الجمال الأسود

(١) بَيتي الأول

أول مكان أستطيع أن أتذكره جيدًا كان مرْجًا واسعًا جميلًا، فيه بُحيرة ماء صغيرة صافية تميل فوقها بعضُ الأشجار الظليلة، وكانت نباتاتُ الأسَل العُشبية وزَنابق الماء تنمو في الطرَف العميق منها. كنَّا عند أحد أطراف هذا المرج ننظُر من فوق السِّياج الشجري إلى حقلٍ محروث. وعند طرَفه الآخر ننظُر إلى بوابةٍ عند منزل سيِّدنا الذي على جانب الطريق. وفي أعلى المرج كان يُوجَد أيْكةٌ من أشجار التَّنُّوب، وفي أسفله جدولُ ماء مُتدفقٍ يُشرف عليه جَرْفٌ شديد الانحدار.

كنتُ وأنا صغير أعيش على لبن أُمِّي؛ لأنَّني لم أكن أستطيع أكْلَ العُشب، وكنتُ أثناء النهار أجري إلى جوارها، وأثناء الليل أرقُد بالقُرب منها. وعندما يكون الجوُّ قائظًا، اعتدْنا أن نقِف في ظلِّ الأشجار عند بُحيرة الماء، وعندما يكون باردًا نأوي إلى حظيرة دافئة جميلة بالقُرب من الأيْكة.

حالَما أصبحتُ كبيرًا بما يكفي لأتناول العشب، كانت أمِّي تَخرج للعمل أثناء النهار، وتعود في المساء.

كان في المرج ستَّةُ أمهارٍ صغيرة غيري؛ وكانوا أكبرَ مني، وكان بعضُهم تقريبًا في حجم الخيول البالغة. اعتدتُ أن أجريَ معهم، وكنتُ أستمتع كثيرًا؛ كنا نَعْدو جميعًا حول الحقل، مرةً بعد مرةٍ، بأقصى ما يُمكننا من سرعة. وكنَّا أحيانًا نلعب لعبًا عنيفًا بعض الشيء، فكثيرًا ما كانوا يعَضُّون ويركلون بأرجلهم أثناء العَدْو.

ذات يوم، عندما كثُر الرَّكْل، صهلَتْ أمِّي تُناديني كي آتيَ إليها، ثم قالتْ:

«أرجو أن تنتبِهَ لما سأقوله لك؛ إنَّ الأمهار التي تعيش هنا أمهارٌ جيدةٌ جدًّا، لكنهم سيُصبحون خيولًا تجرُّ العرَبات، وبالطبع لم يتعلَّموا قواعد السلوك الحسَن، لكنك مُهْر مؤدَّب كريمُ الأصل؛ فلِوالدك سُمعةٌ عظيمة في هذه الأنحاء، وقد فاز جَدُّك سنتَين بالكأس في سباقات مدينة نيوماركت؛ كما أني لم أعرف فرسة قطُّ ألطفَ طِباعًا مِن جدتك، وأظنُّ أنك لم ترَني من قبل قطُّ أركُل أو أعَض. أرجو أن تنشأ لطيفًا وطيبًا، وألَّا تتعلَّم الأساليب السيئة أبدًا؛ أدِّ عملَك بحُسْن طويَّة، وارفع رِجلَيك جيدًا وأنت تَخُبُّ، وإياك أن تعَضَّ أو أن تَركل أبدًا حتى أثناء اللعب.»

لم أنْسَ نصيحة أمي أبدًا؛ فقد كنتُ أعرف أنها كانت فرسةً عجوزًا حكيمة، وكان سيِّدُنا يُقدرها تقديرًا كبيرًا. كان اسمُها داتشس، لكنه كثيرًا ما كان يُناديها باسم «بِت».

كان سيِّدُنا رجلًا صالحًا طيبًا؛ كان يُطعِمنا طعامًا جيدًا، ويُسكِننا سكنًا جيدًا، كما كان يُسمِعنا كلماتٍ طيبة؛ لقد كان يتكلَّم معنا بالطريقة اللطيفة التي كان يتكلَّم بها مع أولاده الصغار. كنا جميعًا نُحبُّه، وكانت أمي تُحبُّه كثيرًا. كانت تَصهَل بفرحة وتُهروِل إليه عندما تراه عند البوابة. وكان هو يَربِت عليها، ويُمسِّد يده على شعرها برِفقٍ ويقول: «حسنٌ، أيَّتُها العجوز بِت، كيف حالُ صغيرِك داركي؟» كان لوني أسودَ باهتًا، لذا سمَّاني داركي؛ ثم كان يُعطيني قطعةَ خُبز، كانت جيدةً جدًّا. وكان أحيانًا يجلب الجزَر لأمي. كانت الخيول كلُّها تأتي إليه، ولكن أظنُّ أنَّنا كنا المُفضَّلَيْن لديه. كانت أمي تأخذه دائمًا إلى المدينة في عربةٍ خفيفة ذات عجَلتَين يوم انعقاد السوق.

كان يُوجَد صبيٌّ ريفيٌّ، يُدعى دِك، وكان أحيانًا يأتي إلى حقلِنا لِيَقطف ثمار العليق الأسود من السياج الشجري، وكان عندما ينتهي من تناول كل ما أراد يبدأ في ممارسة ما كان يُسمِّيه لعبًا مع الأمهار؛ فكان يُلقي عليهم الحجارة والعِصيَّ، كي يجعلهم يبدَءون في العَدْو. لم نكن نلتفت إليه كثيرًا؛ لأنَّنا كنَّا نستطيع أن نعدُوَ بعيدًا. إلا أنه أحيانًا ما كان يُصيبُنا حَجرٌ ويؤلِمنا.

ذات يومٍ كان يُمارِس لُعبتَه هذه، ولم يُلاحِظ أن السيد كان في الحقل المُجاور، لكنه كان موجودًا، يُراقِب ما كان يحدُث، ثمَّ فجأةً قفز من فوق السياج، وأمسك دِك من ذراعه، ولطَمَه على أُذنه لطمةً هائلةً جعلَتْه يصرُخ من الألم والمفاجأة. وحالما رأينا السيد هروَلْنا مُقترِبين لنرى ما جرى.

قال السيد: «ولدٌ سيئ؛ سيئٌ لأنك تطارد الأمهار! هذه ليست المرةَ الأولى، ولا الثانية، لكنها ستكون الأخيرة. أُفٍّ لك! ها هو مالك؛ خُذه وعُد إلى بيتك. لا أُريدك في مزرعتي مرةً أخرى.» وهكذا لم نرَ دِك بعد ذلك أبدًا. لكنَّ العجوز دانيال، سائس الخيول، كان رقيقًا مثل سيِّدنا تمامًا، وهكذا كنَّا سعيدَي الحظ.

(٢) الصيد

قبل بلوغي السنةَ الثانية من العمر حدثَت واقعة لم أنسَها أبدًا؛ كنَّا في بداية فصل الربيع، وكان الصقيع يتساقط بكَمِّيات قليلة أثناء الليل، وكان ضبابٌ رقيقٌ لا يزال يُخيِّم فوق الغابات والمروج. كنتُ أنا والأمهار الأخرى نأكل في الجزء الأدنى من الحقل فسَمِعنا، من بعيد جدًّا، ما يُشبِه نباح الكلاب. رفع أكبر الأمهار سنًّا رأسَه، وأصغى بأُذنَيه، وقال: «إنها كلاب الصيد!» ثم أخذ يَخُبُّ مُبتعدًا على الفور، يَتبَعه بقِيَّتُنا إلى الجزء الأعلى من الحقل، حيث كان باستطاعتنا أن نُطلَّ من فوق السياج الشجري، ونرى عديدًا من الحقول على الجانب الآخر. كانت أمِّي هي الأخرى تقفُ قريبًا منَّا، مع فرسٍ كبير من أفراس سيِّدنا المُعَدَّة للركوب، وبدا أنها كانت تعرف كلَّ شيء عن الأمر.

قالت أمي: «لقد عثَروا على أرنبةٍ برِّيَّة، وإذا مرُّوا من هنا فستَتسنَّى لنا رؤيةُ الطريدة.»

وسرعان ما أخذَت الكلاب كلها تَعْدو بسرعة وقوةٍ كبيرتَين داخل حقل القمح، النابتِ حديثًا، المجاوِرِ لحقلنا. لم أسمع من قبلُ قطُّ مثلَ هذه الضوضاء التي كانوا يُصدِرونها! لم يكونوا يَنبحون، ولا يعوُون، ولا يَئنُّون، وإنما ظلُّوا يُصدِرون هذه الأصوات: «يو! يو، أُو، أُو! يو! يو، أُو، أُو!» بأعلى أصواتهم، ثم لَحِق بهم عددٌ من الرجال على ظهور الخيل، بعضهم يَرتدي سُتراتٍ خضراءَ، وكانوا جميعُهم يَجْرون بالخيل بأسرعِ ما في وُسعِهم. صهَل الفرسُ الكبير ونظر بحماسٍ في أعقابهم، وكنَّا نحن الأمهارَ الصغيرة نريد أن نَعدُوَ معهم، لكنهم ابتعدوا سريعًا داخل الحقول البعيدة عنَّا. بدا في هذه اللحظة وكأنهم توقَّفوا عن الجري؛ إذ كفَّت الكلاب عن النُّباح، وأخذَت تجري في كل اتجاه وأُنوفُها إلى الأرض.

قال الفرس الكبير: «لقد فقدوا رائحة الأرنبة البرِّية؛ ربما ستهرُب منهم.»

قلتُ: «أيَّةُ أرنبة؟»

«آه! لا أعرف أيُّ أرنبةٍ هي؛ لكن مِن المُحتمَل جدًّا أن تكون واحدةً من أرانبنا نحن وقد نجَت من الخطر؛ فأي أرنبٍ يَعثُر عليه هؤلاء الرجال وكلابهم سوف يفي بغرضهم في مُطاردته.» وقبل أن يَمضي الكثير من الوقت بدأت الكلاب تُصدِر أصواتها هذه: «يو! يو، أُو، أُو!» مرةً أخرى، ثم عادَتْ جميعُها بأقصى سرعة، وتوجَّهَتْ مباشرةً إلى مَرْجتنا في ذلك المكان الذي يُطِلُّ عنده الجَرفُ المُرتفع والسِّياج الشجريُّ على جدول الماء.

قالت أمي: «الآن سنرى الأرنبةَ البرِّية.» وعندئذٍ اندفعَت سريعًا بجانبنا أرنبةٌ بريَّة، مضطرِبةٌ من أثر الرُّعب، واتجهَت ناحية الغابة. أقبلَت الكلاب؛ لقد ظهرت فجأةً فوق الجَرف، ثم قفزَتْ من فوق جدول الماء، واندفعَتْ بسرعةٍ عبر الحقل، والصيَّادون وراءها. ستة أو ثمانية رجال قفَزوا بخيولهم ببراعة من فوق الماء، واقتربوا من الكلاب. حاولَت الأرنبةُ البرِّية المرور من خلال السياج، لكنه كان كثيفًا جدًّا، فاستدارَتِ استدارةً حادَّة؛ لكي تتَّجِهَ نحو الطريق، لكنها كانت قد تأخرَت كثيرًا؛ إذ أصبحَت الكلاب على مَقرُبة شديدة منها، وكانت تنبح نُباحًا ضاريًا. وسمعنا صَرخة واحدة، وتلك كانت نهايتها. اقترب أحدُ الصيادين بحِصانه وأبعدَ الكلاب بحركةٍ سريعة؛ لأنها كانت ستُمزِّقها قِطَعًا في الحال، رفَع الصيَّاد الأرنبة من قدَمِها وهي ممزَّقة، والدم ينزف منها، وبدا السادةُ كلهم في غاية السرور.

أما أنا، فكنتُ في حالة الذهول الشديد، لدرجة أنَّني لم أُلاحظ في بداية الأمر ما كان يَحدُث بجوار جدول الماء، لكنَّني عندما نظرتُ رأيتُ مشهدًا حزينًا؛ كان حِصانان أصيلان قد سقَطا، كان أحدُهما يُكافح داخل جدول الماء، والآخر يئنُّ فوق العُشب، وكان أحد الصيادين يَخرج من الماء وهو مُغطًّى بالطين، ولكن الآخر كان راقدًا ساكنًا تمامًا.

قالت أمي: «لقد انكسَرَت رقبته.»

قال أحد الأمهار: «وهو يَستحقُّ ما حدث له أيضًا.»

كان هذا ما اعتقدتُه أنا أيضًا، إلَّا أن أمي لم تُوافِقْنا الرأي.

وقالت: «في الواقع، لا. يجب ألَّا تَقولا هذا؛ لكنْ برغم أنني فرسة كبيرة، وبرغم أنني رأيتُ وسمعتُ كثيرًا من الأحداث، فإنني لم أستَطِع قطُّ أن أفهَم لِمَ يحبُّ الرجالُ كثيرًا هذه الرياضة؛ فكثيرًا ما يُصابون بأذًى، وكثيرًا ما يتسبَّبون في هلاك خيول جيدة، ويُلحِقون أضرارًا بالحقول، وكل هذا مِن أجل أرنبٍ أو ثعلب أو أيْل. وكان من الممكن أن يَحصلوا عليها بطريقةٍ أخرى وبسهولةٍ أكبر؛ لكنَّنا لسْنا سِوى خيول، ولا نعرف.»

بينما كانت أمي تَقول هذا وقَفْنا وأخذنا نُراقب؛ كان كثيرٌ من الفرسان قد توجَّهوا إلى الشاب؛ لكنَّ سيدي، الذي كان قد شاهد ما كان يحدُث، كان أول مَن رفعه مِن على الأرض. كان رأسُه مُتراجعًا إلى الوراء، وذِراعاه تتدلَّيان إلى أسفل، وبدَت الجدِّية على وجوه الجميع. لم تَعُد هناك ضوضاء الآن؛ حتى الكلاب سكتَت، وبدا أنها أدركَت أنَّ شيئًا ما لم يكن على ما يُرام. حملوا الشابَّ إلى منزل سيدي. سمعتُ فيما بعدُ أنه كان الشاب جورج جوردن، الابن الوحيد للسكواير (لقب يُعطى للإقطاعيِّين ومُلَّاك الأراضي في الريف الإنجليزي). كان شابًّا وسيمًا، طويلَ القامة، وكان مصدرَ الفخر لعائلته.

حينئذٍ توجَّه فارسٌ في كلِّ اتجاه؛ إلى بيت الطبيب، وإلى بيت البيطار، وإلى بيت سكواير جوردن بالتأكيد؛ ليُحيطوه علمًا بما حدَث لابنه. عندما جاء السيد بوند، البيطار، ليكشف على الحصان الأسود الذي كان راقدًا يئنُّ فوق العشب، أخذ يجسُّ جسمه كلَّه، وهزَّ رأسه في حُزن؛ كانت إحدى قوائمِه مكسورة. بعد ذلك أسرع أحدُهم إلى منزل سيدنا، وعاد ومعه بندقية؛ وعلى الفور انطلق صوتٌ مُدوٍّ عالٍ وصرخةٌ مروِّعة، وبعدها سكَن كلُّ شيء؛ لم يَعُد الحصان الأسود يتحرَّك.

بدَتْ أُمِّي في حالة شديدة من الاضطراب، وقالت إنها كانت تعرف هذا الحصان لأعوام، وأن اسمه كان روب روي. لقد كان حصانًا طيبًا، ولم يكن ثمَّة نَقيصةٌ تَعيبه. وقالت إنها لن تذهب إلى هذا الجزء من الحقل بعد ذلك أبدًا.

بعد ذلك بأيام ليست بالكثيرة، سَمِعنا جرس الكنيسة يدقُّ مدةً طويلة، وعندما نظرْنا من فوق البوابة، رأينا عربةً كبيرةً غريبةً سوداءَ اللون وطويلة. كانت مغطَّاةً بقماش أسود، وكانت تَجرُّها خيولٌ سوداء، ثم تَلاها أخرى وأخرى وأخرى. وكانت جميعُها سوداء، بينما ظلَّ الجرسُ يدقُّ ويدق. كانوا يَحملون جوردن الشابَّ إلى فِناء الكنيسة ليدفِنوه، لن يركب الخيل بعد الآن. أمَّا ما فعلوه بروب روي فهذا ما لم أعرِفْه قط، لكنَّ هذا كله كان من أجل أرنبة برِّية صغيرة.

(٣) ترويضي

بدأتُ أُصبح جميلًا الآن؛ أَصبح الشعر الذي يُغطِّي جسمي جميلًا وناعمًا، وكان لونه أسودَ لامعًا. كان لي قدمٌ بيضاء، وغُرَّة بيضاء جميلة على جبيني. كان الناس يرَونني جميلًا جدًّا، ولم يرغب سيِّدي في بيعي حتى بلغتُ الرابعةَ من العمر؛ كان يقول إنه مثلما ينبغي للفِتْية ألَّا يعملوا عمل الرجال؛ ينبغي ألا تَعمل الأمهارُ عمل الخيل حتى يُصبِحوا كبارًا بما يكفي.

عندما بلغتُ سنَّ الرابعة جاء سكواير جوردن ليراني. لقد فحص عينيَّ وفمي وقوائمي؛ وجسَّها كلَّها بيده من أعلى إلى أسفل، ثم كان عليَّ أن أمشيَ وأخُبَّ وأعدُوَ أمامه. لقد بدا عليه أنه مُعجَب بي، وقال: «عندما يُروَّض جيدًا فسوف يكون مناسبًا تمامًا.» فقال سيدي إنه سيُروِّضُني بنفسه؛ لأنه لا يُحبُّ أن أخاف أو أن أتأذَّى. ولم يُهدِر الوقت في فعل هذا؛ إذ بدأ في تنفيذه من اليوم التالي.

ربما لا يعرف الجميعُ ما هو الترويض؛ لذلك سوف أصِفُه؛ إنه يَعني تعليم الحِصان ارتداء السَّرْج واللِّجام، وأن يحمل على ظهره رجلًا أو امرأةً أو طفلًا؛ أن يسير في الطريق الذي يُريدونه تمامًا، وأن يَسير بهدوء. بالإضافة إلى هذا فإنَّ عليه أن يتعلَّم ارتداء طوقٍ ومِذْيَلة وطوق للمُؤخرة، وأن يقف ساكنًا أثناء وضع تلك الأشياء عليه، ثم تُثبَّت خلفه عربةٌ لنقل البضائع، أو أخرى لحمل الأشخاص؛ فلا يَستطيع المشي أو الخَبَّ دون أن يَجُرَّها خلفه. وعليه كذلك أن يُسرِع في حركته أو أن يُبطِّئها بحسب رغبة سائقه. ويجب عليه ألَّا يَجفُل ممَّا يراه مطلقًا، وألَّا يتكلم مع الخيول الأخرى، وألا يعَض، أو يركل، وألا تكون له أيَّةُ إرادة خاصة، وإنما يُنفذ دومًا إرادةَ سيده، حتى وإن كان مُتعَبًا أو جائعًا للغاية. لكنَّ أسوأ الأشياء هو أنه ما إن يُوضَع عليه طقمه هذا فلا يُسمَح له أن يثِب من الفرح، ولا أن يَستلقيَ من الإرهاق. وهكذا فإن الترويض هذا أمرٌ عظيم كما ترَون.

كنتُ قد اعتدتُ منذ مدة طويلة بالطبع على ارتداء الرسَن وطوق الرأس، وأن أُقادَ في الحقول والممرَّات الضيِّقة بهدوء، لكنْ تَوجَّب عليَّ الآن ارتداءُ شكيمة ولجام. أطعمَني سيدي بعضَ حبوب الشوفان كالعادة، وبعد قدرٍ لا بأس به من المُلاطفة وضعَ الشكيمة في فمي، ثم ثبَّت اللِّجام، لكنه كان شيئًا مُقززًا! أولئك الذين لم يرتَدوا شكيمةً في أفواههم قطُّ لن يَستطيعوا أن يتصوَّروا كم هو سيئ هذا الشعور! قطعة كبيرة من الحديد البارد الصُّلب في سُمْك إصبَع الإنسان، يُزجُّ بها داخل فم المرء، بين أسنانه، وفوقَ لسانه، وطرَفاها بارِزان عند جانِبَي فمِك، ومُثبَّتان فيه بإحكامٍ بِسيورٍ فوق رأسك، وتحت حَلْقك وحول أنفك وتحت ذقنك؛ بحيث لا تستطيع بأيَّة وسيلة كانت أن تتخلَّص من هذا الشيء المُقزِّز الصُّلب. إنه أمرٌ في غاية السوء! نعم، في غاية السوء! أو على الأقلِّ كنتُ أراه أنا كذلك. لكنني كنتُ أعرف أنَّ أُمِّي كانت دائمًا ترتدي واحدةً عند خروجها، وأن كل الخيول ارتدَتْها عندما كبرَتْ، وهكذا؛ فبفضل حبوب الشوفان اللذيذة، وبفضل تربيتِ سيدي عليَّ، وكلماته الطيبة، وأسلوبه الرقيق، استطعتُ ارتداء شكيمتي ولجامي.

ثم جاء دور السَّرج، لكنِّي تفاجأتُ أنه كان جيدًا؛ وضَعه سيدي فوق ظهري برفقٍ بالغ، بينما أمسك العجوزُ دانيال برأسي، بعد ذلك ثبَّت أحزِمة السَّرج تحت جسمي، وهو في ذلك يربت عليَّ ويُكلِّمني طوال الوقت. ثم تناولتُ قليلًا من حبوب الشوفان، وبعدها قادني قليلًا، وظلَّ يفعل هذا كلَّ يوم حتى بدأتُ أتطلَّع إلى حبوب الشوفان وإلى السرج. وبعد مدة طويلة، وفي صباح أحد الأيام، ارتقى سيدي فوق ظهري، وسار بي في المرْج فوق العُشب الناعم. كان شعورًا غريبًا من دون شك، لكن يجِب أن أُقِرَّ أنَّني شعرتُ بشيءٍ من الفخر لأنَّني كنتُ أحمل سيدي، ولأنه استمرَّ في ركوبي مدةً قصيرةً كلَّ يوم؛ فقد تعودتُ على ذلك خلال وقتٍ قصير.

أما الأمر البغيض التالي فكان ارتداءَ الحَدوات؛ كان ذلك أيضًا مُرهقًا جدًّا في أوله، ذهب سيدي معي إلى دكَّان الحداد؛ ليتأكَّد من أنني لن أتعرَّض للأذى، ولن أُصاب بأيِّ ذُعر. أمسَك الحدَّاد أقدامي بيدِه، واحدةً تِلْو الأخرى، وأخذ ينزع شيئًا قليلًا من الحافر، لكنَّ ذلك لم يُؤلِمْني؛ لذا وقفتُ ثابتًا على ثلاث أرجل حتى انتهى منها كلِّها. بعد ذلك أخذ قطعةً من الحديد على شكل قدَمي، ووضعها عليها بسرعة، ثم أخذ يدقُّ بعض المسامير عبر الحَدْوة في حافري مباشرةً، بحيث أصبحَت الحَدوةُ ثابتةً في مكانها تمامًا. شعرتُ بأن أقدامي صُلبة وثقيلة جدًّا، ولكني تعوَّدتُ عليها مع الوقت.

الآن وقد وصلتُ إلى هذا الحد، أخذ سيدي يُروِّضني على ارتداء عُدة الجرِّ خاصتي؛ كان هناك مَزيد من الأشياء الجديدة لأرتديَها؛ أولًا: طوقٌ قاسٍ ثقيلٌ حول عنقي تمامًا، ولجامٌ ذو قِطعتَين جانبيَّتَين كبيرتَين في مواجهة عينَيَّ اسمُهما الغِمامتان، وقد كانتا غِمامتَين بالفعل؛ لأنني لم أستطع أن أرى في أيٍّ من الجانبَين، وإنما أمامي مباشرةً فقط؛ بعد ذلك، أُلْبِستُ سرجًا صغيرًا له حزامٌ صُلبٌ مزعِجٌ كان يمرُّ تحت ذيلي مباشرةً؛ كانت هذه هي المِذْيلة. لكنني كَرِهتُ هذه المِذيَلة؛ لأن ثَنيَ ذيلي الطويل ودفْعَه داخل هذا الحزام كان سيئًا مثل الشكيمة تقريبًا. لم أرغب قطُّ في الركل مثلما رغبتُ فيه أثناء ارتدائها، لكنَّني بالطبع ما كنتُ لأركل مالكًا طيبًا كهذا. وهكذا بمرور الوقت تعوَّدتُ على كل شيءٍ، وأصبحتُ قادرًا على أداء عملي بإتقانٍ مثل أمي.

يجِب ألَّا أَغفُل عن ذِكر جانبٍ من تدريبي، وهو ما ظللتُ دائمًا أَعدُّه فائدةً عظيمةً جدًّا؛ حيث أرسلَني سيِّدي لمدة أسبوعين إلى منزل أحدِ المزارعين من جيراننا، وكان لديه مرج تمرُّ السكة الحديديةُ مُتاخمةً لأحد جوانبه، كما كان لديه بعضُ الخِراف والأبقار، وكنتُ أنام وسطها.

لن أنسى ما حَييتُ أولَ قطارٍ مرَّ بي؛ كنتُ أتناول طعامي في هدوءٍ قُربَ أَوتاد السياج الفاصل بين المرْج والسكة الحديدية، وسمعتُ صوتًا غريبًا من بعيد، وقبل أن أعرف مصدرَه اندفَع بجواري قطارٌ طويلٌ أسودُ يَحمل شيئًا ما، وقد مرَّ في سرعةٍ وضجَّة وهو يُطلق كمِّيات متقطعةً من الدخان، ثم اختفى قبل أن أتمكَّن من الْتِقاط نفَسي تقريبًا. استدرتُ وأخذتُ أعدو إلى الجانب الآخر من المرْج بأقصى سرعة ممكِنة، ووقفتُ هناك أصهل من الدهشة والخوف. وعلى مدار اليوم مرَّت قطاراتٌ عديدةٌ أخرى، كان بعضُها أبطأ؛ وهي التي كانت تتوقَّف عند المحطة القريبة، وكانت أحيانًا تُصدر صوتَ صراخٍ وصريرٍ مُخيفًا قبل أن تقف. كنتُ أراها مُروِّعةً للغاية، لكنَّ الأبقارَ استمرَّتْ في تناول طعامها بهدوء شديد، ونادرًا ما كانت ترفع رءوسها عندما يأتي هذا الشيء الأسودُ المُخيف وهو يمرُّ مُقرقِعًا ومطلِقًا دخانًا متقطعًا.

لم أتمكَّن في الأيام القليلة الأولى من تناول طعامي في سلام، ولكن إذ وجدتُ أنَّ هذا المخلوق الرهيب لا يدخل إلى الحقل مُطلقًا، ولا يتسبب لي في أيِّ أذًى؛ بدأتُ أتجاهله. وخلال وقت قصير جدًّا أصبحتُ لا أُعير مرور القطارات كثيرَ اهتمامٍ مثلما تفعل الأبقار والخراف.

منذ ذلك الحينِ رأيتُ كثيرًا من الخيول تَخاف وتجمَح بشدَّة عندما ترى أو تسمع محرِّكًا بخاريًّا؛ لكن بفضل رعاية سيِّدي الكريم، أصبحتُ أتحلَّى عند محطات السكك الحديدية بنفس القدْر من الشجاعة الذي أتحلَّى به في إسْطَبْلي.

وهكذا، إذا ما أراد أيُّ أحد أن يروِّض حصانًا صغيرًا؛ حسنٌ، فتلك هي الطريقة.

كثيرًا ما كان سيدي يَقودني في طقْم مُزدوَجٍ من أطقم جرِّ العربات مع أمي؛ لأنها كانت ثابتةَ الجَنان، وكانت قادرةً على تعليمي كيفيةَ السير أفضلَ من أيِّ حصانٍ غريب. وأخبرَتْني أنَّني بقدْر ما أُحسِنُ التصرُّف ستكون طريقة معاملتي أفضل، وأنه مِن الحكمة دائمًا أن أبذل كلَّ ما في وُسعي من أجل إرضاء سيدي، وقالت: «لكنْ، ثمة أنواعٌ كثيرةٌ جدًّا من الناس؛ يُوجَد رجال طيبون يُراعون حقوق ومشاعر غيرهم مثل مالِكنا، وهؤلاء يَفخر أيُّ حصان بخدمتهم. ويُوجَد رجالٌ سيئون قُساةٌ، لا يَجدُر بهم أبدًا أن يَقتنوا حِصانًا أو كلبًا. علاوةً على ذلك، يُوجَد عدد كبيرٌ جدًّا من الرجال الحمقى، التافهِين، الجهَّال، المُهملين، الذين لا يُجهِدون أنفسهم أبدًا في التفكير، وهؤلاء يؤذون الخيول أكثرَ مما يَفعل الآخَرون جميعهم، وهذا فقط بسبب افتقارهم إلى الحِسِّ. وهم لا يقصدون ذلك الأذى، ولكنهم برغم هذا يفعلونه. أرجو أن تَئول إلى من يرعاك ويهتمُّ بك؛ لكنَّ الحصان لا يَعرف أبدًا مَن قد يشتريه، أو من قد يَسُوقه؛ إنَّ الأمر كله مُعتمِد على الحظ في حالتنا، لكنني برغم هذا أقول: ابذل كلَّ ما في وُسعك أينما كنت، وحافِظ على سُمعتك الجيدة.»

(٤) عزبة «بيرتويك»

اعتدتُ في هذا الوقت أن أقِفَ في الإسطبل حيث كان شعرُ جسمي يُمشَّط كلَّ يوم؛ حتى يَصير لامعًا كجناح الغراب. وفي أوائل شهر مايو، جاء رجلٌ من منزل سكواير جوردن، وأخذَني معه إلى الفِناء. قال سيِّدي: «مع السلامة يا داركي، كن حِصانًا مُطيعًا، وابذُل أفضل ما في وُسعك دائمًا.» لم يكن باستطاعتي أن أقول: «مع السلامة»؛ لذا وضعتُ أنفي في يده، وربَت هو عليَّ بعَطف، ثم غادرتُ بيتي الأول. وحيث إنني عشتُ بضع سنواتٍ مع سكواير جوردن، فيُمكنني كذلك أن أحكيَ قليلًا عن المكان.

كانت عزبة سكواير جوردن مُتاخِمةً لقرية بيرتويك. كنَّا ندخل إليها من بوابة حديدية كبيرة يقوم بجوارها الكوخ الأول، ثم نَنطلق مُهروِلين فوق طريقٍ مستوِيةٍ بين أَجَماتٍ من أشجارٍ ضخمة عتيقة؛ فإذا بكوخٍ آخَر وبوابةٍ أخرى نلجُ منها إلى المنزل والحدائق. أما المرعى الْمُسَوَّر التابع للبيت، والبستان القديم، والإسطبلات فكانت تقَع وراء ذلك. كان يُوجَد مأوًى لكثيرٍ من الخيول والعربات، لكنَّني سأقتصِر فقط على وصف الإسطبل الذي أُخِذتُ إليه؛ لقد كان رحْبًا جدًّا، وكان به أربعة مَرابط جيدة، ونافذةٌ كبيرة تدور على مفصلات وتُطل على الفِناء، ممَّا جعله مكانًا لطيفًا وجيِّدَ التهوية.

كان المربط الأول كبيرًا مُربَّعًا، وكانت له بوابة خشبية تُغلَق عليه من جهة الخلف. أما المرابط الأخرى فكانت مَرابطَ عادية؛ كانت جيدةً، لكنها لم تكن في مِثل رَحابته على الإطلاق. كان فيه مِذْوَدٌ منخفضٌ من أجل التِّبن، ومَعلفٌ منخفضٌ كذلك للذُّرة، وكان يُسمَّى حظيرةً سائبة؛ لأن الحصان الذي كان يوضَع فيه لم يكن يُقيَّد، وإنما يُترَك سائبًا ليتصرَّف كما يحلو له. إنه لأمرٌ رائعٌ أن يكون للحصان حظيرةٌ سائبة!

وضعَني السائسُ في هذه الحظيرةِ الرائعة؛ كانت نظيفةً وجميلةً وجيدةَ التهوية، لم يسبق لي قطُّ أن عِشتُ في حظيرةٍ أفضلَ منها، كما أنَّ جوانبها لم تكن تَبلُغ من الارتفاع إلَّا بقدْر ما يَسمح لي برؤية كلِّ ما كان يحدُث من خلال القُضبان الحديدية التي في الأعلى.

