في دير أبي مقار

سار زكريا توًّا إلى الخان، فأعد كل معدات سفره، ثم ركب هجينه وخرج من الفسطاط فقطع النيل على جسر جزيرة الروضة، وقطع جسرًا آخر إلى بَر الجيزة، فلما صار في البر الغربي من النيل انتهز فرصةً بَدَّلَ فيها ثيابه ولبس ثياب الرهبنة وهو نوبي اللون والملامح، فأصبح كأنه راهبٌ من رهبان النوبة، ثم اتجه انتباهُهُ إلى الأسطوانة التي وضع فيها آماله وآمال دميانة، فجعلها في كيسٍ في عنقه تحت إبطه، بحيث لا تظهر ولا ينتبه لها أحدٌ، وبات ليلته وأصبح فركب هجينه وسار شمالًا يطلب بعض المحطات التي يسار منها إلى وادي النطرون وفيه دير أبي مقار.

ويقع وادي النطرون في صحراء ليبيا غربي الدلتا، على مسافة ثلاثة أيام منها يقطعُها المسافر في رمال وصخور لا أثر للعمارة فيها، ولا يلقى أنيسًا إلا القوافل الذاهبة إلى ذلك الوادي لتحمل الملك أو النطرون إلى الدلتا أو الراجعة بالمؤن والأطعمة للرهبان بالأديار القائمة في تلك البادية الموحشة.

وقد ذكر بعضُ المؤرخين أن هذا الوادي كان فيه نحو خمسين ديرًا وقال آخرون: إنها أقل من ذلك. والموجود منها الآن لا يتجاوز عدد أصابع اليد أهمها: دير أبي مقار ودير الأنبا بشاي ودير البراموس. وأولها أقربها إلى الدلتا، ثم تتباعد حسب ترتيب ذكرها. وهي قديمةُ البناء ربما اتصل تأسيسها بالقرن الرابع للميلاد؛ أي عند شيوع الرهبنة في النصرانية مما لا محل لتفصيله هنا.

والذاهبُ إلى وادي النطرون لا يأمن الذهاب وحده في تلك البادية؛ خوف الضلال في الطريق وحذرًا من أهل السطو، ولذلك لم يكن الناس يسافرون إلا مع القوافل جماعات، ولم يكن زكريا يجهل ما يعترضُهُ من الخطر في السفر، فلما وصل إلى المحطة التي يبدأ منها الدخول في الصحراء غربًا إلى وادي النطرون أخذ يبحث عن قافلة يسيرُ برفقتها، فعلم أن ركبًا يتأهب للمسير في الغد يحمل المئونة من الزيت والحنطة وغيرها إلى دير أبي مقار، ففرح لهذه الفرصة المواتية، وانخرط في سلكهم وكان معهم راهبان من رُهبان الدير، فسألاه عن أمره فاضطر إلى أن يجعل قوله مطابقًا لملابسه فقال: «إنني راهب من رهبان النوبة.» فقال الراهب: «أظنك قادمًا في مهمة إلى البطريرك ميخائيل؟» وتنحنح. فقال: «أطلب تقبيل يديه.»

فلما قال ذلك التفت أحد الراهبين إلى زميله وتبسم كأنه يلفته إلى شيء لحظه. فلما رأى زكريا تبسمه وإيماءه خاف أن يكون قد كشف أمره — ويكاد المريب يقول خذوني — لكنه تجلد والتفت إلى الراهب الذي ضحك وقال: «ما بالك تضحك أيها الأخ ألم تصدق قولي؟»

قال: «العفو يا أخي. ليس هذا غرضي معاذ الله أن أشك في قولك ولكنني ضحكت لأمر تذكرتُهُ وقع من عهد غير بعيد، وإذا كنت قادمًا من النوبة الآن فأنت جدير بمعرفته.»

وخشي زكريا أن ينكشفَ أمرُ تنكره فابتسم وأغضى كأنه يعرف السر ويود السكوت عنه، واكتفى بأن تحقق وجود البطريرك ميخائيل هناك. وسكت الراهبان وقضوا ذلك اليوم في الاستعداد، وأقلعوا في صباح اليوم التالي ومعهم الخدم لسوق الجمال أو البغال وكلها للدير وهي تحمل جرارًا من الزيت وأكياسًا من الحنطة والعدس والفول وبعض الأقمشة وغير ما عليها من الأقوات والماء للطريق.

وما تبطنوا الصحراء حتى أصبحوا في قفر يكتنفهم الرمل والصخور من كل ناحية كما يكتنف الماء المسافرين في البحار من كل الجهات. والمسافر في البادية إذا أوغل فيها لا يرى حولَه إلا رمالًا ومن أجمل مناظرِ الصحراء في النهار منظرُ السراب أو الآل الذي يتراءى للناظر عن بعد كأنه ماء يجري في نهر أو بحر ويرى ظلال الشجر أو الصخور في أسفل الماء كما تنعكس عن شواطئ البحور فيراها المقبل عليها من بعد.

ولم تكن هذه المناظرُ غريبةً على زكريا؛ فقد طوى البادية مرارًا، ورأى السراب وقاسَى العذاب في شبابه، ولكنه لم يكن قد زار دير أبي مقار قبل ذلك الحين ولا عرف الطريق إليه فكان معوله على رفاقه، ورآهم في قلة من الرجال فقال لهم وهم يسوقون هجنهم ضحى ذلك اليوم لا يسمع لها خطو على الرمال: «أراكم في قلة وعهدي بالقافلة إذا لم تكن قوية أن يُخشى عليها من قاطعِي الطريق.»

فقال أحدُ الراهبين: «كان ذلك قبل إمارة ابن طولون؛ فإنه أحسن الظن بالأقباط ومنع التعدي عنهم، فأصبح الواحدُ — أو الاثنان — يسافران منفردين ولا خوف عليهم.»

فقال زكريا: «صدقت، إن حال مصر في ظل هذا الأمير لم يسبق لها مثيل منذ أول الفتح.»

استراح أهل القافلة عند الأصيل قليلًا، ثم استأنفوا المسير حتى أقبل المساء، فنصبوا خيمة خفيفة للمبيت فيها وجلسوا للطعام وقد دنت الشمس من الأُفُق وأخذت تستطيلُ حتى صارت كمثرية الشكل واحمرَّ لونُها وأحاطت بها هالاتٌ من الشفق باهرةُ الألوان مما يَسحر العقول. ولو كان أهل القافلة من الشعراء لوقفوا مبهوتين لهيبة الطبيعة ولَخُيِّلَ إليهم أنهم يسمعون خطيبًا يعظم أمر الخليقة ويستعظم سرها. ولا يخطر للإنسان عظمةُ هذا الكون وكبر شأنه إلا إذا خلا في موقف طبيعي مثل هذا. أما في المدن فتشغله الجواذب والدوافع ويلهو بملذاته ومطامعه. ولكن أصحابنا الرهبان لم يكونوا من الشعراء ولا لفت ذلك المنظر انتباهَهم وإنما شغلهم تعبُهُم عن كل شاغل فلجئوا إلى الرقاد على أن يُقلعوا في الغد فيَصِلوا إلى دير أبي مقار قبل غروب الشمس.

وكان زكريا أكثرهم رغبة في الوصول؛ فقد كانت الصحراء تُذَكِّرُهُ بدميانة وأنها أخذت إلى مثلها وألحت عليه هواجسه لكي يحث هجينه للوصول إلى الدير، لكنه لم يشأْ أن يترك رفاقَه؛ لأن جمال الحمل تبطئ بخلاف الهجن، فخطر له أن يستأذن رفاقه صباح اليوم التالي ليسبقهم، فأنكروا عليه انفراده فوافقهم، ثم شدوا رحالهم في الصباح وساروا يقطعون منخفضات ومرتفعات ليست بالأودية وبالجبال وإنما هي تعاريجُ لا يبرح المسافر كيفما توجه يجد نفسه محاطًا بالتلال الصخرية أو بروابي الرمل.

وعند الأصيل أطلوا من حافة السهل على وادٍ عظيم فيه آثارٌ من الأبنية المتفرقة وبعض الأشجار المبعثرة، وأول بناء كبير وقع نظرُهُم عليه من بعيد دير أبي مقار بقُرب فتحة الوادي. وحَالَمَا أطلُّوا عليه أشرقتْ وجوهُهُم، وقال أحدهم: «هذا هو الدير.»

فقال زكريا: «لا بد من الوصول إليه الليلة.» وكانت رغبتُهُ في الوصول تجعلُهُ يردد ما يجول في ذهنه خوف تباطؤ القافلة، فقال له أحد الراهبين: «أظننا نصل الليلة أو صباح الغد، وإذا كانت الليلة مقمرة نواصل السير ليلًا حتى نصل؛ إذ يظهر أنك مستعجل في مهمتك يا أخ.» وضحك فعلم زكريا أنه يمزح؛ لأن الليلة مظلمة والقمر في أواخر أيامه، فلم يجبهم، وتشاغل بإصلاح رحلِ جمله تحته. وبينما هم سائرون وعينا زكريا نحو الدير وقع نظرُهُ عند أول الوادي على أشباح راكبين على هجن، ولم يستطع تمييزَهم لبُعد المسافة، فقال لأقرب الراهبين إليه: «كأني أرى أناسًا ودواب؟»

فنظر الراهبُ إلى الوادي وتفرَّس قليلًا، ثم قال: «ألا تراهم خارجين من الوادي؟ إنهم من التجار يحملون أحمال الملح والنطرون، أو ربما حملوا القش الذي يصنعون منه الحصر؛ فإنه كثير هنا.»

