مقدمة

المرأة والعمل الخيري، العمل الخيري النسائي: كم تَغيَّر معنى هذه الكلمات! عندما بدأت واحدة منا — مارثا تايلور — في تناول هذا الموضوع عام ١٩٨٨، غالبًا ما كان الناس يشعرون بالحيرة، حتى إن بعضهم قال إن عبارة «المرأة والعمل الخيري» تحوي تناقضًا لفظيًّا. واعتقد كثيرون غيرهم أن العمل الخيري كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا لا ينفصم بالرجال؛ حيث إن الرجال هم من يمتلكون الأموال. أما المرأة، فإذا أقدمت على تقديم العطاء من الأساس، فهي تُقدِّمه للقضايا التي يدعمها زوجها أو أسرتها، هذا ما يقولونه. إلا أن مارثا كانت تعلم، من خلال منظورها الأكاديمي والعملي، أن ثَمَّةَ شيئًا خاطئًا في هذه الصورة عن العمل الخيري. هل كانت المرأة محجِمةً عن تقديم العطاء؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو السبب؟

بدأت مارثا في طرح الأسئلة: لماذا لا تتبرع النساء لجامعاتهن بمبالغَ ماليةٍ تتناسب مع أعدادهن بوصفهن طالباتٍ وخريجات؟ لماذا كان عدد الرجال في المناصب القيادية أكثر كثيرًا من النساء؟ لماذا تُسمَّى أعداد قليلة جدًّا من المباني، والبرامج، والمِنَح الدراسية بأسماء سيدات؟ لماذا لا تحصل كليات الفنون الحرة، والتعليم، والبيئة البشرية، والخدمات الاجتماعية، والتمريض، على نفس التمويل الذي تحصل عليه كليات إدارة الأعمال، والهندسة، ورياضات ألعاب القوى؟ طلبت مارثا من سوندرا شو-هاردي، شريكتها في تأليف الكتاب وزميلتها في جمع التبرعات في ماديسون بولاية ويسكونسن، مساعدتَها على جمع المزيد من المعلومات؛ ومعًا شرعتا في البحث عن إجابات.

أجرينا مقابلاتٍ مع مئات السيدات الناشطات في مجال العمل الخيري ومسئولات التنمية في جميع أنحاء البلاد، وعقدنا العديد من مجموعات النقاش، وتحدثنا أمام العشرات من منظمات المجتمع المحلي والمنظمات الوطنية. وكانت النتيجة — بِناءً على طلبٍ من والدة مارثا، إستير هوجن تايلور — هي أولَ كتابٍ لنا بعنوان «إعادة اكتشاف جمع التبرعات: تحقيق إمكانات المرأة في العمل الخيري» الذي نُشر في عام ١٩٩٥ من خلال دار نشر جوسي-باس.

(١) العمل الخيري الجديد الجريء

شهد العمل الخيري تغيُّرًا كبيرًا على مدى العَقدين الماضيين. حتى بضع سنواتٍ مضت، كان من النادر أن نجد مَن يتحدَّث عن الشغف والقيم والرؤية والمسئولية، أما الآن فقد صارت هذه المصطلحات شائعة الاستخدام وأصبحت مرتبطة بالعمل الخيري النسائي. في الواقع، أصبح العمل الخيري النسائي قائد الركب و«أعاد اكتشاف» عملية جمع التبرعات.

رغم ذلك، لا يزال البعض لا يفهم أنه لا يوجد تناقض لفظي في عبارة «العمل الخيري النسائي». وفي كثيرٍ من الأحيان، لا تؤخذ المرأة على محمل الجدِّ بوصفها من مُقدِّمي العطاء، وحتى إن حدث ذلك، فإن الطُّرق التي يُطلب بها من النساء العطاء لا تضع في الاعتبار الكيفية التي تُفضِّل المرأة العطاءَ بها والقضايا التي تهمُّها.

لقد شعرنا أن هناك ما يدعونا لمعالجة هذه القضايا المستمرة ونشر مفهوم أن المرأة قد تُمثِّل إحدى أكبر حلقات العطاء. ونحن نرى أن ثَمَّةَ حاجةً لتحديث مفاهيم جمع التبرعات حتى تروق للمرأة؛ ما سيُفضي إلى ظهور المزيد من القيادات النسائية الخيرية.

