البديل

في إحدى القصص العربية، كان الملِك يمتلك دهانًا إذا وضَعه على عينه اليمنى يُمكنه رؤيةُ ما وراء جدران المنازل. لو مرَّ هذا المستبدُّ العربي في شارعٍ ضيِّق يُفضي إلى إحدى الجادات الرئيسية في لندن قُبيل انتصاف إحدى الليالي، لرأى في غرفةٍ خلفية قذرة بأحد المباني الضخمة منظرًا غريبًا للغاية. كان سيرى الملك تشارلز الأول يجلس مع أوليفر كرومويل ويتسامر معه بود.

كانت الغرفة التي جلس فيها هذان الشخصان البارزان خاليةً من السجَّاد، ويوجد فيها القليلُ من الكراسي. وامتد بطول إحدى جوانبها رفٌّ عليه الكثيرُ من فناجين الطِّلاء والشحم. وتناثرت الفُرُش في أرجائها، وفي أحد أركانها استقرَّ شعرٌ مستعار. وكان على كلٍّ من جانبي الرف مرآةٌ بجوار كلٍّ منهما لهبُ غاز تُحيطه سلة من السلك. وانتشرت في جدران الغرفة مساميرُ عُلِّقَت عليها معاطف، وصدريات، وسراويلُ ذات قصات أحدث مما كان يرتديها الرجلان.

تراجع الملك تشارلز على نحوٍ مُثير في كرسيِّه الملاصق للحائط، بلحيته المستدقَّة والأشرطة والأربطة المحيطة بملبسه. كان يُدخن غليونًا كالِحَ السواد مصنوعًا من جذر الخَلَنْج الشجري. وربما زاد من استمتاع جلالته بتدخين التبغ وجودُ لافتة كبيرة مثبَّتة على الحائط فوق رأسه تحمل الكلمات: «ممنوعٌ التدخين في هذه الغرفة أو في أيِّ مكان آخر من المسرح.»

أما كرومويل المتَّشِح بملابسَ أكثرَ بساطة، فقد كان أكثرَ اعتدادًا بنفسِه من الملِك؛ فقد جلس على الكرسيِّ مباعدًا بين ساقَيه، وأسند ذقنَه إلى مؤخَّرة الكرسي وأخذ يُدخن سيجارة في حاملٍ من المرشوم.

قال الملك: «لقد هرِمتُ يا بني، وأصبح أكبرُ همي راحتي، كما لم يَعُد لي طموح. عندما يُدرك الممثِّل أنه لن يُجسد أبدًا دور تشارلز كين أو مكريدي، ينعم بالسلام ويبدأ الاستمتاعَ بالحياة. أما في حالتك فالأمر مختلف؛ فأنت — إذا سمحت لي أن أقولها لك بكل ودٍّ — شابٌّ وأحمق. وخُطتك شديدة السُّخف. أنت تُهدر كلَّ ما جنَيته بالفعل هباءً.»

صاح كرومويل بنفادِ صبر: «يا إلهي! وماذا جنيتُ؟»

رد الآخر في هدوء: «لقد جنيتَ شيئًا بكل تأكيد، عندما استطاع شخصٌ سريع الانفعال مثلُك تجسيدَ شخصية كرومويل الرزين القليل الكلام بهذه البراعة. فهذا يعني أنك ارتقيتَ عدة درجات على السُّلم، فأصبح السُّلمُ نفسه يرتفع معك. أنت تُجيد لغتين أو ثلاثًا، في حين لا أعرف أنا إلا لغةً واحدة، ولا أُجيدها تمامًا. لقد درستَ الدراما الأجنبية، في حين لم يتسنَّ لي أنا حتى أن أقرأ كلَّ مسرحيات شكسبير. يُمكنني أداء مائة دور بإجادة كافية. أما أنت فستُؤدي يومًا ما دورًا عظيمًا لم يتمكَّن أيُّ رجل آخَر على الأرض من أدائه، وعندئذٍ ستُحقق الشهرة. والآن أنت تريد بتهوُّر أن تُلقي بكل ذلك أدراجَ الرياح وتذهب إلى أدغال أفريقيا.»

قال كرومويل: «ليس لديَّ رغبةٌ في صعود السُّلم الذي تُحدثني عنه، لقد سئمتُ رائحة أضواء المسرح وجوَّه كلَّه. وضِقتُ ذرعًا بالحياة المزيفة التي نعيشها. لِمَ لا يكون المرء بطلًا حقيقيًّا بدلًا من أن يُمثل دوره؟»

قال الملِك وهو يُعيد مَلْء غليونه: «لكن يا بني العزيز، انظر إلى الأمور نظرةً عمَلية. إن الإعداد لرحلةٍ استكشافية في أفريقيا يتكلَّف مبالغَ طائلة. من أين ستأتي بالمال؟»

بدا هذا السؤال وهو يخرج من فم الملك طبيعيًّا أكثرَ من الإجابة وهي تخرج من فم كرومويل:

«كثر الاهتمام بالسفر إلى أفريقيا والإنفاق عليه. أما أنا فلا أنوي أن أجتاز القارةَ مدجَّجًا بالسلاح وذخائرِ الحرب. فكما قلتَ منذ لحظات، أنا أُجيد عدة لغات أوروبية، وإذا عذرتني فيما قد يبدو تفاخرًا، فيُمكنني القول إني أتعلَّم اللغات بسهولة. ولديَّ ما يكفي من المال لشراء بعض الأدوات العلمية اللازمة وتحمُّلِ تكلفة سفري إلى الساحل. وعند وصولي إلى هناك، سأجتاز القارة مستعينًا بالحب وليس الترهيب.»

قال الملك تشارلز: «ستلقى حتفَك؛ فهم لا يفهمون هذه الأشياءَ هناك، وليست هذه بفكرةٍ جديدة. ألم يُحاول ليفينجستون ذلك؟»

قال كرومويل: «بلى، لكن الناس نَسُوا ليفنجستون وطُرقَه. وباتت الرصاصات المتفجرة وبنادقُ صيد الفِيَلة سيدةَ الموقف الآن. لذا أنتوي تعلُّم لغاتِ القبائل الأصلية التي ألتقي بها، وإذا عارضَني أحدُ زعماء القبائل أو رفض مروري عبر منطقة نفوذه ووجدتُ أني لا أستطيع إقناعه بالحديث، فسأدور حول منطقته.»