أعطاني السائس بعضًا مِن حبوب الشوفان الشهيَّة جدًّا، وراح يُربِّتُ عليَّ ويتكلم بلُطفٍ، ثم انصرَف.

عندما أنهيتُ تناول طعامي من حبوب الذُّرة نظرتُ حولي؛ كان يقف في المربط المجاور لمربطي فرسٌ قَزَمٌ بَدينٌ، قصيرُ القامة، رماديُّ اللون، كان له عُرفٌ وذيلٌ كثيفَا الشعر، ورأسٌ شديد الجمال، وكان أنفه جذَّابًا صغيرَ الحجم.

وضعتُ رأسي على القضبان الحديدية التي تَعلو حظيرتي، وقلتُ: «كيف حالك؟ ما اسمك؟»

استدار الفرسُ نحوي بقدرِ ما يسمح له رسَنُه، ورفع رأسه، وقال: «اسمي ميريليجز. أنا وسيمٌ جدًّا؛ لذلك أحمل السيداتِ الصغيرات فوق ظهري، وأحيانًا أصطَحِب سيدتي عند خروجها في العربة الصغيرة؛ إنهم يُقدِّرونني جدًّا، وكذلك يفعل جيمس. هل ستعيش إلى جواري في الحظيرة؟»

قلتُ: «نعم.»

قال: «حسنٌ، إذن، أرجو أن تكون هادئ الطبع؛ فأنا لا أحبُّ أن يكون إلى جواري أيُّ أحد يَعَض.»

في تلك اللحظة تحديدًا أطَلَّ رأسُ فرسٍ من المربط الذي وراءه؛ كانت الأذنان مُرتخِيتَين إلى الوراء، أما العينان فكانتا تَنِمَّان عن شيءٍ من حِدَّة الطباع؛ لقد كانت فرَسةً طويلةً كَسْتَنائية اللون، وكانت رقبتها طويلةً جميلة، نظرَت الفرسةُ إليَّ وقالت:

«أنت إذن الذي أخرجتَني من حظيرتي! إنه لأمرٌ غريب جدًّا أن يأتيَ مُهرٌ مبتدئٌ مثلك، ويُخرج فرسةً نبيلةً مِن بيتها.»

قلتُ: «أستميحُكِ عذرًا، أنا لم أُخرِج أحدًا؛ لكنَّ الرجل الذي أتى بي هو مَن وضَعني هنا، ولم تكن لي علاقة بالأمر؛ أما فيما يتعلق بوصفِك لي بالْمُهر المُبتدئ، فإنني قد بلَغتُ الرابعة من العمر، وأصبحتُ حصانًا بالغًا. أنا لم أتشاجر من قبلُ قطُّ مع أي حصان أو أية حِجْر، وأتمنَّى أن أعيش في سلام.»

قالت: «حسنٌ، سوف نرى، وأنا بالتأكيد لا أريد أن أتشاجر مع شيءٍ صغيرٍ مثلِك.» لم أردَّ عليها.

في فترةِ ما بعد الظهر، عندما خرجَتْ، أخبرَني ميريليجز بكل شيءٍ.

قال ميريليجز: «كل ما في الأمر أنَّ لدى جينجر عادةً سيئة وهي العَضُّ والقَضم؛ وهذا هو السبب وراء تسمِيتهم إيَّاها جينجر (أي: اللاذِعة كالزنجبيل)، وعندما كانت في الحظيرة السائبة كانت تعَضُّ كثيرًا جدًّا. ذات يومٍ عضَّتْ جيمس من ذِراعه حتى نزفَت؛ لذا كانت الآنسة فلورا والآنسة جيسي، اللَّتان تُحبَّانِني كثيرًا، خائفتَين من المجيء إلى الإسطبل؛ لقد كانتا من قبل تأتيانني بأشياءَ شهيَّة لآكُلَها؛ تفاحة، أو جزرة، أو قطعة من الخبز، ولكن بعدَما وقفَتْ جينجر في هذه الحظيرة لم تَعودا تَجرُؤان على المجيء، وأنا أفتقدهما بشدَّة. والآن أرجو أن تعودا ثانيةً، إذا لم تكن أنتَ تعَضُّ أو تقضم.»

قلتُ له إنَّني لم أعَض أيَّ شيءٍ في حياتي سوى العُشب والتِّبن والذُّرة، وإنني لا أفهم أيَّةَ متعةٍ كانت جينجر تجِدها في هذا.

قال ميريليجز: «في الواقع، لا أظنُّ أنها تستمتِع بهذا، وما هي إلَّا عادة سيئة؛ هي تقول إنه لم يُعاملها أيُّ أحدٍ معاملةً طيبةً من قبل قط، فلِمَ لا تعَضُّ إذن؟ لا شكَّ في أنها عادة سيئة جدًّا، لكنني متأكدٌ، إن كان كلُّ ما تقوله صحيحًا، أنه لا بدَّ من أنها كانت تَلقى معاملةً سيئة جدًّا قبل أن تأتيَ إلى هنا. إن جون يبذل كل ما في وُسعه لإرضائها، وجيمس يفعل كلَّ ما يستطيع كذلك، كما أنَّ سيدنا لا يستعمِل سوطًا أبدًا ما دام الحصان يتصرَّف كما ينبغي؛ لهذا اعتقَد أنَّ طباعها قد تهدأ هنا.» واصل ميريليجز كلامه وفي عينَيه نظرة تنمُّ عن الحكمة، وقال: «إنني أبلغ الثانيةَ عشرة من العمر، وأنا أعرف الكثير، وأستطيع أن أؤكد لك أنه ما من مكانٍ أفضلَ من هذا في البلدة كلها لأيِّ حصان. إن «جون» أفضلُ سائس خيول على الإطلاق؛ إنه هنا منذ أربعةَ عشر عامًا؛ وإنك لم ترَ من قبلُ قطُّ فتًى في مثل طيبة جيمس؛ لهذا فالخطأ كله يقَع على جينجر في عدم بقائها في تلك الحظيرة.»

(٥) بداية طيبة

كان الحُوذيُّ يُدْعى جون مانلي؛ كانت لدَيه زوجةٌ وطفلٌ واحدٌ صغير، وكانوا يَعيشون في كوخ الحُوذيِّ، قريبًا جدًّا من الإسطبلات.

في صباح اليوم التالي أخذَني إلى الفِناء واعتنى بي جيدًا، وفي اللحظة التي كنتُ ذاهبًا فيها إلى حظيرتي — وشعرُ جسمي ناعمٌ لامع — جاء السكواير ليُلقيَ نظرةً عليَّ، وبدَتْ عليه علامات الرضا. وقال: «جون، لقد كنتُ عازمًا على تجريب الحصان الجديد هذا الصباح، لكنَّني مشغولٌ بأمرٍ آخر، فلتأخُذْه أنت إذن في جولة بعد الإفطار؛ اذهب من طريق الحديقة العامَّة وقرية ذا هايوود، ثم عُد من طريق طاحونة المياه والنهر؛ سوف يُظهِر هذا سرعتَه في العَدْو.»

قال جون: «سوف أفعل يا سيدي.» وبعد الإفطار جاء وألبسَني لجامًا. كان دقيقًا جدًّا في توسيع الأحزمة وتضييقها؛ كي تُناسِب رأسي بطريقةٍ مُريحة؛ بعد ذلك أحضَر سَرجًا، لكنه لم يكن عريضًا بما يَكفي ليُناسب ظهري، ولاحَظ هذا على الفور، وذهب لإحضار سرجٍ آخر، فلاءم ظهري تمامًا. سار بي في البداية سيرًا بطيئًا، ثم خبَبًا، وعندما أصبحْنا في أرض الحديقة العامَّة ضربني ضربةً خفيفةً بسوطه وإذا بنا نَعْدو عدْوًا رائعًا.

قال جون وهو يشدُّ لجامي: «مرحى، مرحى يا فتاي! أظنُّك ستُحبُّ مُلاحقة كلاب الصيد.»

أثناء عودتنا عبر العزبة قابلنا السكواير وزوجته السيدة جوردن يتمشَّيان؛ فتوقَّفا، وقفز جون عن ظهري.

«حسنٌ يا جون، ما حالتُه؟»

أجاب جون: «ممتاز يا سيدي، إنه رشيقٌ كغزال، ويتمتَّع بحيوية مُمتازة أيضًا؛ ومع ذلك فأدنى لمسةٍ للعِنان ستُوجِّهه. لقد قابَلْنا عند نهاية أرض الحديقة العامة واحدةً من تلك العربات المُسافرة وكان مُعلَّقًا على كلِّ جزءٍ منها سِلالٌ وبُسُط، وأشياءُ من هذا القبيل، وأنت تعرف يا سيدي أنَّ كثيرًا من الخيول لا تمرُّ على تلك العربات في هدوء، لكنه لم يَزِد على أن ألقى عليها نظرةً فاحصة، ثم مضى في طريقه كأهدأ وألطفِ ما يكون. كان الناس يصطادون الأرانب بالقُرب من قرية ذا هايوود، وانطلق عيار ناريٌّ قريبًا منَّا؛ فتوقَّف قليلًا وراح ينظُر، لكنه لم يُثَر، ولم يتزحزح خطوةً واحدةً إلى اليمين أو الشمال، ولم أزد أنا على أنْ ثبَّتُّ العِنان ولم أحُثَّه على الإسراع، ورأيي أنه لم يتعرَّض للإخافة أو سوء المُعاملة وهو صغير.»

قال السكواير: «جيد، سوف أجرِّبه بنفسي غدًا.»

في اليوم التالي جِيء بي إلى سيِّدي، تذكرتُ نصيحةَ والدتي وسيِّدي الكريم السابق، وحاولتُ أن أفعل بالضبط ما أراده منِّي تمامًا. وقد وجَدتُه خيَّالًا بارعًا جدًّا، ومُراعيًا لحِصانه كذلك. عندما عاد إلى البيت كانت سيدتي عند باب الرَّدْهة وهو ما يَزال مُمتطيًا صَهوتي.

قالت: «حسنٌ، يا عزيزي، ما رأيك فيه؟»

أجابها سيِّدي قائلًا: «إنه كما وصَفه جون تمامًا، وما تمنَّيتُ من قبلُ قطُّ أن أمتطيَ جوادًا أحسنَ منه. ماذا نسمِّيه؟»

قالت: «أتحب اسم إبوني (الأبنوس)؟ إنَّ لونه أسود كالأبنوس.»

– «لا، ليس إبوني.»

– «هل ستُسمِّيه بلاك بيرد (الطائر الأسود)، مثل حصان عمِّك العجوز؟»

– «لا، إنه أجمل بكثيرٍ من أية حالٍ كان عليها العجوز بلاك بيرد.»

قالت: «نعم، إنه حقًّا في غاية الجمال، وإن له وجهًا شديد الجمال والهدوء، وعينًا بالِغةَ الحُسن والذكاء. ما رأيك في أن نُسمِّيَه بلاك بيوتي (الجَمال الأسود)؟»

«بلاك بيوتي … يا إلهي! نعم، أعتقد أن هذا اسم جيدٌ جدًّا، وما دمتِ تُحبِّينه فليكن اسمَه إذن.» وقد كان بالفعل.

عندما دخل جون إلى الإسطبل أخبر جيمس أن السيد والسيدة اختارا لي اسمًا إنجليزيًّا جيدًا معقولًا ذا معنًى؛ ليس كمثل مارينجو أو بيجاسوس، أو عبد الله؛ فأخذا يضحَكان، وقال «جيمس»: «لولا خشيةُ استحضار الماضي، لكنتُ أسميتُه روب روي؛ فأنا لم أرَ قطُّ حِصانَين يُشبِه أحدُهما الآخرَ كهذَين.»

قال جون: «لا عجب في هذا. ألم تعلم أن الفرسة «داتشس» العجوز؛ فرسةَ الْمُزارع «جراي»، هي أُمُّهما كِلَيهما؟»

لم أكن قد سمعتُ بهذا من قبل قط، وهكذا فقد كان المسكين روب روي — الذي لقي حتفه في رحلة الصيد تلك — أخي! لقد أزال هذا دهشتي من شدَّةِ اضطراب والدتي. يبدو أن الخيول ليس لها صِلاتُ قرابة، أو على الأقل لا يَعرف بعضُهم بعضًا أبدًا بعد بيعهم.

كان جون فيما يبدو معتزًّا بي جدًّا؛ فقد اعتاد أن يَجعل عُرْفي وذَيلي في نعومة شعر السيدات تقريبًا، وكان يُحِبُّ أن يتكلَّم إليَّ كثيرًا؛ بالطبع لم أكن أفهَم كلَّ ما كان يقوله، لكنَّني تعلمتُ أكثر فأكثر ما كان يقصده، وما كان يُريدني أن أفعل. بدأتُ شيئًا فشيئًا أحبُّه كثيرًا، كان رقيقًا وطيِّبًا للغاية، ويبدو أنه كان يعرِف تمامًا بمَ يشعر الحصان؛ فعندما كان يُنظِّفني كان يعرف الأماكنَ التي يؤلِمها اللمسُ، والأماكنَ سريعةَ التأثُّر بالدَّغدغة، وعندما كان يُسرِّح رأسي كان يمرُّ على عينَيَّ برفقٍ كما لو كانتا عينَيْه هو، ولم يُثِر فيَّ قطُّ أيَّ شعورٍ بالغضب.

كان أُسلوب جيمس هاورد — فتى الإسطبل — في رقَّةِ ولُطف أسلوب جون تمامًا؛ لذا عدَدتُ نفسي في زُمرة الْمُنَعَّمين. كان ثمَّة رجلٌ آخر يساعد في أعمال الفِناء، لكنَّ تعامُلَه كان محدودًا جدًّا معي أنا وجينجر.

بعد ذلك بأيامٍ قليلةٍ كان عليَّ أن أخرج مع جينجر لجرِّ العربة. كنتُ أتساءل: كيف ستسير أمورنا معًا؛ لكنها — باستثناء إمالة أُذنَيها للوراء عندما أُتي بي إليها — كانت حسنةَ السلوك للغاية؛ لقد أدَّتْ عملها بأمانة، وبذلَتْ نصيبها من الجهد كاملًا، وما كنتُ أتمنَّى قطُّ أن أحظى بأفضلَ منها ليشاركني طقمًا مزدوجًا من أطقم جرِّ العربات. عندما كنَّا نصِل إلى أحد التِّلال، لم تكن تُبطِّئ من سرعتها، وإنما كانت ترمي بثقلها في الطوق تمامًا، وتنطلِق إلى أعلى مباشرةً. كان كلٌّ منَّا يتحلَّى بالقدر نفسِه من الشجاعة في أداء عملنا، وكان جون يُضطَرُّ لكبْحِنا أكثرَ من حاجته إلى حثِّنا على التقدُّم، ولم يُضطَرَّ قطُّ إلى استعمال السوط مع أيٍّ منَّا؛ ثم إنَّ خطوتَيْنا كانتا متشابِهتَين كثيرًا، ووجَدتُ من اليسير جدًّا أن أُجاريَ خطوتها عند العَدْو خبَبًا، ممَّا جعل الأمر طيبًا، وكان كثيرًا ما يَروق لسيِّدنا أن تنسجِم خطواتُنا بشكلٍ جيد، كما كان جون هو الآخر يحبُّ ذلك. وبعدما خرَجْنا سويًّا مرتَين أو ثلاثًا، أصبحنا وَدُودَيْن ومتآلِفَين جدًّا، ممَّا منحَني شعورًا قويًّا بأنَّني في بيتي.

أما بخصوص ميريليجز، فقد أصبحتُ أنا وهو صديقَيْن حميمَيْن خلال وقتٍ قصير؛ لقد كان صديقًا صغيرًا مرِحًا وجَسورًا وهادئ الطبع؛ ممَّا جعله أَثيرًا لدى الجميع، وخصوصًا الآنسة جيسي والآنسة فلورا، اللَّتَين اعتادتا أن تمتَطِياه في البستان، وأن تلعَبا معه ومع كلبهما الصغير فريسكي ألعابًا رائعة.

كان لدى سيِّدنا حِصانان آخران يقِفان في إسطبلٍ آخر؛ كان أحدهما يُدعى جاستس، وكان حصانًا قويًّا قصيرَ القوائم أغبرَ اللون، يُستخدَم للركوب أو لجرِّ عربة حقائب السفر. وأما الآخر فكان فرسَ صيدٍ مُسِنًّا بُنِّيَّ اللون يُدْعى سِير أوليفر. وكان في هذا الوقت قد صار كبيرًا على العمل، لكنَّه كان أثيرًا جدًّا عند سيِّدي، وقد أعطاه حرية التنقُّل في العزبة. كان في أحيانٍ قليلة يجرُّ أشياءَ خفيفةً على العربة في الضيعة، أو يحمل إحدى الفتَيات الصغيرات عندما كُنَّ يركَبْن الخيل مع والدِهن؛ وذلك لأنه كان وديعًا جدًّا، ويُمكن أن يُؤتمَن على الأطفال مثل ميريليجز. أما الجواد القصير القوائم فكان جوادًا قويًّا حسَن البِنْية هادئ الطبع، وأحيانًا كنَّا أنا وهو نتَبادل حديثًا قصيرًا في المرعى المُسَوَّر، لكنَّني بالطبع لم أستطع أن أُوثِّق علاقتي به، كما وثقتُها مع جينجر التي كانت تَعيش في الإسطبل نفسه.

(٦) الحرية

كنتُ في غاية السعادة في مكاني الجديد. وإذا كان ثمَّة شيءٌ واحد كنتُ أفتقِده فينبغي ألَّا يُظَنَّ أنَّني لم أكن راضيًا؛ لقد كان كلُّ مَن يتعاملون معي طيِّبين وكان عندي إسطبل مُشرقٌ جيد التهوية، بالإضافة إلى أفضل أنواع الطعام. ما كان عساي أن أريد أكثرَ من هذا؟! يا إلهي! إنها الحرية؛ فعلى مدى ثلاثة أعوام ونصف العام من حياتي كنتُ أنعم بكلِّ ما قد أتمنَّاه من الحرية. أما الآن، فأسبوعًا تِلوَ أسبوع، وشهرًا وراء شهر، وبالتأكيد سنةً وراء سنة، عليَّ أن أقِف في إسطبلٍ ليلًا ونهارًا إلَّا عندما يحتاج إليَّ أحدٌ، وساعتَها فلا بدَّ لي من أكون ثابتًا وساكنًا تمامًا؛ كأيِّ حصانٍ عجوزٍ ظلَّ يعمل عشرين سنة؛ سيورٌ هنا وسيورٌ هناك، وشكيمةٌ في فمي، وغِمامتان فوق عينَيَّ. مهلًا! أنا لا أتذمَّر؛ فأنا أعرف أنه لا بدَّ من هذا. إنما أريد فقط أن أقول إنه في حالة حصانٍ يافعٍ مليءٍ بالقوة والحيوية، اعتادَ على حقلٍ كبير أو على سهلٍ حيث يُمكنه أن يرفع رأسه عاليًا ويهزَّ ذيلَه ويَعدُوَ بأقصى سرعته، ثم ينعطف ويعود مرةً أخرى إلى رفاقه وهو يصهل؛ أقول إنه من الشاقِّ على نفسه ألَّا يحظى بتاتًا بمزيدٍ من الحرية ليفعل ما يُحب. أحيانًا — عندما كنتُ أبذل مجهودًا أقلَّ من المعتاد — كنتُ أشعر بكثيرٍ من النشاط والحيوية، لدرجة أنه عندما كان جون يأخُذني إلى الخارج لكي أتمرَّن كنتُ لا أستطيع حقًّا أن أبقى ساكنًا؛ فكنتُ أفعل ما أريد؛ كان يبدو وكأنه لا بدَّ من أن أقفز أو أرقص أو أثِبَ على قائمتَيَّ الخلفيتَين، وأعرف أنه لا بدَّ من أنني قد أصبتُه مراتٍ كثيرةً برِعدةٍ شديدة، وخاصة في البداية؛ لكنه كان طيبًا وصبورًا دائمًا.

كان يقول: «اهدأ، اهدأ يا فتاي، انتظر قليلًا وسوف نحظى بقدرٍ جيد من الحرية، ونجعلك تُخْرِج هذه الطاقةَ الزائدة من أقدامك قريبًا.» ثم ما إن نَصير خارج القرية، كان يَسمح لي ببضعة أميال من الخبَب السريع، ثم يعود بي بعدها وقد استعَدتُ نشاطي كالسابق، وبَرئتُ فقط من حالة التملمُل؛ كما كان يدعوها. فعندما لا تحصل الخيول الْمُفعَمة بالحيوية على كفايتها من الحركة، غالبًا ما تُوصَف بأنها حَيُوصٌ، في حين أن الأمر لا يتعدَّى كونَه لَعِبًا؛ وحينئذٍ يُعاقبها بعضُ سائسي الخيل على ذلك، لكنَّ «جون» لم يكن يفعل هذا؛ فقد كان يعلم أنما هي فقط حيويةٌ عالية. ومع ذلك، فقد كانت له طرُقه الخاصة في جَعلي أفهم بنبرةِ صوته أو بلَمسةٍ من العِنان. فدائمًا ما كنتُ أعرف من صوته ما إذا كان في حالة من الجدِّية والحزم البالِغَين. وقد كان تأثيرُ هذا عليَّ أبلغَ من أيِّ شيءٍ آخر؛ لأنني كنتُ أحبُّه جدًّا.

يَجدر بي القول إنَّنا كنَّا أحيانًا نَحظى بحُريتنا لساعاتٍ قليلة، وعادةً ما كان هذا في أيام الأحد الرائعة من فصل الصيف. لم تكن العربة تُغادر المنزل في أيام الأحد مطلقًا؛ لأن الكنيسة لم تكن بعيدةً عنه.

لقد كان إخراجنا إلى المرعى المُسَوَّر التابعِ للبيت أو إلى البستان القديم مصدرَ مُتعة عظيمة بالنسبة لنا؛ كان العُشب منعِشًا وليِّنًا جدًّا على أقدامنا، وكان الهواء نقيًّا للغاية، كما أنَّ حرية فِعل ما يحلو لنا كانت تبعث على السرور؛ أن نَعدُو، أو أن نرقد، أو نتمرَّغ على ظهورنا، أو نقضم العشب اللذيذ. ثم إنه كان وقتًا جيدًا جدًّا لتبادُل الحديث، حيث كنا نقف معًا في ظلِّ شجرة الكستناء الضخمة.

(٧) جينجر

ذات يوم كنتُ واقفًا أنا وجينجر بمُفردنا في الظل، فدار بيننا كلامٌ كثير؛ إذ كانت تريد أن تعرف كلَّ شيءٍ عن تنشِئتي وترويضي، فأخبرتُها.

قالت: «في الواقع، لو أنَّني كنتُ قد حظيتُ بمثل تنشئتِكَ لربما كان طبعي هادئًا مثل طبعك، لكنَّني لا أظنُّ الآن أني سأكون هكذا أبدًا.»

قلتُ: «ولِمَ لا؟»

أجابت: «لأن الأمر برُمَّته كان مختلِفًا معي إلى حدٍّ بعيد، فأنا لم يكن عندي قط — مِن الخيول أو البشر — مَن يُعامِلني معاملةً طيبةً، أو أهتمُّ أنا بإرضائه؛ لأنني في بادئ الأمر، أُخِذتُ من أُمِّي فوْرَ فِطامي، ووُضِعتُ مع كثيرٍ من الأمهار الصغيرة الأُخرى؛ ولم يهتمَّ أيٌّ منها بي، ولا اهتمَمتُ أنا بأيٍّ منها. لم يكن ثمَّة سيدٌ طيبٌ كسيِّدك ليرعاني ويُكلِّمني ويُحضِر إليَّ أشياءَ شهيةً آكُلُها. لم يُسمِعني الرجل الذي كان يقوم على أمرنا كلمةً طيبةً في حياتي قط؛ لا أقول إنه كان يُسيء معاملتي، ولكنه لم يكن يَزيد البتةَ في رعايته لنا على التأكُّد من أن لدَينا ما يَكفي من طعامٍ ومأوًى في فصل الشتاء. كان يتخلَّل حقْلَنا ممرٌّ للمُشاة، وكثيرًا ما كان الصِّبْية الضِّخام الذين يمرُّون عليه يَقذفون الحجارةَ لكي يجعلونا نَعدو. أما أنا فلم أُصَب قط، لكنَّ مُهرًا صغيرًا جميلًا جُرح في وجهه جرحًا بليغًا، وأظنُّ أنه سيُصبح نَدبًا في وجهه طيلةَ حياته! لم نكن نُعيرهم اهتمامًا، لكن لا شكَّ أن فِعلهم زادنا جُموحًا، واستقرَّ في أذهاننا أن الصِّبية هم أعداؤنا. كنَّا نستمتِع كثيرًا في المروج الخالية، فكنا نَعدو جَيْئةً وذَهابًا، ويُلاحق بعضُنا بعضًا في الحقل ونحن نجري في دوائر، ثم نقف ساكِنين تحت ظلال الأشجار. ولكن عندما تَعلق الأمرُ بالترويض، فإنه كان وقتًا عصيبًا بالنسبة لي؛ فقد جاء عدةُ رجال لِيُمسكوا بي، وعندما حاصَروني في النهاية في أحد أركان الحقل، أمسكني أحدُهم من ناصيتي، وأمسكني آخرُ من أنفي وأطبَق عليه بشدَّة بالغة بحيث كنتُ بالكاد ألتقط أنفاسي، ثم أمسك رجلٌ آخر فَكِّي السُّفلي في يدِه القوية وفتح فمي بعنف، وهكذا ألبسوني الرَّسَن ووضَعوا الشكيمة في فمي بالقوة! وبعد ذلك سحَبَني أحدُهم من الرَّسن، في حين راح آخرُ يَضربني بالسوط من الخلف، وكانت هذه أولَ مرةٍ أُجرب فيها مُلاطَفَة البشر؛ كانت كلها شدَّة، لم يمنَحوني فرصةً لأعرف ما كانوا يريدون. كنتُ من سلالةٍ أصيلة، وكنتُ أتمتَّع بقدرٍ عظيمٍ من النشاط، كما كنتُ جامحةً جدًّا، من دون شك، وأنا متأكدة تمامًا من أني تسبَّبتُ لهم في كثيرٍ من المتاعب، لكنَّ حبسي بعد ذلك في مَربَطٍ يومًا تلوَ يوم بدلًا من الاستمتاع بحُريَّتي كان شيئًا بغيضًا، وتملَّكَني الاضطراب ونَحل جسمي وتُقتُ إلى التحرُّر. أنت شخصيًّا تعرف كم هذا سيئ؛ لأنك حظيتَ بسيدٍ طيب وكثيرٍ من المُلاطَفة، لكنني لم أحْظَ بأي شيءٍ من هذا الصِّنف.»

«كان ثَمَّة شخصٌ — وهو المالِك السابق، السيد رايدر — كان من الممكن، حسبما اعتقَد، أن يُعيدَني إلى صوابي في وقتٍ قصير، وأن يفعل لي أيَّ شيءٍ ممَّا كنتُ أصبو إليه، لكنه تنازل عن الجانب الشاقِّ من العمل بكامله لابنه ولرجلٍ مُتمرِّسٍ آخر، وكان يأتي في بعض الأحيان فقط ليُشرف على سير الأمور، كان ابنُه هذا رجلًا قويَّ البنية، طويلَ القامة، جسورَ القلب؛ وكانوا يدعونه سامسون، وكان دائمًا ما يتفاخر بأنه لم يُصادِف قطُّ حصانًا يستطيع أن يُلقِيَه من على ظهره. لم يتَّسم بشيءٌ من رقَّة والده، لم يتَّسم سوى بالقسوة، صوتٌ صارمٌ، وعينٌ قاسيةٌ، ويدٌ شديدة؛ وقد شعرتُ من البداية أنه كان يريد أن يَستنزف كلَّ ما فيَّ من حيوية، وأن يُحوِّلني إلى مجرَّد دابةٍ ساكنة ذليلةٍ مُذعِنة؛ «دابة!» نعم، هذا هو كل ما كان يُفكر فيه.» وراحَتْ جينجر تضرب الأرض بأقدامها وكأنَّ مجرَّد التفكير فيه كان يُثير غضبها. ثم تابعَت قائلةً:

«كان يَستاء إذا لم أفعل ما يُريده تمامًا، فيجعلني أدور في ميدان التدريب وهو ممسِكٌ بذلك العِنان الطويل حتى يُنهِكَني. أظنُّ أنه كان يُفْرِط في الشراب، وأنا على يقينٍ أنه بقدر ما كان يُسرِف في الشراب كان الأمر يزداد معي سوءًا. ذاتَ يومٍ جعلني أكدُّ في العمل بكل طريقةٍ أمكنَتْه، وعندما رقدتُ كنتُ متعَبةً وتعيسةً وغاضبة؛ بدا الأمر كله شاقًّا للغاية. في صباح اليوم التالي جاءني مبكرًا، وجعلني أدور جريًا من جديد مدةً طويلة. ولم أكَدْ أُكمِل ساعةً من الراحة حتى جاءني مجدَّدًا ومعه سَرجٌ ولجامٌ، وشكيمةٌ من نوعٍ جديد. لم أستطع قطُّ أن أعرف على وجه التحديد كيف وقع الأمر؛ لكنه فقط لم يكَد يَعتلي ظهري في ساحة التدريب، حتى أخرَجه عن شعوره شيءٌ فعَلتُه، فضربني بالعِنان ضربًا شديدًا. كانت الشكيمة الجديدة مؤلِمةً جدًّا، فانتصبتُ فجأةً رافعةً قائمتَيَّ الأماميتَين في الهواء، ممَّا زاد في غضبه أكثر، وراح يَضربني بالسوط. شعرتُ أنَّ كياني كلَّه يَنفر منه، فبدأتُ أرفس، وأتحرَّك للأمام وللخلف بعُنف، وأرفع قائمتَيَّ الأماميتَين في الهواء كما لم أفعل من قبل قط، وتشاجَرْنا شجارًا حقيقيًّا؛ إذ ظلَّ وقتًا طويلًا مُتشبِّثًا بالسرج، وأخذ يضربني ضربًا عنيفًا بسوطه ومِهْمازَيه، لكنَّ الدم كان يَغلي في كل عِرقٍ من عروقي، ولم أكتَرث لأيٍّ ممَّا قد يفعله إن كنتُ فقط سأتمكَّن من إسقاطه عن ظهري. في النهاية، وبعد صراعٍ رهيب، أردَيتُه خلفي، سمعتُه وهو يسقط بقوةٍ على العُشب، ومن دون أن أنظر ورائي، أخذتُ أعدو مُبتعِدةً حتى وصَلتُ إلى الطرَف الآخر من الميدان؛ وهناك استدرتُ ورأيتُ جلَّادي وهو يقوم ببطءٍ من على الأرض ويتَّجِه إلى الإسطبل. وقفتُ تحتَ شجرة بَلُّوطٍ أترقَّب، لكنَّ أحدًا لم يأتِ للإمساك بي. مضى الوقتُ، وكانت الشمس قائظةً، وأخذَ الذبابُ يحتشد حولي، ويقع على خاصِرتَيَّ الداميتَين حيث كانت مواضعُ نشوب المِهمازَين. شعرتُ بالجوع؛ لأنني لم أكن قد أكلتُ منذ الصباح الباكر، لكنْ لم يكن يُوجَد في هذا المرْج من العشب ما يَكفي لإطعام إوزَّة. كنتُ أتوق إلى الاستلقاء وأخذِ قسطٍ من الراحة، لكنْ والسرج مربوطٌ عليَّ بإحكامٍ لم يكن ثمَّة سبيلٌ إلى الراحة، كما لم تكن تُوجَد قطرةُ ماءٍ لأشربها! مرَّتْ فترةُ الأصيل مُتثاقلةً، وبدأت الشمسُ تميل إلى الغروب. ورأيتُ الأمهار الأخرى تُساق إلى داخل الإسطبل، وعرَفتُ أنها كانت تحظى بطعام جيد.