أضف إلى ذلك أن العديد من أنظمة الكمبيوتر في المنظمات غير الربحية تم تصميمها لتتمكَّن من نَسب الفضل إلى شخصيةٍ مانحةٍ واحدةٍ حسب العنوان المسجَّل؛ وهو ما يكون في الأعم الأغلب اسمَ الرجل، أو في أحسن الأحوال «السيد والسيدة فلان». وأخيرًا وليس آخرًا، لم تصبح لفظة العمل الخيري النسائي بعدُ تحمل معنى «خَلْق عالم أفضل».

وفي بحثنا هذا، أثَرْنا عددًا من الموضوعات التي يرغب الناس في استكشافها، وهي:
  • ما الذي يقود حركة العمل الخيري النسائي؟

  • كيف غيَّرت المرأة وجه العمل الخيري؟

  • هل أسفر العمل الخيري النسائي عن تغيُّراتٍ اجتماعية؟ كيف؟

  • كيف يمكن الحفاظ على ولاء المرأة المانحة بعد تقديم العطاء؟

  • ما هي الاختلافات العرقية والثقافية التي تؤثِّر على عطاء المرأة؟ وكيف تُقدِّم الأجيال الشابة العطاء؟

  • كيف يمكن للمؤسسات غير الربحية جذب المزيد من المانحات؟ وما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى مستقبلها؟

  • هل تتقبَّل المرأة قوة وضعها الجديد بوصفها من قادة الأعمال الخيرية؟

  • كيف ينبغي تشجيع المرأة كي تصبح من قادة الأعمال الخيرية، وكي تشجع بدورها الآخرين على أن يصبحوا قادة كذلك؟

  • كيف سيصبح العالم إذا كان العمل الخيري النسائي وسيلةَ عطاءٍ مقبولةً للجميع؟

مرةً أخرى شرعنا في البحث عن الأجوبة، فسألنا بعض الزملاء العاملين في الميدان الذين كان كثيرٌ منهم يعمل مع المانحات، وطوَّرنا مناهج وبرامج مختلفةً وحرصنا على نشر نتائجها.

أقبلت السيدات المانحات أنفسُهن على التعاون معنا، فتحدثن معنا عن السعادة التي شعرن بها نتيجة العطاء، والمسئولية التي أحسسن بها فيما يتعلق ببذل العطاء لمجتمعاتهن، وأُمَمِهن، والعالَم بأسره. وقد حكين لنا قصصًا تختلف تمام الاختلاف عن تلك التي سمعناها في تسعينيات القرن العشرين.

هذه المرة، كانت النساء حريصاتٍ على المُضِي قُدُمًا في العمل الخيري، بالإضافة إلى تثقيف الأخريات، وتقديم الإلهام لهن، وتشجيعهن. لقد كن سعيداتٍ بالاعتراف بعطائهن، وأنهن أصبحن قدوةً لغيرهن. لقد أصبحن يتمتعن بالجرأة اللازمة للانطلاق في مجال العمل الخيري، ليس من خلال تقديم الهبات الضخمة فحسب، ولكن كذلك من خلال ما يبذُلْنه من جهودٍ جريئةٍ وشجاعةٍ لجعْل العالَم مكانًا أفضل.

سوف يصبح الكثير مما نورده في هذا الكتاب هو الأساسَ لجميع جهود جمع التبرعات في المستقبل. لقد أعاد العمل الخيري النسائي اكتشاف عملية جمع التبرعات، وسوف يستمر في هذه المهمة.

(٢) جولة في هذا الكتاب

ثَمَّةَ موضوعات عدة تمسُّ قضية العمل الخيري النسائي، منها: القيم، والعاطفة، والتعاطف، والمُثُل العليا، والتنشئة الاجتماعية، والجيل، والنوع الاجتماعي، والخبرة. ومن المهم إدراك ذلك لفهم أفضل سُبُل إشراك المرأة بوصفها من الجهات المانحة. نوصي بقراءة هذا الكتاب بالكامل، من بدايته. تتناول فصول الكتاب أربعة موضوعاتٍ عامة، وهي: الفروق بين الجنسين وإمكاناتهما، وكيفية تقديم المرأة العطاء ودوافعها، والوصول إلى المانحات، وأثر العمل الخيري النسائي.