فقال: «لا أرى معهم أحمالًا مما ذكرت. وإذا كانت معهم أحمال فينبغي أن تكون أقل من ذلك كثيرًا.»

وكان الراهب الآخر يتفرس في الأشباح فلما سمع جواب زكريا قال: «صدقت أحسبهم من تجار الزجاج لأن في هذا الوادي معملًا يصنعون فيه الزجاج بنفقة أقل من نفقته في الفسطاط فيبتاع التجار من هنا كميات كبيرة يحملونها إلى الأسواق.»

فقال زكريا: «لم أكن أعلم أن الزجاج يصنع في هذه الأرض المنقطعة.»

فقال الراهب: «كان يُصنع هنا من عهد دولة الروم، ولا يزال.»

فسكت زكريا وبعد هُنيهة توارتْ تلك الأشباحُ وراء التلال ولم يعودوا يرونها، وطفقوا سائرين في طريقهم وعيونُهُم نحو الدير، ولا سيما زكريا فإنه كان أكثرهم رغبة في الوصول وزاد قلقه لَمَّا شاهد الشمس تقترب من الأُفُق خوفًا من تخييم الظلام قبل الوصول.

وفيما هم في ذلك رأوا هجانًا من وراء رابية وعليه العباءة والكوفية، ثم وقف هجينه لحظة وأشار إشارة وتقدم فظهر وراءه بضعة جمال على كل منها راكب وكلهم مسلحون بالرماح، ورآهم زكريا يتقدمون فخاف غدرهم إذ لم ير معهم أحمالًا. فالتفت إلى رفيقيه الراهبين فرآهما قد تغير وجهاهما فقال: «يظهر أن هؤلاء ليسوا تجارًا، وأظنهم من الأعداء؛ فإن ألبستهم عربية.»

ولم يُتم كلامه حتى رأى القوم يسوقون هجنهم نحوهم وقد أشرعوا الأسنة، فتحقق أنهم من الأعداء، فأخذ يتأهب للفرار وإذا بهجان منهم ملثم تقدمهم وأشار بيده كأنه يقول لهم: «قفوا عندكم.»

فقال زكريا: «ماذا تريدون؟ من أنتم؟»

وكان الهجان قد وصل إليهم، فتفرس في زكريا ولما تبينه قال له باللغة القبطية: «ألست قادمًا من النوبة؟ قف ولا تتحرك.»

فرآه زكريا يتكلمُ القبطية كأنه مِن أهلها مع أن لباسه عربيٌّ فأشكل أمره عليه وقال في نفسه: «لا يمكن أن يكون هذا عربيًّا، فلعله جاسوس من الأقباط يعين العرب عليهم.» وزاده تلثُّم الرجل شكًّا فيه. لكنه شغل بالخوف منه عن البحث في شأنه.

فتحقق الركبُ عند ذلك أنهم مأخوذون، وعلم زكريا أن رفاقه لا يستطيعون الفرار لثقل أحمالهم، أما هو فحمله خفيف وليس عليه ما يمنعه من الإسراع فتهيأ للفرار. بينما تقدم الراهبان وأرادا الاستفهام من الهجان عما يُريده، فقال أحدهما له: «ما الذي تبغونه منا؟»

قال: «اتركوا الأحمالَ وانجوا بأنفسكم.»

قال: «إننا نحملُ طعامًا للدير، ولم نعهد أَنْ يتعرض لنا أحدٌ؛ لأننا أصدقاءُ الأمير صاحب مصر.»

قال: «لم نتعرضْ لكم قبلًا، أما الآن فأنتم أعداؤنا. وإذا لم تتخلَّوا عن الأحمال قتلناكم فانجوا بأنفسكم.»

فتحقق الراهبان وزكريا أنهم مغلوبون على أمرهم، فقد كان المغيرون أكثر من عشرة بالسلاح الكامل وهُمْ لا سلاح معهم، فضلًا عن قلة عددهم، فأخذوا يتوسلون إليهم أن يَتَخَلَّوْا عنهم مستغربين هذه المعاملة التي لم يسبق لها مثيلٌ منذ عدة أعوام، فقال كبيرُ القوم: «لا تسألونا عن السبب بل اسألوا بطريركم، وهو يخبركم.» قالوا ذلك وهم يهددونهم بالقتل إذا لم يتخلوا عن الأحمال وينصرفوا.

فتقدم زكريا يريد أن يستعطفهم، وقال: «إن هذه الأحمال طعامٌ لرهبانٍ يُقيمون بهذا الدير، وقد أوصى نبيكم بهم خيرًا.»

فانتهره الهجانُ وقال له: «كانوا كذلك، ولكن أفسدتموهم يا معشر النوبة وسترون عاقبة بغيكم قريبًا وإذا فُهت بكلمة أخرى أخرجنا ما تخفيه بين أثوابك من الرسائل.»

فخاف زكريا إن هو أصر على الإنكار أن يبحثوا بين أثوابه فيفقد الأسطوانة التي يخفيها تحت إبطه وتذهب آماله عبثًا. ولم يعد يعلم ماذا يعمل لينجو قبل أن يقبضوا عليه، وهم إذا أرادوا قتله لا يمنعهم مانع، فتغابى وقال: «فتشوا. إني لا أحمل شيئًا وإنما جئت لأفي نذرًا لهذا الدير، وأنا أُشير على رفاقي أن يتخلوا لكم عما معهم ويتبعوني قبل أن يشتد الظلام فيضلوا طريقهم.» قال ذلك وأشار إلى الراهبين أن يتبعاه ووخز جمله فطار به وكانت الشمس قد غابت وتكاثفت الظلال، فزاد القوم رغبة في القبض على زكريا لما آنسوه من رغبته في الفرار، فصاحوا به: «قف عندك.»

ولكنه كان قد أطلق لهجينه العنان، فاقتفى أثره اثنان منهم وكان قد تمرس بركوب الجمال في شبابه وكاد ينساه، لكن رغبته في النجاة وخوفه من وقوع ذلك الأنبوب بأيدي القوم جَدَّدَ نشاطه وشبابه، فثبت على الرحل ثبات الطود. ولكن مُطارديه كانوا من أهل البادية الذين شبوا على ظهور الجمال، فلم يطارداه إلا قليلًا حتى كادا يدركانه، وكان الليل قد أسدل نقابه وأصبح على مقربة من دير أبي مقار، وعرف ذلك من مصباح موقد هناك لهداية القادمين، فلما أيقن بالهلاك ضاع رشده وارتبك في أمره وعثر الهجين برابية من الرمال فاختل توازنه فهوى عن ظهره، وأراد أن يتمسك برقبته فخانته يداه فسقط إلى الأرض فوق الرمال والهجين يجمح في عرض الصحراء. ولما وجد زكريا نفسه على الرمال سليمًا استرجع رشده وركض منحرفًا عن الطريق وأخذ يبحث عن مكان يختبئ فيه حتى يمر الهجانان فوجد حفرة نزل فيها وهو يتلمس جوانبها.

أما الهجانان فكان أحدهما قد تعب وتباطأ وظل الآخر يستحث هجينه في أثر زكريا وقد أشرع الرمح، وزكريا تارة يتوارى عنه وراء التلال وطورًا يظهر له وربما اقترب منه حتى كاد يدركه فيعيقه عنه عائق من وعورة الطريق أو غيرها فيسبقه. ولما سقط زكريا عن الجمل كان قد بَعُدَ عن مطارده وتوارى في ظل أكمته ولم يقف هجينه بل زاد عدوًا؛ لأنه أجفل من سقوط راكبه وأحس بخفة محمله ولم ير الهجان المطارد سقوط زكريا فظل في أثر الهجين الهارب يعدو وحده. وبعد أن تجاوز مكان السقوط بمسافة طويلة أيقن أن زكريا سقط وقُتل وأصبح همه منصرفًا إلى تعقب الهجين لأخذه.

أما زكريا فتربص في الحفرة وعيناه تتعقبان الشبح الذي كان يطارده، فرآه تجاوزه جريًا في أثر الهجين، فاطمأنَّ على حياته، وأخذ يتحسس أعضاءه؛ لئلا يكون قد تعطل شيء منها، فوجدها سليمة فشكر الله وعَدَّ ذلك من كرامات مار مقاريوس صاحب الدير. وافتقد الأسطوانة فوجدها في مكانها تحت إبطه، فأخرج طرفها وقبله سرورًا ببقائها وأعادها إلى مخبئها، ولبث ينتظر ما يكون من أمر رفاقه هل ينجون بأنفسهم أم لا، ولما مضت مدة لم يعد يسمع فيها صوتًا خرج من الحفرة والظلام شديدٌ، وتسلق رابيةً وأخذ يتلمس ويتفرس فيما حوله؛ لعله يرى شبحًا أو يسمع صوتًا، فلم ير غير نور الدير وقد أصبح قريبًا، فمشى نحوه وقد أحس بالألم في ساقيه لكن فَرَحَه بالنجاة من القتل أنساه كل شيء.