«أخيرًا، وقت غروب الشمس تمامًا، رأيتُ السيد السابق يخرج وفي يده غِربال. كان سيدًا مُسنًّا بالغَ التهذيب وكان له شعرٌ شديد البياض، لكنَّني كُنتُ أُميزه من صوته من بين ألف رجل؛ لم يكن صوته صاخبًا، ولا خفيضًا أيضًا، لكنْ كان جَهْوريًّا واضحًا حنونًا، وكان شديدَ الثبات والحسم عندما يوجِّه الأوامر، بحيث كان كلُّ أحدٍ — سواءٌ من الخيل أو البشر — يُدرك أنه كان يتوقَّع أن يُطاع. جاء يمشي بهدوء، وكان بين الحين والآخر يهزُّ حبوب الشوفان التي كانت معه في الغربال، وأخذ يُكلِّمني بنبرةٍ مُبهِجةٍ ورفيقةٍ قائلًا: «هيا يا صغيرتي، هيا يا صغيرتي؛ هيا، هيا.» وقفتُ ساكنةً في مكاني وترَكتُه يقترب؛ حمَل لي حبوب الشوفان، فبدأتُ آكلُها دونما خوف؛ لقد ذهب صوتُه بخَوفي كلِّه. وقف جانبي، وراح يربت عليَّ ويُلاطفني وأنا آكُل، وعندما رأى كُتَل الدم المُتخثِّرة على جنبَيَّ بدَتْ عليه علاماتُ غضبٍ شديد. وقال: «صغيرتي المسكينة! لقد كان هذا عملًا شنيعًا، عملًا شنيعًا!» بعد ذلك أمسك بالعِنان برفقٍ وقادَني إلى الإسطبل؛ وكان سامسون واقفًا عند الباب تمامًا. أرخيتُ أُذنيَّ إلى الوراء، وأخذتُ أعَضُّ بأسناني وأنا أنظر إليه. فقال السيد: «عُد إلى الوراء، وتنَحَّ عن طريقها؛ لقد أسأتَ لهذه الْمُهرة.» أخذ سامسون يُدمدِم بكلماتٍ عن حيوانٍ شرِس. فقال الوالد: «أنصِت إليَّ، إن الرجل الحادَّ الطباع لن يخرج من تحت يدَيه حِصانٌ هادئ الطبع. إنك لم تُتقِن عملَك بعدُ يا سامسون.» ثم قادني إلى حظيرتي، ونزع عني السَّرج واللجام بيدَيه، وربَطني، ثم طلبَ دلوًا من الماء الدافئ وقطعةً من الإسفنج، ونزع مِعطفه. وبينما أمسك السائسُ بالدلو أخذ هو يمسح جنبيَّ بالإسفنجة مُدةً طويلة. كان يمسحهُما مسحًا رفيقًا للغاية؛ ممَّا جعلني واثقةً من أنه كان يعلم إلى أيِّ حدٍّ كانا مُتقرِّحَيْن ومجروحَيْن. وقال: «قِفي يا جميلتي، اثبتي، اثبتي.» كان صوتُه في حدِّ ذاته يُشعرني بالتحسُّن، وكان الاستحمام كذلك مريحًا للغاية. كان الجلد مُمزَّقًا للغاية عند جانبَيْ فمي، لدرجة أنني لم أكن أستطيع تناول التِّبن؛ إذ كانت سَويقاته تؤلمني! لكنه نظر إليه عن قُرب، وهزَّ رأسه، ثم أمر الرجل بإحضار هَريسٍ جيدٍ من النخالة ووضْعِ بعض الطحين عليه. كم كان مُمتعًا ذلك الهريس! وكم كان ناعمًا ومُداويًا لفمي. وقف سيِّدي إلى جواري طوال فترة تناوُلي الطعام، وظلَّ يُلاطِفني ويتحدَّث على الرجل. وقال: «إذا لم تُروَّض فرسةٌ مُفعمةٌ بالحيوية كهذه بطريقة مقبولة، فلن تَصلُح لأيِّ شيءٍ أبدًا.»

كان بعد ذلك يُكثر المجيء لرؤيتي، وعندما شُفِيَ فمي تابع الْمُروِّضُ الآخر، وكان اسمه جوب، تدريبي؛ كان شخصًا هادئًا ومُراعيًا لمشاعر غيره، وقد تعلَّمتُ ما كان يريده في وقتٍ قصير.»

(٨) بقية قصة «جينجر»

في المرة التالية التي الْتقيتُ فيها أنا وجينجر في المرعى الْمُسَوَّر أخبرَتْني عن أول مكانٍ ذَهَبَتْ إليه.

قالت: «بعدما تمَّ ترويضي، اشتراني أحد التجار لأتماشى مع حصانٍ كَستَنائيٍّ آخر. ظلَّ التاجر يقودنا معًا لبضعة أسابيع، ثم باعَنا لسيدٍ أنيق، وأُرْسِلنا إلى لندن. كان التاجر يَستخدم لقيادتي مِرفَعًا يمنعني من أن أخفض رأسي، وقد كَرِهتُ هذا المِرفع أكثرَ من أيِّ شيءٍ آخر؛ لكنَّنا كنا نُكبَح في هذا المكان بطريقةٍ أكثر إحكامًا. كان الحُوذيُّ وسيِّدُه يَعتقدان أنَّنا كنا نبدو أكثرَ أناقةً بهذه الطريقة. وكثيرًا ما كان يقودنا في الحديقة العامَّة وفي أماكنَ راقيةٍ أخرى. أما أنتَ يا من لم ترتدِ مِرفعًا في حياتك قطُّ فلا تعرفُ حقيقته، ولكن بوُسعي أن أقول لك إنه فظيع.»

«إنني أحبُّ أن أُطوِّح برأسي إلى الأمام والخلف، وأن أرفعَه عاليًا مِثلما يَفعل أيُّ حصان؛ لكنْ تخيَّلْ نفسك الآن وأنتَ ترمي برأسك لأعلى، فتُجبَر على إبقائه هكذا، وأن تظلَّ لساعاتٍ مُتواصِلة، عاجزًا تمامًا عن تحريكه، إلَّا بهزةٍ مُفاجئةٍ تجعله في وضعيةٍ أعلى. إن رقبتك ستؤلمك لدرجة أنك لن تَدريَ كيف تحمِلها! وتخيَّل، علاوة على ذلك، أنَّك تحمل في فمك شَكيمتَين بدلًا من واحدة؛ وقد كانت شكيمتي حادةً لدرجة أنها جرحَتْ لساني وفكَّيَّ، حتى صبَغ الدَّمُ النازفُ من لساني تلك الرغوةَ التي ظلَّتْ تتطاير من بين شفتَيَّ باللون الأحمر، وأنا أحكُّ الشكيمتَين والعِنان وأحتُّهما. كان الأمر يزداد سوءًا عندما كنَّا نُضطَرُّ إلى الوقوف بالساعات في انتظار سيدتنا وهي في إحدى الحفلات الكبيرة أو الترفيهية، وإذا ما أبدَيتُ اضطرابًا أو ضربتُ بقدمَيَّ على الأرض بنفادِ صبرٍ، كان السَّوط ينهال على ظهري. كان هذا يكفي لأنْ يَفقد الواحد صوابه.»

قلتُ لها: «أمَا كان سيدُكِ يَعتني بكِ البتَّة؟»

قالت: «كلا، إنما كان يُهِمُّه فقط أن يَحظى بطاقمٍ أنيق، كما يدعونه؛ أظنُّ أنَّ معرفته بالخيل كانت قليلةً جدًّا؛ لقد تركَ هذا الأمرَ لحُوذيِّه الذي كان يقول له إنني حادَّةُ الطباع؛ لأنني لم أُروَّض جيدًا على ارتداء المِرفع! ولكنَّني سأعتاده قريبًا، لكنه لم يكن الرجلَ المناسب للقيام بهذا؛ لأنني لم أكن أنال — وأنا في الإسطبل بائسةً وغَضْبى — سوى كلمةٍ فظَّة، أو ضربةٍ، بدلًا من استرضائي وتَهدئتي بلُطف. ولو أنه كان مهذَّبًا لكنتُ حاولتُ تحمُّل الأمر. لقد كنتُ راغبةً في العمل، ومستعدةً لأن أعمَل بجدٍ أيضًا؛ لكنَّ تعرُّضي للتعذيب لا لشيءٍ سوى إرضاء رغباتهم أثارَ غضبي! بأيٍّ حقٍّ كانوا يجعَلونني أُعاني هكذا؟! وعلاوةً على الوجع في فمي، والألم في رقبتي، كان هذا المرفع دائمًا يَضُرُّ قصبتي الهوائية، وأعلم أنَّني لو كنتُ وقفتُ هناك طويلًا لكان أضرَّ بتَنفُّسي، لكنَّني ازددتُ عصبيةً وانفعالًا، ولم أستطع منع نفسي، فبدأتُ أعضُّ وأركلُ كلما جاء أحدٌ لِيُلبِسَني عُدتي؛ وكان السائسُ يضربني لأجل هذا. وفي أحد الأيام — وكانوا قد ثبَّتونا لتَوِّهم في العربة، وأحكَموا شدَّ رأسي إلى الأعلى بذلك العِنان — بدأتُ أتحرَّك للأمام وللخلف بعُنف، وأرفسُ بكل قوتي، وسرعان ما حطَّمتُ كثيرًا من العُدة، وحرَّرتُ نفسي منها؛ وهكذا كانت هذه نهايةُ ذلك المكان.»

«بعد هذا أُرسِلتُ إلى مزاد تاتيرسولز للخيول؛ لأُباع. بالطبع لم يكن منظِّمُو المزاد يستطيعون أن يَضمنوا للمُشترين أني خاليةٌ من العيوب؛ لذا لم يُذكَر شيءٌ عن هذه النقطة. لكنْ لم يلبَثْ مظهري الجميلُ وطريقتي الجيدة في السَّير أن دفَعا أحد السادة إلى المُزايَدة من أجل الحصول عليَّ، فاشتراني تاجرٌ آخر؛ لقد جرَّبَني بكل طريقةٍ ممكِنة وبأنواع مختلِفة من الشكائم، واكتشفَ في وقتٍ قصيرٍ ما لا أستطيع تحمُّلَه. وفي النهاية قادَني دون مِرفعٍ تمامًا، ثم باعني لأحد السادة في الريف باعتباري فرسةً هادئةً تمامًا. كان سيِّدًا كريمًا، وكنتُ أُبلي بلاءً حسنًا للغاية، لكنَّ سائسه القديم ترَكه وجاء سائسٌ جديد. كان هذا الرجل في نفس قسوة سامسون ومِزاجه السيئ؛ فدائمًا ما كان يتكلَّم بصوتٍ غليظٍ، وإذا لم أتحرَّك في المَربط في اللحظة التي يريد، كان يضربني على عَراقيبي بمِكْنسة الإسطبل أو بالمِذراة؛ بأيَّتِهما كان يمسك في يده. كانت كلُّ تصرفاته عنيفة، وبدأتُ أبغَضه؛ لقد أراد أن يجعَلني أخشاه، لكنَّني كنتُ أشجعَ من هذا بكثير، وفي أحد الأيام استفزَّني أكثر من المُعتاد فعضَضْتُه، مما أحنَقَه عليَّ حَنقًا كبيرًا من دون شك، فراح يَضربني فوق رأسي بسَوط الركوب. وبعد ذلك لم يجرؤ مُطلقًا على المجيء إلى مربطي مرةً ثانية؛ فقد كانت حوافري أو أسناني مُستعِدَّة له، وكان يعلم هذا. لقد كنتُ هادئةً للغاية مع سيدي، لكن لا شكَّ أنه استمَع لما قاله الرجل، وهكذا باعوني مرةً أخرى.»

«عَلم نفس التاجرُ بأمري، وقال إنه يظنُّ أنه يعرف مكانًا سوف أُبلي فيه جيدًا. وقال: «إنه لأمرٌ مؤسفٌ أنْ تسوءَ طباعُ فرَسةٍ رائعةٍ كهذه؛ لعدم وجود فرصة جيدةٍ حقيقية.» وانتهى الأمر بمجيئي إلى هنا قُبيل مجيئك بمدةٍ غير طويلة؛ لكنني عندَئذٍ كنتُ قد اقتنعتُ أن البشر هم أعدائي الطبيعيون، وأنه يتعيَّن عليَّ الدفاعُ عن نفسي. لا شكَّ أن الوضع مختلفٌ هنا تمامًا، لكنْ مَن يدري إلى متى سيستمر هكذا؟ أتمنَّى لو أنني أستطيع رؤية الأمور كما تراها أنت؛ لكنني لا أستطيع، بعد كلِّ ما عانيتُه.»

قلتُ: «حسنًا، أظنُّ أنه سيكون أمرًا مُخزيًا حقًّا لو أنكِ عضَضتِ جون أو جيمس أو رفَستيهما.»

قالت: «لا أنوي فِعل هذا، ما داما طيبَيْن معي. لقد عضَضتُ جيمس بالفعل مرةً عضةً عنيفة جدًّا، لكنَّ جون قال له: «جرِّب أن تُعاملها بلُطف.» وبدلًا من أن يُعاقبني جيمس كما كنتُ أتوقَّع، جاءني وذراعه مربوطة، وأحضَر لي هريسًا من النخالة، وأخذَ يُمرِّر يده برفق على جسدي، ومنذ ذلك الحين لم أعضُّه قط، ولن أفعل كذلك.»

كنتُ أشعر بالأسى من أجل «جينجر»، لكنَّني بالطبع لم أعلم عنها حينئذٍ سوى أقلِّ القليل، وغلب على ظنِّي أنها كانت تنظُر إلى الأمور نظرةً سلبية؛ ومع ذلك، وجدتُ أنها أصبحَتْ أكثرَ لطفًا وبشاشةً بمرور الأسابيع، وأنها تخلَّتْ عن تلك النظرة الحذِرة المُتحدِّية التي كانت قد اعتادت أن تنظُر بها إلى أيِّ شخصٍ غريبٍ يقترِب منها. وذات يوم قال جيمس: «أنا واثقٌ أن هذه الحِجْرَ بدأَت تُحبُّني، لقد كانت تُحَمْحِم لي هذا الصباح عندما كنتُ أدلِّكُ ناصيتها.»

قال «جون»: «أجل، أجل يا جيم، إنها «أقراص بيرتويك». ستكون حسَنة السلوك مثل بلاك بيوتي قريبًا؛ إنَّ لُطفَ المعاملة هو دواؤها، هذه الفرسة المسكينة!» لاحَظ السيدُ التغيير، هو الآخر، وذات يومٍ، عندما خرج من العربة وأقبل إلينا يُكلِّمنا — كما كان يفعل كثيرًا — راح يمسح برفقٍ على رقبتها الجميلة، ويقول: «حسنٌ، يا جميلتي، حسنٌ، كيف حالكِ الآن؟ أعتقد أنكِ أصبحتِ أسعدَ بكثيرٍ مما كنتِ عندما أتيتِ إلينا.»

مدَّتْ جينجر أنفها نحوَه في وُدٍّ وثقة، بينما راح هو يُدلِّكه برفق.

وقال: «سنُعالجها، يا جون.»

قال جون وهو يضحك: «نعم يا سيدي، لقد تحسنَت تحسنًا مُدهشًا؛ إنها لم تَعُد الفرسةَ نفسَها التي كانت من قبل؛ إنها «أقراص بيرتويك» يا سيدي.»

كانت هذه دعابةً صغيرة يقولها جون؛ اعتاد أن يقول إنَّ جرعةً منتظمةً من «أقراص دواء بيرتويك للخيل» قادرةٌ على علاج أيِّ حصانٍ سَيِّئ تقريبًا؛ وإن هذه الأقراص صُنِعَت — كما كان يقول — من الصبر والرفق، والتحمُّل والمُلاطفة، يُمزَجُ رِطلٌ من كلٍّ منها مع مقدارٍ من حُسن التمييز، وتُعطى للحصان كل يوم.

(٩) ميريليجز

كان لدى السيد بلومفيلد — الكاهن — عائلةٌ كبيرة من الصبيان والبنات؛ وكانوا يأتون أحيانًا للَّعب مع الآنسة جيسي والآنسة فلورا. كانت إحدى البنات في مثل سِنِّ الآنسة جيسي؛ وكان اثنان من الصِّبْيان أكبر منها، كما كان يُوجَد العديد من الأطفال الصغار. كان ميريليجز يقوم بالكثير من العمل عندما يأتون؛ لأنه ما كان شيءٌ يُسعدهم أكثرَ من امتطاء ظهره بالتناوُب، والسير به في جميع أرجاء البستان والمرعى الْمُسَوَّر التابع للبيت، وقد كانوا يفعَلون هذا لساعاتٍ بلا انقطاع.

عصْرَ أحد الأيام أمضى ميريليجز معهم وقتًا طويلًا في الخارج، وعندما أتى به جيمس إلى الإسطبل وألبسه رسَنه قال:

«تبًّا لك أيها الحَرُون! انتبِه لِما تفعله، وإلَّا سنقع في مشكلة.»

سألتُ: «ما الذي فعَلتَه يا ميريليجز؟»

قال وهو يهزُّ رأسه الصغير هزًّا عنيفًا: «آه! إنما كنتُ أُلقِّن أولئك الصغارَ درسًا؛ إنهم لا يَعلمون متى يكونون قد اكتفَوْا، ولا متى أكون أنا قد اكتفَيت؛ لذا طرَحتُهم عن ظهري إلى الوراء؛ كان هذا هو الشيء الوحيد الذي يستطيعون فَهمَه.»

قلتُ: «ماذا! ألقيتَ الأطفال عن ظهرك؟! كنتُ أظنُّك أوعى من أن تفعل هذا! هل أوقعتَ الآنسة جيسي أو الآنسة فلورا؟»

بدا ميريليجز مُستاءً للغاية، وقال:

«بالطبع لا؛ ما كنتُ لأفعل شيئًا كهذا؛ من أجل حبوب الشوفان التي طالَما أتى أجودُها إلى الإسطبل؛ يا إلهي! إنني أحرص على سيدتَيْنا الصغيرتَيْن بمقدار ما يمكن للسيد أن يَحرص عليهما، أما الصغار فإنَّني أنا مَن يُعلِّمهم الركوب. عندما يَبْدون خائفِين أو غيرَ مُستقرِّين قليلًا فوق ظهري، فإنني أسير برفق وهدوءِ قطةٍ عجوز وهي تُطارد أحدَ الطيور؛ وعندما يكونون على ما يُرام أعود للإسراع ثانيةً؛ من أجل أن أُعوِّدهم عليه فقط؛ لهذا لا تُكلِّف نفسك عناء إلقاء المواعِظ عليَّ؛ فأنا أفضلُ صديقٍ وأفضل مُعلِّمٍ لركوب الخيل لأولئك الأطفال. ليس هم مَن أوقعتُهم، وإنما الصبيَّان.» تابع ميريليجز كلامه وهو يهزُّ عُرفه: «فالصبيَّان مُختلفان تمامًا؛ لا بُدَّ من أن يُروَّضا كما رُوِّضنا ونحن أمهارٌ صغيرة، وأنْ يتعلَّما ما يَلزمُ تعلُّمُه. لقد سار بي الأطفال الآخرون حوالي ساعتَين، ثم بعد ذلك رأى الصَّبِيَّان أنه قد حان دورُهما، وقد كان كذلك بالفعل، وكنتُ موافقًا على ذلك تمامًا؛ أخَذا يمتَطِيان ظهري بالتناوُب، ورُحتُ أعدو بهما صعودًا إلى أعلى الحقول، ونزولًا منها، وفي جميع أرجاء البستان، فعَلتُ هذا ساعةً كاملة. قطع كلٌّ منهما عصًا كبيرةً من أغصان شجرة البندق ليجعلها سَوْط ركوب، وكانا يَضربانني بها بقوةٍ أكثرَ من اللازم قليلًا، لكنَّني تقبلتُ هذا بصدرٍ رحب، إلى أن ارتأيتُ أخيرًا أننا قد اكتفَينا؛ ولهذا توقفتُ مرَّتَين أو ثلاثًا على سبيل التنبيه؛ فالصبيَّان، إن كنتَ لا تعرف، يَحسبان أن الحصان أو قزَم الخيل مثل المحرِّك البخاري أو ماكينة درس الحِنْطة، وأنهما يَستطيعان أن يُواصلا العمل بقدر ما يشاءون وبأسرعِ ما يشاءون؛ ولا يخطُر ببالهم قطُّ أنَّ الحصان القزَم يُمكن أن يتعَب، أو أنَّ لديه أيَّةَ مشاعر؛ ولأن الصبيَّ الذي كان يَضربني بالسوط لم يكن بمقدوره أن يَفهم هذا، فلم يكن مِنِّي سوى أن نَهضتُ على قائمتَيَّ الخلفيتَين، وتركته ينزلق واقعًا إلى الوراء؛ هذا كلُّ ما في الأمر. لكنه اعْتلى ظهري مرة أخرى، ففعَلتُ نفس الشيء. بعد ذلك صعد الصبيُّ الآخر على ظهري، وحالما بدأ في استخدام عصاه أسقطتُه على العُشب، وهكذا، حتى تسنَّى لهما أن يفهَما؛ هذا كل ما حدث. إنهما ليسا صبيَّين سيئَين، ولا يرغَبان في أن يكونا قاسِيَين. إنني أحبُّهما جدًّا؛ لكن، كما ترى، كان عليَّ أن أُلقِّنهما درسًا. عندما أحضراني إلى جيمس وأخبراه بما جرى، أظنُّ أنه كان غاضبًا جدًّا لرؤية مثل هذه العصيِّ الكبيرة. وقال إنها لم تكن تليق إلَّا برُعاة الماشية أو الغجَر، وليس بسيِّدَين شابَّين مثلهما.»

قالت جينجر: «لو أنني كنتُ مكانك، لكنتُ رفستُ هؤلاء الصبيَّين رفسةً قوية، وكان هذا سيُلقِّنهما درسًا.»

قال ميريليجز: «لا شكَّ في أنكِ كنتِ ستفعلين، لكنني، من ناحيةٍ أخرى، لستُ بهذا القدْر من الحماقة (أرجو المعذِرة) لأُغضب سيِّدَنا، أو أجعل جيمس يَشعُر بالخزي منِّي. علاوةً على ذلك، فإن أولئك الأطفال يكونون تحت رعايتي أثناء امْتِطائهم ظهري؛ صدِّقيني إنني مُؤتمَنٌ عليهم. عجبًا، منذ بضعة أيام فقط سمعتُ سيِّدَنا يقول للسيدة بلومفيلد: «سيدتي العزيزة، لستِ مُضطرَّةً إلى القلق على الأطفال؛ فسوف يَعتني بهم حِصاني ميريليجز بقدر ما يُمكن أن نفعَل أنا أو أنتِ، وأؤكد لكِ أنَّني ما كنتُ لأبيع هذا الحصان القزَم مقابل أيِّ مبلغٍ من المال، إنه في غاية الهدوء وأهلٌ للثقة.» وهل تظنِّينني حيوانًا جَحودًا لدرجة أن أنسى كلَّ المُعامَلة الطيبة التي حَظيتُ بها هنا طوالَ خمس سنين، وكلَّ الثقة التي منَحوني إيَّاها، وأنقلِب سيئًا لمجرَّد أن صبيَّين جاهلَين أساءا معاملتي؟! كلَّا، كلَّا! إنكِ لم تَحظَيْ قط بمكانٍ جيدٍ يُحسِنون مُعاملتَكِ فيه؛ ولهذا فأنتِ لا تعلمين، وأنا حزينٌ من أجلك؛ ولكن يُمكنني أن أؤكد لكِ أن الأماكن الجيدة تصنع خيولًا جيدة. لن أُثير سخط مالِكينا من أجل أيِّ شيء؛ فأنا أُحبُّهم، حقًّا أحبهم.» قال ميريليجز هذا، وأطلق من أنفه صوتَ همهمةٍ خفيضًا، كما اعتاد أن يَفعل في الصباح عندما يَسمع وقْعَ أقدام جيمس عند الباب.

وتابع قائلًا: «علاوةً على ذلك، لو أنني تعوَّدتُ على الرفس فإلى أين سيكون مآلي؟ يا إلهي! سأُباع في غمضة عين، ودون تزكية، وربما أجد نفسي أكدَح في العمل كالعبيد تحت إمرةِ صبيِّ جزارٍ، أو أكدُّ في أشغالٍ شاقة على شاطئ البحر حيث لا أحدَ يهتمُّ بأمري، إلَّا مَن يريد أن يكتشف مدى سُرعتي، أو أُضرَب بالسوط وأنا أجرُّ عربةً فيها ثلاثة أو أربعةُ رجال ضِخام يَخرجون لقضاء وقتٍ مُمتع يوم الأحد، كما سبَق وشاهدتُ كثيرًا في المكان الذي كنتُ أعيشُ فيه قبل أن أجيء إلى هنا؛ كلَّا»، وقال وهو يهز رأسه: «أرجو ألَّا أصل إلى هذا أبدًا.»

(١٠) حوارٌ في البستان

لم أكن أنا وجينجر من سُلالة الخيول العادية الطويلة التي تَجرُّ العربات، وإنما كانت تَجري في عُروقنا دماءُ خيول السباق أكثرَ من غيرها. كان ارتفاعُنا يَبلغ حوالي خمسَ عشرة قبضةً ونصفًا؛ فكُنا مناسِبَيْن للركوب تمامًا مثلما كنا مناسبَيْن لجرِّ العربات. وعادةً ما كان سيدنا يقول إنه لا يُحب الحصان، ولا الرجلَ الذي لا يُحسِن غيرَ عملٍ واحد، ولأنه لم يكن يحبُّ التباهيَ في حدائق لندن؛ كان يُفضِّل خيولًا أكثر نشاطًا ونفعًا. أما نحن، فكانت أعظمُ مُتعة لدَينا أنْ نُسرَّج من أجل الخروج في تجمُّع لركوب الخيل؛ السيد على ظهر جينجر، والسيدة على ظهري، والفتاتان على ظهر السِّير أوليفر وميريليجز. كان أمرًا مبهِجًا جدًّا أن نَخبَّ ونركض جميعُنا معًا، مما كان يجعلنا مُفعَمَين دائمًا برُوحٍ عالية. أما أنا فكنتُ أحظى بأفضلِ ما في الأمر؛ لأنني كنتُ دائمًا أحمل سيدتي، التي كان وزنها خفيفًا، وكان لها صوتٌ عذب، كما أن يدَها كانت رفيقةً جدًّا وهي تُمسِك العِنان، لدرجة أنها كانت تقودُني دُون أن أحسَّ به تقريبًا.

آهٍ! لو يعلمُ الناسُ كم تُريح اليدُ الرفيقةُ الخُيولَ! وكم تحافظ على سلامة أفواهها وهدوء طباعها! بالتأكيد لما ضرَبوا بالعِنان ولا جرُّوه ولا شدُّوه كما يَفعلون في أكثر الأحيان. إن أفواهنا حسَّاسة للغاية، بحيث إذا لم تُؤذِها أو تُخَشِّنْها المُعاملة السيئةُ أو الجاهلة، فستَشعر بأقلِّ حركةٍ من يد السائق، وسوف نَعرف على الفور المُرادَ منَّا. لكنَّ فمي لم يتعرَّض للأذى من قبلُ قط، وأعتقد أنَّ هذا هو السبب وراءَ تفضيل سيدتي إيَّايَ على جينجر، مع أن طريقة سيرها كانت بالتأكيد جيدةً مثلي تمامًا. لكنها كثيرًا ما كانت تَغار منِّي، وتقول إن هذا كله كان جَريرةَ الترويض وشكيمةِ الكبح في لندن؛ لأن فمَها لم يكن مثاليًّا مثل فمي، وكان السِّير أوليفر المسنُّ عندئذٍ يقول: «هوِّني عليكِ! هوِّني عليكِ! لا تُنغِّصي على نفسك؛ إنكِ تحظَيْن بأعظمِ الشرف. إنَّ فرسةً تستطيع حمل رجلٍ طويلِ القامة في مثل وزنِ مالكِنا، بكل ما لدَيكِ من حيوية وحركة نشيطة، ليستْ مُضطرَّةً إلى تنكيس رأسِها؛ لأنها لا تحمل سيدة المنزل. علينا نحن الخيولَ أن نتقبل الأمور كما هي، وأن نكون دائمًا راضين ومُتهيِّئين ما دُمنا نُستخدَم بلطف.»

دائمًا ما كنتُ أتعجب؛ كيف لذيلِ السير أوليفر أن يكون قصيرًا إلى هذا الحد؛ إذ لم يكن يبلغُ في الحقيقة سوى ستِّ أو سبع بوصات، وكانت تتدلَّى منه خصلةٌ من الشعر. وفي يومٍ من أيام عطلاتنا في البستان تجرَّأتُ وسألتُه: في أيةِ حادثة فقدَ ذيلَه؟ نَخَر وهو ينظر إليَّ نظرةً عنيفةً وقال: «حادثة! لم تكن حادثةً! بلْ كان عملًا وحشيًّا مُخزيًا، لا يعرف الشفقة! لقد أخَذوني وأنا صغيرٌ إلى مكانٍ تُفعَل فيه هذه الأشياءُ الوحشية؛ فقيَّدوني بحبلٍ وثبَّتوني؛ حتى لا أتحرَّك، ثم جاءوا وقطَعوا ذيلي الطويل الجميل، فجزُّوا لحمه وعظمه، وأخذوه معهم.»

صرَختُ قائلًا: «كم هذا فظيع!»

«فظيعٌ، نعم! كان أمرًا فظيعًا؛ لكن ليس فقط بسبب الألم — برغم أنه لم يكن يُطاق، وقد استمرَّ طويلًا — وليس فقط بسبب الإهانة التي تجرَّعتُها عندما سلَبوني أفضل ما يُزيِّنني، رغم أن هذا كان سيئًا؛ وإنما كان السبب هو كيف سيتسنَّى لي بأيِّ حال من الأحوال أن أُبعِد الذباب عن جنبيَّ وقائمتيَّ الخلفيَّتَين بعد ذلك؟ أنتم يا مَن تملكون ذيولًا تَنُشُّون الذباب عنكم ببساطة دون أن تُفكِّروا في الأمر، ولا تعرفون مقدار العذاب الذي يُحدِثه عندما يستقرُّ فوقكم ويستمرُّ في اللَّسع مرةً تلوَ الأُخرى، وأنتم لا تملكون أيَّ شيءٍ تضربونه به! أؤكد لك أن هذا ظلمٌ دائمُ الأثر، وخَسارةٌ دائمة الأثر؛ لكنْ حمدًا للرب أنهم لا يَفعلونها هذه الأيام.»

قالت جينجر: «لأيِّ شيءٍ فعلوا ذلك إذن؟»

قال الحصان العجوز وهو يَخبط الأرض بقدمه: «من أجل الموضة! من أجل الموضة! إن كنتِ تعرفين ما معنى هذا؛ لم يكن ثمَّة مُهرٌ أصيلٌ في أيامي لم يُبتَر ذيلُه بهذه الطريقة الشائنة، كما لو أن الإله العظيم الذي خلَقنا لم يكن يعلمُ ما الذي نحتاج إليه، وما الأفضل من ناحية المظهر.»

قالت جينجر: «أظنُّ أن الموضة هي ما جعلَهم يُثبِّتون رءوسنا لأعلى بتلك الشكائم البغيضة التي كنتُ أُعذَّبُ بها في لندن.»

