بين الأدب ونقده

عجيبة هذه المصادفات …

لم أكد أفرغ من كتاب «النقد المنهجي عند العرب» للدكتور محمد مندور، وأسجل رأيي في بعض ما جاء فيه — وهو رأي عارضه الدكتور مندور — أقول إني لم أكد أفرغ من ذلك الكتاب؛ حتى طالعت كتابًا آخر لأديب آخر، ليس بين موضوعه وموضوع الكتاب السابق من أواصر القربى إلا ما يذهب إليه الأديبان من أن النقد الأدبي مرده إلى الذوق … وأما هذا الكتاب الجديد الذي أعنيه؛ فهو «على هامش الأدب والنقد» للكاتب الأديب المطلع الذواقة الأستاذ علي أدهم.

وكم كنت أحب أن أستعرض هذا الكتاب للقارئ، وأن أقدم له قبسات منه تظهره على ما فيه من غزارة مادة وجمال صورة؛ ففيه خمس وعشرون مقالة أُضيفت إليها مقدمة، كل مقالة منها — أستغفر الله — بل كل صفحة من صفحاتها، وأستغفر الحق، بل كل فقرة من كل صفحة؛ تضيف إلى علمك علمًا جديدًا.

نعم، كم كنت أحب أن أستعرض هذا الكتاب للقارئ، لولا أني آثرت شيئًا آخر لنفسي ولقارئي معًا، وهو أن أجادل أديبنا الكاتب رأيه في اعتماد النقد الأدبي على الذوق، في كلمة أوجهها كذلك إلى الدكتور مندور، وإلى كل من يأخذ هذا الرأي في أساس النقد … أريد أن أبسط رأيي في شيء من التفصيل؛ لأبين للقارئ ما أذهب إليه وأدين به، من وجوب اعتماد النقد الأدبي على العقل دون الذوق.

•••

يا ويح نفسي من هذه الألفاظ تلوكها الأفواه، ويشتد حولها الجدال والقتال، دون أن يتمهَّل المجادلون المقاتلون لحظة واحدة يتبينون فيها معاني هذه الألفاظ التي شمَّروا عليها السواعد وأرهَفُوا الألسنة وشَرَعوا السيوف! يرحمك الله يا سقراط رحمة واسعة! إنك لم تطلب إلى الناس إلا هذا المطلب المتواضع؛ تحديد الألفاظ التي يستخدمونها في أحاديثهم ونقاشهم، ولو قد فعلوا؛ لاستراحت ضمائرهم، واطمأنت أفئدتهم في صدورهم.

إن موضوع الخلاف بيني وبين الأديبين الكبيرين هو أنهما يريدان النقد الأدبي أن يعتمد على الذوق، وأريد أن يعتمد على العقل. بعبارة أخرى، هما يريدان للنقد الأدبي أن يكون فنًّا، وأريد له أن يكون علمًا. انظر — نشَدْتك الله — إلى هذه الكلمات التي حشرناها حشرًا في سطر واحد، ولو تناولنا واحدة منها بالتحليل والتحديد؛ لجاز أن ننفق أعمارنا دون أن نبلغ المدى: «فن»، «علم»، «ذوق»، «عقل».

ما معاني هذه الكلمات الأربع على وجه التحديد؟ ألا يجوز أن ينحسم الخلاف إذا ما اتضحت لنا تلك المعاني؟ ذلك ما أنا فاعله الآن، غير زاعم أني أقول الكلمة الأخيرة في شيء، وكل ما أدعيه هو أني حين أقول إنني أريد للنقد الأدبي أن يعتمد على العقل دون الذوق، فإنما أقول ذلك وفي ذهني ما سأثبته الآن من معانٍ لهذه الألفاظ.

ماذا أفهمه من كلمة «فن»؟

أنا الآن جالس إلى منضدة صغيرة أكتب هذا المقال، فحانت منى التفاتة من نافذة صغيرة إلى يساري، ورأيت غرابًا يَرِف بجناحيه، نعِق نعقتين كان في صوتهما تهدُّج، ثم هبط على غصن من شجرة لا أعرف نوعها. ولعله هبط على مكان من الغصن أوراقه متهافتة، فسقطت ورقة تأرجحت في الهواء، وهوت إلى الأرض هُوِيًّا بطيئًا.