وما كاد يمشى قليلًا حتى سمع صوتًا وقف له شعرُهُ وارتعدت فرائصه، إذ كان صوت حفيف ثعبان ينساب على مقربة منه. ثم سمع فحيحه فجمد الدم في عروقه ووقف وقوف الصنم؛ لأنه كان يسمع عن الثعابين السامة في تلك البادية. وكان الظلامُ قد حال بينه وبين ما حوله، فلم يعرف كيف يتقي الأذى فأخذ يرسم علامة الصليب على وجهه ويستغيث بمريم العذراء ومار مقاريوس صاحب الدير وبسائر القديسين متمتمًا، ولو أراد رفع صوته لم يستطعه لجفاف حلقه من الخوف.

ظل واقفًا بضع دقائق حَسِبها ساعات حتى بعُد الحفيف عنه، فتحقق أنه نجا لكنه ما زال يخاف من طارق آخر فاستعان بالله واستجار بقديسيه ومشى نحو النور الذي يراه في دير أبي مقار.

مشى زكريا على الرمال يتحسس طريقه. فتارة تغوص قدمه في الرمل فيخاف أن تلدغها عقرب وطورًا تصدم بصخر أو تعثر بحصًى فيُجفله صوتها. وكان محتذيًا نعالًا من القش كانت شائعة في وادي النيل ينسجها بعض أهل الريف من ألياف البردي أو القنب أو الغار. وكان يخطو وهو يتعثر بثوبه وافتقد قبعته، فلم يجدها، وكانت قد سقطت في أثناء الفِرار ولم يشعر فلم يهمه أمرها وإنما أهمه الوصول إلى الدير.

أقبل على الدير فوجده مربع الشكل يكتنفُهُ سورٌ عالٍ أشبه بأسوار قلاع الحصار طول كل ضلع من أضلاعه ١٤٠ مترًا. ولم يكن زكريا جاء ذلك المكان من قبل، ولكنه سمع أن القادم إلى الدير يقرع جرسًا فوق الباب فيفتح له، فأخذ يفتش عن الباب فدار حول السور فلم يجده فاتهم عينيه بالخطأ؛ لاعتقاده أن الأديار لا يُمكن أن تكون بلا أبواب، فأعاد التفتيش بدقة، فوصل إلى مكانٍ من السور وجد عنده حجرَي رحًى كبيرين قُطر الواحد منهما ثلاثة أذرع، فتفرس فيها فرأى وراءهما بابًا لا يزيد علوه على ذراعين وإذا فُتح لا يدخله الإنسان إلا ساجدًا، فمد يده إلى الباب وجسه بأنامله فرآه مصفحًا بالحديد الضخم بحيث يستحيل كسرُهُ وهو لم يكن يريد كسره وإنما يريد أن يعلن أهل الدير بوصوله ليفتحوا له فقال في نفسه: «إذا كان هذا هو الباب فلا بد من الجرس عليه أو وراءه.» فتسلق أحد الحجرين وتلمس الحائط فوجد عليه حبلًا جذبه فسمع صوت الجرس وكان له دوي في ذلك الليل الموحش، وعلا نباح الكلاب من الداخل ووقف ينتظر ما يكون.

وبعد هنيهة رأى أشعة نور مرسلة في الفضاء داخل السور تقترب نحوه، وأخيرًا رأى النور فوق السور يحمله راهبٌ أَطَلَّ مِن أعلى السور يتطاول بعنقه والمصباح في يده وقد مد عينيه نحو زكريا كأنه يستكشف حاله ووقت أشعة المصباح على وجه الراهب، فأبان عن شيخ هرم قد تجعد وجهه وشاب شعره، وحالما وقع بصره على زكريا قال بالقبطية: «من أنت؟»

قال: «غريبٌ قاصد زيارتكم لتقبيل أنامل البطريرك والتبرك بصاحب هذا الدير.»

قال: «هل أنت وحدك؟»

قال: «نعم يا أخي، ألا تفتح لي؟»

قال: «إن فتح الباب يقتضينا مشقة كبيرة لإزاحة الحجرين من الخارج والأحجار التي وراءه من الداخل، فالأوفق — على ما أرى — أن ندلي لك حبلًا ونرفعك بالبكرة.»

قال: «كما تشاء.»

فمضى الراهب ثم عاد وأدلى له حبلًا تشبث به، فأدار الراهب بكرة كبكرة البئر، فصعد زكريا حتى بلغ أعلى السور، فسلم على الراهب ونزلا من وراء الباب وقد تَغَطَّى معظمه بالحجار الضخمة التي دعموا الباب بها، وربما زاد وزنُها على عشرات القناطير. فاستغرب زكريا ذلك الحذر؛ لأن ثقل هذه الأثقال يقتضي وقتًا ومشقة، فقال: «أراكم قد أكثرتُم من الدعائم للباب كأنكم في حصار.»

قال: «لم نفعل ذلك إلا في هذين اليومين لأسباب ستعلمها. تعال الآن إلى غرفة الأضياف وغدًا نعرض أمرك على الرئيس.»

ومشى الراهب أمامه بالمصباح بين نخلات تُناطح السحاب حتى أدخله غرفة معدةً للأضياف وقد أخذ التعبُ منه مأخذًا عظيمًا فصلى فرضه ونام.

ودير أبي مقار مُكَوَّنٌ من السور الذي ذكرناه، ومن خمسة أبنية: ثلاث كنائس وبناء لسكن الرهبان وقضاء حوائجهم؛ من إعداد الطعام وتناوله، وبرج عال يُقال له القصر وفيه ذخائرُ الدير من الكتب أو الآنية القديمة، ويتخلل هذه الأبنية نخيلٌ وبعض المغروسات التي يحتاجون إليها في إصلاح الطعام.

والكنائس المشار إليها هي: كنيسة أبي مقار على اسم صاحب الدير وكنيسة الشيوخ وكنيسة أبسخرون. أما البناء الذي فيه مساكن الرهبان ففيه دارٌ واسعةٌ، تحيط بها غرفٌ بعضها للنوم وفيها غرفة مستطيلة للطعام وحجرة كبيرة للطحن وأخرى للخبز وأخرى للطبخ. أما القصر فإنه مؤلف من طبقتين: السفلى أقبية معقودة فيها خزائن الكتب أو غيرها من الذخائر الثمينة كالألبسة أو التيجان أو الصلبان ونحوها ومخازن المئونة للزيت والحنطة، وفيها منافذ سرية يلجأ إليها الرهبان عند الخطر العظيم إذا أخذ ديرهم.

وفي الطبقة العُليا من هذا القصر ثلاثةُ معابد، أحدها على اسم مار سواح والآخر لمار أنطونيوس والثالث باسم مار ميخائيل، وفي هذا المعبد الأخير نجد البطاركة الذين ماتوا هناك محنَّطين في توابيت والقصر حصين قد احتاطوا لمنع الأذى عنه بأن جعلوا بابه في الطبقة العُليا لا يمكن الصعودُ إليه إلا على سلم أو جسر مدرج واصطنعوا له سلمًا مستقلًّا ضخم الشكل ثقيل الحمل ينصب عليه عند الحاجة فإذا أنزل عنه لا يمكن رفعه إلا بالآلات الرافعة، أو يتعاون في نصبه عدة رجال.

وأفاق زكريا في صباح اليوم التالي على صوت الناقوس للصلاة باكرًا، فنهض وأسرع مع سائر الرهبان لحضور القُداس في كنيسة أبي مقار، وهي أفخمُ تلك الكنائس وأجملها، وفيها ثلاثةُ هياكل: أكبرها الهيكل الأوسطُ ومساحته ٢٥ قدمًا في ٢٠، وعليه قبةٌ مبنيةٌ من القرميد على طراز جميل وعلى جدرانها صور بعض القديسين وفي وسطها مذبح من الحجر وراءه مقاعدُ كالمنبر.

فاصطفَّ الرهبانُ لِسَمَاع الصلاة وعددهم بضع عشرات بينهم عدة قسوس يتقدمهم البطريرك بلباس الصلاة ورئيس الدير. وكان زكريا يعرف البطريرك من قبل، وقد شاهده مرارًا في كنائس مصر لكنه رآه الآن قد تغيرت ملامحُهُ وبانت الشيخوخةُ في جبينه ولحظ عليه انقباضًا لم يعهد فيه مثله، فقال في نفسه: «لأمر ما تغير في البطريرك؟» وازدادت رغبتُهُ في مُلاقاته، فأقيمت الصلاة بالقبطية على جاري العادة وليس في الجمع غريب غير زكريا فلفت وجوده انتباههم، وأصبحوا ينتظرون الفراغ من القداس لسماع حديثه.

أما هو فحالَما انقضت الصلاة وخرج البطريرك والرهبان ذهب إلى الراهب الذي استقبله بالأمس، وطلب إليه أن يقدمه إلى البطريرك، فاستمهله إلى ما بعد الفطور ودعاه إلى الطعام في غرفة مستطيلة في وسطها مائدةٌ طويلةٌ من الحجر، إلى جانبها مقاعد يجلس عليها الرهبان في صفين فأجلسوه معهم وجيء بالطعام، وهو غاية في البساطة لا لحم فيه ولا فاكهة، فأخذوا يأكلون بعد صلاة مختصرة إلا راهبًا منهم تولى قراءة فصول من الكتاب المقدس في أثناء الطعام.

