الفصل الأول

التطلُّع إلى هدفٍ طَموح

تبدأ عملية الابتكار بطموح يستحق الجهد. وبالرغم من أن الابتكار ربما يحدث من حينٍ إلى آخر نتيجةً للعبقرية، أو البراعة المحضة، أو متعة الاكتشاف الخالصة، فإنه يكون في الغالب نتيجةً لعملية منظمة تستلزم جهدًا كبيرًا. ويزيد المجهود والانضباط حين يكون الأفراد متحمسين للسعي من أجل أشياء طموحة. والأفراد — المدفوعون برغبة في القيام بشيء جديد ونافع — قادرون ومستعدون لتحمُّل المخاطر التي يقتضيها الابتكار؛ ومن ثمَّ لتعزيز الابتكار في مؤسستك، ابدأ بنوع من البحث في ذاتك لتحديد طموح يستحق الجهد؛ طموح يرتبط بنحوٍ ما بخَلْق عالم أفضل. يبدأ الابتكار كوميضٍ، كفكرةٍ، سواءً أكان لاختراع منتج أم خدمة أم حلٍّ جديد تمامًا، أم مجرد طريقة أفضل — على نحو جوهري — للقيام بأمرٍ ما نقوم به بالفعل. والتطلع إلى هدف طموح، بغضِّ النظر عن مدى صعوبة تحقيقه، يثير اهتمامَ الأفراد ويحفِّزهم من خلال إشراكهم في شيء أكبر منهم.

بالطبع، من الممكن الابتكار من دون أهدافٍ سامية أو تطلعات عظيمة، لكنك إذا كنت مهتمًّا بالاستعانة بأشخاص أذكياء متحمسين في رحلة الابتكار غير اليقينية، فإن الطموح الذي يستحق الجهد يكون مصدرًا قيِّمًا للتحفيز.

لتوضيح هذه التوصية، سنلقي نظرة على دراستَيْ حالة مثيرتين للتطلُّع إلى هدف طموح، بالإضافة إلى رحلة الابتكار التي نتجت عنهما؛ وهما: إنقاذ عمال المناجم التشيليين في منجم النحاس سان خوسيه في عام ٢٠١٠، والجهد المبذول لتقليص الأخطاء الطبية في تشيلدرنز هوسبيتال آند كلينيكس في مينيابولس، بولاية مينيسوتا الأمريكية.

تصوِّر دراستَا الحالةِ هاتان الابتكارَ عبر العمل الجماعي في أفضل صوره. تسلِّط كلُّ قصة كذلك الضوءَ على أهمية الهدف السامي الذي يستحق التعب من أجله، الذي يتحقق (ليس من دون قلق وشك، بل إخفاق أيضًا) من خلال التعاون المرن بين أشخاص ساهموا بمهاراتهم المختلفة؛ لأنهم آمنوا — بشدة على الأغلب — بذلك الهدف.

(١) هدف نبيل

في الخامس من أغسطس من عام ٢٠١٠، انهار أكثر من نصف مليون طن من الصخور في منجم النحاس سان خوسيه في شمال شيلي، لتسدَّ مدخل المنجم تمامًا.1 إن حوادث المناجم شائعة للأسف، لكن ذلك الحادث كان أول سابقة من نوعه لعدة أسباب؛ من بينها: بُعْد العمال عن السطح، والعدد الكبير من العمال العالقين، وصلابة الصخور. لقد دُفِن ثلاثة وثلاثون رجلًا تحت الأرض وهم أحياء، تحت ألفَيْ قدم من الصخور الأكثر صلابةً من الجرانيت. في تشيلي، حُدِّدت التقديرات المبدئية لاحتمالية العثور على أي أحياء في هذا المنجم بحوالي عشرة بالمائة، وهي احتماليةٌ تضاءلت بشدة بعد يومين، عندما نجا عمَّال الإنقاذ بأعجوبة من انهيارٍ ثانوي لممر التهوية؛ مما قضى نهائيًّا على خيار إنقاذ العمال عبر ذلك الممر.

ومع ذلك، خلال ٧٠ يومًا أُنقِذ عمالُ المناجم الثلاثة والثلاثون جميعهم، وقد حدثت هذه النتيجة الاستثنائية بسبب التزام عدد من القادة «بالهدف السامي والنبيل المتمثِّل في إنجاز عملية إنقاذ ناجحة»، بالرغم من العقبات الشديدة الصعوبة التي كانت تواجِه نجاحَهم. من الجليِّ أن عملية الإنقاذ تطلَّبَتِ ابتكارًا؛ فببساطة لم يكن هناك حلٌّ، سواء أكان داخل مجال المناجم في البداية أم خارجه. وقد تطلَّبَ هذا الابتكار الجهودَ الجماعية لأكثر من مائة خبير من مجالات مختلفة؛ من أجل تطوير وتنفيذ حلٍّ جديد على وجه السرعة.

وقد حدث الابتكار في هذه القصة في ميدانَيْن مختلفين للغاية؛ تمثَّلَ الميدان الأول — الذي يثير التفكيرُ فيه بالغَ الألم — في عمَّال المنجم الذين كانوا يواجهون تحدِّي النجاة على المستويَيْن البدني والنفسي، وقد اتخذ الابتكار هنا شكلَ نظامٍ اجتماعي جديد كان يهدف للحفاظ على حياة الثلاثة والثلاثين رجلًا وقواهم العقلية في ظروف رهيبة. وتمثَّلَ الميدان الثاني في اجتماع مجموعة كبيرة من المهندسين وعلماء الجيولوجيا من مؤسسات ودول مختلفة؛ للعمل على حل المشكلات التقنية المتمثِّلة في تحديد موقع عمَّال المناجم المحتجَزين، والوصول إليهم وإخراجهم؛ وقد أثمر ابتكارهم عن تصميم نظامِ إنقاذٍ جديد تمامًا وتطويره. ولدعم جهود هؤلاء الموجودين داخل منجم سان خوسيه وخارجه، اتخذ كبارُ القادة في الحكومة التشيلية — من بينهم رئيسُ البلاد — قراراتٍ، وقدَّموا المواردَ والتحفيزَ.

