«والانضباط في اللعب»

عاد السيد سوندرز العجوز إلى المنزل مُطأطِئَ الرأس عاقد الحاجبَين غاضبًا. لم يكن يعلم أنَّ ديك كان معتادًا على التأخُّر، ولكنه باتَ الآن يعلم ذلك عِلم اليقين. كان السيد سوندرز يخلد إلى النوم في وقتٍ مبكر وينام بعُمق، كما ينبغي لرجلٍ ذي ضمير حي. لكنَّ أم الفتى كانت بلا شكٍّ تعلم ساعاتِ عودته ولم تقل شيئًا، وهو ما زاد الأمرَ سوءًا. شعَر الأبُ أن الأم وابنها كانا متحالِفَين ضدَّه. لقد كان مُفرِطًا في اللِّين، وأراد الآن أن يتيقَّظ لما يدور حوله. يجب أن يُغيِّر ذلك الشابُّ سلوكَه بسرعة أو يستعدَّ لمواجهة العواقب. لم تَعُد أنصافُ الحلول مجدية.

ما إن رأت السيدة سوندرز العجوزُ المسكينةُ زوجَها يدخل المكان حتى أدركَت أن عاصفةً على وشك الهبوب، واعتمَلَ في قلبها خوفٌ شديد؛ لعلمِها أن ابنها هو المتسبِّب في كل ما سيجري. حسمَت الكلماتُ الأولى التي نطق بها العجوزُ الأمرَ.

قال السيد سوندرز: «متى وصل ريتشارد ليلةَ أمسِ؟»

أجابت مترددة: «لا … لا أعرف.» وكان زوجها يُسمِّي أسلوبها هذا في الحديث «مراوغةً». كانت على الدَّوام تُمثل حاجزًا بين الأبِ وابنه منذ أن كان ديك طفلًا.

سألها: «كيف لا تعرفين؟ مَن الذي أدخَلَه؟»

تنهَّدَت. كان هذا السرُّ يُؤرقها منذ وقتٍ طويل، وكانت تعلم أنه سينكشفُ في لحظةٍ مشئومة ستأتي يومًا ما.

وقالت أخيرًا: «لديه مِفتاح.»

حدق العجوز فيها في ذُهولٍ عقَد لسانَه. لم يَدُر بخلَدِه قطُّ شيءٌ سيئٌ كهذا حتى في أشد غضباته.

قال: «مفتاح! منذ متى يمتلك مفتاحًا؟»

قالت السيدة سوندرز: «منذ ستة أشهر تقريبًا. أراد تجنُّبَ إزعاجنا.»

قال السيد سوندرز: «هذا لطفٌ شديد منه! وأين يقضي لياليَه؟»

ردت السيدة سوندرز: «لا أعرف. قال لي إنه منتسبٌ إلى أحد النوادي، ويُمارس فيه نشاطًا ما.»

قال السيد سوندرز: «هل قال لك إنه يُمارس لعب الورق؟ هل قال لك إنه نادٍ للقمار؟»

قالت السيدة سوندرز: «أنا لا أُصدِّق ذلك، أنا متأكدة أن ديك لا يُقامر. فهو فتًى طيب.»

قال لها: «يبدو أنك تعرفين الكثيرَ إذن. هل تعتقدين أن المصرفي هاموند، مديره في العمل، لديه أدنى فكرةٍ عن انتساب موظفه إلى نادٍ للقمار؟»

أجابت: «بالتأكيد لا أعلم ذلك. أهناك خَطبٌ ما؟ هل قال لك أحد شيئًا عن ديك؟»

أجابها: «نعم، ولم يكن شيئًا في صالحه.»

صاحت الأم في قلق: «يا إلهي!» ثم أردفت: «أهو السيد هاموند؟»

قال العجوز مهدئًا نبرته قليلًا بعد أن لاحظ مدى قلق زوجته: «لم أتحدث إلى هاموند في حياتي قط.» ثم أضاف: «أرى أن يتوقف عن ارتياد ذلك النادي قبلَ أن يتناهى إلى سمع المصرفي أن أحد موظفيه يرتاد ذلك الناديَ كل ليلة. إنك سترين ريتشارد عندما يعود إلى المنزل هذا المساء، أخبريه حينئذٍ أني أريد أن أتحدَّث إليه الليلة. اطلبي منه انتظاري هنا. سأكون هنا بعد أن يتناول عشاءه بقليل.»

قالت السيدة سوندرز: «لا تقسُ عليه. تذكَّر أنه أصبح شابًّا الآن؛ لذا، اتبع معه أسلوب النصيحة لا التهديد. الكلمات الغاضبة لا تفيد.»

قال العجوز بحزم: «سأؤدي واجبي.»

تنهَّدَت السيدة سوندرز الرقيقة؛ إذ كانت تعرف ما يعني بتأدية واجبِه. كانت العبارة بلا شكٍّ تمهيدًا لمشكلة عائلية. كشف العجوز عما يُخطط له عندما أعلن أنه سيؤدي واجبه.

قال العجوز وهو يهم بالانصراف: «أكِّدي عليه أن ينتظرني الليلة.» ثم أغلق الباب وراءه.