قال: «إنها هي بالتأكيد. في رأيي، الموضة مِن أسوأ الأشياء في الدنيا. انظري الآن، على سبيل المثال، إلى الطريقة التي يُعاملون بها الكلاب؛ إنهم يقطعون ذيولها كي يجعَلوها تبدو جريئة، ويجزُّون آذانها الصغيرة الجميلة بعض الشيء لتبدوَ حادَّة! صِدقًا إنهم يفعلون ذلك. كان لديَّ صديقة عزيزة من قبل، كانت بُنِّية اللون من فصيلة الترير؛ وكانت تُدعى سكاي. كانت تُحبني جدًّا لدرجة أنها لم تكن ترضى قطُّ بأن تَنام خارج مربطي؛ وقد اتخذَتْ لنفسها مَضجعًا تحت مَعلَف الطعام، وكان لدَيها فيه خمسةُ جِراء صغيرة من بطن واحدة، كانت كأجملِ ما يتمنَّاه أيُّ أحد، لم يُتخلَّص مِن أيٍّ منهم بتغريقه؛ لأنهم كانوا نوعيةً قَيِّمة، ولكَم كانت هي سعيدةً بهم! وعندما بدَءوا يفتحون أعينهم ويَحْبُون، كان منظرًا رائعًا حقًّا؛ لكنْ في أحد الأيام جاء الرجلُ وأخذهم جميعًا، فظننتُ أنه من المُحتمل أن يكون قد خشيَ عليهم من أن أطأهم بقدمي، لكنَّ الأمر لم يكن كذلك؛ حيث أعادتهم سكاي المسكينةُ في المساء مرةً أخرى، وهي تحملهم واحدًا تلوَ الآخر في فمها؛ لكنهم لم يكونوا تلك المخلوقاتِ الصغيرةَ الفَرِحة التي كانت من قبل، وإنما كانوا يَنزفون ويبكون على نحوٍ يُرثى له؛ لقد قُطِع جزءٌ من ذيل كلِّ واحدٍ منهم، كما بُتر الجزءُ الطري المنسدِل من آذانهم الصغيرة الجميلة بكامله! كمْ ظلَّتْ أُمهم تلعَقهم بلسانها، وكم كانت تتألَّم، يا لها مِن مسكينة! لم أنسَ ذلك قط. تعافَتِ الجِراءُ مع الوقت، ونسيَتِ الألم، لكنَّ الجزء الطريَّ الجميل، الذي كان الهدفُ منه بالتأكيد حمايةَ المنطقة الحسَّاسة من آذانها من الأتربة والإصابات، كان قد فُقِد إلى الأبد! لماذا لا يَقطعون أجزاءً من آذان أطفالهم هم؛ لكي تبدوَ حادةً؟ لماذا لا يَبترون أطرافَ أُنوفهم ليجعلوهم يبدون جريئين؟ لو كان ذلك معقولًا لكان الفعل الآخر معقولًا كذلك! بأيِّ حقٍ يُعذِّبون مخلوقات الرب ويُشوِّهونها؟»

كان السير أوليفر — برغم لُطفه الشديد — حِصانًا مُسنًّا سريع الانفعال، وكان كل ما قاله جديدًا عليَّ تمامًا، ومروِّعًا للغاية؛ مما جعلني أُحِسُّ بشعورٍ مريرٍ يتولَّد في خاطري تجاه البشر، ما شعَرتُ بمثله من قبلُ قط. بالطبع كانت «جينجر» ثائرةً جدًّا؛ فقد راحَتْ تُطوِّح رأسها عاليًا، وتوهجَت عيناها واتَّسَع مَنخِراها، وقالت جازِمةً إن البشر متوحِّشون وأغبياء.

قال ميريليجز، الذي أتى لتوِّه من عند شجرة التُّفاح العتيقة، حيث كان يحكُّ جسمه في فرعها المُنخفِض: «من يتكلم عن الأغبياء؟ من يتكلم عن الأغبياء؟ أعتقد أن هذه كلمة سيئة.»

قالت جينجر: «لقد خُلِقَت الكلمات السيئة من أجل الأشياء السيئة.» وقصَّت عليه ما قاله السير أوليفر.

قال ميريليجز في حزن: «إن هذا كله صحيح، ولقد رأيتُ ذلك يَحدُث للكلاب مِرارًا وتَكرارًا في أول مكانٍ عشتُ فيه؛ لكنَّنا لن نتكلم عنه هنا. إنكم تعرفون أن سيدنا وجون وجيمس يُحسنون مُعاملتَنا دائمًا، والكلام في حقِّ البشر في مكانٍ كهذا، وبهذه الطريقة لا يَنمُّ عن إنصافٍ ولا امتنان. وأنتم تعلمون أنه يُوجد مالِكون طيبون، وسائِسو خيول طيِّبون بالإضافة إلى سيدنا وسائسينا، لكن سيدنا وسائسينا هم الأفضل بالتأكيد.»

هذا الكلام الحكيم الذي قاله ميريليجز الطيب الضئيل، والذي كنا نَعرف أنه صحيحٌ تمامًا، هَدَّأنا جميعًا، وخصوصًا السير أوليفر، الذي كان يُحبُّ سيده حبًّا شديدًا؛ ولكي أُحوِّل موضوع الكلام قلتُ: «هل يستطيع أيٌّ منكم أن يُخبرني بفائدة الغِمامتَين؟»

قال السير أوليفر باقتضاب: «لا! لأنَّه لا فائدةَ لهما.»

قال جاستس، الجواد القوي قصير القوائم أغبر اللون، بطريقته الهادئة: «المُفترَض أنهما تمنَعان الخيول من الإجفال والنكوص فَزَعًا، والذُّعر الشديد الذي قد يجعَلها تُسبِّب حوادث.»

قلتُ: «ولماذا إذن لا يضَعونها على عيون خيل الركوب؛ وخاصةً خيول السيدات؟»

قال بهدوء: «ما مِن سببٍ على الإطلاق، باستثناء الموضة؛ فهم يقولون إن الحصان قد يُصاب بذُعرٍ شديدٍ من رؤيةِ عجلات عربة البضائع أو عرَبة الركاب التي يَجرها وهي آتيةٌ خلفه، فيدفعه ذلك إلى أن يحرص على الهروب منها، رغم أنه بالطبع — وهو يحمل راكبًا على ظهره — يراها في كل مكانٍ حوله إذا كانت الشوارع مزدحِمة. أعترف أن هذه الغمائم تكاد بالفعل في بعض الأحيان أن تكون مُستحسَنة، لكنَّنا لا نجْمَح؛ فنحن مُعتادون على الأمر، ونفهمه، ولو لم تُوضَع لنا الغمائمُ قطُّ لما احتَجْنا إليها مطلقًا؛ وعندئذٍ كنا سنرى ما هو موجود، ونُدرك طبيعة ما حولنا، ونكون أقلَّ ذعرًا بكثيرٍ من حالِنا، ونحن لا نرى سوى نُتَفٍ من أشياءَ لا نستطيع استيعابها. من المُحتمَل بالطبع أنه يوجَد بعض الخيول المضطرِبة التي تعرضَتْ للأذى أو الذعر وهي صغيرة، والتي قد يكون من الأفضل لها أن تضَع الغمائم؛ لكن لأنني لم أكن مضطرِبًا قط؛ فلا يُمكنني أن أحكم على الأمر.»

قال السير أوليفر: «أعتقد أنَّ الغمائم تكون خطيرةً أثناء الليل؛ فنحن الخيول نستطيع أن نرى في الظلام أفضلَ بكثيرٍ من البشر، وما كان كثيرٌ من الحوادث ليقع قطُّ لو كان قد أمكَن للخيول أن تستخدِم أعيُنَها الاستخدام الكامل. أذكرُ أنه منذ بضعِ سنوات كان ثمة عربةٌ من عربات نقل الموتى يجرُّها حصانان، وكانت في طريق العودة في إحدى الليالي المظلمة، وعند منزل الْمُزارع سبارو تمامًا — حيث تدنو بُحيرة الماء من الطريق — اقتربَت العجلاتُ أكثرَ من اللازم من الحافة، وانقلبَت عربةُ نقل الموتى في المياه، فغَرِق كلا الحصانَين، ولم ينجُ الحُوذيُّ إلَّا بشِقِّ النفس. طبعًا بعد هذه الحادثة أُقيمَ سياجٌ أبيضُ متينٌ يمكن رؤيته بسهولة، لكن لو لم تُحْجَب رؤية هذَين الحصانَين إلى حدٍّ ما، لكانا قد بقِيا بعيدًا عن الحافة من تلقاء نفسيهما، ولَمَا وقعَتْ أيةُ حادثة. عندما انقلبت عربةُ سيِّدنا، قبل أن تأتي أنت إلى هنا، قِيل إنه لو لم ينطفئ المصباح الذي كان على الجانب الأيسر لكان من الممكن أن يرى جون الحفرةَ الكبيرة التي خلَّفها عُمالُ شقِّ الطرق وراءهم؛ وربما كان سيفعل هذا؛ لكن لو لم يكن على عينَيِ الحصان العجوز كولن غمامتان لكان رآها، بالمصباح أو بدونه؛ لأنه كان حصانًا مُسنًّا يملك من الفطنة قدرًا كبيرًا يُجنِّبه أن يودِيَ بنفسه في الخطر. لكن ما حدث هو أنه أُصيب إصابةً بالغة جدًّا، وتحطمَت العربة، ولم يَعرف أحدٌ كيف نجا جون.»

قالت جينجر، وهي تلوي مَنخِرَها: «أعتقد أنه يجدُر بهؤلاء الرجالِ بالِغي الذكاء أن يُصدِروا أوامرَ تقضي بأن تكون عيونُ جميع الأمهار التي ستولَد في المُستقبل في منتصف جِباهها تمامًا، بدلًا من جانبَيْ رءوسها؛ إنهم دائمًا ما يظنُّون أن بإمكانهم تحسينَ الطبيعة وتصحيحَ ما خلقه الرب.»

كانت مشاعر السخط آخذةً في التأجُّج نوعًا ما مُجددًا‎‎، حينئذٍ رفع «ميريليجز» وجهه الذكي الصغير وقال: «سأُخبركم سرًّا، أعتقد أن جون لا يستحسِن الغمائم؛ لقد سمعتُه ذات يوم يتكلم مع سيدنا بشأنها. لكن السيد قال له: «إذا كانت الخيول قد تعودَتْ عليها فربما يكون من الخطر في بعض الحالات الاستغناءُ عنها.» وقال جون إنه يعتقد أنه سيكون جيدًا لو أن الأمهار كلها رُوِّضَت من دون غمائم، كما هي الحال في بعض الدول الأجنبية؛ لذا هيا نُرَوِّح عن أنفسنا، ونركض إلى الطرف الآخر من البستان؛ أظنُّ أن الريح أسقطَتْ بعض ثمار التفاح، وربما من الجيد لنا أن نلتهمها مثلما تفعل البزَّاقات.»

لم نكن نقوى على مُعارضة ميريليجز؛ لذا قطعنا حديثنا الطويل، ورفعنا معنوياتنا بتناول بعض ثمار التفاح الحُلوة المُتناثرة فوق العُشب.

(١١) كلام صريح

كنتُ كلَّما طال بي الْمُقام في بيرتويك أزداد فخرًا وسعادةً؛ لأنني أعيش في مكانٍ كهذا؛ كان كل مَن يعرف سيدي وسيدتي يحترمهما ويُحبُّهما؛ فقد كانا طيبَيْن ولطيفَيْن مع كل أحد، وكلِّ شيء؛ ليس فقط مع الرجال والنساء، بل ومع الخيل والحمير، والكلاب والقطط، والماشية والطيور؛ لم يكن ثَمة مخلوقٌ مُضطهَد أو يُساء مُعاملته لا يتَّخِذهما صديقَيْن له. وسلَك خدَمُهم نفسَ النهج. إذا عُرف عن أيٍّ من أطفال القرية أنه يقسو في معاملة أيِّ حيوان، كانا يُعرَّفان بالأمر على الفَور من دار البلدية.

تعاون السيد جوردن والمزارع جراي — كما كانا يقولان — لأكثرَ مِن عشرين سنةً؛ من أجل إبطال استخدام الْمَرافع في عرَبات الخيل، ونادرًا ما كنتَ ستراها في منطقتنا، وفي بعض الأحيان، إذا رأَتْ سيدتي حِصانًا يحمل حملًا ثقيلًا ورأسُه مشدود إلى الأعلى كانت تُوقف العربة وتَخرج منها، وتتناقش مع السائق بصوتها العذب الجاد، وتُحاول أن توضِّح له مدى حماقة هذا الفعل وقسوتِه.

لا أعتقد أن بمقدور أيِّ رجل الصمودَ أمام سيدتي! وأتمنَّى لو تكون السيدات جميعُهن مثلَها، كما كان دأب سيِّدي هو الآخر أن يَنتقِد بعضَ الناس انتقادًا شديدًا جدًّا في بعض الأحيان. أذكر أنه كان يَمتطي ظهري مُتوجِّهًا إلى المنزل في صباح أحدِ الأيام، فرأينا رجلًا قويَّ البِنية قادمًا باتجاهنا على عربة خفيفة يجرُّها فرسٌ قزَم جميلٌ كَستَنائيُّ اللون، ذو أرجُلٍ رشيقة، ورأسٍ ووجهٍ يَنمَّان عن شرَف الأصل ورقَّة الشعور. ما إن اقترب الرجل من بوابة العزبة حتى استدار المخلوقُ الضئيل ناحيتَها؛ فلوى الرجلُ رأسه، من دون كلمةٍ أو إنذارٍ، وإنما بقوةٍ ومباغَتَةٍ هائلتَين حتى كاد يُسقِطه على عَجيزته. أنهض الحصانُ نفسه من كبوته، وبدأ يواصل السير، عندئذٍ راح الرجل يَضربه بالسَّوط في حنَق شديد. اندفَع الحصان الصغير إلى الأمام فجأةً، لكنَّ اليد القوية الشديدةَ أعادت المخلوق الجميل إلى الخلف بقوةٍ كادت تكسِر فكَّه، بينما ظلَّ السَّوط يحفر علاماتٍ في ظهره! كان منظرًا مروِّعًا لي؛ لأنني كنتُ أعلم مقدار الألم البالغ الذي سبَّبه هذا الفعل لذلك الفمِ الحسَّاس الصغير، لكنَّ سيدي أمرَني بالسير، ولَحِقنا به على الفور.

صاح سيِّدي بصوتٍ صارم: «يا سوير، هل هذا الحصان القزَم من لحمٍ ودم؟»

قال الرجل: «من لحمٍ ودمٍ ومزاجٍ خاص، إنه مُغرَم جدًّا بالتصرُّف على هواه، وهذا لن يُناسبني.» كان يتكلَّم وكأنه في حالةٍ من الغضب الشديد. كان هذا الرجل بنَّاءً، وكان كثيرًا ما يأتي إلى العزبة للقيام ببعض الأعمال.

قال سيدي في حزم: «أتظنُّ أن معاملةً كتلك ستجعله يُحبُّ تنفيذ ما تريده أنت؟»

قال الرجل بغِلظة: «ما كان له أن يأخذ هذا المُنعطَف؛ كان طريقُه إلى الأمام مباشرةً!»

قال سيدي: «إنك كثيرًا ما كنتَ تأتي إلى منزلي في عرَبة يجرُّها هذا الحصان، وإن ما فعله إنما يُبرهِن على ذكائه وقوَّة ذاكرته؛ كيف كان له أن يَعرف أنك لم تكن ذاهبًا إلى هناك ثانيةً؟ لكن ليس لهذا كبيرُ صلةٍ بالأمر. إنني أؤكد لك يا سيد سوير، أنه لم يُوجِعْني القدَرُ من قبل قطُّ برؤية طريقةٍ أكثرَ دناءةً ولا قسوةً من هذه الطريقة في التعامُل مع حصانٍ ضعيفٍ كهذا، وأنك باستسلامك لمِثل هذا الانفعال إنما تُؤذي سُمعتك بنفس القَدْر الذي تؤذي به حصانك، لا بلْ أكثرَ، وتذكَّر؛ إنَّنا جميعًا سنُحاسَب على أعمالنا، سواءٌ منها ما كان مع البشر، أو ما كان مع الدواب.»

قادَني سيدي إلى المنزل على مهَلٍ، وكان بوُسعي أن أتبيَّن من صوته مقدارَ ما أصابه من حزنٍ بسبب هذا الأمر. كان سيدي يتحدَّث إلى السادة من أبناء طبقته الاجتماعية بنفس القدْر من الحرية التي يتحدَّث بها إلى مَن هم دونَه؛ لأننا في يومٍ آخر، عندما كنا خارج المنزل، قابَلْنا رجلًا يُدعى النقيب لانجلي — أحد أصدقاء سيدي — وكان يقود عربةً من نوعِ العربات الكبيرة ذاتِ العجلات الأربع، وكان يجرُّها حِصانان رماديَّان رائعان. وبعد حديثٍ قصير قال النقيب:

«ما رأيُك في حصانَيَّ الجديدَين يا سيد دوجلاس؟ فأنت خبيرُ الخيول في هذه الأنحاء، وأنا حريصٌ على معرفة رأيك.»

أرجَعَني سيدي إلى الوراء قليلًا؛ حتى يتمكن من رؤيتهما جيدًا. وقال: «إنهما زوجٌ جميل للغاية، وإذا كانا جيِّدَين كما يبدُوان فإنني على يقينٍ من أنك لستَ في حاجةٍ إلى أن تَأمُل في أيِّ شيءٍ أفضل من ذلك؛ لكنَّني أرى أنك ما زلتَ مُتمسكًا بذلك النهج المفضَّل لديك في إرهاقِ خيولك وإضعاف قُوَّتِها.»

قال الآخر: «ماذا تقصد؟ المرافع؟ أوه، نعم! أعلم أن هذا هو موضوعُك المفضَّل؛ حسنٌ، الحقيقة هي أنني أُحبُّ أن أرى خيولي رافعةً رءوسها إلى الأعلى.»

قال سيدي: «وهكذا أنا، وكذلك أيُّ رجل، لكنَّني لا أحبُّ أن أراها مشدودةَ الرءوس هكذا؛ إن هذا يذهب بكلِّ ما في الأمر من روعة. أنت رجلٌ عسكري يا لانجلي، وتحبُّ من دون شكٍّ أن تَظهر كتيبتُك بمظهرٍ جيدٍ في العرض العسكري، «الرءوس المرفوعة إلى أعلى»، وكل ما إلى ذلك؛ لكنك لن تَنال كثيرَ تقديرٍ على تدريبك العسكري إذا رُبِطَت رءوسُ رجالك كلِّهم إلى لوحٍ خشبيٍّ من الخلف! ربما لا يُشكِّل هذا كبيرَ ضررٍ في العرض العسكري، باستثناء إزعاجهم وإرهاقهم؛ لكن كيف عَساه يكون في هجومٍ بحِراب البنادق على العدو، وهُم في حاجةٍ إلى تحريك كلِّ عضلةٍ من عضلاتهم بحُرِّية، وقُوَّتُهم كلها مُندفِعةٌ إلى الأمام؟! لا أعتقد أن هذا سيَزيد من فُرصتهم في النصر. وكذلك الأمر تمامًا بالنسبة للخيل؛ إنك تُثير أعصابَها وتُزعِجها، وتَنقُص من قوَّتها؛ إنك بهذا لن تسمح لها بأن تُلقيَ بثِقْلها للأمام ليُساعدها في أداء عملها؛ لذا فهي مضطرَّةٌ إلى بذل قدرٍ أكثرَ من اللازم من الجهد بمَفاصلِها وعضلاتها، ولا شكَّ أن هذا يُنهِكها على نحوٍ أسرع. لتثِق فيما أقوله لك؛ لقد خُلِقَت الخيول لتَبقى رءوسها حُرة، كحُرِّية رءوس البشر، ولو أنَّنا استطعنا التصرُّف حسَب ما تَقتضي الفطرةُ السليمة على نحوٍ أكثرَ قليلًا، وقلَّلْنا — بمقدارٍ جيدٍ — من التصرُّف وفقًا للموضة، فسنجد كثيرًا من الأشياء يَجري بصورةٍ أيسر؛ فضلًا عن ذلك، فإنك تعرف كما أعرف تمامًا أنه إذا تَعثَّر حصانٌ ما، فإنَّ فرصته في النهوض من كبوته تقلُّ كثيرًا إذا كان رأسه ورقبته مُوثَقَيْن إلى الخلف.» واصل سيدي كلامه ضاحكًا: «والآن، لقد استعرَضتُ موضوعي الْمُحبَّب استعراضًا لا بأس به، ألا يمكنك أن تتَّخِذ قرارًا باعتناقه أنت أيضًا أيها النقيب؟ سوف تكون قدوةً مؤثرةً بقدرٍ كبير.»

قال الآخر: «أرى أنك مُحِقٌّ من الناحية النظرية، كما أنَّ حُجَّتك عن الجنود كانت جيدة، لكن … حسنًا … سأفكِّر في الأمر.» وبعد ذلك افترَقا.

(١٢) يومٌ عاصف

ذاتَ يوم في أواخر فصل الخريف كان لدى سيِّدي رحلةُ عمل طويلة، ربطَني جون في العربة الخفيفة، وذهب مع سيده. كنتُ دائمًا ما أُحبُّ الخروج بالعربة الخفيفة؛ لأنَّ وزنها كان خفيفًا جدًّا، وكانت عجلاتها العالية تسير بطريقة رائعة للغاية. كانت السماء تُمطِر بغزارة، واشتدَّت الريح في تلك اللحظة جدًّا، وأخذَت تُذَرِّي أكداسًا من أوراق الشجر اليابسة في الطريق. مضينا في طريقنا حثيثًا حتى وصَلْنا إلى حاجز تحصيل رسوم الطريق والجسر الخشبي المُنخفِض. كانت ضفَّتا النهر مرتفِعتَين نوعًا ما، وبدلًا من أن يرتفع الجسر عن النهر، امتدَّ في نفس مستواه، بحيث لو كان النهر مُمتلئًا لوصلَت المياه تقريبًا — عند منتصف الجسر — إلى أشغال الخشب والألواح الخشبية، لكن لَمَّا كان هناك قضبانٌ متينة جيدة على كِلا الجانبَين، لم يُبالِ الناس بالأمر.

قال الرجل الواقف عند البوابة إن مستوى الماء في النهر يرتفع سريعًا، وإنه يَخشى أنها ستكون ليلةً سيئة. كانت مُروجٌ كثيرة مغمورة بالمياه، وفي جزءٍ مُنخفِض من الطريق كان الماء في منتصف المسافة بين حافِرَيَّ وركبتَيَّ، لكنَّ قوة التحمُّل كانت جيدةً، وكان سيدي يَقود برفقٍ؛ لذا لم يكن ثمةَ مشكلة.

عندما وصلْنا إلى المدينة حصَلتُ على علفٍ جيدٍ بالطبع، لكنْ لأنَّ سيدي انشغل في عمله مدةً طويلةً من الوقت لم نَشرَع في العودة إلى المنزل حتى وقتٍ متأخرٍ بعضَ الشيء من فترةِ ما بعد الظهر. كانت الريح في ذلك الوقت أكثرَ عُنفًا، وسمعتُ سيدي يُخاطب جون قائلًا إنه لم يخرج قبلَ ذلك قطُّ في مثل هذه العاصفة، وكان ذلك ما دار بخلَدي أيضًا، أثناء مُضيِّنا على امتدادِ تُخوم إحدى الغابات، حيث كانت فروعُ الأشجار العظيمة تتَمايَلُ تمايُلَ الأغصان الصغيرة الناعمة، وكان صوتُ اندفاع الريح مُرعبًا.

قال سيدي: «أتمنَّى لو نخرج من هذه الغابة تمامًا.»

قال جون: «نعم يا سيدي، فسوف يكون من العسير بمكانٍ لو أنَّ واحدًا من هذه الفروع سقط علينا.»

لم تكَد الكلمات تخرج من فمه حتى سمعتُ صريرًا وطقطقةً، وصوتَ انفلاقٍ وتمزُّق، حيث انهارَتْ شجرةُ بَلُّوط وسطَ بقية الأشجار الأخرى، فقد تمزقَتْ من جذورها، وسقطَتْ في منتصف الطريق تمامًا أمامنا مباشرةً! لن أزعم أنني لم أشعُر بالذعر؛ لأنني شعرتُ به بالفعل! لقد توقفتُ عن الحركة، وأظنُّ أنني كنتُ أرتعِد من الخوف، لكنني بالطبع لم أستدِر ولم أفِرَّ؛ فأنا لم أتَربَّ على هذا. قفز جون من العربة، وأصبح في لحظةٍ عند رأسي.

قال سيدي: «لقد نجَونا بأعجوبة، ماذا علينا أن نفعل الآن؟»

«في الواقع، يا سيدي، ليس بإمكاننا قيادةُ العربة من فوق هذه الشجرة، ولا حتى الاستدارةُ حولها؛ لن يكون هناك حلٌّ سوى أن نعود أدراجَنا إلى مُلتقى الطرق الأربعة، وسيَمتدُّ هذا مسافةَ ستة أميال كاملة قبل أن ننعطف إلى الجسر الخشبي مرةً ثانية، سوف نتأخَّر بسبب هذا، لكن الحصان لا يَزال نشيطًا.»

وهكذا عُدنا وانعطَفْنا من عند مُفترَق الطرق، لكننا عندما وصَلنا إلى الجسر كنا قد اقتربنا جدًّا من وقت حلول الظلام، وبالكاد استطعْنا أن نرى أنَّ الماء قد ارتفع فوق منتصف الجسر؛ لكن لأنَّ هذا كان يَحدُث أحيانًا عند انحسار الفيضانات، فلم يتوقَّف سيدي. كنا نسير بوَتيرة جيدة، لكن ما إن لمسَتْ أقدامي أوَّلَ جزءٍ من الجسر تأكدتُ أنه كان ثمةَ خطْبٌ ما. فلم أجرؤ على التقدُّم، وتوقفتُ كليًّا. قال سيدي: «انطلق يا بيوتي.» وضربَني ضربةً خفيفةً بالسوط، لكنَّني لم أجرؤ على الحركة، فضرَبني ضربةً شديدة جعلَتْني أقفز، لكنني لم أجرؤ على التحرُّك إلى الأمام.

قال جون: «ثمة خطْبٌ ما يا سيدي.» وقفز مِن العربة الخفيفة، ووقف عند رأسي، وراح ينظر في كل مكان. ثم حاول أن يقودَني إلى الأمام. وقال: «هيا يا بيوتي، ما الأمر؟» بالطبع لم أستطع إخباره، لكنني كنتُ أعلم جيدًا جدًّا أن الجسر لم يكن آمنًا. وفي تلك اللحظة تحديدًا اندفعَ جامعُ الرسوم الذي في الجانب الآخر خارجَ حجيرة جمع الرسوم، اندفعَ كالمجنون ويدُه تتقاذَف مشعلًا للأمام والخلف.

وصرخ قائلًا: «هِس، هِس، هِس! توقَّفْ!»

صاح سيدي: «ما الأمر؟»

«إن الجسر مكسورٌ عند المنتصف، وقد انجرف جزءٌ منه؛ لو تقدَّمتُم ستسقطون في النهر.»

قال سيدي: «حمدًا للرب!» وقال جون: «أحسنت يا بيوتي!» وأمسك باللِّجام وأدارني برِفق إلى الطريق الواقع على يمين النهر. كانت الشمس قد غربَتْ منذ بعض الوقت؛ وبدا أن الريح قد سكنَتْ بعد تلك العاصفة الهائجة التي مزَّقت الشجرة. وراح الظلامُ يشتد، والهدوءُ يزداد أكثر فأكثر. وبدأتُ أخُبُّ في هدوء، ولم تكَد العجلات تُصدِر صوتًا فوق الطريق الرطبة. لمدةٍ طويلة من الوقت لم يتكلم سيدي ولا جون، ثم بدأ سيدي الكلامَ بصوتٍ ينمُّ عن الجدِّية. لم أتمكَّن من فهم كثيرٍ ممَّا قالا، لكنَّني شعرتُ أنه كان يدور بخَلدهما أنني لو كنتُ مضيتُ في طريقي كما أراد منِّي سيدي، لكان الجسر انهار من تحتنا على الأرجح، وأن الحصان والعربة وسيدي والرجل كانوا سيَسقطون في النهر؛ ولأن تيَّار المياه كان يتدفَّق بقوةٍ شديدة، ولم يكن ثمَّة إضاءةٌ ولا مساعدة في مُتناولهما، فقد كان غرَقُنا جميعًا مرجَّحًا. قال سيدي إن الربَّ قد وهبَ البشر العقل الذي يستطيعون بواسطته اكتشافَ الأشياء بأنفسهم؛ لكنه أعطى الحيوانات معرفةً لم تكن تَعتمِد على العقل، وهي تعمل بطريقةٍ أكثرَ دقَّةً وأكثر كمالًا. وكثيرًا ما أنقذَت الحيواناتُ بواسطتها حياةَ البشر. كان لدى جون الكثيرُ من القصص ليَرويَها عن الكلاب والخيول، وما فعلَتْه من أشياء رائعة؛ فقد كان يعتقد أنَّ الناس لا يُقدِّرون حيواناتهم نصفَ ما يكفي من التقدير، ولا يُصاحبونها كما ينبغي لهم أن يفعلوا. وأنا واثقٌ أنه إن كان ثمَّةَ أحدٌ من البشر يُصاحب الحيوانات فهو جون.

في النهاية وصلْنا إلى بوابة العزبة، ووجدْنا أن عامل البستان كان يبحث عنَّا. وقال إن سيدتي في حالةٍ سيئة للغاية منذ حلول الظلام، حيث كانت تَخشى أنَّ حادثةً ما وقعَتْ، وإنها أرسلَتْ «جيمس» على صَهْوة جاستس — الجواد القويِّ قصير القوائم أغبَرِ اللون — باتجاه الجسر الخشبي؛ لكي يَستعلِم عنَّا.

رأينا ضوءًا عند باب الرَّدْهة وعند النوافذ العُليا، وعندما وصَلْنا خرجَتْ سيدتي مُسرعةً وقالت: «أأنتم بخيرٍ حقًّا يا عزيزي؟ يا إلهي! لقد كنتُ قلِقةً للغاية، وظللتُ أتخيَّل شتَّى الأشياء. أما وقعَتْ لكم حادثة؟»

«لا يا عزيزتي، لكن لو لم يكن حِصانك بلاك بيوتي أذكى منَّا لكُنَّا سقَطنا جميعًا في النهر عند الجسر الخشبي.» لم أسمع المزيد؛ إذ دخَلا إلى المنزل، وأخذَني جون إلى الإسطبل. أوه! ما أطيب ما قدَّمَه لي من عَشاء في تلك الليلة! هريسٌ جيدٌ من النُّخالة، وبعضُ حبوب الفول المهروسة مع حبوب الشُّوفان، فضلًا عن فِراشٍ سَميك جدًّا من القش! وقد سُرِرتُ به؛ لأنَّني كنتُ مُتعبًا.

(١٣) العلامة المُميِّزة للشيطان

في أحد الأيام خرجتُ أنا وجون في شأنٍ من شئون سيدنا، وعُدنا على مهلٍ على طريقٍ طويلةٍ مُستقيمة، فرأينا من بعيدٍ صبيًّا يُحاول دفع فرسٍ قَزَمٍ للقفز فوق إحدى البوابات، لكنَّ الفرسَ أبى أن يَقفز، فأثخنَه الصبيُّ ضربًا بالسوط، لكنه لم يَزِد على أن استدار على أحد جنبَيه؛ ضرَبه الصبيُّ بالسوط ثانيةً، لكن الفرَس استدار على جنبه الآخر، حينئذٍ نزل الصبيُّ عن الفرَس، وأخذ يجلده جلدًا شديدًا، وضرَبه ضربةً قويةً فوق رأسه، ثم امتطى ظهرَه مرةً أخرى، وحاول دفعه للوثوب من فوق البوابة، وظلَّ يركله طوال الوقت على نحوٍ مُخْزٍ، لكنَّ الفرس ظلَّ آبيًا. وعندما اقترَبْنا من المكان خفَض الفرسُ رأسَه وقذف بعقِبَيه عاليًا، فطوَّح بالصبيِّ ببراعةٍ من فوقه نحوَ سياجٍ واسعٍ من النباتات الشائكة، ثمَّ انطلق يَعْدو بأقصى سُرعته إلى المنزل والعِنان متدلٍّ من رأسه. وهنا راح جون يضحك بصوتٍ عالٍ جدًّا، وقال: «نال ما يستحقُّه.»

صاح الصبيُّ وهو يُعاني في وسط الأشواك: «أوه! أوه! أوه! من فضلك، هلَّا أتيتَ وساعدتني على الخروج من هنا.»

قال جون: «أنت المسئول عن حالك هذه، أعتقد أنك في المكان المناسب تمامًا، ولعلَّ قليلًا من الخدوش يُعلِّمك ألَّا تدفع حصانًا قزَمًا للقفز فوق بوابةٍ هي أعلى بكثيرٍ مما يَستطيع.» وبعد قوله هذا مباشرةً انصرف جون مُمتطِيًا إياي. وقال مُحدِّثًا نفسه: «ربما يكون هذا الفتى الصغير كاذبًا أيضًا، فضلًا عن كونه قاسيًا؛ كل ما سنفعله يا بيوتي هو أننا سنمرُّ في طريقنا إلى البيت بمنزل المزارع «بوشبي»، وهكذا إذا أراد أيُّ أحدٍ أن يعرف بما جرى فسيُمكننا أنا وأنت أن نُخبِرهم. تفهَم ما أَعنيه.» وهكذا حوَّلْنا وِجهتَنا جهةَ اليمين، ووصلنا بعد قليل إلى فِناء تخزين التِّبن، وأصبح المنزل على مرأًى منَّا. كان المزارع قد خرَج مُسرعًا من منزله إلى الطريق، وكانت زوجته واقفةً عند البوابة، وقد بدَتْ عليها علاماتُ ذعرٍ شديد.