(١-١) العمل الجماعي من أجل النجاة

داخل المنجم، وسط الصدمة والخوف، أخذت القيادة والعمل الجماعي في استعادة السيطرة على الأمور بعد بداية مرتبكة. بعد الانهيار مباشَرةً تدافَعَ عمَّالُ المنجم إلى «مأوى» المنجم الصغير.2 بدأ لويس أورزوا — الذي كان يتمتع بسلطة قيادية رسمية على المجموعة بصفته ملاحِظ المناوَبَة — بفحص المؤن المتاحة في المأوى، وفي هدوء وسرعة، ركَّزَ على الاحتياجات الأساسية للبقاء على قيد الحياة، ولا سيما الطعام المتاح المحدود (الذي كان يكفي لإطعام عاملين فحسب لمدة عشرة أيام)؛ ومع ذلك، لم يَسُدِ الهدوء. غضب ماريو سيبولفيدا — وهو رجل في التاسعة والثلاثين من عمره يتمتع بشخصية كاريزمية — من حالة المنجم ومن إهمال الشركة المستمر لعوامل السلامة، وجاء بردِّ فعلٍ غاضب على الانهيار، وقد جذبت حيويتُه أتباعًا، وسرعان ما ظهرت الانقسامات والصراعات. أراد بعضهم اتخاذَ إجراءٍ من أي نوع للخروج من المنجم، بدلًا من الجلوس بلا حول ولا قوة بانتظار الإنقاذ، في حين أراد آخَرون اتِّبَاعَ إرشادات أورزوا؛ وبانتهاء الأربع والعشرين ساعةً الأولى، كانت طاقة عمَّال المنجم قد استُنزِفَتْ من المحاولات الفاشلة للتواصُل مع العالم الخارجي، متخبطين بفعل انعدام الضوء الطبيعي. ومع قلة الاهتمام بالنظافة الشخصية أو النظام، وبعد أن غلبهم الجوع والتعب، حاوَلوا أن يأخذوا قسطًا من النوم.

وفي اليوم التالي، تدخَّلَ أحد عمال المنجم — وكان يُدعَى خوسيه إنريكي — ليحثَّ المجموعةَ على بَدْء كلِّ يومٍ بصلاة جماعية، وسرعان ما أصبح ذلك روتينًا دائمًا، وساعَدَ على توحيد المجموعة حول هدف مشترك؛ وهو النجاة. ومع عدم وجود مخطَّط سابق لكيفية البقاء على قيد الحياة في هذه الظروف، كان النقاش والتجريب ضروريَّيْن لاكتشاف سبيلٍ للخروج. وفي الأيام التالية، مع مواجهة الظلام والجوع والاكتئاب والقذارة والألم، تعاوَنَ عمَّالُ المنجم معًا تعاوُنًا شديدًا للحفاظ على النظام والصحة والنظافة الشخصية والسلامة العقلية.

(١-٢) العمل الجماعي لحل المشكلات التقنية المعقَّدة

فوق سطح الأرض، وصلت مجموعة العمليات الخاصة التابعة لقوات الكربينيروس التشيلي — وهي واحدة من صفوة وحدات الشرطة الخاصة بعمليات الإنقاذ — بعد ساعات قليلة من الانهيار الأول، وقد أدت محاولتهم المبدئية في الإنقاذ إلى انهيار ممر التهوية، فكان ذلك أول إخفاق كئيب لجهود الإنقاذ؛ ومع انتشار أخبار حدوث انهيار في أحد المناجم، توافَدَ أهالي العمَّال وفِرَق الاستجابة للطوارئ وعمَّال الإنقاذ والمراسلون الصحفيون إلى الموقع. في الوقت نفسه، أرسل مسئولون آخَرون في مجال التعدين التشيلي خبراءَ وآلاتِ حفرٍ وجرافاتٍ، وأرسلت شركةُ كوديلكو — الشركة الحكومية التي تُشرِف على منجم سان خوسيه — لقيادة عملية الإنقاذ أندريه سوجاريت؛ وهو مهندس ومدير ذو خبرة تزيد على العشرين عامًا في مجال التعدين، كان معروفًا برصانته وتبسُّطه مع الناس.

شكَّل سوجاريت ثلاثَ فِرَق — بالتعاون مع عدة خبراء تقنيِّين آخَرين — للإشراف على جوانب مختلفة من عملية الإنقاذ؛ اضطلعت إحدى الفِرَق بالبحث عن الرجال؛ حيث راحت تحفر حَفْرًا عميقًا بالحفَّار في الأرض أملًا في سماع أصوات تدل على وجود أحياء، وعمِلت فرقة أخرى على كيفية الإبقاء عليهم أحياءً إذا ما وجدوهم، وأما الفرقة الثالثة فعملت على كيفية إخراجهم على نحوٍ آمِنٍ من المأوى.

في الثالث عشر من أكتوبر، بدأ إخراج عمَّالَ المنجم واحدًا تلو الآخَر في رحلة إلى سطح الأرض تستغرق ١٥ دقيقة، وعلى مدار اليومين التاليين، أُخرِج العمال واحدًا تلو الآخر عبر كبسولة إنقاذ بعرض ٢٨ بوصة، دُهِنت بألوان العلم التشيلي الأحمر والأبيض والأزرق؛ وبعد دقائق قليلة من تبادُل الأحضان مع الأقارب، اصطُحِب كلُّ عامل من عمَّال المنجم للفحص الطبي.

