الفصل السابع

بعض المشكلات الصعبة

مع تزايد فهم علماء الأحياء لنظرية التطور بشكل جيد، واختبارهم لها، أُثِيرت أسئلة جديدة؛ فالمشكلات كلها لم تُحَل، ولا تزال أسئلة قديمة، وأخرى جديدة، تُثير الكثيرَ من الجدل. في هذا الفصل سنصف بعضَ أمثلة الظواهر البيولوجية التي يبدو أن من الصعب تفسيرها؛ بعض هذه الظواهر تناوَلَها داروين نفسه، بينما خضع البعض الآخَر لأبحاث لاحقة.

كيف يمكن لعمليات التكيُّف المعقَّدة أن تتطور؟

كثيرًا ما يُثير منتقدو نظرية التطور عن طريق الانتخاب الطبيعي مسألةَ صعوبةِ تطوُّرِ البنى البيولوجية المعقدة، بدايةً من جزيئات البروتينات، ومرورًا بالخلية المنفردة، وانتهاءً بالعين والمخ. كيف يمكن إنتاج جزء عامل بشكل مثالي ومتكيِّف على نحو أنيق من آلية بيولوجية فقط عن طريق الانتخاب القائم على الطفرات التي تقع بفعل المصادفة؟ إن فهم الكيفية التي يمكن أن يحدث بها هذا الأمر يكمن في معنًى آخَر تحمله كلمةُ «التكيُّف»؛ ففي تطور الكائنات وآلياتها المعقدة، تكون جوانب عديدة عبارة عن نُسَخ معدَّلة (متكيِّفة) من بنًى أخرى قائمة بالفعل، تمامًا مثلما يحدث حين تُصنَع الماكينات على يد مهندسين؛ فعند صناعة ماكيناتٍ وآلاتٍ معقَّدة، تُنقَّح النماذجُ الأولية غير المتقنة مع مرور الوقت وتتشكَّل (تتكيَّف) بحيث تصير لها استخداماتٌ جديدة غير متوقَّعة. ويُعَدُّ تطوُّر الإحلال الكامل للركبة مثالًا طيبًا على العملية التي يكون فيها الحلُّ الارتجالي الأولي لمشكلةٍ ما جيدًا بشكل كافٍ، لكنه يتكيَّف مع مرور الوقت كي يعمل بشكل أفضل وأفضل. وكما هو الحال في التطور البيولوجي، وُضِعت تصميماتٌ عديدة مبكرة تبدو سيئةً بمعايير اليوم، لكن كل واحد منها كان تحسينًا لما سبقه، ويمكن استخدامه من طرف جرَّاحِي الركبة، وكل تصميم من هذه التصميمات لعب دوره بوصفه مرحلةً في تطوُّر الركبة الصناعية الحديثة المعقَّدة.

تشبه عمليةُ التكيُّف المتتابِع للتصميمات هذه عمليةَ تسلُّقِ أحد التلال في ضباب كثيف؛ فحتى دون وجود هدف يتمثَّل في الوصول إلى القمة (أو حتى دون معرفة مكان القمة)، إذا اتَّبَعَ المرءُ قاعدةً بسيطة — كل خطوة يصعد بها إلى الأعلى — فسوف يقترب أكثر وأكثر من قمة التل (أو على الأقل أقرب قمة إليه)؛ فمجرد جعْلِ بنيةٍ ما تعمل على نحوٍ أفضل بصورةٍ أو بأخرى سيؤدِّي في النهاية إلى تصميم مُحسَّن، دون أن يكون ضروريًّا وجودُ «مصمِّم». في الهندسة، يكون التصميمُ المُحسَّن عادةً نتيجةً للعديد من الإسهامات من مهندسين مختلفين على مدار عملية تطوُّر الماكينة، ولَكَمْ سيشعر مصنِّعو السيارات الأوائل بالذهول لو أنهم رأَوْا السيارات الحديثة. في التطوُّر الطبيعي، ينتج هذا عمَّا أُطلِق عليه عمليةُ «الإصلاح» البسيطة للكائن، بحيث يكون الكائنُ الذي يملك هذه التغيرات البسيطة أعلى قدرةً على البقاء أو التكاثُر مقارَنةً بسواه. وفي عملية تطوُّر البنى المعقَّدة، يجب بطبيعة الحال أن تتطوَّر سماتٌ عديدة على نحوٍ متزامِنٍ، بحيث تكون الأجزاءُ المختلفة للبنية متكيِّفةً على نحوٍ طيب مع عمل الجسم كله. ولقد رأينا في الفصل الخامس أن السمات المفيدة يمكن أن تنتشر بين أفرادِ أيِّ تجمُّعٍ في غضون فترةٍ بسيطة من الوقت، مقارَنةً بالوقت المتاح للتغيرات التطورية الكبرى، حتى لو كانت في البداية نادرةَ الوجود؛ ومن ثَمَّ يمكن لسلسلة من التغيرات البسيطة في بنيةٍ تعمل بالفعل، ويمكن تحسينها، أن تؤدِّي إلى إنتاج تغيُّرات تطورية كبيرة. وبعد آلاف عديدة من السنوات، لن يكون من الصعب تخيُّل حتى أكثر التغيرات جذريةً، وبعد مرور ما يكفي من الوقت، ستختلف البنية عن حالتها السابقة بطرق عديدة مختلفة، بحيث يملك أفرادُ التجمعِ الوليدِ مزيجًا من السمات لم يكن موجودًا من قبلُ قطُّ لدى سلفه، تمامًا مثلما تملك السياراتُ الحديثة اختلافاتٍ عديدةً مقارَنةً بالسيارات الأولى. ليست هذه إمكانية نظرية فحسب، فكما وصفنا في الفصل الخامس، فإن القائمين على استيلاد وتهجين الحيوانات والنباتات يحقِّقون هذا عن طريق الانتخاب الصناعي؛ ومن ثَمَّ لا توجد صعوبةٌ في رؤية الكيفية التي يمكن أن يسبِّب بها الانتخابُ الطبيعي تطوُّرَ سماتٍ معقَّدة للغاية، مؤلَّفة من عدد كبير من المكونات المعدَّلة على نحوٍ متبادل فيما بينها.

