الطير الذي طار وارتفع

يعجبني من الأديب أن يكذب، فإذا أكذوبته سارية في الناس جيلًا بعد جيل، ترددها الألسنة فتنة بسجعها وإعجابًا بوقعها في المسامع، دون أن يتمهَّل عندها مُتمهِّل، لينْكُت معناها نَكْتًا، فيهتدي إلى مدى ما فيها من خطأ أو صواب. ولو كانت أكاذيب الأدباء التي تجري في الناس مجرى الأمثال، يقتصر شرها على دورانها في الأفواه، ورنينها في الأسماع؛ لهان خطبها، لكنها كثيرًا ما تؤثر في سلوك الناس، فيضلون سواء السبيل، من حيث يريدون لأنفسهم هداية ورشدًا.

فقد زعم للناس أديب — لست أدري من هو، ولا في أي زمن عاش — أنه «ما طار طير وارتفع، إلا كما طار وقع» فانساق الناس بقوله المسجوع انسياقًا أعماهم عن مدى الصواب فيما زعم، فكلما هوى في المجتمع نجم بعد سطوع، وكلما ذَوَتْ أمة بعد ازدهار، هزُّوا رءوسهم ومصُّوا شِفاهَهم، وقالوا مع الأديب: «ما طار طير وارتفع، إلا كما طار وقع.»

وكنت كذلك أهزُّ رأسي، وأمصُّ شفتي اعتبارًا واتعاظًا، وأقول حكمة الأديب مع القائلين، حتى كان أمس … جلست وأسندت رأس على مقعدي و«سرحت»، وأخذتني نزعة من الحسد — ألا ما أضعف طبيعة الإنسان! — إذ طاف برأسي فلان، وأخذت أتعقب خطواته في الحياة وخطواتي، فرأيته يخطو خطوات الجبابرة، ورأيتني أَكْبُو وأتعثر؛ فقد فرغنا من الدراسة معًا، وسرنا فيما يشبه أن يكون طريقًا واحدًا، لكنه كاد يُشْرف على القِمة، وما أزال ألهث في ربع الطريق! عندئذٍ جاءتني حكمة الأديب على سبيل العزاء: إنه ما طار طير وارتفع …!

ولم ألبث أن أتبين كم أنا غِرٌّ ساذج أتلهى بالأكاذيب! … إن الطير هذه المرة في ارتفاع دائب، ولا ألمح فيه علامة تنبئ بسقوط. إنه صاعد أبدًا … إن الذروة قد باتت منه قريبة دانية … لقد كذب الأديب صاحب الحكمة.

لكن من يدري؟ لعل الأديب الذي أذاع في الناس هذه السجعة معذور؛ لعله لم يُرِدْ بالناس كذبًا ولا تضليلًا، وإنما أراد أن يسجل ما ظن أنه الحق، فلم تقع عينه على طير طار إلا وعاد إلى الهبوط بعد حين قصير أو طويل؛ فمهما أُوتي الطير من قوة الجناحين وصلابة الريش، فهو لا يستطيع أن يظل مُحَوِّمًا في الفضاء إلى أبد الآبدين، فلا بُدَّ له من عودة إلى الغصون أو السقوف أو إلى هذه الأرض، يلتمس هنا أو هناك لنفسه مستقرًّا يلوذ به، وُكْنًا يأوي إليه ولو إلى حين، لعل أديبنا لم يُرِدْ بالناس كذبًا ولا تضليلًا حين قال ما قال، وإنما أراد وصفًا للواقع الذي يشهده في كل حين. والذي أخطأ هم الناس حين طبَّقوا قول الأديب على شتى أوضاع الحياة؛ فظنوا أن ما يصدق على الطير يصدق كذلك على الآدميين أممًا وأفرادًا.

فمن أبشع مصادر الخطأ الإنساني، وأفظعها خطرًا، المماثلة بين شيء وشيء، بحيث نطبق على الثاني ما يصدق على الأول لشبهٍ بين الشيئين في وهمنا وخيالنا، ثم نتصرف على هذا الأساس … فالحكومات الاستبدادية التي أظلت أوروبا منذ عهد قريب، إن هي إلا نتيجة هذا الخطأ، ولأن الفرد من الناس كائن عضوي. والمجتمع يشبه الفرد، فلا بُدَّ أن يكون المجتمع كائنًا عضويًّا كذلك، وما دام الكائن العضوي يتسم بوحدة تمسك الأعضاء، بحيث لا يجوز لعضو أن يتصرف بما لا يتفق مع تصرف سائر الأعضاء؛ فكذلك الأمة لا ينبغي للفرد منها أن يعارض بسلوكه أو بفكره ما تواضع عليه سائر الأفراد، ومَن الحَكم؟ هو العقل في الفرد، وهو الدولة في المجتمع، فما تحكم به الدولة قضاء مُبْرَم لا رادَّ له، وليس فيما تنطق به الدولة خطأ يُصحح أو كذب يُرَد إلى صواب.