(١-٣) منهجية لا هي من القمة إلى القاعدة، ولا من القاعدة إلى القمة

بالتأمُّل في عملية إنقاذ العمال التشيليين، يتَّضِح أن أي منهجية منطلقة من القمة إلى القاعدة، أو تقوم على القيادة والسيطرة — من ذلك النوعُ الذي يمكن استخدامُه بنجاح في أزمة لها حلٌّ معروف، مثلما يحدث حين يندلع حريق أو يُرصَد إعصار وشيك — كانت ستفشل فشلًا ذريعًا. لم يكن باستطاعة شخص واحد أو فريق قيادي واحد أن يكتشف كيفية حل هذه المشكلة، كما أنه من الواضح أن مجرد تشجيع شخصٍ ما على محاولة القيام بأي شيء يراه مناسِبًا، لم يكن سيثمر سوى الفوضى والضرر. وتعيَّنَ منع الأهالي وعمال المناجم والآخرين من ذوي النوايا الحسنة مراتٍ عديدة، من الاندفاع إلى الصخور مُمْسِكين بالبلطات في محاولةٍ لكسرها، بل بدلًا من ذلك، كان الأمر يتطلَّب — لمواجهة حجْمِ الكارثة غير المسبوق — العملَ الجماعي المنسق والمَرِن في الوقت نفسه؛ ويتمثَّل ذلك في عمل مجموعات عديدة مؤقتة من الأشخاص، على نحوٍ منفصل، على أنماط مختلفة من المشكلات مع التنسيق فيما بينهم، وذلك بحسب ما تقتضيه الظروف. يتوجَّب على هذه المجموعات أن تبتكر بطُرق لا يستطيع أحدٌ توقُّعَها عند بداية عملهم معًا؛ يتضمَّن ذلك القيامَ — على نحوٍ جيد — بالتجريب التدريجي؛ وهو أحد أساليب الابتكار الأساسية.

ما الذي ينبغي على القادة في الشركات الأخرى الاستفادة به من هذه القصة؟ دعونا ننظر إلى مبدأين أساسين من مبادئ القيادة، يساعدان على تحفيز الابتكار في أي مؤسسة.

  • أولًا: التزمت القيادة العليا في كارثة المنجم على الملأ بتحقيق نتيجة إيجابية، لتخاطِرَ بذلك بمواردها وسمعتها من أجل نتيجة بعيدة الحدوث. يُشبِه الرئيسُ التشيلي سيبستيان بينيرا — الذي كان منتخَبًا حديثًا في ذلك الحين — في قراره القيامَ بذلك؛ قادةً آخَرين يواجهون تحدياتٍ شبه مستحيلة في عملهم، وهم مستعدون للإعلان عن التزامهم المبكر والكلي بتحقيق النجاح. إن التطلُّعات الطموحة بالضرورة محفوفةٌ بالمخاطر، لكنها محفِّزة كذلك.
  • ثانيًا: يجب على القادة أن يُطالِبُوا بإتاحة دورة تعلُّم سريعة؛ وفي خضم عملية التعلُّم المتكررة هذه، يجب على كل فرد توقُّعُ الفشل والتعلُّم منه. في تشيلي، تعاوَنَ الخبراء التقنيون معًا لوضع خيارات واختبارها وتعديلها ونَبْذها مرةً بعد أخرى، إلى أن توصَّلوا إلى خيار فعَّال؛ لقد نسَّقوا جهودَهم سريعًا لوضع حلول متنوِّعة وتجرِبتِها، واعترفوا بفشلهم بنفس السرعة أيضًا، حين فشلت تلك الحلول. لقد كانوا يغيِّرون مسارَهم طواعيةً بناءً على تقييم الموقف — الذي كان بعضه واضحًا (انهيار ممر التهوية)، وبعضه خفيًّا (حين أخبرهم مهندسٌ تدخَّل في منتصف العملية بتكنولوجيا جديدة، أن قياساتهم لم تكن دقيقةً). ربما يكون الأمرُ الأهمُّ أن المهندسين لم يعتبروا الفشلَ المتكرِّر دليلًا على استحالة نجاح عملية الإنقاذ. (بالمثل، شكَّلَ عمَّالُ المنجم فريقًا ناجحًا لحل المشكلات المُلحَّة التي تقف في سبيل بقائهم على قيد الحياة، بالرغم من كل الاحتمالات اليائسة.)

(٢) إشراك القلوب والعقول

ما الذي يدفع مهمةَ العمل الجماعي من أجل الابتكار، الشاقةَ المحاطة بالتحديات على مستوى التفاعلات بين الأفراد؟ دعونا نواجه الواقعَ. ليس من السهل أن تستيقظ صباحًا وتأتي إلى العمل وأنت تعلم أنك قد تفشل عدة مرات قبل وقت الغداء! إن مهمة الابتكار الصعبة من الناحيتين العقلية والعاطفية يحفِّزها هدفٌ ملحٍّ يجيب على أسئلة من نوعية: لِمَ أكترث؟ ولِمَ أزعج نفسي؟ ولِمَ ينبغي عليَّ أن أُرجئ لحظةَ الاسترخاء الحالية، من أجل بذل الجهد وتعريض نفسي للمخاطر التي ينطوي عليها التوصُّلُ إلى حلولٍ جديدة لمشكلات قديمة؟