قال السيد بوشبي عندما وصَلْنا: «هل رأيتَ ابني؟ لقد خرَج منذ ساعةٍ على مَتن حِصاني القزَم الأسود، وقد عاد الحصان لتوِّه من دون راكبه.»

قال جون: «أعتقد يا سيدي أنه يَحسُن به أن يكون من دون راكب، إلَّا إذا أمكن أن يَمتطيَه مَن يُحسِن هذا الأمر.»

قال المزارع: «ماذا تعني؟»

«في الواقع يا سيدي، لقد رأيتُ ابنك يجلد هذا الحصان الضعيف الطيِّب، ويَركُلَه بقدمِه، ويضربه ضربًا عنيفًا مُخزيًا؛ لأنه أبى أن يَقفز من فوق بوابةٍ أعلى ممَّا يَستطيع بكثير. لقد أحسن الحصانُ التصرُّفَ يا سيدي، ولم يَبدُر منه أيُّ سوء؛ لكنه في النهاية قذَف بعقِبَيه عاليًا، وألقى بالفتى الصغير فوق السياج الشجري الشائك، وقد أرادني أن أُخرجه منه، لكنني — وآمُلُ أن تَعذرني يا سيدي — لم أجد في نفسي الرغبة لفعل هذا. لم ينكسر أيٌّ من عظمه يا سيدي؛ إنما ستُصيبه بعضُ الخدوش وحسب، إنَّني أحبُّ الخيول، ويُغضِبني أن أراها تتعرَّض لسوء المُعاملة؛ فمن سوء التصرُّف استفزازُ حيوانٍ لدرجة أن يَستخدم عقِبَيه، والمرة الأولى لا تكون دائمًا الأخيرةَ.»

في هذه الأثناء بدأت الأم تبكي قائلة: «أوه، ولدي المسكين بيل، لا بدَّ من أن أذهب لأراه، لا بدَّ من أنه تأذَّى.»

قال المزارع: «يَجدر بكِ الدخولُ إلى المنزل يا زوجتي. إن بيل بحاجةٍ إلى أنْ يتلقَّى درسًا بخصوص هذا الأمر، ولا بدَّ لي من أن أتأكد أنه يتلقَّاه؛ هذه ليست المرة الأولى ولا الثانيةَ التي يُسيء فيها معاملة هذا الحصان، وسوف أضع حدًّا لهذا الأمر. أنا ممتنٌّ لك كثيرًا يا مانلي. طاب مساؤك.»

وهكذا مضَينا في طريقنا، وظلَّ جون يُقهقِه قهقهةً خافتة طَوال طريقِ عودتنا إلى البيت، ثم أخبر جيمس بما حدث، فأخذ يضحك وقال: «نال ما يستحقُّه. إنَّني أعرف هذا الصبيَّ من المدرسة؛ فقد كان مَزهوًّا بنفسه جدًّا؛ لأنه ابن أحد المزارعين، وقد كان دأبه أن يمشيَ بعجرفةٍ وأن يتنمَّر على الأولاد الصغار. وبالطبع لم نقبَلْ نحن الأكبر سنًّا بأيٍّ من هذا الهُراء، وعلَّمناه أنَّ أولاد المزارِعين وأولاد العمال مُتساوون جميعًا في المدرسة وفي الملعب. أذكُر جيدًا أني رأيتُه يومًا ما قبل المدرسة المسائية مباشرةً، عند النافذة الكبرى، وهو آخِذٌ في الإمساك بالذُّباب واقتلاعِ أجنحته. لكنه لم يرَني فلكَمتُه لكمةً على أُذنه طرَحَته أرضًا. في الواقع، بقدر ما كنتُ غاضبًا، كدتُ أُصاب بذُعرٍ؛ فقد كان يُزمجر ويجعجع بشدَّة. دخل الأولاد بسرعة من الملعب إلينا، وجاء المدرِّس من الطريق مُسرعًا؛ ليرى مَن كان يتعرَّض للضرب المُبرح، لكنني بالطبع أخبرتُه في الحال بنزاهةٍ وإنصافٍ بما فعلتُه، ولأيِّ شيءٍ فعلتُه، ثم أريتُ المدرسَ الذباب، الذي كان بعضُه مُحطمًا وبعضه يزحَف عاجزًا، كما أريتُه الأجنحة التي كانت على عتبة النافذة. لم أرَ المدرسَ في مثل هذه الحالة من الغضب قبل ذلك قط، ولكنْ لأنَّ بيل كان لا يزال ينتحِب ويئنُّ، بجُبنٍ كما كان شأنه، لم يُعاقِبْه المدرس بمزيدٍ من الضرب، وإنما أجلسه على كرسيٍّ بلا ظهرٍ بقيةَ فترة ما بعد الظُّهر، وقال إنه لن يَخرج للَّعب ذلك الأسبوع. ثم تحدَّث إلى الأولاد جميعِهم حديثًا في غاية الجدِّية بشأن القسوة، وقال: كم هو قاسٍ ووضيعٌ إيذاءُ الضُّعفاء والعاجزين! إلَّا أن ما عَلِق بذهني هو هذه الكلمات، قال إن القسوة هي العلامة المميِّزة للشيطان، وإذا ما رأينا أيَّ أحدٍ يستمتِع بممارسة القسوة فسيُمكننا أن نعرف مِن أتباعِ مَن هو؛ لأن الشيطان كان مُهلِكًا من البداية، وسيظلُّ جالبًا للعذاب حتى النهاية. وعلى العكس من ذلك؛ فأينما نرى من يُحبُّون جيرانهم، ويتعاملون برفقٍ مع البشر والحيوان، يُمكننا أن نعرِف أنَّ تلك هي علامة الرب.»

قال جون: «ما علَّمك مدرسُك شيئًا أصدقَ من ذلك قط؛ فلا دِينَ من دون حُب، وبوُسع الناس أن يتكلموا عن أديانهم بقدْر ما يشاءون، لكنها إن لم تكن تُعلِّمهم أن يُعامِلوا الإنسان والحيوان معاملةً طيبةً كريمةً فإنها محضُ زَيف، محضُ زيفٍ يا جيمس، ولن تصمد عندما تهبُّ رياح التغيير.»

(١٤) جيمس هاورد

في وقتٍ باكرٍ من صباح أحد أيام شهر ديسمبر كان جون قد قادني لتوِّه إلى حظيرتي بعد حصتي اليومية من الرياضة، وكان يشدُّ عليَّ عُدَّتي، وكان جيمس آتيًا من حجرة الحبوب، ومعه بعضُ حبوبِ الشوفان، عندما جاء سيِّدي إلى الإسطبل. كانت ملامحه تبدو جادةً نوعًا ما، وكان في يدِه خطابٌ مفتوح. أغلق جون باب حظيرتي، ومسَّ طرَف قُبَّعتِه مُحييًا سيدَه، ووقف ينتظر الأوامر.

قال سيدي: «صباح الخير يا جون، أريد أن أعرف إن كان لديك أيةُ شكوى من جيمس؟»

«شكوى يا سيدي؟ لا يا سيدي.»

«هل هو مجتهدٌ في عمله، ويتعامَل معك باحترام؟»

«نعم يا سيدي، دائمًا.»

«أما لاحظتَ قبل ذلك قطُّ أنه يُهمل في عمله عندما لا تكون تُراقبه؟»

«مطلقًا يا سيدي.»

«هذا جيد، لكن لا بدَّ لي من طرح سؤالٍ آخر؛ أمَا مِن سببٍ يدعوك للشكِّ في أنه — لدى خروجه بالخيول من أجل ترييضها أو من أجل حمل رسالةٍ ما — ربما يقِفُ للحديث مع معارفه، أو أنه ربما يدخُل إلى منازلَ لا شأنَ له فيها، تاركًا الخيول خارجها؟»

«لا يا سيدي، بالتأكيد لا؛ وإن كان أي أحد يقول ذلك عن جيمس، فإنَّني لا أصدق ما يقول، ولستُ أميلُ إلى تصديقه ما لم أتأكَّد منه تمامًا بشهادة شهود؛ ليس من حقِّي أن أسأل عمَّن يُحاول تشويه سمعة جيمس، لكنني سأقول الآتيَ يا سيدي: إنني ما رافقتُ قبل ذلك قط في هذا الإسطبل شابًّا هو أجدر بالثقة ولا ألطفُ ولا أكثرُ استقامةً وذكاءً من جيمس. إنني أستطيع الوثوق في كلامه كما أستطيع الوثوق في عمله؛ إنه رفيقٌ وماهر في تعامله مع الخيل، وإني لأُفضله هو لكي يتولى مسئوليتها على نِصفِ مَن أعرفهم مِن الشباب مِمن يرتدون القبعات والبزَّات المزركَشة.» وواصلَ جون كلامه وهو يهزُّ رأسه مؤكدًا: «وأيما شخصٍ أراد شهادةً بحُسن سلوك جيمس هاورد فلْيأتِ إلى جون مانلي.»

كان سيدي يقِف طيلةَ هذه المدة مُصغيًا جادَّ الملامح، لكن ما إن أنهى جون كلامَه حتى ارتسمَتْ على مُحيَّاه ابتسامةٌ عريضة، ثم قال وهو ينظُر بعطفٍ إلى جيمس الذي كان يقف طوال ذلك الوقت دون حَراكٍ عند الباب: «جيمس، يا بُني، ضَع حبوب الشوفان على الأرض وتعالَ إلى هنا؛ أنا سعيدٌ جدًّا لأنَّ رأيَ جون في نزاهتك مُتفِقٌ تمامًا مع رأيي.» ثم أردف قائلًا، وهو يبتسِم ابتسامةً طريفة: «إن جون رجلٌ حَذِر، وليس من اليسير دائمًا معرفةُ رأيه في الناس؛ لهذا اعتقدتُ أنَّني لو تناولتُ الأمر بهذه الطريقة فربما يُفصِح عن رأيه، وأتمكن من معرفة ما أردتُه سريعًا؛ والآن إذن لنتحدَّث في العمل؛ معي خطابٌ من شقيق زوجتي السير كليفورد ويليامز، من ضَيْعة كليفورد هول. إنه يُريد مِنِّي أن أجد له سائسًا شابًّا جديرًا بالثقة، يكون في سِنِّ العشرين أو الحادية والعشرين تقريبًا، ويُحسِن أداء عمله. إنَّ صحَّة حُوذيِّه المُسنِّ، الذي يعيش معه منذ ثلاثين سنة، آخِذةٌ في الوهن، وهو يُريد رجلًا يعمل معه ويتعرَّف على أساليبه في العمل، بحيث يكون قادرًا على أن يحلَّ محلَّ الرجل المُسنِّ عندما يُحال إلى التقاعد. وسوف يحصل على ثمانيةَ عشر شلنًا أسبوعيًّا في البداية، وبذلة للإسطبل، وأخرى لقيادة العربة، وغرفة نومٍ فوق مبنى العربات، وصبيٍّ يعمل تحت إمرته. إنَّ السير كليفورد سيدٌ طيب، وإذا ما تمكنتَ من الحصول على الوظيفة فستكون بدايةً جيدةً لك. أنا لا أريد أن أتخلَّى عنك، وإذا ما تركتَنا فإنني أعرف أن جون سوف يفقِد ذراعه اليُمنى في العمل.»

قال جون: «ذلك ما سيحدُث يا سيدي، لكنَّني لن أُعيقَه عن تحقيق ما يطمح لأيِّ سببٍ من الأسباب.»

قال سيدي: «كم تبلُغ من العمر يا جيمس؟»

«سأبلغ التاسعة عشرة في شهر مايو المُقبل يا سيدي.»

«هذه سنٌّ صغيرة؛ ما رأيك يا جون؟»

«في الواقع يا سيدي، هي صغيرة؛ لكنه يُعتمَد عليه كما يُعتمَد على رجل، وهو قويُّ البنية كاملُ النُّضج. ورغم أنه لم يتمرس كثيرًا بقيادة العربات، فإنه يتمتَّع بيدٍ قويةٍ رشيقة وعينٍ لَمَّاحة، وهو حريصٌ للغاية. وأنا متأكد تمامًا أنه لن يتعرَّض أيُّ حصانٍ تحت رعايتِه للضرَر بسبب تقصيرٍ في العناية بأقدامه وحَدواته.»

قال سيدي: «سيكون لتوصيتك أبلغُ الأثر يا جون؛ لأنَّ السير كليفورد يُضيف في حاشية الرسالة قولَه: «لو تمكنتُ من إيجاد رجلٍ تدرَّبَ على يد سائسك جون فسيكون أفضلَ عندي مِن كلِّ مَن عَداه.» إذن، جيمس، بُنيَّ، أمعِن التفكير في الأمر، وتكلَّم مع والدتك في وقت العشاء، ثم أطلِعْني على رغبتك.»

في غضون أيام قليلة بعد هذه المحادثة، تقرر نهائيًّا ذَهابُ جيمس إلى ضيعة كليفورد هول، وذلك خلال شهرٍ أو ستة أسابيع، بحسَبِ ما يُناسب سيِّده، وكان عليه أن يتلقَّى في غضون ذلك كلَّ ما يمكن أن يتلقَّاه من التدريب على قيادة العربات. لم أتعوَّد أن تَخرج العربة بهذه الكثرة قبل ذلك قط؛ فعندما لم تكن سيِّدتي تخرج كان سيِّدي يقود العربة الخفيفة ذات العجَلتَين بنفسه، لكن الآن صِرنا أنا وجينجر نُربَط إلى العربة ويقودها جيمس، سواءٌ كان ذلك من أجل سيِّدي أو الفتاتَين الصغيرتَين، أو لأداء مأمورية. في البداية كان جون يركب معه في مقعد الحُوذي، قائلًا له: افعل كذا وكذا، لكن بعد ذلك كان جون يقود العربة بمُفرده.

ثُم كم كان مُدهشًا عددُ الأماكن التي كان يذهب إليها سيِّدي من المدينة يوم السبت! وما أغرب الشوارع التي سِرنا فيها! لقد كان يحرص على الذهاب إلى محطة القطار في الوقت الذي يكون فيه القطار قادمًا، وفي الوقت الذي كانت تُحاول فيه عربات الأجرة وعربات الركاب وعربات نقل البضائع والحافلات أن تمرَّ جميعها معًا من فوق الجسر؛ كان عبورُ ذلك الجسر يحتاج إلى خيول جيدة وسائقين جيدين عندما كان جرس السكة الحديدية يدقُّ؛ لأنه كان ضيِّقًا، وكان ثمَّة مُنعطَف حادٌّ للغاية يؤدي إلى المحطة، ولم يكن من الصعب على الإطلاق أن يرتطِم عندَه الناس بعضُهم ببعض، إن لم ينتبِهوا ويحافظوا على رِباطة جأشِهم.

(١٥) السائس العجوز

بعد ذلك قرَّر سيدي وسيدتي زيارةَ أصدقاء لهما يعيشون على بُعد حوالي ستةٍ وأربعين ميلًا من بيتنا، وكان على جيمس أن يقود عربتهما. في اليوم الأول سافرنا مسافةَ اثنَين وثلاثين ميلًا. كان يُوجَد بعضُ التلال الطويلة شديدة الانحدار، لكنَّ جيمس كان يقود بحذَرٍ وانتباهٍ شديدَين؛ فلم نُنهَك مُطلقًا. لم ينسَ قطُّ استخدام المِكبَح عند نزولنا من مُنحدَر، ولا أن يتوقَّف عن استخدامه في المكان المناسب. كان يُبقي أقدامنا فوق أكثرِ أجزاء الطريق تمهيدًا، وفي حال كان المُرتفَع طويلًا جدًّا كان يجعل عجلات العربة بعرض الطريق قليلًا؛ حتى لا ترجع إلى الوراء، وكان يمنحنا فرصةً لالْتِقاط أنفاسنا. تساعد كلُّ هذه الأشياء الصغيرة أيَّ حصانٍ مساعدةً كبيرةً جدًّا، وخصوصًا إذا ما أُضيفَ إلى ذلك تلقِّيه لكلماتٍ طيبة.

توقَّفْنا مرةً أو مرَّتَين في الطريق، ووقتَ غروب الشمس بالضَّبط وصَلنا إلى البلدة التي كنَّا سنُمضي فيها تلك الليلة. توقَّفْنا أمام فندق البلدة الرئيسي والذي كان في ساحة السوق؛ كان فندقًا كبيرًا جدًّا، سِرنا بالعربة عبر ممرٍّ تعلوه قنطرةٌ إلى ساحةٍ طويلةٍ، تقَعُ الإسطبلات ومباني العربات في أقصاها. جاء اثنان من سائسي الخيول لأخْذنا؛ كان السائسُ الأول رجلًا لطيفًا نشيطًا قصيرَ القامة، وكانت إحدى رجلَيه معوجَّة، وكان يرتدي صدرية صفراء مخطَّطة، لم أرَ رجلًا قطُّ يفكُّ طقم الفرَس بهذه السرعة الكبيرة التي فكَّه هو بها، ثم قادَني، وهو يربت عليَّ ويُسمِعُني كلماتٍ طيبة، إلى إسطبلٍ طويلٍ به ستة أو ثمانية مَرابط، وحصانان أو ثلاثة أحصنة. أحضر الرجلُ الآخرُ جينجر، ووقف جيمس بجوارنا وهما يُدلِّكان أجسامنا ويُنظِّفاننا.

لم يُنظِّفْني أحدٌ قبل ذلك قطُّ بهذا الرفق البالِغ، ولا تلك السرعة الكبيرة كما فعل هذا الرجل القصير المُسن. وعندما انتهى من عمله اقترَبَ جيمس منِّي، وراح يلمس جسمي، وكأنما كان يظنُّ أنه من غير الممكن أن أكون قد نُظِّفتُ تنظيفًا كاملًا، لكنَّهُ وجد شعر جسمي نظيفًا وناعمًا كالحرير.

قال: «في الواقع، لقد كنتُ أظنُّ أنني سريعٌ للغاية، وأن مُعلِّمي جون أسرع منِّي، لكنك حقًّا تفوقُ كلَّ مَن رأيتُهم على الإطلاق في السرعة والدِّقة في الوقت نفسه.»

قال السائس ذو القامة القصيرة والرِّجْل المعوجَّة: «الممارسةُ تُورِث الإتقانَ، ولو لم تورِثْه لكان ذلك مؤسِفًا؛ أربعون سنة من المُمارسة، ولا إتقان! ها ها! كان سيدعو هذا إلى الرثاء؛ أمَّا فيما يتعلَّق بكوني سريعًا، فليباركك الرب! ليست هذه سوى مسألة تعوُّد، ولو أنك تعوَّدتَ على أن تكون سريعًا فإنَّ الأمر بالسهولة نفسِها فيما لو كنتَ بطيئًا؛ بل إنه أسهل، إنني أؤكد لك ذلك. في الواقع لا يُناسب صِحَّتي أن أتثاقَل في أداء عملٍ ما، ضِعفَيْ ما يحتاجه من الوقت. فليُباركك الرب! لن أشعُر بالسعادة إذا ما أدَّيتُ عملي ببطءٍ كما يفعل بعض الناس! أتعرِف؛ أنا أتعامل مع الخيول مُذ كنتُ في سنِّ الثانيةَ عشرة، في إسطبلات الصَّيد، وفي إسطبلات السباق؛ وعندما كنتُ صغيرًا، أتعرِف؛ ظللتُ سنواتٍ عديدةً خيَّالًا في السباقات؛ لكن في مِضمار سباق جودوود، تعرِف؛ كان العُشب زَلِقًا للغاية، وسقط حصاني المسكين لاركسبر، وانكسرَتْ ركبتي، وهكذا بالطبع لم يَعُد لوجودي نفعٌ هناك. لكنَّني لم أستطِع العيش بعيدًا عن الخيول، بالطبع لم أستطع؛ لهذا أحببتُ الفنادق. وإني لأؤكد لك، إنها لمُتعةٌ خالصة أن يتعامل المرءُ مع حيوانٍ مثل هذا، إنه حصانٌ أصيلٌ حسَنُ السلوك وقد تلقَّى عنايةً جيدة؛ باركك الرب! إن بإمكاني أن أعرف كيف يُعامَل حصانٌ ما. اعهَد إليَّ برعاية أحد الخيول مدةَ عشرين دقيقة، وسوف أُخبرك أيَّ نوعٍ من سائسي الخيول كان يرعاه. انظُر إلى هذا الحصان، إنه لطيفٌ، هادئٌ، ينعطف إلى الجهة التي تريدها تمامًا، ويرفع أقدامه من أجل تنظيفها، أو من أجل أيِّ شيءٍ آخر قد ترغب فيه، ثم إنك ستجِد حصانًا آخرَ غير مُستقر، مُفرِط الحركة، لا يسير في الاتجاه الصحيح، أو يَجفُل من جهةٍ إلى أخرى في مَربطه، ويقذف برأسه عاليًا بمُجرَّد أن تقترِب منه، ويُميل أذنَيه إلى الوراء، ويبدو خائفًا منك؛ وإمَّا أن يتصدَّى لك بعَقِبَيه. يا لها من مخلوقات مسكينة! إنَّني أعرف نَوع المُعاملة التي تلَقَّوها؛ فإذا ما كانوا مفتقِرين إلى الثقة بالنفس فإنَّ هذا يدفَعُهم إلى الإجفال أو التراجُع، وإذا ما كانوا مُفعَمين بالنشاط فإن هذا يجعلهم شَرِسين أو خطِرين! إنَّ طِباعهم تتشكل غالبًا وهم صغار. باركك الرب! إنهم كالأطفال، درِّبْهم على ما ينبغي أن يفعلوه — كما يقول الكتاب المُقدَّس — فمتى كبروا لن يَحيدوا عنه، هذا إذا أُتيحَت لهم الفرصة لذلك.»

قال جيمس: «إنني أُحبُّ الاستماع إلى حديثك، تلك هي الطريقة التي نَلتزمها في ديارنا، في منزل سيدنا.»

«مَن هو سيِّدُك، أيُّها الشاب؟ إن كان السؤال مناسبًا. أعتقد — من خلال ما أراه — أنه سيدٌ جيد.»

قال جيمس: «إنه سكواير جوردن، من عزبة بيرتويك، الواقعة على الجانب الآخر من منطقة بيكون هيلز.»

«نعم! لقد سمعتُ عنه، إنه خبير جيد بالخيول. أليس كذلك؟ وهو أفضلُ فارس في المقاطعة.»

قال جيمس: «أعتقد أنه كذلك، لكنَّه لا يركب الخيل إلَّا قليلًا جدًّا الآن، منذ أن قُتل السيد الصغير المسكين.»

«آه! الفتى المسكين؛ لقد قرأتُ كلَّ شيءٍ عن الأمر في الجريدة آنذاك. لقد قُتِل حصانٌ جيدٌ أيضًا، أليس كذلك؟»

قال جيمس: «بلى، كان مخلوقًا رائعًا، إنه أخو هذا الحصان، وكان مِثله تمامًا.»

قال الرجل العجوز: «يا للأسف! يا للأسف! كان مكانًا سيئًا بالنسبةِ للقفز، على ما أذكُر؛ سياجٌ رقيقٌ في الأعلى، وضفَّة مُنحدِرة مؤدية إلى النهر. أليس كذلك؟ لم يكن باستطاعة أي حصان أن يرى إلى أين هو ذاهب. أنا مع الجرأة في ركوب الخيل بقدْر أيِّ أحد، ولكن تبقى وثَباتٌ لا يحقُّ لأيِّ أحد البتَّةَ أن يُقدِم عليها سوى صيادٍ واسع الخبرة والدراية. إنَّ حياة رجلٍ وحياة حصانٍ أكثرُ قيمةً من ذيلِ ثعلب؛ على أية حال، أؤمن بأنهما ينبغي أن تكونا كذلك.»

في غضون ذلك كان الرجل الآخر قد انتهى من الاعتناء بجينجر وأحضر طعامنا من الذرة، ثم غادر جيمس والرجل المُسنُّ الإسطبل معًا.

(١٦) الحريق

لاحقًا في مساء ذلك اليوم أحضر السائسُ الثاني حصانَ أحد المسافرين. وبينما كان يُنظفه إذ بشابٍّ في فمِه غليون يدخل مُتكاسِلًا إلى الإسطبل من أجل الثرثرة.

قال السائس: «يا تاولَر، اصعَد السُّلمَ إلى الشونة وضَعْ بعض التِّبن في مِذْود هذا الحصان، أيمكنك ذلك؟ فقط دَعْ غليونك جانبًا.»

قال الآخر: «حسنٌ.» وصعد عبْرَ الباب الخفي؛ ثم سمعتُه وهو يمشي على الأرضية التي فوقي ويضع التِّبن. جاء جيمس ليلقيَ علينا نظرةً أخيرة، ثم أُغْلِق البابُ بعد ذلك.

لا أعرف مِقدارَ ما استغرقَني من النوم، ولا في أية ساعةٍ من الليل كنتُ، لكنني استيقظتُ وأنا مُتضايقٌ للغاية، مع أنني لم أكن أعرف السبب. نهضتُ من موضع نومي؛ كان الهواء كلُّه كثيفًا وخانقًا. سمعتُ جينجر وهي تسعَل وكان واحدٌ من الخيول الأخرى عصبيًّا جدًّا؛ كان الظلام مُطبِقًا، ولم أتمكَّن من رؤية أيِّ شيء، لكنْ كان يبدو أنَّ الإسطبل مليءٌ بالدخان، وكنتُ بالكاد أستطيع التنفُّس.

كان الباب الخفيُّ قد تُرك مفتوحًا، فاعتقدتُ أن هذا هو المكان الذي جاء منه الدخان. أصغيتُ، فسمعتُ ضوضاءَ خافتة مُتسارعة وصوتَ طقطقةٍ وفرقعة خافتة. لم أدرِ ما كان هذا، لكن كان ثمَّة شيءٌ غريبٌ جدًّا في الصوت، لدرجة أنه جعل جسمي كلَّه يرتجِف. استيقظَت الخيول الأخرى كلُّها، وكان بعضها يشدُّ رسَنه، والبعض الآخر يخبط أقدامه بعُنف على الأرض.

في النهاية سمعتُ وقْعَ أقدامٍ خارج الإسطبل، اندفعَ على إثره السائسُ، الذي كان قد وفَّر المبيتَ لحصانِ المُسافر، إلى داخل الإسطبل حاملًا فانوسًا في يدِه، وبدأ يفكُّ الخيول، ويحاول أن يَسوقها إلى الخارج، لكنه بدا مُتعجِّلًا جدًّا وخائفًا هو نفسه للغاية لدرجة أنه أخافني أكثرَ ممَّا كنتُ. لم يُذعِن الحصانُ الأول للخروج معه، فحاول مع الثاني والثالث، لكنهما أيضًا لم يتزحزَحا من مكانَيهما. ثم اقترَبَ منِّي بعد ذلك وحاول أن يَجُرَّني خارج المَربط بالقوة؛ لكنَّ هذا لم يُجْدِ نفعًا بالتأكيد. حاول معنا كلنا واحدًا تلوَ الآخر، وبعد ذلك غادر الإسطبل.

لا شكَّ في أنَّنا كنَّا في غاية الحُمق، لكنَّ الخطرَ بدا مُحيطًا بنا من كلِّ جانب، ولم يكن ثمَّةَ مَن نعرفه لكي نثِقَ به، كما أنَّ كلَّ شيءٍ كان غريبًا وغيرَ مُتيقَّن. جعل الهواءُ النقي القادِم من الباب المفتوح عمليةَ التنفُّس أيسَر، لكنَّ الصوت المُتسارع فوقَنا أخذ يرتفع. وعندما نظرتُ نحوَ الأعلى عبر القضبان القائمة على جانب مِذْودي الفارغ من الطعام رأيتُ ضوءًا أحمر يُومِض على الحائط. ثم سمعتُ صائحًا في الخارج يقول: «حريق!» فأتى السائس المُسنُّ إلى الإسطبل بهدوءٍ وسرعةٍ، وأخذ أحد الخيول إلى الخارج، ثم توجَّه إلى الآخر، لكنَّ ألْسِنة اللهب كانت تتراقص حول الباب الخفي، كما كانت الجلَبة فوقَنا مروِّعة.

أمَّا ما سمعتُه بعد ذلك فكان صوتَ جيمس، هادئًا ومرحًا، كعادته دائمًا.

قال: «تعالَيَا يا حِصانيَّ الجميلَين، لقد حان موعد رحيلِنا، فاستفيقا إذن واتْبَعاني.» كنتُ أقربَ واقفٍ إلى الباب؛ لذا أتى إليَّ أولًا، وراح يربتُ عليَّ عندما اقترب منِّي.

«تعالَ يا بيوتي، دعْني أمسك بلِجامِكَ يا بُني، سوف نَخرج من هذا الدُّخان الخانق سريعًا.» على الفور أمسك جيمس باللِّجام، ثم خلع الوِشاح من على رقبته وربطَه برفقٍ على عينَيَّ، وقادَني إلى خارج الإسطبل وهو يربتُ عليَّ ويُلاطِفني. وبعد أن أصبَحنا في أمانٍ في الفِناء، نزع الوشاح بسُرعة من على عيني، وصاح: «فليأتِ أحدٌ إلى هنا! خذوا هذا الحصان ريثما أعود لإحضار الأخرى.»

تقدَّم رجلٌ عريضُ الكتِفَين طويلُ القامة إلى الأمام وأخذَني، وانطلق جيمس عائدًا إلى الإسطبل. وعندما رأيتُه يذهب أطلقتُ صهيلًا حادًّا. أخبرَتْني جينجر فيما بعد أن هذا الصهيل كان أفضلَ شيءٍ يُمكن أن أفعلَه من أجلها؛ لأنها لو لم تسمَعْني بالخارج لما جرُؤَتْ على الخروج مُطلقًا.

كان الفِناء يموج بقدرٍ كبيرٍ من الفوضى؛ كان الناس يُخرِجون الخيول من الإسطبلات الأخرى، ويسحَبون العربات رُباعية العجلات والعرباتِ الخفيفةَ ذات العجَلتَين إلى خارج المقرَّات والحظائر؛ خشية أن تنتشر ألْسِنة اللهب أكثر. أما في الجانب الآخر فكانت نوافذ الفِناء مُفتَّحة، وكان الناس يصيحون بكلامٍ شتَّى؛ لكنَّني أبقيتُ عينيَّ مُثبَّتةً على باب الإسطبل، حيث اندفع الدُّخان إلى الخارج أكثفَ من أيِّ وقتٍ مضى، واستطعتُ أن أرى ومضاتٍ من ضوءٍ أحمر، وسُرعان ما سمعتُ من بين كلِّ الاضطراب والضجيج صوتًا جَهوريًّا واضحًا، عرَفتُ أنه صوت سيدي، يقول:

«جيمس هاورد! جيمس هاورد! هل أنت هناك؟» لم يُجب أحدٌ، لكني سمعتُ صوتَ ارتطامِ شيءٍ يسقط في الإسطبل. وفي اللحظة التالية صهَلتُ صهيلًا عاليًا فرِحًا، حيث رأيتُ جيمس وهو قادمٌ يشقُّ الدُّخانَ ويقودُ جينجر معه؛ كانت تسعلُ سُعالًا حادًّا، أما هو فكان عاجزًا عن الكلام.

قال سيدي، وهو يضع يدَه على كتفِه: «فتايَ الشجاع! هل أُصبت؟»

هزَّ جيمس رأسه بالنَّفي؛ إذ لم يكن باستطاعته الكلامَ بعد.

قال الرجل الضخم الذي كان يُمسكني: «نعم، إنه فتًى شجاع من غير ريب.»

قال سيدي: «والآن، عندما تلتقِط أنفاسك يا جيمس، سوف نَخرج من هذا المكان بأقصى سرعةٍ ممكِنة.» وتحرَّكنا باتجاه المدخل، حينئذٍ سمِعْنا من جهة ساحة السوق صوتَ أقدامِ فرسٍ يَعْدو وعجَلاتِ عربةٍ تُدوِّي عاليًا.

صاح صوتان أو ثلاثة: «إنها عرَبة الإطفاء! عربة الإطفاء! تراجَعوا، أفسِحوا الطريق!» وانطلق إلى داخل الفِناء حِصانان يُقرقِعان ويُدَوِّي وقعُ حوافرهما فوق الحصى، وخلفهما عربة إطفاء ضخمة. قفز رجال الإطفاء إلى الأرض، ولم يكونوا بحاجةٍ إلى السؤال عن مكان النيران؛ فقد كان لهيبها الهائلُ يتصاعد من السطح.