قال تشارلز: «وماذا ستستفيد من هذا كلِّه؟» ثم أردف: «ما هدفك؟»

أجابه كرومويل بحماس: «الشهرة، يا بني، الشهرة»، ونهض عن الكرسي وأخذ يذرع الغرفة الضيقة. وواصل: «إذا أمكنَني أن أجتاز القارَّة من الساحل إلى الساحل المقابل دون قتلِ واحدٍ من السكان الأصليِّين، ألن يكون ذلك أعظمَ من مواصلة التمثيل المسرحي حتى نهاية الزمان؟»

قال الملك في كآبة: «أعتقد ذلك، لكن عليك أن تتذكر أنك صديقي الوحيد، وقد وصَلتُ إلى سنٍّ لا يمكن للمرء اكتسابُ الأصدقاء فيها بسهولة.»

كفَّ كرومويل عن المشي وأمسكَ بيد الملك. وقال: «أوَلستَ أنت صديقي الوحيد أيضًا ولم لا تترك هذه المسرحيات السخيفة وتأتي معي كما طلبتُ منك في البداية؟ كيف يمكن أن تتردَّد عندما يأتي ذِكر عظَمة الحرية في الأدغال الأفريقية وتقارن بينها وبين العالم المحدود المقيد الذي نحن فيه الآن؟»

هز الملك رأسه ببطء، ونفَض الرماد من غليونه. وبدا أنه يُواجه بعض الصعوبة في إبقائه مشتعلًا، ربما بسبب التحذير المعلَّق على الحائط.

رد الملك: «كما قلتُ سابقًا، لقد هَرِمتُ. لا توجد في الأدغال الأفريقية حاناتٌ يمكن للمرء فيها الحصولُ على كأس من الجِعَة عندما يريد ذلك. كلا، يا أورموند، السفر إلى أفريقيا ليس لي. إذا كنت مصرًّا على السفر، فاذهب وليباركك الرب، وسأبقى أنا في الوطن وأنشر أخبارك. ومن وقتٍ لآخر سأنشر في الصحف بعض الفقرات الصغيرة المثيرة عن حِلِّك وتَرْحالك، بحيث تكون إنجلترا كلُّها متحمسةً لتستمع إلى ما لديك عندما تكون مستعدًّا للعودة. أنت تعلم كيف يُثار الاهتمام في عالم المسرح من خلال الدعاية الحَصيفة في الصُّحف، وأتخيل أن استكشاف أفريقيا يتطلب المِثْل. فلولا الصِّحافةُ يا بُني، لما أراد أحدٌ أن يستمع إلى كلمةٍ منك ولو جُبتَ أفريقيا ورأيتَ منها حتى ذهب نظرك؛ لذا سأكون مسئولًا عن الدعاية لك وأُعِدُّ المسرح لعودتك.»

لما وصل هذان الرمزان التاريخيان في حديثهما إلى تلك النقطة، أقحم عاملُ المسرح رأسَه من باب الغرفة وذكَّرَهما بتأخُّر الوقت، فنهض الملك ورفيقه المنتمي إلى العامة على مضضٍ بعضَ الشيء وتجرَّدا من مظهر الشخصيتين؛ فتحول الملك بعد أن ارتدى ملابسَ رجل إنجليزي عادي إلى السيد جيمس سبنس، في حين تحوَّل كرومويل إلى السيد سيدني أورموند، وبعد أن زالت عنهما مظاهرُ الملَكية أو الدكتاتورية، سار الاثنان في الشارع الضيق حتى وصلا إلى الجادة الرئيسية ودخَلا مطعمهما المفضَّل الذي يقصدانه عادة في منتصف الليل، وهناك وهُما يأكلان واصلا مناقشتهما عن مشروعِ استكشاف أفريقيا، وأصرَّ سبنس على أنه أحد أكثر الرحلات الاستكشافية التي سمع عنها جنونًا، لكنَّ الحديث لم يُجدِ نفعًا، شأنه شأن معظم الأحاديث، وفي غضون شهرٍ كان أورموند في وسط المحيط، مولِّيًا وجهه شَطْرَ أفريقيا.

حلَّ رجلٌ آخر محل أورموند في المسرح، في حين استمر سبنس في أداء دوره على النحو المقبول المعتاد كما جاء في الصحف. وبعد مدَّة وجيزة، وصله خطابٌ من صديقه بعد وصوله إلى ساحل أفريقيا. وبعد ذلك صار يُرسل خطابًا أو اثنَين بين الفينة والأخرى، ويكتب في الخطابات كيف تخطَّى الصِّعابَ العديدة التي كان عليه مواجهتُها. وبعد مدَّة طويلة وصل خطابٌ من داخل أفريقيا كان رسولٌ قد حمله إلى الساحل. وعلى الرغم من أن أورموند كتب في بداية هذا الخطاب أن أمَله في الوصول إلى وجهته كان ضعيفًا، فقد أورد وصفًا تفصيليًّا كاملًا لصولاته وجولاته وتعاملاته مع السكان الأصليِّين، وبدَت رحلته حتى ذلك الحينِ مُرضيةً للغاية. وأرفق عدةَ صور فوتوغرافية، معظمها بالغُ السوء، كان قد تمكَّن من تحميضها وطباعتها في البرِّية. غير أنه كان يظهر في واحدة من الصور بشكلٍ يسهُل تمييزه جدًّا، فنسخَها سبنس وكبَّرها، ووضعها في إطارٍ كان يُعلِّقه في أيِّ غرفةِ تبديلِ ملابسَ يقوده القدَرُ إليها؛ إذ لم يُطِل سبنس المكوثَ في أيِّ مسرح بعينه. لقد كان رجلًا مفيدًا يؤدي كلَّ الأدوار دون أن يتخصص في نوعٍ دون غيره، وكان في لندن أدوارٌ كثيرة تنتظر مَن يؤديها.