يتضمَّن كل فصلٍ أمثلةً لبعض السيدات الناشطات في مجال العمل الخيري ودوافعهن للعطاء، وسُبُل تطبيق المعرفة المكتسبة من كل فصل، ويُختتم ﺑ «المعلومات السريعة» التي تُلخِّص مادة الفصل.

نتناول موضوع الاعتراف بأوجه الاختلاف في الفصلين الأول والثاني: فلماذا يبدو العمل الخيري النسائي مختلفًا، وما هي أهميته لمستقبل المؤسسات غير الربحية.

يصف الفصل الأول الفروق بين سلوكيات النساء والرجال، من حيث العطاء والتواصل، ويناقش أسباب هذه الاختلافات، وكذا استراتيجيات معالجة هذه الصفات الخاصة والاعتراف بها، وتحديد مدى أهميتها وفائدتها للمنظمات غير الربحية.

ويوثق الفصل الثاني إمكانات المرأة في مجال العطاء، كما يستعرض توسُّع المرأة في موقع العمل، ومكاسبها الاقتصادية، وزيادة خياراتها الوظيفية، وإنجازاتها التعليمية. ويشرح هذا الفصل كيف سيطرت المرأة على مواردها المالية، ومن ثَمَّ على حياتها. يرسم الفصل ملامح العمل الخيري الجديد للمرأة، وكيفية تقديمها العطاء، وتوجُّهها في العطاء. ويُختتم الفصل الثاني بشرح كيف استثمرت جامعة واحدة في المرأة وغيَّرت ثقافة العطاء في المؤسسة.

تتناول الفصول الثالث والرابع والخامس سُبُل العمل الخيري وأسبابه عند المرأة: كيف تُقدِّم المرأة العطاء؟ ماذا تريد المرأة؟ ما هي صفات المرأة بوصفها من الجهات المانحة؟

يبحث الفصل الثالث في دور حركة العمل الخيري العصري للمرأة ودور وسائل الإعلام في تأسيس هذا الدور وتشكيله. تُوضَّح الصورة النمطية لعطاء المرأة بالتفصيل مع شرح أفكارٍ للتغلب على أي عقباتٍ قد لا تزال موجودة.

ويصف الفصل الرابع دوافع المرأة مقدمة العطاء باستخدام «المعايير الستة»، وهي: التأسيس، والتغيير، والالتزام، والتواصل، والتعاون، والاحتفال. فضلًا عن المعايير الثلاثة الإضافية التي نتجت عن الأعمال الخيرية النسائية، وهي: السيطرة، والثقة، والشجاعة. ويُقدِّم هذا الفصل اقتراحًا عن كيفية دمج المعايير الستة والمعايير الثلاثة الإضافية في جهود التنمية.

ويطرح الفصل الخامس القضايا التي تؤثر على عطاء المرأة، بما في ذلك مراحل وأنماط الحياة، مع التركيز بشكلٍ خاصٍّ على الجيل. ومن خلال القصص ودراسات الحالة من كل جيل، يتعرَّف القارئ على كيفية التعامُل مع المرأة «في أي سنٍّ بعينها».

تتناول الفصول السادس والسابع والثامن والتاسع موضوع التواصل مع المرأة؛ إذ تطرح استراتيجيات إشراك المزيد من النساء في قيادة الأعمال الخيرية، وبناء علاقاتٍ تستمر مدى الحياة، والحفاظ على ولائهن.

يحتوي الفصل السادس على معلوماتٍ هامةٍ حول كيفية تقييم مدى استعداد المنظمة لزيادة كفاءة إشراك النساء المانحات: استراتيجيات التنمية، والأساليب الناجحة للوصول إلى المرأة من خلال الصندوق السنوي، والهبات الضخمة، والعطاء المخطط له، وغيرها من برامج جمع التبرعات، والبحث عن المانحات.

يسرد الفصل السابع الصفات التي تُضفيها المرأة على العمل الخيري، وكيف يمكن لهذه الصفات أن تعود بالنفع على المنظمات غير الربحية. كما يشمل الفصل أهمية وفوائد دمج المرأة في المناصب القيادية في المنظمات غير الربحية، فضلًا عن اقتراحات تطوير القيادات النسائية والناشطات في مجال العمل الخيري.