تلعب العواطف دورًا في توليد الأفكار الإبداعية؛ فهي تشكِّل روابط جديدة بين تجارب مختلفة، هذا بالإضافة إلى أنها تحفز المرء وتمدُّه بأساس يعود إليه حين تتعسر الأمور. وترتبط أكثر الأهداف تحفيزًا بالغايات المقصودة من العمل الذي تضطلع به اليومَ والإحباطاتُ الناجمة عنه. هذه العلاقةُ الوثيقة تجعل المعاناةَ والمخاطراتِ اليوميةَ (سواء الكبيرة أو البسيطة) في بيئة الابتكار الكثيرة المطالب — التي لا يوجد بها شيء مؤكد — محتمَلةً. ويمكننا بالفعل أن نلاحظ كيف أن الدافع العاطفي لإنقاذ أرواح ٣٣ إنسانًا، حفَّزَ المبتكرين الذين يعملون خارج المنجم في تشيلي. في حالات أخرى — مثل التي سنراها فيما يلي — يكون الهدف الجدير بالسعي من أجل تحقيقه أقلَّ وضوحًا في البداية، ومع ذلك يتطلَّب الأمرُ قائدًا شغوفًا بإحداث فارقٍ لتحديده ولفتِ أنظار الآخرين إليه.

(٢-١) توجيه الابتكار في مستشفى تشيلدرنز هوسبيتال آند كلينيكس

لم يكن الحفاظ على سلامة المرضى (الذين يتلقَّوْن العلاجَ في المستشفى) من أي أذًى؛ يُرى — على نطاق واسع — أنه هدف مهم (ومراوغ على نحوٍ مدهش) حتى أواخر تسعينيات القرن العشرين. إن سلامة المريض هدف مراوغ؛ ببساطة بسبب الطبيعة المعقدة والمتغيرة التي تتَّسم بها عملية رعاية المرضى. وتُعَدُّ المستشفيات تجسيدًا لفئة العمليات المعقدة في نطاق المعرفة الخاصة بالعمليات، الموضَّح في مقدمة هذا الكتاب.

تواجه المستشفيات تحديات واضحة وغير واضحة؛ أولًا: بعض الحالات التي تدخل لتلقِّي العلاج في المستشفى يكون دخولها مخطَّطًا له سابقًا، وهذا ليس هو الحال بالنسبة إلى حالاتٍ أخرى لا يمكن توقُّع عددها، وهذا يجعل تخطيطَ القدرة الاستيعابية مسألةً صعبة. ثانيًا: يشترك كثير من الأخِصَّائيين المختلفين — على سبيل المثال: أطباء، وصيادلة، وممرضات، وأخصائيو علاج طبيعي، وأخصائيو علاج تنفسي، وأخصائيو تغذية — في رعاية كل مريض، وتمريرُ المرضى على هذا النحو من أخصائيٍّ إلى آخَرَ، مصدرٌ أساسي للخطورة؛ فتنسيق الرعاية بين عدة اختصاصيين يتطلَّب تواصلًا كبيرًا، غالبًا ما يتمُّ بطرق مرتبكة؛ فكلُّ مريضٍ حالةٌ متفردة بذاتها، وهذه حقيقة لا يستطيع أفضل البروتوكولات المدروسة تغييرها. ثالثًا: تتغير باستمرار المعرفة الطبية، وكثيرٌ من الأمراض ليس مفهومًا جيدًا. هكذا تجتمع هذه العوامل معًا لتجعل المستشفيات أكثر تعقيدًا بكثير من العمليات الكبيرة الحجم، مثل خطوط التجميع أو مراكز الاتصالات؛ وفي مواجهة هذا التعقيد، كثيرًا ما كان الحذرُ هو الاستراتيجيةَ الفعلية لتجنُّبِ ارتكاب الأخطاء؛ لكنَّ البشر ليسوا معصومين من الخطأ، والحذر ليس بالحل الأمثل.

في عام ١٩٩٩، عزمت قائدةٌ — تُدعَى جولي مورَث — على رفْعِ جودة الأداء في هذه الناحية؛ إذ عزمت على الابتكار،3 فماذا كانت رؤيتها؟ مستشفًى يتميَّز بحفاظه على سلامة المريض بنسبة ١٠٠ بالمائة. وماذا كان الحل الذي جاءت به؟

لم يكن لديها حل.

تشيلدرنز هوسبيتال آند كلينيكس في مينيابولس، مينيسوتا، هو مستشفًى شهير يقدِّم رعايةً تخصُّصيةً للأطفال، ويضمُّ ست منشآت تقع في أنحاء متفرقة من منطقة مينيابولس-سان بول. حين تولت مورَث منصب مديرة العمليات في هذا المستشفى عام ١٩٩٩، أدركت مدى تعقُّد عمليات رعاية المرضى، ووعَتْ بوضوح التحدي الذي ينتظرها في غياب دليل إرشادي أو نموذج ناجح للاقتداء به. ولتحقيق رؤيةٍ للسلامة الكاملة، كانت ستدعو كل فرد في المؤسسة إلى الانضمام إليها في رحلة تعلُّم، وكان عليهم أن يعملوا معًا — أن يشكلوا فريقًا — لإيجاد منهجيات جديدة. كان لدى مورَث خطة لا حلًّا، وكانت الخطة تتضمَّن رحلةَ تعلُّمٍ منسَّقةً جيدًا ومُنظَّمةً ببراعة.