انقطعَت أخبار صديقه لمدَّة طويلة وبدأ الصحفيُّون الذين اعتاد سبنس إرسالَ أخبار المستكشف المنفرد المثيرة إليهم بلا انقطاع يخلعون على أورموند لقبَ السيد هاريس الأفريقي، وتوقَّف ظهورُ أيِّ فقرات عنه، وأسف سبنس بشدةٍ لذلك. كان الصحفيون بميلهم إلى الهزل يُفاتحون سبنس بقولهم: «حسنًا، يا جيمي، كيف حال صديقك الأفريقي؟» وكلما حاول إقناعهم، قلَّ تصديقهم لقصة الرحَّالة المحب للسلام.

وأخيرًا وصل خطابٌ أخيرٌ من أفريقيا، خطاب ملأ قلبَ سبنس الطيب في منتصف عمره بحُزن لم يعهَدْ مثيلًا لشدتِه قط. لقد كُتِب بخطٍّ يَشي بيدٍ مرتعشة، وجاء فيه أن كاتب الخطاب لم يكن يعرف تاريخَ اليوم ولا المنطقةَ التي هو فيها. وذكر أنه ابتُلي بالمرض وأصابَته الحُمَّى بالهذَيان، وأنه الآن قد استعاد قُواه أخيرًا، لكنه شعر بالموت يسعى وراءه حثيثًا. قال له السكَّان الأصليون إن المرض الذي أصابه في المستنقع لم يُشفَ منه أحدٌ قط، وشعر بأن حالته ميئوس منها. كان السكان الأصليُّون بالِغي الكرم معه طَوال الوقت، ووعد متابِعوه بإيصال صناديقه إلى الساحل. وكانت هذه الصناديق تحوي العيناتِ التي جمعَها، بالإضافة إلى دفتر يومياته الكاملة التي دأَبَ على كتابتها حتى وقع في براثن المرض.

توسَّل أورموند إلى صديقه أن يُسلِّم مقتنياته إلى الجمعية الجغرافية، وأن يتَّخذَ الترتيبات اللازمةَ لنشر يومياته، إن كان هذا ممكنًا. إنها قد تُحقِّق له الشهرة التي مات سعيًا وراءها، وقد لا تُحققها له، لكنه أضاف أنه ألقى مسئولية كل الترتيبات بلا استثناء على عاتقِ صديقه الذي أكنَّ له حبًّا وثقةً لا يُكِنهما رجلٌ لآخرَ إلا مرةً واحدة في العمر؛ عندما يكون شابًّا. اغرورقَت عينا جيمي بالدموع قبل أن يفرغ من قراءة الخطاب بكثير.

حوَّل انتباهه إلى خطابٍ آخرَ كان قد تسلَّمه في البريد نفسِه، وكان يحمل أيضًا طابَع جنوب أفريقيا. كان يأمُل أن يجد بعض الأخبار عن صديقه، ففضه، لكنه وجده مجردَ إخطارٍ من شركة السفينة البخارية بأن نحو ستَّة صناديقَ مرسَلة إليه لم تزل في المنفذ الجنوبي للخطِّ الملاحي، لكنهم لن يُرسلوها حتى يتأكَّدوا من أن رسوم شحنها إلى ساوثهامبتون ستُدفَع.

وبعد ذلك بأسبوع، كتبت صحفُ لندن بخطٍّ كبير: «اختفاء ممثِّل في ظروف غامضة». كان الممثل المعروف جيمس سبنس قد ترك المسرح الذي كان يُمثِّل فيه دور جوزيف ليمثل دور الشخصية العظيمة ريشليو، ولم يُسمَع عنه خبرٌ منذ ذلك الحين. تذكر عامل المسرح مغادرتَه تلك الليلة؛ لأنه لم يردَّ على التحية التي حيَّاه بها، وهو ما كان لافتًا للغاية. كان أصدقاؤه قد لاحَظوا الاكتئاب الشديد الذي بدا عليه لعدةِ أيام قبل اختفائه، وثارت لديهم المخاوف. قال أحد الصحفيين مازحًا إن أغلب الظن أن جيمي خرج يُحاول اكتشاف ما جرى لصديقه الأفريقي، لكن المزحة لم تلقَ استحسانًا، فعندما يتودَّد الناس لرجلٍ بمُناداته باسم جيمي حتى أواخرِ حياته فهذا يعني أن الرجلَ محبوبٌ بينهم، وقد أسِف كلُّ مَن عرف سبنس لاختفائه، وأملوا ألَّا يكون مكروهٌ قد أصابه.

وبعد عامٍ على الاختفاء خرَج من أدغال أفريقيا شخصٌ أشبهُ بالهيكل العظمي الشاحب مترنحًا، وتحسَّس طريقه إلى الساحل على غير هدًى كمن عاش كل ما مضى من حياته في الظلام ثم خرج إلى النور، فوجده مبهرًا لعينَيه أكثرَ من اللازم. تمكَّن من الوصول إلى المرفأ، ومن هناك تمكَّن من ركوب سفينةٍ بُخارية عائدة إلى ساوثهامبتون. أنعشه نسيمُ البحر بعضَ الشيء، ولو كان جليًّا لكل الركاب أنه مر بتجرِبة مرضٍ عُضال. كان احتمال بقائه على قيد الحياة حتى يرى إنجلترا من جديد محلًّا للشك. واستحال تخمين ما سيحدث في سنِّه تلك، فقد كانت وطأةُ المرض عليه شديدة، ولم يبدُ متحمسًا للتعرُّف على أحد، ولم ينشغل إلا بنفسه، وجلس في كرسيِّه متدثرًا يُحدق بعينين متعبتين في مياه المحيط ذي اللون الأخضر.

تكرَّر جلوس فتاةٍ شابة بعينها على كرسيٍّ قريب منه، كانت تتظاهر بالقراءة، لكنها كانت معظم الوقت تُلقي نظراتِ تعاطف خاطفةً إلى الرجل الشاحب الجالس بجوارها. في مرات عديدة بدا أنها تُحاول مفاتحتَه بالحديث، لكنها على ما يبدو كانت تتردَّد في فعل ذلك؛ لأن الرجل لم يُعْنَ بأحدٍ من الركَّاب الآخرين. ومع ذلك استجمعَت الشجاعة للتحدُّث إليه بعد مدة من الوقت، وقالت له: «هناك قصة صحفية جيِّدة في هذه المجلَّة، أتودُّ قراءتها؟»

حوَّل عينَيه من الماء إلى وجهها وحدَّق فيه على نحوٍ خالٍ من التعبير للحظة. وأبرز شاربُه الداكن شحوبَ وجهه، لكنه لم يُخفِ الابتسامة الخافتة التي ارتسمَت على شفتيه، كان قد سمعها، لكنه لم يفهمها.

