الفصل الثالث

الاغتراب والتشيؤ

في عام ١٩٣٢، وقع حدث فكري استثنائي، في ذلك العام، نُشر أخيرًا كتاب «مخطوطات عام ١٨٤٤ الاقتصادية والفلسفية» لكارل ماركس مصحوبًا بنقد رائع لهربرت ماركوزه، وذلك في دورية «جورنال أوف سوشيال ريسيرش» التي تَصدُر عن المَعهَد. لقد هُرِّبَتِ المجموعة سِرًّا من معهد ماركس وإنجلز في موسكو عن طريق مدير المَعهَد ديفيد ريازانوف الذي كان بذلك يُغامِر بحياته مغامَرةً جَلِيَّة، بالأخذ في الاعتبار المناخ السياسي السائد آنذاك، وحين صاحبتْ هذه المخطوطات بعض الكتابات الأخرى لماركس الشاب، سرعان ما لبثت أن حقَّقتْ شهرة عالمية. فقد عملت على تبرير كثير من أفكار الماركسية الغربية بوجهٍ عام وأفكار جورج لوكاتش بوجهٍ خاص.

تُظهِر كتابات ماركس الشاب طابعًا يوتوبيًّا؛ إذ تعطي هذه الكتابات أولويةً للعناصر الأنثروبولوجية والوجودية للشقاء الإنساني، وليس لعنصر الاستغلال الرأسمالي ذي الطابع الاقتصادي البحت. تمتدُّ جذور الاغتراب إلى العجز عن استيعاب آليات عمل التاريخ وإخضاعها للسيطرة البشرية. ويعبِّر تقسيم العمل عن هذا الموقف؛ إذ إنه يَفصل على نحو متزايد بين العمال من جهة وبين المنتجات التي ينتجونها، وزملائهم الذين يعملون معهم من جهة أخرى، وأخيرًا بينهم وبين إمكاناتهم بصفتهم أفرادًا؛ ومن ثم فإن تقليص الملكية الخاصة ليس غايةً في حدِّ ذاته، وإنما مجرد خطوة إلى الأخْذ بزمام التاريخ.

تقدِّم كتابات ماركس الشاب رؤية منذِرة بالنهاية. إن التحرر السياسي في الدولة الليبرالية يخضع لنموذج التحرر البشري داخل مجموعة حرة لا طبقية من المنتِجِين، ويدخل دعم الاستقلال الفردي — الذي ربما يكون الهدفَ الأخلاقيَّ للبرجوازيين الثوريين — ضمن الاهتمام بإدراك المفهوم الشيوعي والأساسي الجديد الخاص ﺑ «الكائن النوعي». إن تحسين أوضاع العمل في عالم يتَّسِم بالندرة — أو تُحرِّكه «مقتضيات الحاجة» — يُتِيح فُرصَةً ﻟ «قفزة في عالَم الحرية». وقد أصبَحَ الاغتراب والتشيؤ — ضمنيًّا — هدفَي النشاط الراديكالي في ذلك الوقت، وغيَّرت مثل هذه الأفكار الإدراك العام للماركسية وتسبَّبت في حَرَج خطير للنظام الشيوعي وألهمت مدرسة فرانكفورت بقدر ما ألهمت المفكرين الراديكاليين الذين برزوا عام ١٩٦٨.

جذور الشقاء

إن للاغتراب تاريخًا طويلًا؛ إذ تتجلَّى علاقته باليوتوبيا بالفعل في وصف الخروج من جنة عدنٍ في الكتاب المقدَّس. فقصة الفردوس المفقود تسبق خسارة الأشياء من أجل عالم التبادل السلعي. إن تلك القصة الرمزية التي توجد في الكتاب المقدس تُبرِّر تدنِّي الحالة البشرية، وتوضِّح السببَ وراء كون الناس مُجبَرين على أن «يكسبوا عيشهم من عرق جبينهم.» وكذلك توضِّح سببَ فقدان الثقة بين الأفراد، والسببَ في أن الطبيعة تبدو كأنها عدو، والسببَ في أن الخلاص أصبح ممكنًا؛ وهو أمر يُثِير الدهشة إلى حدٍّ كبير، فقد ضاع التوحُّد والتناغم. لقد تصرَّف آدم وحواء بإرادتيهما الحرَّتَيْن، وجَلَبَا على أنفُسِهما الخروجَ من الفردوس بطاعة الشيطان. ربما تؤدِّي اختيارات مختلفة إلى إعادة خلق الفردوس، ولربما سعى بروميثيوس لتحقيق هذا الأمل؛ وربما يكون هذا السبب وراءَ كونِه الشخصية الأسطورية المفضَّلة عند ماركس، لكن أحدَ الآلهة الشريرة قد اتَّهم بروميثيوس بالغطرسة شأنه في ذلك شأن مَن حاولوا بناء برج بابل.