خرَجنا بأقصى ما استطعْنا من سرعة إلى ساحة السوق الواسعة الهادئة، كانت النجوم تلمع، وباستثناء الضجيج الذي خلْفَنا، كان كلُّ شيءٍ هادئًا. قادنا سيدي إلى فُندقٍ كبيرٍ في الناحية الأخرى، وحالما جاء السائس قال سيدي: «جيمس، لا بدَّ من أن أُسرع الآن إلى سيدتك؛ إنني أضع الحصانين في عُهدتك كليةً، فاطلب ما تراه ضروريًّا.» وبعد هذه الكلمات غادَر. لم يجرِ سيدي، لكنَّني لم أرَ قطُّ رجلًا يمشي بهذه السرعة التي مشى بها تلك الليلة.

كان ثمَّة صوتٌ رهيب قبلَ أن ندخل إلى مَرابطنا؛ صرخات تلك الخيول المسكينة التي تُرِكَت لتحترِق حتى الموتِ في الإسطبل، كان صوتًا مُخيفًا للغاية! لقد جعَلني أنا وجينجر نشعُر باستياءٍ كبير. لكننا أُدخِلنا إلى الإسطبل، واعتُني بنا جيدًا.

في صباح اليوم التالي جاء سيدي ليتفقَّد حالنا ويتكلم مع جيمس. لم أسمع الكثير؛ لأن السائس كان يُدلكني، لكنَّني استطعتُ أن أرى أنَّ جيمس كان يبدو سعيدًا للغاية، واعتقدتُ أن سيدي كان فخورًا به. كانت سيِّدتي فزِعةً للغاية أثناء الليل، لدرجة أنَّ الرحلة أُجِّلتْ إلى وقت ما بعد الظهر، وبهذا كان جيمس حُرَّ التصرُّف أثناء فترة الصباح، فذهب أولًا إلى النُّزل لينظُر في أمر العربة وأطقم قيادتنا، ثم بعد ذلك ذهب ليعرِف المزيد بشأن الحريق. عندما عاد سمِعناه وهو يُخبر السائس عنه. في بداية الأمر لم يستطع أحدٌ أن يُخمِّن سبب الحريق، لكنَّ واحدًا من الناس قال في النهاية إنه رأى دِك تاولَر يدخُل إلى الإسطبل وفي فمِه غليون، وعندما خرج لم يكن معه، وإنه ذهب إلى الحانة من أجل الحصول على واحدٍ آخر. بعد ذلك قال السائس التابع إنه طلب من دِك الصعودَ على السُّلَّم لكي يضع بعض التِّبن للحصان، لكنه طلب منه أن يضع غليونه جانبًا أولًا. أنكر دِك أن يكون قد أخذ الغليون معه، لكن لم يُصدِّقْه أحد. إنَّني أذكر قاعدة سائسنا جون مانلي؛ وهي عدَم السماح بدخول الغليون إلى الإسطبل مُطلقًا، واعتقدتُ أنه ينبغي تعميمها في كل مكان.

قال جيمس إنَّ كلًّا من السَّقف والأرضية قد انهارا، وإنه لم يَبقَ قائمًا سوى الجدران السوداء، أما الحصانان المِسكينان اللَّذان لم يتَسنَّ إخراجُهما فدُفِنا تحت القرميد والعوارض الخشبية المُحترِقة.

(١٧) حديث جون مانلي

كانت بقية رحلتنا سهلةً للغاية، وبعد غروب الشمس بقليلٍ وصلنا إلى منزل صديق سيدنا. وهناك أُخِذْنا إلى إسطبلٍ نظيفٍ ودافئ، وكان ثمَّة حُوذيٌّ طيبٌ جعلَنا مرتاحين للغاية، كما بدا أنه بدأ يُقدِّر جيمس جدًّا عندما سمع بأمر الحريق.

قال الحُوذي: «ثمة أمرٌ واضحٌ جدًّا أيُّها الشاب، إنَّ خيولك تعرِف مَن الذي يُمكنها الوثوق فيه؛ إنَّ من أصعب الأشياء على الإطلاق إخراجَ الخيول من إسطبلٍ عند وقوع حريق أو فيَضان. لا أعرِف لماذا لا يخرجون، لكنهم لن يفعلوا؛ ولا بنسبة واحدٍ من بين كلِّ عشرين.»

بقينا يومَين أو ثلاثةً في هذا المكان، ثم عُدنا إلى البيت. جرى كل شيءٍ على ما يُرام في رحلتنا، وكنَّا سُعداء بعودتنا إلى إسطبلنا مرةً ثانية، وكان جون سعيدًا كذلك لرؤيتنا.

قبل أن يتركنا هو وجيمس لنقضيَ ليلتنا، قال جيمس: «أتساءل من سيأخُذ مكاني.»

قال جون: «جو جرين الصغير الذي يُقيم في الكوخ.»

«جو جرين الصغير! يا إلهي، إنه طفل!»

قال جون: «لقد بلغ أربعة عشر عامًا ونصف العام.»

«لكنَّه غلامٌ صغيرٌ جدًّا!»

«نعم، إنه صغير، لكنه سريع التعلُّم ومُستعدٌّ للعمل، وهو طيب القلب كذلك، ثم إنه يرغَب بشدَّة في المجيء إلى هنا، ووالده يُريد ذلك، وأنا أعرف أن سيِّدي يُحب أن يمنحه الفرصة. لقد قال إنني إذا ما ارتأيتُ أنه لن يصلُح فسيبحث عن ولدٍ أكبرَ منه، ولكني قلتُ إنَّني مستعدٌّ تمامًا للموافقة على تجرِبته مدَّةَ ستة أسابيع.»

قال جيمس: «ستة أسابيع! يا إلهي، سوف تمرُّ ستةُ أشهر قبل أن تكون له فائدةٌ تُذكَر! سوف يتطلَّب منك هذا قدرًا كبيرًا من العمل يا جون.»

قال جون ضاحكًا: «في الواقع يا جون، أنا والعمل صديقان جيدان جدًّا؛ فأنا لم أخَف قطُّ من العمل إلى الآن.»

قال جيمس: «أنت رجلٌ طيبٌ جدًّا، أتمنَّى أن أكون مثلك يومًا.»

قال جون: «أنا لا أُكثِر من الحديث عن نفسي، لكنْ ما دُمتَ ستُغادرنا إلى العالم الخارجي لكي تعتمد على نفسك فسأخبرك فقط كيف أنظر إلى هذه الأشياء؛ لقد كنتُ في عُمر جوزيف تمامًا عندما تُوُفِّي والدي ووالدتي بسبب الحُمَّى، ولم يَفصل بين وفاة أحدهما ووفاة الآخر سوى عشَرة أيام، وترَكاني أنا وأختي الْمُقعَدة نيللي وحيدَيْن في الدنيا من دون قريبٍ يُمكننا أن نلجأ إليه ليساعدنا. لقد كنتُ صبيًّا صغيرًا أعمل عند أحد المزارعين، وما كنتُ أكسب ما يكفي لأن يسُدَّ رمقي، وبالطبع لم يكن يَكفينا نحن الاثنين، وكانتْ ستذهب إلى الملجأ لا محالة لولا أن تدخَّلتْ سيدتي (تدعوها نيللي مَلاكها، وهي مُحِقَّةً جدًّا في هذا). لقد استأجرتْ لها غرفةً عند الأرملة العجوز ماليت، كما وفَّرتْ لها عملًا في الحياكة والتطريز عندما أصبحتْ قادرةً عليه؛ وعندما كانت مريضةً أرسلَت لها وجباتِ عشاء وكثيرًا من الأشياء اللطيفة المُريحة، وكانت لها كالأم. ثم أخذَني سيِّدي للعمل في الإسطبل تحت إمرة العجوز نورمان؛ الحُوذي الذي كان يعمل هنا حِينها. لقد حصلتُ على طعامي في المنزل، وحصلتُ على فراشي في العِلية، كما حصلتُ على مجموعة من الملابس وثلاثة شلنات في الأسبوع؛ لكي أتمكنَ من مساعدة نيللي. أما عن نورمان؛ فلقد كان بإمكانه أن يكون ردُّه أنه لن يستطيع في سِنِّه تلك أن يُثقِل كاهلَه بفتًى عديم الخبرة كان يعمل في الحقول مثلي، لكنه كان بمثابة الأب لي، ولم يدَّخِر وُسعًا معي. وعندما تُوفِّي الرجل المُسنُّ بعد بضع سنوات أخذتُ أنا مكانه، والآن أتقاضى بالطبع أعلى الأجور، وأستطيع أن أدَّخِر لأيام الشِّدَّة أو أيام الرخاء؛ إذ قد تأتي. أما نيللي فهي سعيدةٌ سعادةَ الطائر الغريد. وهكذا كما ترى يا جيمس، أنا لستُ بالرجل الذي يشمخ بأنفه تكبُّرًا على فتًى صغيرٍ أو يُناكد سيدًا صالحًا طيبًا. لا، لا! سوف أفتقدك كثيرًا يا جيمس، لكنَّنا سنجتاز هذه المرحلة الصعبة بنجاح، وما مِن شيءٍ يُعادل عملَ الخير عندما يُوضع في طريقك، وأنا سعيدٌ أنَّني أستطيع أن أعمله.»

قال جيمس: «إذن، أنت لا تُوافق على المَثل القائل: «ليعتنِ كل واحدٍ بنفسه، وليُقدِّم مصلحته على مصالح الآخرين»؟»

قال جون وهو يهزُّ رأسه مؤكدًا بقوة: «بالتأكيد لا أوافق عليه. وإلَّا فإلى أيِّ مكانٍ كنتُ سأصير أنا ونيللي لو كان سيِّدي وسيِّدتي والعجوز نورمان لم يهتمُّوا سوى بمصلحتهم؟ يا إلهي، كانت ستُصبح في الملجأ وأنا أعزق اللِّفت! أين كان سيُصبح بلاك بيوتي وجينجر لو كنتَ فكرتَ أنت في مصلحتك فقط؟ يا إلهي، كانا سيشويان حتى الموت! لا يا جيم، لا! هذه مقولةٌ أنانيةٌ همَجية، أيًّا كان مَن يستخدمها؛ وأيُّ رجل يعتقد أنه ليس عليه سوى أن يهتمَّ بمصلحته فقط، يا إلهي؛ فإن من المؤسف أنه لم يُغرِقه أحدٌ ما قبل أن يفتح عينَيه على الدُّنيا، مِثلما يُغرِقون الجِراءَ أو القططَ الصغيرة. هذا هو ما أعتقده.»

ضحك جيمس من هذا القول، لكنه قال بعدها بصوتٍ مُتهدِّج: «لقد كنتَ أعزَّ صديقٍ عندي باستثناء والدتي؛ آمُل ألَّا تنساني.»

قال جون: «لن أنساك، أيُّها الفتى، لن أنساك! وإذا كان ثمَّة يومًا ما شيءٌ أستطيع أن أُقدِّمه لك فآمُل ألَّا تنساني كذلك.»

في اليوم التالي جاء جو إلى الإسطبلات؛ كي يتعلَّم كلَّ ما يمكنه تعلُّمُه قبل رحيل جيمس. تعلمَ كنْسَ الإسطبل، وإحضار القشِّ والتِّبن؛ وبدأ يُنظف أطقم قيادة الخيول، كما ساعد في غسيل العربات. وحيث إنه كان قصيرًا جدًّا على فعل أيِّ شيءٍ فيما يخصُّ العناية بي أنا وجينجر، فقد استعان جيمس بميريليجز في تعليمه؛ إذ كان عليه أن يتولَّى رعايته كاملةً، تحت إشراف جون. كان صبيًّا لطيفًا مُتَّقِد الذكاء، ودائمًا ما كان يأتي إلى عمله وهو يُصفِّر بفمه.

كان ميريليجز مُستاءً للغاية من تعرُّضه لما وَصَفَه بأنه: «معاملة خشِنة من صبيٍّ لا يعرف شيئًا.» لكنه أسرَّ إليَّ قُرب نهاية الأسبوع الثاني أنه يَظنُّ أنَّ الصبي سوف ينتهي به الأمر إلى أن يصير جيدًا.

أخيرًا جاء اليوم الذي فارقَنا فيه جيمس؛ كان بشوشًا كما كان حاله دومًا، ومع ذلك بدا حزينًا جدًّا في صباح ذلك اليوم.

قال لجون: «أتعرِف! أنا راحلٌ وسأترك ورائي الكثير؛ أمي وبيتسي، وأنت، وسيدي وسيدتي، ثم هذه الخيول وحِصاني العجوز ميريليجز. لن يكون ثمةَ مخلوقٌ أعرِفه في المكان الجديد. ولولا أنني سأحصل على وظيفة أعلى، وسأصبح قادرًا على مساعدة أمِّي بصورةٍ أفضل، لما كنتُ قررتُ عمل هذا فيما أظن، إنه مأزقٌ حقيقيٌّ يا جون.»

«نعم يا جيمس، إنه كذلك يا بني؛ لكنني ما كنتُ لأُقدِّرك لو كنتَ استطعتَ أن تُغادر بيتك للمرة الأُولى دون أن تشعُر بهذا الشعور. هوِّن عليك؛ فسوف يكون لك أصدقاء هناك، وإذا ما نجحتَ في عملك، وأنا واثقٌ أنك ستفعل، فسيكون هذا رائعًا بالنسبة لوالدتك، وستكون فخورةً جدًّا أنك وصلتَ إلى وظيفة جيدة كتلك.»

وهكذا خفَّف جون من همومه، لكنَّ الجميع كان آسِفًا على فُقدان جيمس؛ أما ميريليجز، فظلَّ حزينًا عليه أيامًا عديدةً، وفقَد شهيته للطعام تمامًا؛ لهذا أخرجه جون معه عدةَ أيامٍ بعِنان من أعِنَّة القيادة، عندما كان يُخرجني ليُريِّضني، وقد رفعَ الخبَبُ والعدْوُ إلى جواري معنوياتِ رفيقي الحبيب مرةً أخرى، وتعافى خلال مدةٍ قصيرةٍ.

كثيرًا ما كان والد جو يأتي إلى الإسطبل، ويُقدِّم قليلًا من المساعدة؛ لأنه كان يفهم طبيعة العمل، وقد بذل جو جهدًا كبيرًا من أجل التعلُّم، وكان جون متحمسًا له جدًّا.

(١٨) الذهاب إلى الطبيب

في إحدى الليالي، بعد أيامٍ قليلة من رحيل جيمس، كنتُ قد تناولتُ طعامي من التِّبن، واستلقيتُ فوق القشِّ ونمتُ سريعًا، ولكنِّي استيقظتُ فجأةً على صوت جرس الإسطبل وهو يدقُّ عاليًا جدًّا، ثم سمعتُ باب منزل جون ينفتح، وسمعتُ وقْع أقدامه وهو يَجري صَوب الفناء. لكنه ما لبِث أن عاد مرةً أخرى، وفتح باب الإسطبل، ودخَل وهو يُناديني: «استيقِظ يا بيوتي! يجِب أنْ تعدوَ الآن كأحسنِ ما في وُسعك.» وحتى قبل أن أستطيع التفكير كان قد وضَع السرج على ظهري واللجامَ في رأسي. بعد هذا أخذ يتلفَّت حوله باحثًا عن معطفه، ثم جعلني أخبُّ سريعًا إلى باب الفناء. كان السكواير واقفًا هناك وفي يدِه مصباح.

قال سيدي: «والآن يا جون، قُد لإنقاذ حياتك … أعني، لإنقاذ حياة سيِّدتك؛ ليس لدَينا دقيقة واحدة نضيعها. أعطِ الطبيب وايت هذه الرسالة؛ وامنح حصانَك قسطًا من الراحة في النُّزُل، وعُد في أسرع وقتٍ ممكن.»

قال جون: «سمعًا وطاعةً، يا سيدي»، وفي لحظة واحدة كان مُمتطيًا ظهري. كان البستاني الذي يعيش في الكوخ قد سمِع دقَّات الجرس، فأسرع بفتح البوابة، وانطلقنا بعيدًا عبر العزبة، ثم عبر القرية، ثم نزولًا على التلَّة، حتى وصلْنا إلى بوابة تحصيل رسوم المرور. نادى جون بصوتٍ عالٍ جدًّا، وراح يضرب على الباب بقوَّة، فخرج الرجل على الفور وفتح البوابة بقوة.

قال جون: «والآن، هلَّا أبقيتَ البوابة مفتوحةً من أجل الطبيب! ها هو المال.» ثم انطلق ثانيةً.

كان أمامنا جزءٌ طويلٌ مستوٍ من الطريق على جانب النهر، فقال لي جون: «والآن يا بيوتي، ابذل قصارى جهدك.» وهذا ما فعلتُه؛ لم أحتَجْ لسوطٍ ولا مِهماز، وعدوتُ مسافةَ ميلَين بأسرعِ ما أمكنني أن أضع أقدامي على الأرض؛ لا أعتقد أن جدي الأكبر الذي فاز بالسباق في مضمار مدينة نيوماركِت كان يمكن أن يجريَ أسرع منِّي. عندما وصَلْنا إلى الجسر أوقَفَني جون قليلًا وربتَ على رقبتي. وقال: «أحسنتَ يا بيوتي! يا رفيقي القديم الطيب.» كان سيسمح لي بإبطاء سُرعتي، لكنَّ هِمَّتي كانت عاليةً، فانطلَقتُ مرةً أخرى بالسرعة التي كنتُ أجري بها من قبل. كان الهواءُ باردًا كالصقيع، وكان القمرُ مُنيرًا؛ كان رائعًا للغاية. مرَرْنا عبر إحدى القرى، ثم عبر غابةٍ مُظلمةٍ، ثم صعدْنا تلةً، ثم هبَطنا عنها، حتى وصلْنا إلى البلدة بعد ثمانية أميالٍ من الجري، فسِرْنا خلال الطُّرقات ومنها إلى ساحة السوق. كانت الساحة ساكنةً تمامًا إلَّا مِن طقطقةِ أقدامي فوق الحصى؛ إذ كان الجميعُ نائمين. دقَّتْ ساعةُ الكنيسة الثالثةَ عندما توقَّفْنا أمام باب منزل الدكتور وايت. قرَعَ جون الجرسَ مرَّتَين، ثم راح يطرُق الباب مثل الرعد. فُتِحتْ نافذةٌ على مصراعيها، وأخرج الدكتور وايت رأسه منها، وكان يرتدي قلَنْسوة النوم، وقال: «ماذا تريد؟»

«زوجة السيد جوردن مريضةٌ جدًّا يا سيدي، وهو يُريدك أن تأتي في الحال؛ إنه يعتقد أنها ستَموت إذا لم تتمكَّن من الوصول إلى هناك. ها هي رسالةٌ منه.»

قال الطبيب: «انتظِر، سوف آتي معك.»

وأغلق النافذة، وسريعًا ما كان عند الباب.

وقال: «إن أسوأ ما في الأمر أن حِصاني ظلَّ خارج البيت طوال اليوم وهو مُنهَكٌ للغاية، كما أن ابني قد استُدعِيَ لتوِّه في أمرٍ ما، وأخذ الحصان الآخر. ما العمل؟ هل يمكنني أن آخذ حصانك؟»

«لقد جاء إلى هنا عدْوًا طوال الطريق تقريبًا يا سيدي، وكنتُ سأمنحه قسطًا من الراحة هنا؛ لكنْ أعتقد أن سيدي لن يُمانع، ما دمتَ ترى هذا مناسبًا يا سيدي.»

قال الطبيب: «حسنٌ، سأكون مستعدًّا بعد قليل.»

وقف جون إلى جواري وراح يربتُ على رقبتي؛ كانت حرارة جسمي عاليةً جدًّا. خرج الطبيب إلينا ومعه سوط الركوب.

قال جون: «لن تحتاج إلى هذا يا سيدي؛ فإن بلاك بيوتي سوف يَجري حتى آخر نَفَسٍ لديه. اعتنِ به يا سيدي، إن أمكن؛ فأنا لا أُحبُّ أن يُصيبه أيُّ مكروه.»

قال الطبيب: «لا، لا يا جون، أرجو ألَّا يَحدث هذا.» وفي لحظة كنا قد ترَكنا جون بعيدًا خلفَنا.

لن أحكيَ عن رحلة عودتنا. كان الطبيب أثقلَ وزنًا من جون، كما لم يكن بالراكب الشديد البراعة؛ ورغم هذا فقد بذلتُ قصارى جهدي. كان عاملُ بوابة جمع الرسوم قد ترك البوابة مفتوحة. وعندما وصلنا إلى التلَّة أوقفَني الطبيب. وقال: «والآن يا رفيقي الطيب، الْتَقِط أنفاسك.» سعدتُ جدًّا لأنه فعل هذا، حيث إن قُواي كانت قد أُنهِكَت تقريبًا، لكنَّ هذه الاستراحة القصيرة ساعدَتْني على استكمال رحلتي، وخلال وقتٍ قصيرٍ كنا قد وصلنا إلى العزبة. كان جو واقفًا عند البوابة التي بجوار الكوخ؛ وكان سيِّدي عند باب الفناء؛ لأنه سمِعَنا ونحن قادمان. لم يَنبس بكلمة؛ ودخل الطبيبُ معه إلى المنزل، وقادني جو إلى الإسطبل. كنتُ سعيدًا بالعودة إلى البيت؛ كانتْ أرجُلي ترتعِش من تحتي، ولم يكن بوُسعي سوى الوقوف واللَّهاث. لم تكن في جسمي شعرةٌ واحدةٌ جافة، كان الماء يَسيل على أرجلي، وكان كلُّ جزء منِّي يُصدِر بُخارًا، مثل إناء موضوع على النار، مثلما اعتاد جو أن يقول. جو المسكينٌ! كان صغيرَ السنِّ والحجم، ولم يكن يعرف حتى ذلك الوقت سوى أقلِّ القليل، كما أنَّ والده — الذي كان يمكن أن يساعده — كان قد أُرسِل إلى القرية المجاورة، لكنني على يقينٍ أنه فعَل أفضل ما كان يعرفه؛ دَلَّك أرجُلي وصدري، لكنه لم يضعْ عليَّ غطائي الذي يُدفِئني؛ إذ ظنَّ أن حرارة جسمي عاليةٌ جدًّا وأني لن أتحمَّلَه. ثم أعطاني دلوًا مليئًا بالماء لأشرَبه؛ كان باردًا وجيدًا جدًّا، فشربتُه كلَّه، ثم أعطاني بعض التِّبن وبعض الذرة، وغادرَ الإسطبل، وهو يظنُّ أنه قد فعل الصواب. لكنَّني سرعان ما بدأتُ أرتعِش وأرتجِف، واستحالتْ حرارة جسمي إلى بُرودةٍ قاتلة؛ بدأتْ أرجُلي تؤلِمني وكذلك خاصِرتاي وصدري، وشعرتُ بوجعٍ في جسمي كله. أوه! كم كنتُ أتُوق إلى غطائي السميك الدافئ وأنا واقفٌ أرتجِف! تمنَّيتُ أن يكون جون موجودًا، لكنْ كان أمامه ثمانية أميالٍ من المشي؛ لذا رقدتُ على فراشي المصنوع من القشِّ وحاولتُ أن أنام. بعد مدةٍ طويلةٍ سمعتُ صوتَ جون عند الباب؛ فأطلقتُ أنَّةً ضعيفةً؛ لأنني كنتُ في ألمٍ شديد. وعلى الفور، كان إلى جانبي وجلس مُنحنيًا بجواري. لم أستطِع إخباره بما كنتُ أشعُر به، لكنْ بدا عليه أنه عرَفه كلَّه؛ فغطَّاني بغطاءَين للتدفئة أو ثلاثة، ثُم أسرع إلى المنزل لإحضار بعض الماء الساخن؛ وصنع لي بعضًا من حساء الشعير الدافئ، فشربتُه، وأظنُّ أني نمتُ بعد ذلك.

يبدو أن جون كان مُستاءً للغاية. وسمعتُه يقول لنفسه مِرارًا: «ولدٌ غبي! ولدٌ غبي! لم يُوضَع عليه غطاء، وأغلب الظنِّ أن الماء كان باردًا أيضًا؛ إن الصِّبْية عديمو الجدوى.» لكنَّ جو كان ولدًا طيبًا رغم كل ذلك.

مرضتُ جدًّا في ذلك الوقت؛ إذ أُصيبت رئتاي بالتهابٍ شديد، ولم أستطع أن أتنفَّس من دون أن أشعُر بالألم. ظلَّ جون يرعاني ليلَ نهار؛ فكان يستيقِظ أثناء الليل مرَّتَين أو ثلاثة ليأتيَ إليَّ. وكثيرًا ما كان سيِّدي هو الآخر يأتي ليراني. قال لي يومًا: «بيوتي المسكين، يا حصاني الطيب، لقد أنقذتَ حياةَ سيدتك يا بيوتي؛ أجل، لقد أنقذتَ حياتها.» سعدتُ للغاية بسماع هذا الكلام؛ لأنه يبدو أن الطبيب كان قد قال إنَّنا لو كنا تأخَّرنا قليلًا لكان الأوان قد فات. قال جون لسيِّدي إنه لم يرَ في حياته قطُّ حصانًا يجري بهذه السرعة. وإنه بدا له وكأنَّ الحصان كان يعرِف بالأمر. بالطبع كنتُ أعرف، لكنَّ جون لم يكن يعلم بهذا؛ على الأقل كنتُ أعرف أنه كان عليَّ أنا وجون أن ننطلِق بأقصى سُرعة لدَينا، وأن هذا كان من أجل سيدتِنا.

(١٩) محض جهل

لا أدري كم طالتْ فترةُ مرَضي. كان السيد بوند، طبيبُ الخيول، يأتي كل يوم. وذات يومٍ أجرى لي فَصْدًا؛ كان جون يُمسِكُ دلوًا من أجل الدم. وقد أُصِبت بعدَها بُدوارٍ شديد وظننتُ أني سأموت، وأعتقِد أنهم جميعًا ظنُّوا ذلك أيضًا.

نُقِلتْ جينجر ومعها ميريليجز إلى الإسطبل الآخر لكي أبقى هادئًا؛ لأن الحُمَّى جعلتْ أُذنيَّ مُرهَفتَين للغاية، فكان أيُّ صوتٍ خافتٍ يبدو لي عاليًا جدًّا، وكنتُ أستطيع معرفة وقْعِ أقدام كل شخصٍ داخلٍ إلى المنزل أو خارجٍ منه. كنتُ واعيًا بكل ما كان يجري. ذات ليلةٍ كان على جون أن يَسقيَني علاجًا، فأتى توماس جرين لمُساعدته. بعدما تناولتُه وبعدما بذَل جون ما أمكنه من أجل راحتي قال إنه سينتظر نصف ساعة ليرى تأثيرَ العلاج. قال توماس إنه سيبقى معه، وهكذا ذهبا للجلوس على مقعدٍ طويلٍ كان قد أُتي به إلى مربط ميريليجز، ووَضعا الفانوس عند أقدامهما؛ حتى لا أنزعج من الضوء.

للحظةٍ جلس الرجُلان صامِتَيْن، ثم قال توم جرين بصوتٍ خافت:

«أرجو يا جون أن تقول كلمةً طيبةً لجو؛ إنَّ الصبيَّ منفطِر القلب جدًّا؛ إنه لا يستطيع تناول طعامه، ولا يستطيع أن يبتسِم. يقول إنه يعلم أنَّ الأمر كله كان خطأَه هو، رغم أنه متأكدٌ أنه فعل أفضل ما كان يعرف، ويقول إنه إن مات بيوتي فلن يُكلِّمه أيُّ أحد بعد ذلك أبدًا. لقد نفَذ كلامُه إلى قلبي. أرى أن تُطيِّب خاطره ولو بمجرَّد كلمة؛ إنه ليس ولدًا سيئًا.»

بعد قليلٍ من الصمت قال جون في بطء: «لا تُبالغ في القسوة عليَّ هكذا، يا توم. أعرف أنه لم يَقصد إلحاق أيِّ أذًى، ولم أقل مُطلقًا إنه كان يقصد، وأنا أعرف أنه ليس صبيًّا سيئًا. ولكنَّني أشعُر بالأسى؛ فهذا الحصان مفخرتي، ناهيك عن كونه أثيرًا للغاية عند سيِّدي وسيِّدتي، وإن التفكير في أن حياته قد تُهْدَر بهذه الطريقة لهُو أكثر مما أستطيع تحمُّلَه! لكنْ إذا كنتَ ترى أني قسوتُ على الصبي فسأحاول أن أُطيِّبَ خاطرَه غدًا؛ بعبارة أخرى، أقصد إذا تحسَّنَتْ صحَّة بيوتي.»

«حسنٌ يا جون، شكرًا لك. كنتُ أعرف أنك لم تكن ترغب في أن تقسُوَ أكثرَ ممَّا ينبغي، وأنا سعيدٌ بأنك تَعي أن الأمر كان محضَ جهل.»

كاد صوتُ جون يجعلني أجفل عندما أجاب قائلًا:

«محض جهل! محض جهل! كيف لك أن تقول إنه محض جهل؟! ألا تعلم أنه أسوأ شيءٍ على الإطلاق، بعد ارتكاب الشر؟ والربُّ وحدَه يعلم أيُّهما الأكثر تسبُّبًا في الأذى. إذا كان بمقدور الناس أن يقولوا: «أوه! لم أكن أعرف، لم أكن أقصد أيَّ أذًى!» فإنهم يظنُّون أن كل شيءٍ على ما يُرام. أعتقد أن مارثا مولووش لم تكن تقصد أن تقتُل ذلك الرضيعَ عندما أعطَتْه جرعةً من عقار دالبي الطارد للريح من الأمعاء ومن الأشرِبة المُهدِّئة؛ لكنها قتلَتْه بالفعل، وقد حُوكِمتْ بتُهمة القتل الخطأ.»

قال توم: «وقد نالت ما تستحقُّه كذلك. ينبغي للمرأة ألَّا تُقدِم على علاجِ طفلٍ صغيرٍ ضعيفٍ دون أن تعرِف ما يُفيده وما يَضرُّه.»

واصل جون كلامه قائلًا: «بيل ستاركي، لم يكن يقصد إيقاعَ أخيه في نَوبات من الرُّعب عندما تظاهَرَ أنه شبَح، وأخذ يُطارده في ضوء القمر؛ لكنه فعل. والنتيجة أن ذلك الفتى الذكي الوسيم، الذي كان من الممكن أن يكون مَبعث فخر أيَّةِ أمٍّ يكاد أن يكون أحمقَ، ولن يكون مَبعَث أيِّ فخر أبدًا، إذا ما عاش حتى يُدرك سنَّ الثامنة عشرة. أنتَ نفسك يا توم، كنتَ في كربٍ شديد منذ أسبوعين، عندما تركَتْ هاتان الفتاتان بابَ دفيئتِك الزجاجية مفتوحًا، وسمحَتا لصقيع رياح الشرق بالهبوب إلى داخلها؛ لقد قلتَ إنها قتلَت قدرًا كبيرًا من نباتاتِك.»

قال توم: «قدرٌ كبير! إنه لم تبقَ شتلةٌ صغيرةٌ واحدةٌ لم تتجمَّد. عليَّ البدءُ في غرس شتلاتٍ جديدة في المكان كلِّه مرةً أخرى. وأسوأ ما في الأمر أني لا أعرفُ إلى أين أذهب لكي آتي بشتلاتٍ جديدة. لقد كدتُ أفقد عقلي عندما دخلتُ ورأيتُ ما حدث.»

قال جون: «ورغم هذا فإنَّني واثقٌ أن الفتاتَين لم تقصدا هذا؛ لقد كان محضَ جهل.»

لم أسمع المزيد من هذا الحوار؛ لأنَّ الدواء كان ناجعًا وجعلني أنام، وفي الصباح شعرتُ بتحسُّنٍ كبير؛ لكنني كثيرًا ما كنتُ أفكر في كلماتِ جون هذه، كلما زادت معرفتي بالعالم.