سألها برفق: «ماذا قلتِ؟»

قالت: «قلت إنَّ هناك قصةً جيدة هنا بعنوان «المؤلف!» وظننتُ أنك قد تود قراءتها.» وبدا الخجَلُ على وجهها وهي تقول ذلك فزادها جمالًا، فقد بدا الرجلُ أصغر سنًّا عندما ابتسم.

رد الرجل ببطء: «أخشى أنِّي قد نسيتُ كيف أقرأ. فقد مرَّ وقتٌ طويل منذ أن رأيتُ أيَّ كتاب أو مجلة. لم لا تقصِّين عليَّ القصة؟ أُفضِّل أن أسمعها منك على أن أحاول قراءتها بنفسي من المجلة.»

قالت بأنفاس متقطِّعة: «لستُ متأكدة أني سأتمكَّن من قصِّها، كما أراد مؤلفها، لكن يُمكنني أن أقرأها عليك إذا أردت.»

كانت القصة تدور حول رجلٍ كتبَ مسرحية، وظنها إضافةً عظيمة إلى مجال الدراما، كما يَحسَب كلُّ كاتب أعمالَه، واعتقد أن مسرحيته ستُحقق له الشهرة والثراء. ثم أخذها إلى أحد مديري المسارح في لندن، لكنه لم يسمع شيئًا عنها لوقتٍ طويل، وأُعيدت إليه في النهاية. وذات مرة كان في طريقه إلى المسرح لمشاهدة مسرحيةٍ تراجيديةٍ جديدةٍ في ليلة عرضها الأولى، وقد ادَّعى مدير المسرح أنها من بنات أفكاره، لكن المؤلف ذُهل عندما رأى مسرحيته المرفوضة تُؤدَّى أمامه على المسرح مع إدخال بعض التغييرات عليها، وعندما انطلقت صيحة «المؤلف!» وقف في مكانه، لكنَّ المرض والحرمان كانا قد فتَّا في عَضُدِه، فمات وهو يُعلن أنه مؤلف المسرحية.

عندما انتهت القراءة قال الرجل: «آه، لا يُمكنني إخبارُكِ إلى أيِّ مدًى أثارت القصةُ اهتمامي. فقد كنت ممثلًا يومًا ما، وكلُّ ما له صلةٌ بالمسرح يُعجبني على الرغم من مرور سنين منذ آخر مرة رأيتُ فيها مسرحًا. لا بد أنه من سوء حظ أيِّ شخص أن يعمل لتحقيق الشهرة ثم يسلبه الخداعُ إياها مثل بطل القصة، لكني أعتقد أن ذلك يحدث أحيانًا، على الرغم من أنني أرجو ألا يتكرَّر كثيرًا، لتحتفظَ الطبيعة الإنسانية بصدقها.»

سألته وقد بدَت زيادةُ اهتمامها عندما تحدَّث عن المسرح: «هل كنت تُمثل باسمك الحقيقي أم فعلت مثلما يفعل الكثيرُ من ممتهني التمثيل؟»

ضحك الشاب، لأول مرة منذ ركوبِه السفينةَ ربما. وأجاب: «أوه، لم أكن مشهورًا على الإطلاق. لم أؤدِّ إلا أدوارًا صغيرة، وكنتُ أمثِّل باسمي الحقيقي دائمًا: سيدني أورموند، لا بد أنك لم تسمعي به.»

صاحت الفتاة في ذهول: «ماذا؟! أنت لستَ سيدني أورموند الرحَّالة الأفريقي المعروف، أليس كذلك؟»

حوَّل الشابُّ وجهه الشاحب وعينَيه الكبيرتين الحزينتين نحوها.

وقال: «أنا سيدني أورموند بالتأكيد، وأنا بالفعل رحَّالة في أفريقيا، لكني لا أعتقد أني معروف. لا أعتقد أن مَن سمعوا بي كرحالةٍ أكثرُ ممن سمعوا بي كممثل.»

قالت: «سيدني أورموند الذي أعنيه اجتازَ أفريقيا دون أن يُطلق رصاصةً واحدة، ولاقى كتابه «مهمة سلام» نجاحًا كبيرًا في كلٍّ من إنجلترا وأمريكا. لكن لا يمكن أن تكون هو بكل تأكيد؛ فسيدني أورموند على ما أتذكَّر يُحاضر الآن في إنجلترا أمام جماهيرَ غفيرةٍ يقصدونه من أنحاء البلاد. وقد منَحَته الجمعية الجغرافية الملَكية أوسمةً أو درجاتٍ عِلميةً أو شيئًا من هذا القبيل، ربما كانت جامعة أكسفورد هي التي منحَته الدرجة العلمية. يؤسفني أن هذا الكتاب ليس معي، لا بد أنه كان سيُثير اهتمامك، لكن لا بد أنه مع أحد ركاب السفينة، وسأحاول إحضاره لك. فقد أعطيتُ نسختي لصديق في كيب تاون. يا لها من مصادفة غريبة أن يكون الاسمان متطابقين تمامًا.»

قال أورموند في كآبة: «هذا غريب جدًّا»، ثم عادت عيناه إلى تأمُّلِ الأفق ووجومه المعتاد.

قامت الفتاة من مقعدها، وقالت إنها ستحاول العثور على الكتاب، وترَكَته في مكانه يتأمَّل. وعندما عادت إليه بعد مرور نصف الساعة تقريبًا، وجدته جالسًا في مكانه كما تركته تمامًا، وعيناه الحزينتان معلَّقتان بالبحر الحزين. كان في يدها مجلد. فقالت له: «هاك! كنت أعلم أني سأجد نسخةً منه على متن السفينة، لكن حيرتي زادت عن ذي قبل، فالصورةُ الأمامية تُشبهك تمامًا، لكن ملابسك مختلفة ولا تبدو …» وتردَّدَت لحظةً ثم واصلت: «لا تبدو مريضًا للدرجة التي كنتَ عليها عندما صعدت على السفينة.»