والخطأ كله هنا مصدره المماثلة بين المجتمع والفرد، ولا تماثل هناك إلا في وهم الإنسان، فلو قلنا لهؤلاء الذين يعتقدون الشبه بين المجتمع والفرد، ويفرحون بهذا الشبه، ويستنتجون منه النتائج الخطيرة البعيدة المدى، لو قلنا لهم: إن للفرد شعرًا وأظفارًا، فأين الشعر والأظفار في المجتمع؟! ضحكوا من جهلنا، وقالوا: ما هكذا تكون المشابهة بين الشيئين، وإنما يُشَبَّهُ الشيءُ بالشيء في الصفات الجوهرية التي هي كيت وكيت … وكأنما فاتهم هم في هذا الموضوع أن الصفة تكون جوهرية لمن أرادها!

وكذلك ترى من أصحاب الفكر من يُمضُون في تشبيه المجتمع بالفرد إلى حد أن يقولوا: إن الفرد له طفولة وشباب وشيخوخة بعدها يموت، وكذلك حال المجتمع، فلكلِّ مجتمع طفولته، وشبابه وشيخوخته … وعلى ذلك المنطق لا يتردَّدون في الحكم على الأمم، فتراهم يقولون — مثلًا — إن هذه الأمة الفلانية قد طال بها العهد وهي في أوجها؛ ولذا فلا بُدَّ أن تكون قد هرمت، ولا يُنتظر لها إلا الفناء القريب … وربما رتبوا على ذاك التفكير نتائج عملية تمس سلوكهم.

•••

هذا مثل واحد أسوقه لأُبَيِّن به كيف يتعرض الإنسان للخطأ حين يبني نتائجه على تشبيه شيء بشيء. وإنما سُقتُ هذا المثل استطرادًا في الحديث، وما أردت في الواقع إلا أن أذكر للقارئ حالة على وجه التخصيص، وهي أن الطير إذا كان لا بُدَّ له أن يقع بعد ارتفاع، فما كذلك الإنسان؛ فصفحات التاريخ مُفْعَمة بالشواهد على أن الرجل من الناس قد يرتفع ويرتفع في غير نقوص ولا انتكاس، بل يظل يرتفع حتى بعد موته! وإلا فحدثني متى وقع شيكسبير بعد صعوده في أجواز الفضاء؟ لقد ظل الرجل يعلو ثم يعلو، وها هو ذا لا يزال في أنظارنا يعلو! وحدثني متى وقع «فورد» بعدما أصابه من نجاح في عالم الأعمال؟ ومتى سقط نيوتن أو أينشتين؟ وقل مثل هذا في كثير جدًّا من نوابغ الإنسانية في كل جانب من جوانب حياتها.

إننا على وجه الإجمال أمة متشائمة، تعطف على العاجز أكثر مما تصفق للقوي الناجح. إن أسماع الناس لا تطمئن إليك إذا زعمت لهم أن الإنسان ذو قدرة وجبروت، وأنه يحاول أن يمضي قُدمًا في غزو الطبيعة حتى يغزوها ويقهرها، لكن اضرب لهم على وتر الضعف والإخفاق. وقُل لهم: من ذا يكون هذا الإنسان المسكين؟ إنه ضئيل هزيل، لن يبلغ من فهم الكون شيئًا يسمن أو يغني؛ يصفقوا لك إجلالًا وإكبارًا.

وهذا هو — في أغلب الظن — ما يدعوهم إلى التجهُّم لك إذا زعمت لهم أن الطير القوي قد يظل مُحَلقًا في أعلى أجواز السماء إلى الأبد؛ لأنهم لا يريدون لرفعة إنسانية أن تتصل وتستمر. ولا يحبون شيئًا بمقدار ما يحبون لهذا الطائر المُحَلق في حصون الجو أن يسقط مَهِيض الجناح مُحطَّم الريش، جزاء ما طمع وما طمح.

إننا على وجه الإجمال أمة تنطوي على كثير من الذِّلة والانكسار، وصدق من لاحظ أن بين نظراتنا ونظرات الغربيين فرقًا في البريق واللمعان! فعين الأورُوبي مفتوحة تلمع وعين الشرقي مكسورة تنمُّ عن كثير من الشعور بالضعف … ولعل أول شروط الحياة الناجحة أن تثق بالقدرة على تحقيقها؛ فلن تشق أجواز الفضاء بجناحَيْك إلا إذا وثقت منذ البداية أن ارتفاعك لا يعقبه سقوط.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