أحيانًا يُطرَح تطوُّرُ جزيئات البروتين بوصفه مشكلةً صعبة على نحو خاص؛ فالبروتينات بنًى معقدة يجب أن تتفاعل أجزاؤها معًا كي تعمل على نحو سليم (يجب أن يتفاعل العديد من البروتينات مع بروتينات وجزيئات أخرى، بما في ذلك الدي إن إيه في بعض الحالات)، ويجب أن تكون نظريةُ التطوُّر قادرةً على تفسير تطوُّر البروتينات. هناك ٢٠ نوعًا مختلفًا من الأحماض الأمينية، وبذا فإن احتماليةَ أن يَظهَر الحمض السليم في موقعٍ بعينه في جزيء بروتيني يبلغ طوله ١٠٠ حمض أميني (أقصر من العديد من البروتينات الحقيقية)، تبلغ ١ في العشرين؛ ومن ثَمَّ تصير فرصةُ تجميعِ مائة حمض أميني معًا على نحوٍ عشوائي — بحيث يكون كلُّ حمض أميني في الموضع الصحيح له داخل التتابُع؛ ومن ثَمَّ يتكوَّن بروتين عامل — فرصةً بعيدة للغاية؛ ولهذا السبب زُعِم أن احتماليةَ تجميع بروتين عامل مشابِهةٌ لاحتمالية تجميع طائرة بواسطة إعصارٍ ضرَبَ ساحةً للخردة. من الصحيح أن أي بروتين عامل لا يمكن تجميعه عن طريق الانتقاء العشوائي للأحماض الأمينية لكل موضع في التتابع، لكن كما أوضحنا في التفسير السابق، لا يعمل الانتخابُ الطبيعي بهذه الطريقة؛ فالبروتينات بدأت على الأرجح في سلاسل قصيرة بها بضعةُ أحماض أمينية يمكن أن تتسبَّب في إتمام التفاعلات على نحوٍ أسرع، ثم تحسَّنَتْ مع مرور الوقت مع تطورها. لا توجد حاجةٌ للقلق بشأن الملايين العديدة من التتابعات غير العاملة التي لن توجد مطلقًا، شريطةَ أن تكون التتابعاتُ البروتينية خلال التطوُّر قد بدأَتْ بتحفيز التفاعلات على نحوٍ أفضل ممَّا هو الحال في غياب البروتينات، ثم تحسَّنَتْ بالتدريج عبر الزمن التطوري. ومن السهل أن نرى من حيث المبدأ كيف يمكن لتغيراتٍ تدريجيةٍ متتابِعةٍ، كل منها يغيِّر التتابُعَ أو يُضيف إلى طوله، أن تحسِّن البروتين.

إن معرفتنا عن الكيفية التي تعمل بها البروتينات تدعم هذا. عادةً ما يكون الجزءُ الضروري للنشاط الكيميائي للبروتين جزءًا صغيرًا للغاية من التتابع؛ فأي إنزيم تقليدي تكون به حفنةٌ من الأحماض الأمينية التي تتفاعل ماديًّا مع المادة الكيميائية التي يُفترَض أن يُغيِّرها الإنزيمُ، وأغلبُ الجزءِ المتبقي من سلسلة البروتين يوفر فقط منصةً تدعم بنيةَ الجزء المُشترِك في هذا التفاعل؛ يعني هذا ضمنًا أن عمل البروتين إنما يعتمد على نحوٍ حيوي على مجموعة صغيرة نسبيًّا من الأحماض الأمينية، بحيث يمكن لوظيفة جديدة أن تتطوَّر من خلال عدد صغير من التغيرات في التتابع البروتيني. تمَّ التحقُّق من هذا في العديد من التجارب التي تعرَّضَتْ فيها تغييراتٌ مستحثَّة صناعيًّا بالتتابعات البروتينية للانتخاب بحيث تؤدِّي أنشطةً جديدة، وقد ثبت على نحوٍ مُثير للدهشة أنه من اليسير للغاية إحداثُ تحوُّلاتٍ جذرية في النشاط البيولوجي للبروتين من خلال إحدى هذه الوسائل — أحيانًا من خلال تغيير حمض أميني وحيد — وهناك أمثلة مشابهة من بين التغيرات المتطورة طبيعيًّا.

يمكن إعطاء إجابة مشابهة للسؤال المتعلق بالكيفية التي يمكن أن تتطور بها المسارات الخاصة بتفاعلات الإنزيمات المتتابعة، مثل تلك التي تصنع الموادَّ الكيميائيةَ التي تحتاجها الكائناتُ (انظر الفصل الثالث). قد يظنُّ المرءُ أنه — حتى لو كانت المنتجات النهائية مفيدةً — سيكون من المستحيل تطويرُ مثل هذه المسارات؛ نظرًا لأن التطور لا يتمتَّع بنظرة مستقبلية، ويعجز عن بناء سلسلة من تفاعلات الإنزيمات إلى أن تكون وظيفتها مكتملة. ومجددًا نقول إن حل هذا اللغز الظاهري بسيط؛ فالعديد من المواد الكيميائية المفيدة كان موجودًا على الأرجح في بيئة الكائنات المبكرة، ومع تطوُّرِ الحياة صارت هذه المواد شحيحةً، والكائنُ الذي يستطيع تغييرَ مادة كيميائية مشابِهة إلى مادة مفيدة سيستفيد من ذلك، ومن ثَمَّ يمكن تطويرُ أحد الإنزيمات لتحفيز ذلك التغير؛ عندئذٍ ستُصنَّع المادةُ الكيميائية المفيدة من المادة القريبة لها، ومن ثَمَّ سيحظى بالتفضيل مسارٌ بيوتخليقي قصير، له سلف ومنتج نهائي. وعن طريق خطوات متتابعة كهذه، يمكن تطويرُ مسارات عكسية بدايةً من منتجاتها النهائية، بحيث تُراكِم المواد الكيميائية التي تحتاجها الكائنات.

إذا كانت أوجه التكيُّف المعقَّدة تتطوَّر فعلًا في خطوات، كما يقترح علماءُ الأحياء التطوريون، فمن المفترض إذن أن نعثر على أدلةٍ على المراحل الوسيطة في تطوُّر هذه السمات؛ وهناك مصدران لهذه الأدلة: الأشكالُ الوسيطة في السجل الحفري، والأنواعُ الموجودة حاليًّا التي تُظْهِر مراحلَ وسيطةً بين المراحل البسيطة وتلك الأكثر تعقيدًا. في الفصل الرابع وصفنا أمثلةً على الحفريات الوسيطة التي تربط أشكالًا مختلفةً للغاية، وهذه تدعم مبدأَ التغيرات التطورية التدريجية. بطبيعة الحال، في حالات عديدة يكون هناك غيابٌ كاملٌ للأشكال الوسيطة، خاصةً مع التوغُّل في الماضي. وعلى وجه الخصوص، التقسيمات الكبرى للحيوانات العديدة الخلايا، بما فيها الرخويات ومفصليات الأرجل والفقاريات، ظهرت كلها تقريبًا على نحوٍ مباغِت في العصر الكمبري (منذ أكثر من ٥٠٠ مليون عام مضت)، ولا توجد تقريبًا أدلة حفرية تخصُّ أسلافَها، ودراساتُ تتابعاتِ الدي إن إيه الحديثة التي تناولَتِ العلاقات بينها، تقترح بقوة أن هذه المجموعات كانت بالفعل سلالاتٍ منفصلةً من قبل العصر الكمبري بكثيرٍ (الشكل ٦-٢)، لكننا ببساطةٍ لا نملك معلوماتٍ عمَّا كانت تبدو عليه، وهو ما يعود على الأرجح إلى أجسامها الرخوة؛ ومن ثَمَّ صعوبة تحجُّرها على صورة حفريات. بَيْدَ أن عدم اكتمال السجل الحفري لا يعني أن الأشكال الوسيطة لم يكن لها وجود؛ إذ يتم اكتشاف أشكال وسيطة على نحو مستمر، وأحد تلك الاكتشافات الحديثة يتمثَّل في حفريةٍ لأحد الثدييات عمرها ١٢٥ مليون عام في الصين، تحمل سماتٍ مشابِهةً للثدييات المشيمية الحديثة، لكنها أقدم بأكثر من ٤٠ مليون عام من أقدم حفرية معروفة في السابق من هذا النوع.