نظر أورموند إلى الفتاة مبتسمًا وقال:

«يمكنك التحدثُ بصراحة، تقصدين لا أبدو مريضًا للدرجة التي أنا عليها الآن.»

ردَّت: «لقد عادت الرحلةُ عليك بالنفع. يبدو حالك أفضلَ مما كان عندما صعدتَ على متن السفينة.»

قال أورموند: «نعم، أعتقد ذلك»، ومدَّ يده ليأخذ المجلد الذي كانت تُمسك به. وفتحه على الصورة الأمامية وحدَّق طويلًا فيها.

جلسَت الفتاة بجواره وأخذت تراقب وجهه، وتُجيل نظرها بينه وبين الكتاب.

ثم قالت في النهاية: «يبدو لي أن المصادفة تزداد غرابةً أكثرَ فأكثر. هل رأيتَ هذه الصورة من قبل؟»

قال أورموند ببطء: «نعم. إنها صورة لي التُقِطَت في عُمق أفريقيا وأرسلتها إلى صديقٍ عزيز لي، إنه صديقي الوحيد في إنجلترا في الواقع. أعتقد أني كتبتُ إليه أقترح إعدادَ كتاب من المواد التي أرسلتُها إليه، لكني لستُ متأكدًا. لقد كنت مريضًا جدًّا عندما كتبتُ إليه خطابي الأخير. ظننت أني سأموت، وأخبرته بذلك. أشعر ببعض الحيرة، ولا أفهم الأمر على الإطلاق.»

صاحت الفتاة وقد كسا السخطُ وجهها: «أنا أفهمه.» ثم أضافت: «صديقُك خائن. إنه يجني ثمرةَ جهدك، ويدَّعي أنه الرحالة الأفريقي، أورموند الحقيقي. عليك أن توقف ذلك عندما تصل إلى إنجلترا، وأن تفضح خيانتَه أمام البلد بأكملها.»

هز أورموند رأسه ببطء تعبيرًا عن الرفض، وقال:

«لا يمكنني تخيلُ جيمي سبنس خائنًا. لو كان الأمر يقتصر على الكتاب، لكان له تفسيرٌ سهل حسَبما أعتقد؛ فقد أرسلتُ إليه يوميات سفري وكلَّ المواد، لكني لا أستطيع أن أفهم تسلُّمَه للأوسمة أو الدرجات العلمية.»

أصدرَت الفتاة إيماءة سريعة توحي بنفاد الصبر.

وقالت: «لا يمكن أن يوجد تفسيرٌ لهذه الأشياء. لا بد أن تواجهه وتفضحه.»

قال أورموند: «كلا، لن أواجهه. لا بد أن أفكِّر في الأمر بعض الوقت. لا يمكنني التفكيرُ بسرعة، على الأقل الآن وأنا أواجه هذا الأمر. كلُّ شيء كان يبدو بسيطًا وواضحًا في البداية، لكن إذا كان جيمي سبنس قد انتحلَ شخصيتي، فهنيئًا له بذلك. يبدو أني فقدتُ كلَّ طموحي منذ أن غادرت أفريقيا. لا يبدو لي أيُّ شيء جديرًا بالعناء الآن.»

صاحت الفتاة: «أوه! هذا لأن صحتك متدهورة. ستعود إلى طبيعتك من جديد عندما نصل إلى إنجلترا. لا تدَعْ هذا الأمر يُقلقك الآن، فهناك الكثير من الوقت للتفكير فيه من كلِّ جوانبه قبل أن نصل. أعتذر عن حديثي عن الأمر، لكني، كما رأيت، تفاجأتُ عندما ذكرتَ اسمك.»

قال أورموند بصوتٍ أكثرَ ابتهاجًا: «سعدتُ بحديثك معي كثيرًا.» ثم أردف: «حديثك معي في حدِّ ذاته شجعَني بشدة. لا يمكنني إخبارك إلى أيِّ مدًى أُقدِّر هذا الحديث. أنا رجل وحيد، وليس لي في العالم إلا صديقٌ واحد، ويؤسفني أنه حريٌّ بي الآن أن أقول إنه ليس لديَّ حتى صديق واحد في العالم. أنا ممتنٌّ لاهتمامك بي، ولو كان مبعثُه التعاطُفَ مع رجل محطَّم؛ رجل مهمَل يمخر عبابَ بحر الحياة.»

اغرورَقَت عينا الفتاة بالدموع، ولزمت الصمت بعض الوقت، ثم وضعت يدها بحنوٍّ على ذراع أورموند، وقالت: «أنت لستَ محطَّمًا؛ بل أبعد ما تكون عن ذلك. أنت تجلس وحدك أكثرَ من اللزوم، وأخشى أن ما قلتُه لك قد زاد من متاعبك.» وتوقفت الفتاة عن الحديث، ثم أضافت بعد لحظة:

«ألا يمكنك التمشِّي على سطح السفينة بعض الوقت؟»

رد أورموند وهو يضحك ضحكةً خافتة: «لستُ متأكدًا من ذلك، لكني سأرافقك إن لم يزعجك ذلك.»

قام مترنحًا بعضَ الشيء وأمسكت بذراعه.

قالت له في ابتهاج: «يجب أن تعتبرني طبيبتَك، وأنا أصرُّ على أن تُطاع أوامري.»

قال أورموند: «يسعدني أنا أكون تحتَ إشرافك، لكن ألا يُمكنني معرفةُ اسم طبيبتي؟»

احمرَّ وجه الفتاة خجلًا عندما أدركَت أنها أجْرَت حوارًا بهذا الطُّول مع شخصٍ لم تُعرِّفْه باسمها بعد. كانت تعتبره عليلًا يحتاج إلى بعض كلمات التشجيع والبهجة، لكن عندما وقف رأَت أنه أصغرُ بكثير مما افترضَت من وجهه ومظهره.

وقالت: «اسمي ماري رادفورد.»

سألها أورموند: «الآنسة ماري رادفورد؟»

أجابته: «نعم، الآنسة ماري رادفورد.»

