني أريد المحامي معي أثناء التحقيق، هذا من حقي.

– إنه حقك، ويمكنك تأجيل الجلسة.

– وإذا تأجلت الجلسة كيف أضمن أنه سيعرف بالموعد الجديد، ومن الذي سيخطره بهذا الموعد؟

وظل صامتًا حائرًا لا يعرف الرد. الغضب يتجمع في أعماقي، أريد أن أنفجر في وجه هذا الرجل الذي كنت أتصور أنه يمثل العدالة، فإذا به عاجز لا عن العدالة فحسب، ولكن عن المنطق ذاته. إنه يتفادى النظر في عيني.

وفتح الباب ورأيت المحامي يدخل، كدت أعانقه، وهتفت بفرح: من حسن حظي أنك جئت اليوم.

قال المحامي: أنا أحضر كل يوم، وأنتظر مع المحامين. وبمجرد أن سمعت المنادي ينادي باسمك جئت على الفور.

قال المحقق: لنبدأ التحقيق.

قلت: قبل أن أبدأ التحقيق، أريد أن أسجل في المحضر كيف اقتحم رجال البوليس بيتي، وكسروا الباب، وفتشوا الشقة، وأخذوني إلى السجن، دون أن يكون معهم أمر رسمي من النيابة، وأريد أن أسجل أيضًا أنهم وضعوني مع زميلاتي المتحفظ عليهن في عنبر المتسولات في سجن القناطر، وأن اثنتين من زميلاتي مرضتا بالجرب، وأن صحتنا الجسمية والنفسية مهددة، ولا نحصل على أي حق من حقوق المتهم تحت التحقيق، ولا نخرج إلى فناء السجن، ولا يزورنا أحد، ونعيش في عزلة كاملة وراء بابين حديديين.

وقال المحامي باسمًا: لا أرى يا دكتورة فائدة من هذا الكلام.

قلت بدهشة: لا فائدة! كيف؟ إن كل ما حدث ضد القانون.

وابتسم المحامي قائلًا: نعم، ولهذا لا فائدة من تسجيل أي شيء. لا أحد سيقرأ هذا الكلام، المهم أن تكون إجاباتك على الأسئلة مختصرة، ولا داعي للإسهاب في شيء.

قلت: ولكني أودُّ أن أسجل ما قلت.

وقال المحقق: لا بأس، اكتب يا أستاذ.

وبدأ كاتب الجلسة يكتب في دفتره، شمر أكمامه ليمسك القلم، رفع ذراعًا في الهواء، ثم هبط الذراع فوق الدفتر. الدفتر شكله عجيب، يشبه دفترًا رأيته في متحف في جزيرة زنجبار في زمن العبيد.

اتسعت عيناي في دهشة: أين أنا؟ وفي أي زمنٍ أعيش؟

سطح المكتب يلمع من فوقه الملف، يعكس وجه المحقق ومن فوق غلافه اسمي الثلاثي، اسم جدي والد أبي لا زال مشبوكًا في اسمي، مات دون أن أراه، وعاش يبول الدم. رأس المحقق تهتز فوق الملف الأزرق، يفتحه، ثم يغلقه، يفتح المظروف الحكومي ذا الشمع الأحمر. دائرة حمراء مشرشرة ملتصقة بطرف المظروف المثنيِّ، تهتز تحت يده مع اهتزازات رأسه.

يحملق طويلًا في الأوراق، يقلب في الملف، وعيناه تبحثان عن شيء. تضيقان وتتسعان، ثم يغلق عينًا ويفتح الأخرى، كأنه ينظر من خلال ميكروسكوب.

يرفع رأسه قليلًا، ثم يعود إلى البحث.

سطح المكتب البلوري يعكس وجهه على نحوٍ عجيب، أنفه أصبح طويلًا كزلومة الفيل، عيناه ضيقتان كثقبين في إبرة، إصبعه داخل الملف فوق الورقة البيضاء كالإبرة الطويلة الممدودة داخل جسدٍ أبيض.

ما زال صامتًا، يحرك إصبعه ويبحث.