(٢٠) جو جرين

تقدَّم جو جرين في عمله بصورةٍ جيدةٍ جدًّا؛ كان يتعلَّم بسرعة، وكان شديدَ الانتباه والوعي، لدرجة أن جون بدأ يعتمِد عليه في أمورٍ كثيرة؛ لكنه — كما قلتُ من قبل — كان صغيرَ السن، ونادرًا ما كان يُسمَح له بترييضي أنا أو جينجر؛ لكنْ تَصادف في صباح أحد الأيام أنْ خرجَ جون بعربة حمْل الحقائب وكان يجرُّها جاستس، وأراد سيدي إرسال رسالةٍ على الفور إلى منزل أحد السادة، على بُعْد حوالي ثلاثة أميالٍ منَّا، فأصدر أوامره لجو بأن يُسْرِجني، وأن يأخُذ الرسالة إلى الرجل، وزاد على ذلك أن نبَّهَه إلى ضرورة أن يقودَني بثَبات.

أوصل جو الرسالة، ثم سِرنا عائدَين في هدوء، حتى مرَرنا بساحة تصنيع الطوب. وهناك رأينا عربةً عليها حمولةٌ ثقيلةٌ من الطوب، وكانت عجلاتُها مغروزةً بقوةٍ في الطين الكثيف الذي أحدثَت فيه آثارًا عميقة نوعًا ما، وكان سائق العربة يصرُخ ويضرب الحِصانَين بالسَّوط من دون رحمة. توقَّف جو عن السير. كان منظرًا مُحزنًا. كان الحصانان يَبذلان جهدًا هائلًا ويُكافحان بكلِّ ما أوتِيا من قوةٍ ليسحبا العربة خارج الطين، لكنهما لم يستطيعا تحريكها؛ كان العرَق يتدفَّق من أرجلهما وخاصرتَيهما، وأخذ جَنْباهما يرتفعان وينخفضان، كما بلغ الجهدُ من كل عضلةٍ من عضلاتهما مَبلغَه، بينما أخذ الرجلُ يسحب الحصان الأمامي من رأسه بعُنفٍ، وراح يسبُّ الحصانَين ويضربهما بالسوط بوحشية بالِغة.

قال جو: «توقَّفْ، لا تُواصِل جلْدَ الخيول هكذا؛ فالعجلاتُ مغروزةٌ بقوةٍ لا تُمكِّنهما من تحريك العربة.»

لم يَكترِث الرجل لما قاله جو، بل واستمرَّ في جَلدِهما.

قال جو: «توقَّف! أرجوك توقَّف! سوف أُساعدك على تخفيف حمولة العربة؛ إنهما لا يستطيعان تحريكها على تلك الحال.»

«لا تتدخَّلْ فيما لا يَعنيك أيها الوغد الصغير الوقِح، وسوف أتدبَّرُ أنا أمري!» كان الرجل ثمِلًا وغاضبًا للغاية، وأهوى بالسوط على الخيول مرةً أخرى. لوى جو رأسي، وفي اللحظة التالية كنَّا نعدو بأقصى سرعةٍ باتجاه منزل صاحب مصنع الطوب. لا أدري هل كان جون ليرضى عن سرعة انطلاقنا هذه أم لا، لكنني أنا وجو كنَّا على رأيٍ واحد، كما كنَّا غاضِبَيْن للغايةِ حتى إنَّنا لم نستطِع المضيَّ أبطأ من هذا.

كان المنزل قريبًا من جانب الطريق؛ طرَقَ جو الباب، ثم صاح قائلًا: «مرحبًا! هل السيد كلاي في البيت؟» فُتِح البابُ وخرج السيد كلاي بنفسه.

«مرحبًا أيها الشاب! تبدو في عجلةٍ من أمرك؛ هل ثمَّة أية طلبات من السكواير هذا الصباح؟»

«لا يا سيد كلاي، لكنَّ ثمَّة رجلًا في ساحة تصنيع الطوب الخاصَّة بك يَجلِد حصانَين جلدًا مُميتًا. طلبتُ منه أن يتوقَّف، لكنه رفض الانصياع لي؛ وقلتُ له إني سأساعِدُه في تخفيف حمولة العربة، لكنه لم يوافق؛ لهذا أتيتُ لكي أخبرك. أرجوك يا سيدي، اذهب إليه.» كان صوتُ جو يتهدَّج من الانفعال.

قال الرجل، وهو يُسارع إلى إحضار قُبَّعته من داخل المنزل: «شكرًا لك أيُّها الفتى.» ثم بعد دقيقةٍ من الصمت قال: «هل ستشهد بما رأيتَه في حال أحضرتُ الرجل أمام أحد القضاة؟»

قال جو: «سوف أفعل، وسأكون سعيدًا بهذا أيضًا.» ذهب الرجل، ومضينا في طريقنا إلى المنزل نَخبُّ خبَبًا سريعًا.

قال جون عندما قذفَ الفتى بنفسه عن السرج: «يا إلهي، ماذا بك يا جو؟ إنك تبدو مغضَبًا للغاية.»

قال الفتى: «من المؤكد أنني غاضب للغاية.» ثم، بكلماتٍ مُتعجِّلةٍ مُنفعلةٍ، قصَّ كل ما حدث. كان جو في المعتاد فتًى هادئًا رقيقًا للغاية، فكان من المدهش أن يراه المرءُ غاضبًا إلى هذا الحد.

«حسنٌ يا جو! لقد فعلتَ الصواب يا بُني، سواءٌ استُدعي الرجل للمُثول أمام القضاء أم لا. كان كثيرٌ من الناس سيمرُّون قائلين إنه ليس من شأنهم التدخُّل في الأمر. لكني أقول إنه في حال وجود هذه الوحشية والظلم فإن من شأن كل إنسانٍ أن يتدخَّل حينما يرى ذلك؛ لقد فعلتَ الصوابَ يا بني.»

عندئذٍ كان جو قد هدأ للغاية، وكان يشعُر بالفخر؛ لأنَّ جون أقرَّ ما فعله، وراح يُنظِّف أقدامي، ويُدلِّك جسمي بيدٍ أكثرَ ثباتًا من المعتاد.

كان جون وجو على وشْك الذهاب إلى البيت لتناول غدائهما، حين جاء الخادم إلى الإسطبل ليقول إن سيِّدي يطلُب حضور جو إلى حُجرته الخاصَّة في الحال؛ لأنه ثمَّة رجلٌ مُتَّهمٌ بإساءة مُعاملة الخيول، وشهادةُ جو مطلوبة في الأمر. تورَّد وجهُ الفتى حتى جبهته، ولمعَتْ عيناه، وقال: «سوف يحصلون عليها.»

قال جون: «أصلِح من هندامك قليلًا.» فشدَّ جو رَبْطةَ عُنقِه وسُترتَه، وخرج في الحال. وحيث إن سيدي كان واحدًا من قُضاة الْمُقاطعة، فكثيرًا ما كان يُؤتى بالقضايا إليه لكي يَفصِل فيها، أو ليقول ما الذي ينبغي عملُه. لم نسمَع المزيد ونحن في الإسطبل لمدةٍ من الوقت، حيث كانت هذه ساعةَ تناول الرجال غَداءهم، لكنْ عندما عاد جو إلى الإسطبل مرةً أخرى رأيتُ أنَّ معنوياته كانت عالية؛ لقد لطَمني لطمةً وديَّةً خفيفةً وقال: «لن نرى مثل هذه الأشياء تُمارَس بعد الآن. أليس كذلك يا صديقي العزيز؟ سمِعْنا بعد ذلك أنه أدلى بشهادته بمُنتهى الوضوح، وأن الخيول كانت في حالةٍ من الإرهاق الشديد، وكان على أجسامها آثارُ تلك المعاملة الوحشية، وأن سائق العربة أُحيل إلى المحاكمة، وأن من المُحتمَل أن يُحكم عليه بالسجن مدةَ شهرَين أو ثلاثة.»

كان رائعًا مقدارُ ما حلَّ بجو من تغيير. ضحك جون وقال إن طوله زاد بمقدار بوصة ذلك الأسبوع! وأنا أعتقد أنَّ طوله ازداد بالفعل. لقد ظلَّ طيبًا ورقيقًا تمامًا كما كان من قبل، لكنْ كان ثمَّة المزيدُ من العزم والإصرار في كلِّ ما كان يفعله؛ وكأنما تخطَّى مرحلة الطفولة إلى الرجولة على الفور.

(٢١) الرحيل

كنتُ قد عشتُ في هذا المكان البهيج ثلاثةَ أعوام حتى ذلك الحين، لكن التغييرات المُحزنة كانت على وشْك أن تطرأ علينا. كنا نسمع بين الحين والآخر أن سيِّدتنا كانت مريضة. وكان الطبيب يأتي إلى المنزل كثيرًا، وكان سيِّدي يبدو قلِقًا جادَّ الملامح. ثم سمِعْنا أنه ينبغي لها أن تُغادِر بيتَها في الحال، وأن تذهب إلى بلدٍ دافئ الحرارة لسنتَين أو ثلاث. كان وقْعُ الخبر على أهل المنزل كقرْع أجراس الموت. كان الجميع يشعُرون بالأسى؛ لكنَّ سيِّدي بدأ على الفور يتَّخِذ ترتيباتِه من أجل تصفية مُمتلَكاته ومغادرة إنجلترا. اعتَدْنا على سماع الكلام في هذا الموضوع ونحن في الإسطبل؛ في الواقع، لم يكن الكلامُ يدور حول شيءٍ غيره.

كان جون يُمارس عملَه في صمتٍ وحزن، وأما جو فنادرًا ما كان يصفر. كان ثمة الكثير من الحركة والذهاب والإياب؛ وكنتُ أنا وجينجر نعمل طَوال الوقت.

كانت الآنسة جيسي والآنسة فلورا هما أولَ مَن غادر، برفقة مُربِّيتهما. جاءت الآنستان لتوديعنا، وعانَقَتا ميريليجز المسكين مُعانقةَ الصديق القديم، وقد كان كذلك بالفعل. بعد ذلك سمعنا بما كان قد أُعدَّ لنا. لقد باعَني سيِّدي أنا وجينجر لصديقه القديم، إيرل مقاطعة و…، لأنه كان يعتقد أنَّنا سنحظى بمكانٍ مُناسبٍ هناك. أما ميريليجز فأعطاه للكاهن، الذي كان يُريد حصانًا قزَمًا من أجل زوجته السيدة بلومفيلد، لكنَّ هذا كان بشرط ألَّا يُباع أبدًا، وأنه عندما لا يعود قادرًا على العمل تُطلَق عليه رصاصة الرحمة ويُدفَن.

وظَّف السيدُ بلومفيلد جو للعناية بميريليجز وللمساعدة في شئون المنزل، وهكذا تصورتُ أن ميريليجز أصبح في وضعٍ مُرْضٍ. أما جون فقد عُرض عليه العملُ في العديد من الأماكن الجيدة، لكنه قال إنه سينتظِر قليلًا ويدرس الاحتمالات.

جاء سيدي إلى الإسطبل ليلةَ رحيلهما ليُعطيَهما بعض التوجيهات، وليربت على خيوله تربيتةً أخيرة. كان يبدو حزينًا للغاية؛ عرَفتُ ذلك من نبرة صوته. أعتقد أننا نحن الخيولَ نستطيع أن نعرف من خلال نبرة الصوت أكثر ممَّا يستطيع معرفتَه كثيرٌ من الناس.

قال سيدي: «هل قررتَ ماذا ستفعل يا جون؟ أرى أنك لم تقبلْ أيًّا من تلك العروض.»

«لا يا سيدي؛ لقد قررتُ أنَّني لو تمكنتُ من الحصول على وظيفةِ مُروِّضِ أمهارٍ ومدرب خيولٍ من الدرجة الأولى، فسيكون هذا هو المناسبَ لي؛ لأن كثيرًا من الحيوانات الصغيرة ترتعِب وتفسد جرَّاء المعاملة الخاطئة، وهو ما لا يتعيَّن أن يكون عليه الحال إذا ما تولَّى الرجلُ المناسب أمرَها. وأنا علاقتي بالخيول جيدةٌ دائمًا، ولو تمكنتُ من مساعدة بعضها في أن تحظى ببدايةٍ جيدةٍ فسأشعر وكأنني كنتُ أمارس شيئًا من أعمال الخير. ما رأيك في هذا يا سيدي؟»

قال سيِّدي: «أنا لا أعرف أيَّ أحدٍ أنسبَ لهذا العمل منك؛ فأنت تفهم الخيول، وهي — بطريقةٍ ما — تفهمك، وقد تستطيع بمرور الوقت أن تؤسِّس عملك الخاص؛ أظنُّ أن هذا هو أفضل ما تستطيع أن تعمله. وإذا كان بوُسعي مساعدتُك بأي طريقة، فاكتُب إليَّ. وسوف أُكلِّم وكيلي في لندن، وأترك معه شهادة توصيتك.»

أعطَى سيدي الاسمَ والعنوان لجون، ثم شكرَه على خدمته المديدة المُخلصة، لكنَّ هذا كان كثيرًا جدًّا على جون. فقال: «أرجوك، لا تفعل يا سيدي، لا يمكنني تحمُّلُ هذا؛ لقد فعلتَ أنتَ وسيدتي الغاليةُ الكثيرَ من أجلي، ولن أستطيع أن أرُدَّه ما حَيِيت. لكننا لن ننساكما أبدًا يا سيدي، ونسأل الربَّ أن نرى سيدتي يومًا ما وقد عادتْ مرةً أخرى كما كانت من قبل؛ ينبغي ألَّا نقطع الرجاء يا سيدي.» صافَحَ سيدي جون، ولكنه لم يتكلَّم، وغادَرا الإسطبل معًا.

جاء اليوم الحزين الأخير؛ كان الخادم قد غادر بحقائب السفر الثقيلة في اليوم السابق، ولم يتبقَّ سوى سيِّدي وسيِّدتي ووصيفتها. أحضرتُ العربةَ أنا وجينجر إلى باب الفِناء لآخِر مرة. وأخرج الخدمُ الوسائد والبُسُط وأشياءَ كثيرةً أخرى؛ وعندما صار كلُّ شيءٍ مُعَدًّا نزل سيدي على الدَّرَج، حاملًا سيدتي بين ذراعيه (كنتُ على الناحية الأقرب إلى المنزل، واستطعتُ أن أرى كلَّ ما كان يجري)؛ ثم وضعها برفقٍ داخل العربة، بينما وقف خدمُ المنزل حوله يبكون.

قال سيدي: «وداعًا، مرةً أخرى. لن ننسى أيَّ واحدٍ منكم.» ثم دخل إلى العربة وقال: «انطلِقْ يا جون.»

قفزَ جو إلى العربة، وأخذْنا نخبُّ ببطءٍ عبر العزبة ثم عبر القرية حيث كان الناس واقفين عند أبواب منازلهم لِيُلقوا نظرةً أخيرةً على سيِّدي وسيدتي وليقولوا: «ليُباركهم الرب.»

عندما وصلْنا إلى محطة القطار، أعتقد أن سيِّدتي مشَت على قدمَيها من العربة إلى حجرة الانتظار. سمعتُها تقول بصوتها العذب: «مع السلامة يا جون. ليُباركك الرب.» أحسستُ بشَدَّة العِنان، لكنَّ جون لم يُجِب؛ ربما لم يستطع الكلام. حالَما أخرجَ جو الأشياءَ من العربة دعاه جون للوقوف إلى جوار الخيول، بينما مضى هو إلى رصيف المحطة. يا لجو المسكين! لقد وقف على مَقرُبة من رءوسنا؛ كي يُخفِي دموعه. خلال وقتٍ قصيرٍ جدًّا جاء القطار إلى المحطة وهو يُطلِق دخانًا مُتقطعًا، ثم بعد دقيقتَين أو ثلاثٍ أُغلِقت الأبوابُ، وصَفَّر الحارس، وانزلق القطار على قضبانه مُبتعدًا، غيرَ تاركٍ وراءه سوى سحائبِ دخانٍ أبيض، وقلوبٍ أوثقَ الحزنُ قبضتَه عليها.

عندما غاب عن الأنظار تمامًا عاد جون.

وقال: «لن نراها بعد ذلك أبدًا، أبدًا.» وتناول العِنان، ثم صعد إلى مقعد السائق، وقادَنا هو وجو إلى البيت في بطء؛ لكنه لم يعُد بيتَنا حينئذٍ.

(٢٢) إيرلشال

في صباح اليوم التالي وبعد تناول الإفطار ربطَ جو ميريليجز في العربة الخفيفة المنخفضة التي كانت تستعملها سيدتي لكي يأخذه إلى بيت الكاهن، لكنه جاء وودَّعنا أولًا، وأخذ ميريليجز يصهل لنا من الفِناء. بعد ذلك ألبسَ جون جينجر السرجَ وألبسَني لجامَ القيادة، وقادنا عبر الريف مسافةَ خمسة عشر ميلًا تقريبًا إلى عزبة إيرلشال، حيث يعيش إيرل مقاطعة و… كان يُوجَد منزلٌ رائعٌ جدًّا وكثيرٌ من الإسطبلات، دخَلنا إلى الساحة عبر مدخلٍ مبنيٍّ من الحجارة، وطلَب جون مقابلة السيد يورك. مرَّ بعضُ الوقت قبل أن يأتي. كان رجلًا كهلًا حسنَ المظهر، وأنبأَتْني نبرةُ صوته في الحال بأنه رجلٌ يَأمُر فيُطاع. كان وَدودًا ومهذَّبًا للغاية مع جون، وبعد أن ألقى علينا نظرةً خاطفةً نادى سائسًا ليأخُذنا إلى حظائرنا، ودعا جون لتناول بعض المُرطِّبات.

أخذَنا السائسُ إلى إسطبلٍ مُشرقٍ جيدِ التهوية، ووضعَنا في حظيرتَين مُجاوِرتَين بعضهما لِبَعض، حيث دلَك أجسامنا وأطعَمنا. بعد حوالي نصف الساعة جاء جون والسيد يورك — الذي سيَصير حُوذِيَّنا الجديد — إلى الإسطبل ليَرَيانا.

وقال، بعد أن نظر إلى كُلٍّ منَّا جيدًا: «والآن يا سيد مانلي، أنا لا أرى عيبًا في هذَين الحِصانَين؛ لكنَّنا جميعًا نعرِف أنَّ للخَيل ما تتفرَّد به مثل البشر، وأنها أحيانًا تحتاج إلى مُعامَلة مُختلفة. أريد أن أعرف إن كان ثمَّةَ أيُّ شيءٍ خاص في أيٍّ من هذَين الحِصانَين تودُّ أن تذكُره.»

قال جون: «في الواقع، لا أعتقد أنَّ في البلدة زوجًا من الخيول أفضلَ من هذَين الحصانَين، وإنَّني لحزينٌ جدًّا على فِراقهما، لكنهما ليسا مُتشابِهَين؛ فالحصان الأسود يتمتَّع بأفضلِ طبع رأيتُه في حصانٍ على الإطلاق، وأعتقد أنه لم يسمع قطُّ كلمةً قاسيةً، ولا تعرَّض للضرب قطُّ منذ أن كان مُهرًا، ويبدو أن مُتعتَه كلَّها تَكمُن في أن يُنفِّذ ما تريده منه؛ أمَّا الكَستَنائية هذه، فلا بدَّ من أنها، فيما أظن، قد تعرَّضَتْ لسوء المعاملة؛ وقد سمِعنا كلامًا كهذا من التاجِر الذي باعَها. عندما جاءت إلينا كانت تُكثِر العضَّ كما كانت مُرتابةً منَّا، لكنها عندما عرَفتْ طبيعةَ منزلنا بدأ كلُّ شيءٍ يسير على ما يُرام تدريجيًّا. وعلى مدى ثلاث سنواتٍ لم أرَ منها أدنى أثرٍ من آثار حِدَّة الطبع، وإذا ما أُحسِنتْ معاملتُها فلن يكون هناك حصانٌ أفضل ولا أكثر رغبةً منها في العمل. لكنَّ بِنْيةَ جسمها بطبيعتها أسرعُ تهيُّجًا من الحصان الأسود؛ فالذبابُ يُزعجها أكثرَ ممَّا يزعجه، وأيُّ خطأٍ في طقمِها يَجعلها تضطرِب بدرجةٍ أكبرَ منه؛ وإن عُومِلَت بقسوةٍ أو بظُلمٍ فلا يَبعدُ أن تردَّ هذه المعاملة بمِثلها. إنك تعرف أن كثيرًا مِن الخيول العاليةِ الهِمَّة تفعل هذا.»

قال يورك: «بالطبع، أفهم هذا تمامًا؛ لكنك تعرِف أنه ليس من السهل في إسطبلاتٍ كهذه أن يكون سائسو الخيل كلُّهم على ما ينبغي لهم أن يكونوا تمامًا؛ إنَّني أبذل ما في وُسعي، ولا أملك سوى أن أكتفيَ بذلك. سوف أتذكَّر ما قُلتَه عن الفرَسة.»

كانا في طريقهما للخروج من الإسطبل، حينما توقَّف جون وقال: «ينبغي لي أن أُشير إلى أننا لم نستخدِم المِرفعَ مع أيٍّ منهما قط؛ فلمْ يرتدِ الحصانُ الأسودُ واحدًا قط، وقال لنا التاجر إنَّ الكِعَام هي التي أفسدَت طباع الفرَس الأخرى.»

قال يورك: «في الواقع، ما داما جاءا إلى هنا فلا بدَّ من أن يرتَدِيا المِرفع. أنا شخصيًّا أُفضِّل استخدام عِنانٍ مُرخًى، ودائمًا ما يُعامِل فخامة اللورد الخيول معاملةً معقولةً جدًّا؛ لكنَّ سيِّدتي … ذلك شأن آخر؛ إنها تَنشُد أناقة المظهر، وإذا لم تُشَدَّ رءوسُ خيول عربتِها إلى أعلى بإحكامٍ فلن تَنظُرَ إليهم. إنني دائمًا ما أعترِض على الكِعام، وسأظلُّ أفعل هذا، لكنْ لا بدَّ من أن يُحكَم شدُّها عندما تَركب سيدتي العربة!»

قال جون: «يؤسفني هذا، يؤسفني للغاية، ولكن يجِب أن أذهب الآن، وإلَّا فاتَني القطار.»

ودَنا من كلِّ واحدٍ منَّا يربتُ عليه ويكلِّمه للمرة الأخيرة، وبدا صوته في غاية الحزن.

رفَعتُ وجهي قريبًا منه؛ كان هذا كلَّ ما أستطيع قوله لتوديعه، وبعد ذلك انصرف، ولم أره منذ ذلك الحين مُطلقًا.

في اليوم التالي جاء لورد مقاطعة و… لِيُلقيَ نظرةً علينا، وبدا مسرورًا من هيئتنا.

قال: «إن لديَّ ثقةً كبيرة في هذَين الحصانَين، ومصدر هذه الثقة هو الشهادة التي أعطاني إيَّاها صديقي السيد جوردن عن مؤهِّلاتهما. لا شكَّ أن لونَيْهما غيرُ مُتطابقَين، لكنني أعتقد أنهما سيكونان جيدَين جدًّا في جرِّ العربة طوال فترة بقائنا في الريف. قبل أن نذهب إلى لندن يجِب أن أحاول إيجادَ نظيرٍ للحصان بارون؛ أظنُّ أن الحصان الأسود ممتازٌ للركوب.»

بعد ذلك أخبره يورك بما قاله جون عنَّا.

قال اللورد: «حسنٌ. عليك أن تُراقب الفرسة بانتباه، وأن تُرخِيَ المِرفع عندما تُلبِسها إيَّاه؛ أنا واثقٌ أنهما سيُبلِيان بلاءً حسنًا جدًّا مع قليلٍ من المُلاطَفة في بداية الأمر. وسوف أذكر هذا لسيدتك.»

بعد الظهر ألبسَنا السائسُ أطقمَ جرِّ العربة وربطَنا فيها، وعندما دقَّت ساعة الإسطبل مُعلِنةً الثالثةَ قادَنا إلى أمام المنزل. كان المكان كلُّه في غاية الفخامة، وكان أكبرَ بثلاث أو أربع مراتٍ من المنزل القديم في بيرتويك، لكنَّهُ لم يكن في نصفِ بهجته، هذا إن كان لحصانٍ أن يكون له رأي. كان اثنانِ من الخدَم يقِفان مُتأهِّبَيْن، وكانا يرتَدِيان بزَّتَين رماديَّتَين، مع سراويلَ قرمزية وجواربَ بيضاء. بعد قليلٍ سمِعنا صوت حفيف الحرير لدى نزول سيِّدتي على درجات السُّلَّم الحجرية. استدارت سيِّدتي لِتُلقي نظرةً علينا؛ كانت امرأةً طويلةَ القامة يبدو على ملامحها الغرور، وبدا عليها أنها كانت غيرَ راضيةٍ عن شيءٍ ما، لكنها لم تقُلْ شيئًا، ودخلتْ إلى العربة. كانت هذه أولَ مرةٍ أرتدي فيها مِرفعًا، لكنَّني أؤكد لكم أنه على الرغم من أنه كان بالتأكيد مُزعجًا عدمُ قُدرتي على خفض رأسي بين الحين والآخر، فإنَّ هذا المِرفع لم يَشُدَّ رأسي أعلى ممَّا اعتَدتُ أن أرفعه. شعَرتُ بالقلق على جينجر، لكنَّها بدتْ هادئةً ومطمئنَّة.

في الساعة الثالثة بعد ظهر اليوم التالي كنَّا عند الباب مرةً أخرى، وكان الخادمان على هيئتهما السابقة، ثم سمِعنا حفيفَ الفستان الحريريِّ ونزلَت سيدتي على درجات السُّلَّم، وقالت بنبرةٍ آمِرة: «يورك، عليك أن ترفع رأسَيْ هذَين الحصانَين أعلى من هذا؛ إنهما ليسا أهلًا لأن يُرَيا هكذا.»

نزل يورك عن العربة، وقال بأدبٍ جم: «أستميحكِ عُذرًا يا سيِّدتي، لكنَّ هذَين الحِصانَين لم يرتديا المِرفَع منذ ثلاث سنوات، وقد قال سيدي إنه سيكون من الأسلم أن نُعوِّدَهما عليه تدريجيًّا، لكنْ لو تُحبِّين سيادتُكِ فيُمكنني أن أرفعهما أكثر قليلًا.»

قالت: «افعل ذلك.»

دنا يورك من رأسَينا وقصَّر طول العِنان بنفسه؛ قصَّره مسافةَ ثقبٍ واحدٍ على ما أظن. كلُّ قدرٍ صغيرٍ يُحدِثُ فرقًا، سواءٌ للأحسن أو للأسوأ، وفي ذلك اليوم كان علينا أن نَصعد تلَّةً شديدةَ الانحدار. ساعتها بدأتُ أفهم ما كنتُ أسمَعُه. كنتُ أريد بالطبع أن أجعل رأسي إلى الأمام، وأسحب العربة إلى الأعلى بعزم، كما تعوَّدنا؛ لكنْ لا، كان عليَّ عندئذٍ أن أسحب ورأسي مرفوعٌ لأعلى، وقد استنزف هذا طاقتي كلَّها، وظهر الإرهاقُ في ظهري وأرجُلي. عندما وصلْنا قالت جينجر: «الآنَ عرَفتَ ما هو المرفع؛ لكنَّ هذا ليس سيئًا، وإذا لم يُصبح أسوأَ من هذا بكثيرٍ فلن أتشكَّى منه؛ لأنَّنا نحظى بمعاملةٍ جيدة جدًّا هنا؛ لكنْ لو أحكَموا شدَّ رأسي لأعلى، يا إلهي، عندئذٍ فليَحذروا! فأنا لا أستطيع تحمُّل هذا، ولن أفعل.»

يومًا بعد يوم، وثقبًا تِلوَ ثقب، كان مِرفَعانا يُقصَّران أكثرَ وأكثر، وبدلًا من التطلُّع بسرورٍ إلى ارتداء طقمي — كما كنتُ مُتعوِّدًا — بدأتُ أرهبه. بدَتْ جينجر هي الأُخرى ضجرةً، مع أنها لم تقُل سوى أقلِّ القليل. وأخيرًا اعتقدتُ أنَّ الجزء الأسوأ قد انتهى؛ لأنه على مدى عدَّةِ أيامٍ لم يكن ثمَّة مزيدٌ من تقصير العِنان، وقررتُ أن أتكيَّف معه بقدر ما أستطيع وأن أُؤدِّيَ واجبي، مع أنه صارَ في ذلك الوقت مصدر ضيقٍ دائم، لا مصدرَ بهجة؛ لكنَّ الأسوأ لم يكن قد أتى بعد.

(٢٣) إضراب من أجل الحرية

ذات يومٍ تأخرَتْ سيدتي في النزول عن المعتاد، وكان صوتُ حفيف الحرير أعلى من أي وقتٍ مضى.

قالت: «انطلِق إلى منزل دوقة مقاطعة ب…» ثم أردفَتْ، بعد صمت قصير: «ألَن ترفع رأسَيْ هذَين الحصانَين أبدًا يا يورك؟ ارفعهما في الحال ولا تُسمِعني المزيد مِن عبارات المُسايرة والهراء تلك.»

جاء يورك إليَّ أولًا، بينما وقف السائسُ عند رأسِ جينجر. ثم سحبَ رأسي بقوةٍ إلى الخلف، وأحكمَ شدَّ العِنانِ جدًّا لدرجة أنَّني لم أكَد أُطيقه؛ ثم توجَّه إلى جينجر التي كانت تقذِف برأسها بنَفاد صبرٍ لأعلى ولأسفل بقدْر ما تسمح لها الشكيمة، وبالطريقة التي تعوَّدَتْ عليها مؤخرًا. كانت قد أدركَت جيدًا ما سيحدُث لها، وفي اللحظة التي نزعَ فيها يورك العِنانَ من حلقتِهِ المعدنية لكي يُقصِّره انتهزَت الفرصةَ وشبَّتْ فجأةً عاليًا لدرجةِ أنَّ يورك تلقَّى ضربةً عنيفةً في أنفه وسقطَت قبعتُه عن رأسه؛ أما السائس فكاد ينقلب على ظهره. أسرع كلٌّ منهما إلى رأسها في الحال؛ لكنها كانت ندًّا لهما، وظلَّتْ تُحرِّك جسمها في عنفٍ لأعلى ولأسفل، وتشبُّ على قائمتَيها الخلفيَّتَين وتركُل بأقدامها باستماتةٍ شديدةٍ للغاية. وأخيرًا ركلَتْ عريش العربة الفاصل بيننا ركلةً مباشرةً وسقطَتْ أرضًا، بعدما ضربتْني ضربةً عنيفةً في جانب حافِري القريب منها. لا أحد يعلم ما كانتْ ستُسبِّبه من الأذى أكثرَ من هذا لولا أنْ جلسَ يورك في الحال على رأسها ليمنَعَ مقاومَتَها، وفي الوقت نفسه أخذ يصيح قائلًا: «فكُّوا سيور الحصان الأسود! أسرِعوا بإحضار الرافعة وفُكُّوا عريش العربة! اقطعوا طَوق الجرِّ الجانبي من هنا، إذا لم تستطيعوا أن تحلُّوه. لِيُجبني أحدٌ ما!» أسرع أحد الخدَم إلى إحضار الرافعة، وجاء آخرُ بسكينٍ من المنزل. بعد قليلٍ حرَّرَني السائس من جوار جينجر ومن العربة، واقتادني إلى حظيرتي. وما إن أدخلني إلى حيثُ كنتُ حتى أسرع بالرجوع إلى يورك. كنتُ مُنفعلًا جدًّا بسبب ما حدث، ولو أنني كنتُ تعوَّدتُ قبل ذلك على الرَّكل أو على رفع يديَّ لكنتُ فعلتُها من دون شكٍّ في ذلك الحين، لكنَّني لم أفعلها قبل ذلك قط، ووقفتُ هناك غاضبًا، وأشعُر بألَم في رجلي، وكان رأسي لا يزال مشدودًا إلى حلقة السَّرج المعدنية، ولم أكن أقوى على خفضِه. كنتُ في حالةٍ شديدةٍ من التعاسة، وشعرتُ بميلٍ شديدٍ إلى رَكْل أول شخصٍ يقترِب منِّي.

لكن لم يمضِ وقتٌ طويلٌ قبل أن يأتي اثنان من سائِسي الخيل بجينجر إلى الإسطبل، كانت مُصابةً بقدرٍ كبيرٍ من الجروح والرضوض. جاء يُورك معها وأصدر أوامره، ثم جاء ليُلقي نظرةً عليَّ. وفي الحال حرَّر رأسي وأنزله.