كان ذلك الحديثُ الذي دار على سطح السفينة أولَ الغيث، وسرعان ما اتضحَ أن أورموند في طريقه للعودة إلى طبيعته. وإذا كان قد خسر صديقًا في إنجلترا، فلا شك أنه وجد عوضًا عنه صديقةً على متن السفينة، وقد أخذَ يزداد تعلُّقًا بها أكثرَ فأكثر كلما مر الوقت. لم يختلفا إلا بشأنِ مواجهة جيمي سبنس. إذ كان أورموند مُصرًّا على ألا يعترضَ طريق جيمي وشهرته التي اكتسبَها بطريقةٍ ملتوية.

وعندما اقتربَت نهاية الرحلة، وقف أورموند والآنسة رادفورد معًا ومالا على سور السفينة وانهمكا في حديثٍ هادئ. وكانت صداقتهما قد توطدت بشدة بالفعل.

قالت الآنسة رادفورد: «لكن إذا لم تفضح أمرَ هذا الرجل، فماذا ستفعل عندما ترسو بك السفينة؟ هل ستعود إلى خشبة المسرح من جديد؟»

رد أورموند: «لا أظن ذلك.» ثم أردف: «سأحاول العثورَ على عملٍ والعيشَ في هدوء بعض الوقت.»

صاحت الفتاة: «أوه! لا أستطيع معك صبرًا.»

قال أورموند: «اعذريني في ذلك يا ماري، إنني إذا تمكَّنتُ من كسب العيش فسأطلب منكِ الزواجَ مني.»

قالت الفتاة بأنفاسٍ متقطعة: «أوه!» وأشاحت بنظرها بعيدًا.

سألها أورموند: «هل تعتقدين أنه سيكون لي أيُّ فرصة لتحقيق ما أريد؟»

قالت بعد لحظة صمت: «لكسب العيش تقصد؟»

رد أورموند: «كلا. فأنا واثق في قدرتي على كَسْب العيش، فأنا أكسب عيشي منذ زمن طويل؛ لذا، أجيبي عن سؤالي. يا ماري، هل تعتقدين أنه سيكون لي أيُّ فرصة لتحقيق ما أريد؟» ووضع يدَه برفق على يدها التي كانت على سور السفينة. لم تُجبه الفتاة، لكنها لم تسحب يدها، بل اكتفَت بالتحديق إلى المياه ذات اللون الأخضر الزاهي من تحتهما والزبَد المتناثر على سطحها.

بعد مدة قالت الفتاة: «أظنُّك تعرف أن فرصتك سانحة بالتأكيد، لكنك فقط تتظاهر بالجهل بذلك لتسهيل الأمر عليَّ؛ لأني ببساطة فرَضتُ نفسي عليك منذ بدأنا الرحلة.»

قال: «أنا لا أتظاهرُ يا ماري.» ثم أردف: «كنت أخشى أن يكون اهتمامُكِ بي هو اهتمامَ الممرضة بمريضٍ حالته متأخرة بعض الشيء. كنتُ أخشى أن تكوني مشفقةً عليَّ، لا مُغرَمة بي. ربما كانت هذه هي الحال في البداية.»

أجابته: «ربما كانت الحال كذلك في البداية، لكنها أبعدُ ما تكون عن ذلك الآن يا سيدني.»

تحرَّك الشاب نحوها ليقترب منها أكثر، لكن الفتاة ابتعدَت عنه هامسة:

«تذكَّر أنَّ هناك أناسًا آخرين معنا على سطح السفينة.»

قال أورموند وهو يُحدِّق فيها بافتتان: «لا أُصدق ذلك.» ثم أضاف: «لا أرى أحدًا غيرك. أعتقد أننا كنا نطفو فوق سطح المحيط وحدَنا، وأن هذا العالم الكبير ليس فيه سوانا. كنت أعتقد أني سافرتُ إلى أفريقيا سعيًا وراء الشهرة، لكني الآن أدركتُ أني سافرت لأعثر عليك. ما وجدته أعظمُ كثيرًا مما سعيت وراءه.»

قالت الفتاة وهي تنظر إليه في خجل: «ربما كانت الشهرة تنتظر منك أن تأسِرَها كما … كما انتظرَك شخصٌ آخر. الشهرة لَعوبٌ متبجِّحة، كما تعلم.»

هزَّ الشابُّ رأسَه.

قال أورموند: «كلا. لقد خانتني الشهرة مرة. ولن أمنحَها فرصةً أخرى.»

وهكذا حملت السفينة الحبيبَين حتى رسَت بهما برفقٍ في ميناء ساوثهامبتون، وكانا قد اتفقا على الزواج عندما تشاء الظروف.

كان ذَوو ماري رادفورد في انتظارها، أما أورموند فقد انطلق نحو لندن وحده، وعاوَده فور أن بدأت رحلته القصيرة بالقطار الوجومُ الذي كان يتملَّكه خلال الجزء الأول من رحلته البحرية الطويلة. ومن جديدٍ شعر بالوحدة في العالم بعد أن غابت محبوبته التي كان وجودُها يُضيء عالمه، وأحزنه التفكير في أن البرقية، التي كان سيُرسلها إلى جيمي سبنس ليُعلِمَه بوصوله في ابتهاج، لن تُرسَل. اشترى صحيفة من محطة القطار، فقرأ فيها أن عمدة مدينة في منطقة ميدلاند ومسئوليها سيستقبلون الرحَّالة الأفريقي سيدني أورموند، وسيُمنح وسام المدينة. وكان أورموند سيُلقي محاضرة عن مغامراته في المدينة التي تُكرمه في الأسبوع ذاته. فوضع أورموند الصحيفة من يده متنهدًا، وتحوَّل تفكيره إلى الفتاة التي فارقها لتوِّه. رقيقة هي حقًّا، وأجدرُ بانشغال العقل بها من صديق زائف.

ماري أيضًا رأت الإعلانَ الواردَ في الصحيفة، فزمَّت شفتيها وتحوَّل لون وجنتيها من الغضب. وبعد أن رأت إحجام حبيبها عن اتخاذ أي إجراءات ضدَّ صديقه السابق، كانت قد كفَّت عن الإلحاح عليه، لكنها عقدت العزم بهدوء على تولي زِمام الأمور بنفسها.