كانت السيدة سوندرز قد مرَّت في حياتها بالكثير من المتاعب، شأنها في ذلك شأن أي امرأةٍ تعيش مع رجل غليظ الطباع. لم تتردد يومًا في تجنيب ابنها كلمةً قاسية أو ضربة وتلقِّي أيِّهما بدلًا منه بلا تذمُّر. كانت قسوة العجوز قد وقفَت حائلًا بينه وبين ابنه. وكره ديك أيام صباه والخوفَ الدائم الذي وسَمَها. أما في السنوات الأخيرة التي تضاءل فيها الخوفُ حتى اختفى، فقد هاله أن اكتشف أن الحميميَّة الطبيعية بين الأب وابنه اختفت مع اختفاء الخوف. كان قد أقدم عدةَ مرات على محاولات حييَّةٍ لمدِّ جسور التفاهم بينهما، لكنها لسوء الحظ كانت تأتي في أوقاتٍ غير مناسبة لم يكن فيها الرجل العجوز على وِفاق مع العالم بوجه عام، أما في الآونة الأخيرة فقد كان الصمتُ سيدَ الموقف بينهما. وكان الشاب يتجنب أباه قدر استطاعته؛ فلولا أمُّه لما مكث في المنزل. ارتبط الفتى بأمه برابطة ناعمة كالحرير وصُلبةٍ كالفولاذ؛ فقد كانت محبتها له ثابتة لا تتزعزع، وإيمانها به راسخًا، ولم ينسَ لها وقوفها في صفه دائمًا حتى لو كان مخطئًا. كان كثيرًا يشعر بمتعة في الحيد عن جادة الصواب، لا لشيء سِوى لتفنيد أفكار أبيه عن الطريقة التي ينبغي تربيةُ الأطفال بها. غير أنَّ ديك كان يُكِنُّ للعجوز نوعًا من الإعجاب، ولو طغى مزاجه الحادُّ بعض الشيء على مناقبه العديدة.

عندما عاد ريتشارد إلى المنزل ذلك المساءَ تناول عشاءه وحده كعادته. سحبَت السيدة سوندرز كرسيًّا إلى الطاولة وجلست، وأخذت تُحدثه عن عدة أمور وهو يتناول الطعام، لكنها تجنَّبَت إثارة الموضوع الذي كان يَشغَل الحيز الأكبر من تفكيرها وأرجأته إلى اللحظة الأخيرة. فقد يمكث في المنزل من تِلْقاء نفسِه ولا تُضطَر إلى أن تطلب منه ذلك. وكانت تراقبه عن كثب وهي تُحدِّثه، وساورَها القلق من التوتر الذي بدا على وجهه. كان قلِقًا من أمرٍ ما، وكانت تأمُل أن يبثَّها مكنونَ صدره، ومع ذلك مضَت تتحدث عن أشياء أخرى. لاحظت أنه كان يتظاهر بالأكل فحسب، وأنه كان يتركها تتحدث كثيرًا ولا يردُّ إلا لِمامًا وبذهن شارد. وأخيرًا أبعد كرسيَّه عن الطاولة وهو يُطلق ضحكةً بدت مفتعَلة.

ثم قال: «حسنًا يا أمي، ما الخطْب؟ هل هناك مشكلةٌ أم إنها لم تزل تلوح في الأفق؟ هل أقدم الربُّ الخالق على …»

قاطعته: «صه يا ديك، لا يجب أن تتحدث هكذا. أرجو ألا تكون هناك مشكلة. أريد أن أتحدث معك عن النادي الذي تذهب إليه.»

رمق ديك أمَّه بنظرة حادَّة للحظةٍ، ثم قال: «حسنًا، ماذا يريد أبي أن يعرف عن النادي؟ هل يرغب في الانضمام إليه؟»

قالت: «لم أذكر أباك …»

قال: «لا، أنتِ لم تذكري اسمه، لكن يا أمي العزيزة أنت شفافة كالزجاج. ويمكنني أن أرى بوضوحٍ ما تُخفين. والآن، لقد تحدث أحدُهم إلى أبي عن النادي، وقد أعَدَّ العُدة للحرب. حسنًا، ماذا يريد أن يعرف؟»

قالت: «قال إنه نادٍ للقمار.»

قال: «أصاب، لأول مرة.»

سألت: «أوه، يا ديك، أهو كذلك؟»

أجابها: «بالتأكيد. معظم النوادي تعتمد على المقامرة والشراب. لا أعتقد أن المقامرة في نادي ترو بلو أكثرُ من غيره من النوادي، لكنها بالتأكيد ليست أقل.»

قالت: «أوه، يؤسفني أن أعرفَ ذلك يا ديك. ولكن، يا ابني العزيز، هل …»

قاطعها: «هل أقامر؟ لا يا أمي، أنا لا أقامر. أعرف أنك ستُصدقينني، رغم أن العجوز لن يُصدِّقني. ومع ذلك، فهذه هي الحقيقة. ليست لديَّ أموال تكفي للمقامرة، ولستُ ثريًّا مثل هاموند العجوز بعد.»

قالت، وهي لم تودَّ إخافةُ الفتى من احتمال طرده من العمل الذي كانت متأكدة من حدوثه إذا اكتُشِف أمره: «لقد ذكَّرَني كلامُك هذا بشيء يا ديك. أحد الأشياء التي كان أبوك يخشاها هو أن يعرف السيد هاموند بأنك منتسبٌ إلى النادي. قد يُضِر ذلك بفرص تطورك المهني في المصرف.»

أراح ديك رأسه إلى الخلف وأطلق ضحكةً عالية. واختفى تقطيبُ حاجبيه الموحي بشعوره بالقلق لأول مرة في تلك الأمسية. ولما رأى على وجه أمِّه علاماتِ عدم الفهم استعاد جديته وكتم ضحكه بصعوبة نسبية.

وقال في النهاية: «يا أمي، تغيرَت الأمور عما كانت عليه عندما كان أبي شابًّا، أخشى أنه لا يفهم ذلك جيدًا. لم يَعُد الخوف هو الحاكمَ لعلاقة صاحب العمل والموظف، أو هذه تَجرِبتي أنا على الأقل.»