وكان زكريا يأكل وذهنه مشتغل بما سيدور بينه وبين البطريرك من الشئون التي جاء من أجلها أو اتفقت له في طريقه وتثبت من ضياع المئونة المحمولة إلى الدير مع الذين حملوها إذ لم ير واحدًا رجع منهم حتى تلك الساعة. وكان الرعيان يتحادثون ويشركون زكريا في حديثهم وهم يحسبونه راهبًا مثلهم.

فلما فرغوا من الطعام نهض الراهب الشيخ ومضى بزكريا إلى غرفة رئيس الدير، فقدمه إليه فأسرع زكريا إلى تقبيل يده، فرحب به وسأله عن حاله وغرضه فقال: «جئت لمقابلة أبينا البطريرك.»

قال: «لعلك من رهبان النوبة؟»

فوجم هنيهة ولم يجب فرارًا من الكذب، ثم قال: «كلا يا سيدي وإنما لبست هذا الثوب لسبب سأعرضه على أبينا البطريرك.»

قال: «حسنًا، ولكن صاحب الغبطة مشغولٌ الآن، وقد لا يرضى بأن يرى أحدًا.»

فأطرق زكريا وهو لا يستطيع صبرًا، ثم قال: «أَوَدُّ مقابلته الساعة، وأرجو منك أن تستأذنه لعله يسمح بمقابلتي؛ فإني قادمٌ لأمر ذي بال.»

قال: «أحسبك قادمًا من بلاد النوبة.»

قال: «كلا.»

ففهم الرئيس أنه يكتم شيئًا لا يريد التصريح به فاستمهله ريثما يبعث إلى البطريرك. فمكث زكريا حتى عاد الرسول وقال: «إن غبطة البطريرك ليس في غرفته.»

فقال الرئيس: «كيف ذلك؟ ألم يتناول الفطور؟»

قال: «لم يأكل اليوم.»

فهز الرئيس رأسه أسفًا وقال: «لم أر غبطته في قلق مثل هذا القلق منذ عرفته، سامح الله من سببه له.» قال ذلك وندم على ما قال. ثم ابتدر الرسول قائلًا: «ابحث عن غبطته في القصر لعله هناك؛ فقد رأيته يُكثر التردد على كنيسة مار ميخائيل هذين اليومين.»

فذهب الراهب الرسول وعاد يقول: «نعم إنه في القصر، وقد سألت الشماس كاتم أسراره، فأخبرني أنه في شاغلٍ عن مقابلة الناس.»

فرأى زكريا أنْ يتولى أمره بيده، فوقف وقال للرئيس: «أنا ذاهبٌ بنفسي أطلبُ المقابلة، فدع الشماس يهدني إلى الطريق.»

فأشار الرئيس إلى الراهب أن يمشي مع زكريا، ففعل، وخرجا من الدار، وأَطَلَّا على القصر الذي ذكرناه وهو أشبه بالأبراج منه بالقصور، وكان السلم منصوبًا عليه فصعد الراهب وزكريا في أثره حتى وصلا إلى الطبقة العُليا، فاستقبلهما الشماس وتصدى لهما ولسان حاله يقول: «ألم أقل إن غبطته مشغول؟»

فلما رآه زكريا عرفه وتذكر أنه التقى به مرارًا في الفسطاط من قبل فتقدم إليه وحياه فلما سمع صوته عرفه فقال: «زكريا؟»

قال: «نعم يا سيدي.»

قال: «ما الذي جاء بك إلى هنا؟»

قال: «جئتُ لألثم أناملَ البطريرك.»

فتَنَهَّدَ وقال: «إنه يصلي في معبد مار ميخائيل، لا يدخل عليه أحد.»

قال: «ولا أنا؟ فقد قطعت السهل والجبل، وتحملت المشقة من طاء النمل إلى هنا ألا يؤذن لي في مشاهدته؟»

لَمَّا سمع ذكر طاء النمل تذكر اجتماعه بصاحبها مرقس هناك، فقال: «وأين المعلم مرقس؟»

قال: «في الفسطاط استأذن لي البطريرك في الدخول.»

قال: «ماذا أقول له؟»

قال: «قل له ولدك زكريا خادم دميانة يطلب لثم يديك.»

قال: «وهل يكفي هذا لتعريفك.»

قال: «يكفي.»

فدخل الشماس وعاد مشرق الوجه وقال: «ادخل.» ومشى بين يديه حتى أقبل على معبد مار ميخائيل وأشار إليه أن يتقدم وقفل هو راجعًا.

أطل زكريا على الكنيسة الصغيرة وهي غرفةٌ واحدةٌ قسمت إلى هيكل. وخورس بحاجز من خشب لا يبلغ السقف، قائم على خمسة أعمدة، عليها بعض النقوش والصور، وكان يتوقع أن يرى البطريرك واقفًا أمام المذبح للصلاة في وسط الهيكل فلم ير غير قلنسوته هناك، فوقف لعله يراه قادمًا أو يسمع صوته يناديه فإذا به أطل من وراء الحاجز، فأجفل زكريا عند رؤيته؛ لِما في وجهه من التغيُّر، وهو حاسر الرأس وقد تدلى شعرُهُ على قفاه وخديه وتجمدت لحيته واحمرتْ عيناه كأنه آتٍ من وراء موقد تَكَاثَفَ دخانه.

ولما وقع بصرُهُ على زكريا دار من وراء الحاجز حتى خرج إليه وهو يقول: «من أين أنت آتٍ؟»

فتهيب عند سماع صوت البطريرك مع ما شاهده في وجهه من آثار الانفعال، وأكب على يده ليقبلها، فمنعه فوقف مطرقًا وقد أحنى رأسه وقال: «إني آتٍ من الفسطاط يا سيدي.»

قال: «كيف فارقت أسقفها؟» وتشاغل بإصلاح شعره وفي إلقائه السؤال ما يُشعر بأنه يضمر شيئًا.

فأدرك أنه يشير إلى كتاب كان قد كتبه إليه يستنجده على الأسقف فأنجده ولم تنفع نجدته، فخاف زكريا أن يكون قد ساءه ذلك، فقال: «فارقته في خير.»

فأمسك البطريرك بيد زكريا ودعاه إلى الجُلُوس بين يديه، وجلس على كرسي، فتباطأ زكريا في الجُلُوس إجلالًا لمقام البطريرك، فأَلَحَّ عليه، فقعد على الأرض مطرقًا متأدبًا، فقال البطريرك: «فارقت أسقف الفسطاط في خير وكيف فارقت تلك الفتاة المظلومة؟»

قال: «إنما جئت في شأنها يا سيدي.» وتنهد وقال: «إن هذه المسكينة قد توالتْ عليها النوائبُ والمحن. وإذا سألتني عنها قصصت حديثها عليك. غير أنى ألتمس من مولاي البطريرك قبل ذلك أن يأذنَ في سؤال أرجو ألا يضن بالجواب عليه.» فتنهد البطريرك تنهدًا ختَمه بزفير طويل، ثم قال: «ستسألني عن أُمُور استغربتها فِيَّ، ستسألني عن حالي أليس كذلك؟»

قال: «بلى يا سيدي كنت قادمًا إليك في مهمة أستنجدك فيها. فشغلت عنها بما أراه فيك من الانقباض والقلق، وعهدي أننا في زمن صاحب مصر الحالي ابن طولون في أمانٍ وسكينة، فهل طرأ تغيير لا أعلمه؟»

قال: «طرأتْ أشياء كثيرة، أساء ابن طولون بها إلينا وبالغ في اضطهادنا بما لم يسبق إلى مثله سلفاؤُهُ الذين كُنا نسمع بظلمهم ونشكو جورهم، ولكنه لم يفعل ذلك مِن تلقاء نفسه، إن الشر جاء من عندنا، جاء من أبنائنا، هم الذين ساقوا هذا البلاء علينا.» قال ذلك ولحيتُهُ ترقص غضبًا وحنقًا.

فتَهَيَّبَ زكريا ولم يجسر على الاستيضاح، فاستأنف البطريرك الكلام قائلًا كأنه يريد تغيير الموضوع: «كيف أتيت إلى هذا المكان؟ هل أتيت وحدك؟»

قال: «نعم يا سيدي.» وتذكر ما جرى له وما أصاب الراهبين وأحمالهما، فتحقق أن لحادثتهما علاقةٌ بما يشير البطريرك إليه، فقال: «اصطحبت ركبًا كانوا قادمين بأحمال المئونة إلى الدير.»

فقطع البطريرك كلامه قائلًا: «وماذا جرى لهم؟ أين هم؟»

فقَصَّ عليه حديثَهم، ولما ذكر كلام الهجان عن تغير ابن طولون على الأقباط قطع البطريرك كلامه قائلًا: «ويلاه، آه، يا ربي ومخلصي، لماذا غيرت قلوب حكامنا علينا؟»

فازداد زكريا رغبة في معرفة الحقيقة، فقال: «وما الذي جرى يا سيدي، لقد بلبلت بالي.»

قال: «ماذا أقول لك وقد بعث إلي ابن طولون بالأمس يطلب مالًا، ذكر أنه في حاجة إليه ليرسله إلى الخليفة في بغداد.» ومد البطريرك يده إلى جيبه وأخرج درجًا فتحه وقال: «هل تقرأ القبطية؟»

قال: «نعم يا سيدي أقرأها.»