هذه صورة مركبة من جملة عناصر، نكتفي الآن منها بثلاثة: أنا والغراب والشجرة (لأنك تستطيع أن تضيف عشرات العناصر الأخرى مما أراه وأسمعه وأحسه بخلَدي، وأفكر فيه في هذه اللحظة عينها).

أما أنا فبديهي أني كنت في هذه اللحظة من لحظات حياتي في حالة معينة فذَّة فريدة، لم يسبقها قط منذ ولادتي، ولن تلحقها قط إلى مماتي؛ لحظة أخرى تطابقها كلَّ التطابق من جميع الوجوه، فلا يعقل أن يتكرر موقفي إذ ذاك بما فيه ما يحيط بي من أشياء وملابس. وما أرى، وما أسمع، وما يدور في نفسي من خواطر، وأقلُّ ما يُقال في هذا الموقف الفريد الفذِّ، هو أني كنت قبل الآن أصغر مني الآن، وسأكون بعد الآن أكبر مني الآن.

وأما ما رأيته من الغراب فبقعة سوداء، تحركت حركة معينة، ثم سكنت في مكان معين، على هيئة معينة. بقعة سوداء! لكن السواد يا صاحبي له ظلال تُعد بالألوف؛ فأي ظل من هذه الظلال رأيت؟ والبقعة السوداء تحركت! الحركة كذلك يا صاحبي لها أُلوف الألوف من الصور، فبأي منها تحركت تلك البقعة السوداء؟! ثم سكنت البقعة السوداء في مكان معين! حتى السكون يا صاحبي صنوف وأشكال؛ فليس سكون النائم مثل سكون الميت، وليس سكون الصخرة مُلقاةً على سفح الجبل كسكون غرابك هذا على الفَنَن … وقُل مثل هذا فيما سمعت من الغراب، سمعته ينعق نعقتين في صوتهما تهدُّج، كم درجة من الصوت سمعت أذناك؟ وفي أية درجة من الدرجات أردت أن أضع نعيق الغراب؟ الحق أن ما رأيت من الغراب وما سمعت مركب فريد من عناصر اجتمعت على نحو يستحيل أن يكون له ما يماثله مماثلةً تامة في كل ما رأيت وما سأرى من الغربان.

وما قُلته في نفسي وفي الغراب، أستطيع أن أقوله في الشجرة والورقة التي سقطت منها وهَوَت إلى الأرض … ثم يزيد الأمر كله في درجة التركيب والتعقيد، حين نضيف هذه الأشياء الثلاثة بعضها إلى بعض في صورة واحدة، هي صورة فذَّة فريدة — كما أسلفت — لم تعرف، ولن تعرف الحياة لها مثيلًا آخر، بكل ما في التماثل من دقة وتطابق.

وكأني ألمح في قارئي علائم الدهشة من هذه المبالغة في قولي، ولكن ليس في الأمر يا صاحبي غرابة ولا عجَب! هكذا الحياة في شتى صورها، الحياة لا تعرف تكرار الأفراد. كل كائن حي — والكائنات الحية ملايين الملايين — فيه ما يجعله فردًا بذاته يختلف، ولو قليلًا عما عداه. خذ ورقة من شجرة، ودُرْ بها الأرض من قطبها إلى قطبها؛ فلن تجد لها مثيلًا بمعنى التماثل الذي تنتفي فيه كل الفروق المميزة انتفاءً تامًّا. وانظر إلى ألوف الناس من حولك، هل رأيت قط فردين يتشابهان إلى الحدِّ الذي تنمحي فيه المميزات جميعًا؟ لا، بل الاختلاف بين الأفراد أدق من هذا وألطف؛ فبصمات الأصابع لا تتشابه في الأفراد، ودَع عنك دقائق الجسم الباطنية من حيث الشكل والحجم والتركيب.

هكذا الحياة يا صاحبي في شتى صورها، ولا موضع لغرابة منك أو عجَب، الحياة لا تعرف تكرار الأفراد، بل لا تعرف تكرار اللحظات في الفرد الواحد، فيستحيل أن يكون الكائن الحيُّ في هذه اللحظة هو بعينه ما كان في لحظة مضَت، وهو بعينه ما سيكون في لحظة تالية.