قالت: «ومع ذلك، فإذا نمى إلى علم السيد هاموند أنك تقضي أمسياتِك في …»

قاطعها: «أمي، اسمعيني للحظة. السيد جوليوس هاموند، مديري، هو من رشحَني لعضوية النادي! ما كنتُ لأُفكرَ في الانضمام إليه أبدًا لولاه. هل تتذكرين الزيادةَ الأخيرة في راتبي؟ اعتقدتِ بالطبع أنها كانت على أساس الكفاءة، وظن أبي أن الحظ حالفني للحصول عليها. لكن سببها لم يكن هذا ولا ذاك، أو ربما حصلت عليها للسببَين معًا. ما سأقوله لك الآن أريده أن يظل سرًّا بيننا. ولن أكشفه لأحدٍ غيرك. استدعاني هاموند إلى مكتبه الخاص في عصر أحد الأيام، وكان البنك مغلقًا، وقال لي: «سوندرز، أريدك أن تنضمَّ إلى النادي الرياضي، سأرشحك له.» اندهشت وأخبرته أني لا يُمكنني تحملُ تكلفته. فقال: «لا، يمكنك.» ثم أردف: «سأزيد راتبَك بضِعْف رسوم الاشتراك والتجديد السنوي. وإذا لم تنضمَّ إلى النادي فسأخفض راتبك.» فانضممت إلى النادي. كان من الحُمق ألا أفعل.»

قالت: «ديك، لم أسمع بشيءٍ كهذا قط! أي سبب قد يجعله يريد منك الانضمام؟»

أجابها وهو يتفقد ساعته: «حسنًا، هذه قصة طويلة يا أمي. سأخبرك بها مساءَ يوم آخر. ليس لدي وقتٌ كافٍ اليوم. عليَّ أن أنصرف.»

قالت له: «أوه، لا تخرج الليلةَ يا ديك. ابقَ في المنزل، أرجوك.»

مسَّد ديك شعر أمه الشائب وقبَّل جبهتها. ثم قال: «ألن يكون مساء الغد مناسبًا يا أمي؟ لا يُمكنني البقاء هنا الليلة. لدي موعد في النادي.»

قالت: «أبرِقْ إليهم لتأجيله. ابقَ هنا الليلة أرجوك يا ديك. لم أطلب منك ذلك من قبل.»

عادت إلى وجهه ملامحُ القلق.

وقال: «أمي، هذا مستحيل حقًّا. أرجوكِ لا تطلبي ذلك مني مجددًا. على أي حال، أعلم أن أبي هو مَن يريدني أن أظل هنا وليس أنت. أُخمِّن أنه يريد أداء واجبه. لكني أعتقد أن ما يريد قوله يمكن أن ينتظر إلى الغد. إذا أراد أن يُفرِغ بعضَ ما يشعر به بشأن المقامرة، فليوجِّهْ جهوده إلى المكان الصحيح، ليتحدث إلى جول هاموند، لكن خارج ساعات العمل.»

قالت: «لا يمكن أن يكون ما تقصده أن رجل أعمال ومصرفيًّا موقرًا مثل السيد هاموند يُقامر؟»

قال: «أهكذا تظنين؟ بل السيد هاموند مقامر عتيد. إنه أفضل رجال الأعمال وأكثرُهم حزمًا في المدينة من التاسعة إلى الثالثة. وإذا حدَّثتِه عن نادي ترو بلو الرياضي خلال تلك الفترة، فلن يعرف عم تتكلمين. لكنه بعد الثالثة سيُراهن على أي شيء يخطر بالبال، بدءًا من لعبة مطابقة البنسات وحتى المراهنة على فرَسِ سباق مجهول.»

تنهَّدَت السيدة سوندرز. وشعرت أن من الواضح أن ابنها يخوض غِمارَ عالم شرير لكسب عيشه.

واصلَ الابن كلامه: «والآن يا أمي، عليَّ أن أنصرف. سأمكث في المنزل ليلة الغد وأتلقَّى التوبيخ كالرجال. طابت ليلتك.»

قبَّلَها وانصرف على الفور قبل أن تقول شيئًا آخَر، وتركها جالسة وقد عقدت يدَيها وتنتظر مجيء زوجها بصبرها المعتاد وشيء من التوجس. ثم جاء وقعُ أقدام ثقيل لم تُخطِئه السيدة سوندرز. فابتسمَت في أسًى وهي تسمعه، وتذكَّرت قول ديك ذات مرة إنه حتى ولو كان على أبواب الجنة لظل وقعُ أقدام أبيه يبعث في نفسه الرعب. وتذكَّرت أنها وبَّخَته حينئذٍ على الشطط في هذا القول، لكنه عَلِقَ بذاكرتها، وظلت تسترجعه كلما أوشكت رياحُ المتاعب على الهبوب، ولم تفتأ رياحها تهب.

قال العجوز أول ما قال: «أين ريتشارد؟ ألم يَعد إلى المنزل بعد؟»

قالت: «كان في المنزل، لكنه اضطُرَّ إلى الخروج ثانيةً. كان مرتبطًا بموعد.»

قال: «ألم تقولي له إني أردتُ الحديثَ معه؟»

ردَّت: «بلى، وقال إنه سيظلُّ في المنزل ليلة الغد.»

قال: «هل عَلِم أني قلتُ الليلة؟»

قالت: «لستُ متأكدة من أني أخبرتُه أنك …»

قال: «لا تُراوغي الآن. إما أن يكون قد علم وإما أنه لم يعلم. هل علم أم لا؟»

قالت: «نعم، علم بذلك، لكنه ظنَّ أن الأمر قد لا يكون عاجلًا؛ ولذا …»

قال: «هذا يكفي. أين موعدُه؟»

قالت: «في النادي، على ما أظن.»

