الفصل الأول

المحال

(١) المُحال

  • (أ)

    بدايات المُحال.

  • (ب)

    مَنشَؤه وتحديدُ طبيعته.

  • (جـ)

    نماذج المُحال.

  • (د)

    هل سِيزيف سعيد؟

(أ) بدايات المُحال

لم يستمدَّ كامي فكرته عن المُحال من مرجعٍ ولا كتاب. لقد بدأ الإحساسُ «بمُحالية» الوجود الإنساني يتسلَّل إلى قلبه وهو بعدُ طفلٌ صغير. كانت مجموعة من «الصور» الأساسية الواضحة — كما يسمِّيها بنفسه — نبعَت من عالَم طفولته، وعلَّمَته كيف يتجرَّد من الوهم، والتعوُّد، ويواجه لغز الحياة والموت بكل ما فيه من غرابةٍ وقسوةٍ وإعتام. إنه البؤس، والشيخوخة، والصمت، والليلُ الوحيد الطويل يقضيه إلى جانب فراشٍ أم محبوبة ولكن ما أبعدها عنه، ورحلاتُ شابٍّ وحيد بلا مالٍ ولا هدف، وأناسٌ يتحركون كالظلال ويتكلمون ويتعذَّبون، ويكشفون — وإن لم يشعروا هم أنفسُهم بذلك — في حركاتهم وأصواتهم وعذابهم عن العدَم في أنقى صورة.

في لحظات العُري هذه، عندما تختفي كل فكرة نحتمي بها، ويتبدَّد كل سندٍ عقليٍّ نتذرَّع به، ينساب جمالُ الأرض سرًّا إلى النفس كانسياب الموجة، ويردُّ الوجود الإنساني «المُحال» — ولم يكن كامي قد عرف الكلمة بعدُ — إلى العدَم.

هنا١ نستطيع أن نتلمَّس بدايات المُحال. إنه قريبٌ من العدَم، الذي راح يدقُّ على الباب دقاتٍ رقيقةً متباعدة، ولكنه ليس ذلك العدم الرهيب الذي يدعونا إلى الموت. ليس ذلك البحر الغامض المعتم الذي تُحدِّثنا نفوسنا في بعض الأحيان أن نهوي في لجَّته، مدفوعين برغبة النفي التي لا تُقهر، والذي سيضعنا فيما بعدُ أمام مشكلة الانتحار، أهم وأخطر المشكلات الفلسفية جميعًا وأكثرها جديَّة. إن «المُحال» الذي نشعر به الآن أقربُ ما يكون إلى الحالة النفسية التي يُحسُّ فيها الموجود كأنه في «فراغ».
الأم المريضة الصامتة قد عرفَت هذا «العدم» الخالي من كل عزاء: «كان يحدُث أن يسألها سائل: «فيم تفكِّرين»؟ فتجيبه قائلة: «في لا شيءٍ». وقد كان هذا صحيحًا، كان كل شيء هنا؛ أعني لا شيء.»٢
عبثًا نفتِّش عن طبيعة هذا العدم الوجودية أو المنطقية. إنه لا يعدو أن يكون إحساسًا مُعتِمًا عاريًّا من كل عزاء، ينتابنا في بعض الأحيان، وقد نُسمِّيه في السطور القادمة باسم «المُحال». وليس «المُحال» الذي نقصده هنا سوى اسمٍ آخر نُطلِقه على الشعور بالغُربة، بالهُوَّة المظلِمة التي تفصل الصبي عن أمه التي لا سبيل إلى القُرب منها.٣ إنه هذه اللحظة التي خرجَت عن حدود الزمان،٤ وتجمَّع فيها كل شيءٍ ولا شيء، نعم ولا. إنه، بكلمةٍ واحدة، الصمت الذي يتضح فيه كل شيء.٥
في هذا النسيج المُعتِم من مشاعر الصبي الحسَّاس سنجد ما سوف نؤكده فيما بعدُ، سنجد جانبَي النور والظل، حب الحياة واليأس من الحياة، الإيجاب والسلب، النعم واللا مجتمعَين في وحدة لا تنفصم. وهنا سنتعرف أيضًا على ما سوف نُسمِّيه ﺑ «أخلاق المحال»، التي ستجعل شعارها «عِشْ كما لو …» والتي سنجدها في «أسطورة سيزيف» في بناءٍ مُحكَم من التصوُّرات؛ فها هو كامي يقول في كتابه الأول: «لا أريد أن أختار بين جانب النور وجانب الظل في هذا العالم.» و«إن الشجاعة الحقَّة في ألا نُغمِض عيوننا أمام النور ولا أمام الموت «…» عندما أُنصِت للتهكُّم (ضمان الحرية الذي يتحدث عنه باريه) الذي يكمن في قرارة الأشياء، أجدها تتكشَّف لي شيئًا فشيئًا. إنها تطرف بعينَيها الناصعتَين الصغيرتَين وتقول: عيشوا كما لو …»٦٧

(ب) مَنشَؤه وتحديدُ طبيعته

إذا كنا نتحدث عن تحديد طبيعة الشعور بالمُحال فلا ينبغي أن يُفهم من ذلك أننا نريد أن نفسِّره تفسيرًا عقليًّا، أو نضعه في نسقٍ مرتَّبٍ من تصوُّرات الفهم والإدراك. إن محاولتنا لن تتعدى تتبُّع النتائج التي تنجُم عن هذا الشعور. وسيكون المعيار الذي نحتكم إليه هو الصدق الذي يقتضي من الإنسان أن يسلُك بما يتفق مع هذا الشعور.٨ فأنا أستطيع من الناحية العملية، أن أُحدِّد جميع الأحاسيس اللامعقولة التي لا تقبل التحليل، ومن بينها الإحساس بالمُحال، وأن أتعرَّف على قيمتها العملية، وذلك بأن أضُمَّ مجموعة الظواهر المترتبة عليها في نظامٍ عقليٍّ واحد، وأُحاول فهم الصور التي تتجلَّى فيها وأقوِّمها وأترسَّم عالمها.٩ ولمَّا كانت المعرفة على اختلاف صورها مستحيلة عند كامي،١٠ فسوف نلجأ إلى منهج التحليل، نُحصي بواسطته الصور التي يظهر بها الشعور بالمُحال ونصِف عالَمها ونتعرَّف على جوِّه.

فالشعور بالمُحال شعورٌ مفاجئ، غير مُنتظَر، مجرَّد عن كل عزاء. قد يُباغتنا عند منعطَف شارع، وقد يستولي علينا ونحن نُباشر أكثر أعمالنا اليومية سخفًا. إنه تجربةٌ شخصيةٌ وحيدة، لا سبيل إلى توصيلها للآخرين.

هذا الشعور بالمُحال قد يرجع إلى أسبابٍ كثيرةٍ، أول ما يؤكِّده كامي منها هو طابع الآلية الذي تتسم به حياتنا التي نعيشها كل يوم: «يقظة، ترام، أربع ساعات في المكتب أو المصنع، طعام، ترام، أربع ساعات من العمل، طعام، نوم، اثنين، ثلاثاء، أربعاء، خميس، جمعة، سبت، دائمًا وأبدًا نفس الإيقاع. لقد طالما كان هذا طريقًا مريحًا.»١١
هذا الإيقاع الآليُّ الرتيب الذي تسير عليه حياتنا اليومية يُقابِله إيقاعٌ آليٌّ آخر ينتظم أفعالنا وسلوكنا؛ فليس اللامعنى من حولنا فحسب، ولكنه كامن كذلك في نفوسنا؛ فالإحساس بالضيق وعدم الارتياح الذي تُثيره فينا لاإنسانية الإنسان قد تُسبِّبه ملاحظةٌ عادية نراها كل يوم ولكننا لا نلتفتُ إليها إلا على حين فجأة: «إنسان يتحدث في التليفون ووراء حائطٍ زجاجي.» نحن لا نسمعه ولكن نرى حركاته وإيماءاته الخالية من كل معنًى، ونسأل أنفسنا «لماذا يعيش؟» وهكذا نحيا حياتنا المتعبة ولا نلتفتُ إلى متاعبها، ونعيش أيامنا الرتيبة ولا نُدهش لما فيها من رتابةٍ، حتى يأتي يومٌ يستيقظ فيه الإحساس بالمُحال فجأة وعلى غير انتظارٍ، ليوقظ فينا الإحساس بالقرف والملال. بهذا «القرف»١٢ تنتهي الحياة الآلية وتبدأ حياة الوعي والوجدان. إنه يوقظ في نفس الوقت حركة الوعي بالسؤال الخالد «لماذا؟»١٣ وقد يتبع ذلك اليقظة النهائية التي لا نوم بعدها، قبل أن تأتي فكرة الموت التي لا يستطيع الإنسان أن يتعوَّد عليها.
لنقف هنا قليلًا لنؤكِّد أن في القرف الذي نتحدث عنه شيئًا تمُجُّه النفس، ويبعث فيها الاشمئزاز، دون أن يكون في الوقت نفسه مَثارًا للألم. ولكنه، فيما يقول كامي، شيءٌ حسن، من حيث إنه يوقظ الوعي ويُنبِّه الوجدان؛ فما من شيءٍ تكون له قيمة، إلا عن طريق الوعي والوجدان.١٤
ثم تأتي تجربتُنا بالزمن. لم يعُد الزمن هو الوسط الذي نجري فيه وراء آمالنا، ونُحاول أن نُرضي طموحنا ونسعى إلى تحقيق أهدافنا وإمكانيات وجودنا. ولا هو الزمن «الموضوعي» الذي نقيسه بالساعات والأيام والسنين، ونعرفه بحركات الكواكب والأفلاك، بل هو الزمن «الذاتي» الذي يقوم على التجربة الحية بالزمان، ولا يخضع الوجدان به للحدود والمقاييس. في كل يومٍ من أيام حياتنا المُوقعة المُستتبة يحملنا الزمان. الماضي والحاضر والمستقبل ترتبط ارتباطًا لا عناء فيه ولا هموم.١٥ ونعيش على هدفٍ نبغيه من المستقبل قد نعيه وقد لا نعيه، يحملنا الزمن، إن صحَّ هذا التعبير، على كتفَيه. غير أن اللحظة التي نحمل فيها الزمان على أكتافنا لا تلبث أن تجيء دائمًا.١٦ هنالك يبدو الزمان وكأنه شرُّ أعدائنا. وهنالك أيضًا يتسرَّب إلينا الشعور بالمُحال.
وتأتي بعد ذلك تجربتُنا مع الطبيعة، فإذا كنا نألف الطبيعة، فمرجع ذلك إلى أننا نُشاهِد صُور عاداتنا منعكسةً على سطحها، ولأننا لا نلمسها هي نفسها ولا نُدرِك مكنوناتها وأغوارها، بل نلمس تصوُّراتِنا وشهواتِنا وحاجاتِنا التي نُسقِطها عليها أو نضعُها فيها.١٧ ولو أننا استطعنا أن نلمس الطبيعة نفسها، لنزَعْنا القناع عن شيءٍ يختلف تمام الاختلاف عن الوعي الإنساني؛ عندئذٍ تنهار الكواليس وتسقط الأقنعة؛ عندئذٍ يتبدَّى لنا العالم كثيفًا وغريبًا «درجة أعمق. وإذا الإحساسُ بالغرابة يستولي علينا، وإذا بنا نُدرِك أن العالم كثيف، ونُحس كيف يكون حَجرٌ من الأحجار غريبًا عنَّا، لا سبيل إلى النفاذ إليه، وإلى أي حدٍّ تُنكِرنا الطبيعة أو أحد المشاهد الريفية «هذه الكثافة وهذه الغرابة التي يُطالِعنا بها العالم هي المُحال».»١٨
وبعد كلِّ شيءٍ وقبل كل شيءٍ تأتي تجربة الموت. إننا لا نملك تجربة الموت — فتجربة الموت لا يعرفها إلا من يموت، وهو يأخذها معه إلى قبره — وكل ما نملكه هو اليقين بأننا سنموت، وهو أشبه ما يكون باليقين الرياضي. إننا نموت، وموتُنا لا مفَر منه ولا تفسير له؛ فليس لشيءٍ إذن من معنًى، ومغامرة حياتنا باطلةٌ ولا جدوى من وروائها: «وأخيرًا أصل إلى الحديث عن الموت وعن شعورنا نحوه. ما من أخلاقٍ ولا من مسعًى يمكن تبريره سلفًا أمام الرياضة الدموية التي تتحكَّم فينا وتفرض سلطانها علينا.» ١٩
ثم يُبيِّن كامي كل ما هو لا معقول في هذا العالم، أعني كل ما يفلتُ من قبضة العقل الإنساني وما لا تسري عليه مبادئه. إنها حُججٌ فلسفية قديمة تلك التي يلجأ إليها ليكشف عن بطلان العقل وزيف المعرفة؛ استحالة التمييز بين الصدق والكذب والحق والباطل: «أريد أن يتضح لي كل شيءٍ أو لا شيء.» «لو استطعتُ أن أقول مرةً واحدة: «هذا واضح» لأمكن إنقاذُ كل شيءٍ،٢٠ واستحالة الفهم؛ أعني استحالة الوصول إلى معنى الحياة وإلى مبدأٍ واحدٍ أفسِّر من خلاله جميع ظواهرها: «لستُ أدري إن كان لهذا العالم معنًى يعلو عليَّ. كل ما أدريه أنني لا أعرف هذا المعنى، وأن من المستحيل عليَّ — في هذه اللحظة الراهنة — أن أعرفَه. إن المُحال هو في هذه اللحظة الرباطُ الوحيد الذي يصلُني بهذا العالم».»٢١ وإخفاق المعرفة العملية والمعرفة الذاتية جميعًا في الكشف عن هذا المبدأ الواحد الذي أبحثُ عنه وهدايتي إلى معنى الحياة الذي أفتِّش عنه فلا أجده. وبالجملة فإن العالم يُقاوِم شوقَنا إلى «العقلية»، وعقلنا بدَوره مغرور ومحدود، لا يملكُ أن يحيل كثافة العالم إلى شفافية، ولا يقدر أن ينفُذ إلى سرِّه، ومعناه. الموت، والقرف من الإيقاع الرتيب الذي تسير عليه حياتنا اليومية الآلية، والغرابة التي نُحسُّ بها تجاه أنفسنا وتجاه عالمٍ لا يُبالي بنا، والتعدُّد الذي نقابله في الحقائق والموجودات فلا نستطيع أن نردَّها إلى مبدأ موحدٍ بسيط، واستحالة التعرُّف على الواقع، بل استحالة المعرفة على وجه الإطلاق؛ تلك هي أهم لحظاتِ تجربة المُحال. إن تجربة المُحال هذه تلخِّص مضمون تجربة كامي بأكملها؛ فهنالك من ناحية موضوع التجربة، ونعني به العالم الآلي الغريب اللامعقول، وهنالك من ناحيةٍ أخرى الوعي الذي يُحسُّ بهذا التجربة. والذي يملك بفعل الوعي نفسه أن يتجرد من موضوع التجربة.

وإذا كان المُحال بوجهٍ عامٍّ هو كل ما أشرنا إليه من عناصر التجربة، فهو بوجهٍ أعم كل ما يخلو من المعنى؛ فالعالم محالٌ، وأنا نفسي أيضًا. أما بالمعنى الضيق فلا العالم هو المُحال ولا أنا نفسي، بل المُحال في العلاقة القائمة بين العالم والإنسان، والتي تربطني بالعالم وتربط العالم بي. هذه العلاقة في جوهرها «مُواجهة» وتقابُل بين الوعي وبين جُدران المُحال التي تحيط به من كل جانب.

إن المُحال (باعتباره معطًى أوليًّا مباشرًا وفي الوقت نفسه الوعي الباهر الذي يُحسُّ به) يكشف قبل كل شيءٍ عن الشقاق المُحتدِم بين شَوق الإنسان إلى الوحدة وبين ثنائية العقل والطبيعة التي لا تُردُّ ولا تُقهر، كما يكشف عن الصراع القائم بين حنين الإنسان إلى الأبديِّ والمطلَق وبين طبيعته الفانية المتناهية. إن المُحال ماثلٌ في هذه «الصدمة»٢٢ التي يُحسُّها الوعي حين يتكشَّف له بطلانُ مسعاه إلى الوحدة وزيفُ اشتياقه للفهم والعقلانية. المُحال إذن في هذا التمزُّق والصراع، في هذا الشقاق القائم بين الإنسان الذي يُحاوِل أن يفهم، والعالم الذي يصمتُ فلا يُجيب، فلا هو في هذا العنصر ولا في العنصر الآخر وحده، بل في الصراع الذي ينشأ عند مواجهة أحدهما بالآخر. إن المُحال علاقةٌ ديالكتيكية، تقوم على التقابُل بين الوعي وبين اللامعقول، ونستطيع أن نسمِّيها باسم الشقاق أو الطلاق.٢٣

(ﺟ) نماذج المُحال

كيف يتأتى لسيزيف أن ينتزع قيمًا جديدةً من عالمٍ سُلب من كل قيمةٍ ومعنًى، بل يُصرُّ هو نفسه على أن ينكر عليه كل قيمة ومعنًى؟

لا بد للإجابة على هذا السؤال من الإشارة إلى أمرَين يلعبان دورًا هامًّا في تفكير كامي.

أما أولهما فهو اعتقاده في زمانية الموجود، باعتبار أنه موجود في الحاضر وحده، في اللحظة العابرة الفانية. وأما ثانيهما فهو تنوُّع التجارب المباشرة، التي لا يملك من شيء سواها. كِلا الأمرين يكمِّل بعضه بعضًا، وكلا التصوُّرَين لا ينفصل أحدهما عن الآخر؛ فالحاضر وحده هو موضوع التجربة المباشرة، والتجربة المباشرة تتم في الحاضر وحده دون غيره. إن الماضي لا وجود له، والمستقبل يفلتُ دائمًا من يد الإنسان. وقد نسأل أنفسنا: وأين الأبد الذي يترقَّبه المؤمنون، وتتعلَّق به قلوب الفانين؟ إن كان للأبد من وجود عند كامي فهو في الحاضر وحده، وتلك هي المفارقة: «لما كنتُ محرومًا من الأبد، فإنني أريد أن أتَّحد مع الزمن.»٢٤ «ماذا تعنيني الأبدية؟»٢٥ «لا وجود للأبدية إلا في تدفُّق الأيام.»٢٦
هذه الزمانية هي التي تُقرِّب لنا هذه المجموعات من الشخصيات التي تعيش في المحال، والتي يُطلِق عليها كامي اسم «نماذج المحال»؛ «فهناك الممثِّل الهزلي»٢٧ الذي يلبس مع كل قناعٍ شخصيةً جديدة، ويغيِّر مع كل دورٍ يؤدِّيه جلدَه ورُوحه، ويحيا في اللحظة الفانية التي يعرف أنها لن تدوم، ويستخلص من ذلك النتيجة الوحيدة الممكنة. إنه يختار المجد الزائل الذي يُولَد مع فجر كل يومٍ جديدٍ ويموت بموته. وهناك دون جوان فارس العشق الأبدي الذي تدفعه الرغبة التي لا تشبع من مغامرةٍ إلى مغامرة، وتسُوقه الشهوة التي لا تنطفئ — لأنها مع كل إشباعٍ تزداد جوعًا، ومع كل ريٍّ تزداد عطشًا — من امرأة إلى امرأة. وهناك الفنَّان الذي يُعبر عن الأبدية الفانية في مملكة من هذا العالم، من صوره وألوانه وظلاله وأنغامه، ويخلُق أعمالًا يعلم أنها «بغير صباح». وهناك الغازي، الذي يعلم أن الفعل في حدِّ ذاته عقيم، والذي أخذ على عاتقه أن يختار جهدًا يعرف أنه جهدٌ عقيمٌ ولا طائل من ورائه، ومع ذلك يُقدِم على الفعل «كما لو» كانت له قيمة. وهنالك سيزيف، أول نماذج المُحال وآخرهم، أشدُّهم أمانةً وأعظمهم يأسًا ورضاءً في آنٍ واحد؛ إنه لا يَمَل من دفع الصخرة إلى قمة الجبل، وإن كان يعلم أنها ستنحدر من نفسها لتتدحرج من المنحدَر وتسقط في الوادي، كما يعلم أن عليه أن يدفعها من جديد إلى القمة، مرةً بعد مرة، بغير انقطاعٍ وبغير أمل.