النوع الثاني من الأدلة، القادم من مقارنات الأشكال الحية، هو مصدر المعلومات الوحيد بشأن الملامح الجسدية التي لا تُحفَظ على صورة حفريات. أحد الأمثلة البسيطة، ولكن الدامغة، يتمثَّل في الطيران، وهو ما أوضحه داروين في الفصل السادس من كتابه «أصل الأنواع». فلا توجد حفريات تربط الخفافيش بالثدييات الأخرى، وأولى حفريات الخفافيش، التي عُثِر عليها في رواسب عمرها أكثر من ٦٠ مليون عام، لها نفس الأطراف المعدَّلة التي تتمتَّع بها الخفافيش الحديثة؛ لكن هناك أمثلة عديدة لثدييات حديثة تمتلك القدرةَ على الانزلاق في الهواء، لكن ليس الطيران، وأكثر هذه الأنواع شيوعًا هي السناجب «الطائرة»، الشبيهة بدرجة كبيرة بالسناجب العادية فيما عدا وجود زوائد جلدية مفلطحة تربط كل طرف أمامي بطرف خلفي؛ هذه الزوائد تعمل عملَ جناحين بدائيين، وتمكِّن السنجابَ من الانزلاق في الهواء لمسافةٍ ما إذا ما دفَعَ نفسه في الهواء. تطوَّرَتْ أوجهُ تكيُّفٍ أخرى من أجل الانزلاق على نحو مستقل في ثدييات أخرى، منها ما يُطلَق عليه الليمورات الطائرة (وهي ليست ليمورات حقيقية، وليست لها علاقة بالسناجب الطائرة)، وكذلك «شوجر جلايدر» الذي ينتمي إلى الجرابيات، وهناك أنواع أخرى منزلقة معروفة من السحالي والثعابين والضفادع. من السهل أن نتصوَّرَ كيف أن امتلاك القدرة على الانزلاق يُقلِّل خطرَ أن يتعرَّض الحيوانُ الذي يعيش في الأشجار للإمساك والالتهام من طرف أي مفترس، وأن الانزلاق يمكن أن يتطوَّر عن طريق التعديل التدريجي لجسد الحيوان الذي يقفز بين أفرع الشجر. من الواضح أن الزيادة التدريجية في مساحة الجلد المستخدَم في الانزلاق، وتعديلات الأطراف الأمامية كي تدعم هذه الزيادة؛ تفيد الكائن. تمتلك الليمورات الطائرة غشاءً كبيرًا قابلًا للتمدد يمتد من الرأس إلى الذيل، وهذا شبيه للغاية بأجنحة الخفافيش، بالرغم من أن الحيوانات يمكنها فقط أن تنزلق، لا أن تطير. وبمجرد تطوُّر بنيةٍ للجناح تمكِّن الكائنَ من الانزلاق الفعَّال للغاية، يصير من السهولة تصوُّر نموِّ عضلاتٍ للجناح تمكِّنه من إنتاج ضربات قوية.

يُعَدُّ تطورُ العين مثالًا آخَر، تدبَّرَه داروين بالمثل. إن عين الفقاريات لها بنية شديدة التعقيد، بخلاياها الحساسة للضوء وشبكيتها، والقرنية الشفافة والعدسات التي تعمل على أن تتركَّز الصورة على الشبكية، والعضلات التي تضبط التركيز. كل الفقاريات تمتلك بالأساس تصميمَ العين نفسه، لكن في وجود العديد من التنويعات فيما يخصُّ تفاصيل التكيُّف مع أنماط الحياة المختلفة. كيف يمكن لهذه الآلة المعقَّدة أن تتطور، في حين أن العدسة وحدها ستكون بلا فائدة دون شبكية، والعكس بالعكس؟ الإجابة هي أن الشبكية بالتأكيد ليست عديمة الفائدة دون عدسة، فالعديد من أنواع الحيوانات اللافقارية له أعين بسيطة ليس بها عدسات، ومثل هذه الحيوانات لا تحتاج إلى الرؤية بوضوح؛ إذ يكفيها أن ترى الضوءَ والظلام كي ترصد المفترسين. في الواقع، ثمة سلسلة كاملة من الأشكال الوسيطة بين المستقبلات الحسَّاسة للضوء والأجهزة المتعدِّدة التي تُنتِج صورًا للعالم، يمكن رؤيتها في مجموعات الحيوانات المختلفة (الشكل ٧-١). وحتى حقيقيات النوى الوحيدة الخلية تستطيع رصْدَ الضوء والاستجابة له، عن طريق المستقبلات المكوَّنة من مجموعاتٍ من جزيئات بروتين الرودوبسين الحسَّاس للضوء. وابتداءً من قدرة الخلايا البسيطة على رصد الضوء، من السهل تصوُّرُ سلسلة من الخطوات تتطوَّر فيها قدراتُ رصْدِ الضوء المحسنة على نحوٍ تدريجي، بما يؤدِّي في النهاية إلى وجود عدسة قابلة لضبط بؤرة التركيز تنتج صورة واضحة. وقد عبَّرَ داروين عن الأمر بالكلمات التالية:

في الأجساد الحية، سيتسبَّب التفاوتُ في أبسط التغييرات … وسوف ينتقي الانتخابُ الطبيعي بمهارةٍ معصومةٍ من الخطأ كلَّ تحسين؛ فإذا ما افترضنا أن هذه العملية مستمرة منذ ملايين السنوات، وخلال كل عام تجري على ملايين الأفراد من مختلف الأنواع، أفلا يمكننا أن نصدق إمكانية أن تتكوَّن أداةٌ بصرية حية بهذه الصورة … تفوق تلك الخاصة بالأدوات الزجاجية؟

fig20
شكل ٧-١: أعين مجموعة من الحيوانات اللافقارية. من اليمين إلى اليسار، يُظهِر كلُّ صفٍّ على نحوٍ متتابع أنواعًا أكثر تعقيدًا من الأعين، تملكها أنواع مختلفة داخل مجموعة واحدة؛ على سبيل المثال: في الديدان البحرية (الصف الثاني)، تتكوَّن العين الأولى الموجودة في اليمين من عدد قليل من الخلايا الصبغية والحساسة للضوء، بها قرن شفاف يبرز من المنتصف. تتكوَّن العين الموجودة في المنتصف من حجيرة مملوءة بسائل هلامي شفاف وشبكية بها عدد أكبر من الخلايا الحساسة للضوء، أما العين الموجودة في اليسار فبها عدسةٌ كروية أمام الحجيرة، وعددٌ أكبر بكثير من مستقبلات الضوء.