«آهههه!» أصدر العجوز صوتَ تعجُّبٍ طويل يوحي بأنه اكتشف أخيرًا أن أسوأ ما توقَّع قد حدث بالفعل. وقال: «هل قال متى سيعود؟»

قالت: «لا.»

قال: «رائعٌ للغاية. سأنتظره لمدة نصف الساعة، وإن لم يَعُد خلالها فسأذهب إلى ناديه وأتحدث إليه هناك.»

جلس السيد سوندرز العجوز في تجهُّم ولم يخلع قبعته، وشبَّك أصابع يدَيه على مقبض عصاه القوية، وأخذ يُتابع دقات ساعة الحائط وهي تدق ببطء. وتحت وطأة هذا الظرف الموتِّر فقَدَ عقلُ السيدة العجوزِ بوصلةَ الصواب، فأقدمَت على أسوأِ ما كان يمكن أن تفعل. كان عليها مُجاراته فيما أراد، لكنها بدلًا من ذلك عارضَت خُطته فزادته إصرارًا عليها حتى باتت حتمية. قالت إن من القسوة أن يُوبِّخ الرجلُ ابنهما أمام أصدقائه ويجعله أضحوكة بين معارفه. وأضافت أن كل ما أراد أن يقوله يمكن أن يُقال ليلةَ الغد بدلًا من اليوم وذلك في منزلهم حيث على الأقل لا يسمعُهم غريب. لكنَّ الرجل العجوز لم يَردَّ، وجلس يُراقب الساعة في صمت، فأثار ذلك سخطَها عليه. وشعرت بتأنيب الضمير فقط لإحساسها بهذا الشعور تجاهَ زوجها المخلِص، ومع ذلك بدا لها أنه لا يتصرف مع ديك بحِكْمة. وتمنت لو تحول اتجاهُ غضبه إلى نفسِها بدلًا من أن يُصبَّ جامُه على ابنها، وكانت سترحِّب بانفجار غضبه فيها وحدها. وفي غمرة هذا الانفعال الذي بدا الفَكاكُ منه الآن مُحالًا، تجاسرَت على القول:

«لقد أخطأتُ في شيء واحد، وربما تكون قد أخطأتَ أيضًا في ظنِّك أن ديك … في … في ظنك بديك.»

رمقَها العجوز بنظرة حادة، ورغم ارتعادها منها فقد رحَّبَت بها واعتبرت أنها نجحَت في صرف انتباهه عما أراد.

وقال لها: «فيمَ أخطأتُ؟»

قالت: «لقد أخطأتَ، فالسيد هاموند يعرف أن ديك عضوٌ في النادي. وهو نفسُه عضو فيه أيضًا، وقد أصرَّ أن ينضم ديك إليه. ولهذا رفع راتبه.»

قال: «قصة معقولة! مَن أخبرَكِ بها؟»

قالت: «ديك أخبرَني بها بنفسه.»

قال لها: «وصدَّقتِه بالطبع!» وأطلق ضحكة اختلطت فيها السخرية والريبة، ثم عاد لمراقبة الساعة. فتوقفَت السيدة سوندرز عن الجدال وطفِقَت تنتحبُ في صمت وهي ترجو أن تسمع خُطى ابنها الخفيفةَ تقترب من الباب، لكن ذلك لم يحدث. وأعلنت الساعةُ انتهاء المهلة، فهب العجوز واقفًا دون أن ينبس بكلمة، وعدل وضع قبعته على جبينه، وغادر المنزل.

حتى اللحظة الأخيرة لم تُصدق السيدة سوندرز أن زوجها سيُنفِّذ تهديده. أما الآن وقد أدركَت عزمه على المضيِّ فيه، خطرت ببالها فكرةٌ جامحة وهي أن تُسرع إلى النادي وتُحذِّر ابنها. ولكنها طردت هذه الفكرة بعد لحظةِ تدبُّر سريعة. ثم استدعت الخادمةَ فصوَّر لها توتُّرها أن خادمتها تلكَّأَت في الاستجابة إلى حدٍّ أثار سخطها.

صاحت: «جين، هل تعرفين أين النادي الرياضي؟ هل تعرفين مكانَ شارع سنتر ستريت؟»

لم تكن تعرف جين موقعَ النادي ولا الشارع.

واصلت السيدة سوندرز كلامها: «أريد أن أرسل رسالة إلى ديك هناك، ويجب أن تصلَه بسرعة. ألا تعتقدين أنه يمكنك الإسراعُ إلى هناك …»

لم تكن جين مستعدَّة للإسراع إلى أي مكان، فقالت: «الأسرع أن تُرسلي إليه رسالة تلغرافية يا سيدتي.» ثم أضافت: «هناك ورق تلغراف في غرفة السيد ريتشارد، والمكتب في أول الشارع.»

قالت السيدة سوندرز: «هذا هو الحل يا جين، من الجيد أنك فكَّرتِ في ذلك. أحضري لي نموذجَ تلغراف. أسرعي.»

كتبَت بيدٍ مرتعشة وحاولَت الإيضاح قدْر استطاعتها حتى لا تصعب على ابنها قراءةُ الرسالة:
ريتشارد سوندرز، النادي الرياضي، شارع سنتر ستريت
أبوك قادم إليك. سيكون في النادي في غضون نصف الساعة.