إن نماذج المُحال تضرب لنا مثلًا على «أخلاق المُحال»؛ فالممثل الهَزْلي الذي يلبس حيواتٍ مختلفةً وتتجسد فيه إمكانياتٌ شتَّى من الوجود، يعطينا المثل على أسبقية الكمِّ على الكيف.

أما هذا الكيف فهو الإحساس بكل شامل ينتُج عن مجموعة العناصر الكمية، إنه ينبثقُ عن الكم وينبُع منه.٢٨ بل إن الكم هو الذي يصنع الكيف.
إن إنسان المُحال الذي يصدُر في أحكامه وسلوكه عن أخلاق الكَم يرفض في عنادٍ وإصرارٍ أن يسلِّم بأن للعالم معنًى، كما يُنكِر عليه أن تكون له غايةٌ أخيرة؛ إن أهم ما يميِّز إنسان المُحال هو عدم إيمانه بالمعنى العميق للأشياء.٢٩ إن كمية التجارب المباشرة وقيمتها لا تتوقَّف على الظروف والمُلابَسات التي تُرافقها، بل على درجة الوعي والوجدان الذي يكون لنا بها؛ فلا فرق بين موظَّف البريد وبين الغازي، إذا كان كلٌّ منهما لديه نفس الوعي والوجدان؛٣٠ فالقيمة كل القيمة للوعي، وما من شيءٍ تكون له قيمة إلا من خلال الوعي، كما قدَّمنا من قبلُ.
هذه الأخلاق الكمية تتمثل كذلك في صورةٍ أخرى من صور الحياة التي يعيشها إنسان المُحال، ونعني به دون جوان: «إن أخلاق الكَم هي التي تُمِد دون جوان بالفاعلية، على عكس القديس الذي يميل إلى أخلاق الكيف.»٣١ أخلاق الكَم عند دون جوان؛ أعني الحُب الذي لا يشبع ولا ينبغي أن يشبع. إنه مرتبطٌ بالسعادة أوثقَ رباط، وكلاهما يحتل مركز الدائرة من تفكير كامي «الحب وحده هو الذي يملك أن يهبنا نفوسنا.»٣٢ «ما خلا الحبَّ لا يُوجد شيء.»٣٣ «ليس في العالم شيءٌ يستحق من أجله أن ننصرف عمن نُحب.»٣٤

ولكن ما نوع هذا الحب وما طبيعته؟

ليس هو الحب «الأنطولوجي» الذي يمنحنا الأمان والطمأنينة في الوجود. إن مثل هذا الحب لن يزيد على أن يكون حُلمًا، لا واقعًا متحققًا. وحتى لو فُرض على الإطلاق أنه ممكن التحقُّق، لما كان إلا تمزقًا:٣٥ «ما هو الحب؟ إنه ما يمزِّقني.»٣٦ «حب إنسانٍ معناه الرضا بأنه نَهرمَ معه.»٣٧ وهذا الحب الأنطولوجي إلى جانب ذلك مستحيل؛ إذ إن التضحية بالنفس التي يتطلَّبها معناها الانتحار «هذا الحب الأبدي ينطوي على التناقُض دائمًا، مثل هذا الحب يجد نهايته في التناقُض الأخير، في الموت.»٣٨
ولو أن هذا الحب الذي يصلنا بالروح الأبدي ويُمِدُّنا بالاطمئنان في كنفه كانت فيه الكفاية، لتغيَّر إذن كل شيء،٣٩ ولأصبح لكل شيءٍ مكانه في نظامٍ ميتافيزيقيٍّ متناسق، ولأمكن له أن يُدخِل الأبدي في الزمني، والوحدة في التعدُّد، والعلِّية فيما تعبث به ريح المصادفة، ولاستطاع أن يشغل الفراغ الذي تخلُقه الوحدة وأن يكون هو الخِصب والامتلاء، ولكن هذا الحب الأبدي يتخطَّى حدود المحسوس والملموس، ويتجاوز مجال الوصف الظاهري، ويعلو على معطيات التجربة التي تخضع لمشيئة المصادفة، وتغزل ثوبَها من إمكانيات اللحظات الفانية المتتابعة؛ أعني من نسيج الزمانية (هذا الشيء الوحيد الذي يستطيع إنسان المُحال أن يؤكِّد ملكيته له): «إن مملكتي كلها في هذه الساعة من هذا العالم.»٤٠
هذه التجربة قد علَّمَت دون جوان أن الحب ليس إلا عناق اثنَين في لحظةٍ يعرفان أنها فانية. ومع ذلك فلا بد لهذا الحب من أن يحياه وجدانٌ يقظ، ووعيٌ باهرٌ عنيد. مَيْزة هذا الحب الواعي في أنه لا يبعث الملل في نفس إنسان؛٤١ ففي الروتين يصبح الحب عقيمًا.٤٢
حقًّا إن دون جوان بطلٌ من أبطال الإغراء ومغامرٌ مثل كثيرٍ غيره من المغامرين. غير أنه (وهذا ما يميِّزه عن غيره ويجعل منه بطلًا من أبطال المُحال) يعي قدَره تمام الوعي، ومن خلال هذا الوعي «يعلم، ولا يعلِّل نفسه بالأمل.»٤٣ يعلم أنه ما من قيمةٍ عميقة ولا معنًى باطن يكمُن في الأشياء، وأن اللحظة هي الحقيقة الوحيدة التي يملكها.٤٤ من أجل ذلك لا يريد أن يفصل نفسه عن الزمن، ولا أن يُغمض عينَيه لحظةً واحدة عن زمانية الموجود. وهذا هو السبب الذي يجعل الأخلاق التي يتمسَّك بها هي أخلاق الكَم «أي شيءٍ هو الحب الكريم المعطاء؟» إنه ذلك الحب الذي يعلم عن نفسه أنه فانٍ، وأنه في نفس الوقت متفرِّد، هو الحب الذي يكون مزيجًا من الشهوة، والحنان، والذكاء، والذي يستحيل في نهاية الأمر إلى نوعٍ من الوعي، ينبثق من اللحم والجسد،٤٥ ويربطني بكائنٍ ما.٤٦
ولكن إذا كان هذا الحب يربطني بكائنٍ ما، فإنه لا يجعلني وإيَّاه شيئًا واحدًا؛ ومن ثمَّ كان همُّ إنسان المُحال أن يُعدِّد ما لا يستطيعُ أن يوحِّده.٤٧ إن دون جوان يعلم أن العناق زائل، وأن متعة الحب عقيمةٌ لا جدوى منها، وهو لذلك يستطيع أن يهب نفسه بكليته للَّحظة الممتلئة الخصيبة. إنه ملكٌ على مملكةٍ فانية، والزوال (هذه الصيرورة الدائمة التي لا ينقطع تيارها المتدفِّق) عرشُه وسلطانه. إن فارس الحب الذي لا يهدأ لا يفتِّش عن الوحدة ولا يسعى وراء الأمل. إنه يحيا على أرض الممكن، متحررًا من كل قلقٍ أو خوف.

تحدَّثنا حتى الآن عن الحب على المستوى الفردي. فهل يكون الحب في ظلِّ التواصُل والتضامُن مع الآخرين هو نفس الحب، وهل يكون تصوُّره هو نفس التصوُّر؟ ذلك ما سيُجيبنا عليه الفصل الرابع. أما الآن فإننا نريد أن نشغل أنفسنا قليلًا بسيزيف، سيد أبطال المُحال ورمز الحياة التي يَحيَونها.

«إن علينا أن نتصور سيزيف إنسانًا سعيدًا.» هذه هي العبارة الغريبة التي تُواجهنا في نهاية الفصل الأخير من أسطورة سيزيف، فهل سيزيف إنسانٌ سعيدٌ حقًّا؟ وهل يمكننا أن نتصوَّر أن وراء الملامح العابسة، والجبهة الجامدة، والعرق المتصبِّب، والجهد العقيم الذي لا ينقطع ولا يعرف له أولًا من آخر، قلبًا يستطيع أن يعرف السعادة؟ هذا ما سنُحاول الإجابة عليه. وإن تكن الإجابة على مثل هذا السؤال لا تُشفي ولا تُقنع، بل لعلها قد تُثير أسئلةً أخرى أشد حَيرة وعناء.

(د) هل سيزيف سعيد؟

في اللحظة التي يحمل فيها الإنسان المُحال على كتفَيه، ويثبت عينَيه في عينَيه، ويأخذ على نفسه أن يضمن له الحياة، بلا أملٍ يتعزَّى به (وانعدام الأمل لا يدلُّ على اليأس)، وبلا رجاء في الأبدية أو في المتعالي (الترانسندس) من أي نوعٍ كان، في هذه اللحظة يصبح من المُحالية٤٨ بغير شكٍّ ألا يتطلَّع الإنسان إلى السعادة٤٩ «إن السعادة والمُحال أبناء أرضٍ واحدة.»٥٠ وعندما يُحيل الموت حياتنا إلى صخرة سيزيف، يدفع بها مرةً بعد مرةٍ إلى قمة الجبل، لتعود فتنحدر إلى أسفل الوادي، ويعود بدوره فيدفعها من جديدٍ إلى قمة الجبل، فليس لهذا أن يمنعنا أو يمنع سيزيف من أن نكون سعداء: «إن علينا أن نتصوَّر سيزيف إنسانًا سعيدًا.»٥١
ومع ذلك فهذه العبارة الأخيرة تُفاجئنا بغرابتها ومرارتها. هل يملك سيزيف حقًّا أن يكون سعيدًا، وهو الذي يتحدَّى قدَره الظالم وجهًا لوجه؟ لو أنه كان يجهل هذا القدَر — مثل أوديب — لكان في جهله به، وإحساسه بأنه مظلومٌ ما يحمل إلى نفسه بعض العزاء، ولكنه «يعرف» قدَره منذ البداية، كما «يعرف» ألَّا أمل له في الخلاص. إن سيزيف، عنوان الكبرياء الصامتة التي تنفِّذ عقاب الآلهة وتحتقرها في الوقت نفسه — لا يمكن أن يبحث عن السعادة «فالإنسان الذي يقف أمام نفسه وجهًا لوجه، أُراهن على أنه لا يستطيع أن يكون سعيدًا …»٥٢
ومع ذلك فإن كامي يقول لنا إن علينا أن نتصور سيزيف إنسانًا سعيدًا، لسببٍ واحدٍ لا سبب سواه، وهو أنه يعلم و«يعي». إن كامي يقول بنفسه في كتابه الأول «لستُ أريد الآن أن أكون سعيدًا. إن كل ما أُريده هو أن أكون واعيًا.»٥٣ فهل يمكن للوعي بالشقاء أن تتولَّد عنه السعادة؟ وهل يُسعِد الإنسانَ أن يعرف أنه شقي؟ لا يستطيع أحدٌ من وجهةِ نظرٍ نفسيةٍ تجريبية أن يُنكِر أن سيزيف على درجةٍ معيَّنةٍ من التعاسة والشقاء. إن الناس يختلفون باختلاف مفهومهم عن السعادة. ولو أمكننا أن نتفق على أن السعادة تتضمَّن في مفهومها العام نوعًا من الراحة، فلا بد من القول بأن سيزيف هو أشدُّ المتعَبين على وجه الإطلاق. إنه لا يعرف الراحة ولا الاطمئنان. وحتى فكرة التمرُّد على الآلهة الذين حكموا عليه بعذابٍ لا ينتهي لا تخطُر على باله لحظةً واحدة. وإذا سلَّمنا بأنه يتمتَّع بنصيبٍ من السعادة، فلا بد لنا من أن نُسلِّم على سبيل المفارقة بأن استمرار اليأس والعذاب يمكن أن يتولَّد عنه نوعٌ من السعادة، وأن هذه السعادة يمكن أن تنبُع من انقطاع الأمل.٥٤ ولا بد لنا أيضًا أن نُسلِّم بأن الفن، وهو الذي يكفُل استمرار اليأس والعذاب عن طريق التمرُّد، هو نبع السعادة الحي: «هنالك عالَمان فحسب يمكن أن يقوم لهما وجود؛ عالم القديس وعالم التمرُّد.»٥٥ ولكن سيزيف ليس قِديسًا، ومن المؤكَّد أنه ليس متمردًا. إنه يتلفَّت حوله فلا يجد غير «مكان بغير سماء»،٥٦ كما يجد أن كل شيءٍ حسن.٥٧ ولما كان المتمرِّد يجد في تمرُّده بعض السعادة، مهما تكن النتيجة التي ينتهي إليها هذا التمرُّد، فإن سيزيف أبعد ما يكون عن نبع السعادة.
«هناك أيضًا عزَّةٌ ميتافيزيقية، تكمن في احتمال محالية العالم.»٥٨ ومقياس هذه العزَّة أو هذا الشرف الميتافيزيقي هو الإبقاء على المُحال أو الحرص على أن يظل حيًّا، على حد تعبير كامي.٥٩ وسيزيف هو الرمز الحيُّ على هذا العزَّة أو هذا الشرف الميتافيزيقي. إنه، وهو الذي يهبط في كل مرةٍ من الجبل إلى الوادي ليقبضَ على الصخرة ويدفعَها من جديدٍ إلى قمته، نموذجٌ أصيل للمُحال، لعودٍ على بدءٍ لا نهاية له ولا جدوى من ورائه، لجهدٍ دائمٍ عقيم، وتكرارٍ مُجدب رتيب. إنه في اللحظة التي ينحدر فيها من على الجبل ليدفع الصخرة بصدره وذراعَيه يظل على وعيٍ بضرورة اللحظة التي تليها، أعني بالتكرار المتصل العقيم، في هذا الوعي تكمُن قوَّته (فسيزيف أقوى من قَدْره)، كما تكمُن أمانته. وإذا كان لنا أن نتحدَّث عن سعادته، فهي في هذا الوعي العطوف على شقائه.٦٠ وليس سيزيف وحده في هذا الوعي؛ فنحن نستطيع أن نضع الطبيب ريو، بطل رواية الوباء التي سنتحدَّث عنها فيما بعدُ، إلى جانبه، إنه بطل المُحال المنهزم دائمًا، الذي يُحارب عدوًّا لا ينهزم أبدًأ، حربًا يعلم أنه لن ينتصر فيها، كما يعلم أن الأمانة تقتضي منه ألا ينفضَ يدَيه منها. إنه الإنسان الذي «يعي». هو مجرَّد من الأمل، ومجرد كذلك من اليأس والقنوط.

إن في استطاعتنا أن نتصور سيزيف إنسانًا أمينًا وشريفًا.

ولكننا لا نستطيع أن نتصوره إنسانًا سعيدًا.

(٢) أسباب الخروج من المُحال

  • (أ)

    الانتحار بالجسد.

  • (ب)

    الانتحار الفلسفي.

  • (جـ)

    الحرية.

(أ) الانتحار بالجسد

لا تكاد تبدأ السطور الأُولى من كتاب «أسطورة سيزيف» حتى يوجِّه كامي نقدَه العنيف إلى الفلسفة، وذلك باسم الوجود نفسه. إنه يبدأ بسؤالٍ أوَّلي كثيرًا ما نُوجِّهه إلى أنفسنا في لحظاتٍ نادرة من حياتنا: هل تستحق الحياة أن نحياها؟ إن كامي لا يهمه أن يسأل كما سأل الفلاسفة منذ القدم ما نحن ولا من أين جئنا، ولا تعنيه مشكلة الماهية ولا مشكلة المصير، بل مشكلة الوجود والمعنى «يسأل الإنسان نفسه في الحقيقة لِمَ يعيش»؛ أي لماذا لا ينتزع حياته بيدَيه «إن هناك مشكلةً جديَّة وحيدة هي مشكلة الانتحار.»٦١
ونسأل أنفسنا: لماذا كانت هذه المشكلة هي أخطر المشكلات جميعًا وأكثرها جديَّة؟ ويُجيبنا كامي: لخطورة الأفعال التي تُلزم الإنسان بها، والسلوك الذي يترتَّب عليها. إن كل ما عداها من مشكلات، مثل البحث عن صواب الدليل الأنطولوجي على وجود الله أو خطئه، والسؤال عمَّا إذا كانت الأرض تدور حول الشمس أو الشمس حول الأرض، وعمَّا إذا كان عدد المقولات خمسة أو ستة، كل هذه مشكلاتٌ باطلة لا تستحقُّ السؤال عنها، ولا تعنينا الإجابة عليها في قليل ولا كثير: «لستُ أعرف أحدًا مات في سبيل الدليل الأنطولوجي.»٦٢ إنها جميعًا لا تتصل بالسؤال الرئيسي: هل تستحق الحياة أو لا تستحق أن نحياها؟

إن كامي يرفض أن يضع أسئلةً ميتافيزيقيةً خالصة؛ فهي في رأيه أسئلةٌ لا حلَّ لها ولا سبيل للإجابة عليها، كما أنها لا تتعدَّى اللعب بالألفاظ، على الأقل من حيث إنها لا تهدِّد وجود سائلها؛ ومن ثمَّ كان احتقاره لجماعة من الفلاسفة والشعراء الذين يمتدحون الانتحار أو يمجِّدون القتل، ولكنهم أجبن أو أرفع من أن يُحوِّلوا أفكارهم إلى أفعال.