والفن كما يقولون تصوير للحياة! مقياس الفن، بل معنى «الفن» هو التقاط موقف فرد مما يعج به العالم من حولنا. لو قلت كلامًا يصور حقيقية عامة تنطبق على هذا وذلك؛ فقولك بعيد عن الفن الرفيع. ومن هنا كانت ثورتي النفسية، وكان غيظي الشديد؛ كلما قرأت لكاتب من كتابنا يقول عن هذا الشاعر أو ذاك من أسلافنا إنه شاعر لحكمته، أو لصدق حكمه، أو ما إلى ذلك. الحكمة يا سيدي القارئ والحكم الصادق أدخَلُ في باب العلم؛ لأنها تعمم القول ولا تخصصه في تصوير موقف فريد؛ وإلا خبرني — أثابك الله — ما الفرق بين شاعرهم حين يقول: «والظلم من شيم النفوس»، وبين عالم الطبيعة حين يقول: «التمدد بالحرارة من شيم الحديد» و«الغليان من صفات الماء»، كلاهما يعمم الحكم، وإذن فكلاهما عالم وليس بأديب، ولا يكون ذلك الشاعر شاعرًا إلا إذا صوَّر حالة جزئية فريدة من حالات الظلم، أو صوَّر ظالمًا معينًا يتجسد الظلم في أعماله.

إننا نقول إن شكسبير كان شاعرًا فنانًا حين كتب مسرحيته عن كليوباترة، وشوقي لم يكن شيئًا حين كتب؛ لأن الأول قد استطاع بقوة فنِّه أن يجمع عناصر جزئية بعضها إلى بعض بحيث تتكون صورة فذة فريدة لشخصية تجعلها كهذه الأشخاص الذين تراهم حولك أحياء. وأما الثاني فربما حاول ذلك ولم يُوفَّق. ونجعل كتاب «الأيام» للدكتور طه حسين باشا خير كتبه جميعًا لما فيه من تصوير لطفولة واحدة فريدة لا تجتمع عناصرها إلا مرة واحدة، ونجعل «سارة» خير ما أنتجه الأستاذ العقاد لإبرازه فيه شخصية واحدة كذلك، ونرجح للدكتور أحمد أمين بك أن يخلد في دولة الأدب بكتاب زعماء الإصلاح١ أكثر من أي كتاب آخر؛ لأنه وُفِّق فيه إلى هذه الفردية التي ينشدها الفن، حين رسم صورة هؤلاء الزعماء.

لو أحسنت لجعلت مقياسك في الحكم دائمًا على القطعة الفنية كائنة ما كانت هو هذا: إلى أيِّ حدٍّ أخرج الأديب أو الفنان مركبًا من عناصر الحياة يستحيل أن يقع إلا مرة واحدة؟ إن تغزل حبيب في حبيبته ولم تلمح في عبارته ما يفرد حبه عن حب سائر الناس، بل لم تلمح فيه ما يفرد تلك اللحظة الواحدة من حياته الغرامية عن سائر لحظات حياته الغرامية أيضًا؛ فاعلم أنه شاعر زائف لا يصدر عن شعور صحيح، لأن شعوره الصادق الصحيح في تلك اللحظة إزاء حبيبته شيء فريد لم يتكرر، ولن يتكرر له مثيل إلى أبد الآبدين.

وقد قُلت هذا الكلام يوما لأستاذ يحاضر في الأدب، فضحِك مني ساخرًا وقال: إنك تجعل الأدب أضيق من سَمِّ الخِياط. وأنا الآن أرد عليه بقولي إنه فعلًا كما وصف، وإلا فليحدثني لماذا يزخر كل جيل من الناس في البلد الواحد بآلاف «الأدباء» و«الشعراء» ثم لا يُبْقِي الزمان من هؤلاء إلا أديبًا واحدًا أو شاعرًا واحدًا من كل عدة أجيال؟ ذلك لو نظرنا إلى العالم كله جملةً، ولم نقصر نظرنا على قطر بعينه؛ لأننا قد نحصر النظر — يا سيدي الأستاذ — في قطر واحد، ولا أقول ما هو. قد نحصر النظر الصارم الصادق في هذا القطر الواحد، فلا نراه قد أنجب أديبًا واحدًا ولا شاعرًا واحدًا في طول الزمان من مولده، ولا أقول إلى منتهاه.