يتضمَّن نوعُ العمل الجماعي اللازم لحل المشكلات في المؤسسات المعقدة مثل المستشفيات؛ متابعةً دقيقة من منظورات عدة، والتواصلَ المفتوح في الوقت المناسب، وسرعةَ اتخاذ القرار. وفي مستشفى تشيلدرنز هوسبيتال آند كلينيكس، كانت المخاطر مرتفعة، وخاصةً في وحدة العناية المركزة أو أي غرفة عمليات؛ حيث يمكن أن تؤدِّي الأخطاء إلى عواقب وخيمة.

(٢-٢) التطلُّع إلى هدف طموح ذي معنًى

الحفاظ على سلامة الأطفال الذين يتلقَّوْن العلاج داخل المستشفى؛ يا له من هدف رائع ومثير للاهتمام! والأهم أن هذا الهدف — مثل معظم الأهداف المثيرة للاهتمام — مرتبط بجعل العالم مكانًا أفضل. هنا يبدو تحمُّلُ المخاطر الشخصية، مثل الاعتراف بالأخطاء، وتوضيح النُّظُم المعيبة للرؤساء في العمل وللآخرين؛ أمرًا يستحق العناء. كما أن الابتكار لزيادة سلامة المرضى يعطي الأفراد فرصةً لإحداث فارق إيجابي ومهم.

حين يحثُّ القادة على العمل الجماعي من أجل الابتكار ويدعمونه، فإنهم يبحثون عمَّن يشاركون في عملية التقصِّي؛ أفرادٍ مُستعدِّين للتجريب معًا، لتحديد وحل المشكلات التي لم يسبق حلها من قبلُ. إنهم ينطلقون في رحلةٍ يواجهون خلالها كثيرًا من الأمور المجهولة.

لقد أعلنت مورَث عن هدفها — الرامي إلى تطوير نظام مؤسسي لا يتسبَّب في إلحاق ضرر، يمكن تجنُّبه، بالأطفال الذين يتلقون العلاج في المستشفى — في وقت كانت فيه الأخطاء الطبية نادرًا ما تُنَاقش بين مقدمي الرعاية، فضلًا عن مناقشتها بين أفراد الإدارة العليا، وكانت تُعتبَر حتميةً على نطاق واسع بين الأفراد من داخل المجال، بسبب التعقيد الذي أشرنا إليه سابقًا. بالإضافة إلى ذلك، لم تكن معرفةُ كيفيةِ تحسين السلامة بدرجة كبيرة محدودةً فحسب؛ وإنما كان من الممكن أن تختلف في أجزاء مختلفة من المؤسسة بناءً على طبيعة الإجراءات الطبية.

حين أجرت مورَث المقابلة الوظيفية لتقلُّد منصب مدير العمليات، كانت تتحدث بالفعل عن سلامة المرضى؛ فقد كانت لها خبرة ٢٥ عامًا في إدارة رعاية المرضى، وكانت ممرضةً مسجلةً فيما سبق. مع سلوكها الهادئ وابتسامتها الدافئة، كان يبدو عليها تحفُّز شديد ورغبة أكيدة في تحقيق هدفها، وعندما تولَّتِ المنصبَ، شرعت في «إجراء حوارات منظمة بعناية حول موضوع السلامة مع الأشخاص الذين كان سيتعيَّن أن يشاركوا في المبادرة.» في البداية، لم يكن ذلك سهلًا، وحسبما ذكرت مورَث، كان «من الصعب إثارة موضوع السلامة؛ لأن معظم الأشخاص يتخذون موقفًا دفاعيًّا؛ فالحديث عن السلامة يعني ضمنًا أننا نقوم بالأمور «على نحو خاطئ».»4

لم تلبث مورَث، بعد أن تولَّت دورها القيادي، أن شكَّلت فريقًا أطلقت عليه «اللجنة التنسيقية لسلامة المرضى»؛ كانت هذه اللجنة عبارة عن مجموعة منتقاة من الأشخاص المؤثرين الذين كانوا سيساعدون في تصميم وإطلاق «مبادرة سلامة المرضى». ولتحديد هؤلاء الذين لديهم الاهتمام والشغف بهذا الأمر، وللتواصُل مع أكبر عدد ممكن من الأشخاص في المستشفى، قدَّمَتْ مورَث سلسلةً من العروض التقديمية عن الأخطاء الطبية، مُستشهِدةً بالحقيقة التي كانت لا تزال غير مألوفة آنذاك، وهي أن ٩٨ ألف مريض في الولايات المتحدة يموتون سنويًّا بسبب الأخطاء الطبية في المستشفيات، وهو عدد يفوق عدد الوفيات بسبب حوادث السيارات، أو سرطان الثدي، أو الإيدز. وكان هناك تنوُّع مقصود في تخصُّصات اللجنة التنسيقية لرعاية المرضى؛ حيث تشكَّلت من أطباء وممرضات ورؤساء أقسام، وموظفي الخطوط الأمامية، وأعضاء اتحادات طبية، ومسئولين تنفيذيين؛ كانت مجموعةً تفهَم وتُمثِّل المؤسسةَ جيدًا.

بالرغم من الخبرة الكبيرة لأعضاء اللجنة والعروض المقنِعة التي قدَّمتها مورَث، كان كثيرون في البداية ضدَّ فكرة مبادرة سلامة المرضى، ورافضين الاعتقاد بأن الأخطاء الطبية كانت مشكلةً في مستشفاهم. لقد صدَّقوا الإحصائيات القومية، لكنهم لم يصدِّقوا الأرقامَ الخاصة بمستشفاهم؛ فحين يتضمَّن عملُك رعايةَ أطفال ضعفاء، فإن إخبارك بأنك ربما تفعل أشياء تضرهم يُعدُّ تهديدًا رهيبًا. ومما لا يدعو للدهشة على الإطلاق أنهم قاوَموا جهودَ مورَث لتعزيز الابتكار.