يتناول الفصل الثامن بالكامل عملية تطوير البرامج الخيرية النسائية؛ حيث ينصبُّ التركيز فيه على المبادرات الخيرية النسائية في مجال التعليم العالي وحلقات العطاء. ويَرِدُ فيه شرح لكيفية تطبيق فلسفة وخصائص هذه البرامج على جميع المنظمات غير الربحية الأخرى كذلك.

أما الفصل التاسع، فيدرس المراحل الخمس لرحلة العمل الخيري النسائي، ونظرة المرأة للمنظمات غير الربحية في كل مرحلة، مع التركيز على تعليم الجهات المانحة. يتم توفير منهجٍ كاملٍ باستخدام «أفضل الممارسات» وشرح كيفية تقديم هذا البرنامج المالي والخيري الجديد للمرأة على أفضل نحو.

يتناول الفصلان العاشر والحادي عشر مستقبل العمل الخيري؛ من حيث تأثير الحركة النسائية الخيرية ومستقبلها.

يعرض الفصل العاشر كيف تمكنت نساء يتسمن بالجرأة من التحرُّك بالعمل الخيري إلى مستوياتٍ جديدة، مع الاهتمام بصناديق التمويل النسائية وزيادة تنوُّع العمل الخيري النسائي. ويحتوي هذا الفصل على وصفٍ متكررٍ لعطاء المرأة وكيفية تقديمه: المرأة، والأسباب، والنتائج.

ويتناول الفصل الحادي عشر ضرورة إضفاء الطابع المؤسسي على العمل الخيري النسائي ويحاول أن يتنبَّأ بما سيكون عليه العالم إذا استخدمَت السيدات، في عملهن معًا وفي عملهن مع المنظمات غير الربحية، سماتِهن الخاصةَ وسلطاتِهن وعملَهن الخيريَّ لمعالجة القضايا الراهنة.

(٣) من سيرغب في قراءة هذا الكتاب؟

يخاطب هذا الكتاب جميع من يرغبون في معرفة المزيد عن الأعمال الخيرية، وسوف يَلقى استحسانًا من جميع القراء من مختلِف الأجناس والأعراق والمجتمعات. ويُمثِّل الكتاب أهميةً خاصةً لمسئولي التنمية، والناشطين في العمل الخيري، وجامعي التبرعات من المتطوعين، وموظفي وأعضاء مجالس إدارات المنظمات غير الربحية، والمديرين التنفيذيين للشركات والمؤسسات، ومستشاري جمع التبرعات، والمنظمات النسائية، والمستشارين الماليين، وشركات برامج الكمبيوتر، ومتخصصي التسويق، والساسة، والمسئولين الحكوميين، والمعلمين، والمعنيين بوضع المرأة ودورها ومسئوليتها في المجتمع الأميركي.

(٤) شريك جديد

ركزتْ أبحاث كثيرة على مدار الأعوام العشرين الماضية على الاختلافات في أنماط العطاء عبر الأجيال المختلفة. إن الأجيال التي كانت مجرد نقاطٍ في الأفق في عام ١٩٩٥ أصبحت الآن في موقع الصدارة، ولا سيما جيل الطفرة إكس (المواليد بين عامَي ١٩٦٥ و١٩٧٦) وجيل الطفرة واي (المواليد بين عامَي ١٩٧٧ و١٩٨٥). وبُغْيَةَ استكشافهم وتمثيلهم على أكمل وجه في هذا الكتاب، جئنا ببافي بودوان-شوارتز. وبصرف النظر عن مؤهلاتها في مجال العمل الخيري، بافي زوجةٌ وأمٌّ لأربعة أطفال تتراوح أعمارهم بين الطفولة والمراهقة؛ مما يجعلها على علمٍ بكثيرٍ من القضايا الهامة التي تواجه المرأة والأسرة اليوم. ونحن فخورات للغاية بمشاركتها في هذا العمل.

لطالما كانت رؤيتنا هي مساعدة النساء على العمل بوصفهن شريكاتٍ مع غيرهن من النساء ومسئولات التنمية لإحداث التغيير والمساعدة في رسم ملامح العالم الذي سيورِّثْنَه لمن بعدهن. لقد كرَّسنا حياتنا للمرأة والعمل الخيري، وكانت النتائج مُرضية للغاية. ونحن نعلم أن العمل الخيري النسائي يمكن أن يؤديَ إلى تغيير العالم بما في صالح أبنائنا وأحفادنا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