دائمًا ما يقترن الفردوس بالحياة الريفية. الفردوس هو العالَم الذي كانت تُؤَمَّن فيه العلاقة العضوية بين البشرية والطبيعة. قد تدعم الفنون والعلوم والثروة والتكنولوجيا الحضارةَ، لكنها — بحسب زعم جان جاك روسو الشهير في كتابه «خطاب حول الفنون والعلوم» (١٧٥٠) — تُشَرذِم المجتمع العضوي، منتِجةً علاقةً عدائية بين البشرية والطبيعة؛ ومن ثَم تنبَثِق احتياجات مصطَنَعة تُفسِد الفضائل الطبيعية مثل الاحتشام والبساطة والطيبة والنزاهة، ولا شيء قد يَستَعِيد هذه القِيَم ويتغلَّب على الوحدة والإحساس بالافتقار إلى المعنى — وترقُّب الموت — التي يختبرها الأفراد سوى مجتمع يُعاد بناؤه كليًّا.

وقد بحث حشْد من المفكِّرين بدايةً من القِدِّيس أوغسطين إلى روسو — ولا سيما أتباع روسو من الرومانسيين — هذه الموضوعات. وقد يكون فريدريش هولدرلين — الذي كان صديقًا مقربًا لهيجل في شبابه وأعجب به المنظِّرون النقديون اللاحقون إعجابًا شديدًا — أفضل مَن عبَّر عن الفكرة الرئيسية في هذا الشأن؛ إذ كتب يقول في روايته «هايبيريون» (١٧٩٥):

ترى حِرفيين، لكنك لا ترى أناسًا حقيقيين؛ ترى مفكرين، لكنك لا ترى بشرًا؛ قساوسةً، لكن ليسوا ببشر؛ أسيادًا وعبيدًا؛ شبابًا وأصحاب أملاك، لكن ليسوا ببشر. ألَا يُشبِه هذا العالَم أرضَ المعركة التي تَجِد فيها أياديَ وأذرعًا وأطرافًا على كل شاكلة متناثِرة بعضُها إلى جانب بعض بينَمَا تَسرِي الدماء المراقة منها في الرمال؟!

إلا أن جي في إف هيجل كان أول مَن قدَّم تحليلًا منهجيًّا للاغتراب. كان مؤمنًا بأن الاغتراب سيَظَلُّ قائمًا ما دامتِ البشرية مُبعَدَةً عن غاياتها الأساسية، وما دام نتاجها يخرج من نطاق سيطرتها الواعية. وتاريخ العالَم هو الندوب التي يُعانيها وعيٌ يَهدِف إلى الأخذ من جديد بزمام ما أنتجتْه البشرية عن غير قصد، ويمكن رؤية عملية ترسخ الاغتراب في بنية الوعي باعتبارها عزْلَ الوعي عن الواقع، لكن إدراك هيجل للقوى الذاتية المترصِّدة من وراء عالم الأشياء عَبَّر عن الرغبة الأساسية للمثالية في وجوب تحول العالم المغترب إلى عالم بشري. وقد تمثَّلتِ المشكلة الرئيسية لهيجل في الطريقة التي يَفِرُّ بها الفعل الاجتماعي من التوجيه الواعي وتَقَع بها أحداث التاريخ — إن صحَّ القول — من خلف ظهْر البشرية.

تَظهَر حضارات كاملة وتختفي، وتأتي النتائج معاكسة للنيَّات، ويكون الدم ثمنًا لأرقى إنجازات الحياة الفكرية والسياسة. لقد أبصر هيجل التاريخ باعتباره «طاولة ذبْح»، رغم أن تحقيق الحرية البشرية أمر مقدَّر. يمكن تعريف مثل هذا العالم بأنه عالم يُعتبر فيه كلُّ فرد ذاتًا قائمةً بنفسها. وتتجسد التبادلية العمومية في النهاية في دولة بيروقراطية خاضِعة لحكم القانون، ومجتمع مدني قائم على السوق التي يدخلها الجميع بحرية وعلى قدم المساواة، وعائلة نووية تحتَضِن أفرادَها عاطفيًّا على النحو السابق، ويُبرز العقل عالم التبادلية الشاملة هذا لأن الفلسفة — التي هي أسْمَى تجسيد للعقل — كان يعتقد هيجل أنها تجسد نوعًا من العمومية منذ زمن سقراط.

ومن ثم، فإن إنهاء الاغتراب ينطوي على تعويض تعاسات الماضي، التي يُطلِق عليها هيجل «معاناة الروح المطلقة.» إلا أن هيجل لم يكن يوتوبيَّ الرؤية. إن إدراك الحرية هو ذروة عملية غائية تُرفَض فيها الممارسة التعسفية للقوة في دولة جديدة تحكم بسلطان القانون. يظل الصراع والاغتراب الوجودي قائمَين حتى في «نهاية التاريخ» ما دام على الأفراد مواجهةُ فَنائهم. وتخلق الدولة الدستورية ببساطة المساحة التي يمكن للأفراد التركيز فيها أخيرًا على أكثر اهتماماتهم خصوصيةً بعيدًا عن التدخلات الخارجية. ويستمر وجود الاغتراب والتشيؤ في العلاقات الطبقية الاستغلالية في المجتمع المدني.