وبقدر ما كان مجرد تكرار رسالتها بقوةٍ أكبر مغريًا بالتأكيد (بالأخذ في الاعتبار أنها أدركت أن كل المستشفيات — بسبب تعقيدها التشغيلي — معرَّضةً لوقوع الأخطاء)، لم تحاول مورَث المجادلةَ في الأمر، بل استجابت بتفكُّر للمقاومة باستفسار؛ فأعربت عن اتفاقها معهم قائلةً: «حسنًا، قد لا تكون هذه البيانات قابلةً للتطبيق على المستشفى هنا.» ثم استفسرت بلطف قائلةً: «أخبروني، ماذا كانت تجربتكم خلال هذا الأسبوع في الوَحْدات مع مرضاكم؟ هل كان كل شيء آمنًا كما تحبون أن يكون؟»5

(٢-٣) قوة الاستفسار

يبدو أن هذا الاستفسار البسيط قد حوَّل مسار الحوار. لاحظْ سِماته. إن سؤالها يمثِّل دعوة، بل دعوة أصيلة ومثيرة للاهتمام ومباشِرة ومحددة؛ فكلُّ مقدِّم للرعاية مدعوٌّ إلى تأمُّل مرضاه وتجاربه، في وحدته، على مدار الأيام القليلة السابقة. علاوة على ذلك، يتَّسِم السؤال بالتطلُّع؛ فهو ليس سؤالًا من قبيل: «هل رأيتم أشياء غير آمنة؟» وإنما كان: «هل كان كل شيء آمنًا كما تحبون أن يكون؟» إنه يحترم تجربة الآخرين بينما يدعو إلى التطلُّع.

ينسى كثيرون ممن يرغبون في أن يصبحوا قادةً في المستقبل قوةَ الاستفسار، ويعتمدون بدلًا من ذلك على الدعاية القوية لاستمالة الآخرين لأفكارهم. وكما أظهرت مورَث، إنَّ الاستفسارَ يحترم تجربةَ الآخرين ويدعو إلى التطلُّع؛ فحين بدأ الأفراد يناقشون معها ومع الآخرين الحوادثَ التي كانوا يعتقدون أنها فردية أو فريدة من نوعها، أدركوا أن معظم زملائهم قد تعرَّضوا لحوادث مشابهة؛ وبحسب تعبير مورث: «لقد وجدتُ أن معظم الأشخاص قد مروا بمواقف تتعلق بالرعاية الصحية؛ حيث كان يوجد شيءٌ ما لا يجري على ما يرام، وسرعان ما أدركوا أن بمقدور المستشفى أن يقدِّم أداءً أفضل.» وقد قادت حوالي ١٨ مجموعةَ تركيزٍ عبر المؤسسة للسماح للأشخاص بالتعبير عن مخاوفهم وأفكارهم.

(٢-٤) خلْقُ مناخ آمِن للحديث عن المشكلات

لتوفير مستوى الأمان النفسي اللازم للمناقشات الصعبة حتمًا حول الأخطاء والإخفاقات، كثيرًا ما كانت مورَث تصف فلسفتها عن سلامة المرضى لأي شخص يستمع لها، وقد عبَّرت مورَث عن ذلك قائلةً: «إن الرعاية الصحية نظام بالغ التعقيد، والنُّظُم المعقدة بطبيعتها مليئةٌ بالمخاطر. يجب أن تكون ثقافةُ الرعاية الصحية ثقافةً يعمل فيها الجميع معًا لفهم السلامة، وتحديد المخاطر، والإبلاغ عنها دون الشعور بالخوف من اللوم. يجب أن نبحث عن طرق لتغيير النظام بالكامل، حين يشير إلى أننا ننجز عملنا بلا أخطاء!» ومن خلال التأكيد على الطبيعة المنهجية للإخفاقات، سعَت مورَث لمساعدة الأفراد على التخلُّص من الميل إلى العثور على مَن يمكن إلقاء اللائمة عليهم ولومهم على ذلك.

كانت لدى مورَث خبرة فعلية بالآلامِ العاطفية الناجمة عن الحوادث الطبية، وتبعاتِها على العاملين في الرعاية الصحية، ولم تنسَ مورَث يومًا إحدى هذه الحوادث التي شهدتها بنفسها قبل ٣٠ عامًا حين كانت ممرضةً شابَّةً؛ حيث تُوفيت مريضةٌ تبلغ من العمر أربعة أعوام إثر خطأ في التخدير. ما كانت تتذكره مورَث — أكثر حتى من الدمار الذي يسبِّبه موتُ طفل — هو أن الممرضة التي كانت مسئولة عن ذلك «عادت إلى منزلها في ذلك اليوم ولم تَعُدْ للعمل مرةً أخرى»، تاركةً المهنةَ التي أحَبَّتْها بسبب شعور عميق وكاسح بالذنب. «أغلق» الأطباءُ والممرضات الأخريات الموضوعَ، ولم يعودوا إلى الحديث عمَّا حدَث قطُّ، وتدخَّلَ محامو المستشفى من أجل الحد من الضرر الواقع على المستشفى من تلك الحادثة، وقالت مورث بعد مرور عقود على الحادثة: «لستُ راضيةً عن طريقة التعامُل مع الموقف، وما زالت ذكرى الحادثة تطاردني حتى الآن.»

لذلك قدَّمَتْ مورث نظامًا جديدًا للإبلاغ عن الحوادث الطبية باسم «الإبلاغ دون التعرُّض للمساءلة»؛ تتمثَّل الفكرة في السماح للأفراد بالإبلاغ عن الحوادث الطبية سرًّا، أو دون ذِكْر أسمائهم، دون أن يتلقَّوْا أيَّ عقاب للقيام بذلك؛ بحيث يبرزون أكبر عددٍ ممكن من هذه المشكلات، ويتمُّ تحديد أسبابها الأساسية، والإبقاء على العاملين المهتمين بشئون الآخرين في وظائفهم.