فدفع الدرج إليه وقال: «اقرأ.»

فتناوله زكريا، وقرأ فيه ما ترجمته: «إنك تعلم أَنَّ علينا تأدية أموال الجزية إلى خزانة الخليفة ببغداد صاحب هذه الديار، وقد اشتدت حاجتُهُ الآن إلى المال ليقوم بنفقات الحرب التي هو فيها، فمن كان في مركزك أيها البطريرك لا يحتاج إلى أكثرَ من نفقات الطعام واللباس. وقد علمت أنك ذو ثروة طائلة موفورة، من نقود وآنية وأنواع الأقمشة الحريرية، فكتبت هذا إليك لتبعث إلينا بما نرسله إلى الخليفة فتحظى مني ومنه بسنة جزيلة.»

فلما فرغ زكريا من القراءة دفع الدرج إلى البطريرك وقال له: «مِن أين تأتي بهذه المطالب؟»

قال: «لا أدري وقد كتبت إليه أشكو عذري وفقر الأديرة، فلم يصغ، وفي عزمي أن أوسط كاتب المارداني في ذلك.»

فلما سمع زكريا اسم كاتب المارداني تذكر إسطفانوس، فأطرق وتغيرت سحنته، فقال له البطريرك: «ما بالك يا بني؟ ما الذي غَيَّرَك؟»

قال: «تذكرت أمرًا جرى لنا في الفسطاط، فقرنتُهُ إلى الحديث الذي سمعته منك، فَلَاحَ لي أن سبب التعدي ليس من ابن طولون.»

قال: «ألم أقل لك ذلك؟ إنه من أبنائنا.» وتَنَهَّدَ وقال: «لقد أطلت الكلام وأطلقت لنفسي العنان معك ولم أخاطبْ أحدًا سواك في هذا الأمر، لا أدري كيف وجدت راحة في الحديث معك هل تعرف سبب هذا الغضب؟»

فتململ زكريا وبالغ في التأدُّب، وقال: «لا أجهل ضعتي وتنازل غبطة البطريرك في محادثتي؛ فإن مثلي لا يحلم بهذا الإكرام.»

فقطع البطريرك كلامه قائلًا: «كَلَّا ليس هذا مرادي، وليس في النصرانية تفاضلٌ بين أبنائها وما البطريرك إلا والد والرعايا أولاده، لا فرق بين خادمهم ومخدومهم، وإني أستلذ الحديث معك وأرتاح لمباسطتك، وأحب أن أطلع على ما عندك، هل تعرف سبب هذا الغضب؟»

قال: «إذا سمحت لي قلت ما يخطر ببالي.»

قال: «قل.»

قال: «أَتَذْكُر يا سيدي يوم كتبت إليك أستنجدك على أسقف الفسطاط؟»

قال: «نعم أذكر وقد كتبت إليه أوصيه بالفتاة خيرًا.»

قال: «أظن كتابك ساءه، ولا يبعد أن يكون حمله على الوشاية.»

فقال البطريرك: «ربما ساقه ذلك إلى النكاية بي، ولكنني أعرف سببًا آخر كان له تأثيرٌ أعظمُ، ومنه يتبين لك أننا — نحن معشر المسيحيين — نحمل حكامنا المسلمين على ظلمنا، وما ذلك إلا من فسادِ نياتنا وكثرة خطايانا.»

فتطاول زكريا لسماع ما سيقوله البطريرك.

فقال هذا: «السبب الآخر الذي أعرفه أني دعيت مع رهط من الأساقفة لتكريس كنيسة جديدة في جهة دنشور من أبرشية سخا. فتأخر أسقف هذه الأبرشية عن الحضور. فبدأت بالصلاة قبل حضوره فلما جاء غضب وهجم علي وأنا أقدم القربان المقدس وخطفه من يدي وألقاه على الأرض وخرج فقعدت مجمعًا حكم بفصله فأضمر لي السوء ودس لي عند ابن طولون زاعمًا أن عندي أموالًا كثيرة. فبعث ابن طولون إلي بهذا الكتاب. إن الله لا ينصر الظالمين والسيد المسيح لا يتخلى عن رعيته.»

ووقف البطريرك فجأة، فوقف زكريا وتحفز للخروج، فوضع البطريرك يده على كتفه وقال: «تعال معي.» ومشى به نحو الحاجز الذي كان البطريرك وراءه، فأدخله الهيكل، ولم يقع بصر زكريا على ما هناك حتى أجفل وتراجع والتفت إلى البطريرك مأخوذًا وعيناه شاخصتان من الرعب، فقال له البطريرك: «لا تخف يا بني، إن هذه الجثث التي تراها أمامك هي جثثُ آبائنا الأبرار، أسلافنا البطاركة الذين تقدموني في الإشراف على هذه الأديار، وقد حفظت محنطة هنا. ولما اشتد بي القلق في الليل الغابر بكرت في هذا الصباح، ففتحت هذه التوابيت وجعلت أتفرس في وجوههم؛ لأقترب بتصوراتي من العالم الثاني وأعملت الفكرة عسى أن يفتح علي برأي ينقذني وينقذ أولادي الأقباط من هذه الورطة، وشعرت وأنا منفردٌ بهذه الرمم كأني في مجلس شورى مجرد عن العالم، وكم تمنيت لو نطقت الجثث ولكني استرشدت بأرواحها.»

وكان زكريا واقفًا مأخوذًا يرتجف من رهبة ما رأى؛ فإنه يعلم أنهم يحفظون جثث البطاركة هناك على هذه الصورة، وتَفَرَّسَ، فرآها لا تزال محفوظة كما تحفظ محنطات الفراعنة، ثم رأى البطريرك قد تنازل قلنسوته، وكان قد وضعها على المذبح، فلبسها وأشرق وجهه وذهب انقباضه. فلما رآه زكريا منبسط الأسارير سري عنه.

أما البطريرك فتحول للخروج من المعبد، وقال: «لقد آن لك أن تقص علينا خبرك يا زكريا.»

فاستبشر وقال: «هل أقول الآن؟»

قال: «قل، ولكنني لم أسألْك عن هذا الثوب الذي تلبسه، ومتى دخلت الرهبنة؟» قال ذلك ومشى فتبعه زكريا متأخرًا متأدبًا وقال: «لم أترهب يا سيدي، ولكنني تنكرت بهذا اللباس أثناء الطريق، وقد أخذ اللصوص كل ثيابي فلم أستطع تبديله.»

قال: «أتعلم أن هذا التنكُّر بعث على زيادة النقمة عليك.»

فانتبه زكريا لِما سمعه من الهجان فقال: «علمت ذلك من كلمةٍ قالها أحدُ اللصوص ولكنني لم أفهم السبب.»

فقال: «أتحب أن تعرف السبب؟» وصفق فجاء شماسه مهرولًا فقال له: «انزل بنا إلى الطبقة السفلى لنرى الكتاب الذي جاءنا بالأمس من ملك النوبة.»

فمشى الشماسُ أمامهما ونزل بهما في سلم سري داخل القصر حتى بلغ إلى حجرة رَأَيَا فيها كُتُبًا متراكمة وفي جملتها صندوق فيه أدراجٌ كثيرةٌ تناول الشماس كتابًا منها دفعه إلى البطريرك، ففتحه وقال: «هذا كتاب ملك النوبة أرسله إلينا يدعو فيه إلى خَلْع طاعة المسلمين والاتحاد معهم عليهم باسم دولة الروم. وقد علمت مِن فحواه أنه أرسل كتابًا قبله لم يصل إلينا. ولعله قد وقع في أيدي المسلمين واطلعوا عليه. وقد فهمت من رسول ابن طولون أنهم عارفون بهذه المراسلات، فظنوني موافقًا هذا الملك على غرضه وأنا بريء من هذا؛ لأني لا أرى خيرًا يُرجى منه. فلما رأوك بهذا اللباس وأنت نوبيٌّ ظَنُّوك رسولًا إليَّ من ملك النوبة.»

فتنبه زكريا لهذا السبب وقال: «صدقت يا سيدي إن محاولتنا التخلص من سلطة المسلمين لا فائدة منها، ولا سيما بعد أن تولى ابن طولون فإنه …»

فقطع البطريرك كلامَه قائلًا: «إنه لا بأس به، ورغم ما ذكرته لك مِنْ أمره معي؛ فإني لا أحمله تبعةَ عمله، وإنما التبعةُ علينا نحن، فإننا نحرض حكامنا على ظلمنا بسوء عملنا وفساد نياتنا.» قال ذلك وهو يكاد يغص بريقه. وكأنه أكبر أن يظهر هذا الضعف فعمد إلى تغيير الحديث فقال لزكريا: «لقد شغلناك عما جئتنا من أجله، وامتد بنا الحديث فقل. ماذا تريد منا؟»

وكانا قد خرجا من القصر واقتربا من غرفة البطريرك، فدخل البطريرك وجلس وأشار إلى زكريا أن يجلس ويقول ما يريده، فجلس وأخذ يقص حديث دميانة وما قاستْه من معاملة أبيها وخطيبها حتى يوم فرارها إلى حلوان، وكيف سطا البجة على هذا البلد ونهبوه وسَبَوْا أهله وهي معهم وأنه جاء ليوسطه لدى ملك النوبة لإنقاذها.