قالت السيدة سوندرز وهي تُسلم الرسالة والنقود لجين: «لا حاجة إلى التوقيع، سيعرف خطَّ أمه»، ولم تُعلِّق جين؛ إذ لم يكن عِلمُها بنظام التلغراف أكثرَ من علم سيدتها. وبعد أن فعلت السيدة العجوز كلَّ ما في وُسعها أخذت تُصلي أن تصل الرسالة قبل زوجها، واستُجيبت صلواتها، فالكهرباء أسرعُ من قدمَيِ الرجل العجوز.

وفي غضون ذلك، كان السيد سوندرز في طريقه من الضاحية إلى المدينة. وظلَّت عصاه المتينة تنقر الرصيف الحجري مُصدِرةً صوتًا حادًّا كان أشبهَ بطلقات نارية تقطع سكون الليل البارد. كان عازمًا على أن يُثبت لابنه ولزوجته أن تقدُّم عمره لا ينتقص من دوره القيادي في إدارة شئون بيته. كان يُخاطب نفسه غاضبًا أثناء مشيه، وأزعجه هدوءُ غضبِه كلما اقترب من وجهته. يجب أن تُقاوم نارُ الغضب الهواءَ البارد العليل الذي يهبُّ أثناء هذه التمشية المسائية.

خالج السيد سوندرز بعضُ الحرج عندما وجد مبنى النادي صرحًا أكثرَ وقارًا مما توقَّع. لم يكن في مظهر نادي ترو بلو الرياضيِّ انحطاطٌ أو ابتذال. بل كانت إضاءته جيدة من أعلاه إلى أسفله. وكان جمْعٌ من الرجال يقفون على حافة الرصيف واضعين أيديَهم في جيوبهم وكأنهم في انتظار شيءٍ ما. كان هناك ما يوحي بإقامة فعاليةٍ ما في المكان. وسأل العجوزُ أحد الواقفين أمام المكان للتأكد من أنه النادي الرياضي بالفعل.

فجاءه الرد: «نعم، إنه هو، هل ستدخل؟»

قال السيد سوندرز: «هذا ما أنتويه.»

سأل الرجل: «هل أنت عضو؟»

رد السيد سوندرز: «كلا.»

فقال الرجل: «ألَدَيك دعوة؟»

رد السيد سوندرز: «كلا.»

قال الرجل: «إذن فلن تتمكَّن من الدخول على الأرجح. لقد حاولنا فعل ذلك بشتَّى الطرق.»

لم يَدُر بخلَد العجوز قط احتمالُ عدمِ تمكُّنه من الدخول ومكوث ابنه آمنًا داخل مبنى النادي في تحدٍّ له، وهو ما أجَّج نارَ غضبه من جديد وزاده إصرارًا.

قال السيد سوندرز، وهو يصعد الدرَج الحجري: «سأحاول على الأقل.»

راقبه الواقفون مبتسِمين. وشاهدوه يضغط الجرس الكهربي، فانفتح البابُ بعض الشيء. ودار حديثٌ مقتضب لم يسمعه أحد، ثم انفتح الباب على اتساعه، ودخل السيد سوندرز، ثم أُغلق الباب.

قال الرجل الواقف على حافة الرصيف: «يا إلهي! يا تُرى كيف نجَح العجوز في الدخول؟ ليتني سألتُه.» ولم يُعلِّق أيٌّ من الآخَرين، فقد عقَدَت صدمةُ تمكُّن الرجل العجوز من الدخول ألسنَتَهم، رغم أنه كان قد اضطُرَّ أن يسأل ما إذا كان هذا هو النادي.

عندما فتح الحارسُ الباب كرَّر أحد الأسئلة التي كان الرجل الواقف على حافة الرصيف قد سألها منذ لحظة:

«ألديك دعوة يا سيدي؟»

فأجاب السيد سوندرز: «كلا»، ودفع عصاه برفق إلى الداخل بحيث يتعذر غلق الباب قبل أن يسحبها. ثم واصل كلامه: «أريد مقابلة ابني، ريتشارد سوندرز. أهو بالداخل؟»

ففتح الحارسُ الباب على الفور.

وقال: «نعم سيدي. إنهم في انتظارك، يا سيدي. رجاءً تعالَ من هنا يا سيدي.»

تبع العجوزُ الحارسَ مستغربًا حفاوةَ استقبالِه له. لا بد أن في الأمر خطأً ما. في انتظاره؟ كيف ذلك؟! أرشده الرجلُ إلى قاعة استقبالٍ بالغةِ الفخامة يتدلَّى من سقفها عددٌ من المصابيح الكهربية فملأها بنورٍ هادئ.

قال الحارس: «تفضل بالجلوس يا سيدي. سأخبر السيد هاموند بوصولك.»

قال السيد سوندرز: «مهلًا لحظة. أنا لا أريد مقابلة السيد هاموند. أنا لا علاقة لي به. أريد رؤية ابني. هل تقصد السيد هاموند المصرفي؟»

قال الحارس: «نعم سيدي. لقد كلَّفَني بإدخالك إلى هنا عندما تأتي ثم إخبارِه على الفور.»