كذلك فرضت مورَث استخدامَ كلماتٍ جديدة؛ طرقٍ جديدة للحديث عن هفوات السلامة التي من شأنها أن تشكِّل تهديدًا عاطفيًّا أقل؛ على سبيل المثال: شجَّعَتِ الأفرادَ على استخدام كلمة «دراسة» بدلًا من كلمة «تحقيق». بالنسبة إلى مورَث، كانت كلمة دراسة تعني طريقةً لتعلُّم الكيفية التي تعمل بها النُّظُم، والكيفية التي تتناغم بها أجزاؤها معًا؛ أما التحقيق — على الجانب الآخَر — فأشْبَهُ بوضع المُشتَبَه فيهم في صف واحد، ومحاولة إلقاء اللوم على شخص بعينه في بحث مباشِر لتحديد فاعل واحد للجريمة. ومن خلال تجنُّب استخدام الكلمات التي تدل على اللوم، والتشجيع على استخدام لغةٍ تؤدِّي إلى التعلُّم من الإخفاقات، كانت مورَث تحاول أن تجعل الحديثَ عن الخطأ آمِنًا من الناحية النفسية.

والأمر المهم بنفس القدر أنها آمَنت بأنه من اللازم إعادة صياغة معنى «الخطأ» بالكامل، وقد شرحت للأفراد أنه في المستشفيات، تنتج «الحوادث» (وهي كلمة مفضَّلة عن كلمة «خطأ») بسبب نُظُم معيبة وليس بسبب أشخاص مُخطِئين. إن النُّظُم المعقدة نزاعة إلى الإخفاق، والأطباء الإكلينيكيون المتورِّطون في إخفاقٍ بسبب أحد هذه النظم، ليسوا سوى ضحايا لتعقيد هذا النظام، شأنهم شأن مرضاهم.

وأخيرًا، كانت كلمة «اللوم» تُستبدَل بها كلمةُ «تحمُّل المسئولية»، التي تعني تحمُّل مسئولية واجبات وظيفة بعينها، والمعرفة التي تتطلَّبها، مهما كانت، بالإضافة إلى فهم النظام الأكبر الذي يمثِّل فيه المرءُ أحدَ مكوناته البشرية؛ كلُّ هذه التدخُّلات اللغوية وُضِعَت لتبديد الخوف من الانخراط في سلوكيات الابتكار بما يحفُّها من مخاطر على مستوى العلاقات بين الأفراد.

حين ينجح القادة في حثِّ الموظفين على المشاركة في عملية ابتكارية، تبدأ الأفكارُ في التدفُّق، وتبدأ التجاربُ في الحدوث، وتبدأ الأنشطةُ في الترسُّخ ثم الانتشار. بالنسبة إلى مديرٍ يسعى إلى «إنجازِ مهمةٍ ما»، قد تبدو العملية في البداية شاقةً وبطيئةً، لكن دفع الأفراد إلى المشاركة بصفتهم مفكِّرين ومتعلِّمين نَشِطين، هو الطريقة الوحيدة للابتكار في نظام معقَّد مثل المستشفى؛ حيث ببساطة لا تكون الحلول متاحةً من البداية.

(٣) وضع أهداف طموحة

عبر رحلة الابتكار، يعني التطلُّع إلى هدف طموح أن يتجاوز الهدفُ ما يبدو شيئًا ممكنًا من البداية؛ يجب أن ينطوي الأمر على تحدٍّ فعلي. في الوقت ذاته، من المهم ألَّا يكون الهدفُ غيرَ محتمل الحدوث على الإطلاق. يمكن أن يكون الاختلاف خيطًا رفيعًا للغاية؛ فينبغي للهدف أن يحفز لا أن يثبط أو يحبط مَن ينشدون الابتكارَ، ويُعَدُّ تطوير نُظُم يكون المرضى آمنين فيها من الحوادث الطبية، أحدَ تلك الأهداف. إنه هدف ينطوي على تحدٍّ بالغ، لكن من خلال استخدام طرق مبتكرة لتغيير ثقافة الإبلاغ عن الحوادث الطبية، وتقديم آليات أفضل لرصد أخطاء العملية البسيطة وتصحيحها قبل أن تصل إلى المرضى، فإن تحسين مستوى سلامة المرضى تحسينًا جذريًّا ليس بالأمر المستحيل؛ فلقد كانت رحلة مورَث الابتكارية ثقافيةً وإجرائيةً في الوقت نفسه.

يتجلَّى مثال آخَر من نفس المجال في ابتكارٍ حديثٍ يُسمَّى «مؤسسات الرعاية المسئولة»، وتتمثل الفكرة في أن مؤسسات تقديم الرعاية الصحية توافق على أن تتلقَّى مبالغَ شهريةً ثابتة — مقدَّمًا — لتقديم الرعاية لمجموعة من المرضى، على النقيض من أسلوب «الرسوم مقابل الخدمة» التقليدي. بالنسبة إلى كثيرين، يشكِّل هذا النموذج — الذي يكافئ مؤسسات تقديم الرعاية الصحية، التي تقلِّل تكاليفَ الرعاية الصحية وترفع من أداء الجودة في الوقت نفسه — أحدَ أكثر الابتكارات الواعدة في مجال الرعاية الصحية.