لماذا نشيخ؟

إجمالًا، تُثير أجسادُ الكائنات الشابة دهشتنا، مثل العين، بوصفها أجزاءً من آلات بيولوجية تقارب الكمال، والمشكلة المقابلة لتفسير هذا الكمال التقريبي تطرحها حقيقة أنه لا يدوم لفترة طويلة خلال عمر الكائن؛ فلماذا يسمح التطور بحدوث هذا؟ إن تدهور الكائن شبه الكامل إلى ظلٍّ واهنٍ لنفسه نتيجةَ الشيخوخة كان الموضوع المفضَّل للشعراء، خاصةً حين يتنبئون بما يحدث لحبيباتهم:
ثم أسأل نفسي عن قيمة جمالك هذا،
ما دام سيفنى في المستقبل،
لأننا نعرف أن الأشياء العذبة والجميلة تبلى،
وتموت سريعًا بينما غيرها يكبر؛
فلا شيء يستطيع أن يوقف زحف الزمن،
سوى التناسل، الذي يتحدَّى حتمية الموت.
مقتطف من سونيتة رقم ١٢ لويليام شكسبير

بطبيعة الحال، ليست الشيخوخة مقتصرةً على البشر وحدهم؛ إذ رُصد أنها تصيب كل الحيوانات والنباتات تقريبًا. ولقياس الشيخوخة، يمكننا دراسة أفراد عديدين ظلوا في بيئات محمية، تخلو من مسببات الموت «الخارجية» مثل الافتراس؛ حيث يعيش الأفراد لفترة أطول بكثير مما يعيشونه في الطبيعة. وبمتابعة هؤلاء الأفراد مع مرور الوقت، يمكننا تحديد احتمالات الوفاة في الأعمار المختلفة. تكون نسبة الوفيات مرتفعةً عادةً بالنسبة إلى الأفراد الصغار السن، حتى في الظروف المحمية، وتنخفض حينما يتقدَّم الأطفال في السن وتصير أجسادهم أكبر، لكنها تزيد بعد ذلك ثانيةً بعد فترة البلوغ. في أغلب الأنواع التي خضعت للدراسة بحرص، تزيد نِسَبُ الوفيات بين الكبار بنحوٍ ثابت مع التقدُّم في العمر، إلا أن أنماط الوفاة تتباين تباينًا شاسعًا باختلاف الأنواع؛ فالكائنات الصغيرة القصيرة العمر كالفئران تعاني من نِسَب وفيات أعلى بكثيرٍ في أعمار أصغر نسبيًّا مقارَنةً بالكائنات الكبيرة الطويلة العمر كالبشر.

هذه الزيادة في نِسَب الوفيات تعكس تدهورَ العديد من الوظائف البيولوجية مع التقدُّم في العمر؛ فكل شيء تقريبًا يبدو أن حاله يسوء، من القوة العضلية إلى القدرة العقلية. إن شيوع الشيخوخة بشكل عام في الكائنات العديدة الخلايا (وهو ما يبدو نوعًا من التدهور) قد يبدو أنه يطرح صعوبةً خاصة أمام نظرية التطور، تعارِض فكرةَ أن الانتخاب الطبيعي يتسبَّب في تطور التكيف. إحدى إجابات هذا هي أن التكيُّفَ لا يكون مثاليًّا أبدًا؛ فالشيخوخة نتيجة لا يمكن تجنُّبها للضرر التراكمي الذي يصيب الأجهزة اللازمة للبقاء، وعلى الأرجح يعجز الانتخابُ ببساطةٍ عن الحيلولة دون ذلك. وفي الواقع، الاحتمالات السنوية لفشل الماكينات المعقَّدة، كالسيارات، تزيد أيضًا مع التقدُّم في العمر، على نحوٍ مشابهٍ لنِسَب الوفيات بين الكائنات الحية.

لكن لا يمكن أن تكون هذه القصة الكاملة؛ فالكائنات الوحيدة الخلية كالبكتيريا تتكاثر بسهولة بواسطة الانقسام إلى خلايا وليدة، وسلالاتُ الخلايا المنتجة بواسطة هذه الانقسامات استمرت لمليارات السنين؛ فهي لا تشيخ، وإنما تكسِّر المكونات التالفة وتستعيض عنها بأخرى جديدة، ويمكنها الاستمرار في التكاثر إلى ما لا نهاية، شريطة أن يزيل الانتخابُ الطبيعي الطفراتِ الضارةَ. هذا ممكن أيضًا في الخلايا المستنبَتة صناعيًّا لبعض الكائنات، مثل ذباب الفاكهة. إن سلالات الخلايا التناسلية للكائنات العديدة الخلايا تتجدَّد هي الأخرى كلَّ جيل، فلماذا إذن لا تبلغ عمليةُ الإصلاحِ الكائنَ بأكمله؟ لماذا تصاب غالبية أجهزة الجسم بالتدهور الناتج عن الشيخوخة؟ على سبيل المثال: تَبلَى أسنان الثدييات مع التقدم في العمر، وهو ما يؤدِّي في النهاية إلى موتها جوعًا في الطبيعة. ليس هذا أمرًا حتميًّا، فأسنانُ الزواحف تتجدَّد من وقت لآخَر. وتعكس معدلات الشيخوخة المتباينة بين الأنواع المختلفةِ الفعاليةَ المتباينة لعمليات الإصلاح والمدى الذي تستمر به هذه العملياتُ مع التقدُّم في العمر؛ فالفأر يُتوقَّع له أن يعيش ثلاثَ سنوات بحدٍّ أقصى، بينما الإنسان يعيش أكثر من ثمانين عامًا. هذه الاختلافات بين الأنواع تشير إلى أن الشيخوخة تخضع للتطور؛ ومن ثَمَّ لم تَعُدِ الشيخوخةُ تتطلَّب تفسيرًا تطوريًّا.