مرَّر العجوز يدَه على جبينه، وقبل أن يرد كان الحارسُ قد اختفى. فجلس على أحد الكراسيِّ الجلدية الوثيرة وأخذ يُحدِّق في الغرفة متحيرًا. كل اللوحات الجميلة المعلَّقة على الحائط لها صلةٌ شديدة بالرياضة. هناك يختٌ صغير ذو صَوارٍ عاليةٍ رفيعة، وشراعٌ كبير يَميل بزاويةٍ تبدو خطيرة، ويبدو كأنه يُبحر نحوَ مَن ينظر إليه مباشرة. وهناك مُلاكمون عُراة الصدور يرفعون قبضاتهم في تحفُّز. وهناك أيضًا خيلُ سباقٍ بعضها مُستثار وبعضها هادئ هنا وهناك. وفي وسط الغرفة توجد قاعدةُ تمثال من الرخام الأسود عليها مِزْهرية فِضِّية ضخمة مزخرفة. لم يكن الرجل العجوز يعرف أن هذه القطعة الفنية البديعة من الفِضَّة كانت تُسمَّى «الكأس». وكان أحدهم قد علَّق عليها لافتة تحمل العبارة الآتية، التي كانت مكتوبةً على عجَل:
دعيني أُودِّعك، وإن لم أرَكِ ثانيةً،
فدعيني أقُل لك للأبد وداعًا.

وبينما كان العجوز يتساءل عن معنى ذلك، انفتحَت فُرجة في الستار فجأةً ودخل عجوزٌ يرفل في بِذْلة مسائية مهندمة في فتحة زرِّ سُترتِها وردةٌ. فأدرك سوندرز على الفور أنه المصرفي وانزعج مما اعتبره مظهره المبهرج، وأدرك في الوقت ذاتِه تواضُعَ ملابسه هو؛ فقد كان يرتدي بِذلةً عادية لا تبدو عليها الفخامة ولو كانت جديدة.

قال المصرفي: «كيف حالك يا سيد سوندرز؟» ومدَّ يده بحرارة لمصافحته. ثم واصل كلامه: «يُسعِدني لقاؤك كثيرًا. وصلَتنا رسالتك التلغرافية، ورأينا أنَّ من الأفضل ألا نُعطيَها لِديك. تجرَّأتُ وفتحتُها بنفسي. فالانتباه إلى هذه التفاصيل الدقيقة واجب. أمرتُ الحارس باستقبالك وإخباري فور وصولك. لا شك أنك قلِقٌ على ابنك بشدة.»

قال العجوز بحزم: «نعم.» ثم أردف: «ولهذا أنا هنا.»

قال السيد هاموند: «بالتأكيد، بالتأكيد. وكذلك نحن جميعًا، أعتقد أني أكثرُهم قلقًا. هل تريد معرفةَ ما إذا كانت أموره تجري على ما يُرام؟»

قال السيد سوندرز: «نعم، أريد معرفة الحقيقة.»

قال السيد هاموند: «في الواقع، يُؤسفني إخبارُك أن الحقيقة أسوأ ما يمكن. فهو ينتقل من سيئ إلى أسوأ، ويؤسفني ذلك أكثرَ من أي شخص آخر.»

قال السيد سوندرز: «هل تعني ذلك حقًّا؟»

رد السيد هاموند: «نعم. لا جدوى من خِداع أنفسنا. انقطع أمَلي فيه بصراحة. لا فرصة له في استعادةِ ما خسر.»

نظَّم العجوز أنفاسه، واستند إلى عصاه. وأدرك الآن عدمَ جدوى غضبتِه السابقة. لم يَدُر بخلَده قط أن ابنَه كان يَحيد عن الصواب. وكان وراء غِلظته حبٌّ شديد لابنه وإيمانٌ راسخ به. أدرك أنه ترك عادتَه في فرض السيطرة تتملَّك منه، ثم ها هي الحقيقة المُرة تصدمه أثناء مطاردته للسراب.

قال المصرفي بعد أن لاحظ انفعاله: «اسمع، اشرب معي بعضًا من مشروبِ السكوتش الذي نتميَّز به. إنه الأفضلُ من نوعه. إننا نخلع قبعاتنا دائمًا عند الحديث عن مشروبنا المميز في هذا النادي. وبعد ذلك يُمكننا أن نذهب لتفقُّدِ الوضع.»

وعندما التفتَ لطلب المشروب، لاحظ لأول مرة اللافتةَ المعلقة على الكأس.

وقال بغضب: «مَن الذي وضع هذه هنا؟» ثم أردف: «لا فائدة من الاستسلام قبلَ الهزيمة.» ثم أخذ اللافتة ومزَّقها ورماها في سلة المهملات.

وسأل العجوزُ بصوتٍ مبحوح وهو يتذكَّر ثناء الرجل على السكوتش: «هل يشرب ريتشارد الخمر؟»

رد السيد هاموند: «كلا. ولا يُدخن أيضًا. والأغرب أنه لا يُقامر أيضًا. من الطبيعي للشيوخ من أمثالي وأمثالِك أن يشربوا السكوتش — فليُبارِكْه الرب — لكن إذا أراد شابٌّ أن يُحافظ على اتزانِ أعصابه فعليه أن يعيش كراهب. أعتقد أنه يعيش قصةَ حب. ولا جدوى بالطبع من أن أسألَك عن ذلك، إذا صحَّ الأمر فستكون آخِرَ مَن يعلم. عندما جاء الليلةَ لاحظتُ أنه قلقٌ من أمرٍ ما. سألتُه ما الأمر، لكنه قال إن كل شيء على ما يُرام. تفضَّلِ الشراب! ستلاحظ أن له مفعولًا واضحًا.»

جرع العجوزُ بعضًا من المشروب المميز، ثم قال:

«هل صحيحٌ أنك حضَضتَ ابني على الانضمام إلى النادي؟»

قال السيد هاموند: «بالتأكيد. لقد سمعتُ من أحد الثقات عما يمكن لسوندرز الشابِّ فِعلُه، فقلت في نفسي بأنه يجب ضمُّه إلى عضوية النادي.»