عن أي شيءٍ يبحث؟!

تذكرت محاكم التفتيش في القرون الوسطى، والإبرة الطويلة يغرسونها في جسد الساحرة الحكيمة؛ بحثًا عن علامة الشيطان.

وأخيرًا رفع رأسه، وظلت عيناه تحومان بعيدًا عن عيني، انفرجت شفتاه وسمعته يقول بصوتٍ خافتٍ كالفحيح: تقول المباحث إنك في سنة ١٩٧٢م ألقيت محاضرة في كلية طب عين شمس، وكان معك زوجك الشيوعي السابق، وأنك في هذه المحاضرة هاجمت النظام، وحرضت الطلبة على التمرد والثورة، ما قولك في هذا؟

كدت أنفجر بالضحك، لكني ابتسمت بهدوء.

وقلت: ولماذا لا نبدأ من الطفولة، بدلًا من سنة ١٩٧٢م فقط؟!

اتسعت عيناه بدهشةٍ، وقال: ماذا تقولين؟ لم أسمعك جيدًا.

قلت: هل تستمد معلوماتك عني في هذا التحقيق من المباحث؟!

قال: أود أن أقول إنني أنا الذي أسأل، وأنت التي تجيبين على الأسئلة وليس العكس، فأنا المحقق، أنا القاضي.

قلت بدهشة: أنت القاضي؟! لكن اسمك المدعي، فكيف تكون قاضيًا ومدعيًا في الوقت نفسه؟!

قال: قلت لك إنني أنا الذي أوجه الأسئلة، ولست أنت التي توجهين الأسئلة.

هه، ما رأيك في الكلام الذي قلته؟

قلت: أتقصد الكلام الذي قالته المباحث لك؟ إنه كلام كذب في كذب، فيما عدا أنني ألقيت محاضرة في كلية طب عين شمس في عام ١٩٧٢م. كانت المحاضرة عن المرأة والمجتمع، ولم يكن معي زوجي.

المحقق: المباحث تقول إن زوجك كان معك.

قلت بضيق: المباحث تكذب، إنها تزج باسم زوجي، وهي تعلم علم اليقين أن زوجي لم يكن معي، ولم يحضر هذه المحاضرة. كان معي أستاذ آخر من جامعة عين شمس، وبعد المحاضرة ببضعة أيام طلبني الأستاذ صفوت عباس للحضور إلى مكتب أمن الدولة في شارع زكي، وسألني بعض الأسئلة، ثم عُدت إلى بيتي. وقد طلب أيضًا الأستاذ الآخر الذي اشترك معي في الندوة ووجه إليه بعض الأسئلة وانتهى الأمر. وقد مرَّ الآن ما يقرب من عشر سنوات على هذه المحاضرة، وكانت محاضرة علمية داخل جامعة، وهي لا بد مسجلة، ولا بد أن المباحث اطَّلعت أيضًا على إجابتي على أسئلة صفوت عباس في أمن الدولة، فلماذا تحريف الحقائق؟

وقال المحقق: أنا الذي أوجه الأسئلة، أرجوك.

قلت: ولكني أريد أن أفهم أيضًا: لماذا تكذب المباحث؟

قال المحقق: لا دخل لي بالمباحث، أنا ممثل جهاز المدعي الاشتراكي، وهو جهاز منفصل عن المباحث.

قلت: إذا كان جهاز المدعي الاشتراكي منفصلًا عن المباحث، لماذا تعتمد في التحقيق معي على معلوماتٍ وردت إليك من المباحث؟ وتدخل المحامي قائلًا: يا دكتورة أرجوك أن تتذكري نوعَ هذا التحقيق، وحاولي أن تردي على السؤال دون التطرق إلى أشياء أخرى، وأنت تفهمين كلامي، وابتسم لي ابتسامة ذات معنى.

وابتسمت له قائلة: أفهم، ولكني لا أستطيع أن ألغي عقلي أو ألغي المنطق البسيط.

ثم جاء السؤال الثاني أكثر إدهاشًا من السؤال الأول.