يظل تفكير هيجل عالقًا عند مستوى الدولة. ولا يعود هذا إلى المصلحة الطبقية فقط، فعجزه عن تناول الاغتراب من ناحية جذوره في العملية الإنتاجية الرأسمالية ينطوي أيضًا على عامِل وجودي؛ إذ إن تناول الطابع المادي للاغتراب كان يتضمن إنكار الأهداف البرجوازية لمشروعه بالكامل، وهكذا يشق الاغتراب طريقه إلى الفلسفة التي تسعى إلى إنهائه. أما المجالس العمالية والمجتمع اللاطبقي ونهاية ما يُطلِق عليه ماركس «ما قبل التاريخ»، فلا نيةَ لتناولها. وقد عجز حتى أعظم الفلاسفة البرجوازيين عن تصور مؤسسات سياسية قادرة على إخضاع آليات عمل المجتمع لهؤلاء الذين يكوِّنونه.

ذكر هيجل في «فينومينولوجيا العقل» (١٨٠٧) أن الإقطاعيين والسادة في كل حقبة تاريخية لهم مصلحة وجودية ومادية في الحيلولة دون ظهور مثل هذا الوعي. فهم يسعَوْن إلى دفع خَدَمهم وعبيدهم إلى الاعتقاد باعتمادهم عليهم عبر وسائل أيديولوجية أو مؤسساتية. وقد كانت هذه نقطة انطلاق لكلٍّ من هيجل وماركس الشاب، هكذا يصبح المنهجُ النقديُّ الأداةَ التي يدرك بها الخَدَم والعبيد — وجموع البروليتاريا — قوَّتهم بصفتهم منتجِين لذلك النظام المحدد الذي يستفيد منه بحقٍّ الإقطاعيون والسادة دون غيرهم؛ ومن ثم، يعتمد إنهاء الاغتراب على وعي الخادم — أو الأفضل أن نقول العامل.

كان ماركس الشاب يعتقد أن الحديث عن فضائل الدولة، أو تكوين بعض الأفكار المشكَّلة سابقًا عن الحرية عبر تصنيفات غير دقيقة مثل السادة والعبيد أو الأغنياء والفقراء لا يُفيد، بل يعرقل معرفة الوعي لمصدر الاغتراب وكيفية استمراره؛ لذا، أكَّد ماركس في عمله «مخطوطات عام ١٨٤٤ الاقتصادية والفلسفية» على أنه «فقط عندما يصبح العالم الموضوعي في كل مكان حول الإنسان في المجتمع، عالم القوى الجوهرية للإنسان — الواقع البشري، ومن ثَم، واقع قواه الجوهرية — يمكن أن تُصبِح كل الأشياء في عينَيْه تشيؤًا له؛ أي تصبح أشياءَ تؤكِّد على فرديته وتحققها.»

زعم هيجل أن «الكل» صحيح، وادَّعى أن الحرية قد تحققت في الدولة البرجوازية تحت حكم القانون الليبرالي، ومع ذلك — بحسب اعتقاد ماركس — يُبطل وجود البروليتاريا هذا الزعم. إن مجرد وجود هذه الطبقة المُستَغَلة والمحرومة من حقوقها يُظهِر كيف أن الحرية قد اغتُصِبَت. وثمة تجاهل للهيمنة الهيكلية على هذه الطبقة. يرى البرجوازيون أن الرأسمالية تستَنِد إلى افتراضات أنانية يمثِّل فيها الفردُ الوحدةَ الأساسية في النشاط الإنتاجي، لكن هذه الرؤية تجعل وضع تصور لتكوين الواقع الاجتماعي ولتناقضات عمليته الإنتاجية الاقتصادية مستحيلًا. فإذا كان الدِّين يخلق موقفًا يقع فيه الإنسان تحت سيطرة ما صنع عقله — وهو ما تعلَّمه ماركس من لودفيج فيورباخ — فإنه تحت حكم الرأسمالية، سيَقَع الإنسان تحت سيطرة ما تصنع يداه.

كان ماركس مؤمنًا بأن الطبقة العاملة تزداد فقرًا بينما كان المجتمع البرجوازي يزداد ثراءً. وكان الفقر الروحي للبروليتاريا يزداد كذلك، لقد كانت في طريقها إلى ألَّا تعدو أن تكون أحَدَ مُلحَقات للآلة، فقد قُوِّضَت فردية الغالبية العظمى من البشرية وإبداعها وتضامنها. وتدعو مقتضيات الإنتاج الرأسمالي إلى رؤية البروليتاريا على أنها واحدة من تكاليف الإنتاج فحسب، ويجب مراعاة بقائها عند أقل حدٍّ ممكن. كذلك تتطلب زيادة الأرباح إلى الحد الأقصى تقسيمَ العمل، بحيث ينفصل كلُّ فرد من الطبقة العاملة عن العمال الآخرين الذين يعملون على خط التجميع؛ مما يحول دون تعلُّمه مهامَّ أخرى، وتطويره لقدراته، ووضعه تصورًا للمنتج النهائي. ويؤثر هذا التقسيم نفسُه للعمل على الدولة المعاصِرة. تعرِّف معادلات رياضية الربحيةَ والكفاءة دون النظر للسياق التاريخي ودون إدراك الصراعات البنائية بين المصالح الطبقية؛ ومن ثم يُنزَع عن المجتمع طابعه التاريخي وقابليته للاستبدال والتغير.