وفي الليلة التي كان من المفترض أن يلقي فيها الرحالة الأفريقي الزائفُ محاضرةً في المدينةِ المشارِ إليها، كانت ماري رادفورد بين الجماهير العريضة التي حيَّتْه. وعندما اعتلى المنصة تفاجأت بشدةٍ من مظهره لدرجةٍ انتزعت من جوفها صيحةً لم تُسمَع وسط التصفيق الحار الذي قوبل به المحاضر. فقد كان الرجل صورةً طبق الأصل من خطيبها.

استمعَت إلى المحاضرة في ذهول، وبدَت لها نبرةُ صوت المحاضر هي الأخرى مطابقةً لنبرة صوتِ حبيبها. لم تهتمَّ كثيرًا بمحتوى خطابه، ولكن عقلها استغرق في التفكير أكثرَ في المقابلة الآتية، وتساءلت عن الذرائع التي قد يسوقها الرحالةُ الزائف لتبرير غشه.

وبعد انتهاء المحاضرة وتبادُل عبارات الشكر المعتادة، لزمت ماري رادفورد مقعدها في حين أخذ باقي الجمهور يتسرَّب من القاعة الكبيرة ببُطء. وأخيرًا هبَّت واقفة، واستجمعت شجاعتها للمقابلة الوشيكة، وتوجهَت إلى الباب الجانبي، وأخبرت الحارس المرابط عنده برغبتها في لقاء المحاضر. فأجابها الحارس بتعذُّرِ مقابلة السيد أورموند لأحدٍ في الوقت الحالي، وكان من المزمع إقامةُ مأدُبة عَشاء كبيرة، يلتقي فيها بالعمدة والمسئولين؛ لذا كان قد قال إنه لا يستطيع لقاءَ أحدٍ آخر.

سألته الفتاة: «إذا كتبتُ له رسالة، فهل يمكنك حملُها إليه؟»

رد الحارس: «سأحملها إليه، لكن لا فائدة من ذلك، فلن يُقابلك. فقد رفض أن يقابل حتى الصحفيين»، وجاء ردُّه ذلك كما لو كان الأمر منتهيًا؛ فمن يرفض لقاء الصحفيين سيرفض لقاءَ أعضاء الأسرة المالكة أنفسِهم إن أرادوا لقاءه.

أخذت ماري ورقةً وكتبَت عليها: «خطيبة سيدني أورموند الحقيقي تودُّ مقابلتك بضع لحظات»، وحُملت الرسالة المقتضَبة هذه إلى المحاضر.

اهتزَّت ثقة الحارس في الرجال البارزين بشدةٍ عندما عاد بعد دقائق قليلة يحمل أمرًا بإدخال السيدة على الفور.

وعندما دخلَت ماري الغرفة الخضراء المجاورة لقاعة المحاضرات رأَت شبيه حبيبها يقف قربَ المدفأة، ممسكًا برسالتها في يده، وترتسم على وجه أماراتُ عدم التصديق.

وما إن دخلَت الفتاة الغرفة وأغلقَت الباب ووقفت مستندةً بظهرها إلى الباب. كان هو مَن بدَأها بالحديث.

قال: «ظننتُ أن سيدني قد أخبرَني بكل شيء، لكني لم أعرف قطُّ بعلاقته بفتاةٍ شابة ولا بخِطْبته لها.»

ردَّت: «أتعترف بأنك لست سيدني أورموند الحقيقي إذن؟»

قال: «أعترف بذلك لكِ بالطبع إذا صحَّ أنك كنت ستتزوَّجينه.»

قالت: «سأتزوجه بالفعل، آمُل ذلك.»

قال: «لكن سيدني المسكين قد مات، مات في أدغال أفريقيا.»

ردت: «سيُذهلك أن تعرف أنَّ ذلك ليس صحيحًا، وأن انتحالك لشخصيته لا بد أن ينتهي. ربما تكون قد استغللتَ صداقته لك، وظننتَ أنه حتى لو عاد فلن يفضحك. إنك مُحقٌّ في ذلك بالفعل، لكنك لم تحسب حسابًا لي. سيدني أورموند في لندن الآن يا سيد سبنس.»

لم يُلقِ جيمي سبنس بالًا لاتهامات الفتاة، وأطلق صيحةً حربية كانت فيما مضى يستخدمها في المشهد الثاني من مسرحية «بوكاهونتاس» التي كان يُمثل فيها جيمي دورَ نبيلٍ غليظِ الطباع، ثم رقص رقصةً كان يرقصها في مسرحية «كولين بون». وبينما كانت الفتاة تُشاهد هذه الحركاتِ المسرحيةَ في ذهول، هجم عليها جيمي فجأة، وطوَّق خصرها ثم لفَّ بها بعنف في أرجاء الغرفة. وبعد أن أجلسها في أحد أركانها، عاد جيمي إلى طبيعته، ومسح جبينه المقطَّب بمنديله بعناية كمَن يخشى إفسادَ مساحيق التجميل التي على وجهه.

وقال: «سيدني في إنجلترا من جديد؟ هذا خبرٌ رائع حتى إنه لا يُصدَّق. قولي ذلك مرة أخرى يا فتاتي، لا أكاد أُصدِّق. لِمَ لمْ يأتِ معك؟ أهو مريض؟»

أجابته: «لقد كان مريضًا جدًّا.»

قال: «آه، هذا هو السبب، يا له من مسكين. كنت أعلم أنَّه ما من شيء غير ذلك كان سيمنعه من العودة. وعندما أبرق إليَّ على عنواني القديم، عندما رسَت سفينته بالطبع، لم يأته ردٌّ لأني كنت قد اختفيتُ كما ترين. لكن سيد لم يكن لديه وسيلةٌ لمعرفة ذلك، ولا بد أنه يتساءل عما حلَّ بي. لدي قصة رائعة أُخبره إياها عندما نلتقي، قصة لا تقلُّ روعة عن رحلاته في أفريقيا. سنذهب إلى لندن مباشرةً الليلة بعد انتهاء هذا العشاء اللعين. ما اسمك يا فتاتي؟»

قالت: «ماري رادفورد.»