سألني المحقق فجأة: تقول المباحث إن لك ميولًا ماركسية.

وهنا ضحكت، وقلت بدهشة: وكيف عرفتْ هذه المباحث هذه الميول، أنا طبيبة نفسية، وأعرف أن الميول هي مجرد مشاعر. فهل شقَّت المباحث قلبي، وعرفت مشاعري وميولي؟ ثم من قال إن الإنسان يدخل السجن؛ لأن له ميولًا فلسفية، ماركسية، أو غير ماركسية. إن الدستور المصري لا يضع قيودًا على ميول الإنسان المصري، ومن حق أي إنسان أن يميل ويهوى، ويعشق من الأفكار والفلسفات ما يشاء.

وضحك المحامي، وقال: يا دكتورة، كلنا نعرف ذلك. إن هذا السؤال خطأ من الناحية الدستورية والقانونية، لكن هذا التحقيق شيء آخر.

والتفت المحامي إلى المحقق، وقال له: الدكتورة كاتبة، ولها مؤلفاتها، وجميع أفكارها في هذه المؤلفات. إنها لم تدخل أي حزبٍ سياسي، إنها شخصية مستلقة، روائية ومناضلة من أجل تحرير المرأة. وأنا أقترح، بعد أن تأذن لي الدكتورة، أن تختصر الإجابة على السؤال السابق بكلمةٍ واحدة هي: لا.

وهمس المحامي في أذني: إن هذا التحقيق لا يبغي الحقيقة، ولكنه يهدف إلى تصيد أي كلمةٍ ضدك، ولا نريد أن نعطيهم هذه الفرصة.

وتوالت الأسئلة على هذا النحو العجيب، أخرج لي المحقق من مظروف أحد أعداد مجلة «التقدم»، وهي مجلة علنية يصدرها حزب «التجمع»، أحد الأحزاب السياسية الرسمية في مصر، وقال لي: عثروا على هذه المجلة في بيتك أثناء التفتيش.

قلت بدهشة: هل هي منشور سري؟! إنها مجلة أحد الأحزاب الرسمية في مصر، وأشار لي المحقق على المقال الأول في المجلة، وكان بقلم «خالد محي الدين» رئيس حزب التجمع، وقال لي: هل قرأت هذا المقال؟

قلت: لا.

قال: اقرئيه، وقولي لي ما رأيك في هذا المقال.

اتسعت عيناي في دهشةٍ وقلت: هذا المقال ليس بقلمي أنا، ولا أدري لماذا تريد رأيي فيه؟

قال: هل توافقين على ما جاء فيه؟

وقلت بغضب: لا أعرف ماذا جاء فيه، ولا أعرف لماذا تسألني هذه الأسئلة العجيبة عن مقال ليس بقلمي؟ لماذا لا توجه هذه الأسئلة لصاحب المقال نفسه؟

وهل تضعني في السجن وتحقق معي بشأن مقالٍ لم أكتبه على حين أن صاحب المقال نفسه حر طليق في بيته، ولا أحد يسأله عن مقال؟! لماذا لا تذهب إليه وتسأله هو؟ ولماذا تسألني أنا؟! هل أنا وصية أو مسئولة عن كتاباته؟!

وأطرق المحقق برأسه خجلًا، وظل صامتًا ينظر في الملف أمامه حائرًا، ثم أخرج لي سؤالًا آخر، كالحاوي يخرج من جرابه شيئًا.

قال: تقول المباحث إنك هاجمت معاهدة كامب ديفيد في مؤتمر كوبنهاجن العالمي للمرأة في يوليو ١٩٨٠م.

قلت: هذا كذب أيضًا؛ لأن معاهدة كامب ديفيد لم تكن موضوع المناقشة في المؤتمر، لقد دُعيت في أحد الاجتماعات؛ للتحدث عن مشاكل المرأة الفلسطينية في الأرض المحتلة، بصفتي مسئولة عن برنامج المرأة في اللجنة الاقتصادية لغربي آسيا بالأمم المتحدة. كانت القاعة مليئة بالصحفيين الإسرائيليين بعد أن تكلمت عن نشأة دولة إسرائيل تاريخيًّا، وكيف قاد النظام الطبقي الأبوي إلى النظام العبودي، ثم الإقطاعي، ثم الرأسمالي، وكيف لعب الاستعمار دورًا في نشوء إسرائيل.