يُعرِّف الاغتراب الكل الذي يعتمد استمراره على تحويل الأشخاص إلى أشياء؛ أو ما يُعرف بالتشيؤ. إن الرأسمالية تجرِّد البشرَ من إنسانيتهم على نحو متزايِد. إنها تُعامِل الأفراد المشارِكين في عملية إنتاج السلع (البروليتاريا) كشيءٍ، بينَما تحول الشيءَ الحقيقي الذي يقوم عليه النشاط الإنتاجي (رأس المال) إلى ذاتٍ مصطنعة للحياة الحديثة. ولا يمكن أن يصبح قلب هذا «العالم المقلوب» — وهي فكرة استعارها ماركس من هيجل — ممكنًا إلا بإنهاء ما أَطلَق عليه كتابُ «رأس المال» مصطلحَ «صنمية السلعة». بعبارة مختلفة بعض الشيء، يتطلَّب إنهاء الاغتراب إنهاء التشيؤ، وهذا يتطلب الوعيَ بما ينبغي تغييره. يجب إعادة التفكير في العالم على نحو جديد.

fig4
شكل ٣-١: الاغتراب والتشيؤ يدمِّران الذاتية ويحوِّلان العامل إلى إحدى تكاليف الإنتاج.

زادت كتابات ماركس الشاب من احتمالات حدوث حركات ثورية؛ فالبؤس الذي تعانيه البشرية هو المستهدَف من التحرُّك الراديكالي، رغم أن الرأسمالية تزيد هذا البؤس على نحو كبير. إن لكلٍّ من البيروقراطية والمال والتفكير الأداتي جذورَه الأنثروبولوجية، حتى وإن كانت العملية الإنتاجية الجديدة تعزِّز هيمنة تلك العناصر. فمنذُ زمان سحيق وكل فقير ومَهين يُعامَل معامَلةً أداتيةً؛ إذ يعود الشكل السلعي والبيروقراطية إلى سوق المال في روما القديمة والرُّتَب الكهنوتية في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، والعواقب واضحة؛ فالعمال لا يستطيعون أن يَظَلُّوا مُكتَفِين بالتطلع إلى الديمقراطية الليبرالية والإصلاح الاجتماعي والحسابات الضيقة للمصلحة الاقتصادية؛ بل يجب عليهم الآن أن يَرَوْا أنفسهم عناصر فاعلة في التحرك التاريخي — وليس مجرد أدوات خاضعة لقوًى خارجية — الغرض منها القضاء على الاغتراب والمجتمع الطبقي.

وقد صوَّرت أعمال ماركس الشاب هذه الرؤية، مع ذلك، وطَوَالَ الفترة التي كانت فيها كتاباته غير معروفة قبل عام ١٩٣٢، كان صاحب التأثير الكبير على لوكاتش ثم على منظِّرين نقديين آخرين لاحقًا في صياغة (وربما حل) مشكلتي الاغتراب والتشيؤ هو ماكس فيبر. كان فيبر أكاديميًّا معذَّبًا وهو مؤلِّف الكتاب الشهير «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» (١٩٠٥)، وكان أيضًا ليبراليًّا ذا ميول قومية وإمبريالية. وقد وضعت محاضرته الشهيرة التي كانت بعنوان «العلم كمهنة» (١٩١٨) تصورًا لعالمٍ آمالُ التنوير فيه «تتلاشى بغير رجعة» ومجتمعٍ تزحف عليه تدريجيًّا هيمنة «اختصاصيين بلا روح» و«شهوانيين عديمي القلب». وتوظف العقلانية الأداتية مفهومًا معرفًا من الناحية الرياضية للكفاءة، مبنيًّا على جعل كل المهامِّ روتينية، وجاءت الحياة المعاصرة لتمجِّد على نحو متزايد استخدام الخبرة ومجالات المسئولية المحددة بدقة في إطار تسلسل قيادي هرمي، ولتتلاشى فيها القدرة على إدراك الكل؛ وهو ما يطلق عليه الألمان إحلال الأحمق المتخصص محل المفكِّر؛ ولتُطرد فيها الأخلاقيات إلى نطاق يقع خارج الحياة العلمية والسياسية. وقد تخيل فيبر المستقبل قفصًا حديديًّا بيروقراطيًّا — حتى وإن لم يستخدم التعبير الذي كثيرًا ما يُنسب إليه استخدامًا صريحًا — سيَظَل بالتأكيد يُهمِّش الذاتية الأصيلة أكثر فأكثر.