قال: «وأنتِ خطيبة صديقي القديم سيد، أليس كذلك؟ رائع! رائع! هذه أخبارٌ عظيمة. لا تقلقي مما فعلتُ يا عزيزتي ماري، فأنا صديقُ سيد الوحيد، وأنا في سنِّ أبيك. أبدو شابًّا الآن، لكن انتظري حتى تزولَ مساحيق التجميل. هل معكم أيُّ نقود؟ أعني ما يكفي لإعاشتكما بعدَ زواجكما، فأنا أعلم أن سيدني لم يكن قط ميسورَ الحال.»

قالت ماري متنهدة: «ولا أنا ميسورة الحال أيضًا.»

قفز جيمي وذرَع الغرفة في ابتهاجٍ بالغٍ وهو يضحك ويضرب بيده على فخذه.

وصاح قائلًا: «هذا رائع.» ثم أردف: «اسمعي يا ماري، أنا لدي أكثرُ من عشرين ألف جنيه إسترليني في المصرف أدَّخِرُها لكما. إن هذا مِن إيرادات الكِتاب والمحاضرات كما تعرفين. لا أعتقد أن سيد نفسَه كان سيُبلي بلاءً حسنًا هكذا؛ فقد كان غيرَ مهتمٍّ بالمال على الدوام، وكان كثيرًا ما يُقرِضني آخِرَ بنس معه دون أن يهتمَّ بتدوين ذلك، ولم أُفكر أنا في رد هذه الديون، حتى رحل، وعندئذٍ أزعجني الأمر.»

وهنا أقحَم الرسولُ رأسه في الغرفة وقال إن العمدة والمسئولين في الانتظار.

قال جيمي: «أوه، فليذهب العمدة والمسئولون إلى الجحيم!» ثم استدرك سريعًا: «لا، لا تنقل لهم ما قلتُه للتو. أرسل إليهم تحيات جيمي، أعني سيدني، أورموند، وأخبر سيادة العمدة أني تلقَّيت أخبارًا بالِغةَ الأهمية من أفريقيا لتوي، لكني سأكون معه بعد قليل.»

وعندما انصرفَ الرسول واصل جيمي الكلام مبتهجًا. وقال: «يا له من وقتٍ ممتع ذلك الذي سنقضيه في لندن! سنذهب نحن الثلاثة إلى المسرح القديم المألوف، وسنشتري تذاكرنا — يا له من شيء مذهل! — هذا ما سيكون جديدًا. بعد ذلك سنتناول العشاء في المكان الذي اعتدتُ أنا وسيد الترددَ عليه. سيتحدث سيدني وسنسمع أنا وأنت، ثم سأتحدَّث أنا وستسمعين أنت وسيد. الأمر يا عزيزتي أني زرتُ أفريقيا بنفسي أنا أيضًا. وعندما وصلَني خطابُ سيدني الذي كتب فيه أنه يحتضرُ أصابني الحزنُ والوجوم ولم أتمكن من فعل أيِّ شيء مفيد. فحسمت قراري حول ما ينبغي أن أفعلَه. ظننتُ أن سيد مات سعيًا لتحقيق الشهرة، ورأيتُ أنه ليس من العدل ألا يحصل على ما دفع ثمنَه غاليًا. فجمعت كلَّ ما أمكنني جمعُه من المال واشتريت أقلَّ تذاكر السفر بالسفينة كُلفةً وشدَدتُ الرحال إلى أفريقيا. ولما وصلت إلى هناك لم أجد وسيلةً للبحث عن سيد، فقرَّرتُ أن أكون بديلًا له وأُحقِّق له الشهرة إن أمكن. أخفيتُ هُويتي الحقيقية وادَّعيتُ أني سيدني أورموند وأخذت صناديقه وأبحرتُ إلى ساوثهامبتون. ومنذ ذلك الحين وأنا أؤدِّي دوره بدلًا منه، وكان الأمل يحدوني دومًا أن يعود يومًا ما، بحيث يكون كلُّ شيء جاهزًا له ليعيشَ في الواقع الذي حلَلتُ بديلًا له فيه، وأعود أنا — البديل — إلى حياتي فأستأنف منافسةَ مكريدي. لو كان سيد قد تأخَّر لعامٍ آخر لخرجتُ في جولة في أرجاء أمريكا لإلقاء المحاضرات، وعندما ينتهي ذلك، كنتُ أنتوي الذَّهاب إلى أفريقيا، والاختفاء هناك في الغابة متقمِّصًا شخصية سيدني أورموند، ثم أمسح عني مساحيق التنكُّر وأظهر بشخصية جيمي سبنس. وعندئذٍ كانت شهرة سيدني أورموند ستُحقَّق بلا شك؛ لأنهم كانوا سيُرسلون بعثاتٍ للبحث عنه ولن يعثروا عليه، في حين كان العمر سيتقدَّم بي وأنا أتفاخر بصديقي الراحل العظيم سيدني أورموند.»

اغرورقَت عينا الفتاة بالدموع وقامت وأمسكت بيد جيمي.

وقالت: «لم يُخلِص صديقٌ بشدة لصديقه مثلُك قط.»

قال جيمي في ابتهاج: «أوه، فليُبارِككِّ الرب.» ثم أردف: «لو كان سيد مكاني لفعَل المثل من أجلي. لكن الحظ حالفه بلِقائك أكثرَ مما حالفه بصداقتي، على الرغم من أني لا أنكر أني كنت صديقًا مخلصًا له. نعم يا عزيزتي، إنه محظوظٌ للِقاء فتاةٍ شجاعة مثلِك. فاتني ذلك عندما كنت شابًّا، فقد كان عقلي منشغلًا بترهات مكريدي، ولم أتمكن حتى من مُضاهاة مكريدي. لقد كنتُ على الدوام بديلًا من نوعٍ ما؛ لذا يُمكِنك أن ترَيْ أن الدور كان سهلًا بالنسبة إليَّ. والآن عليَّ أن أذهب للقاء العمدة والمسئولين؛ لقد كدتُ أنسى أمرهم، لكن عليَّ أن أظل متقمصًا الشخصية، من أجل سيدني. لكن سيكون هذا هو المشهدَ الأخير يا عزيزتي. واعتبارًا من الغد سيتسلَّم دورَ المستكشف الممثلُ الأصلي … النجم.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١