رأينا في الفصل الخامس أن الانتخاب الطبيعي في الكائنات العديدة الخلايا يعمل من منظور الاختلافات في مساهمات الأفراد في الجيل التالي، من خلال الاختلافات في أعداد النسل الذي ينتجونه، علاوةً على فرصهم في البقاء. بالإضافة لذلك، كلُّ أفراد الكائنات يواجهون خطرَ الوفاة بفعل حوادث أو أمراض أو افتراس. وحتى لو كانت احتمالاتُ الوفاة من هذه المسببات مستقلةً تمامًا عن العمر، فإن احتمالات البقاء تنخفض مع التقدُّم في العمر، لدى البشر، كما هو الحال لدى السيارات؛ فإذا كانت احتماليةُ البقاء من عامٍ إلى العام الذي يليه ٩٠ بالمائة، فإن احتمالية البقاء لخمسة أعوام تبلغ ٦٠ بالمائة، لكن عبر ٥٠ عامًا تبلغ الاحتمالية ٠٫٥ بالمائة فقط؛ ومن ثَمَّ يحابي الانتخابُ البقاءَ والتكاثُرَ في وقت مبكر من الحياة وليس في وقت متأخِّر منها، ببساطة لأنه في المتوسط، سيكون المزيد من الأفراد أحياءً بما يمكنهم من الخضوع للتأثيرات الجيدة. وكلما عظمَتْ نسبةُ الوفيات نتيجةَ الحوادث والأمراض والافتراس، زادت القوةُ التي يحابي بها التطورُ التحسيناتِ في وقت مبكر من الحياة، مقارَنةً بوقت متأخر منها؛ نظرًا لأن قلة من الأفراد يمكنهم البقاء أحياءً إلى أعمار متأخرة لو كانت نِسَبُ الوفيات الناتجة عن هذه المسببات الخارجية مرتفعةً.

هذه الحجة تقترح أن الشيخوخة تتطور بسبب القيمة الانتخابية الأعلى للعوامل التي يكون لها تأثيرات مرغوبة على بقاء الكائن أو خصوبته في مرحلة مبكرة من الحياة، مقارَنةً بالعوامل التي تؤثِّر في وقت متأخر من العمر. هذا المفهوم مشابِه لفكرة التأمين على الحياة المألوفة؛ فشراءُ تأمين على الحياة في سِنٍّ صغيرة يكلِّفك مبلغًا أقل؛ لأن من المرجح أنك ستتمتع بسنوات عديدة من الحياة تدفع فيها الأقساط مستقبلًا. هناك سبيلان رئيسيان قد يعمل بهما الانتخاب الطبيعي من أجل التسبُّب في الشيخوخة، وتبين الحجة الواردة أعلاه أن الطفرات ذات التأثيرات الضارة سيعمل الانتخابُ على محْوِها بدرجةٍ أكبر لو أن تأثيراتها ظهرت في وقت مبكر من الحياة. فالسبيل الأول الذي يمكن أن يتسبَّب به الانتخابُ في الشيخوخة، هو الحفاظ على ندرة الطفرات العاملة في مرحلة مبكرة من العمر داخل التجمعات، مع السماح للطفرات ذات التأثيرات التي تظهر في مرحلة متأخرة من العمر بأن تكون أكثر شيوعًا؛ في الواقع، تحدث أمراض وراثية شائعة عديدة لدى البشر بسبب الطفرات التي تظهر تأثيراتُها في مرحلة متأخرة من العمر، مثل تلك المرتبطة بمرض ألزهايمر. السبيل الثاني هو أن النُّسَخ المختلفة التي يكون لها تأثيرات مفيدة في فترة مبكرة من الحياة، سيكون من الأرجح أن تنتشر بين أفراد التجمع مقارَنةً بتلك التي تظهر تأثيراتُها المفيدة في الكِبَر. يمكن إذن أن تتطوَّر تحسيناتٌ في المراحل المبكرة من الحياة، حتى لو صاحَبَتْ هذه الفوائدَ تأثيراتٌ جانبية مُضِرة تظهر في وقت لاحق؛ على سبيل المثال: قد تعمل المستويات الأعلى لبعض الهرمونات التناسلية على تحسين خصوبة المرأة في مرحلة مبكرة من العمر، لكن على حساب الإصابة بسرطان الثدي أو المبيض في مرحلة لاحقة. تؤكِّد التجاربُ هذه التنبؤاتِ؛ فعلى سبيل المثال: يمكننا الاحتفاظ بتجمعات من ذبابة الفاكهة «دروسوفيلا ميلانوجاستر» عن طريق استيلاد الأفراد الكبيرة في العمر للغاية فحسب، وفي غضون بضعة أجيال، تُطوِّر هذه التجمعاتُ عمليةَ شيخوخة أبطأ، لكن على حساب انخفاض النجاح التكاثري في فترة مبكرة من العمر.

تتنبَّأ نظريةُ التطور فيما يخص الشيخوخة بأن الأنواع ذات نِسَب الوفيات المنخفضة ذات المسبب الخارجي، من المفترض أن تكون لها معدلات شيخوخة منخفضة وتتمتع بمعدلات عمرية أطول، مقارَنةً بالأنواع ذات نِسَب الوفيات ذات المسبب الخارجي الأعلى. وهناك بالفعل علاقة قوية بين حجم الجسم ومعدل الشيخوخة، فالأنواع الأصغر من الحيوانات تميل إلى أن تشيخ بمعدل أسرع من الأنواع الأكبر حجمًا، وإلى التكاثر في وقت مبكر من أعمارها؛ يعكس هذا على الأرجح القابليةَ الكبرى لدى العديد من الحيوانات الصغيرة للتعرُّض للحوادث والافتراس. وبين الأنواع ذات أحجام الجسم المتشابهة، تصير الاختلافاتُ الكبيرة في معدلات الشيخوخة بين الحيوانات ذات المعدلات العمرية المتفاوتة؛ منطقيةً ومفهومةً حين نتدبَّر مخاطِرَ الافتراس التي تتعرَّض هذه الحيوانات لها. يتميز العديد من الكائنات الطائرة بطول العمر، وهو أمر منطقي لأن الطيران يُعَدُّ وسيلةَ دفاعٍ جيدة ضد الافتراس، وطائرٌ صغير نسبيًّا كالببغاء يمكن أن يتمتَّع بمعدل عمري أطول من الإنسان، كما تعيش الخفافيش لفترات أطول من الثدييات الأرضية التي لها أحجام جسمانية مقارِبة كالفئران.