وكان البطريرك يسمع الحديث وهو مطرق يهز رأسه حينًا بعد حين استنكافًا من تصرف مرقس وإسطفانوس، فلما سمع خبر أسر دميانة قال: «دميانة أسرت؟ إنها لا تستحق ذلك؛ لأنها تقيةٌ ورعةٌ كأن فيها بركة من تسميتها القديسة دميانة — عليها السلام — ولكن الله يجرب خائفيه. وقد سمعتك تطلب وساطتي لدى ملك النوبة؟»

قال: «نعم يا سيدي إن حسن في عينيك هذا.»

قال: «هذا فرض علي لعدة أسباب: أولها أني إنما قبلت هذا المنصب حتى أقوم على خدمة شعبي وأبذل ما في وسعي لراحتهم وسعادتهم، وكذلك لأني أحن إلى هذه الفتاة وأُحبها لتقواها وورعها. فضلًا عن أني أُحب أن أُجيب ملك النوبة على كتابه، ولا أثق بمن يوصل كتابي إليه وربما أنك ولدنا وتعرف البلاد، فسأكتب له أُجيبه على ما دعاني إليه من القيام على الدولة، فأقبح رأيه وأدعوه إلى الطاعة، وأذيل الكتاب بالتوصية اللازمة حتى يساعدك فيما تريده.»

فطأطأ زكريا رأسه إذعانًا وارتياحًا وسكت، فصفق البطريرك، فجاء الشماس قال له: «اكتب إلى ملك النوبة كتابًا فحواه كذا وكذا (وذكر الفحوى) وذَيَّلَه بالوصاية بولدنا زكريا ليساعده في إنقاذ بنتنا التقية دميانة.»

فأشار مطيعًا وخرج، ثم عاد وبيده صحيفةٌ من القباطي وقد كتب عليها بالقبطية شرحًا طويلًا، فتناولها البطريرك وقرأها ووَقَّعَ عليها وأعادها إلى الشماس، فطواها ولفها بمنديل وختم المنديل ودفعه إلى زكريا، فتناوله هذا وقبله وأَكَبَّ على يد البطريرك فقال له: «يظهر لي أنك تستعجل الذهاب؟»

قال: «ألا ترى يا مولاي أن أعجل بالوصول إلى بلاد النوبة لإنقاذ دميانة؟ فإني لا أعلم حالها.»

قال: «صدقت، وليكن الله معك والسيد المسيح ينصرك ويأخذ بيدك.» وباركه ثم التفت إلى الشماس وقال له: «قل للرئيس أن يزود ولدنا زكريا بما يحتاج إليه في طريقه.» والتفت إلى زكريا وقال: «ما هو طريقك؟»

قال: «أرى أن أسير في الطريق الذي أتيت منه في الصحراء إلى النيل، ثم أُلازم ضفة النيل الغربية إلى الجيزة، ومنها في طريق الصحراء مع بعض القوافل إلى دنقلة.»

قال: «رافقتْك السلامة ببركة سيدتنا البتول وسائر القديسين.»

أكب زكريا على يد البطريرك فقبلها ثانية وودعه وخرج. وأعمد الشماس له عدة السفر وكانت الشمس قد مالت عن خط الهاجرة فقال له وهو يودعه: «ليس عندنا ركائب نعطيك منها، ولكنك عندما تخرج من الدير تجد قوافل مارة من وادي النطرون إلى النيل، فرافق واحدة منها.»

فشكر له نصيحته وظل واقفًا وعلى كتفه كيس فيه الزاد للطريق، فاستغرب الشماس وقوفه وقال له: «لعلك تحتاج إلى شيء آخر؟»

قال: «كلا، ولكنني تذكرت ما أصابني في مجيئي، فينبغي لي أن أحتاط في رجوعي وأبدل بثوب الرهبنة الذي أرتديه ثوبًا آخرَ حتى لا يعرفني أحدٌ ممن اعتدَوا على القافلة التي أقبلتُ فيها.»

فقال الشماس: «لقد أصبت، فتمهل ريثما أعود إليك.» ومضى ثم عاد ومعه صرة فتحها فإذا فيها قفطان وعباءة وقلنسوة وعمامة أعطاه إياها وقال: «هذه أثوابُ بعض الجنود وقعت لنا صدفة وعسى أن تنفعك.»

ففرح بها زكريا ولبسها وطلب مرآة يرى فيها وجهه فأعطاه فنظر فيها فإذا هو قد تغيرت قيافته وإن بقي وجهه ينم عليه — عند التفرس — على أنه قنع لما كان وودع الشماس فرافقه هذا إلى باب الدير وفتحه له فخرج ومضى في سبيله.

ولما رأى نفسه في الصحراء أكبر أمره وتخيل وحدته بها في الظلام لا يدري أين يبيت ولا أين يلتجئ، فوقف حائرًا وكاد يُقلع عن السفر وحده، ثم تذكر نصيحة الشماس فاتجه في طريق وادي النطرون وهو على مقربة منه. وقبل أن يُشرف عليه سمع أنينًا فوقف وتلفت ثم مشى إلى جهة الصوت فلما اقترب منه رأى رجلًا ملقًى على الأرض ويداه ورجلاه مشدودة بحبال وهو يستغيث وما كاد يرى زكريا حتى قال له بالقبطية: «انجدني أيها الجندي بحُرمة الذي تعبده.»

فعلم زكريا أنه ظنه جنديًّا لَمَّا رأى لباس الجُند عليه، فأسرع إليه فإذا هو شابٌّ قمحيُّ اللون، عليه ثياب التجار فأخذ في حَلِّ الحبال فلما أفلت الرجل هم بيدي زكريا يقبلهما وهو يقول: «جزاك الله خيرًا يا سيدي.»

فقال زكريا: «من أنت وما خطبك؟»

قال: «أنا تاجرٌ أحمل الملح والنطرون من هذا الوادي ولي قافلةٌ تعودت أن أسيرها بأمان، فجئت هذه المرة مع القافلة وحملنا الأحمال وخرجنا من الوادي في الصباح وإذا بجماعة سَطَوْا علينا، فساقوا القافلة برمتها وتركوني مقيدًا كما ترى.»

وكان يتكلم وهو يكاد يبكي من الحُزن والجزع. فَرَقَّ زكريا لحاله وازداد خوفًا على نفسه من الخطر، فقال: «لا بأس عليك يا صاحبي والحمد لله إذا سلمت. والآن ماذا تريد أن تفعل؟»

قال: «لا أُريد شيئًا؛ فإن أموالي وأحمالي ضاعتْ وأظن اللصوص سيقتلون رجالي ولا آسفُ على شيء ما دمت حيًّا. وإني أشكر الله على أن لقيت جنديًّا نبيلًا مثلك. فهل تتمم جميلك وتعدني أن ترفع أمري إلى صاحب مصر؟»

فاعتقد زكريا أن تَنَكُّرَه غَرَّ الرجل، فوعده أن يبلغ أمره إلى أمير مصر متى وصل إلى الفسطاط ثم أحب أن يستعينه على أمر الرجوع فقال: «وكيف السبيلُ إلى الرجوع الآن؛ فقد كان معي جمل ضل مني وأصبحت راجلًا — كما ترى.»

فأطرق الرجل هنيهة ثم قال: «أظنني أقدر أن أدُلك على جمل في مكان قريب وراء هذه الأكمة كنت قد ربطته هناك قبل هجوم اللصوص ولعلهم لم يعرفوا مكانه، فتركبه إذا وجدناه.»

ففرح زكريا وقال: «امكثْ هنا، وأنا أذهب للتفتيش عن الجمل.»

قال ذلك وأسرع وقلبُهُ يخفق فرحًا بهذه الصدفة. فلما دنا من الأكمة سمع جعجعة الجمل فضحك فرحًا، ووثب حتى قبض على زمامه وحَلَّ عقاله وساقه إلى الرجل، فوجده في انتظاره، فقال له: «إن الله أرسلك لإنقاذي من العذاب في هذه الصحراء.»

فقاطعه الرجل وقال: «بل أنت الذي أرسلك الله لإنقاذي؛ إذ لولاك لَمُتُّ في قيودي، فأنا مدين لك بحياتي ولا أقدر أن أُكافئك إلا بأن تركب الجمل وأنا أقوده.»

فقال زكريا: «حاش لله أن أقبل ذلك. بل أردفك والجمل يحمل ثلاثة أو أربعة كما تعلم.»

قال: «كما تشاء.» وأخذا في معالجة الجمل حتى يتسع لهما، وغلق زكريا كيس زاده عليه. وركبا وسارا على حذر إلى المساء، فباتا ليلتهما وزكريا لا يرى من الرجل إلا الأُنس والمجاملة، فشكر الله على أن هَيَّأَ له معرفته وشعر بتأنيب ضميره لكتمانه أمره عنه وَهَمَّ بأنْ يبوح له بحقيقةِ أمره لكنه توقف خجلًا من الاعتراف بالكذب وأجل ذلك حتى آخر الطريق وكانا يخافان أن يدهمها اللصوصُ، ولكنهما لم يلتقيا بأحد.

ويعد يومين وصلا إلى ضفة النيل، فقال التاجر: «هل لك أن تسافر إلى الفسطاط على النيل.»

قال: «ما لنا وركوب الماء؟ دعنا نواصل السير على هذا الجمل؛ فقد استحسنتُ خطواته.»