قال السيد سوندرز: «ألا تعتقد إذن أن الخطأ إلى حدٍّ كبير خطؤك؟»

رد السيد هاموند: «أوه، أنت محقٌّ إلى حدٍّ ما. ولكني أيضًا الخاسرُ الأكبر. إنني أخسَرُ عشَرة آلافٍ بسببه.»

صاح الأب مصدومًا: «يا إلهي!»

نظَر المصرفيُّ إلى العجوز ببعض العصبية، وبدا أنه يخشى ألا يكونَ في كامل وعيه. ثم قال: «لا شك في أنك تتوق لمعرفة إلى أين سيصلُ الأمر. تعالَ معي، ولكن احذر أن يراك الفتى. فقد يُفزعه ذلك. سأُهيِّئ لك مكانًا في الخلف يُمكنك أن تراه منه دون أن يراك.»

وقَفا، وتقدم المصرفي متسللًا بين الستائر حتى دخَلا غرفةً كبيرة بها جمعٌ من الرجال الصامتين يُشاهدون لاعبًا على طاولة بلياردو في وسط الغرفة. كانت قد أُعِدَّت حول الغرفة مقاعدُ مؤقتة متراصَّة في مستويات، ولم يكن أيُّها شاغرًا. لاحظ سوندرز ابنَه واقفًا بالقرب من الطاولة يرتدي قميصه ويُسند الطرَفَ السميك لعصا البلياردو على الأرض. كان وجهه شاحبًا وشفتاه مزمومتين وهو يُشاهد خَصمه في انبهار. كان من الواضح أنه كان في ورطة يحاول أن يخرج منها لكن بلا جدوى، لكنه أصرَّ على المنافسة إلى النهاية.

لم يفهم العجوزُ سوندرز الموقفَ بالكامل، لكنه تعاطف مع ابنه تمامًا، وشعر بكراهية غريزية لِخَصمه الواثق الذي كان يُسقِط الكرات في الفتحات بدقة شديدة كان من الواضح أنها أرعبَت نصف المشاهدين على الأقل.

وفجأةً علا تصفيق المتابعين، ونصب اللاعبُ قامته ضاحكًا.

قال المصرفي: «يا إلهي! لقد أخطأ. لم يضرب الكرة بقوةٍ كافية. ربما بسبب شعوره باللوم الموجَّهِ إليه. لن أستغربَ إن انعكس الحظ. يبدو أنك قد تجلب الحظَّ لابنك يا سيد سوندرز.»

نقل العجوز إلى كرسيٍّ مرتفع في مؤخرة الغرفة. وعلا صخب الحديث بين المتابعين في حينِ وقف الشابُّ سوندرز يكسو طرفَ عصاه بالطبشور وبدا عليه الترددُ في اللعب.

اختلط هاموند بالجمهور، وأخذ يتحدَّث إلى بعضهم بحماس. في حين سأل العجوزُ سوندرز الرجلَ المجاور له:

«ما كل هذا؟ أهي مباراة مهمة؟»

أجابه الرجل: «مهمة؟! بالطبع. أعتقد أن المراهنات عليها تفوق كلَّ المراهنات على أي مباراة بلياردو جرَت في السابق. جول هاموند وحده راهن على سوندرز بعشَرة آلاف.»

تنهَّد العجوز في ارتياح. وبدأ يفهم الأمر. ليست العشَرة آلاف أموالًا اختلسها ابنُه إذن.

واصل الرجل: «إنها مباراةٌ مهمة على الكأس. لقد أُقيمَ عددٌ من المباريات، وهذه هي المباراة الحاسمة. فاز بروجنور بمباراة وسوندرز بمباراة، وهذه هي المباراة الفاصلة. ينتمي بروجنور إلى نادي هاي فلايرز. وهو لاعبٌ بارع. أما سوندرز فقد فاز بالكأس لهذا النادي العامَ الماضي؛ لذا فلن يُمكنهم التذمرُ كثيرًا إذا خسروا الآن. لم يجدوا أحدًا قط في براعة سوندرز منذ تأسيسِ النادي. وأشكُّ أن في هذا البلد كلِّه هاويًا يُضاهيه براعةً. إنه رجل يستحقُّ الفخر به، على الرغم من أنه يبدو أنه سيتلقَّى هزيمة ساحقة الليلة. سيُنكِّلون به جميعًا في الغد إذا خسروا أموالهم، على الرغم من أنه لم يُغير شيئًا في أسلوبه. أعتقد أن كثرة المراهنات أقلَقَته وأثَّرَت بالسلب على براعته في اللعب.»

وفجأة تهامس المتابعون في الغرفة: «صه! صه!» ثم هم الشاب سوندرز باللعب. ووقف بروجنور وهو يبتسم في تعالٍ. كان واثقًا من تفوُّقه عندما يحينُ دوره ثانيةً.

لعب سوندرز بحرص بالغ، ولم يُخاطر، وانهمك أبوه في متابعته حابسًا أنفاسَه في اهتمام. لم يكن يعرف عن اللعبة شيئًا لكنه سرعان ما فهم كيف تُحرَز النقاط. أما الشاب فلم يرفع عينيه من على الكرات والغِطاء الأخضر للطاولة. ظل يأخذ مواضعَ مختلفة حول الطاولة بتأنٍّ لم يُبالغ فيه. وكانت كل الأعين معلقةً بلعبه، ولم تَصدُر في الغرفة الكبيرة كلِّها نأمةٌ سِوى قرقعة الكرات من وقت لآخَر. وتابع الأبُ براعةَ اللاعب في التحكم في الكرات العاجية التي بدَت له ضربًا من السحر. فقد تدحرجَت الكرات ذَهابًا وارتدَّت وتصادمت على نحوٍ بدا معه أن الرجلَ يفرض إرادته على الكرات لتذهب في هذا الاتجاه أو ذاك. كانت اللمسات بارعةً والدقةُ في استخدام القوة متناهية، فضلًا عن حُسن تقدير الزوايا، والنظرة الثاقبة والتحكُّم في العضلات، فانبهر العجوز باجتماع كلِّ هذه المهارات الفريدة في شخص واحدٍ هو ابنه.