البشر أنفسهم يمكن أن يكونوا مثالًا لتطور معدلات الشيخوخة الأبطأ؛ فأقرب نوع إلينا — الشمبانزي — يندر أن يعيش أكثر من ٥٠ عامًا، حتى في الأسر، ويبدأ التكاثر في مرحلة مبكرة من العمر مقارَنةً بالإنسان، بمتوسط عمر يبلغ ١١ عامًا؛ ومن ثم خفَّضَ البشرُ على الأرجح معدلاتِ الشيخوخة الخاصة بهم منذ الانفصال عن سلفنا المشترك مع القردة، وأجَّلوا مرحلةَ النضج الجنسي. هذه التغييرات تحدث غالبًا نتيجةَ زيادةِ الذكاء والقدرة على التعاون، اللتين قلَّلَتا تعرُّضَ البشر لمسبِّبات الوفاة الخارجية، وقلَّلَتا مزيةَ التكاثر في سن مبكرة. ومن الممكن رصْدُ تغيرٍ في المزايا النسبية للتكاثر المبكر في مقابل المتأخِّر، بل يمكن قياسه أيضًا، في المجتمعات الموجودة في وقتنا الحالي؛ فقد أدَّى التصنيع إلى انخفاض حادٍّ في نِسَب الوفاة بين البالغين، وهو أمر يتضح جليًّا في الإحصاءات السكانية، وهذا يغيِّر الانتخابَ الطبيعي الذي يؤثِّر على عملية الشيخوخة في التجمعات السكانية. تدبَّرْ مرضَ هنتنجتون التنكسي الذي يصيب المخ، والذي يسبِّبه جينٌ نادرٌ طافرٌ؛ هذا المرض يبدأ في الظهور في سن متأخرة (في الثلاثينيات من العمر أو بعد ذلك). وفي أي تجمُّع به معدل وفيات مرتفع ويعاني من سوء التغذية، يوجد عدد قليل للغاية من الأفراد هم مَن سيصلون إلى سن ٤٠ عامًا، ولن يكون لحاملي مرض هنتينجتون في المتوسط إلا نسبة أقل من النسل (٩ بالمائة) مقارَنةً بالأفراد غير المصابين بالمرض. في المجتمعات الصناعية، ذات نِسَب الوفيات المنخفضة، كثيرًا ما ينجب الأفرادُ أبناءَهم في الأعمار التي يمكن أن يظهر فيها المرضُ؛ ومن ثَمَّ فإن الأفراد المصابين يكون لديهم أبناء أقل بنسبة ١٥ بالمائة مقارَنةً بالأفراد غير المصابين؛ وإذا استمرَّتِ الظروفُ الحالية، فسيقلِّل الانتخابُ تدريجيًّا معدلاتِ تواتُرِ الجينات الطافرة التي تظهر تأثيراتُها في مرحلة متأخرة من الحياة التكاثرية، وستنخفض معدلاتُ البقاء الخاصة بالأفراد الأكبر سنًّا. إن الجينات النادرة ذات التأثيرات الضخمة مثل مرض هنتنجتون، لها تأثيرات بسيطة للغاية على التجمع ككلٍّ، لكن العديد من الأمراض الأخرى الواقعة تحت سيطرة الجينات ولو جزئيًّا، تصيب بالأساس الأفرادَ في فترة منتصف العمر أو الكبار في السن، بما في ذلك أمراض القلب والسرطان. وقد نتوقَّع أن ينخفض معدلُ هذه الجينات مع مرور الوقت بسبب هذا الانتخاب الطبيعي، وإذا استمرت معدلاتُ الوفاة المنخفضة التي تميِّز المجتمعات الصناعية كما هي لعدة قرون (وهو أمر مشكوك فيه)، فسيكون هناك تغيُّر جيني بطيء، ولكن ثابت، نحو معدلات الشيخوخة المنخفضة.

تطوُّر الطبقات الاجتماعية العقيمة

مشكلةٌ أخرى تواجِهُ نظريةَ التطور يطرحها وجودُ أفراد عقيمة في أنواع معيَّنة من الحيوانات الاجتماعية؛ ففي مجتمعات الدبابير والنحل والنمل الاجتماعية، تكون الإناثُ داخل العش هي الشغالات، ولا تتكاثر؛ فالإناث المتكاثِرة هي أقلية بسيطة داخل المستعمرة (عادةً ما تكون ملكة واحدة فحسب)، أما الإناث الشغالة فتعتني بنسل الملكة وتحافظ على العش وتزوِّده بالمؤن. وفي المجموعة الرئيسية الأخرى من الحشرات الاجتماعية — النمل الأبيض — يمكن لكلٍّ من الذكور والإناث أن يسلك سلوك الشغالات. ولدى الحشرات الاجتماعية المتقدمة، يوجد عادةً العديد من «الطبقات»، التي تؤدِّي أدوارًا مختلفة للغاية، وتتميز باختلافات في السلوك والحجم والبنية الجسدية (الشكل ٧-٢).
fig21
شكل ٧-٢: طبقات النمل الشغَّالة في مجموعة النمل القاطعة للأوراق المعروفة باسم «أتا»، وكلها من المستعمرة عينها. الشغالة الصغيرة بأعلى اليمين تعتني بحدائق الفطريات التي يزرعها هذا النوع، أما النملات العملاقة فهي الجنود، التي تحرس العش.

ثمة اكتشاف حديث مهم يتمثَّل في أن القليل من الأنواع من الثدييات التي تتشارَك أعشاشها، له تنظيمات اجتماعية تشبه هذه الحشرات، بحيث يكون أغلبُ أفراد العش عقيمًا؛ أشهر هذه الأنواع هو فأر الخلد العاري، وهو نوع من القوارض الحفارة يسكن المناطقَ الصحراوية في جنوب أفريقيا، فقد يسكن العشَّ الواحد عشرات الأفراد، لكن أنثى واحدة فقط هي التي تتمتع بالخصوبة للتكاثر، وإذا ماتت هذه الأنثى، ينشب صراعٌ بين الإناث الأخريات من أجل الحلول محلها، تنتصر فيه واحدة منها فقط؛ ومن ثَمَّ فقد تطوَّرت منظومات لحيوانات اجتماعية بها أفراد شغالة عقيمة في مجموعات مختلفة تمامًا من الحيوانات. تطرح هذه الأنواع مشكلاتٍ واضحةً أمام نظرية الانتخاب الطبيعي؛ كيف يمكن أن تتطوَّر الأفراد بحيث تتخلَّص من القدرة على التكاثر؟ كيف يمكن لأوجه التكيُّف المتطرفة للغاية عادةً لدى طبقات الشغالة، التي تلائم أدوارها المتخصصة، أن تتطوَّر من الأساس، خاصةً أن الأفراد الشغالة نفسها لا تتكاثر؛ ومن ثَمَّ لا يمكن أن تكون معرَّضةً بنحوٍ مباشِرٍ للانتخاب الطبيعي؟