قال: «كما تشاء، وما دام جملي قد وقع عندك موقع الاستحسان فهو لك عندما نصل إلى الفسطاط.»

فَسُرَّ زكريا لهذه الهدية؛ لشدة احتياجه إليها، وتوهم أن الرجل يُبالغ في إكرامه طمعًا في مساعدته عند ابن طولون، وكان يتألم من ذلك، فقد كان طيب السريرة حَيَّ الضمير يأنف أن يرى الناس فيه ما ليس على حقيقته. وما زالا راكبين يسير بهما الجمل على ضفة النيل الغربية يقتربان من النيل ساعة ويبتعدان أُخرى وزكريا يزداد استئناسًا بالرجل وامتنانًا له حتى أَطَلَّا على الأهرام فلم يبق لزكريا عذرٌ في السكوت وقد بلغ الجمل محاذاة الهرم الكبير ولم يبق إلا أن يَتَحَوَّلَا نحو الجيزة ويعبرا الجسر إلى جزيرة الروضة ومنها بجسر آخرَ إلى الفسطاط.

وصلا إلى الهرم عند الأصيل والرجل يحث الجمل حتى يدرك الفسطاط قبل الظلام فقال زكريا: «ما أفخم هذه الأهرام، وما أجمل الجلوس عندها والإشراف على البساتين تتخللها المياه.» ففهم رفيقه أنه يريد النزول فقال: «ننزل هنا.» وأناخ الجمل وزكريا يُعمل فكرَه ويكد قريحته؛ ليستنبط حيلة يستبقي بها الجمل معه هناك وفيما هو في ذلك قال رفيقه: «حقًّا إن المبيت هنا جميل فإذا وافقتني قضينا هذا المساء هنا وفي الصباح نمضي إلى الفسطاط.»

فاستحسن رأيه وقال: «لا أُخفي عليك أني لا أستطيع الذهاب معك إلى الفسطاط فإن علي أن أقضي أمرًا فيما وراء الجيزة.»

فابتدره قائلًا: «حدثتْني نفسي بأنك تريد شيئًا وتكتمه عني، فنحن أخوان، لا ينبغي أن تكتمني أمرًا تطلبه وقد قلت لك إن حياتي منة منك، وأنا إنما أرغبك في الذهاب معي إلى الفسطاط لأكافئك على صنيعتك؛ فالمال متوافرٌ عندي فإذا كنت تُؤْثر البقاء هنا فامكث وأْذن لي أن أغيب عنك ساعة ثم أعود إليك بهذا الجمل وأزودك بما يدل على اعترافي بجميلك.»

فازداد زكريا فرحًا بالرجل وبصداقته ولم يعد يعرف كيف يشكرُهُ فقال: «لا فضل لي في شيء فعلته والفضل فضلك إذ أتيت بي من تلك الصحراء على جملك.»

فقال الرجل: «بل هو جملُك، أستأذنك في ركوبه إلى الفسطاط وأعود به فهل أجدك هنا؟»

قال: «تجدني عند قاعدة الهرم الكبير.» فودعه ومضى.

•••

افتقد زكريا بعد أن بقي وحده الأسطوانة والكتاب تحت أثوابه، فلما وجدهما في موضعهما بالكيس المعلق إلى عنقه. اطمأن وأخذ يَتَمَشَّى حول الهرم حتى تجاوزه إلى تمثال أبي الهول، فوقف يتأملُهُ حينًا ثم عاد أدراجه ورأى الشمس تنحدرُ وتكاد تغيب، فاستوحش لانفراده بين تلك الرمال. ثم غربت الشمسُ وأخذ الظلام يتكاثف، فاستبطأ صاحبه وندم لأنه لم يسأله عن اسمه ومسكنه. على أن أكثر اهتمامه كان موجهًا إلى الجمل لشدة حاجته إليه بعد أن فقد ما كان يملكه من المال في بادية النطرون قبل دخوله الدير وأصبح لا يملك ما يستأجر به دابة تحمله إلى بلاد النوبة.

ومل زكريا الانتظار وتعب بصرُهُ من التشوُّف عن بعد لعله يرى صاحبه قادمًا، ثم صعد بعض درجات الهرم الكبير حتى وصل إلى مدخله، فوقف ببابه وعيناه شائعتان نحو الجيزة لعله يرى شبحًا أو يؤانس نورًا ويده لا تكاد تفارق إبطه يتحسس الكيس الذي به الأسطوانة والكتاب. وسرحت أفكاره في عالم الخيال فخيل إليه أن إسطفانوس علم بأمره فأرسل من يقبض عليه فلما تصور ذلك اختلج قلبه في صدره؛ لأنه أعزل ولا طاقة له بالدفاع، وجُل همه ألا تذهب الأسطوانة منه، فمد يده وأخرج الكيس من تحت إبطه وتَفَقَّدَ ما فيه جيدًا مخافة أن يكون قد خدع باللمس، فرأى الأسطوانة والكتاب. وبينما هو يَهِمُّ بأنْ يُعيد الكيس إلى عنقه سمع خربشة، فاقشعرَّ بدنُهُ خوفًا من وحشة المكان وكثرة الأفاعي والحشرات في تلك الخرائب، فأصاخ بسمعه والكيس لا يزال في يده وقد جمد الدم في عروقه، فسمع وقع أقدام وهمسًا فانزوى في مدخل الهرم يحاول الاختباء ووجد المدخل ضيقًا وعميقًا كأنه قناةٌ مربعةٌ لا يتسع لدخوله إلا جالسًا أو ممدًّا. فتربع هناك وانتظر منصتًا وهو يحدق ببصره في جهة الصوت، فرأى بضعةَ رجال متزملين بعباءاتهم يتقدمهم رجل يخاطبهم همسًا ويقول: «تركته هنا ولا نلبث أن نجده فلعله نائم.»

ولم يكد زكريا يسمع الصوت حتى عرف أنه صوت صاحبه التاجر. فخالجه الشك في ذلك الرفيق وبالغ في الانزواء فانبطح في المدخل مستقبلًا أرضه بصدره بحيث يطل رأسه إلى الخارج والمدخل مائلٌ إلى الداخل بانحدار، فخاف إذا تراخى أن ينزلق إلى جوف الهرم وهو لا يعرف قراره والناس يتحدثون بأن الجن تسكنُهُ. ولامست ساقُهُ أرض المدخل فاقشعرَّ بدنه من برده، وخُيل إليه أنه لمس حشرة ولولا قلقه مما سمعه مِن تهامُس القادمين ما استطاع المكث هناك لحظة. كل ذلك وهو قابض على الكيس بيده. وكان القوم قد اقتربوا منه وهم يجيلون نظرهم فيما حولهم، ولم يخطر لأحد منهم أن الرجل الذي يبحثون عنه في واجهة الهرم وأنه مختف في مدخله ولا هم يعرفون له مدخلًا يختفي فيه الرجل والرجلان. فلما رآهم على مقربة منه أمسك نَفَسَه وأصاخ بسمعه فسمع أحدهم يقول: «أين هو؟ إننا لا نرى بشرًا … كأنك خدعت المعلم، وقد لا يكون هو الرجل أو أنه خدعك.»

فقال: «لا ريب أنه هو بعينه وقد رأيت الأسطوانة في عنقه، سترونه وترنها.»

ثم رفع بصره إلى أعلى كأنه ينظر إلى المدخل، فاستولى الخوفُ علي زكريا؛ لعلمه أنه لا يقوى على الدفاع ولا الفرار خصوصًا بعد أن تبين القومَ وتحقق أنهم مدججون بالسلاح ولم يبق عنده شك في أن رفيقه بالأمس جاسوسٌ استمهله وذهب ليشي به إلى المعلم مرقس، فبعث من يقبض عليه. وعلم أن المعلم مرقس لا يهمه من أمره إلا الحصول على الأسطوانة التي أخذها من منزله؛ لأن كل آماله فيها فأخذ يفكر فيما يصنعه بها. وإذا ببعضهم يتسلق الأحجار كأنه يَهِمُّ بالصعود إلى باب الهرم، فازداد قلقُ زكريا وضاق نفسه حتى كاد يُغمى عليه وعلم أنه غيرُ ناجٍ من ذلك الشَّرَك فأخذ على نفسه إذا ظفروا به أن لا يظفروا بالأسطوانة؛ وذلك لعلمه بأن مرقس إن ظفر بها معه فسيقتلُهُ لا محالة، وأما إذا قبض عليه ولم يجدها معه فإنه يستبقيه ليساعده في البحث عنها. فتلمس الحائط بجانبه فوجد حفرة متسعة بين الأحجار فأدخل الكيس فيها وغَطَّاها بحجر، فلم تعد تظهر لأحد. ثم تجمع حتى جلس القرفصاء بباب الهرم كأنه يتحفز للوثوب. وكان الرجل الصاعد قد تسلق درجتين أو ثلاثًا، ثم وقف على حجر مرتفع ونظر إلى ما حوله ثم خاطب دليلهم قائلًا: «إن اليهود لم يصدقوا عمرهم حتى يصدقوا اليوم. ها أنا ذا عند الهرم، فأين الرجل المطلوب؟ ووالله إن لم نجده لتذوقنَّ العذاب.»