نهاية العالم والميتافيزيقا

كان بلوخ ولوكاتش وهما في مرحلة الشباب يترددان على صالون فيبر الشهير في هايدلبرج، حيث تعرَّفا على إميل لاسك، وهاينريش ريكرت وجورج زيمل. كانوا جميعًا مهتمين بالبنية المغتربة للمجتمع الحديث، علاوةً على آثار التشيؤ. وقد اتضح تأثير فيبر ودائرته في النسخة الأولى من كتاب بلوخ «روح اليوتوبيا» (١٩١٨) وكتاب لوكاتش «نظرية الرواية» الذي أَلَّفه عام ١٩١٥ ونُشِر في عام ١٩٢٠، في الواقع، كان بلوخ يَمِيل إلى أن كلًّا منهما ألَّف نصف كتاب من الكتابين، ويمثِّل كلا العملين ما أطلق عليه لوكاتش لاحقًا «المعاداة الرومانسية للرأسمالية.»

وكان الهدف من هذا المصطلح هو تعريف حالة مواجهة نقدية معينة مع الرأسمالية التي يتسبَّب الجهل بآلية عملها الخاصة — في الواقع — في رؤًى خاصة بنهاية العالم أو الانسحاب إلى داخل الذات؛ ذلك أن تلك الحالة تَمِيل إلى المزج بين سياسات اليسار مع النظرية المعرفية الخاصة باليَمِين، وقد كان ذلك حال كتابَيْ «نظرية الرواية» و«روح اليوتوبيا»، إلا أنهما يظلان عملين مؤثرين على أي حال.

يتشكل الأثر الفكري الذي تركه هذان الكتابان في النظرية النقدية من خلال التأمل في الاغتراب الذي تتسم به الحياة الحديثة، والإدراك الخاص بنهاية العالم، والنقد الشديد للعصرية. وقد أكَّد كلاهما على التشرذُم المتزايِد للحياة، وعلى شروع العلاقات البشرية بين الأشخاص في الانهيار. وكلاهما يتوقَّع شكلًا جديدًا من التضامن القائم على البحث عن تجربة أصيلة (أو لنقل فقدان التجربة الأصيلة) والإدراك الخاص بنهاية العالم. كلاهما يقدم فلسفةً جديدةً للتاريخ تُجابِه الوضعية والافتتان بالعلم، وكلاهما يؤيد رؤية جمالية فلسفية ما، وبداية جديدة للعالم الغربي الذي استشرت في جسده الهمجية.

أكَّد لوكاتش في دراسته المحدودة التي صدرت في كتاب بعنوان «لينين» (١٩٢٤) على أن ذلك القائد البلشفي كان يتميز بالتزامه ﺑ «حقيقة الثورة»، وقد دعم كتاب لينين «ما الذي ينبغي القيام به؟» (١٩٠٢) فكرة وجود حزب طليعي مُشكَّل من مفكرين سياسيين مخلصين لحماية النموذج الثوري من الإغراءات الإصلاحية، وفي عام ١٩١٤، كان الوحيد الذي ينادي بتحويل الحرب بين الأمم إلى حرب عالمية على الطبقية. وكان شعار لينين الثوري في عام ١٩١٧ «كل السُّلطة للسوفييت!» فيما وضع كتابُه «الدولة والثورة» (١٩١٨) تصورًا لدولة شيوعية لم تَعُدْ دولةً بالمعنى المعروف للكلمة. وقد بدا كأن أتباع لينين البلشفيين يأتون «برياح من الشرق» كان مقدَّرًا لها أن تمحو حضارةً فاسِدة، كما بَدَتْ رؤيته المؤسسية جزءًا لا يتجزأ من فكر سياسي كلُّ شيء متاح في ظِلِّه. وقد تثبت البروليتاريا — أو لنقل البروليتاريا تحت رعاية الحزب الطليعي — أنها ذات التاريخ وموضوعه.

عبَّر كتاب «التاريخ والوعي الطبقي» عن التطلع إلى الإحياء والتجديد الذي صاحَب الثورة الروسية. وكان الأمر نفسه ينطبق على كتابات كورش — وجرامشي كذلك — رغم أنها كانت تفتقر إلى القالب الميتافيزيقي واللغة الخاصة بنهاية العالم. وقد قدمت كلُّ هذه الكتابات رؤيةً لعالم متحرِّر منبثِق من الثورة الروسية والانتفاضات الأوروبية المصاحبة التي اندلعت على إثرها في الفترة ما بين عامَيْ ١٩١٨ و١٩٢٣، وقد بَهَتَ بريقُ النظام الجمهوري الليبرالي في مقابِل الإثارة المحيطة بالديمقراطية التشاركية التي ميَّزت مجالس العمال، واستبعاد المال والمكانة والتجارب الثقافية المتنوعة ذات المذاق اليوتوبي، وكانت الطليعة الشيوعية دون غيرها — بغضِّ الطرف عن الوعي التجريبي للبروليتاريا الفعلية — تُعد قادرةً على نحو ما على وضع حدٍّ لعالم الاغتراب.