•••

حسبي هذا في تحديد الفن — ومنه الأدب بالطبع — لأسائل نفسي: وماذا تريد بكلمة «العلم»؟

العلم — كما قلت في كلمتي للدكتور مندور عند التعليق على كتابه — هو منهج لا موضوع؛ فقد يختلف الموضوع عند مختلف العلماء فيكون النبات عند هذا، وطبقات الأرض عند ذاك، قد يكون الموضوع هو أجرام السماء عند عالم وماء البحر عند آخر، قد ينفق أحد العلماء عمره في حشرة يدرسها، وقد ينصرف عالم آخر بجهده كله إلى إشعاع الراديوم، وكل هؤلاء علماء! لماذا؟ لأنهم جميعًا يصطنعون منهجًا معينًا في فرض الفروض وتحقيقها. وليس هنا مجال التفصيل في ذلك.

لكن الدكتور مندور لم يعجبه منا هذا القول، فأنكره، قائلًا: «إن الذي يعرفه الجميع تعريفًا للعلم هو أنه «مجموعة من القوانين التي تفسر الظواهر الطبيعية» …» وقد كنت أحب أن يستثنيني على الأقل من هؤلاء الجميع؛ لأن «القوانين التي تفسر الظواهر الطبيعية» تتغير وتتبدل في مختلف العصور. قد يقول هذا بقانون ما، يفسر به ظاهرة طبيعية، وقد يقول غير ذلك من زملائه المعاصرين — ودَعْ عنك من سبقوه ومن سيلحقون به — قد يأخذ زميل له بقانون آخر يفسر به الظاهرة عينها، ومع ذلك فكلاهما عندنا عالم إذا اتبع منهاج العلم الصحيح، بغضِّ النظر عن القوانين التي وصل إليها هذا أو ذاك. ولو كانت العبرة في تعريف العلم بالقوانين التي تفسر الظواهر الطبيعية؛ للزم أن نُخرج من قائمة العلماء كل من لم تثبت قوانينه التي وصل إليها ثبوتًا يدوم على مر الزمن. وبعبارة أخرى، لزم أن نمحو كل العلماء من قائمة العلماء!

ولو كان العلم منهاجًا — لا موضوعًا معينًا — كما نعتقد، لما كان مستحيلًا أن يَنصَبَّ هذا المنهاج على الآثار الأدبية فيصبح النقد علمًا. وسنعود إلى تفصيل ذلك.

أقول إن المجال لا يسمح بذكر تفصيلات المنهج الذي يجعل العلم علمًا، لكني أذكر من خصائص هذا المنهج خصيصة لا بُدَّ من ذكرها في سياق هذا الحديث؛ ليتكامل الرأي الذي ندافع عنه.

من أخص خصائص المنهج العلمي أن يُسقِط ما هو خاصٌّ من جوانب الموضوع الذي يبحثه؛ فلا يستبقي إلا ما هو عام بين الناس، ومن هنا يتضح الفرق بين الفن والعلم، فبينما الفن كما قلنا يلتقط من الموضوع تلك العناصر التي تجعله فردًا فريدًا لا يتكرر في أشباه؛ ترى العلم يستبعد هذه الجوانب الخاصة من موضوعه ليحصر نظره في العام المشترك. فمثلًا، إن طالعتنا بأوصاف تتجمع في أذهاننا فتتكون منها صورة فريدة لشخص معين كما فعل شكسبير مثلًا في تصوير هاملت أو الملك لير أو غيرهما من عشرات الأشخاص الذين رسمهم بقلمه، أقول إن طالعتنا بمثل هذه الصورة الفذَّة الفريدة التي تجد ما يطابقها تمام التطابق في سائر أفراد الناس؛ كنت أديبًا فنانًا. أما إن أتيتنا بقواعد عامة لسلوك الناس على اختلافهم؛ فأنت عالم يشاهد الجوانب المشتركة بين الأفراد، فيجردها ويسجلها، ولا يغير من الموقف أن تضع علمك هذا في قصيد منظوم.