السؤال عن معنى الحياة سؤالٌ مأساويٌّ وجادٌ في الوقت نفسه. ولو أننا وقفنا عند جانب المأساة فيه، لكنا في ذلك مثل شوبنهور الذي كان يمتدح الانتحار وهو يجلس إلى مائدته الحافلة بأشهى ألوان الطعام والشراب، ولو اقتصرنا على جانب الحد منه لكنا في ذلك مثل كيركجارد وشيستوف وكافكا ممن يشغلون أنفسهم بالأمل، والأمل قد حرَّمه على نفسه إنسان المُحال. إذن فلا بد لنا من أن نحتفظ بالجانبَين معًا، ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟

(ب) الانتحار الفلسفي

في استطاعتنا أن نحتفظ بهما معًا، بغير أن نتخلَّى عن الأمل في حقيقةٍ متعاليةٍ أو كائنٍ أخير، وهذا في رأي كامي هو موقف الفلاسفة الوجوديين، ولكن هذا معناه الإقدام على الانتحار٦٣ (وإن كان الانتحار في هذه المرة انتحارًا فلسفيًّا)، فإذا سأله سائلٌ عن السبب أجاب بأن هؤلاء الفلاسفة يقفزون «القفزة» التي تنفي الفكر نفسه. حقًّا إن تفكيرهم تفكيرٌ مُحاليٌّ، لكن الأمل الذي يبحثون فيه عن مَلجَئهم الأخير يُلغي هذه المُحالية أو يرفعها كما يقول المناطقة.
الحق أن كامي لا يتعرض لهؤلاء الفلاسفة والكُتاب إلا لأنهم يُهاجمون العقل، ولا يوافق على أفكارهم إلا بقَدْر ما تفتحه من آفاق الفكر المُحال وما تُعالجه من قضاياه المعذَّبة؛ فهذه العقول كلها، من ياسبرز إلى هيدجر، ومن كيركجارد الي شيستوف، ومن فلاسفة الظاهرية وفي مقدمتهم هُسرل إلى ماكس شيلر وتلاميذهما يؤلِّف بينها شوقٌ مشترك، على الرغم من أنها تُناقِض بعضها البعض في المناهج والأهداف. إنها جميعًا تسعى بكل جهدها لسد «الطريق الملوكي» للعقل، والعثور من جديدٍ على الدرب الأصيل الذي يمكن أن يؤدي إلى الحقيقة. وكيركجارد في مقدمة فلاسفة الوجود الذين يخصُّهم كامي بالحب والتقدير. إنه في رأيه أشدُّهم إثارة وعمقًا؛ فهو لم يكتفِ باكتشاف المُحال بل عاشه وعاناه، ولم يُرِد أن يلطِّف من طعنته الدامية في وجوده، بل إنه على حدِّ قوله يوقظ المُحال من سُباته ويتلذَّذ به قطعةً فقطعةً تلذُّذ من يصلب نفسه باختياره. كان كيركجارد أوَّل من أحسَّ بالفزع أمام مُحالية الوجود وأول من عاشَها وعبَّر عنها. إنه يقول في مذكراته اليومية لعام ١٨٣٩م: إن الوجود كلُّه يُفزِعني بالقلق، ويملؤني، من أضأل ذبابة إلى أسرار التجسُّد. ولكنه يستخدم كلمة المُحال بمعنًى دينيٍّ يختلف كل الاختلاف عن معناها عند كامي، وإن اشترك معه فيما ينطوي عليه من قلقٍ وارتعاش، ويأسٍ وسخط، ورهبةٍ وعذاب؛ فالمُحال عند كيركجارد يدلُّ على تلك العلاقة العجيبة التي تربط بين الأبدي وبين التاريخي، بين الإلهي والزماني: «ما من معرفةٍ يمكنها أن تتخذ من هذا المُحال موضوعًا لها، هذا المُحال، الذي يقول (في قصة يسوع المسيح): إن الأبدي هو في الوقت نفسه التاريخي.»٦٤ فالمُحال عند كيركجارد هو في أن الحقيقة الأبدية الخالدة قد نشأَت في الزمان، أن الله قد وُلِد وشبَّ ونشأ تمامًا كما ينشأ الواحد من بني الإنسان، وأنه لا يمكن التفرقة بينه وبين واحد من البشر.٦٥
والمُحال عند كيركجارد مرتبطٌ أوثق ارتباط بالمفارقة Paradoxon (أو ما وراء الظن وكما يدُل معنى الكلمة اليونانية)، التي تعلو عنده على كل مذهب، كما يقول في مذكراته عن عام ١٨٣٩م، ولكن إذا كانت المفارقة تجعل كامي يصطدم دائمًا بالمُحال لدى كل محاولة يبذلها لفهم العالم وتفسيره، ويحكُم بالفشل على كل مذهبٍ فلسفيٍّ أو دينيٍّ يزعم أنه توصَّل إلى الحقيقة البيِّنة الواضحة، فالمفارقة (وهي دائمًا وجود الأبدي فيما هو زماني) عند كيركجارد هي الجسر الذي يعبُر عليه الفكر الإنساني ليصل إلى الله. إن أعظم مفارقةٍ يقع فيها الفكر هي أنه يريد أن يكتشف شيئًا لا يستطيع هو نفسه أن يفكِّر فيه.٦٦ ويظلُّ العقل يبحث عن هذا المجهول، ويظلُّ يسعى للوصول إليه، تدفعه عاطفةٌ ملتهبة تتسم بالمفارقة والتناقُض، ولكن المجهول لا يكشف عن وجهه، والعقل لا يكفُّ عن سعيه. وهكذا يصبح المُحال أو تصبح المفارقة دافعًا له على القلق والرعشة اللذَين تبثُّهما فيه المفارقة المطلَقة أو المُحال المطلَق، وهو الله. ويصبح المُحال تعبيرًا عن اللقاء بين الإلهي والزمني، بين الأبديِّ والتاريخي، في حياة المخلِّص يسوع المسيح: «ألم يكن شيئًا مفزعًا أن يكون هذا الإنسان، الذي سار بين غيره من الناس، هو الله؟ ألم يكن شيئًا مفزعًا أن يجلسوا معه على مائدة واحدة؟»٦٧
إن المُحال أو المفارقة هي العاطفة الملتهبة التي تغذِّي الفكر. والفكر دائم السعي إلى التفوُّق على نفسه، إلى الوصول إلى حدود المجهول. وهذا المجهول لا يمكن بحسب تسميته أن يكون هو الإنسان ولا أن يكون شيئًا باطنًا فيه أو في العالم المحيط به. إنه لا يمكن إلا أن يكون هو الله، ولكن من المستحيل البرهنة على وجود الله؛ فإن كان الله غير موجودٍ فمن المستحيل إثبات ذلك. أما إن كان موجودًا، فمن الحمق محاولة إثباته،٦٨ لا سبيل إذن إلى البرهنة على الوجود، ولكنني حين أُسقط البرهان، أجد الوجود أمامي؛ فالفكر إذن يصطدم على الدوام بحدود هذا المجهول، دون أن يصل إليه أو يكُف عن محاولة الوصول إليه. هذا الفشل وهذا السقوط الذي يتردَّى فيه العقل هو نفسه ما تُريده المفارقة، وهذا الفهم العاطفيُّ ﻟ «العالي» هو العقيدة والإيمان.

ومع أن كامي يُعلِن إعجابه باكتشاف كيركجارد للمُحال، إلا أنه يرفض النتيجة التي يرتِّبها هو وشيستوف على هذا الاكتشاف، ونعني بها القفزة التي يقوم بها إلى المسيحية، ويأخذ عليه أنه جعل المُحال معبرًا للعالم الآخر، وقدَّم العقل قربانًا على مذبح الدين، وانتزع الأمل من بين مخالب الموت. هذه القفزة التي يقفزها كيركجارد من المُحال إلى «المرحلة» الدينية هي التي يُسمِّيها كامي بالانتحار الفلسفي؛ لأنها تريد أن تعلو على المُحال الذي يريد هو أن يصمُد فيه، وتُنكِر العقل الذي يظل هو وفيًّا له.

وهذا هو نفس الموقف الذي يأخذه كامي على كافكا في مقاله الذي يختتم به أسطورة سيزيف؛ ذلك لأن الطريق الذي يقطعه البطل عند كافكا هو الطريق الذي يسير من الحب الواثق إلى تأليه المُحال. وفي ذلك يقتفي كافكا أثر كيركجارد، ولا يستطيع مثله أن يحيا بغير أمل.

أما الفيلسوف المتصوف الروسي الوجودي ليون شيستوف — وقد أثَّر بكتابه الهام كيركجارد والفلسفة الوجودية٦٩ على تفكير كامي — فهو أيضًا يجعل المُحال مَعبَرًا إلى الله. وإذا كان الله عند شيستوف يحفُّ به التناقُض ويبعُد به الغموض، فذلك هو الدليل على أنه يتجاوز كل المقاييس العقلية المحدودة. وموقف التسليم بالمُحال من جانب شيستوف وكيركجارد يحمل البرهان على التنكُّر لحقيقة المُحال؛ إذ يجعلان منه نقطة يقفزان منها إلى الأبدية، وجسرًا يعبُران عليه إلى العقيدة، والأمل، والعلو (ترانسندنس).
ويستطرد كامي بعد مناقشته لهذين المفكِّرَين الدينيَّين فيشتد في هجومه على فيلسوفَي الوجود الحقيقيَّين، ونعني بهما ياسبرز وهيدجر؛ فتأثُّره بهما ضئيل، وموقفه منهما هو موقف النقد والرفض؛ فهو يحتدُّ في هجومه على ياسبرز، ولا يختصُّ هيدجر إلا بنظرةٍ جانبيةٍ عابرة؛ فهو عنده «أستاذ الفلسفة» الذي «مذهب» الوجود وبناه على مقولاتٍ محدَّدة كالقلق والهم والوجود للموت، والوجود في العالم … إلخ، في لغةٍ شاقةٍ معقدةٍ باردة. ومع ذلك فقد وجد الشعور بالمُحال في أستاذ الفلسفة هذا من يعبِّر عنه لأول مرة تعبيرًا محدَّدًا في بناء تصوريٍّ شامخ. والواضح من حديث كامي أنه توقَّف عند هيدجر في مرحلته الأولى (التي يمثِّلها على الأخص كتاباه، الوجود والزمان، وكانْت ومشكلة الميتافيزيقا) ولم يجد عنده الصبر الكافي لتتبُّعه في مرحلته الأخيرة (التي تمثلها تحليلاته لأشعار من هولدرلين وتفسيره لفلسفة نيتشه واشتغاله بفلسفة اللغة)، التي اقترب فيها من الشاعر والفنان، وراح يدخل شيئًا فشيئًا في عالمٍ صوفيٍّ متدثِّر بالضباب، ويسير على طريقته في الدرب الموصِّل إلى المتعالي أو الوجود Das Sein كما يُحِب أن يُسمِّيه. إن الوجود عند هيدجر هو العُلو. والإنسان كما تقول عبارته المشهورة، هو راعي الوجود الذي يتخفَّى حينًا ويتكشَّف حينًا آخر. وكل محاولات هيدجر ﻟ «تحطيم» تاريخ الميتافيزيقا الغربية التي أرادت على اختلاف مراحلها أن تُفسِّر العالم والإنسان عن طريق ماهية أو مبدأٍ ثابت (قد يكون هو الواحد أو المتعدِّد، وقد يكون هو المثال أو الطاقة، وربما كان هو الأنا المطلَقة أو الروح المطلَق أو إرادة القوة … إلخ). نقول إن محاولات هيدجر هذه تنتهي بقفزة إلى ما يسمِّيه بالوجود.

هناك الليل الكوني الذي ينتظر فيه الإنسان أن يتفتَّح الوجود ويتجلَّى له من جديد؛ أي ينتظر من العالي أن يكشف عن وجهه ويمزِّق أستار الظلام.

والحقيقة أن فلسفة ياسبرز التي تضرب بجذورها في فلسفة نيتشه وكيركجارد، وتقوم على أساسٍ من نظرية المعرفة عند كانْت لا بد أن تُثير الحيرة في نفس كاتبٍ فنَّان مثل كامي.

والمُحال يُقابلنا في مواضعَ كثيرة من كتابات ياسبرز. إنه يحدِّد موقفه اللاعقلي حين يقول مثلًا إن الوجود هو ما يُوجد في علاقةٍ مع نفسه وعن طريق ذلك مع العُلوِّ أو المتعالي. وليس في استطاعة الإنسان أن يتحدَّث عن الوجود في عباراتٍ موضوعيةٍ محدَّدة، بل أقصى ما يستطيعه هو التعبير عنه بإشاراتٍ ذات دلالاتٍ متعددة، لا نتبيَّن حقيقتها إلا في التحقُّق الوجوديِّ المعيَّن. ووجودنا يتميَّز بالموقف الحدِّي أو النهائي Grenzsituation الذي يسمِّيه بالفشل، والذي يُجرِّب الإنسان فيه عجزه الوجودي، ويُفصِح فيه المطلَق عن نفسه في رموز أو شفرات، ويتجلَّى في صورٍ من «الشامل» تصعد على سُلَّم السُّمو شيئًا فشيئًا، والشامل Das Umgreifende، مثله في ذلك مثل المُحال، حاضر في الذات والموضوع على السواء، والموجود Dasein ينطوي على الرغبة الدائمة في تجاوُز ذاته والعُلو عليها.٧٠ والإنسان وحده هو الذي يحيا تجربة الموت ويُحسُّ بقصور كل ما هو موجود، عن طريق إحساسه بتناهيه أو محدوديته الناقصة التي تتبدَّل عليها السعادة والشقاء. وحيثما بقيَت هذه التجربة مفتقرةً إلى التوضيح الفلسفي وظلَّت الصور الأخرى من «الشامل» محتجبة عن الإنسان، بقي وجوده «مجرد وجود» لا أصلًا ومنبعًا، فإذا سألنا عن المنبع أو الأصل الذي ينبثق منه الوجدان، لجأ ياسبرز إلى القفزة لتوضيح مراده: «إنه قفزة؛ لأن أصلًا آخر غير الوجود هو الذي يبدأ في الظهور.»٧١ ويجد ياسبرز في فلسفة كانْت الترنسندنتالية٧٢ تأكيدًا لفكرته عن الوجدان على وجه الإطلاق؛ فقد وجد أن الإنسان يستطيع ما بقي في ظلِّ «الشامل» أن يكون سبيلًا إلى الحقيقة، ولكنه يرتدُّ إلى العكس من ذلك تمامًا بمجرد أن ينزلق إلى الطموح المطلَق. وليس الوجدان ساكنًا في ذاته ولا مغلقًا على نفسه، ولكنه يتجاوز نفسه ويعلو عليها باستمرار.
ولعل هذا العُلو Transzendenz الذي تدور حوله فلسفة ياسبرز هو ما أثار نقد كامي؛ فياسبرز عنده مَثلٌ على الفلسفة العاجزة المهزومة التي لا تستطيع أن تحقِّق العُلو في مجال التجربة، ولا تستطيع أن تواجه النتيجة المحتومة لهزيمتها، بل تلتمس مبدأً تبحث فيه عن الخلاص. إنه في رأيه يتطلب فلسفةً «مائعة» لا تملك تحديد نفسها، لا من الناحية الموضوعية ولا من الناحية الذاتية، ومع ذلك يروح يؤكِّد أن «الفشل» يكشف ورواء كل تفسيرٍ أو شرحٍ ممكن عن وجود العُلو لا عن العدَم. غير أن هذ الوجود العالي الذي يفسِّر كل شيء عند ياسبرز لا يصل إليه إلا عن طريق فعلٍ من الثقة العمياء التي تجمع بين العام والخاص في وحدةٍ غير مفهومة. ووجود العالي هو الأصل الحقيقي لكل ما هو شامل. إنه يعلن عن نفسه في خلال التراث التاريخي باسم الوجود أو الواقع أو الله، ولا يتعدَّى أن يكون رمزًا أو استعارة في كل الأحوال. الأشياء كلها يمكن أن تكون شفراتٍ ﻟ «العالي» ومرايا تشفُّ عن وجوده، ولا بد للعالي أن يسير في هذا الطريق إذا أراد أن يدخُل إلى العالم، ولكنه لن يكون حاضرًا فيه حضورًا كليًّا، ولن يتيسر للإنسان إدراكه موضوعيًّا. حتى إذا تمَّ الشعور به، أمكنه أن يصبح ذلك الذي أستمدُّ منه حياتي وأنتهي إليه بموتي؛٧٣ أي إن العالي الذي ينبثق في وجود الفرد الواحد يصبح هو الله الواحد الشخصاني.
وهكذا يصبح المُحال، في رأي كامي، هو الله (بالمعنى الواسع لهذه الكلمة) كما يصبح العجز عن الفهم هو الوجود الذي يجلو بنوره كل شيء. وإذا كان ياسبرز في كتابه «العقيدة الفلسفية» يطالب العقل بأن يحتفظ باستقلاله وحريته أمام العقيدة المنزلة، فهو يتجاوز الموقف الحدِّي الذي يقف العقل عاجزًا عنده كما يخرج بفكرته عن العالي (الترانسندنت) على حدود هذا العقل نفسه: «في هذا العالم الخرِب، الذي تبيَّنَت فيه استحالة كل معرفة، والذي يبدو أن العدم قد أصبح هو الحقيقة الوحيدة فيه، وأن اليأس قد صار هو الموقف الوحيد الممكن، نجده (أي ياسبرز) يحاول أن يعثُر على خيط أرْيادْنه، الذي يوصِّل إلى الأسرار الإلهية.»٧٤

ولكن ما من شيءٍ يجعل هذا الموقف منطقيًّا عند كامي، فلا عجب إذن أن يصفه بأنه قفزة، شأنها في ذلك شأن القفزات الأخرى التي تُحاول أن تفلت من المُحال بدلًا من أن تُواجهه وتتحدَّاه.

أما هسرل فيتناولُه كامي بالنقد في شيءٍ من التفصيل، لا لأثره البالغ على هيدجر وماكس شيلر وتلامذتهما وعلى الوجودية الفرنسية على وجه الإجمال فحسب، بل لأن كامي نفسه قد تأثَّر به تأثرًا شديدًا، لا يقلِّل منه أنه وقف موقف الرفض من فلسفته الظاهرية. والواقع أن فلسفة هسرل على خلاف الفلسفات الأخرى جميعًا كان يُنتظر منها أن تصبح فلسفة في ظاهرية (فينومينولوجية) المُحال، ولعلَّ هذا هو سر وقوف كامي عندها؛ فهو يصف منهج هسرل في تحليل الظاهرات الخالصة بأنه «عملية محالة.» وربما لفت انتباهَه بوجهٍ خاص أن هسرل قد تغلَّب على مشكلة الذات والموضوع، التي ظلَّت الفلسفة إلى عهده تحملها على كتفَيها كما يحمل المذنب صليبه؛ ولذلك فقد أيَّد كامي — كما أيد الفلاسفة الفرنسيون من سارتر إلى مرلوبونتي، متأثرين في ذلك بالتراث الديكارتي الذي لا يستطيع أن يخرج عنه متفلسفٌ فرنسي — استبعاد هسرل للانشقاق الأبدي بين الذات والموضوع، كما اعترف بالبداية التي بدأ منها هسرل؛ حيث يقول إنه ليست هناك حقيقةٌ واحدة، بل جملة حقائق، وإن لكل شيء حقيقتَه التي يتجه إليها الوعي كما لو كان جهاز إسقاطٍ ضوئي، وكل الأشياء تتساوي في اتجاه الوعي إليها اتجاهَه القصدي إلى الموضوعات. وهذه «العملية المحالة» كما يسمِّيها كامي ذات جانبَين منهجيَّين؛ أحدهما سيكولوجي والآخر ميتافيزيقي، ولو أن فكرة القصد٧٥ (وهي من الأفكار الرئيسية في فلسفة هسرل، من حيث إنها تجعل من طبيعة الوعي أن يقصد إلى موضوع، بحيث يكون الوعي على الدوام وعيًا بموضوع) احتفظَت بجانبها السيكلوجي وحده، لاحتفظَت فلسفة هسرل بطابع فلسفة المُحال، ولاكتفَت بوصف عالَم من الموضوعات المُفرَدة المفكَّكة التي لا تجمعُها رابطة، ولخلت من المبدأ الواحد الذي تحتاج إليه غيرها من الفلسفات لتفسير العالم. غير أن هسرل لا يقف عند الردِّ٧٦ الأول للظواهر حين يضع الوجودَ الفرديَّ للمظاهر موضوع التأمُّل بكل ما فيها من تجاربَ وأحكامٍ وقيمٍ علميةٍ أو غير علمية بين أقواس، بل يخطو إلى أبعدَ من ذلك حين يضع عالَم الواقع نفسه بين الأقواس ويصعد على سلَّم التأمُّل المثالي إلى الماهيات الثابتة للأشياء. إنه بمحاولته الكشف عن ماهيةٍ خارجة عن الزمان لكل شيءٍ على حِدَة، يقترب من المُثُل الأفلاطونية أو من الكليات المعروفة في فلسفة العصور الوسطى. وبدلًا من أن يكشف عن الموجود الواحد الثابت كما عند بارمنيدز أو عن الإله الواحد كما عند كيركجارد، نجده يضع للأشياء المتعددة ماهياتٍ متعددة تُقابلها، حتى تصوُّرات المخيِّلة من هلوساتٍ وأوهامٍ أصبح لها ما يقابلها من ماهياتٍ ميتافيزيقية ومُثلٍ أبدية. حقًّا إنه قد استبعد الحقيقة العالية (الترانسندنس) في بداية الأمر، ولكنه عاد فأدخل ما لا حصر له من الحقائق العالية لما لا حصر له من مضمونات الوعي. وهكذا يصبح التسليم بوجود ماهياتٍ أو مُثل ميتافيزيقية قفزةً جديدة إلى عالمٍ آخر غير هذا العالم، ويترك الفكر طريق الوضوح ليُلقي بنفسه في أحضان عزاءٍ علويٍّ ميتافيزيقي. لم يتغيَّر إذن مع هسرل إلا التسلسُل في ترتيب المجرد والواقعي. أصبح العالم الواقعي مجرَّد انعكاسٍ لأشكالٍ سماوية على صورٍ أرضية. ضاع الإحساس بالموقف الإنساني، وحلَّت محله نزعةٌ عقلية متأثِّرة بديكارت تُعمِّم الواقع المعيَّن، وتجعل منه ماهيةً مجردة. ولكن هسرل قد انتهى على الرغم من نزعته العقلية إلى اللامعقولية. وفلسفته تقوم على نفس القلق الذي تقوم عليه فلسفةُ مفكرٍ دينيٍّ مثل كيركجارد «إن الشوق هنا أقوى من المعرفة.» وينتهي كامي في مناقشته لفلسفة الظاهرات إلى نفس النتيجة التي ينتهي إليها بالنسبة للفلسفة الوجودية: «من الأمور ذات الدلالة أن الفكر في عصرنا — ويندر أن يكون ذلك قد حدث لفكرٍ آخر — يسودُه الاعتقاد في لامعقولية العالم اعتقادًا تدعمه الفلسفة، كما أن النتائج التي ينتهي إليها يغلب عليها التمزُّق الشديد.» وهكذا يعذِّب الإنسانَ من عهد أفلوطين إلى اليوم شوقُه إلى «الواحد» الأبدي، ويفقد العقل وجهَه الإنساني بحنينه الدائم إلى العالي أو المتعالي (الترانسندنس). ويرجع كامي من بحثه القصير اللاهث الأنفاس لفلسفة هسرل كما رجع من مناقشته المتعجِّلة للفلسفات الوجودية بخيبة أملٍ مريرة. إنها جميعًا تتجاوز حدود العقل المحدود بطبعه، وتسبح به في آفاقٍ ميتافيزيقيةٍ غامضة، وتشترك في ارتكاب الانتحار الفلسفيِّ حين تُحاوِل أن تقهر خوفَها وقلقَها بالقفزة المميتة في بحر اللامعقول، تريد أن تُغرِق فيه ما تُعاني من صراعٍ وما يمزِّقها من تناقُض.