وبمجرد ظهور كتاب «التاريخ والوعي الطبقي» في عام ١٩٢٣ تعرَّض لنقد شديد، فكانت رؤية البروليتاريا (أو لِنَقُلِ الحزب الشيوعي) كموضوع التاريخ وذاته تُعتبر محصلةً يوتوبية للمثالية وليس الماركسية، وكان ثمة اعتقاد عام بأن لوكاتش قد بالَغ في الدَّوْر الذي يلعبه الوعي في عرقلة الاقتصاد، وأن عمله لم يأخذ في الاعتبار الأهدافَ المادية والعراقيل المؤسسية في طريق الفعل، لكن مع نشر «مخطوطات عام ١٨٤٤ الاقتصادية والفلسفية» لماركس، وَجَدَتْ كثيرٌ من حُجَج لوكاتش تبريرات متأخِّرة؛ مما أحرج الكومنترن إحراجًا واضحًا؛ إذ كان قادته قد أجبروا لوكاتش على التخلِّي عن مؤلَّفه الرائع في عام ١٩٢٤. وقد أَحيَتْ كتابات ماركس الشاب الاهتمام بما كان معظم المفكرين عادةً يعتبرونه أيديولوجية سياسية متشددة ومتعنِّتة.

ومع ذلك، اكتسب مفهوم الاغتراب شهرة حقيقية من خلال كتاب إريك فروم «الهروب من الحرية». وقد صارتِ النازية العدوَّ الرئيسي للمفكِّرين الليبراليين والتقدميين عقب اندلاع الحرب العالمية الثانية عام ١٩٣٩، فأوضح فروم كيف تحوَّلت «الشخصية السوقية» ذات السمات الاستحواذية الأنانية — التي اقترنت بالرأسمالية في جمهورية فايمار — بفعل النظام الفاشي الجديد إلى «شخصية سادية ماسوشية» بسبب التقليص الواضح للاستقلال الفردي. وقد أدَّى تدمير هذا النظام الجديد لكل المؤسسات العامة القادرة على مقاومة وسائل الدعاية خاصته — أي وسائل الإعلام والمدارس والدِّين، بل العائلة أيضًا — إلى عزلة الفرد أو تشرذمه تمامًا.

لا يمكن أبدًا أن تستمر حالة الاغتراب المفرِط هذه، فتتولَّد حالة تماهٍ مع السلطة (أي الفوهرر) تجعل الفرد مملوءًا بالكراهية، لكنه مع ذلك يحرص على تجنب المسئولية الأخلاقية؛ ومن ثَم، يُسفِر هذا الاجتماع المميز للتأثيرات الاجتماعية والنفسية عن بنية شخصية سلطوية على نحو فريد.

وتبنَّى ماكس هوركهايمر منهجًا أكثر شمولًا. فحلَّل مقالُه «الدولة السلطوية» (١٩٤٠) هذا الدمجَ بين الليبرالية الحديثة والشيوعية والفاشية. وتعتمد كل هذه الأنظمة على السيطرة والإدارة البيروقراطية والتسلسل الهيكلي والتبعية والدعاية والثقافة الجماهيرية وتقسيم العمل والعمل المُمَيْكن. من ثَم يُصبِح الفرد مُغترِبًا عن ناتج العمل والعمال الآخرين وعن مفهوم أوسع وأشمل للفردية، ويختفي الكل في كل مكان عن الأنظار، ويسود التشيؤ ما دام الفرد لا يفوق كثيرًا الترس في الآلة. قد لا تزال الاختلافات بين أنواع الأنظمة قائمةً، لكن في النهاية يظل المحتوى واحدًا، ومع تدمير الآمال الغائية التي كانت مرتبطةً يومًا بالبروليتاريا — في واقع الأمر — تفقد المقاومة مرجعها السياسي. كذلك تثير الدولة السلطوية الشكوك حول القدرة على صياغة نظرية تطبيقية.

وهكذا، يُدرَك كلٌّ من الاغتراب والتشيؤ على نحو متزايد على أنهما مشكلتان نفسيتان وفلسفيتان تتطلبان حلولًا نفسية وفلسفيةً في المقام الأول. على سبيل المثال، في كتاب «المعرفة والمصلحة البشرية» (١٩٧١)، اقترح يورجن هابرماس «وضعًا مثاليًّا للحديث» يعتمد على «تواصل غير مشوَّه»، ويتمثل هذا الوضع المثالي في جلسات التحليل النفسي؛ حيث يحرص كلٌّ من المُحلِّل والمريض — اللذين لا يَقَعان تحت ضغط المصالح الخارجية أو المادية — على العثور على المصدر الحقيقي لأي نوع بعينه من الأمراض أو الاضطرابات النفسية. بهذا النحو تنبثق «مصلحة قابلة للتعميم» لا توجد في الأشكال التقليدية للفلسفة مثل الوضعية والفينومينولوجيا.