وحاول هذا الصحفي الإسرائيلي مقاطعة كلامي، وإحداث فوضى في الاجتماع، فطردوه من القاعة.

وسألني أحد الصحفيين الإسرائيليين في الاجتماع قائلًا: بصفتك تعملين في اللجنة الاقتصادية لغربي آسيا بالأمم المتحدة، هل تفسرين لنا لماذا لا تكون إسرائيل إحدى الدول الأعضاء في هذه اللجنة التي تضم البلاد في المنطقة؟ أليست إسرائيل إحدى الدول الشرعية في المنطقة؟

وقلت له: ولماذا لا تذهب وتسأل الأمم المتحدة؟

وقال الصحفي الإسرائيلي: ما رأيك أنت شخصيًّا في هذا الوضع غير العادل؟

وقلت: إن نشوء إسرائيل كان غير عادل. لقد نشأتْ دولة إسرائيل بقوة السلاح والقتل؛ لإبادة شعب فلسطين رجالًا ونساء. ورأيي الشخصي هو أنني لا أرى أي عدالة في ضمها إلى دولة الأمم المتحدة في المنطقة.

وانتهى الاجتماع، ولم يسألني أحد عن كامب ديفيد.

وقال المحقق: لكن المباحث تقول إنك هاجمت معاهدة كامب ديفيد في هذا المؤتمر.

قلت: أي مباحث؟ المباحث الإسرائيلية أم المباحث المصرية؟

وقال المحقق: المباحث المصرية بالطبع.

وقلت: إذا كانت المباحث المصرية موجودة في ذلك المؤتمر، فلا بد أنها تعرف ماذا قلت. إن كلامي في ذلك الاجتماع كان في صف الشعوب العربية، وفي صف الشعب المصري ضد دولة إسرائيل، فما الذي يغضب المباحث المصرية في تلك؟ ومن المعروف أنني لا أوافق على سياسة السادات، ومنها كامب ديفيد. أنا لا أخفي شيئًا، وكل آرائي منشورة، لكن في هذا المؤتمر بالذات لم يسألني أحد عن كامب ديفيد، فلماذا تُحرَّفُ الحقائق، ويُزَجُّ بمعاهدة كامب ديفيد كذبًا في هذا المؤتمر؟

ظل المحقق صامتًا ينظر داخل الدوسيه.

وقلت لنفسي: هل جاء اسمي ضمن المتحفظ عليهم لهذا السبب بالذات؟

كنت أبحث عن سببٍ مقنعٍ لاعتقالي، واعتقال هذا العدد الكبير من مختلف الاتجاهات والتيارات والأفكار.

لا شيء مشترك بين هؤلاء الذي حبسهم السادات سوى معارضتهم لاتفاقية السلام مع إسرائيل.

أتكون إسرائيل هي السبب في وجودنا داخل السجن؟! هل أرادت أن تكتم الأصوات المعارضة للغزو الإسرائيلي الاقتصادي والثقافي تحت اسم «تطبيع العلاقات»؟! أي خديعةٍ تحدث تحت ستار الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، وحماية مصر من الفتنة الطائفية، وحماية قيم القرية من العيب؟!

وسمعت المحقق يردد: لكن المباحث تقول إنك هاجمت معاهدة كامب ديفيد في مؤتمر كوبنهاجن.

وضحكت: لا أدري لماذا ضحكت، لكني تذكرت امرأة مصرية ذات شعر رمادي، كانت واحدة في الموكب الذي تسير فيه زوجة السادات في مؤتمر كوبنهاجن، قابلتني وجهًا لوجه في أحد الأروقة، فصاحت بضيق: ماذا قلت في الاجتماع؛ حتى يثور الصحفي الإسرائيلي، ويطردوه من القاعة؟ وقلت لها: منذ متى وأنت تدافعين عن إسرائيل؟

واتسعت عيناها في دهشة ثم انفرجت شفتاها لترد عليَّ، لكنها لمحت زوجة السادات من بعيد، فهرولت بعيدًا عني وهي تقول بذعر: لا أريدها أن تراني معك.