من الضروري إذن، لنظل أوفياء للمُحال حريصين في نفس الوقت على إنكاره، أن نبقى داخل جدران المُحال؛ فالخروج منها معناه أننا نقفز «القفزة المميتة»، وأننا نُقدِم بذلك على الانتحار الفلسفي.

ولكن لنعُد إلى سؤالنا الأول والأخير: هل تستحق الحياة أن نحياها؟ يُجيب كامي في أول الأمر إجابةً غير مباشرة. إن الإنسان يدخُل تاريخه الحقيقي عندما يسأل عن معنى الحياة وهل تستحق أن يحياها أو لا تستحق، أعني حين يُواجِه مشكلة الانتحار. وهذا هو السبب الذي من أجله كان المُحال وعيًا بالموت ورفضًا له في الوقت نفسه.٧٧ ورفضُ الموت معناه إنكار كل ماهية وجوهرٍ متعالٍ، للمحافظة على المُحال والبقاء بين أسواره مع الإصرار على رفضه والتمرُّد عليه.
لا بد إذن من رفض الانتحار؛ لأن الإقدام عليه معناه الرضا بالمُحال والاعتراف به؛ فالحياة، كما قلنا، معناها أن نترك المُحال يحيا. وحياة المُحال تكون بمقدار رفضِنا له وتمرُّدنا عليه: «إن المُحال يكون له معنًى، بقَدْر ما يُعلِن الإنسان عدم موافقته عليه.»٧٨ فالاعتراف بالمُحال معناه إذن الإقدام على القفزة الوجودية التي قلنا من قبلُ إن إنسان المُحال يرفض الإقدام عليها. وبهذا المعنى أيضًا يكون الحكم بالموت هو الضد المقابل للانتحار.٧٩ فالمحكوم عليه بالموت أبعدُ ما يكون عن الموافقة على المُحال أو الاعتراف به، وأبعدُ ما يكون كذلك عن الثورة أو التمرُّد عليه بالمعنى الذي سنوضِّحه فيما بعدُ لكلمة التمرُّد.
  • (١)
    الانتحار إذن، سواء أكان جسديًّا أم فلسفيًّا، مَخرجٌ فاسدٌ من أزمة المُحال؛ لأنه باستثناء أحوالٍ نادرة لا يصدُر عن رفضٍ أو تمرد؛ فالأغلب الأعمُّ أن المنتحر يترك هذا العالم مُعزِّيًا نفسه بأنه سيعثُر وراءه على قيمةٍ أو معنًى لم يجدهما فيه. ومعنى هذا، إن جاز لنا في هذا المقام أن نستخدم تصوُّرًا من تصوُّرات علم النفس، أن المنتحر يُقدِم على الانتحار مدفوعًا بخيبة الأمل، ولكن إنسان المُحال إنسانٌ لا يخيب أمله أبدًا؛ لأنه لا يعرف الأمل أصلًا. وإذا كان علينا أن نبحث عن حافزٍ يدفعه على سلوكه هذا، فهو لا شك التحدِّي والعناد défi. في هذا الانتحار إذن نفيٌ للمُحال، وفي الخروج عن العالم نفيٌ لهذا العالم الذي لا نملك سواه. وقد تعلَّمنا أن وفاء الإنسان لقدَره،٨٠ بل عزَّته وشَرفه الميتافيزيقي٨١ يُحتِّمان عليه أن يؤكِّد ذاته في مواجهة المُحال، ويجعلان واجبه في احتمال مُحالية العالم والإصرار على رفضها في آنٍ واحد.
  • (٢)
    الانتحار بطبيعته عجزٌ عن الاحتمال، وتخلُّص من الموقف، وهروبٌ من جديَّة السؤال الفلسفيِّ الوحيد الذي بقي للفلسفة أن تسأله٨٢ (هل تستحق الحياة أن نحياها؟) أعني من فعلِ التفلسُف نفسه. ورفض الانتحار معناه أن يُصرَّ الإنسان على ضرورة السؤال، وأن يعيش في إشكالٍ وتساؤلٍ دائمَين هما لبُّ الفلسفة نفسها، وقوامُ الحرية.
  • (٣)
    لا الانتحار الفلسفي إذن (وهو تسميةٌ أخرى للأمل) ولا الانتحار الجسدي هما الحلُّ الصحيح الذي يرُاعي معطيات تجربة المُحال؛ فمع الانتحار الفلسفي يختفي موضوع هذه التجربة الرئيسي، وهو المُحال، ومع الانتحار بالجسد يختفي الوعي الذي لا تكون تجربة بدونه، باختفاء الوجود نفسه. في الانتحار الفلسفي يبقى الوعي موجودًا، لكن الأمل يسقُط فجأةً على الأسوار التي اصطدم بها الوعي فتبدو شفَّافة (وكأنه يهوِّن من عذاب السجن المُعتِم الذي آثرنا بمشيئتنا أن نعيش بين جُدرانه). هنالك يصبح اللامعقول شيئًا يمكن تمثُّله أو التجاوُز عنه، وبذلك يختفي اللامعقول نفسه، فإذا سلب الوعي موضوعه تفكَّك وذاب، وارتدَّ إلى الحالة اللاواعية التي تسود حياة كل يومٍ، أو التمَس الراحة في المتعالي (الترانسندنس) أيًّا كان شكله وطبيعته. وفي كلا الحالَين يتخلَّى الإنسان عن الحقيقة الوحيدة الواضحة البيِّنة التي يملكها٨٣ ويخون أشد العذابات تمزيقًا للقلب،٨٤ ونعني به المُحال. إن الانتحار الفلسفي يسوقنا إلى الليل الذي يسوقنا إليه الانتحار الجسدي.٨٥
  • (٤)

    رأينا في الصفحات السابقة كيف أن كامي لا يكاد يعتقد في شيءٍ اعتقادَه في حقيقة التجربة الحيَّة المعاشة: «الخطوط الناعمة على هذه التلال، ويد المساء على قلبي المهتاج تعلِّمني أكثر بكثير.»

    هذه الأخلاق التي تفرض على الإنسان أن يحيا فيستنفد الحياة، أخلاق الكَم التي تُعنى بالامتلاء والتحقُّق والوجود الجسديِ والتي تُعبر عنها «نماذج المُحال» خيرَ تعبيرٍ هي الآن النتيجة الضرورية المترتبة على الاختيار الذي وقع عليه الإنسان في إجابته على السؤال الأساسي: هل تستحق الحياة أن نحياها أو لا تستحق؟ هذه النتيجة تُعبِّر عنها هذه الكلمات: تُعاش الحياة خيرَ ما تُعاش بمقدار ما تخلو من المعنى.٨٦ هذه «الميتافيزيقا» (إن جاز لنا أن نستخدم هذه الكلمة، معتمدين على أن إلغاء الميتافيزيقا هو في حدِّ ذاته موقفٌ ميتافيزيقي) التي تؤمن بالحاضر المباشر قد قضت على منطق الانتحار القضاءَ الأخير.
  • (٥)

    ما هو إذن المَخرَج الصحيح من أزمة المُحال؟

    في العبارة الأخيرة الجواب عن هذا السؤال. إننا نستطيع الآن أن نُعبر عنه على سبيل المفارقة فنقول: المَخرَج الصحيح من المُحال هو في البقاء في المُحال. وبذلك يكون هذا الحال الصحيح هو الذي يراعي عنصرَي تجربة المُحال ويحافظ على طرفَيها؛ الوعي من ناحية والمُحال من ناحيةٍ أخرى.٨٧
    إن إجابتنا تكون منطقيةً حقًّا إذا قلنا فيما يتعلق بالانتحار الجسدي: إذا كانت الحياة مجرَّدةً من كل معنًى، فإنني أنتزع حياتي بيدي. ولكن هذه الإجابة لا تتفق مع تجربة المُحال٨٨ لأنها تُلغي أحد طرفَيها ونعني به الوعي. أما فيما يتعلَّق بالانتحار الفلسفي (أو الأمل) فإن من يُقدِم عليه يتهرَّب من المُحال أو اللامعقول ويقفز فوق أسوار المُحال، وكان من واجبه أن يتشبَّث بالحياة بينها.
    إن المُحال، كما قلنا، يدين بنشأته للتمزُّق والشقاق الديالكتيكي بين الإنسان الذي يسأل والعالَم غير المعقول الذي يصمت فلا يجيب،٨٩ بين الوعي وبين اللامعقول؛ فالمخرج الصحيح من أزمة المُحال لا بد له إذن من أن يُراعي عنصرَي هذه العلاقة الديالكتيكية وأن يتمسَّك بأقصى حدٍّ من التوتر، أعني بالمُحال نفسه.٩٠

    وإذن فكل مخرجٍ من أزمة المُحال، سواء أكان هو الانتحار الفلسفي أم الانتحار الجسدي، أو كان هو العدَمية المطلقة (التي سنجدها عند كاليجولا) إنما يُلغي المُحال نفسه ويُحطِّم كل أساسٍ تقوم عليه الحياة.

    فالحياة في المُحال معناها الحياة في تمرُّدٍ متصل، في مواجهة الإنسان المستمرَّة لظلمته.٩١

(ﺟ) الحرية

رأينا كيف أن مشكلة الانتحار تضعنا في موقف الاختيار الحاسم الذي يطالبنا بأن نُقرر إن كانت الحياة تستحق أن نحياها أو لا تستحق؛ أي إنها تضعنا أمام مشكلة الحرية وجهًا لوجه، حين تضعنا أمام إمكانياتٍ مختلفةٍ علينا أن نختار بينها.

من الواجب علينا قبل أن نناقش مشكلة الحرية أن نبادر بالقول بأن إمكانية الاختيار هذه لا تسبق القرار الحاسم الذي قد نتخذه سبقًا قبليًّا، بل الأولى أنها معطاةٌ مع السؤال نفسه عن الحرية؛ إذ إن القرار هنا ليس رأيًّا نظريًّا بل موقفًا عمليًّا يقتضي منا أن نحيا أو ننزع عنا رداء الحياة.

لنتذكر مرةً أخرى أن كامي لا يريد أن يعرف شيئًا عن الأسئلة والمشكلات الميتافيزيقية، بل يذهب مذهبًا تجريبيًّا، ظاهريًّا خالصًا: «ليس لي شأن بمشكلة الحرية الميتافيزيقية … إنني أستطيع فحسب أن أُجرِّب حريتي. إن مشكلة الحرية في ذاتها مشكلةٌ لا معنى لها.»٩٢
والحق أن من المستحيل من وجهة نظر كامي أن تؤسَّس الحرية على المستوى الميتافيزيقي؛ إذ إن ذلك لا بد أن يعود به بالضرورة إلى الله، وهو ما يُعدُّ في رأيه نفيًا للحرية: «نحن نعرف البديل Alternative القديم: إما أننا لسنا أحرارًا، والله القدير على كل شيءٍ هو المسئول عن وجود الشر، أو أننا أحرارٌ ومسئولون والله ليس قديرًا على كل شيء.»٩٣ وليس من العسير علينا أن نرى من ذلك كيف أن كامي يجعل من مشكلة الحرية مشكلةً أخلاقية، تُعنى بالفعل والسلوك أكثر من عنايتها بالماهية والمصير.

يرى كامي أن الحرية مطلقة. إنها تنبثق في نفس اللحظة التي يبدأ الإنسان بها وجوده. لا بل هي وجوده نفسه؛ ذلك أنها تقوم على أساسٍ أنطولوجي ليست لدينا به أية خبرةٍ أو تجربة (لم يكن كامي في هذه المرحلة قد وصل بعد إلى تجربة التضامن التي سنتحدَّث عنها فيما بعدُ، والتي سيؤسِّس فيها وجود «الأنا» على وجود «النحن») كما أنها لا تقوم على أساسٍ من وجود الله والإيمان بهذا الوجود؛ إذ ذلك سيؤدِّي به إلى المفارقة التي لا سبيل إلى حلِّها.

إن الإنسان الذي يعيش في المُحال يعرف، منذ اللحظة التي يعي فيها وجوده، أنه حتى هذه اللحظة لم يكن حُرًّا٩٤ (مثل مرسو بطل قصة الغريب التي سيأتي الحديث عنها)، وأن حريته كانت حريةً فاسدة (مثل كاليجولا، في المسرحية المعروفة بهذا الاسم). ولمَّا كان كل شيءٍ يبدأ بالوعي وجوده الحق، ويتلقَّى من الوعي وحده كل ما له من قيمة،٩٥ فإن الحرية تبدأ كذلك مع صحوة الوعي: «إن العودة إلى الوعي، والخلاص من النُّعاس اليومي، يمثِّلان الخطوتَين الأُوليَين على طريق الحرية المُحالة.»٩٦
إن إنسان المُحال يعلم الآن أن عليه، لكي ينظِّم حياته، أن يعطيها معنًى. وهو يعلم أنه لن يصل إلى ذلك حتى يضع لها حدودًا تقف عندها. لا غنى إذن عن رفض تلك «الحرية في ذاتها»،٩٧ التي لا تستمدُّ وجودها إلا من حقيقةٍ شاملةٍ تؤسِّسها، والتي تقوم على الخضوع لقيمةٍ من القيم٩٨ أي التي لا تعني إلا إلغاء الحرية كما يفهمها كامي إلغاءً تامًّا. الحرية الميتافيزيقية إذن، إلى جانب عدم فعاليتها، حريةٌ غير مفهومة؛ إذ إن الوجود نهبٌ للموت، والموت هو الواقع الذي لا مفرَّ منه ولا حيلة فيه.٩٩ أضف إلى ذلك أن هذه الحرية حريةٌ لا أخلاقية؛ لأنها حرية العبيد.١٠٠ فالرأي عند كامي أن الإنسان يفقد حريته ومسئوليته الشخصية حين يخضع لمذهبٍ أو يدين بدينٍ أو يتقيد بأيديولوجيةٍ معينة. إنه في هذه الحالة لا يملك نفسه، كما كان العبيد في الأزمنة القديمة لا يملكون أنفسهم.١٠١ وبدلًا من أن يحمل مسئوليته على كتفَيه، يجد نفسه محمولًا من نظامٍ سابقٍ مفروض متواضَع عليه.
إذا كان للحرية من وجود على الإطلاق فوجودها في المظهر Le Paraitre: «إن المظهر يصنع الوجود.»١٠٢ ولمَّا كانت الحقيقة بحسب تعريفه لها عقيمة، فإنها لا تستطيع أن تؤكِّد حريتي ولا أن تنفيها. وهذا هو السبب الذي يجعل الحرية في نظره نوعًا من أنواع التحدِّي الذي يرى من واجبه أن يقف أمامه وجهًا لوجه، وأن يُثبت ذاته بإنكاره لها.

(٣) حقائق الجسد

  • (أ)

    المعرفة الحسيَّة في «أعراس».

  • (ب)

    المعرفة.

  • (جـ)

    إستطيقا الخلق بلا صباح.