لقد أُعطي الآن للنقد أساسٌ إيجابيٌّ؛ إذ تنطلق مواجهته لتطويع الخطاب من أساس «تحرُّري». ولذلك آثار تطبيقية أكيدة، فيصبح التفاهم المتبادل بين النشطاء على قدر كبير من الأهمية، ويجب على كلٍّ منهم إثبات أنه يطور دائمًا من أهدافه وتكتيكاته. فرغم كل شيء، تقوم كل أشكال الديمقراطية التشاورية في الأساس على التواصل غير المشوَّه. كذلك يمكن الآن التعامُل مع المشاكل القديمة المتعلِّقة بفكرة تشكيل التاريخ للواقع على أنها مشكلات فنية. وقد أوضح هابرماس موقفَه قائلًا: «في ظل التأمل الذاتي، تكون المعرفة والمصلحة شيئًا واحدًا.»

ومع ذلك، سرعان ما تبرز الأسئلة ذات الطابع الجدلي المطالِبة بتعريف لهذا المنهج النفسي الفلسفي المبتكَر: هل الوضع المثالي للحديث مجرد نقطة انطلاق منهجية للتحرك الاجتماعي أم إنه معيار فلسفي ثابت له قواعده الخاصة؟ وهل هو مسألة فهم التواصل غير المشوه في ضوء نظرية نقدية للمجتمع أو الأساس الذي يقوم عليه شكل جديد من فلسفة اللغة بقواعدها الخاصة؟ لقد اتخذ هابرماس «المنعطف اللغوي».

هكذا خَطَتِ النظرية النقدية خطواتها الأولى في مجال الفلسفة التحليلية. ولا يزال كتاب «نظرية الفعل التواصلي» (١٩٨١) — وهو عمل كلاسيكي آخر لهابرماس — يحذِّر تحذيرًا صريحًا من المخاطر التي تَنتُج عن العقلانية الأداتية والقوى المؤسسية للرأسمالية الحديثة على عالم حياة الفرد. فيُصبِح الفعل التواصلي بقواعده اللغوية — المنفصلة عن التاريخ — أداةً للمقاومة. إلا أن الحافز وراء المشاركة فيه شأنٌ مختلفٌ تمامًا؛ فدون الإشارة إلى عملية الإنتاج أو التنظيم السياسي، تُصبِح المخاوف الجديدة المتعلِّقة بالتقدير والهوية مسألةً رئيسية. ومع ذلك، فإن المتطلَّبات من هذا النوع غالبًا ما تتعارض، وقد سعى أكسل هونت تلميذ هابرماس إلى التعامل مع مثل هذه التعارضات الناجمة عن الاغتراب والتشيؤ من خلال تسليط الضوء على قدرة الأفراد على «الاكتراث».

ويظل التعاطف متصدرًا المشهد طالما يتضمن الاكتراث تقدير الآخر وتقييد الأشكال الأكثر فجاجة من الأنانية. هنا أصبح الاغتراب والتشيؤ يُرَيَان على أنهما مشكلتان فلسفيتان وتجريبيتان في حاجة إلى استجابة تجريبية ذات أساس فلسفي. مرة أخرى، تصبح المعايير الأخلاقية منفصلةً عن واقع الحياة السياسية، وتتلاشَى من المشهد الاختلالات المؤسسية للقوة والصراعات المنظمة لمصالح الجماعات ومقتضيات التراكم الرأسمالي. ويبيت تحديد قيود للاكتراث وما يشابهه، أو الأشكال المناسبة من الفعل للتعامل مع الاغتراب والتشيؤ، مسألتَين محلَّ اهتمام ثانوي، والآثار الموهنة لإنتاج أي مفهوم ذي معنًى للتضامن — والمقاومة — واضحة.

لكن — للإنصاف — معظم أفراد الحلقة الداخلية لمدرسة فرانكفورت كانوا يعتقدون أن وصف الدواء لداءَيِ الاغتراب والتشيؤ (من داخل النظام القائم) غير ذي نفع في أفضل الأحوال، أو مساومة على المبدأ في أسوأ الأحوال، وما إنْ فقدتِ البروليتاريا موقفها الثوري، حتى تفشَّى التشاؤم بين أفراد الحلقة الداخلية، وقد أشار ماركوزه بالفعل في عمله «الفلسفة والنظرية النقدية» (١٩٣٧) إلى أن جدل هيجل وماركس — الذي استند إلى احتمالية إدراك عالم الحرية — قد تقزَّم، وأن التغيير الراديكالي لم يَعُدْ على جدول الأعمال.

كان قفص البيروقراطية الحديدي سيؤدِّي على ما يبدو إلى «نهاية الفرد». وكانت هذه هي الرؤية التي عرضها هوركهايمر في عمله «خسوف العقل» (١٩٤٠). فقد توقَّفتِ الرأسمالية عن توليد مَن يحفرون قبرَها، وكانت الشمولية تضرب كلا طرفَيِ النطاق السياسي، وقد ذكر هوركهايمر صراحة أن «الطرفين يلتقيان»؛ لذا، كانت الافتراضات التقليدية عن الاشتراكية والتقدم التاريخي في حاجة إلى مراجعة، وكانت هناك حاجة إلى إطار عمل جديد للتعامل مع القوة التكاملية للمجتمع البيروقراطي، وعجز المعارضة المنظمة والطبيعة الانكفائية للتقدم، والحاجة — قبل كل شيء آخَر — إلى تنمية الاستقلال، فإن لم يَعُدْ باستطاعة الثورة أن تقترن بالتحرر؛ فإن المقاومة يجب أن تُغيِّر طبيعتها. وهذا، في النهاية، من شأنه أن يتضمن مواجهة الحضارة والتقدم والتنوير.