وجرت نحوها تتأرجح على كعبيها العاليين الرفيعين.

وقلت: هل لعبت الزوجة دورًا ضدي، حين عادت إلى مصر من مؤتمر كوبنهاجن؟

لكن المحقق لم يرد على سؤالي، وظل ينظر داخل الملف.

وقلت بغضب: أريد أن أعرف لماذا أنا في السجن؟ لماذا أُعتَقَل في حين أن السادات أعلن إغلاق جميع المعتقلات، وأعلن أيضًا إلغاء قانون الطوارئ في ١٥ مايو ١٩٨٠م؟

ابتسم المحامي وقال: لكنه أصدر في نفس اليوم قانون ٩٥ لسنة ١٩٨٠م بحماية القيم من العيب.

وقلت: قانون الطوارئ كان أفضل، إنه على الأقل قانون مؤقت ومهما امتدت الأحكام العرفية، فهي تنتهي بانتهاء الظروف الاستثنائية، لكن السادات أراد أن يجعل الطغيان دائمًا وليس مؤقتًا، وأصدر قوانين بطش دائمة، وأعطى لها أسماء بريئة تناقض حقيقتها، إن محكمة القيم ليست إلا انتهاكًا للقيم الإنسانية الحقيقية.

وظل المحقق يحملق داخل الملف، وكأنه لا يسمعني.

ثم أخرج لي من الدوسيه صفحة من جريدة «الوطن» تصدر بالكويت. رأيت فيها صورتي ومقالًا بعنوان: «الأحزاب يشكلها الشعب وليس الحاكم.»

وقال المحقق: أنت صاحبة هذا المقال؟

قلت: هذا المقال نشر في جريدة الشعب بالقاهرة في ٩ يونيو ١٩٨١م تحت عنوان «الأحزاب يشكلها الشعب.» هل معك نسخة من جريدة الشعب؟

وقال المحقق: لا.

قلت: هذا المقال منقول عن جريدة الشعب.

وقال المحقق: هل يمكن أن تقرئي المقال بدقة، وتتأكدي أنك صاحبة كل كلمةٍ فيه؟

وأخذت أقرأ المقال.

انتهيت من قراءة المقال، ونسيت في لحظة أنني كاتبة المقال، وملأني الإعجاب بمن كتبه، ثم تذكرت فجأة أنني أنا الذي كتبته، فملأني الزهو والإعجاب بنفسي.

ورأى المحامي على وجهي ابتسامة الرضا، فابتسم هو الآخر. وسمعت المحقق يقول: هل كتبتِ هذا المقال؟

– نعم.

– كل حرف فيه؟

– كل حرف فيه.

– وما رأيك؟ هل أنت مقتنعة بما فيه؟

– تمام الاقتناع.

وبدأت المناقشة من أول فقرة في المقال إلى آخر فقرة. يقرأ المحقق الفقرة، ويسألني معناها، ثم ينتقل إلى الفقرة الأخرى.

وتوقف المحقق طويلًا عند هذه العبارة: الظاهرة التي نلمسها اليوم من أن الحكام هم الذين ينشئون الأحزاب، أو يقولون إنهم هم الذين أنشئُوها، وهل يتفق ذلك من الدستور؟

سألني المحقق: ماذا تقصدين بهذه العبارة؟ ومن هم الحكام الذين أنشئوا الأحزاب أو قالوا إنهم هم الذين أنشئُوها؟

قلت: نعم، حدث هذا في مصر، وقد صرح السادات في الصحف أنه هو الذي أنشأ أحزاب المعارضة، ولولاه ما نشأت، وأنه يمكنه أن يسحقها بمثل ما أوجدها. صرح السادات بهذه العبارات في صدامه الأخير مع أحزاب المعارضة، ورد المحامي قائلًا: نعم، كلنا قرأنا ذلك في الصحف في الفترة الأخيرة.