(أ) المعرفة الحسيَّة في «أعراس»

«بعيدًا عن الشمس، والقُبلات، والعطور المثيرة يبدو لنا كل شيءٍ بلا معنًى.»١٠٣ هذه الشمس التي يُمجِّدها كامي في عمله المبكِّر الثاني «أعراس» Noces هي بريقٌ وعدم (لنذكر أن المُحال سيُوصف فيما بعدُ في «أسطورة سيزيف» بأنه «نورٌ بغير بريق»)١٠٤ لكن هذا النور الباهر ليس هو كل شيءٍ. إن الموت حاضرٌ دائمًا هناك. إنه يُلقي ظلَّه على روعة البحر والنور والسماء. والعرس عرس النور والظلال، وزاوج الحياة والموت.
في جو البحر الأبيض تتفتَّح هذه المعرفة الحسيَّة التي نتحدث عنها. وعلى شاطئ هذا البحر، في الجزائر، يعيش «شعب من البربر» يجد في الحاضر المباشر الحقيقة الوحيدة التي أُعطيت للبشر. هذا الشعب الذي يعيش في الحاضر بكل ما فيه من إرادة الحياة شعب لا يعرف الأساطير ولا يُعلِّل نفسه بالعزاء. لقد وهب نفسه بكليَّتها للأرض، فهو أمام الموت عاجزٌ بغير سلاح. الواقع الوحيد عند هذا الشعب وعند كامي هو الواقع الأرضي١٠٥ والحقيقة لديه هي تلك التي يُمكِن القبضُ عليها باليدَين.١٠٦ هذا الشعب الجزائري هو الذي يُتيح لكامي أن يُدرِك اليقين الأوحد الذي يملكه، يقين اللحم والجسد:١٠٧ «بين هذه السماء وبين الوجوه التي ترنو إليها لا يُوجد مكانٌ للأساطير أو الأدب أو الأخلاق أو الدين، بل للأحجار والأجساد والنجوم والحقائق التي يُمكِن للإنسان أن يقبض عليها بكلتا يدَيه.»١٠٨
إن كامي يُضفي على الجسد أعظم قدْرٍ من الأهمية؛ فالجسد عنده هو الحقيقة البيِّنة الخالصة، التصوُّر المباشر المتعين، والمعطى اليقيني الذي لا سبيل إلى الشك فيه. وكلما تناوَل مشكلةَ القيمة وجدناه يفضِّل القيمة الجسدية التي يُقدِّمها وجه أو يد على تلك التي تكمُن في فكرة من الأفكار. إن الوجود في المحل الأول حياة. والإنسان هو قبل كل شيءٍ التأكيد الحي لكل ما هو حي.١٠٩ والحياة هي المعطى المباشر التي لا تُبرِّر شيئًا ولا ينبغي أن تفسَّر بشيءٍ من خارجها؛١١٠ فالحياة التي تؤكِّد ببساطة، بغير أن تتضمَّن قيمة أخرى سوى قيمة الحياة نفسها، لون وطاقة، وما من وصيةٍ تسير عليها اللهم إلا أن تتفتَّح هذه الطاقة و«لا ترفض شيئًا من الحياة.»١١١
إن الإنسان، وهو الكائن المحدود بطبيعته، لا ينبغي له أن يطلب الكليَّ الذي لا سبيل له إلى الوصول إليه:١١٢ «ليس في مقدوري أن أُدرك شيئًا إلا في الحدود الإنسانية. إن ما ألمسُه وما أُحسُّ بمقاومته هو وحده الذي أفهمه.»١١٣ وعلى الإنسان كذلك أن يقنَع ﺑ «حقائق اللحم والجسد»، التي لا يستطيع أحد أن يُنكرها.١١٤ نقول «الحقائق» متعمدين، لنؤكِّد بذلك أن كامي لا يؤمن بحقيقةٍ ما من بين حقائقَ أخرى، ولا بالحقيقة الواحدة في ذاتها، بل بحقائقَ كثيرة متعددة: «في علم النفس كما في المنطق تُوجد حقائق، ولكن الحقيقة لا وجود لها.» «هذه الحقائق لا تستمدُّ» صدقها من تقنين العقل، بل من الحساسية. وهذه الحساسية هي التي تجعل لكل شيءٍ حقيقته: «من نسمة المساء إلى هذه اليد التي تلمسُ كتفي.»١١٥ وبذلك يتحوَّل الوعي إلى مجموعةٍ من الإحساسات الخالصة التي تكفي نفسها بنفسها، وتُتيح لكامي أن يقول: «شعرتُ بفرحةٍ غريبةٍ في قلبي، هي هذه الفرحة التي تُولد من وجدانٍ هادئ.»١١٦
ونسأل أنفسنا ما طبيعة هذا الوجدان أو هذا الوعي، فنعود من جديدٍ إلى الدور الهام الذي يلعبه الجسد؛ فالوعي هنا وعيٌ بالجسد أعني أنه ليس ذلك الوعي الذي يعي نفسه، أو يجعل من ذاته موضوعًا لذاته. إنه يسقُط على الأشياء كالمصباح السحري فيجرِّدها من أقنعتها، وهناك يستطيع أن يلتقطها في بساطتها وسذاجتها الأولى.١١٧ إنه إحساسٌ خالص، ولحظي. وإذا كان وجود الإنسان في العالم وجودًا جسديًّا محضًا، كانت حقيقته كذلك حقيقةً مقضيًّا عليها بالموت والفناء: «فيم تنفع حقيقة لم يُكتب لها أن تموت؟»١١٨ وكانت السعادة التي ينشدها فيلسوفٌ مثل أفلوطين في الاتحاد مع الواحد١١٩ هي التي ينبغي علينا أن نلتمسَها في الاتحاد مع النعم الزائلة والخيرات الصغيرة على هذه الأرض؛ ذلك أن هذه النعم والخيرات، وإن يكن مآلها إلى الفناء، فهي الشيءُ الوحيد الذي يملكه الإنسان الذي لا يخدَع نفسه.١٢٠ ويكفي الإنسان أن يُحرِّر نفسه من جميع الأوهام الميتافيزيقية لكي يصل إلى السعادة الخصبة الحقيقية.
هل نحن الآن في حاجةٍ إلى السؤال عن الهدف من هذه المعرفة الحسيَّة؟ إن الهدف الوحيد منها هو الإنسان. الإنسان المتعين المحسوس الذي يستحقُّ أن يكون سعيدًا، لا بل من واجبه أن يكون سعيدًا. وهو نفس الإنسان الذي يراه بعينَيه ويلتقي به على قارعة الطريق: «هنا عيون وأصواتُ أولئك الذين يجب عليَّ أن أُحبَّهم.»١٢١
إن كامي يرفض كل حقيقةٍ موضوعية، إمَّا عن يأسٍ من العثور عليها، أو امتناعٍ عن محاولة البحث عنها على وجه الإطلاق. ورفضه هذا نابعٌ من امتناعه عن تجاوُز الأرضي المحسوس، وتخطِّي الواقع المعين، وإصراره على البقاء داخل الحدود الإنسانية. وهذا الرفض من ناحية وهذا الإصرار من ناحيةٍ أخرى لا يرجعان إلى صلفٍ أو كبرياء بقَدْر ما يرجعان إلى الخوف من الخداع وخيبة الأمل. إن كل ما يريده الآن هو أن يُقيم عظمة الإنسان على يقينٍ عقليٍّ بأن العالم «لا معقول».١٢٢
على هذه المفارقة Paradoxe المُعذِّبة المتكبِّرة يؤسس كامي موقفه في المعرفة، وبخاصة في المرحلة الواقعية بين عامي ١٩٣٥م و١٩٣٧م؛ أي في الفترة التي وضع فيها كتابيه المبكِّرَين «الظهر والوجه» و«أعراس». ولمَّا كان لهذه المعرفة الحسيَّة أثَرُها على جميع أعماله التالية، فسوف نلخِّص لحظاتها الأساسية كما عبَّر عنها بوجهٍ خاصٍّ في «الأعراس»:
  • (١)

    الحضور، أو الواقع الحاضر والمباشر.

  • (٢)

    السعادة (التي يمكن أن يؤدي إليها نوعٌ من الاتصال في اليأس والعذاب).

  • (٣)

    الحياة هي القيمة الأولى والأخيرة للحياة.

  • (٤)

    نقاء القلب والبراءة (وهي واضحةٌ في كل أعمال كامي وبخاصةٍ في أعماله القصصية والمسرحية).

  • (٥)

    حتمية الموت.

  • (٦)

    انقطاع الأمل (مما لا يدلُّ بعدُ على اليأس، فالأمل خطيئةٌ تُرتكَب في حق الحياة).

  • (٧)

    رفض العالم اللامعقول، بغير العزوف عنه (وسنستبدل هذه الكلمة بكلمةٍ أُخرى فيما بعدُ ونَعني بها التمرُّد).

  • (٨)

    تأكيد محدودية الإنسان (مرسو، بطل قصة الغريب التي سيأتي الحديث عنها، والذي يظل حتى صدور الحكم عليه بالإعدام في مجال الحسية الذي تصفه الأعراس، هو خير تعبيرٍ عن هذه المحدودية الواعية بنفسها).

(ب) المعرفة

يبادر كامي في بداية «أسطورة سيزيف» فيعلن أنه سيتناول الإحساس بالمُحال باعتباره نقطة بداية،١٢٣ وشرًّا عقليًّا أو مرضًا روحيًّا mal de l’ésprit١٢٤ يريد أن يصفه في حالته الأولية الخالصة؛ أعني بغير الرجوع إلى أية معتقدٍ أو أية ميتافيزيقا، ولكننا نعلم الآن أن كل رفض للميتافيزيقا هو في حدِّ ذاته موقفٌ ميتافيزيقي. وقد عرف كامي ذلك بنفسه. ألا يقول إن المُحال هو الحالة الميتافيزيقية للإنسان الواعي؟١٢٥ ألا يقول أيضًا إن لكل شعورٍ عالمه وإن هذا العالم إنما يدلُّ على موقفٍ عقليٍّ وميتافيزيقي؟ ألا يُعبِّر صراحة في سياق حديثه عن منهجه الذي يعُد كل معرفةٍ حقيقية أمرًا مستحيلًا أن المناهج تنطوي على مواقفَ ميتافيزيقية؟١٢٦

ويحرص كامي على ألا يقع في متناقضات المثالية فيعلن أنه لا ينكر الميتافيزيقا ولكنه لا يستطيع أن يتذوق لهما طعمًا، وأن المشكلات الميتافيزيقية لا تهمُّه في قليلٍ أو كثير؛ فلو سأله سائل عن السبب لأجاب بأنها تتجاوز حدود تجربتي الحسيَّة المباشرة كما تتجاوز مَلَكتي الفكرية؛ على أننا لا نستطيع أن نفهم هذا الرفض المُسبَق لكل ميتافيزيقا (وهو الذي لا يعني إلغاءها أو نفيها؛ لأن المرء لا يرفض ما ليس له وجود) حتى نوضِّح موقفه من المعرفة على وجه الإجمال.

يؤكد كامي تأكيدًا أوليًّا سابقًا على كل مناقشةٍ أو استنتاجٍ أن من المستحيل على الإنسان أن يصل إلى أية معرفةٍ حقيقية:١٢٧ «أيُّ إنسانٍ أو أي شيءٍ أستطيع أن أقول عنه «إنني أعرف هذا»؟!»١٢٨ وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعرف العالم ككل، فهل في وسعه أن يعرف أجزاءً منه؟ إن كامي سيُجيب بلا؛ ذلك أن معرفتي كلها تتوقَّف عند المعطيات المباشرة التي تزوِّدني بها تجربتي الفردية المحسوسة. وليس في استطاعتي أن أُدرِك شيئًا ما لم يكن واقعًا داخل الحدود الإنسانية:١٢٩ «القلب في باطني أستطيع أن أُحسَّ به، ومن ذلك أستنتج أنه موجود. والعالم أستطيع أن ألمسَه، ومن ذلك أيضًا أستنتج أنه موجود. بذلك تتوقَّف معرفتي كلها.»١٣٠
ليس هذا فحسب، بل إن الإنسان لا يستطيع حتى أن يعرف ذاته. وقد يظلُّ حياته في غربةٍ دائمةٍ عن نفسه.١٣١ إن مسعاه إلى الوضوح سيخيب دائمًا، وشوقه إلى المطلق والوحدة لن يتحقَّق أبدًا. لا العلم ولا الفلسفة يستطيعان أن يعطياه الحقيقة. إنهما عاجزان عن معرفة الموجود بما هو موجود. كلاهما يقف عند مستوى الظواهر. والنظريات العلمية والمذاهب الفلسفية لا تستطيع إلا أن تُدرِك العلاقات التي تربط هذه الظواهر بعضها ببعض. إن معرفة العالِم ومعرفة الفيلسوف كلاهما مرفوض؛ فكلاهما عاجزٌ عن تحقيق مسعاه نحو الوحدة، عقيم لا يملك أن يُشبع شوقه إلى المطلَق: «لو عرف الإنسان أن الكون يمكنه أن يُحب وأن يتعذَّب، لكان في ذلك السلام لقلبه.»١٣٢ وليس في هذه العبارة شيءٌ من النزعة التشبيهية بالإنسان (أنثروبومورفية)، بل كل ما فيها هو أنها تنكر على العقل كل مقدرةٍ على اكتشافِ العلاقات الموضوعية التي تربط بين الأشياء وردِّها إلى الوحدة التي تفسِّر كل شيء.
شوقُ الإنسان إذن إلى الوحدة والمطلَق، ومسعاه نحو الوضوح والترابط باقيان في عالمٍ كل ما فيه لا معقول. هذا الشوق وهذا المسعى مرتبطان بعجز العقل عن ردِّ العالم إلى مبدأٍ واحدٍ ينتظم جميع الظواهر المتعدِّدة المتغيرة: «لو استطاع الفكر أن يكتشف في الانعكاسات المتغيِّرة للظواهر علاقاتٍ أبديةً تجمعها وتجمع الفكر تحت مبدأٍ واحدٍ لأمكننا أن نتحدث عن سعادةٍ ينعم بها العقل.»١٣٣
إن نشدان الوحدة والمطالبة بالوضوح يُوقِعان العقل في متناقضاتٍ لا آخر لها،١٣٤ وكل زعمٍ يذهب إليه الفكر إنما ينفي الفكر نفسه. ولتوضيح ذلك يستند كامي إلى أرسططاليس، ويُورد هذه الدائرة المُفرغة١٣٥ التي تفضُّ في رأيه كل نزاعٍ: كل شيءٍ صادقٌ أو كل شيء باطلٌ. ولكن ليس من العسير أن نلاحظ أنه إذا كان كل شيءٍ صادقًا، فإن التأكيد المضاد يكون بالضرورة صادقًا، وهو تناقُض، فإذا أكَّدنا على العكس بأن كل شيءٍ باطل، لتحتَّم بالضرورة أن يكون هذا التأكيد نفسه باطلًا. فإن أردنا أن نخرج من هذا المأزق ورحنا نؤكد أن هناك في الوقت نفسه ما هو صادقٌ وما هو باطل لكان علينا بالضرورة أن نُقرِّر بوجود عددٍ لا حصر له من الأحكام الصادقة والأحكام الباطلة، مما يترتَّب عليه أن تُفلتَ الحقيقة دائمًا من أيدينا. وبعبارةٍ أخرى فإن الحقيقة إما أن تكون مطلقةً أو لا تكون، والحقيقة موجودة أو لا وجود لها على الإطلاق: «إنني أريد كل شيءٍ أو لا شيء.»١٣٦
نستطيع من ناحيةٍ أن نرى في وضوحٍ كيف أننا لا نستطيع هنا أن نتحدث عن فكرٍ متواضع يعرفُ حدوده، حتى بعد التقائه بالواقع المحسوس وعزمه على أن يضع لنفسه هذه الحدود. إن الإنسان في حاجة إلى المطلَق، فلا بد له أن يكون هو نفسه مطلقًا؛ إنه يُطالب بالحقيقة، فلا بد له إذن أن يحصُل على الحقيقة، ولكن الإنسان ليس هو ما يطلُبه ويشتاق إليه، فمطلبه وشوقه إذن باطلان، أو هما على الأقل متكبِّران مغروران.١٣٧
ومن ناحيةٍ أخرى نجد أن كامي على غير استعدادٍ لأن يذهب إلى أبعدَ مما يبيِّنه له العقل الواضح المتميِّز، فإذا كان العقل يبيِّن له أن العالم مُحال، فهو مضطرٌّ إلى التسليم بهذه الحقيقة والتشبُّث بها. وكل حقيقة سواها قد تحدِّثه نفسه بالإيمان بها لا بد أن تأتي معها بالأمل، وأن تدفعه إلى أن يقفز تلك القفزة التي حرَّمها على نفسه وراء أسوار المُحال، وأن تؤدي به إلى الانتحار الفلسفي الذي تحدَّثنا عنه. وهكذا يدخُل الفكر بمشيئته سجن المُحال ويحبس نفسه وراء جدرانه. وبهذا السجن الاختياري يرتبط رفضُه لكل يدٍ تحمل له النجاة أو تُمدُّه بالعزاء. وهذا الرفض مبني على الأمانة التي تقتضي من الإنسان أن يحيا الحياة مع علمه بأنها خاليةٌ من كل معنًى: «إن الأمانة في الإصرار على وجهة النظر هذه.»١٣٨
لا شك أن القارئ قد أدرك بنفسه ما تحتوي عليه الأفكار السابقة من متناقضاتٍ نُجمِلها في السطور الآتية:
  • (١)

    الحقيقة الوحيدة التي يكشف لنا العقل الواضح المتميِّز عنها هي أن العالم مُحال، ومُحالية العالم هي التي تجعل حياة الإنسان شيئًا جديرًا بأن يُعاش، كما تُضفي عليها العظمة، ولو كان للحياة معنًى لما كانت جديرةً بأن يحياها الإنسان. الحلقة المفرغة هنا واضحة؛ فالعالم من ناحيةٍ لا معنى له لأنني لا أريد أو لا أرجو أن يكون له معنًى، ومن ناحيةٍ أخرى لأن العقل يكشف عن خُلوِّه من كل معنًى.

  • (٢)
    يطالَب الإنسان الذي يعيش في المُحال بالوحدة ويشتاق إلى التجانس والترابُط، فإذا لم يجدهما رأيناه يعزف عنهما ويُعدِّد بذلك ما لم يستطع أن يوحِّده.١٣٩ وهكذا يزيد من تنوُّع الظاهرات،١٤٠ ويُغني من عالَم المعطَيات الحسية. هو إذن يعيش في مجال الظاهرات أو قل إنه لا يريد أن يعيش في مجالٍ سواه، فإذا جاء الآن وأدان العلم والفلسفة وحكَم على منهجهما بالفشل في الوصول إلى أية معرفةٍ حقيقيةٍ لأنهما يتحركان داخل العلاقات التي تؤلِّف بين الظواهر دون أن يؤدِّيا إلى مبدأ موحد، أقول إنه إن فعل ذلك فإنما يُناقِض نفسه بنفسه.

غير أن المُنصف لكامي يستطيع أن يفسِّر هذه المتناقضات وأن يُعفيَه منها. والطريق إلى ذلك هو محاولةُ فهمِ مشكلة المُحال على أساسٍ وجودي-ديالكتيكي لا على أساسٍ من المنطق الصوري.

لقد رأينا في الصفحات السابقة كيف أن المُحال ينشأ عن الشقاق بين العقل الذي يُحاول أن يسأل ويفهم، والعالم الذي يصمُت فلا يُجيب ولا يُبالي، بين شوق الإنسان إلى الوحدة والوضوح وبين التشتُّت واللامعقولية والغموض الذي يكتنف العالم. وكان لا بد لكامي، لكي يُتيح للمُحال أن ينشأ في وضوحٍ وتميُّز عن هذا الشقاق، من أن يُعلن عجز العقل عن معرفةِ ما يقع خلف حدود التجربة الحسيَّة المباشرة، وأن يصف «أسوار المُحال» التي تصطدم بها رغبتنا في الوحدة واشتياقنا إلى الوضوح، وأن يرفض الاعتراف بكل تمذهُبٍ فلسفيٍّ أو علمي؛ فشوقُ الإنسان الذي لا يُروي إلى المطلَق، وسعيُه الذي لا يهدأ نحو المبدأ الواحد الموحَّد، ووعيه بمحدوديته من خلال تجربته الحسية الفردية، عنصران يؤلِّفان طرفَي العلاقة الديالكتيكية التي تحدَّثنا عنها من قبلُ، كما يكوِّنان شرط وجود المُحال. ولا بد للمُحال إذن من أن يقف حائلًا بين الإنسان وبين كل ما هو ميتافيزيقي أو متعالٍ (ترانسندنتي) على وجه الإطلاق.