وهاهنا نضع إصبعنا على مميز واضح للعلوم في شتى صورها، يميزها من الفنون في مختلف ألوانها، وهو «التجريد». العلوم موضوعاتها جوانب مجردة انتزعناها من المفردات التي نشاهدها، والفنون موضوعاتها هي هذه المفردات في تفردها؛ فلو لحظت صفة تُميِّز البقر — مثلًا — فعزلتها بذهنك جانبًا، فقلت إن البقر يجتر، كنت بمنزلة العالم؛ لأنك جردت صفة واحدة من مجموعة صفات لا توجد في العالم الواقع إلا مركبة مشتبكة؛ أي انتزعتها وحدها، مع أنها لا توجد في الدنيا الحقيقية وحدَها، ثم لأنك عمَّمت هذه الصفة بين البقر جميعًا. أما إذا استوقفتْ نظرَك بقرة واحدة بشيء، فصورتها رسمًا أو كلامًا أو نحتًا، بحيث تثبت لها فرديتها التي لا تشترك فيها مع سائر البقر؛ فأنت ها هنا بمنزلة الفنان.

•••

وننتقل في هذا الموضع إلى صميم ما أردنا أن نعرضه على القارئ، وهو الذوق والعقل، ما معناهما؛ لنرى أيهما يصلح معيارًا للنقد الأدبي، وبالتالي لنرى هل يكون النقد الأدبي فنًّا أو علمًا.

سأعرِّف الذوق بأنه تأثر أي حاسة جسدية بأي أثر من الآثار. إن الذوق في أصله تأثُّر حاسة معينة عضوها اللسان، لكنا في هذا السياق سنعمم استعمال الكلمة على سائر الحواس، فلو نظرت إلى شجرة أمامك، فلنُسَمِّ انطباع صورة الشجرة على شبكية عينك وتأثرك بها ذوقًا، على غرار ما يتأثر اللسان بذوق الطعام الذي يمسه، وكذلك قُل في سمعك لصوت، أو لمسك لشيء، أو شمِّك لرائحة.

وبديهي أن الحاسة لا تتأثَّر إلا بما هو فرد فريد؛ فليست «الحرارة» بصفة عامة هي التي تلسع أصابعك، لكنها «هذه القطعة المعينة من الحديد» هي التي تلسعك، وأنت لا ترى «الشجر» بصفة عامة، بل ترى هذه الشجرة الواحدة المعينة في هذه اللحظة الزمنية المعينة، وهكذا قُل في سائر المدركات الحسية.

وسنسمح لأنفسنا أن نستعمل كلمة «الذوق» في تأثر الإنسان بما هو فريد من المشاعر، على نحو ما أطلقناها على تأثره بما هو فريد من الإحساسات. فمثلًا إذا أُصيب إنسان بموت ولده، فسيحزن، لكنه لن يحزن «حزنًا عامًّا» بل حزنًا خاصًّا فريدًا في ظروفه وفي الشعور به، وإذا رأيت منظرًا جميلًا، شروق الشمس أو غروبها مثلًا؛ فستشعر بفرحة قوية حسب استعدادك، لكنك لن تفرح «فرحًا عامًّا»، بل فرحك فريد فذٌّ يتعلق بمنظر فريد فذٍّ كذلك. وحتى لو فرحت بشروق الشمس أو غروبها كل يوم، فالمنظر في كل مرة من هذه المرات واحد متميز، لا ينطمس مع أقرانه في سائر الأيام.

هذا التأثر الفريد المتميز، الذي تنطبع به نفسك استجابةً لموقف فريد متميز كذلك؛ هو الذوق، وهو كما ترى شيء خاصٌّ بك، يستحيل أن تنقله إلى سِواك، يستحيل أن تنقل إليَّ ما تشعر به أنت من ألَم في ضرسك أو حزن على فقيدك الذي تحبه وتعزه، كما أنه يستحيل أن تنقل إليَّ تذوقك للطعام، وكل ما في مستطاعك أن تقول لي كلمات؛ لتثير في نفسي إحساسات ومشاعر أستمدها من تجاربي الخاصة أيضًا. فإن قلت لي مثلًا: إني حزين على ولَدي الذي مات، فربما حزنت لحزنك، لكني سأحزن حزنًا ثانيًا خاصًّا بي، سأستثير من ذكرياتي شعور الحزن، إنك لم تنقل إليَّ حزنك، وإنما أثَرت في نفسي جانبًا من سابق خبرتي.

هذا هو الذوق، وأما العقل يا سيدي القارئ؛ فلسنا نريد أن نصوره سحرًا غامضًا، ليرتع كل متكلم وكل كاتب في معانيه كيف شاء. العقل هو ألا يكون في قولك تناقض، هو ألا تقول قولًا ينقض بعضه بعضًا.