استغرق التحقيق عدة ساعات. وشمل أسئلة شبيهة بالأسئلة السابقة، لم أعد أذكرها بسبب تفاهتها، لكن المحقق لم يسألني سؤالًا واحدًا عن دوري في الفتنة الطائفية، أو عن اشتراكي في أي مخططٍ أجنبي؛ لإحداث فوضى بالبلاد أو قلب نظام الحكم.

لم تستطع المباحث أن تلفِّق لي مثل هذه الاتهامات التي نشرتها الصحف، والتي أكدها مجلس الشورى.

واتضح لي، وللمحقق، وللمحامي أن لا شيء ضدي، وأن إجاباتي كلها منطقية ومقنعة، على حين كانت الأسئلة كلها غير منطقية وملفقة على نحوٍ مضحك.

ورفعت رأسي في كبرياء، وأنا أشعر أن الحق معي. تصورت أنه سيأمر بالإفراج عني لبراءتي. ونهضت وأنا أقول: الآن أذهب إلى بيتي، لا شيء ضدي.

وابتسم المحامي قائلًا: ليس بهذه السرعة يا دكتورة.

وقلت بغضب: قضيت بالسجن حتى الآن اثنين وعشرين يومًا دون وجه حق، ودون تحقيق، وها هو التحقيق يسفر عن لا شيء ضدي.

وقال المحقق: إن التحقيق لم ينتهِ بعد، وسوف نرسل إليك مرةً أخرى إذا حصلنا على معلوماتٍ جديدة.

قلت: ولماذا أوضع في السجن كل ذلك الوقت؟ هذا ضد القانون. المفروض أن يطلق سراحي اليوم فورًا، ثم أعوض عن كل الأيام التي قضيتها في السجن، وحين تصلكم معلومات جديدة يمكن استدعائي من بيتي.

وابتسم المحامي وقال: يا دكتورة، هذا اعتقال بأمر السادات شخصيًّا، ولن يُفرَج عنك إلا السادات نفسه حين يريد.

وقلت بغضب: هذه دولة بغير قانون وبغير عدالة، وهذا التحقيق لا فائدة ولا عدالة فيه.

ودق المحقق الجرس، وانفتح الباب وحوَّطني الضابط والحراس، وحملوني بالسيارات إلى السجن مرةً أخرى.

•••

في طريق العودة إلى السجن كنت حزينة، لكن من تحت الشعور بالحزن كان هناك شعور آخر. نوع من الشوق الغريب لزميلات العنبر، كأنني غبتُ عنهن عدة أعوام وليس عدة ساعات. نوع من الفرح؛ لأنني أعود إليهنَّ.

دُهشت لهذا الشعور، لكني اكتشفت أن حياة السجن تخلق بين المسجونين نوعًا من الزمالة الفريدة، تصورت في لحظة أنني عائدة إلى أهلي وأسرتي الحميمة في ذلك العنبر المنعزل في آخر الدنيا.

ما إن اقتربت السيارة من القناطر؛ حتى عادت إليَّ وجوه زميلاتي. عيونهن في الليل وهي تبحث عن عيني، أصواتهن وهي تنشد صوتي، تآزُرُنا معًا ضد إدارة السجن، جلوسنا فوق الحوش الترابي ننقي الفول والعدس. ضحكاتنا المرحة أحيانًا، بل والخلافات والمشاكسات أيضًا بدت لي من على البعد أشياء قريبة إلى قلبي عزيزة على نفسي.

لكن بوابة السجن الضخمة أشاعت في جسدي قشعريرة. الشق الصغير ينثني داخله جسدي، أصابع الشاويشة ويداها تمران فوق رأسي وجسدي تفتشني، الأبواب الحديدية، الأصوات، الرائحة، الهواء الراكد الثقيل يجثم على صدري وقلبي.

لكن ما إن فتح باب العنبر، حتى اتسعت العيون بدهشة وفرح، وتعالت الأصوات الحميمة تهتف بسعادة: وحشتينا! لم نتصور أن لك كل هذه الوحشة، كأنك غبت عنا عامًا كاملًا، وليس يومًا واحدًا.