ويبدو لنا أن هدف كامي من موقفه في المعرفة أن يؤكِّد وجود حدٍّ لا ينبغي للإنسان أن يُحاوِل تجاوُزَه إلى ما وراءه. وهذه المحدودية مرتبطةٌ بسعادة الإنسان وبوجوده الحسي في العالم؛ فلكي يجد سعادته، لا بد له من أن يرفض كل معرفةٍ عقلية، وأن يتخلَّى عن كل مطلبٍ ميتافيزيقيٍّ لا يُوقِعه فحسبُ في المتناقضات بل ويحول بينه وبين السعادة، ويمنع الجسد من أن يهَب نفسه للمُتَع التي يقدِّمها له هذا العالم الذي لا يملك من عالمٍ سواه. ليس العقل الكلي هو الذي يستطيع أن يوحِّد ما بيني وبين هذا العالم، بل «الخطوط الناعمة على هذه التلال، ويد المساء فوق قلبي المهتاج.»١٤١

(ﺟ) إستطيقا الخلق بلا صباح

عالج كامي نظريته الإستيطيقية (أو الجمالية) في فصلَين إضافيَّين؛ أحدهما في كتابة أسطورة سيزيف تحت عنوان «الخَلق المُحال» والأخرى في كتابه «المتمرِّد» تحت عنوان «التمرُّد والفن»؛ هذا إلى كثير من أحاديثه ومقالاته وخطبه، وبخاصة في الجزأَين الأول والثاني من كتابه «حقائق معاصرة» وفي «حديث السويد» الذي ألقاه في العاشر من ديسمبر عام ١٩٥٧م، في استكهولم، بمناسبة الإنعام عليه بجائزة نوبل. ولما كُنا قد قصَرنا أنفسنا في هذا الكتاب على المشكلات الفلسفية وحدَها، ولم نتناول المسائل الأدبية والفنية إلا بقَدْر دلالاتها على الموقف الفلسفي، فإننا لن نستطيع في هذا المقام أن نُفصِّل القول في منزلة الفن من أعمال كامي الأدبية، تاركين ذلك لغيرنا من أصحاب النقد والتحليل الأدبي.

ومع ذلك فلا بد من القول بأن أفكار كامي الفلسفية تجد التعبير المباشر عنها والتطبيق الحي الخصب لها في مجال الفن، بل إن في استطاعتنا أن نقول إن إستطيقا كامي تُفيدنا في الكشف عن موقفه الفلسفي خيرًا من أية مجالٍ من مجالاته الفكرية الأخرى.١٤٢
لقد بيَّن لنا التأمُّل في المُحال كيف يتحتَّم على الإنسان أن يتشبَّث به، حتى يحافظ على اليقين الأوحد الذي يملكه عن هذا العالم وعن نفسه. ولم يكن المُحال في نهاية المطاف سوى يقَظة الوعي الباهر، تلك اليقَظة العنيدة التي ليس بعدها نُعاس. وكان الرفض المستمر للعالم (هذا الرفض الذي لا يعني، كما رأينا، نفي العالم ولا العزوف عنه، بل كل ما يعنيه هو التحدِّي) هو الوسيلة الوحيدة التي يُحافِظ بها الإنسان على كرامته. ثم عرفنا نماذج أربعة للإنسان الذي يعيش في المُحال، ويرى فيه حقيقته الوحيدة التي لا يعرف من حقيقةٍ سواها، ويُحِس بالنتائج المترتِّبة عليها، وهي الحياة والتمرُّد والحرية، أشدَّ ما يكون الإحساس؛ أعني أن يحيا كأعمقِ ما تكون الحياة وأشدها خصوبةً وامتلاء.١٤٣
هذه النماذج التي يقدِّمها لنا كامي ليس المقصود منها أن تكون نماذجَ للاحتذاء والمحاكاة. إنها مجرد تعبيرٍ عن هذا الرأي الذي يقول إن الحياة يمكن أن تُعاش بما يطابق مطالب المُحال ونتائجه؛ أعني بالحياة والتمرُّد والحرية. ولقد رأينا أن أهم هذه النماذج هو آخرها، ونعني به الإنسان المبدع الخلَّاق،١٤٤ الذي يبلغ الإحساسُ بالمُحال لديه ذروتَه، ويجد التعبير عنه في أوضح صوره.
وإذا كان «الفنان» في شخصية كامي يظهر في جميع أعماله، وإذا كنَّا نجده يخصِّص للفن في كتابَيه الفلسفيَّين فصلَين من أهم فصولهما، ويُهيب بنيتشه (الذي كان الفن بالنسبة إليه هو الوسيلة الوحيدة التي تعصم الإنسان من الموت ضحيةً للحقيقة، لا بل إن الفن في رأيه يزيد في قيمته عن الحقيقة نفسها)،١٤٥ فلا ينبغي أن يمنعنا ذلك من القول بأن كامي لم يُحاوِل أن يجد في الفن وسيلةً للنجاة، ولم يصُغ نظريةً من نظريات الخلاص عن طريق الفن.
الحق أنه قد يبدو أن في الخَلق الفني مخرجًا من أزمة المُحال، ولكن الأمر يبدو كذلك فحسب؛ فالعمل الفني في رأي كامي هو المُحال الخالص؛ أعني أن المُحال يجد تعبيره النموذجي في عملية الخَلق. وعملية الخلق هذه لا تُعبر عن الانتصار على المُحال، ولا تؤدي إلى التحرُّر أو النجاة منه؛ ذلك أن العمل الفني بطبيعته يلعب دورًا حاسمًا في الاحتفاظ بالوعي العنيد الباهر في وجه مُحالية العالم، بل إنه هو خير وسيلةٍ للإبقاء على هذا الوعي.١٤٦
وليس مرجع ذلك إلى أن الفن يحتوي على مضمونٍ أغنى أو أقيم مما تحتويه حياة العاشق أو الغازي أو الممثِّل. إن الذي يميِّز الفنان عن بقية نماذج المُحال هو أن الفن يحتفظ بطابع الدوام. ومعنى هذا أن العمل الفني يبقى بعد أن يفنى الفنان، وأن الخلق أطول عُمرًا من خالقه. ومعناه قبل كل شيءٍ أن الوعي الباهر بالمُحال الذي يجده الآخرون من الناس يمكن أن ينتقل إليهم للمرة الأولى في حياتهم عن طريق العمل الفني الذي يرون مصيرهم المشترك منعكسًا على صفحته.١٤٧
إن المعيار الوحيد لصدق الفكر المُحال، الذي يرتبط بتجربة الحياة برابطة الزواج،١٤٨ هو أن يُعاش هذا الفكر في الفعل والواقع، لا أن يكون مجرَّد كلماتٍ مجدبة على الورق. إنه في الوقت الذي يصدف فيه عن الوحدة إنما يزيد من التنوُّع. والتنوُّع هو المجال الحق للفن.١٤٩ إن مملكته هي مملكة الصور والألوان، وهي مملكة يعرف الفنان أنها موهوبةٌ للفَناء.
إن العمل الأساسي للفنان في عالمٍ لا تنفَد ثروتُه من الظاهرات المتنوِّعة هو الوصف والتسجيل؛ فالإنسان المُحال في صورته الخالصة (والمقصود به هنا هو الفنان) لا يهتم بالتحليلات والتفسيرات، بل يصرف كل عنايته إلى الوصف والتجربة: «الوصف؛ هذا هو آخرُ ما يطمح إليه الفكر المُحال.»١٥٠
مملكةٌ فانيةٌ ملوَّنة مزدحمة بالصور والأصوات والألوان. أول ما يجب على الفنان فيها أن يفتح عينَيه ويرى، وأن يتعلَّم كيف يصف ما يراه: «أن نرى! على هذه الأرض أن نرى! كيف يستطيع الإنسان أن ينسى هذا الدرس!»١٥١

(٤) المُحال نقطة بداية

  • (أ)

    المُحال، واللامعقول، واللامعنى.

  • (ب)

    المُحال يحتوي على النعم واللا في وقتٍ واحد.

  • (جـ)

    ينبغي أن يُفهم فهمًا وجوديًّا-ديالكتيكيًّا.

  • (د)

    المُحال لا يزيد على أن يكون نقطة بداية.

(أ) المحال، واللامعقول، واللامعنى

نقول عادة إن شيئًا ما مُحال، ونعني بذلك أنه لا معقول، فهل اللامعقول هو المُحال؟ إن علينا الآن أن نميِّز بين هذَين التصوُّرَين.

إن الإنسان الذي يعيش في أزمة المُحال ويفكِّر من خلاله لا يرى أن العالم معقول rationnel ولا يرى كذلك أنه غير معقولٍ irrationnel. إنه بالنسبة إليه لا يتفق مع قوانين العقل، ولا شيء غير هذا.١٥٢ وليس معنى هذا أن إنسان المُحال يفكِّر تفكيرًا لا عقليًّا ولا أنه ممن يُعادون العقل. إنه لا يحتقر العقل، ولكن يسلِّم بوجود اللامعقول (لأنه لو أنكر العقل لما استطاع أن يُدرك اللامعقول!) فاللامعقول هو أحد طرفَي العلاقة التي أشرنا إليها والتي ينبثق عنها المُحال، ونعني بها تلك العلاقة التي تجمع بين اللامعقول من ناحيةٍ وبين شوق الإنسان إلى الوضوح والوحدة من ناحيةٍ أخرى، وذلك في وحدة صراعٍ متشابكة؛ فإنسان المُحال إذن لا ينفي وجود العقل، بل يُضفي عليه قيمةً نسبية. وإذا كان المُحال هو الذي يعيِّن لنفسه حدوده، فإنه لن يستطيع أن يعيِّن هذه الحدود الثابتة بدون العقل الواضح المستنير، بل إن المُحال، في تعريف كامي، هو هذا العقل الذي يرسم لنفسه حدوده؛١٥٣ ومن ثَم رأينا كيف يرفض الإنسان أن يجعل من المُحال قاعدةً يقفز منها للوصول إلى المتعالي (الترانسندنس) في أية صورةٍ من صوره؛ فالإقدام على هذه القفزة معناه الإقدام على الانتحار الفلسفي.

ونتحدث كذلك عن المُحال ونقصد به اللامعنى، فهل يدُل التصوران على شيءٍ واحد بالذات؟ لنُحاول أولًا أن نفهم المُحال عن طريق اللامعنى.

ماذا أقصد بقولي إن هذا الشيء أو ذاك لا معنى له؟

إنني لن أستطيع أن أفهم ما هو اللامعنى حتى أفهم أولًا ما هو المعنى؛ أي إن السلب لا بد أن يتقدَّمه الإيجاب، والنفي والتأكيد؛ فالإنسان وحده — وهذا مثلٌ مشهورٌ نستشهد به — هو الذي يعرف أن البيت ليس هو كومة من التراب والأنقاض، وأن كومة التراب والأنقاض ليست بيتًا، ولكنه يعرف ذلك لمعرفته سلفًا ما هو البيت وما هي كومة التراب والأنقاض.١٥٤

إن كامي حين يتحدث عن المعنى يسأل نفسه إن كان من الممكن أن يكون هناك معنًى فيما لا معنى له، وأن يكون في حكمٍ يُقرر ألا معنى هنالك مع ذلك شيء من المعنى. إن المعنى لا يكون للحُكم الإيجابي فحسب، بل إنه يكون كذلك وقبل كل شيءٍ للحكم النافي أو السالب (وتاريخ الديالكتيك من هيراقليط إلى يومنا هذا عامرٌ بالأمثلة التي تؤكِّد القوة الوجودية والمنطقية الكامنة في السلب والعدم، مما لا نستطيع في هذا المجال أن نفصِّل القول فيه)؛ فحُكم كهذا: «العالم لا معنى له، أو العالم مُحال» يمكن أن يكون حكمًا ذا معنًى، وإن كان ينطق بتجرُّد العالم من كل معنًى، إنه يعطينا حكمًا سلبيًّا أو حكمًا نافيًا، وحكم السلب أو النفي يظلُّ حكمًا على كل حالٍ.

وقد أشرنا فيما تقدَّم إلى الأسباب التي جعلَت الإنسان يصل إلى هذا الحُكم الساخط الأليم، ولعلَّ أهم هذه الأسباب التي تجعل الوجود عديمَ المعنى في نظر إنسان المُحال هو الموت، أو هو انعدام كل شيءٍ بعد أن أموت. إنه بمعنًى آخر إمكانية عدم إمكان وجودي، وبقاء العالم غير المبالي مع ذلك على حاله. إنه عدمي في مقابل وجود العالم أو هو العالم بعدي بدون وجودي.١٥٥

وليس من العسير أن نرى كيف أن هذه اللامعنية (إن صحَّت هذه الكلمة!) أو المُحالية لا يمكن أن تكون مطلَقة. إنها تظل تجربةً متعلقة بأولئك الذين ينعدم في نظرهم كل شيءٍ بعد الموت. ولكنها تفقد قيمتها بالنسبة لمن يؤمن بوجود شيءٍ بعد الموت، أو لمن يؤمن بأن الحياة الحقَّة والوجود الحق لا يبدآن إلا بعد أن تنتهي الحياة وينعدم الوجود من هذه الأرض.

والحق أن التجرُّد المطلَق من كل معنًى، أو المُحالية المطلَقة، من وجهة نظرٍ منطقيةٍ بحتة، لا بد وأن تفترض وجود العدم المطلَق الذي يسبقها، والذي لا يكون من معنًى فيه إلا للَّامعنى، وبالتالي للتأكيدِ الذاتيِّ في هذه «اللامعنية».١٥٦ ولكن هذه اللامعنية أو هذا الانعدام المطلَق لكل معنًى يناقض نفسه بنفسه. ويبدو أن من الصعب علينا أن نتحدَّث عن اللامعنية المطلَقة بمثلِ ما يصعب علينا الحديث عن العدَم المطلَق؛ ذلك أننا من الناحية الصورية البحتة لا نستطيع أن نقول شيئًا عن العدم؛ لأن كل مقال فهو بالضرورة عن موجودٍ أو عن نحوٍ من أنحاء الوجود، أضف إلى هذا أنه لا بد أن يكون ثمَّة معنًى نقيس عليه اللامعنى؛ أي إننا لا بد أن نعرف أولًا ما هو معنى العالم لكي نحدِّد من بعدُ متى وكيف يتجرد من هذا المعنى. وإذن فنحن لا نملك إلَّا أن نتحدث عن لا معنى إضافي أو عدمِ وجودٍ أو عدم إضافي، لا عن لا معنى مطلَق أو عدمٍ مطلَق.
ومن المستحيل كذلك أن يصحَّ للمُحالية المطلقة وجود. ولقد بيَّن كامي كيف أن مثل هذا المنطق العدمي — منطق اللامعنى والمحلية المطلَقة — منطقٌ فاسد، لا بل منطق يؤدي إلى إراقة الدماء. وقد وضَّح ذلك حين عرض علينا مصائرَ تراجيديةً ثلاثة وهي الصديق الألماني١٥٧ الذي كتب إليه كامي في خلال الحرب العالمية الثانية مجموعةً من الرسائل معروفة تحت هذا الاسم، والقيصر الروماني كاليجولا١٥٨ ومارتا،١٥٩ الفتاة التي تتعاون مع أمها على قتل أخيها العائد بعد غيبة عمرٍ طويلٍ نتيجة سوء تفاهُم. كل هؤلاء قد ساروا في حياتهم الواقعية على المنطق العدَمي إلى آخر مداه. هؤلاء الذين طبَّقوا منطق المُحالية المطلَقة قد جهلوا طبيعة المُحال أو تجاهلوها، ونسوا أن المُحال ذو طابعٍ نسبي، وأنه لا بد أن يضع لنفسه حدوده،١٦٠ وأنه لا بد وأن يكون هناك معنًى يُقاس عليه اللامعني والمُحال، وأن مصير الإنسان لا يكون له من معنًى إلا في هذا العالم المحدود الذي لا سبيل إلى تفسيره.١٦١ «فلو أن كل شيءٍ كان بلا معنًى، لكان معك الحق، ولكنَّ هناك شيئًا ينطوي على معنًى.»١٦٢
هذا «الشيء» الذي يحتفظ بمعناه هو الإنسان، هو الصداقة، والسعادة، والشوق إلى العدل، وهي التي يُدافع عنها جميعًا في أربع رسائل من كتابه إلى صديقه الألماني. غير أن هذا المعنى ليس معنًى عاليًا ولا متعاليًا. إنه ليس خارج الزمان ولا خارج العالم: «ما زلتُ أعتقد بأن هذا العالم لا ينطوي على معنًى يعلو عليه. بيد أنني أعلم أن هناك شيئًا فيه له معنًى، وذلك هو الإنسان؛ لأنه هو الكائن الوحيد الذي يشتاق إلى المعنى ويسعى إليه.»١٦٣
لقد بدا ذات حينٍ كأن النتيجة المنطقية المترتِّبة على المُحال وانعدام المعنى في هذا العالم هي الإقدام على الانتحار، ولكن «أسطورة سيزيف» قد بيَّنَت لنا أن هذا المنطق ظاهريٌّ فحسب. إن خطأه يكمُن في الاعتقاد بأن تجريد الحياة من المعنى يمكن أن يتساوى مع الحكم بأنها لا تستحق أن تُعاش. بيد أن تجربة المُحال قد علَّمَتنا١٦٤ عكس ذلك تمامًا، وأنه ليس ثمَّة علاقةٌ ضرورية تربط بين الحُكمين، بل إن الحياة تكون أولى ما تكون بالمعيشة بقَدْر ما تخلو من المعنى. والمصائر التراجيدية الثلاثة التي تُواجِهنا في شخص الصديق الألماني وكاليجولا ومارتا هي أوضح مثالٍ على ذلك. لقد اعتقدوا جميعًا في اللامعنى المطلَق أو المُحالية المطلَقة للوجود وساروا مع منطقهم هذا إلى آخر نتائجه، فانتهَوا إلى الانتحار على نحوٍ أو آخر. إنهم بعبارةٍ أخرى قد خانوا تجربة المُحال التي تدعوهم إلى التشبُّث بالحياة على الرغم من خُلوِّها من كل معنًى.

أن المُحالية المطلقة تُناقِض نفسها بنفسها.

(ب) المُحال يحتوي على النعم واللا في وقتٍ واحد

الحق أن نقطة البداية في فلسفة كامي هي السلب أو النفي١٦٥ أو هي التناقض على وجه التحديد:١٦٦ «… إن الاكتشاف الأول الذي يتوصَّل إليه التفكير الذي يتأمل في ذاته هو التناقُض.»١٦٧ «هذا التناقُض الذي يُشير إليه كامي هو المُحال، ولكن المُحال باعتباره تناقضًا ليس على التحقيق تناقضًا منطقيًّا، بل هو تناقضٌ «مُعاشٌ ممزَّق القلب».١٦٨ إن من أهم الأمور هنا أن يحيا الإنسان مع متناقضاته،١٦٩ أو قُل أنْ يحياها بكل ما فيها من عمقٍ وعذاب، وأن يعي مصيره المُحال كما وعاه سيزيف.

وإذا كان المحال، كما قدَّمنا، ينشأ عن صدام بين مطلبٍ عقليٍّ من جانب الوعي أو الوجدان، وبين اللامعقول السائد في العالم، فإن المُحال أبعد الأشياء عن أن يكون هو قانون العقل، بل الأَولى أن يُقال إنه هو فضيحتُه. وليس المُحال هو ما لا يتفق مع العقل والمنطق، بقَدْر ما هو ما يستعصي على الفهم والتفسير. والحق أنه ليس من شيءٍ يستعصي على التفسير ولا من شيءٍ أشد غموضًا وغرابة من وجود كائنٍ يُطالب بالنظام والوحدة والوضوح في عالمٍ خلا من النظام والوحدة والوضوح. وإذا كان كامي يتحدث عن الإنسان المُحال أو العقل المُحال فليس معنى هذا أن الإنسان أو العقل يفكِّر تفكيرًا فاسدًا، بل معناه على العكس من ذلك أن الإنسان أو العقل قد «عرف» المُحال، وأنه قد استيقظ اليقظة التي لا يغفو بعدها وجدانه.