أثار داروين هذه الأسئلة، وأجاب عنها جزئيًّا، في كتابه «أصل الأنواع»، ويكمن الجواب في أن أفراد أي مجموعة اجتماعية، كعش فأر الخلد العاري أو عش النمل، تكون في المعتاد أقرباء وثيقة القرابة بعضها ببعض، وعادةً ما تتشارك الأمَّ والأبَ أنفسَهما. وأيُّ نسخة جينية بديلة تجعل حامِلَها يتخلَّص من القدرة على التكاثر من أجل المساعدة في تنشئة الأقرباء، قد تساعد جيناتِ الأقرباء في المرور إلى الجيل التالي، وعادةً ما تكون جيناتُ الأقرباء (بفضل القرابة) هي عينها جينات الفرد المعاوِن (في حالة الأخ والأخت، لو ورث أحدُ الفردين نسخةً بديلةً لجين معين من أحد الأبوين، تبلغ احتماليةُ أن يرث الآخَرُ النسخةَ البديلة عينها خمسين بالمائة). وإذا نتج عن تضحية الفرد العقيم زيادةٌ كافية في عدد الأقارب الأحياء القادرة على التكاثر، فإن الزيادة في عدد نُسَخ «جين الشغالة» يمكن أن تفوق الانخفاضَ الناجم عن فقدانها لنجاحها التكاثري. إن الزيادة المطلوبة للتفوق على الخسارة تصير أصغرَ كلما كانت درجةُ القرابة أوثقَ، وقد عبَّرَ جيه بي إس هالدان عن الأمر ذات مرةٍ بقوله: «أنا مستعِدٌّ للتضحية بحياتي في مقابل أن يعيش لي شقيقان أو ثمانية من أبناء العم.»

يوفر مبدأ «انتخاب القرابة» هذا إطارَ عملٍ لفهم أصول العقم لدى الحيوانات الاجتماعية، وقد بيَّنَتِ الأبحاثُ الحديثة أن بإمكانه تفسيرَ العديد من التفاصيل الخاصة بالمجتمعات الحيوانية، بما فيها تلك التي تملك ملامحَ أقلَّ تطرُّفًا من الطبقات العقيمة؛ على سبيل المثال: في بعض أنواع الطيور، لا تحاوِلُ الذكورُ الشابة التزاوُجَ، وإنما تواصِلُ لعبَ أدوارٍ «مساعدة» في أعشاش الآباء بينما لا يزال الأشقاءُ الصغار موضعَ رعايةٍ. وعلى نحوٍ مشابِه، تُجالس الكلابُ البرية صغارَ أفراد القطيع أثناء خروج أفراد القطيع للصيد.

إن السؤال بشأن الكيفية التي تنشأ بها الاختلافات بين طبقات الشغالة العقيمة مختلفٌ قليلًا، لكن له إجابة مشابهة؛ فالنمو كعضوٍ بطبقة شغالة معينة أمرٌ تحكمه عواملُ بيئية، مثل مقدار وجودة الغذاء الذي يُقدَّم للفرد وهو في مرحلة اليرقة. ومع ذلك، فالقدرة على الاستجابة لهذه العوامل عادةً ما تكون محدَّدةً وراثيًّا؛ فقد تمنح نسخةٌ جينية بديلة لعضوٍ عقيم بمستعمرة للنمل القدرةَ على النموِّ كي يصير، مثلًا، أحدَ الجنود (فيكون له فكٌّ أكبر من النملة الشغالة العادية) لا أن يظل فرد شغالة فحسب. فإذا كانت المستعمرة ذات الجنود أفضل دفاعًا ضد الأعداء، وإذا كانت المستعمرات ذات هذه النسخة البديلة يمكنها إنتاج أفراد متكاثرين أكثر في المتوسط، فستزيد هذه النسخة البديلة من نجاح المستعمرة التي توجد فيها. وإذا كانت الأفرادُ النَّشِطة تكاثُريًّا بالمستعمرة أقاربَ وثيقةَ القرابةِ بالشغالة، فإن النسخة البديلة التي تحثُّ بعضَ الشغالة على أن تصير جنودًا سوف تُنقَل بواسطة المستعمرة عن طريق الملكة والذكور الذين يعمرون مستعمرات جديدة؛ ومن ثَمَّ يمكن أن يعمل الانتخابُ على زيادة تمثيل هذه النسخة بين مستعمرات ذلك النوع.

هذه الأفكار تُلقي الضوءَ أيضًا على تطوُّر الكائنات العديدة الخلايا من أسلافها الوحيدة الخلية؛ فالخلايا الناتجة عن اتحاد البويضة والحيوان المنوي تظل مترابِطةً، وأغلبها يفقد القدرةَ على أن يصير خلايا جنسية وأن يسهم على نحوٍ مباشِرٍ في الجيل التالي. وبما أن الخلايا المعنِيَّة كلها متماثِلةٌ جينيًّا، فسيكون هذا مفيدًا لو أن البقاءَ والتكاثُرَ يزدادان على نحوٍ كافٍ في مجموعة الخلايا المترابطة، مقارَنةً بالبديل المتمثِّل في الخلية الوحيدة. إن الخلايا غير المتكاثرة «تضحِّي» بتكاثُرها لصالح مجتمع الخلايا كله، وبعض هذه الخلايا محكومٌ عليه بالفناء خلال عملية النمو، في أثناء عملية تكوُّن الأنسجة وتحلُّلها، والكثير منها يفقد قدرته على الانقسام، كما أوضحنا عند مناقشة تطوُّر الشيخوخة. وحين تستعيد الخلايا قدرتَها على الانقسام دون اعتبارٍ للكائن، يكون لهذا تبعاتٌ خطيرة تتمثَّل في السرطان؛ فتمايُز الخلايا إلى أنواع مختلفة خلال النمو يشبه تمايُزَ الطبقات لدى الحشرات الاجتماعية.