جلسن حولي متلهفاتٍ يسألن ماذا حدث أثناء التحقيق. حكيت لهم القصة كما حدثت، وبتفاصيلها الدقيقة، مثلت لهم بعض حركات الضابط والمتحفظ عليهم من الزملاء داخل غرفة الانتظار. قلت لهن: إن إصبع المدعي داخل الملف كانت كإبرة محاكم التفتيش تبحث عن علامة الشيطان.

ضحكنا حتى كاد يُغمى علينا من الضحك.

كنت كمن يحكي مسرحية هزيلة أو عبثية من مسرح اللامعقول. ورنت الضحكات في العنبر، لكنها ليست إلا لحظات وعاد إلينا الوجوم والحزن. وقالت زميلة: لا أمل في التحقيق، ولا أمل في العدالة، ولا أمل في شيء، قلت ذلك مئات المرات.

وردت زميلة أخرى: لا أمل إلا في عدالة الله.

ودبَّ الصمت الحزين الطويل طول الليل.

•••

في منتصف الليل سمعت صوت أنين خافت، رأيت «اعتدال» راقدة على سريرها مفتوحة العينين، الدموع تغرق وجهها، شفتاها منفرجتان كأنها تتمتم بآيات القرآن. و«بدور» إلى جوارها تربِّت على كتفها، وتقرأ لها بعض الآيات.

همست: أهي مريضة؟

ردت بدور: لا، خرجت إلى جلسة تحقيق، ثم عادت بهذا الشكل.

وضعت يدي على رأسها، كانت ساخنة، ملتهبة، كأنما أصيبت بحُمَّى. جسمها يرتعش، وجهها شاحب، نزعت البطانية من فوق سريري وغطيتها، وأمسكت معصمها لأعد النبض. تعلقت عيناها بعيني، وانفرجت شفتاها عن صوتٍ خافتٍ ممزقٍ كالأنفاس المتقطعة، أو هذيان المحموم: أمي لم تحضر، لا بدَّ أنها مريضة، لم تأتِ مع خالتي إلى الجلسة. خالتي كانت تذهب كل يوم إلى مكتب المدعي، كل يوم تذهب حتى ترى ابنها وتراني، لم يكن معها محامٍ. وأنا لا أعرف شيئًا، بكيت وخفت أن أدخل وحدي إلى المدعي، رأيت ابن خالتي والحديد في يده. خالتي قالت: إن المحامي يحتاج إلى فلوس، وهي ليس معها فلوس. وقالت: إن الناس قالوا لها إن المحامي ليس له فائدة. التهم خطيرة، والناس قالوا لها: إن المسألة صعبة. أصعب حاجة في الدنيا، ولا يمكن أي محامٍ يحلها. والتُّهم كثيرة والمتهمون كثير، والقرارات كثيرة. قرارات معروفة يحفظونها في مبنى كبير. والمحامي لا بد أن يذهب بنفسه، والمكاتب كثيرة، والأدوار كثيرة ليس لها عدد. إذا عرف الطريق ووصل إلى الباب الصحيح لا بدَّ أن يترك بطاقته عند الدخول، وينتظر في غرفة مع المحامين. غرفة المحامين بالدور الأسفل بجوار دورة المياه. خالتي رأتهم بعينها؛ لأنها حاولت تدخل دورة المياه، منعوها وقالوا إنها البوفيه. رأت المحامين مكدسين في الغرفة مثل السردين، مائة أو ألف لا أحد يعرف. فوق بعض، واقفين طول النهار ينتظرون مثل شحاتين السيدة. ناس قالوا لخالتي إنهم ينتظرون تأشيرة رئيس المحكمة الكبيرة، وسألت خالتي عن اسم المحكمة. لا أحد يعرف، لا اسم المحكمة، ولا اسم الرئيس، لكن قالوا لها إن التأشيرة مهمة. لا يمكن المحامي يعمل حاجة بدون التأشيرة، ولا يمكن الحصول على التأشيرة في يومٍ واحد. المسألة تأخذ وقتًا طويلًا؛ لأن الرئيس لا يحضر كل يوم؛ لأن عنده أعمالًا أخرى في مكاتب كثيرة في أدوار كثيرة، والقرارات كلها عنده في درج مكتبه، ولا أحد معه مفتاح الدرج إلا هو شخصيًّا. وإذا سافر يأخذ المفتاح معه، وإذا غاب شهرًا أو اثنين لا يمكن لأي واحدٍ غيره يفتح الدرج. ناس قالوا لخالتي إن القرارات سرية، ولها أرقام سرية، لكن كل قرار له رقم مسلسل. وما دام الرقم مسلسلًا يبقى له تاريخ باليوم والساعة. ولا بد أن المحامي يعرف الرقم والتاريخ. بدون الرقم والتاريخ لا يمكن يحصل على القرار، لكن ما دامت الأرقام مسلسلة فلا بد أن القرار يظهر ويبان ولو بعد عام، لكن المهم أن المحامي يعرف السكة، أو يعرف شخصًا يعرف الرئيس أو الوكيل أو السكرتير أو حتى الفراش. خالتي عرفت الفراش وقالت الفراش أهم واحد؛ لأنه أول واحد يعرف إذا كان الرئيس موجودًا أو غير موجود، مسافرًا أو غير مسافر، لكن المحامي الصالح صاحب الضمير لا بد أن يصل؛ لأن الله مع الصالحين. وخالتي تعرف محاميًا عنده ضمير، لكنها تقول إنه شاب خام، ولا يعرف أحدًا. طلب منها ثلاثين جنيهًا تحت الحساب، لم يكن معها إلا عشرة جنيهات.