حقًّا إن فلسفة كامي تبدأ، كما قلنا، من السلب أو النفي، ولكننا نخطئ إذا اعتبرنا أن هذه السلبية مطلقةٌ أو رأينا أن هذا النفي نهائي؛ ذلك أن المغالاة في تأكيد الجانب الدرامي من مأساة المُحال يعرِّضنا لخطر نسيان الجانب المُشمِس من تفكير كامي. إن علينا ألا ننسى أبدًا أن المُحال إن كان ظلامًا فالوعي الذي يواجهه نورٌ باهر.

لقد رأينا كيف كان جانبا الظل والنور، والسلب والإيجاب، واللا والنعم، حاضرَين دائمًا في تفكير كامي، وعرفنا الأمثلة على ذلك من كتابه الأول «الظهر والوجه»١٧٠ قبل التوسُّع في معالجة المشكلة معالجةً تصوريةً شاملة. هنالك كان من العسير عليه أن يفصل حُبه للنور والحياة عن يأسه أمام تجربة الموت. وهنالك كانت الشجاعة الحقَّة في «ألا يقفل الإنسان عينَيه أمام النور ولا أمام الموت.»١٧١
وكان عالَم المُحال منذ البداية بالنسبة لكامي عالمًا يقول «لا» والإنسان في هذا العالم إنسانًا يقول «لا»، وينتظر كثيرًا قبل أن يقول «نعم» ويحدِّد بالتدريج لأيِّ شيءٍ يقول هذه «النعم».١٧٢ إن رفضه للعالم ليس صدودًا عنه.١٧٣ بل إنه على العكس من ذلك يمهِّد ﺑ «اللا» المنهجية الطريق إلى «نعم» لا تُحد، ويرفض الحياة تمهيدًا للموافقة على الحياة.

ودائمًا ما يتلازم النور والظل، وتتحد الحياة بالموت، ويتعانق اللا والنعم.

(ﺟ) ينبغي أن يُفهم فهمًا وجوديًّا-ديالكتيكيًّا

هل المُحال عاطفةٌ أو تصوُّر؟

ربما كان من حقِّنا الآن بعد البحث الذي تقدَّم عن طبيعة المُحال ونشأته وتحديده أن نرى مدى الخطأ الذي يمكن أن نقع فيه لو حاولنا أن نبحث المُحال بحثًا منطقيًّا تصوريًّا، وهذه العبارة التي تُقابِلنا في أسطورة سيزيف تؤكِّد هذا الرأي: «إن عاطفة المُحال لا تتفق في معناها مع تصوُّر المُحال.»١٧٤
بيد أن هذا الرأي لا ينقضُ ما حاولناه في الكشف عن بناء المُحال من الناحية المنطقية، ولا يتعارض مع حديثنا عن الأزمة الرياضية والمنطقية التي عرضنا لها في مقدمة هذا الكتاب، والتي أسفرَت في رأي البعض عن إمكانيةٍ ثالثةٍ بين الصدق والكذب سمَّوها تارةً باللامعنى وتارةً أخرى بالمُحال؛ ذلك أن مجرَّد القول بأن العالم مُحالٌ أو مجرَّد من المعنى هو في ذاته حكمٌ منطقي. ومع ذلك فلا يجوز لنا أن نقف عند هذا الحكم وأن نستغرق في بحثٍ منطقيٍّ لا بد أن يؤدي إلى إهمال الأزمة الأصلية التي تسبَّب عنها الإحساس بالمُحال. وكامي نفسه يُحذِّرنا من خطر الوقوع في شباك المنطق حتى لا نغفُل عن الأزمة الوجودية التي ينبغي أن يكون كل تحديدٍ منطقيٍّ للمفاهيم، لا يستغني عنه الفيلسوف بالضرورة، مجرد تمهيدٍ قصيرٍ لها؛ ذلك أن عاطفة المُحال لا تتكثَّف وتستحيل إلى تصوُّر إلا في اللحظة القصيرة التي تُفصِح فيها عن حُكمها عن العالم. غير أنها لا ينبغي أن نقف عند هذا الحكم؛ ذلك أن عاطفة المُحال شيءٌ حي؛ أعني أنها لا بد أن تموت أو يتردَّد صداها.»١٧٥
إن الأفق الذي نستطيع أن نتمثل فيه المُحال ونحاول تحديد طبيعته ليس منطقيًّا صوريًّا ولا هو عاطفيٌّ بحت، بل إنه ديالكيتكي. ولسنا في حاجةٍ لتتبُّع تاريخ الديالكتيك وتطوُّراته عَبْر التاريخ الفلسفي لنصل إلى هذا الحُكم؛ فالتصور اليومي الساذج الذي نحمله لمدلول كلمة المُحال يمكن أن يوضِّح لنا ذلك توضيحًا مبدئيًّا. ونستطيع أن نستعين بمثالَين يضربهما كامي نفسه لهذا الغرض.١٧٦
فلو حاولتُ أن أتهم إنسانًا بريئًا بارتكاب جريمةٍ بشعة، أو رحت أؤكِّد عن شخصٍ تقيٍّ فاضل أنه زنا بشقيقته، فلا شك أن كلا الرجلَين سيجيبني بنفس الإجابة الساخطة: «إن هذا مُحال!» وإذا رأيتُ رجلًا يندفع ليهاجم ثُلة من الجنود المزوَّدين بالأسلحة النارية السريعة الطلقات وهو يلوِّح بسيف عارٍ في يده فسوف أحكُم على مسلكه هذا بأنه «مُحال»؛ فالمُحال في الحالة الأولى يكمُن في التناقض بين المسلك الذي أنسبه إلى الرجل الفاضل البريء وبين مبادئه التي يسير عليها في الحياة، وهو في الحالة الثانية يكمن في العلاقة المتنافرة بين غرض هذا الفارس الحالم وبين ما ينتظره، بين قدراته الحقيقة وبين الهدف الذي يرمي إلى تحقيقه؛ ففي الحالتين إذن نوعٌ من المقارنة، وعلاقةٌ إن يكن قد أُسيء وضعها وتقديرها فهي لم تزل علاقةً على كل حال.١٧٧ وتعظُم المُحالية في الحالتَين كلما عظُم الفارق الذي يفصل بين موضوعَي المقارنة؛ فالمُحال إذن يرجع في أصل مَنشَئة إلى وجه من وجوه المقارنة بين حالةٍ كائنة وبين واقعٍ محدَّد، بين مسلكٍ ما وبين العالم الذي يتجاوز هذا المسلكَ ويعلو عليه.١٧٨ نحن إذن أمام نوعٍ من المواجهة بين طرفَين أو التقابُل بين عنصرَين متضادَّين، لا يكمُن المُحال في أحدهما بل في العلاقة التي تربط بينهما. إنه في حقيقته نوعٌ من الشقاق، وصراعٌ ديالكتيكي جوهره التمزُّق والتوتُّر الحاد.
إن المُحال، إن جاز هذا القول، هو «الثالث» الذي ينشأ عن التقابُل — أو بالأحرى التصادُم — بين طرفَين متضادَّين في علاقةٍ متشابكةٍ دائبة الصراع. والواقع أن هذا الشيء الثالث قائمٌ بصفةٍ مستمرةٍ بين الفروق المنطقية والأضداد الثابتة، بين الوجود والعدم، بين الصدق البسيط والكذب البسيط، وعلى مسرح هذا الشيء الثالث تُمثَّل دائمًا مأساة الوجود الإنساني. والواقع أن فلسفة كامي تبدأ مع الإحساس بأن هذا «الثالث المرفوع» هو مجال سؤالها والأفق الطبيعي الذي تدور فيه مشكلاتها؛ فها هنا يتفتح السؤال عن معنى الوجود والحياة باعتباره السؤال الفلسفي الحقيقي المُلِح.١٧٩

وإذن فلا ينبغي أن نفهم المُحال فهمًا صوريًّا. إن كامي لا يريد أن يحمِّله مضمونًا منطقيًّا أو ميتافيزيقيًّا، بل يريد منَّا أولًا وأخيرًا أن نُجربه ونحياه.

وإذا كان كامي، كما سنرى فيما بعدُ، في كتابه «المتمرِّد» (١٩٥١م) الذي ظهر بعد ثمانِ سنواتٍ من ظهور كتابه «أسطورة سيزيف» لم يَبقَ على إخلاصه لتجربة المُحال، فإن مرجع ذلك قبل كل شيءٍ إلى أنه حاول أن يفهمه فهمًا صوريًّا منطقيًّا، لكي يُتاح له فيما بعدُ أن يتغلَّب عليه ويتجاوزَه إلى تجربة التمرُّد. إنه بذلك يخلط بين «المُحالية» التي توصَّل إليها عن طريق أزمةٍ وجوديةٍ ديالكتيكية وبين المُحالية المطلَقة التي تنفي كل معنًى، والتي رأينا أنها تُناقِض نفسها بنفسها حتى من وجهة النظر المنطقية الخالصة «إن المُحال في ذاته تناقُض.» هكذا يكتُب كامي في المتمرِّد.١٨٠ ولا يُنازِع أحدٌ في ذلك، على شرط أن ننظُر إليه نظرةً صوريةً خالصةً وأن نُسوِّي بينه وبين المُحالية المطلَقة؛ الأمر الذي تعرَّضنا له من قبلُ، وبينَّا فساده من وجهة نظر كامي نفسه.
ويستطرد كامي في «المتمرد» فيقول إن المحال، فيما يتعلق بالفعل والسلوك، ينطوي دائمًا على نوعٍ من السويَّة أو عدم المبالاة، كما يقول إنه متناقضٌ مع نفسه لأن الإنسان لا يستطيع أن يستمدَّ منه قيمةً من القيم.١٨١ أما أن المُحال لا ينفي قيمةً بل يؤكد مجموعةً من القيم يمكن أن تُستمدَّ منه فقد بينَّا ذلك فيما تقدَّم.١٨٢ فالشعار السلوكيُّ الذي يقول «عش كما لو …» وأخلاق الكَم التي تُعلي من شأن الحياة فوق كل شيءٍ سواها، قد كانا نتيجتَين مترتبتَين على تجربة المُحال. وأما أن المُحال لا يُرفع ولا يُستغنى عنه استغناءً تامًّا، وأما أنه عنصرٌ جوهريٌّ من عناصر التجربة الديالكتيكية في تفكير كامي، فهو ما نرجو أن نوضِّحه في الفصول القادمة.
ويكفي أن نُقرِّر الآن أن التفكير المُحالي لا يسعى إلى الحلول والتفسيرات، بل إلى الوصف والتجربة الحية.١٨٣ إن الواقع يُعاش ويُوصف وتُستنفَد إمكانياتُه عن طريق المُحال، ولكنه لا يُعلَّل أبدًا ولا يُفسَّر. إنه في نظر كامي واقع حيٌّ مجرَّب. قبل أن يكون معطًى عقليًّا يتطلب الفهم والتحليل. وإذا كان كامي يرى أن المُحال هو الحقيقة الوحيدة التي يستطيع أن يقول عنها إنه يملكها، فإن هذه الحقيقة ليست من النوع الأنطولوجي المدعَّم على أساسٍ من الوجود، ولا هي حقيقةٌ عقلية قائمة بذاتها، إنها هي الإلهام اليائس الذي تتكشَّف عنه التجربة المباشرة.

(د) ليس المُحال إلا نقطة بداية

كتب كامي في مطلع حياته الفكرية في جريدة «الجزائر الجمهورية» بتاريخ ١٢ / ٣ / ١٩٣٩م يقول: «إن تأكيد مُحالية الحياة لا يمكن أن يكون نهايةً بل مجرد بدايةٍ فحسب.» ثم كتب بعد ذلك باثنَي عشر عامًا في «المتمرِّد» يقول: «إن طبيعة المُحال الحقَّة هي أنه نقطةُ بداية، نقد مُعاش، ومعادلٌ وجودي للشك المنهجيِّ عند ديكارت.»١٨٤
وكلا الرأيَين يتفقان، على ما بينهما من بُعدٍ زمني؛ فلم يكن المُحال مجرد نقطة بدايةٍ فحسب، بل إن كلمة المُحال نفسها التي تكاد تتكرر على كل صفحةٍ من صفحات كتاب «أسطورة سيزيف»، والتي طالما شبَّهها الكثيرون بكلمة العدم في كتاب سارتر الشهير «الوجود والعدم»، قد راحت مع مرور الأيام تُثير الضيق والاشمئزاز في نفس كامي؛ فها هو يعترف في عام ١٩٥١م بأن هذه الكلمة كانت ذات مصيرٍ تعس وبأنها قد أصبحَت تُثير الضجَّة في نفسه. ثم يُضيف إلى ذلك قوله: «عندما قمتُ بتحليل عاطفة المُحال في «أسطورة سيزيف» كنتُ أبحث عن منهجٍ لا عن مذهب. لقد طبَّقتُ منهج الشك، وحاولتُ أن أخلُق هذه اللوحة البيضاء tabula rasa التي يُمكِن للإنسان أن يبدأ البناء منها.»١٨٥
فإذا صحَّ أن المُحال ينبغي النظر إليه باعتباره منهجًا أو فرضًا من فروض العمل والبحث، فقد كان ينبغي أيضًا أن يَقرَّ ذلك في الأذهان منذ ظهور كتاب أسطورة سيزيف. وإذا كان الشكُّ المنهجيُّ لا يكفي لكي يجعل من ديكارت فيلسوفًا من فلاسفة الشك، فإن المُحال لا يكفي كذلك لكي يجعل من كامي فيلسوف المُحال، وهو الاسم الذي راح يُطلِقه عليه الكثيرون دون رويةٍ ولا إنصاف. لقد قال كامي في ذلك الكتاب في جلاءٍ ووضوحٍ إن الأمر فيه إنما يتعلَّق بنوعٍ من أنواع العناد Entétement.١٨٦ وليس هذا العناد إلَّا ما تُعبِّر عنه هذه الجملة التي أوردناها من قبلُ في سياق الحديث عن أخلاق الكَم: «لقد كان همُّنا حتى الآن أن نعرف إن كان من المحتَّم أن يكون للحياة معنًى حتى يمكن لها أن تُعاش. وهنا يتبيَّن على العكس من ذلك أنها تكون أصلحَ ما تكونُ للحياة كلما قلَّ نصيبها من المعنى.»١٨٧

ولقد نتجَت عن ذلك كما قلنا أخلاقٌ جديدة عرفناها بأخلاق الكَم، وشعار للفعل والسلوك يؤكِّد التحدي والعناد، ويقول:" «عش كما لو …» ورفض لكل حلٍّ لمشكلة المُحال عن طريق اللجوء إلى المتعالي في أية صورةٍ من صوره. وهذه النتيجة نفسُها تضعُنا وجهًا لوجه أمام السؤال المُحيِّر: كيف يتسنَّى لفلسفةٍ نافية أن تعيش جنبًا إلى جنبٍ مع أخلاقٍ إيجابية تؤكِّد الحياة وتجعل منها القيمة الوحيدة التي تستحق هذا الاسم؟

والإجابة على ذلك تحتاج منا إلى أن ننظُر إلى تفكيرِ كامي في إطاره التاريخي الذي لا يُمكِن فصلُه عنه. والسؤال يضعُنا كذلك أمام المشكلة التي هزَّت عصرًا بأكمله: «نريد أن نفهم تاريخنا وأن نحياه. إننا نعتقد أن حقيقة هذا القَرن لا يمكن أن تُفهم فهمًا صحيحًا حتى نذهب في مأساتنا إلى آخر مداها.»١٨٨
لم تكن فلسفة النفي والمُحال هي نقطة البداية التي انطلق منها تفكير كامي وحده، بل لقد شاركه جيلُه كلُّه فيها، وأخطرُ ما في هذه الفلسفة أنها لم تَبقَ كغيرها مطويةً في توابيت الكُتب، مقصورةً على قاعات البحث أو حذلقات المثقَّفين. لقد دفع الملايين من بني الإنسان من دمائهم ودماء أطفالهم ثَمنَ المغالاة فيها وسوء فهمها. وإذا كانت مثل هذه الفلسفة التي تبدأ بالنفي والسلب تنتهي في بعض الأحيان إلى العدَمية التي تُعبِّر عن ذاتها باحتقار الإنسان والقضاء عليه (كما كان الحال عند كاليجولا وعند الصديق الألماني الذي يكتُب إليه كامي رسائله الأربعة في أثناء الحرب العالمية الثانية) أو تؤدي في بعضها الآخر إلى روح التضامُن والتعاطُف والاعتراف بطبيعةٍ إنسانيةٍ يُشارِك فيها أبناء الإنسان جميعًا أو ينبغي عليهم أن يشاركوا فيها، فإن الأمر يتوقَّف في الحقيقة على موقفنا من هذا النفي أو المُحالية واعتبارنا لهما نقطةَ بداية أو مذهبًا مُطلقًا لا تغيير فيه ولا رجوع عنه «يقينًا ليس كل شيءٍ متضمَّنًا في النفي أو في المُحال. نحن نعرف هذا، ولكننا نعرف أيضًا أنه يجب علينا أن نبدأ من النفي، من المُحال؛ فهذان هما اللذان وجدَهما جيلُنا على طريقه، ومع هذَين ينبغي أن ندخُل في الجدل والحوار.»١٨٩
إن المحاولات الكثيرة التي بُذلَت لتفسير فكر كامي على أنه «عدميةٌ مطلقة أو عدميةٌ أنطولوجية» أو على أنه «نارسيسيةُ العدم» (كما يرى جابرييل مارسيل)١٩٠ واعتبار عالَمه عالَم المحكوم عليهم بالإعدام (مثل ر. مونييه)١٩١ مقفلًا على نفسه، مُحاطًا بالأسوار من كل جانب، بل الذهاب إلى حد القول بأنه سجنٌ أو أشبه بالسجن (مثل ر. بسيالوف،١٩٢ ر. كوييه)،١٩٣ نقول إن كل هذه التفسيرات تنظر إلى جزءٍ أو آخر من عالم كامي، ولكنها لا تراه ولا تُنصفه في حقيقته الكلية؛ فهي لا تُحاوِل أن تُفسِّره بكليَّته من خلال لحظةٍ واحدةٍ من لحظات تطوُّره فحسب، بل إنها تجهل طبيعة المُحال نفسه وماهيَّته، الذي لم يكن نهايةً يقف عندها بل بداية يبتدئ منها، ولم يكن نفيًا مُطلقًا بل تضمَّن دائمًا الإيجاب في داخله.

كيف تم هذا التطوُّر أو بالأحرى هذا الاتساع في المجال الفكري؟

هذا ما سوف نُحاوِل أن نُجيب عنه في الفصول القادمة.