التحق ريتشارد جيه جيلفيلان بالعمل لدى «مركز الابتكار»، الخاص بوكالة مراكز الرعاية الصحية والخدمات الطبية التابعة للحكومة الأمريكية، في عام ٢٠١٠، ليقود التغيير الذي كانت ستنتج عنه مبادراتُ دفْعٍ جديدةٌ على أساس القيمة، من بينها مؤسسات الرعاية المسئولة. وبعد فترة قصيرة من عمله بالوكالة، أعلَنَ عن ثلاثة أهداف بسيطة وواضحة يسعى لتحقيقها؛ وهي: تقديم رعاية أفضل، وصحة أفضل، وتقليل التكاليف بصورة ملحوظة. فماذا كان هدفه الطموح؟ كان هدفه توفير ١٫١ مليار دولار للوكالة بحلول عام ٢٠١٦.6
أدرك جيلفيلان — شأنه شأن مورَث في مستشفى تشيلدرنز — الحاجةَ إلى إجراء تغييرات واسعة النطاق في النظام المعمول به في وقت مبكر من تولِّيه منصبَه، وسرعان ما شكَّلَ فريقًا من ٧٣ من «استشاريِّي الابتكار» من القطاع الخاص، الذين عملوا دون أجر؛ ليكونوا وسطاء بين مديري المشروع وفريقه في الوكالة. لقد أدرك حجمَ الشبكات الصحية المعنيَّة والتركة الثقيلة المطلوب حملها. قال جيلفيلان لمجموعة من الأفراد خلال قمة الابتكار في مجال الرعاية الصحية، في يونيو من عام ٢٠١١: «ليس هناك نقص في الابتكار في مجال الرعاية الصحية، وإنما نفتقر إلى نموذج عمل يكافئ الابتكار.» وأضاف: «إننا نبحث» عن مؤسسات مستعِدَّة ﻟ «تغيير نماذج عملها.»7
تمثَّلَتِ استراتيجية جيلفيلان في التعاون مع مجموعة صغيرة من قادة تقديم الرعاية الصحية، الذين يتحلَّوْن بالشجاعة، والمستعدين للمشاركة في تجربة نموذج «الدفع المقدَّم» الخاص بمؤسسات الرعاية الصحية المسئولة. كان بعض هؤلاء يقودون مستشفياتٍ للرعاية الحرجة موجودةً في مناطق حضرية، بينما كان آخَرون يقودون مستشفياتٍ ريفيةً صغيرةَ الحجم؛ وقد وافقوا جميعًا على تلقِّي مبالغ شهرية مقدَّمًا بدلًا من رسوم في مقابل الزيارات والإجراءات الطبية الفردية. وعندما بدأت خطوات التنفيذ، وجد أشخاصًا، مثل سوزان تومبسون — رئيسة مؤسسة ترينيتي هيلث سيستمز الواقعة في أيوا، ومديرتها التنفيذية (مع شريكها ترايمارك فيزشنز جروب) — مستعِدِّين للابتكار عبر تجربة محفوفة بالمخاطر. تقدِّم مؤسسة ترينيتي خدماتٍ صحيةً في منطقةٍ تضمُّ ثماني مقاطعات في وسط أيوا.8 تلك الشبكة الضخمة كانت تعني أن تومبسون كانت تتمتَّع بفرصة تنسيق رعاية المرضى الذين يقعون في دائرة عملها بفعالية، لكن لكي تدفع الجميعَ إلى الاشتراك معها في تنفيذ الخطة، كانت بحاجةٍ إلى مساعدتهم على الابتكار. وكما سنرى في الفصل التالي، بدأ طموحها الكبير في إحداثِ فارقٍ، في أن يؤتي ثمارَه.

(٣-١) التطلُّعات الطموحة التي تحثُّ على الابتكار

تُعَدُّ الفرصة لإحداث فارقٍ دافعًا مهمًّا للابتكار؛ فحين يشترك الناس في هدف طموح — بالإضافة إلى رؤية لمستقبل أفضل — فإن هذا الهدف يمنحهم هويةً مشتركةً؛ إنه يبني بينهم علاقةَ صداقةٍ متينة.

ما الميزة في هذه الصداقة المتينة؟ أولًا: أنها تُضفِي جوًّا من المرح على بيئة العمل. ثانيًا: يشعر الأشخاص بدرجة أكبر من الأمان، وحين يشعر الناس بدرجة أكبر من الأمان، يكون من السهل عليهم أكثر أن يبدعوا. ثالثًا: ونظرًا لأن الابتكار عملية صعبة ومعقدة، يجب أن يثق الأفراد بعضهم في قدراتِ بعض. إن تصوُّرَ عملية أو منتج لم يوجد من قبلُ قطُّ يتطلَّب الإقناعَ؛ ولهذا السبب، ينبغي أن يكون الهدف — كما سبق وأشرنا — محفوفًا بالتحديات، لكن ليس مستحيلًا!

وأخيرًا، وكما يعرف أيُّ قارئ جرَّبَ جيدًا العملَ الجماعي الحقيقي سعيًا وراء الابتكار، ليس هناك ما هو أفضل من ذلك. في بعض الأوقات، تعتقد أن أي شيء يكون ممكنًا حين تكرِّس مجموعة من الأشخاص المخلصين جهودها لفعل شيء كان يُعتَقَد أنه مستحيل.

إن الابتكار رياضة جماعية، لكن العمل الجماعي من أجل الابتكار ليس بالرحلة السَّلِسة دائمًا. في الفصل التالي، أوضِّحُ لِمَ يجب على الأشخاص تخطِّي الحدود التي تواجههم، وبناءُ الأمان النفسي، وتسويةُ الخلافات لجعل العمل الجماعي مُثمِرًا والسماح للابتكار بالازدهار.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