ولأنه عنده ضمير قال لها الحقيقة بصراحة، ورفض أن يأخذ العشرة جنيهات، وقال لها: ضعي الفلوس في جيبك يا حاجة، ولا فائدة مني أو أي محامٍ. لا فائدة من الحصول على رقم القرار أو حتى القرار نفسه؛ لأن المسألة ليست قرارًا، ولا رقمًا، ولا أي حاجة. المسألة كبيرة وصعبة ولا يمكن يحلها محامٍ ولا قاضي. لا يمكن يحلها إلا الله سبحانه وتعالى، وخالتي ضربت كفًّا بكف، وقالت له: أعمل إيه يا أستاذ؟ قال لها: توضئِي وصلي لله يا حاجة. رأيت خالتي تبكي، وبكيت مثلها. ودخلت للمدعي وحدي أرتعش من الخوف، سألني: اسمك إيه يا شاطرة؟ قلت له: اسمي اعتدال، قال لي: واسم أبوكي، واسم جدك؟ قلت له: كل الأسماء حتى اسم أمي واسم خالتي، كتب كل حاجة في ورقة، وقال لي: أنت فين يا اعتدال؟ قلت: أنا في سجن القناطر في عنبر السياسيات. قال لي: مين معاكي يا اعتدال في العنبر؟ قلت له: معايا ناس كويسين، قال لي: مثل مين يا اعتدال؟ قلت له: معايا دكتورة اسمها نوال السعداوي. قال لي: خلي بالك من كلامها، يمكن تسحرك بكلامها، وتقلب لك عقلك، قلت له: هي ست كويسة وكلامها كويس، وإحنا كلنا كويسين مع بعض. قال لي: طيب روحي يا اعتدال، قلت له: أروح بيتنا، قال لي: قصدي تروحي السجن وبكرة عندك جلسة ثانية هنا عندي، قلت له: طيب وليه بكرة، ما تسألني كل حاجة النهاردة عشان أخلص وبلاش آجي بكرة ثاني؟ قال لي: أنا ورايا ناس كتير غيرك النهاردة، وبكرة إن شاء الله تيجي تاني يا اعتدال، قلت له: وآجي إزاي؟ قال لي: هم عارفين وهم اللي حايجبوكي، ولا تحملي أي هم أنت.

•••

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١