١  أي في كتابه الأول L’envers et l’endroit (الظهر والوجه)، ١٩٣٥–١٩٣٦م، شارلو، الجزائر. ظهَرَت الطبعة الجديدة منه لدى الناشر جاليمار، ١٩٠٤م، مصدَّرة بمقدمةٍ هامة.
٢  الظهر والوجه، ص٦٤.
٣  الظهر والوجه، ص٦٥–٦٦.
٤  الظهر والوجه، ص٦٢.
٥  الظهر والوجه، ص٦٢.
٦  الظهر والوجه، ص١٢٤.
٧  الظهر والوجه، ص١٢٥.
٨  أسطورة سيزيف، ص١٨.
٩  أسطورة سيزيف، ص٥.
١٠  أسطورة سيزيف، ص٩.
١١  أسطورة سيزيف، ص٢٧.
١٢  أسطورة سيزيف، ص٢٩.
١٣  أسطورة سيزيف، ص٢٧.
١٤  الغريب، ص١٦٢.
١٥  أسطورة سيزيف، ص٢٧.
١٦  أسطورة سيزيف، ص٤٢٧–٤٢٨.
١٧  روبير دو لوبيه، ألبير كامي، الطبعة الخامسة، باريس ١٩٥٨م، ص١٦–١٧.
١٨  أسطورة سيزيف، ص٢٩.
١٩  أسطورة سيزيف، ص٣٠.
٢٠  أسطورة سيزيف، ص٤٤.
٢١  أسطورة سيزيف، ص٣٧، ٤٩، ٥٥، ٧٣.
٢٢  روبير دو لوبيه، ألبير كامي، ص٢٠.
٢٣  divorce أسطورة سيزيف، ص١٨.
٢٤  أسطورة سيزيف، ص١١٩.
٢٥  أعراس، ص٣٨.
٢٦  أعراس، ص٦١.
٢٧  أسطورة سيزيف، ص١٠٨.
٢٨  أسطورة سيزيف، ص٨٤، والملاحظة ١٤ في نفس الكتاب. راجع كذلك المتمرد، ص٣٠٨–٣٣٩.
٢٩  أسطورة سيزيف، ص١٠١.
٣٠  أسطورة سيزيف، ص٩٦.
٣١  أسطورة سيزيف، ص١٠٠–١٠١.
٣٢  الظهر والوجه، ص٦٠.
٣٣  الحصار، ص٢٧٠.
٣٤  الوباء، ص٢٢٨.
٣٥  سوء تفاهم، الفصل الأول، المشهد الرابع.
٣٦  سوء تفاهم، الفصل الثالث، المشهد الثالث، ص٩.
٣٧  كاليجولا، الفصل الرابع، المشهد الثاني عشر، ص٢٠٨.
٣٨  أسطورة سيزيف، ص١٠١.
٣٩  كاليجولا، الفصل الرابع، المشهد الثالث عشر، ص٢١٠.
٤٠  الظهر والوجه، ص٢٣.
٤١  الحصار، ص١٨٠.
٤٢  الوباء، ص٢٠٣.
٤٣  أسطورة سيزيف، ص١٠٠.
٤٤  أسطورة سيزيف، ص١٠١.
٤٥  أسطورة سيزيف، ص١٠٢.
٤٦  أسطورة سيزيف، ص١١٢.
٤٧  أسطورة سيزيف، ص١٠٢.
٤٨  Absurdité.
٤٩  أندرية روسو، ألبير كامي وفلسفة السعادة، في كتابه: أدب القرن العشرين، المجلد الثالث، باريس، ألبان ميشيل، ١٩٤٩م، ص٨٠. سنعود إلى هذه الكلمة بشيءٍ من التفصيل فيما بعدُ.
٥٠  أسطورة سيزيف، ص١٦٧.
٥١  أسطورة سيزيف، ص١٦٨.
٥٢  الظهر والوجه، ص٨٨.
٥٣  الظهر والوجه، ص١٢٤.
٥٤  أعراس، ص٨٤، ٨٩.
٥٥  ملاحظات عن التمرد، في «الوجود» (مجموعة الميتافيزيقا بإشراف جان جرنييه)، باريس، جاليمار، ١٩٤٥م، ص١٥.
٥٦  أسطورة سيزيف، ص١٦٥.
٥٧  أسطورة سيزيف، ص١٦٧.
٥٨  أسطورة سيزيف، ص١٢٩، هكذا ورد النص في الطبعة الأولى من أسطورة سيزيف لعام ١٩٤٢م، أما في الطبعة الحالية فقد تغيَّرَت العبارة على هذا النحو: «هنالك أيضًا سعادةٌ ميتافيزيقية» مما لا يتفق مع سياق الكلام.
٥٩  أسطورة سيزيف، ص٧٦–٧٧.
٦٠  الظهر والوجه، ص٦١.
٦١  أسطورة سيزيف، ص١٥.
٦٢  أسطورة سيزيف، ص١٥.
٦٣  هناك شكلٌ ثالثٌ من أشكال الانتحار إلى جانب الانتحار الجسدي والانتحار الفلسفي. إنه ذلك الذي نجده عنه كاليجولا، في المسرحية المعروفة بهذا الاسم؛ فالمسرحية كلها ليست إلا سردًا لقصة انتحار على مستوًى عالٍ. إن كاليجولا سيجد حتفه في الرعب والقلق، خلال «ليل ثقيل ثقل الألم الإنساني». لن تريه المرآة حتى النهاية غير وجهٍ إنساني، وهو الذي أراد أن يرى نفسه فوقَ الإنسان وأقسى من القدَر. إنه لم يدرك المستحيل ولم يصل إلى القمر. لم يستطع كاليجولا أن يكون إلهًا، ولكنَّ الآخرين من حوله قد أصبحوا بشرًا. لقد أعطى كاليجولا قاتليه الشعلة التي أحرقَته في النهاية، حين دفعهم إلى الشجاعة وإلى التمرُّد عليه (أعني إلى الوعي بوجودهم الإنساني، والوجدان بطبيعتهم الإنسانية nature humaine التي سنتحدَّث عنها فيما بعدُ)؛ لذلك كان من حقِّه أن يصرخ صرخته الأخيرة التي يختلط فيها الألم والتحدي والانتصار وهو يقول: «ما زلتُ حيًّا!» كاليجولا، الفصل الرابع، المشهد الرابع عشر.
٦٤  أعمال كيركجارد، المجلد الرابع، ص٢٥٤ (من الطبعة الدانيمركية). النصوص الواردة هنا عن الترجمة الألمانية لأسطورة سيزيف والتعليق عليها بقلم ليزوليته رشتر، دائرة معارف روفولت، ص١١٧.
٦٥  المجلد السابع، ص١٩٦.
٦٦  أعمال كيركجارد، المجلد الرابع، ص٢٣٠.
٦٧  أعمال كيركجارد، المجلد الثالث، ص١٢٩.
٦٨  أعمال كيركجارد، المجلد الرابع، ص٢٣٣.
٦٩  كيركجارد والفلسفة الوجودية، باريس، ١٩٣٦م.
٧٠  كارل ياسبرز، عن الحقيقة، ص٦٢.
٧١  كارل ياسبرز، عن الحقيقة، ص٦٨.
٧٢  الفلسفة الترنسندتنالية في هذا السياق بمعنى الفلسفة التي تحدِّد المبادئ القبلية التي تكون شرطًا لقيام التجربة (راجع التعليق الذي تناولنا فيه مشكلة العُلو أو الترانسندتس على صفحة ١٥٤ من هذا الكتاب).
٧٣  عن الحقيقة، ص١١٢.
٧٤  أسطورة سيزيف، ص٤١.
٧٥  Intentionalität.
٧٦  Reduktion.
٧٧  أسطورة سيزيف، ص٧٧.
٧٨  أسطورة سيزيف، ص٥٠.
٧٩  أسطورة سيزيف، ص٧٨.
٨٠  أسطورة سيزيف، ص١٤٨.
٨١  أسطورة سيزيف، ص١٢٩.
٨٢  أسطورة سيزيف، ص١٥.
٨٣  أسطورة سيزيف، ص١١٦.
٨٤  أسطورة سيزيف، ص٣٨.
٨٥  روبير دو لوبيه، ألبير كامي، ص٢١–٢٢.
٨٦  أسطورة سيزيف، ص٣٦.
٨٧  أسطورة سيزيف، ص٧٦.
٨٨  أمانويل مونييه، ألبير كامي أو نداء المقهورين، ص٤٤.
٨٩  أسطورة سيزيف، ص٤٥.
٩٠  أسطورة سيزيف، ص٧٨–٧٩.
٩١  أسطورة سيزيف، ص٧٧.
٩٢  أسطورة سيزيف، ص٧٩.
٩٣  أسطورة سيزيف، ص٧٩.
٩٤  أسطورة سيزيف، ص٨٢.
٩٥  أسطورة سيزيف، ص٨٢–٨٣.
٩٦  أسطورة سيزيف، ص٧٩، ٨١.
٩٧  سنرى فيما بعدُ كيف يغيِّر كامي موقفه، وكيف سيعترف بأن جوهر الحرية في الخضوع لقيمة من القيم، وذلك عند معالجته لمشكلة التمرد الذي يُدرك حدوده المرسومة له. هذه القيمة التي يُشارِك فيها أبناء الإنسان جميعًا، ونعني بها الطبيعة الإنسانية، هي التي ستُعيِّن للفعل حدوده التي لا ينبغي له أن يتخطَّاها، مما سنتناوله بعدُ بالتفصيل.
٩٨  أسطورة سيزيف، ص٨١.
٩٩  أسطورة سيزيف، ص٨١.
١٠٠  أسطورة سيزيف، ص٨٣.
١٠١  أسطورة سيزيف، ص١١٠.
١٠٢  أسطورة سيزيف، ص١٥٦.
١٠٣  أعراس، ص١٥.
١٠٤  أسطورة سيزيف، ص٢٥.
١٠٥  أعراس، ص٥٩.
١٠٦  أعراس، ص٦٠؛ أسطورة سيزيف، ص١٢٢.
١٠٧  أسطورة سيزيف، ص١١٩.
١٠٨  أعراس، ص٦٠.
١٠٩  بينما يحرص الأب بانيلو (في رواية الوباء) على نجاة الأرواح، نجد الدكتور ريو يُنادي قائلًا: «نجاة الأجساد!»
١١٠  الضيف، ص١٦٠.
١١١  أسطورة سيزيف، ص١٨٥.
١١٢  أسطورة سيزيف، ص٧٣.
١١٣  الضيف، ص١٨٩.
١١٤  أسطورة سيزيف، ص٣٤.
١١٥  أسطورة سيزيف، ص٦٣.
١١٦  أعراس، ص٢٤.
١١٧  أعراس، ص٨١.
١١٨  أعراس، ص٨٠.
١١٩  أعراس، ص٩٠.
١٢٠  ليس من العسير أن نتبيَّن من هذا كله كيف أن كامي في وصفه للظواهر الخالصة لا يُغادر المجال الفينومينولوجي (الظواهري). ومع ذلك ففي استطاعتنا أن نُسمِّي منهجه بالظاهرية التجريبية تمييزًا لها عن منهج هسرل الفينومينولوجي الذي يهتم بوصف الظاهرات الخالصة، ليصل منها إلى الماهيات أو الحقائق الأولى في الشعور، وجديرٌ بالذكر أن كامي يسير في كتبه، وبخاصة في كتابه «أعراس»، على نفس منهج هسرل الفينومينولوجي، كما يفهمه هو نفسه وينقده في كتابه «أسطورة سيزيف، ص٦٣–٧٢».
١٢١  الظهر والوجه، ص١٢٤.
١٢٢  شارل مولر، أدب القرن العشرين والمسيحية، المجلد الأول، صمت الله، باريس، الطبعة السابعة، كاسترمان، ١٩٥٨م، ص٤٤.
١٢٣  أسطورة سيزيف، ص١٣.
١٢٤  أسطورة سيزيف، ص١٣.
١٢٥  أسطورة سيزيف، ص٦٠.
١٢٦  أسطورة سيزيف، ص٢٦.
١٢٧  أسطورة سيزيف.
١٢٨  أسطورة سيزيف، ص٣٤.
١٢٩  أسطورة سيزيف، ص٧٣.
١٣٠  أسطورة سيزيف، ص٣٤.
١٣١  أسطورة سيزيف، ص٣٤.
١٣٢  أسطورة سيزيف، ص٣٢.
١٣٣  أسطورة سيزيف، ص٣٢.
١٣٤  أسطورة سيزيف، ص٣٦.
١٣٥  أسطورة سيزيف، ص٣١–٣٢. (cercle vicieux).
١٣٦  أسطورة سيزيف، ص١١٨.
١٣٧  أندريه نيكولا، الفكر الوجودي عند ألبير كامي، ص٦٨.
١٣٨  أسطورة سيزيف، ص٧٢.
١٣٩  أسطورة سيزيف، ص١٠٢.
١٤٠  أسطورة سيزيف، ص١٥٧.
١٤١  أسطورة سيزيف، ص٣٦.
١٤٢  توماس هانا، تفكير وفن ألبير كامي، شيكاغو، شركة هنري رجنري، ١٩٥٨م، ص٢٦.
١٤٣  أسطورة سيزيف، ص٨٧.
١٤٤  أسطورة سيزيف، ص١٢٥.
١٤٥  إن الفنانين الحقيقيين لا يحتقرون شيئًا. إنهم يُلزِمون أنفسهم بالفهم لا بالحكم والإدانة. وإذا كان لهم دَورٌ على وجه الإطلاق يقومون به في هذا العالم، فلا يمكن أن يكون في مجتمعٍ لا يسوده، كما تقول كلمة نيتشه العظيمة، القاضي بل الفنَّان المبدع، سواء أكان عاملًا أو مثقَّفًا (حديث السويد، ص١٤).
١٤٦  ريتشارد تيربرجر، ألبير كامي، عمله وفنه، في مجلة «الجامعة»، يناير ١٩٥٩م، ص٢١–٣٠.
١٤٧  أسطورة سيزيف، ص١٣٢.
١٤٨  أسطورة سيزيف، ص١٥٤.
١٤٩  أسطورة سيزيف، ص١٥٧.
١٥٠  أسطورة سيزيف، ص١٣١.
١٥١  أسطورة سيزيف، ص١٨.
١٥٢  أسطورة سيزيف، ص٣٧.
١٥٣  أسطورة سيزيف، ص٧٠.
١٥٤  «برنارد دلفجاءوف»، العدم، في: «مجلة البحث الفلسفي، ١٩٥٥م، المجلد الرابع، ص٤٠٠».
١٥٥  برنارد دلفجاءوف، المرجع السابق، ص٣٩٦.
١٥٦  ماكس مولر، فلسفة الوجود في الحياة العلية المعاصرة، الطبعة الثانية، هيدلبرج، مطبعة كيرلي، ١٩٥٨م، ص٦٥.
١٥٧  رسائل إلى صديق ألماني (كُتبَت بين عامَي ١٩٤٢–١٩٤٤م)، جاليمار، ١٩٤٥ / ١٩٤٦م.
١٥٨  في المسرحية المعروفة بهذا الاسم (كُتبَت في عام ١٩٣٨م)، جاليمار، ١٩٤٤م.
١٥٩  هي الشخصية الرئيسية في مسرحيته سوء فهم، جاليمار، ١٩٤٤م (وقد كُتبَت كذلك في عام ١٩٤٤/١٩٤٢م).
١٦٠  أسطورة سيزيف، ص٧٠.
١٦١  أسطورة سيزيف، ص٣٧.
١٦٢  رسائل إلى صديق ألماني، ص٤٢.
١٦٣  رسائل إلى صديق ألماني، ص٧٨–٧٩.
١٦٤  أسطورة سيزيف، ص٢١.
١٦٥  سواءٌ أكان النفي أو «ليس» يُضاف من مَلَكة الحكم والتفكير إلى الأشياء من خارجها (هانز كونس) أو كان الفكر هو الذي يجد اﻟ «ليس» أمامه في الأشياء «ج. كول-فورتمان» أو كان العدم أسبق من النفي ومن اﻟ «ليس» (كما يرى هيدجر) أو كان الأمر كله على عكس ذلك، فإن هذه المشكلات التي تتفاوت من حيث طبيعتها الأنطولوجية أو الوجودية، إلى جانب مشكلة النفي والعدم في حد ذاتهما، لا يمكننا أن نُفصِّل القول فيها في هذا المجال المحدود، وقد نعود إليها في غير هذا المكان. وراجع في ذلك إن شئت: يوزف مينرتس، الوجود والعدم، مجلة البحث الفلسفي، ميونخ، المجلد ٩، ١٩٥٥م.
١٦٦  من الجدير بالملاحظة هنا أن التناقُض كان نقطة البداية للكثير من المذاهب الفلسفية في العصر الحديث، التي يمكن أن نضع فلسفة كامي، بشيءٍ من التحفُّظ، إلى جانبها؛ ففلسفة ديكارت قد بدأَت من الشك في وجود كل شيءٍ أو هي قد حاولَت كذلك، وفلسفة كانْت قد حرَّكَتها المتناقضات التي يقع فيها العقل الخالص حين يتجاوز حدود التجربة العينية ويُحاول الوصول إلى المطلَق، وفلسفة هُسرل قد دفعَتْها متناقضات النزعة السيكلوجية دَفْعَتَها الأولى. ارجع في ذلك إلى بحثٍ طريفٍ لروبرت هايس بعنوان «منطق التناقُض، برلين وليبتسج، ١٩٣٢م».
١٦٧  أسطورة سيزيف، ص٣١.
١٦٨  أسطورة سيزيف، ص١٧٤؛ وكذلك الصيف، ص٧١.
١٦٩  أسطورة سيزيف، ص٣٨؛ والعادلون، الفصل الخامس، حيث تقول دورا: «إن من السهل، بل من الأسهل كثيرًا أن يموت الإنسان ضحيةَ متناقضاتِه من أن يحيا معها.»
١٧٠  الظهر والوجه، ١٢٤، ص١٠١.
١٧١  الظهر والوجه، ١٢٥.
١٧٢  ملاحظات عن التمرد، في «الوجود»، جاليمار، ١٩٤٥م، ص٩.
١٧٣  أعراس، ص٣٤.
١٧٤  أسطورة سيزيف، ص٤٦.
١٧٥  هذه الأزمة محدودة كذلك بحدودٍ تاريخيةٍ وزمنية؛ فقد ساعد عليها مرضٌ عضال هو مرض السلِّ الذي انتاب كامي على الأخص في أعوام ١٩٣٠م، ١٩٣٧م، ١٩٤٢م، ١٩٤٩–١٩٥١م، كما ساعده عليها اندلاعُ الحرب العالمية الثانية، ومشاركتُه في حركة المقاومة السرية للاحتلال الألماني.
١٧٦  أسطورة سيزيف، ص٤٦.
١٧٧  أسطورة سيزيف، ص٤٧.
١٧٨  أسطورة سيزيف، ص٤٨.
١٧٩  أوبجن، فنك، الوجود، والحقيقة، والعالم، مسائل تمهيدية لمشكلة تصور الظاهرة، لاهاي، مارتن نجهوف، ١٩٥٨م، ص٢٥.
١٨٠  المتمرد، ص١٩.
١٨١  المتمرد، ص١٩.
١٨٢  قارن «نماذج المُحال».
١٨٣  أسطورة سيزيف، ص١٣١.
١٨٤  أسطورة سيزيف، ص١٩، ٢١.
١٨٥  عن حديث مع ج. دوباريد، في مجلة الأخبار الأدبية، بتاريخ ١٠ مايو ١٩٥١م.
١٨٦  أسطورة سيزيف، ص٥٧.
١٨٧  أسطورة سيزيف، ص٧٦.
١٨٨  قضايا معاصرة، الجزء الأول، ص١١٢.
١٨٩  تشاؤم وشجاعة، مقالٌ نُشِر لأول مرةٍ في جريدة «كومبا»، في سبتمبر ١٩٤٥م، ثم أُعيد نشره في «قضايا معاصرة، الجزء الأول، ص١١٢».
١٩٠  جابرييل مارسيل، الإنسان المسافر Homo Viator، فلسفة الأمل، الطبعة الألمانية دوسلدورف، مطبعة باستيون، ١٩٤٩م، ص٢٥٨–٢٩٨.
١٩١  أمانويل مونييه، ألبير كامي، أو دعاء المقهورين، في مجلة Esprit، السنة الثامنة عشرة، يناير ١٩٥٠م، ص٢٧–٦٧.
١٩٢  ر. بسيالوف، عالم المحكوم عليه بالإعدام، في مجلة Esprit، يناير ١٩٥٠م، ص١–٢٧.
١٩٣  روجيه كوييه، البحر والسجون، مقال عن ألبير كامي، باريس، جاليمار، ١٩٥٦م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