وبديهي أن التناقض لا يعني شيئًا إذا طبَّقناه على الأفراد؛ إذ لا معنى لقولك إن هذا الكتاب الذي أمامي يناقض هذا القلم، أو إن شعوري بالحزن في هذه اللحظة يناقض شعوري بالفرح عصر الأمس. أقول إن التناقض لا يكون بين المفردات الواقعة، وإذن فهو لا يكون أبدًا فيما أتلقاه عن العالم بالذوق؛ لأن الذوق — كما أسلفنا — هو وسيلة تأثرنا (بالحس أو بالشعور) بتلك المفردات الواقعة. من هنا استحال علينا أن نقول لشاعر صدقت أو كذبت. هذا إن كان الشاعر شاعرًا حقيقيًّا يعبر عن أثَر شعوري فريد.

وإنما يكون للتناقض معنًى في التعميمات المشتركة؛ فإذا قلت عن شيء إنه فوق المنضدة، فمن التناقض أن تعود فتقول إنه تحتها. و«فوق» و«تحت» وأشباههما من المعاني مشتركة عامة، وليست هي بالإحساسات الفذَّة الفريدة.

•••

وبعد، فهل يكون النقد الأدبي للذوق أو للعقل؟ هل يكون فنًّا أو علمًا؟ هذه هي المشكلة، كما يقول هاملت.

وأعتقد أن الأمر لم يعُد عسيرًا بعد تحديد الألفاظ الذي أسلفناه. فهَبْك قرأت قصيدة فأشاعت في نفسك لذَّة، إلى هنا أنت بمثابة المتذوق الذي يتأثر بشعور فريد خاص به، ولسنا نحرمك ولا نحرم أحدًا من هذه اللذة الذوقية بأي معنًى من معاني الحرمان، لكن اذكر — أستحلفك الله — أن ذلك التذوق يستطيعه الأبكم؛ فلا تقل: إنني ما دمت قد قرأت القصيدة، وذقت فيها حلاوة فأنا ناقد! لا تقل ذلك بربك العظيم؛ لأن الأبكم يستطعم القصيدة كما استطعمتها أنت، ثم لا ينطق، والناقد بالطبع لا بُدَّ فيه من كلام يقوله لنسمع.

لكنك لست مصابًا بالبكم، وتريد أن تتكلم بعد استمتاعك بما قرأت. عندئذٍ أنت بين أمرين؛ فإما أن تقول ما شئت من كلام تقصد به أن تثير في نفس سامعِك مثل الأثر الذي وجدته أنت، وقد تفلح وقد لا تفلح في تحقيق بغيتك، لكنك — على فرض توفيقك بمثابة الأديب المبدع، لا الناقد؛ لأنك تؤدي ما يؤديه الأديب. وهو أن يقول كلامًا يرُصُّه على الصورة التي يهوى؛ ليؤثر في السامع وقد نجحت، وسَمِّ هذا الضرب إن شئت نقدًا تأثريًّا، إذا ضمنت لنفسك حرصًا لا ينسيك أنه لا يصف حقيقة القطعة الأدبية، بل يصف وقعها في نفسك.

وأعجب العجَب في هذا الصدد أن نفتح «منهج البحث في الأدب واللغة» للانسون، وهو الذي يوصينا به الدكتور مندور لنهتدي سواء السبيل، فترى الرجل يفتتح بحثه قائلًا: «فالنقد التأثري نقد مشروع لا غُبار عليه، ما ظلَّ في حدود مدلوله، ولكن موضع الخطر هو أنه لا يقف قط عند تلك الحدود؛ فالرجل الذي يصف ما يشعر به عندما يقرأ كتابًا مكتفيًا بتقرير الأثر الذي تُخلِفُه تلك القراءة في نفسه، يقدم بلا ريب للتاريخ الأدبي وثيقةً قيمة … ولكن مثل هذا الناقد قلَّما يمسك عن أن يَزُجَّ بأحكام تاريخية خلال وصفه لأثر الكتاب في نفسه، أو أن يتخذ من ذلك الأثر وصفًا لحقيقة الكتاب الذي يقرؤه … ولذا كان من أهم وظائف المنهج أن يطارد هذا النقد التأثري.»