وفي النهاية كانت هناك كرتان متقاربتان، وبدا أن الشاب كان من البراعة بحيث أبقاهما في هذا الوضع كما لو كان سيواصل إحرازَ النقاط بلا انقطاع. واصل اللعبَ بعض الوقت، حتى كسر بروجنور الصمتَ فجأة وصاح:

«لا أسمي هذا بلياردو حقيقيًّا. إنه لعب أطفال.»

وفجأةً علا الضجيج. ووضع سوندرز عصاه على الأرض ووقف بهدوء وسط عاصفة الهتاف، وتركَّزَت عيناه على الطاولة المكسوَّة بالغطاء الأخضر. وعلَت هتافاتٌ منها: «لم يُقاطعك أحد»، و«القرار للحكَم»، و«الْعب يا سوندرز»، و«لا تنخدع». ووقف العجوز مع الواقفين وحدَت به روحُ المنافسة الطبيعية لديه أن يُشارك في الهتاف ويدعوَ إلى الإنصاف في اللعب. وقف الحكَمُ وطالب بالنظام. وعندما هدأت عاصفةُ الهتافات جلس. لكنَّ بعضًا من المنتمين لنادي هاي فلايرز هتفوا قائلين: «القرار! القرار!»

قال الحكَم في حزم: «ليس هناك ما ينبغي اتخاذُ قرارٍ بشأنه.» ثم أردف: «واصِل اللعب يا سيد سوندرز.»

ثم أقدم السيد سوندرز على فعل شيء حبس أنفاسَ أصدقائه. لقد تعمد ضرْبَ الكرات بالكرة البيضاء ليُشتِّتها في أرجاء الطاولة. فأطلق المنتمون لنادي ترو بلو شهقات متزامنة.

قال الرجل المجاور لسوندرز العجوز: «هذا رائع، لكنها ليست حربًا.» ثم أضاف: «لا يحقُّ له تفويتُ أي فرصة وهو متأخر هكذا.»

وتدخل رجلٌ من ناحية اليمين قائلًا: «أوه، إنه ليس متأخرًا كثيرًا. انظر إلى النتيجة.»

جمع سوندرز الكرات بعناية من جديد، ثم أحرز بعض النقاط بإسقاط بعضها، ثم ضرب الباقيَ من جديد لتنتشر حول الطاولة. وكرَّر ذلك ثلاث مرات. وبدا عليه الإصرارُ على إظهار سيطرته على الطاولة تمامًا. وفجأةً انطلقَت هتافاتُ تشجيع صاخبة، وتوقف سوندرز الابن عن اللعب كما حدث في السابق دون أن يرفع عينيه عن الطاولة.

صاح العجوز متحمسًا وبشفتين جافتين: «ماذا يعني ذلك؟»

قال الشخص المجاور له: «ألا ترى؟ لقد حقَّق التعادل. أعتقد أن هذا لم يحدث من قبل. أعتقد أنه يتلاعب ببروجنور كيف يشاء.»

نهض هاموند والحماسُ ظاهرٌ على وجهه، وأمسك بذراع العجوز بقوةٍ آلمته.

وقال بين تصفيقٍ صعَّب سماعَ صوته: «هل رأيتَ ما هو أكثرُ إبهارًا من ذلك من قبل؟» ثم أردف: «أصبحتُ مستعدًّا لِخَسارة العشَرة آلاف الآن بلا تذمُّر. لقد جلبتَ له الحظَّ حقًّا.»

عقَد حماسُ العجوز الشديد لسانَه، لكنه أمل ألا يُقدِم ابنُه على أيِّ مخاطرة أخرى. ومن جديد جاءت قرقعة الكرات. وسعد الأبُ لملاحظة عودة الحرص والعناية إلى أسلوب لعب ابنه. وعمَّ صمتٌ مَشوبٌ بالتوتر الشديد. ومال الجميعُ إلى الأمام وحبسوا الأنفاس.

وفجأةً تقدم بروجنور إلى طاولة البلياردو ومد يده فوقها. وانطلقت صيحةُ تشجيع هزَّت سقف الغرفة. ستظل الكأس على قاعدتها الرخامية السوداء. لقد فاز سوندرز. وصافح يدَ خَصمِه الممدودة، وماج المبنى بالهتاف.

اخترق المصرفيُّ هاموند حشود المهنئين وربَّت على كتف الفائز بحرارة.

وقال: «لقد كانت مباراةً رائعة يا ديك. لقد جلب لك أبوك الحظَّ يا بني. فقد تغير حظُّك فور دخوله. علَّق أبوك عيناه بك طوال الوقت.»

صاح ديك متفاجئًا: «ماذا؟!»

علَت الحمرةُ وجهَه الشاحب ما إن التقت عيناه بعينَي أبيه، على الرغم من الحنوِّ البادي في نظرة العجوز.

قال الأب عندما وصل إليه في النهاية: «أنا فخورٌ بك للغاية يا بني.» ثم أردف: «يتطلب الفوز بمباراة كهذه مهارةً وشجاعةً وقوةَ أعصاب. سأنصرف الآن لإخبار أمِّك بما حدث.»

قال ديك: «انتظر لحظةً يا أبي، وسنمشي إلى المنزل معًا.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١