أصل الخلايا الحية وأصل الوعي البشري

ثمة مشكلتان كبيرتان ظلَّتَا بغير حلٍّ إلى الآن تكتنفان مفهومَ التطور، وهما تقعان على أقصى طرفَيِ النقيض فيما يخصُّ تاريخَ الحياة، وهاتان المشكلتان هما أصل الملامح الأساسية للخلايا الحية، وأصل الوعي البشري. وخلافًا للأسئلة التي عكفنا إلى الآن على مناقشتها، فإن هذين الأمرين يمثِّلان حدَثَيْن متفرِّدين في تاريخ الحياة، وتفرُّدُهما هذا يعني أننا لا نستطيع المقارنةَ بين الأنواع الحية بحيث نخرج باستنتاجات موثوق فيها بشأن الكيفية التي حدث بها كلا الأمرين. علاوةً على ذلك، فإن افتقارنا لأيِّ سجل حفري يخصُّ الفترةَ المبكرة للغاية من تاريخ الحياة، أو يخصُّ السلوكَ البشري، إنما يعني أننا لا نملك أيَّ معلومات مباشِرة عن تتابُعات الأحداث ذات الصلة. هذا، بطبيعة الحال، لا يمنعنا من التخمين بشأن ما يمكن أن تكون عليه هذه الأحداث، لكن مثل هذه التخمينات لا يمكن اختبارها بالطريقة ذاتها التي وصفناها لاختبار الأفكار المتعلِّقة بالمشكلات التطورية الأخرى.

في حالة أصل الحياة، يتمثَّل هدفُ الأبحاث الجارية في العثور على الظروف التي تشبه تلك الظروفَ التي سادت في مرحلة مبكرة من عُمْر الأرض، والتي تسمح بالتجميع الكيميائي الخالص للجزيئات القادرة على مضاعفة نفسها، تمامًا مثلما يُنسَخ الدي إن إيه الموجود في خلايانا خلال عملية الانقسام الخلوي؛ وما إنْ تتكوَّن هذه الجزيئات القادرة على التضاعف الذاتي، يكون من اليسير تخيُّلُ كيف يمكن للتنافُس بين المجموعات المختلفة من الجزيئات أن يؤدِّي إلى تطوُّر جزيئات أكثر دقةً وأسرع تضاعُفًا، بمعنى أن الانتخاب الطبيعي سيعمل على تحسينها. وقد حقَّقَ الكيميائيون نجاحًا كبيرًا في توضيح أن الوحدات البنائية الكيميائية الأساسية للحياة (السكر والدهون والأحماض الأمينية والعناصر المكوِّنة لكلٍّ من الدي إن إيه والآر إن إيه) يمكن تكوينُها من خلال تعريض محاليل الجزيئات البسيطة (من النوع الذي يُرَجَّح أنه كان موجودًا في المحيطات في الفترة المبكرة من تاريخ الأرض) إلى شرارات كهربائية وإشعاع فوق بنفسجي. وقد تحقَّقَ تقدُّمٌ بسيط في بيان كيفية تجمُّع هذه المكونات في جزيئات أكثر تعقيدًا تشبه جزيئات الدي إن إيه أو الآر إن إيه، بل تحقَّقَ أيضًا نجاحٌ أقل في عملية تحفيز هذه الجزيئات على القيام بالتضاعف الذاتي؛ ومن ثَمَّ فنحن لا نزال بعيدين عن تحقيق الأهداف المنشودة (لكننا نحقِّق نجاحًا على نحوٍ مطرد). علاوةً على ذلك، بمجرد أن يتحقَّقَ هذا الهدفُ، فإن السؤال بشأن كيفية تطوُّر شفرة وراثية بدائية تمكِّن أحدَ تتابعات الدي إن إيه أو الآر إن إيه القصيرة من تحديد تتابُع سلسلة بروتينية بسيطة؛ يجب الإجابة عنه. هناك العديد من الأفكار، لكن ما زلنا لا نملك حلولًا قاطعة لهذه المشكلة.

وعلى نحوٍ مشابِهٍ، لا نملك إزاء مسألة تطوُّر الوعي البشري سوى التخمين، بل إنه من الصعب تحديد طبيعة المشكلة بوضوح؛ نظرًا لصعوبة تعريف الوعي بدقة. إن أغلب الناس لا يعتبرون أن الطفلَ الوليد يمتلك وعيًا، ولن يماري أحدٌ في أن الأطفال ذوي العامين يملكون وعيًا إلا قليلًا منهم. كما أن المدى الذي تُعَدُّ به الحيوانات واعيةً هو محل جدل محتدم، لكنَّ مُحِبِّي الحيوانات الأليفة يدركون جيدًا قدرةَ الكلاب والقطط على الاستجابة لرغبات أصحابها وحالاتهم المزاجية، بل تبدو الحيوانات الأليفة كذلك قادرةً على استغلال أصحابها بحيث ينفِّذون لها ما تريد؛ وعلى هذا، ربما يُعَدُّ الوعي على الأرجح مسألةَ درجات، لا نوعية، بحيث إنه من حيث المبدأ لا توجد صعوبة كبيرة في تصوُّر وجود تكثيف تدريجي للوعي الذاتي والقدرة على التواصل خلال عملية تطوُّر أسلافنا. البعض قد يعتبر القدرةَ اللغوية المعيارَ الأقوى لامتلاك وعي حقيقي، وحتى هذه اللغة تتطوَّر تدريجيًّا مع تقدُّم الأطفال في العمر، وإنْ كان هذا التطوُّر يتمُّ بسرعةٍ مدهشة. بالإضافة إلى ذلك، توجد مؤشرات واضحة على وجود قدرات لغوية بدائية لدى الحيوانات مثل الببغاوات والشمبانزي، التي يمكن تعليمها كيفيةَ توصيل معلومات بسيطة؛ فالفجوة بيننا وبين الحيوانات العليا ظاهريةٌ أكثر من كونها حقيقيةً.

وبالرغم من أننا لا نعرف شيئًا عن تفاصيل القوى الانتخابية التي تحرِّك تطوُّرَ القدرات العقلية واللغوية البشرية، والتي تتجاوز كثيرًا دون شكٍّ تلك القدراتِ الخاصةَ بالحيوانات الأخرى، فإنه لا يوجد غموض خاص يكتنف تفسيرها من المنظور التطوري. ويحقِّق علماء الأحياء تقدُّمًا سريعًا في فهم عمل المخ، وثمة شكٌّ قليل في أن كل أشكال النشاط العقلي يمكن تفسيرها في ضوء أنشطة الخلايا العصبية بالمخ؛ هذه الأنشطة لا بد أنها عرضة للتحكُّم من جانب الجينات التي تحدِّد نموَّ المخ وعمله، وشأنها شأن أي جينات أخرى، فهي معرَّضة للإصابة بطفرات، وهو ما يؤدِّي إلى وجود نُسَخ متبايِنة يمكن للانتخاب أن يعمل عليها. لم تَعُدْ هذه فرضيةً خالصةً؛ فقد عُثِر على طفرات تؤدِّي إلى قصورٍ في جوانب نحوية معينة في اللغة لدى مَن يحملها، وهو ما أدَّى إلى تحديد جين بعينه مسئول عن التحكم في بعض الجوانب النحوية. وحتى الطفرةُ التي تصيب تتابُعَ الدي إن إيه وتسبِّب الاختلافَ عن الطبيعي معروفةٌ كذلك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