كلا، أيها القارئ الكريم، لسنا نحرمك بأي معنًى من معاني الحرمان، أن تقرأ وتتذوق ثم تسكت، فلا تكون شيئًا بالنسبة إلينا، ولسنا نحرمك بأي معنًى من معاني الحرمان أن تقرأ وتتذوق، ثم تكلمنا لتثير فينا أثرًا مثل الذي تأثرت به، وعندئذٍ تكون أديبًا من المرتبة الثانية؛ فليس هنالك فرق جوهري في طبيعة الموقف بين تأثر الأديب الأصلي بالطبيعة مباشرة فيكتب، وبين أن تتأثر أنت بالأثر الأدبي فتكتب. وفضله عليك هو أنه أسبق منك إلى إدراك الجمال في الطبيعة، لكن كليكما مع ذلك أديب يتأثر، فينشئ ليحدث في القارئ أثرًا شبيهًا بأثره.

أما إذا أصررت على أن تكون ناقدًا، فلا مَندوحة لك عن خطوة بعد قراءة التذوق، خطوة هي وحدَها التي تجعلك ناقدًا، وهي أن تسأل نفسك: ماذا في هذه القصيدة من العوامل الموضوعية التي أثارت في نفسي هذا الشعور أو ذاك؟ وقد ينتهي بك البحث — مثلًا — إلى أن اختيار الشاعر للبحر الطويل جاء موفَّقًا؛ لأنه يناسب موضوعه، فأحدث ما أراد أن يحدثه من أثر في نفس القارئ أو السامع، أو إلى أن كثرة الراءات في هذا البيت جعلته جميلًا، أو كثرة السينات والصادات في ذاك … لكن هذه وأشباهها قواعد عامة، فكأنك تقول: كل بيت يصف خرير الماء وتكثر فيه الراءات فهو جميل في هذا الجانب منه، وكل بيت يصف الحرب بالسيوف وتكثر فيه السينات والصادات؛ فهو جميل كذلك في هذا الجانب منه، وهكذا. أنت هنا لا تنقل إلينا عناصر تجتمع فتكوِّن موقفًا فريدًا لا يتكرر، بل تحدثنا عن قواعد عامة تتكرر في كل حالة شبيهة بالحالة التي أنت بصدد تحليلها. وما دمت في مجال التعميم فأنت عالم، وإذن فالنقد علم. ثم يقتضيك المنطق — أي العقل — ألَّا تُناقِض ما تقوله في موضع، بما تقوله في موضع آخر؛ فلا تقل مثلًا في موضع ما: إن البحر الطويل يناسب التعبير عن الحزن؛ لأنه بطيء، والحزين بطيء الحركات والكلمات، ثم تناقض ذلك في موضع آخر، وتزعم لنا أن البحر الطويل لا يناسب الحزن … وإن كان هذا هكذا؛ فأنت تصدر فيما تقول عن عقل. إنك، حين تنقد، عالمٌ لا فنان، يبني كلامه على عقل؛ أي يخلصه من تناقض أجزائه، لا على الذوق الذي يتأثر بهذا الفرد الجزئي أو ذاك وكفى.

ولأنك في نقدك عالم يبني قوله على العقل؛ أمكن أن نناقشك الحساب فيما تقول، فنعترف لك بصدق قولك أو ندعي عليك الكذب، ولا يكون كذب أو صدق إلا فيما يصور شيئًا موضوعيًّا بعيدًا عن ذوقك الخاص وشعورك الخاص، بل يستحيل استحالة قاطعة أن تفيدني شيئًا على الإطلاق بكلامك، إذا أردت أن تنقل إليَّ هذا الذوق الخاص وهذا الشعور الخاص؛ لأنه خاصٌّ بك مصبوبٌ في أعصابك.

لست إذن أوافق أديبينا الكريمين: الدكتور مندور في كتابه «النقد المنهجي عند العرب»، والأستاذ علي أدهم في كتابه «على هامش الأدب والنقد»؛ فيما ذهبا إليه من أن النقد فن، ومَرَدُّه للذوق. وأُصرُّ — كما قلت — على أن يكون عِلْمًا، مرجعه إلى العقل، على شرط أن تفهم هذه الألفاظ بما حُددت لها من معانٍ.

١  لم يكن كتابه «حياتي» قد صدر بعد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