فعلم زكريا أن صاحبه يهودي احتال عليه. فارتعد فرقًا وأمسك أنفاسه مخافة أن يدهمه عطاس أو سعال فينكشف أمره وإذا بالقوم قد تَحَوَّلُوا من هناك وهم يقولون: «إنه ليس هنا، فلنبحث عنه في مكان آخر.» ومَشَوْا نحو الهرم الثاني فما صدق زكريا أن رآهم انصرفوا حتى خرج من المدخل وتَنَفَّسَ الصعداء وهبط متلصصًا حتى صار على الأرض أمام الهرم الكبير فتربص حينًا وهو قاعد حتى ظن القوم بعدوا فنهض ومشى يطلب الفرار مُيمِّمًا وجهه شطر البساتين ليختبئ فيها. وفي الصباح يعود لأخذ الكيس.

ولم يكد يمشي خطوات قليلة حتى سمع مناديًا يقول له: «قف عندك وإلا قُتلت.»

فلم يجبه وظل ماشيًا كأنه يتجاهل وركبتاه ترتعدان وإذا بالرجال أسرعوا إليه وحدثته نفسه بالفرار ولكنه يعلم عجزه عن ذلك لتعبه وضعفه، فرأى أن يقف وقوف المتجلد فالتفت إلى جهة الصوت وقال: «من تعني؟»

فتقدم إليه أربعة رجال علم من قيافتهم لَمَّا اقتربوا أنهم من الجند المصري ومعهم ذلك اليهودي وهو يقول: «هذا هو، أمسكوه.»

فنظر زكريا إليه وقال: «تبًّا لك من خائن!» ثم التفت إلى الرجال وقال: «لا حاجة بكم إلى القبض علي؛ فإني أسير بين أيديكم وأنا أعزل.»

فتقدم أحدُهُم وبيده حبلٌ وبجانبه رجلٌ آخرُ وأخذا يشدان وثاقه ويقولان: «قد أمرنا أن نأتي بك موثقًا.»

فلما شَدُّوا وثاقه ساقوه بين أيديهم إلى مكانٍ آخرَ وراء الهرم كانوا قد خبئوا فيه جيادهم فأركبوه أحدها وهم حوله يخفرونه وساروا يطلبون الفسطاط.

ووصلوا إلى الفسطاط في الهزيع الأخير من الليل، فأدخلوا زكريا غرفة منفردة وقاموا بحراسته إلى الصباح. أما هو فمع خوفه على حياته كان يجد تعزيةً في إنقاذ الأسطوانة من يدي مرقس، فبات بقية تلك الليلة وهو يفكر فيما مَرَّ به وكيف وقع في هذه الشراك بعد أن أوشك أن ينجو. وعلم أن المكيدة كلها من ذلك اليهودي وأدرك أنه مرسَل من قبل مرقس أو إسطفانوس ليتعقبه واستغرب كيف انطلت عليه حيلتُهُ حتى وقع في الأسر، ولكنه شكر الله على نجاة الأسطوانة.

وفي الصباح سمع الباب يفتح ودخل عليه رجلٌ لم يقع بصره عليه حتى أجفل؛ لأنه المعلم مرقس. ولكنه تجلد ولم يُبْد حراكًا، فقال له مرقس: «أهذا جزاء التربية والخبز والملح؟ تفسد علي ابنتي وتفر بها حتى أضاعت مستقبلها وأصبحت شريدةً طريدة؟»

فظل زكريا صامتًا مطرقًا، فحسبه مرقس ندم على عمله، فازداد جرأة عليه فقال: «بماذا أجازيك على هذا العمل إن القتل قليلٌ لجانب ذنبك.»

فرفع زكريا بصره إليه وقال: «إن القتل لا يُخيفني ولا أنت تستطيعه، ومن كان مثلك لا يخشى بأْسه.»

فغضب مرقس وقال: «أتخاطبني بهذه القحة وأنت خادمي؟»

قال: «حاش لله أن أكون كذلك. إنما أنا خادم تلك الفتاة الطاهرة أو الملاك الأرضي. أنا خادم دميانة وعبدها إكرامًا لوالدتها المسكينة وطوعًا لصاحبة الأمر. ولولا العهد الذي قطعتُهُ بالثبات في خدمتها لتركتها فرارًا من عشرة أبيها الظالم.»

فحمي غضب مرقس وقال: «أنا ظالم؟»

قال: «ألا تعرف نفسك؟ هل تجهل ما صنعتَه بابنتك التي تزعم أنك نقمت علي في سبيل الدفاع عن نفعها؟ ألا تعلم من الذي أضاع حقها؟»

فاستاء مرقس من هذا التعريض، وفهم مراد زكريا لكنه تجاهل توصلًا إلى مرغوبه، فقال: «أراك تهذي بكلام لا معنى له. أتعلم لماذا ساقُوك إلى هذا المكان وبعد قليل يحملونك إلى السجن المظلم وتسلم لابن طولون؟ أتعلم لماذا؟»

فسكت زكريا ولم يُجب، فعاد مرقس يقول: «أنا أعلم. لقد ساقوك إلى هنا؛ لأنك سرقت منزل سيدك وأخذت منه التحف والجواهر وفررت بها. ولأنك أيضًا تساعد البطريرك ميخائيل على تواطئه مع النوبة للقيام على المسلمين.»

فلما سمع زكريا قوله هَزَّ كتفيه، وظَلَّ مطرقًا لا يُظهر اهتمامًا، فاستغرب مرقس ذلك منه، وقال: «يظهر أنك لم تدرك مقدار ما يُهددك من الخطر لهذه التهم. وأنا — مع عظم إساءتك لي — لا أزال أَميل إلى الرفق بك إكرامًا للخبز والملح. وعلى هذا أوصيت الجند بأن يأتوا بك إلى هنا قبل حملك إلى ابن طولون لعلي أستطيع إنقاذك. واعلمْ أن نجاتك في يدي، إذا شئت سلمتك إلى الشرطة. وأنا مَيَّالٌ إلى إطلاق سراحك إذا ندمت على ما فرط منك وسلمت إلي ما أخذته من منزلي. ليس كل ما أخذته. فأنا أكتفي منك بالأسطوانة؛ فإن فيها أوراقًا تهمني ولا فائدة لك منها فإذا أطعتني وسمعت نصيحتي نجوت لساعتك وإلا فإني أسلمك إلى قضاء ابن طولون وأنت تعلم عاقبة ذلك.»

فقال: «أنا لم أعمل عملًا أندم عليه، وأما الأسطوانة فلا علم لي بها، كما أني لم أسرق شيئًا ولا أنا ممن يطمعون في الأموال؛ إذ ليس لها قيمة عندي، فليس لي ولد أورثه وأيامي أصبحت قصيرة لا تستحق حشد الأموال، ولا مطمع لي في ملاذ الدنيا وشهواتها مثل غيري.»

فقطع مرقس كلامه قائلًا: «ما لنا وللأموال؟ إني أكتفي بالأسطوانة التي فيها الأوراق. هاتها ولك الأمان.»

قال: «من أين آتي بها؟ ليس عندي أسطوانات ولا أوراق.»

قال: «أتُنكر وهي في جيبك؟»

قال: «في جيبي. ليس معي شيء.»

فصفق مرقس فدخل جندي كان واقفًا بالباب، فأومأ مرقس إلى زكريا وقال: «فتشْه؛ فإنك تجد معه أسطوانة، هاتها.»

فتقدم الجنديُّ وأخذ يفتش أثواب زكريا قطعة قطعة، ومرقس يقول له: «فتش تحت أثوابه وبين ذراعيه وجنبه.» ومضى الجنديُّ يفتش زكريا وهذا باسطٌ ذراعيه ومرقس يراعي حركاتهما ويتفرس ويدقق حتى إذا تعب الجنديُّ من التفتيش ولم يجد شيئًا أشار إليه مرقس أن يخرج فخرج. وعاد هو إلى زكريا وقد امتقع لونُهُ من الغضب والفشل؛ لأنه كان على ثقةٍ من وُجُود الأسطوانة معه، فقال: «أين ذهبت بالأسطوانة يا زكريا؟»

قال: «ليس عندي أسطوانات، ولا أفهم ما تقول.»

فأطرق مرقس وخَطَرَ له أنه أعطى الأسطوانة إلى دميانة؛ إذ ليس ثَمَّ من يثق به سواها، فقال: «أين دميانة؟»

فضحك زكريا ضحكة استخفاف وقال: «تأخرت في السؤال عن ابنتك أيها الوالد الشفيق. وأنت تسألني عنها الآن لا غيرة عليها ولكنك تظن الأسطوانة عندها. فكن على يقين أنها لا تعرف شيئًا من أمرها.»

فأعاد مرقس السؤال: «أين دميانة؟»

قال: «لا أعرف مقرها.»

قال: «وكيف ذلك … وأنت فررت بها، ماذا جرى لها؟»

فحدثتْه نفسه بأن يخبره عن مكانها. لكنه خاف أن يستعين مرقس بذلك على الفتك بها فيذهب سعيه هدرًا فقال: «لا اعرف أين هي الآن.»

قال: «يظهر أنك تبحث عن حتفك بظلفك، سترى عاقبة أمرك.» قال ذلك وخرج وأغلق الباب وراءه بشده فعلم زكريا أنه صائر إلى السجن بعد قليل. ولم تمض هنيهة حتى جاء الجُند فحملوه إلى القطائع، وزَجُّوه في غياهب السجن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١