النظر إلى الوراء

رأى منظِّرو النظرية النقدية في «مخطوطات عام ١٨٤٤ الاقتصادية والفلسفية» تأكيدًا جديدًا على إنهاء القمع المرتبط بمرحلة «ما قبل تاريخ» البشرية، هنا تُعرَّف الاشتراكية بالكيفية التي عُومل بها الناس وليس بمجموعة ثابتة من المؤسسات والسياسات. وقد أظهرت كتابات ماركس الشاب ميولًا يوتوبية إلى جانب رؤية خاصة بإنسان جديد متحرر من الأنانية والقسوة والاغتراب، وقد تحولت الثورة على الرأسمالية إلى عَزْمٍ على تغيير أحوال البشر تغييرًا جذريًّا، وقد رجَّح النقاد أنه كان من المستحيل آنذاك تصور ما قد يقتضيه النجاح الثوري. ومع ذلك، سُهِّل فهم الفشل الثوري. وقد لعبت كتابات ماركس الشاب التي اكتُشفت حديثًا آنذاك دورًا مهمًّا في تحدِّي الفهم المشوَّش الباهت للاشتراكية.

بلغت شهرة كتاب «مفهوم الإنسان عند ماركس» (١٩٦١) لإريك فروم عَنان السماء، وألهم جيلًا من الراديكاليين الأمريكيين. ومع ذلك، حتى قبل هذا، كان فروم منشغلًا بظاهرة الاغتراب. وقد تبيَّن ذلك بوضوح من خلال كتاباته المتنوعة عن الدين وعلم النفس. كانت الرأسمالية تُعارَض، ليس لأنها استغلالية من الناحية المادية فقط؛ بل لأن نظام قوى السوق اللاشخصية الخاص بها يطالب الأفراد بمعاملة بعضهم بعضًا كمنافِسين محتمَلين وكوسائل لتحقيق غايات. ولم تكن المشكلة بالنسبة لفروم تتمثل فقط في المجتمع الآلي الذي خرج عن زمام السيطرة البشرية، وإنما أيضًا في حالة السلبية الداخلية والبلادة العقلية التي نمَّاها؛ ومن ثم، كان علم النفس الاجتماعي النقدي خاصته يعتمد على توضيح القِيَم المُناهِضة للرأسمالية، والاحتمالات التقدمية لتطوير الأفراد، والتأكيد عليها. وهذا هو الأساس الذي قام عليه ما كانت ستصبح محاولة رائدة لإعادة صياغة الاشتراكية بوصفها شكلًا من أشكال الإنسانية مع التقليل من شأن المشاكل الطبقية الضيقة والثورة.

ومع ذلك، أخبرني هنري بختر ذات يوم بأن أول رد فعل صدر عنه لدى قراءته عمل «مخطوطات عام ١٨٤٤ الاقتصادية والفلسفية» في عام ١٩٣٢ كان أن قال: «هذه نهاية الماركسية.» كان بختر ناشطًا اشتراكيًّا ومؤرخًا سياسيًّا، وكان على علاقة غير وطيدة بمدرسة فرانكفورت. واليوم، تبدو عبارة مثل تلك التي قالها غريبة، بَيْدَ أنها كانت منطقية في سياق ثلاثينيات القرن العشرين. كانت الماركسية لا تزال تُرى على أنها نظام فلسفي شامل ذو أسس علمية وضمانات غائية، فأُحيطت الحركة الشيوعية بهالة من نور، وظلت الديمقراطية الاشتراكية تبدو أنها تجسد المعارضة الأصيلة الوحيدة للديكتاتورية السياسية والظلم الاجتماعي. ولم تكن كلتا الحركتين الاشتراكية والشيوعية تسعيان لتحقيق اليوتوبيا بقدْر ما كانتا تسعيان لتأميم الصناعات الكبرى، وتنظيم السوق، وإحلال ديكتاتورية (ديمقراطية أو سلطوية) للبروليتاريا محل حكم البرجوازيين، وتقديم أيديولوجية علمانية جديدة من المفترض أنها تقوم على التقدم التكنولوجي والعلمي.

كانت الرؤية الأكثر تقليدية أقلَّ دراماتيكية إلى حدٍّ بعيد مقارنةً بما قدمه المنهج الجديد بهجومه على الاغتراب والتشيؤ. لكنها كانت تنطوي على جانب تُحسَد عليه يتجلَّى في وضوح هدفها وتركيزها على السياسة؛ إلا أننا في حِلٍّ من الحنين إلى ذلك الماضي؛ إذ إن الأهداف الفلسفية والسياسية لتلك الرؤية لم تكن معتدلة إلا بالمقارنة بالأطروحات الغريبة والمبالَغات اليوتوبية التي ظهرت في أعقابها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