قال بينه وبين نفسه: «تبًّا لهذه المرافع! أتوقَّع أن نتعرَّض لشيءٍ من الأذى قريبًا. سوف يغضَب سيدي غضبًا شديدًا. لكنْ مهلًا، إذا كان زَوجُ امرأةٍ لا يستطيع السيطرة عليها فإن خادمًا مِثلي لن يَستطيع بالتأكيد؛ لذا فإنني أغسِل يديَّ من هذا الأمر، وإذا كانت لا تستطيع الذَّهاب إلى حفل حديقة الدُّوقة فليس بيدي ما أفعله.»

لم يقُل يورك هذا الكلام أمام الرجال؛ فدائمًا ما كان يتكلم باحترامٍ في وجودهم. في تلك اللحظة أخذ يجسُّ جسمي كلَّه، وعلى الفور وجدَ المكان الذي تلقَّيتُ فيه الركلة فوق عرقوبي. كان مُتورِّمًا ويؤلمني؛ فأمر أن يُمسَح بإسفَنْجة مُبلَّلةٍ بماءٍ دافئ، ثم وضع عليه قليلٌ من الغَسول الطبي.

انزعج لورد مقاطعة و… كثيرًا عندما علِم بما حدَث، ولام يورك على الإذعان لرغبة سيِّدتِه، وهو ما ردَّ عليه يورك بأنه يُفضِّل ألَّا يتلقَّى الأوامر في المُستقبَل إلَّا من فخامته، لكنْ لا أظنُّ أنَّ كلامه هذا أثمر شيئًا؛ لأن الأمور سارت على ما كانت عليه من قبلُ تمامًا. اعتقدتُ أن يورك كان يستطيع الدفاع عن خيوله أفضلَ من هذا، لكن ربما ليس في مقدوري أن أحكُم على تلك الأمور.

لم تُربَط جينجر في العربة بعد ذلك قط، لكن عندما تعافتْ من كدماتها قال واحدٌ من أبناء اللورد و… الصغار إنه يُحبُّ أن يأخذها؛ كان متأكدًا أنها ستكون فرسَة صيدٍ جيدةً. أما أنا، فقد ظللتُ مُجبرًا على جرِّ العربة، وحصلتُ على رفيقٍ جديد يُدعى ماكس، لكنه كان مُتعوِّدًا دائمًا على العِنان المشدود. سألتُه: كيف تَسنَّى له أن يتحمَّله.

قال: «في الواقع، أنا أتحمَّلُه لأنه يجِب عليَّ أن أتحمَّله؛ لكنه يُقصِّر عُمري، وسوف يُقصِّر عُمرك أنتَ أيضًا إذا كان عليك أن تلتزم بارتدائه.»

قلتُ: «هل تظنُّ أن سيدَينا يَعرفان كم هو بغيض إلينا؟»

أجاب: «لا أعرف، لكنَّ التُّجَّار وأطباء الخيول يَعرفون ذلك جيدًا. ذات مرة كنتُ في إسطبل أحد التجار، الذي كان يُدرِّبني أنا وحصانًا آخرَ كي نسير مُترافِقَين، وكان يرفع رأسَينا — على حدِّ قوله — بمقدارٍ قليلٍ إلى الأعلى يومًا بعد يوم. كان يُوجَد رجلٌ هناك فسأله: لماذا يفعل ذلك. فقال: «لأنَّ الناس لن يَشتروها إذا لم نفعل هذا. إن أهل مدينة لندن دائمًا ما يريدون أن تَرفع خيولُهم رءوسَها لأعلى، وأن ترفع أرجُلها عاليًا وهي تخطو. لا شكَّ أن هذا سيئ جدًّا للخيول، لكنه جيدٌ من أجل التجارة. إن الخيول تُنهَك، أو تُصاب بالأمراض خلال وقتٍ قصير، وهم يأتون لشراء زوجَين جديدَين منها».» تابع ماكس كلامه قائلًا: «هذا ما سمعتُه منه بأُذُنيَّ، وتستطيع أن تحكُم بنفسك.»

إنَّ ما عانيتُه مِن ذلك المِرفع على مدى أربعة أشهرٍ طِوالٍ في عربة سيدتي لَمِمَّا يصعُب وصفُه، لكنَّني متأكدٌ تمامًا أنه لو كان استمرَّ أطول من هذا كثيرًا لكنتُ فقَدتُ صحَّتي أو رِباطة جأشي. إنَّني لم أعرف قبل ذلك قطُّ ما هو خروج الرَّغوة من الفم، لكن الآن بسبب تأثير الشكيمة الحادَّة في لساني وفكِّي، وبسبب الوضع المُقيَّد الذي وُضِع فيه رأسي وحلقي، كان الزَّبَد يتكوَّن دائمًا تقريبًا في فمي. يظنُّ بعضُ الناس أن رؤيةَ هذا شيءٌ جيدٌ جدًّا، ويقولون: «يا لها من مخلوقاتٍ نشيطة!» لكنَّ خروج الرغوة من فم الخيلِ غيرُ طبيعيٍّ مِثلما أنَّ خروجها من فم البشر غيرُ طبيعي سواءً بسواء؛ إنه علامةٌ مؤكِّدة على نوعٍ من الإرهاق، ويجِب الانتباهُ له. إضافةً إلى هذا، كان ثمَّة ضغطٌ على قصَبتي الهوائية، الأمر الذي كثيرًا ما كان يجعل من عملية التنفُّس عندي أمرًا غيرَ مريحٍ بالمرة؛ كنتُ أعود من عَمَلي ورقبَتي وصدري مُجهَدَيْن مُوجَعَيْن، وفمي ولساني متقرِّحَيْن، كما كنتُ أشعر أني مُرهقٌ مُحبَط.

كنتُ أعرف دائمًا في منزلي القديم أن جون وسيدي صديقان لي؛ لكن هنا، رغم ما كنتُ أحظى به من معاملةٍ جيدةٍ من نَواحٍ كثيرة، فلم يكن لي صديق. ربما كان يورك يعرف، ومن المُرجَّح جدًّا أنه عرَف إلى أيِّ مدًى كان ذلك المرفع يُضايقني، لكني أظنُّ أنه كان يراه أمرًا طبيعيًّا لا فكاك منه. على كلِّ حال، لم يُفعَل شيءٌ للتخفيف من ألَمي.

(٢٤) الليدي آن، أو الفرسة الهاربة

في بداية فصل الربيع توجَّه لورد مقاطعة و… مع جزءٍ من عائلته إلى لندن، وأخذوا يورك معهم. تُرِكتُ أنا وجينجر وبعضُ الخيول الأخرى في المنزل من أجل الخدمة، وبقي رئيسُ سائسي الخيل ليتولَّى الإشراف علينا.

كانت الليدي هارييت، التي بقِيَت في المنزل، مريضةً جدًّا مرضًا أقعدَها، ولم تخرج في العربة قط. أما الليدي آن فكانت تُفضِّل امتطاءَ صَهْوة الجواد مع أخيها أو أبناءِ عمِّها. لقد كانتْ فارسةً بارعة، وكانت مرحةً ورقيقةً بقدرِ ما كانت جميلة. لقد اختارتْني أنا لتمتطيَ ظهري، وأسمَتْني «بلاك أوستر». كنتُ أستمتِع جدًّا برحلات الركوب هذه في الهواء النقيِّ البارد؛ أحيانًا مع جينجر، وأحيانًا مع ليزي. كانت ليزي هذه فرسةً لونُها كَستَنائيٌ فاتح، وكادت أن تكون فرسةً أصيلةً، وكانت أثيرةً جدًّا عند السادة الرجال؛ وذلك بسبب أدائها الممتاز وروحها المُتحمِّسة؛ لكنَّ جينجر — التي كانت تَعرف عنها أكثرَ منِّي — أخبرتْني أنها كانت عصبيَّة المزاج بعض الشيء.

كان يمكث في القصر واحدٌ من السادة الرجال، ويُدعى بلانتاير؛ كان دائمًا ما يمتطي صَهوةَ ليزي، وكان يمدحها كثيرًا لدرجة أنَّ الليدي آن أمرَتْ ذات يومٍ بوضع سَرج الركوب الجانبيِّ على ظهرها ووضعِ السرج الآخر على ظهري أنا، عندما وصلْنا إلى الباب بدا الرجلُ قلقًا للغاية.

وقال: «كيف هذا؟ هل سئمتِ حصانَك الطيبَ بلاك أوستر؟»

أجابت: «أوه، لا، مُطلقًا. لكنني لطيفةٌ بما يكفي لكي أترُكك تمتطيه مرة، وسوف أُجربُ فرستَك الجذَّابة ليزي. عليك أن تعترِف أن حجمها ومظهرها يجعلانها أقربَ كثيرًا من حصاني المُفضَّل لأن تكون فرسةً تركبُها سيِّدة.»

قال: «اسمحي لي أن أنصحك بألَّا تركبيها. إنها مخلوقة جميلةٌ، لكنها أسرعُ انفعالًا مِن أنْ تركبها سيدة. أؤكد لك، إنها ليست آمنةً تمامًا؛ أرجوكِ أن تُبدِّلي السَّرْجَين.»

قالت السيدة آن وهي تضحك: «ابنَ عمِّي العزيز، أرجوك لا تُقلق رأسَك الحذِرَ الطيبَ بأمري. إنَّني فارسةٌ مُذ كنتُ طفلةً رضيعة، وقد لاحَقتُ كلابَ الصيدِ مراتٍ عديدةً جدًّا، مع أني أعرف أنك لا توافق على أن تُمارس السيداتُ الصيد؛ لكنْ تبقى هذه هي الحقيقة، وأنا عازمةٌ على أن أُجرِّب ليزي هذه التي أنتم معشرَ السادة الرجال مُولَعون بها جميعكم غايةَ الولَع؛ لذا ساعِدني على الركوب من فضلك، كما يفعل صديقٌ طيبٌ مثلُك.»

لم يَبقَ مزيدٌ من الكلام ليُقال، فأجلسَها برفقٍ على السَّرج، وألقى نظرةً على الشكيمة والكابح، ووضع العِنانَين بلُطفٍ في يدِها، ثم اعتلى ظهري. وبينما نستعدُّ للانطلاق إذا بأحد الخدَم يَخرج ومعه قُصاصةٌ من الورق ورسالةٌ من الليدي هارييت. جاء فيها: «هل يَسمحون بسؤال الدكتور أشلي هذا السؤالَ في عيادته نيابةً عنها، ويُحضِرون الإجابة؟»

كانت القرية تقَعُ على بُعد ميلٍ تقريبًا، وكان منزل الطبيب آخِرَ منزلٍ فيها. انطلقْنا بسعادةٍ كبيرة حتى وصلْنا إلى بوابته. كان ثمَّةَ دربٌ قصيرٌ يؤدي إلى المنزل بين أشجار طويلة دائمة الخُضرة.

نزل بلانتاير عند البوابة، وكان سيفتحها من أجل الليدي آن، لكنها قالت: «سوف أنتظرك هنا، وتستطيع أن تُعلِّق عِنان أوستر على البوابة.»

نظر إليها بتردُّد وقال: «لن أغيب أكثرَ من خمس دقائق.»

«أوه، لا تستعجل؛ لن أهرُب منك أنا وليزي.»

علَّق السيد بلانتاير عِناني في مسمارٍ من النتوءات الحديدية التي في أعلى البوابة، وتوارى سريعًا بين الأشجار. كانت ليزي تقف في هدوءٍ إلى جانب الطريق على بُعد خطواتٍ قليلة، وظهرُها ناحيتي. كانت سيِّدتي الشابة جالسةً في اطمئنانٍ والعِنانُ مُرخًى في يدَيها وهي تُدندِنُ أغنيةً قصيرة. ظللتُ أُصغي لوقعِ أقدامِ فارسي حتى وصلَتْ إلى المنزل، ثم سمعتُه وهو يطرق على الباب. كان هناك مرَج في الجهة المُقابلة للطريق، وكانت بوابتُه مفتوحة؛ في هذه اللحظة تحديدًا خرَج منها بعضُ خيول جرِّ العربات، والعديدُ مِن الأمهار الصغيرة، خرجَتْ تخبُّ بطريقةٍ فوضوية جدًّا، بينما راح صبيٌّ خلفَها يُحدِث فرقعةً بسوطٍ كبيرٍ في يدِه. كانت الأمهارُ جامحةً مرِحةً، واندفَع واحدٌ منها إلى الطريق، وراح يتخبَّط في مِشيته حتى اصطدَم بأرجل ليزي الخلفيَّة، وسواءٌ كان السبب هو ذلك المُهر الأبلَه، أو فَرقعة السوط العالية، أو كلاهما معًا، لا أعرف؛ فقد ركَلتْ برجلها ركلةً عنيفةً، وانطلَقتْ تعدو عدْوًا طائشًا. كان ذلك مفاجئًا جدًّا، لدرجة أن السيدة آن كادتْ تقَعُ من على السرج، لكنها استعادت توازُنَها على الفور. وهنا أطلقتُ صهيلًا عاليًا حادًّا طلبًا للمساعدة؛ وظللتُ أصهل وأصهل، ورحتُ أضرب الأرض بحافِرَي بلا هوادة، وأقذِف برأسي عاليًا كي أفكَّ العِنان. لم أُضطَرَّ للانتظارِ طويلًا، حيث جاء بلانتاير إلى البوابة يعدو، وراح يُفتِّش في المكان في قلق، لكنه لم يلبثْ أنْ لمحَ الجسم المُنطلِقَ سريعًا، والذي صار في تلك اللحظة في مكانٍ بعيدٍ جدًّا على الطريق. قفز بلانتاير فوق السرج في لمْح البصر. لم أحتَجْ إلى سوطٍ ولا إلى مِهماز، إذ كنتُ في نفس لهفة راكبي، ولاحظَ هو ذلك فأطلقَ لي العِنانَ، وانحنى إلى الأمام قليلًا، وانطلَقْنا خلفهما.

ظلَّ الطريقُ مُستقيمًا مسافة ميلٍ ونصفٍ تقريبًا، ثم انحنى جهةَ اليمين، وبعدها تفرَّع إلى طريقَين. كانت قد توارَتْ عن أعيُننا قبل أن نصِل إلى المُنعَطف بوقتٍ كبير. إلى أيِّ الطريقَيْن انعطفَتْ؟ كانت ثَمَّ امرأةٌ واقفةٌ عند بوابة حديقتها، وكانت تُظلِّل عينَيها بيدِها، وتنظرُ بتلهُّفٍ إلى الطريق. صاح بلانتاير، وهو لا يكاد يسحب العِنان: «أيَّ الطريقَين اتخذَتْ؟» فرفعَت المرأةُ صوتها قائلة: «إلى اليمين!» وأشارتْ بيدها، فانطلقْنا في الطريق الواقع في جهة اليمين، ثم وقعَت أعينُنا عليها للحظة؛ لكنَّ مُنعطفًا آخرَ ظهرَ واختفَتْ مرةً أخرى. لمحناهما مراتٍ عديدةً، لكنهما كانتا تتواريان عن أعيُنِنا في كلِّ مرة. ولم نكَدْ قطُّ نقترِبُ منهما في أيَّة مرة من هذه المرات بما يَكفي لِلَّحاق بهما. كان عاملٌ عجوزٌ من عُمَّال إصلاح الطريق يقفُ إلى جوار كومة من الحجارة، فأنزل مجرفَتَه ورفع يدَيه. وعندما اقتربنا منه أشار لنا كي يُحدِّثنا. جذَب بلانتاير العِنان قليلًا. فقال الرجل: «باتجاه الحديقة العامة، باتجاه الحديقة العامة يا سيدي؛ لقد اتَّخذَتِ الطريق المؤديَ إلى هناك.» كنتُ أعرف هذه الحديقة العامَّة جيدًا جدًّا؛ كانتْ في الأغلب أرضًا غيرَ مُمهَّدة للغاية، مغطَّاة بنباتِ الخَلَنْج وشجيرات الجَوْلق ذات اللون الأخضر الداكن، وبعض الأشجار الشائكة العتيقة الخفيضة هنا وهناك؛ كان بها كذلك مساحاتٌ مفتوحةٌ من العُشب القصير الناعم، وكانت كثبانُ النَّمل والأنفاق المُنحنِية لحيوان الخُلْد منتشِرةً في كل مكان؛ كان هذا أسوأَ مكانٍ كنت أعرفه للعَدْو بطَيْش.

لم نكَد ندخل أرض الحديقة العامة حتى لمحنا رِداءَ الفارسة الأخضرَ مُنطلقًا أمامنا مرةً أخرى. كانت قُبَّعة سيدتي قد سقطَتْ عن رأسها، وكان شعرُها البُنيُّ الطويل ينساب خلفها. كان رأسها وجسمها مائلَيْن إلى الخلف، وكأنما كانت تُحاول كبحَ ليزي بكل ما تبقَّى لدَيها من قوة، وكأنما كانت قواها تلك قد نَفِدت تقريبًا. كان من الواضح أن وُعُورة الأرض قد أنقصَتْ كثيرًا من سرعة ليزي، وعندئذٍ بدا أنَّ ثمَّة فرصةً أمامنا لأن نتمكَّن من اللَّحاق بها.

كان بلانتاير قد أطلق لي العِنان عندما كنَّا في الطريق الرئيسية؛ لكن في هذا المكان، وبيَدٍ رشيقةٍ وعينٍ مُتمرِّسة، أخذَ يُوجِّه سَيري فوق الأرض بطريقةٍ تنمُّ عن براعةٍ عالية، لدرجة أنَّ سُرعتي لم تكَد تنقُص شيئًا، وكنَّا نقترب منهما بالتأكيد.

عندما كاد السَّيرُ أن ينتصف بنا في الأرض التي يَكسوها نباتُ الخلَنْج رأينا خندقًا واسعًا حُفِر مؤخرًا، وكان التراب الناتج من أعمال الحَفر مُكوَّمًا على الجانب الآخر. كان مِن شأن هذا أن يُوقِفَهما من دون شك! لكن لا؛ فقد قفزَتْ ليزي من فوقه دون تردُّدٍ يُذكَر، لكنها تعثرَتْ في أكوام التراب الجاف وسقطَتْ. وهنا هَمْهم بلانتاير قائلًا: «والآن يا أوستر، ابذُل أفضل ما لدَيك!» وجعل عِناني ثابتًا. استجمعتُ قواي جيدًا، وبقفزةٍ واحدةٍ عازمةٍ تخطَّيتُ الخندقَ ورُكامَ الأتربة!

كانت سيدتي الشابَّةُ المسكينة ترقُد دون حَراكٍ بين نباتات الخلنج ووجهُها إلى التراب. جثا بلانتاير على ركبتَيه ونادى عليها باسمها، لكنْ لم يَصدُر عنها أيُّ صوت. فأدارَ وجهها لأعلى بلُطف؛ كان وجهُها شاحبًا شحوب الموتى وعيناها مُغمَضتَين. فقال: «آني، عزيزتي آني، تكلَّمي!» لكنها لم تُجِب. فكَّ بلانتاير أزرار بذلة ركوب الخيل التي كانت ترتديها، وأرخى ياقة ثوبها، وأخذ يجسُّ يدَيها ومعصمها، ثم انتفض واقفًا وأخذ ينظُر حوله جيدًا بحثًا عن مساعدة.

على مسافةٍ ليستْ ببعيدة كان ثمَّةَ رجلان يقطعان العُشب، كانا قد تركا عملَهما، عندما رأَيا ليزي تجري جامحةً دون راكبٍ؛ لِيُمسكا بها.

جاء نداءُ بلانتاير بالرجلَين إلى حيثُ كنَّا على الفور. بدا الرجل المُتقدِّمُ منهما مُنزعجًا للغاية ممَّا رآه، وسأل عمَّا يمكن أن يُقدِّمه لنا.

«هل تستطيع ركوب الخيل؟»

«في الواقع يا سيدي أنا لستُ فارسًا بمعنى الكلمة، لكنَّني مستعدٌّ للمخاطرة بحياتي من أجل الليدي آن؛ فقد قدَّمتْ لزوجتي معروفًا نادرًا في فصل الشتاء.»

«فلتمتطِ هذا الحصانَ إذنْ يا صديقي — ستكون آمنًا تمامًا — وانطلِق به إلى منزل الطبيب واطلُب منه أن يأتي على الفور، ثم اذهب إلى المنزل، وأخبرهم بكلِّ ما تعرفه، وقل لهم أن يُرسلوا لي العرَبة ووصيفة الليدي آن والمُساعِدة. سوف أنتظر هنا.»

«حسنٌ يا سيدي، سوف أبذل ما بوُسعي، وأسأل الربَّ أن تفتح السيدة الشابَّة العزيزة عينَيها في أقرب وقت.» ثم لَمَّا رأى الرجلَ الآخرَ ناداه قائلًا: «جو، أسرِع بإحضار بعض الماء، وقُل لزوجتي تأتي إلى الليدي آن بأسرع ما يُمكنها.»

بعد ذلك، وبطريقةٍ ما، تسلَّق إلى السَّرج، وضرَبني ضربةً خفيفةً بكِلتا رِجلَيه على خاصِرتَيَّ قائلًا: «أسرِع.» وبدأ رحلته مُستديرًا استدارةً خفيفةً حول الخندق لكي يتجنَّبه. لم يكن معه سوطٌ، ويبدو أنَّ هذا أَقلقه؛ لكنَّ سُرعتي لم تلبثْ أنْ عالجَتْ هذه المشكلة، ووجد أن أفضل ما يُمكنه عملُه أن يتشبَّث بالسرج وأن يُخفِّف من سرعتي، وهو ما فعلَه بعزم. حاولتُ ألَّا أهزَّه قدر استطاعتي، لكنه صاح مرةً أو مرتَين في الأرض الوعرة قائلًا: «تمهَّل! قِف! تمهَّل!» لكننا سِرنا جيدًا على الطريق الرئيسية؛ وقد أدَّى مهمَّته عند الطبيب وفي المنزل بأمانةٍ، واستحقاقٍ للثقة التي وُضِعتْ فيه. وعندما دعَوه للدخول ليشرَبَ شيئًا قال: «لا لا، سوف أعود إليهما ثانية من طريقٍ مُختصَرةٍ عبر الحقول، وسأكون هناك قبل العربة.»

وقعَ كثيرٌ من الاندفاع والانفعال عندما عُرِف الخبر. أما أنا فأُدخِلتُ إلى حظيرتي وحسْب؛ ونُزع عنِّي السرجُ واللجام، وأُلقيَتْ عليَّ قطعةُ قماش.

أُسرِجَت جينجر وأُرسِلتْ بسرعةٍ كبيرةٍ إلى اللورد جورج، ثم بعد قليلٍ سمعتُ صوت عجلات العربة وهي تخرُج من الفِناء.

بدا أن وقتًا طويلًا مرَّ قبل أن تعود جينجر، وقبل أن نُترَك بمُفردنا، بعد ذلك أخبرتْني بكلِّ ما رأتْه.

قالت: «لا يُمكنني قولُ الكثير، لقد قطَعنا الطريق كلها تقريبًا عدْوًا، ووصَلنا إلى هناك تمامًا في اللحظة التي وصل فيها الطبيب على صَهوة حصانه. كان ثمَّة امرأةٌ جالسة على الأرض ورأسُ السيدة في حِجرها. راح الطبيب يصبُّ شيئًا ما في فمها، لكنَّ كل ما سمعتُه هو: «لم تمُت.» ثم قادَني رجلٌ ما إلى مكانٍ بعيدٍ قليلًا. وبعد مدة أُدْخِلَتْ إلى العربة، وعُدنا إلى المنزل معًا. سمعتُ سيدي يقول لرجلٍ استوقَفَه ليستفسِر عن حالها إنه يرجو ألَّا يكون أيٌّ من عظامها قد انكسر، ولكنها لم تتكلَّم بعد.»

عندما خرج اللورد جورج بجينجر في رحلة صيد، أخذ يورك يهزُّ رأسه في استنكار، وقال إنه ينبغي أن يكون من يُدرِّب الحصانَ للموسم الأول رجلًا ذا يدٍ ثابتة على العِنان، وليس راكبًا عشوائيًّا كاللورد جورج.

كانت جينجر تحبُّ هذه الرحلات كثيرًا، لكنْ أحيانًا عند عودتها كان بوُسعي أن أرى أنها مُرهَقة للغاية، وكانتْ تسعل سعلاتٍ قصيرةً بين الحين والآخر. كان عزْمُها أكبر كثيرًا مِن أنْ تشتكي، لكنني ما كنتُ أستطيع منْعَ نفسي من القلق عليها.

بعد يومين من الحادثة زارني بلانتاير؛ وراح يربت عليَّ ويمدحني كثيرًا؛ وأخبر اللورد جورج أنه كان واثقًا أنَّ الحصان كان يعلم بالخطر الذي تعرضَتْ له آني مِثلما كان هو يعلمه. قال: «ما كنتُ سأتمكَّن من كبحِهِ لو كنتُ أردتُ هذا، ينبغي لها ألَّا تركب حصانًا غيره أبدًا.» فهمتُ من مُحادثتِهما أن سيِّدتي الصغيرة أصبحتْ بعيدةً عن الخطر الآن، وأنها ستكون قادرةً على الركوب مرةً أخرى خلال وقتٍ قصيرٍ. كان هذا خبرًا جيدًا لي، وتطلعتُ بعده لحياةٍ سعيدة.

(٢٥) روبن سميث

الآن يجب أن أتكلم قليلًا عن روبن سميث، الذي وُكِل إليه أمرُ الإسطبلات عندما ذهب يورك إلى لندن. لم يُحِط أيُّ أحدٍ فهمًا بعمله أكثر منه، ولم يكن يُوجَد مَن هو أكثرُ منه إخلاصًا ونفعًا عندما يكون في حالةٍ جيدةٍ. كان لطيفًا وماهرًا للغاية في إشرافه على الخيول، وكان يُحسن علاجَها كطبيبٍ بيطريٍّ تقريبًا، حيث قضى سنتَين من حياته برفقةِ جرَّاحٍ بيطريٍّ. كان سائقًا من الدرجة الأولى؛ كان يستطيع قيادةَ العربة الرباعية بالسهولة التي يقود بها العربةَ ذات الحصانَين. كان رجلًا وسيمًا، وخبيرًا ماهرًا، كما أنَّ سلوكه كان حسنًا للغاية. أعتقد أن الجميع كانوا يُحبُّونه؛ بما فيهم الخيول بالتأكيد. الأمر العجيب الوحيد هو أنه كان في وظيفةٍ ثانوية، ولم يكن يتولَّى دَورَ كبير سائقين مِثل يورك؛ لكن كان فيه عيبٌ واحدٌ كبير؛ وهو حبُّه لمُعاقرة الخمر. لم يكن مُنغمِسًا فيه طَوال الوقت مثل بعض الرجال؛ إنما كان يظلُّ معتدلًا مدَّة أسابيع أو شهور مُتواصِلة، ثم يخرج فجأة عن طَوره ويدخل في «نوبةٍ» من الشرب، كما كان يورك يُسمِّيها، ويجلب العارَ لنفسه، ويُصبح مصدرَ ذُعرٍ لزوجته، ومصدر إزعاجٍ لكل مَن له علاقة به. لكنَّ نفعه رغم هذا كان كبيرًا جدًّا، لدرجة أن يورك عَتَّم على الأمر مرَّتَين أو ثلاثًا وأخفاه عن علم الإيرل؛ لكن ذات ليلة، كان على روبن أن يوصِّل مجموعةً من الأشخاص عائدين من حفلٍ راقص إلى المنزل، وكان مخمورًا جدًّا لدرجة أنه لم يستطع الإمساك باللجام، واضطُرَّ أحدُ السادة من تلك المجموعة أن يصعد إلى مقعد الحُوذيِّ وأن يُوصِّل السيدات إلى البيت. لم يكن من المُمكن بالطبع إخفاءُ هذا الأمر، وطُرِد روبن في الحال، واضطُرَّتْ زوجتُه المسكينة وأطفاله الصغار للخروج من الكوخ الجميل المُجاور لبوابة العزبة والذهاب إلى حال سبيلهم. كان أُولد ماكس هو مَن أخبرَني بكلِّ هذا؛ لأنه حدث منذ فترةٍ طويلةٍ مضتْ، لكن قبل أن آتي أنا وجينجر بمُدةٍ قصيرةٍ كان سميث قد أُعيدَ إلى العمل مرةً أخرى. لقد تشفَّع له يورك عند الإيرل، وهو رجلٌ طيبُ القلب جدًّا، وقد أقسم الرجلُ مخلِصًا أنه لن يتذوَّق قطرةَ خمرٍ واحدةً أبدًا طيلةَ بقائه هناك. وفَّى سميث بوعده كما ينبغي؛ مما دفع بيورك إلى الاعتقاد أنه مِن الممكن الوثوقُ به كي يحلَّ محلَّه أثناء غيابه، وقد كان ماهرًا وأمينًا للغاية بحيث بدا ألَّا أحدَ غيرَه مُناسبٌ جدًّا هكذا للقيام بالأمر.

كنا في ذلك الوقت في بداية شهر إبريل، وكان يُتوقَّع وصولُ الأسرةُ في أيِّ وقتٍ من شهر مايو. كان ينبغي تزيينُ العربة المُغلَقة الخفيفة من جديد، وحيث إن الكولونيل بلانتاير كان مضطَرًّا للعودة إلى كتيبته؛ فقد تقرَّر أن يُوصِله سميث بها إلى المدينة، وأن يعود مُمتطِيًا صَهوة أحد الجياد؛ ولهذا الغرض أخذ السرج معه، ووقع الاختيارُ عليَّ أنا لهذه الرحلة. في محطة القطار وضع الكولونيل بعض المال في يد سميث وودَّعه قائلًا: «اعتنِ بسيدتك الصغيرة يا روبن، ولا تسمح بأن يركب بلاك أوستر أيُّ مُتأنِّقٍ صغيرٍ عابرٍ يوَدُّ أن يركبه؛ حافظ عليه من أجل سيدتك.»

ترَكنا العربة في ورشة الصانع، وسار بي سميث إلى فندق وايت ليون، وأمر السائس أن يُطعِمَني جيدًا، وأن يُجهِّزني له في الساعة الرابعة. انخلع مسمارٌ من إحدى حَدوتَيَّ الأماميتَين أثناء سيري، لكنَّ السائس لم يُلاحِظه إلى أن أصبحت الساعةُ الرابعةَ تقريبًا. أمَّا سميث فلم يأتِ إلى الحظيرة حتى صارت الساعة الخامسة، وحينئذٍ قال إنه لن يغادر قبل الساعة السادسة؛ لأنه قابل بعض أصدقائه القدامى. أخبره الرجل في ذلك الحين بشأن المسمار، وسأله إن كان يريد منه أن يفحص الحَدوة.

قال سميث: «لا، سوف يكون كل شيءٍ على ما يُرام حتى نصلَ إلى المنزل.»

كان يتكلم بصوتٍ عالٍ وفظٍّ للغاية، ودار بخلَدي أنه ليس من طبيعته على الإطلاق ألَّا يفحص الحَدوة؛ لأنه كان في العموم شديدَ العناية بطريقةٍ مدهِشة بالمسامير المفكوكة في حَدواتنا. لم يأتِ في الساعة السادسة، ولا السابعة ولا حتى الثامنة، وكانت الساعة قد شارفَت على التاسعةَ عندما طلب إحضاري إليه، ومُجددًا كان ذلك بصوتٍ فظٍّ صاخب. بدا مِزاجُه سيئًا للغاية، كما أنه سبَّ السائس، لكني لم أعرف لماذا.

وقف مدير الفندق عند الباب وقال: «توخَّ الحذر يا سيد سميث!» لكنه ردَّ بغضبٍ وشتَم؛ وبدأ يعدو قبل أن يُغادر البلدة تقريبًا، وراح يضربني أثناء ذلك بسوطه ضربًا عنيفًا أكثر من مرة، مع أني كنتُ أنطلق بأقصى سُرعتي. لم يكن القمر قد بزَغ بعد، وكان الظلامُ شديدًا للغاية. كانت الطرقُ مغطَّاةً بالحجارة على إثر إصلاحاتٍ حديثة؛ ولأنني كنتُ أنطلق فوقها بهذه السرعة انفكَّتْ حَدوتي أكثر من ذي قبل، وعندما اقتربْنا من بوابة تحصيل الرسوم انخلعَتْ تمامًا.

لو كان سميث في حالته العقلية الطبيعية لكان أدرك وجود خطأٍ ما في طريقةِ سيري، لكنَّ سُكْره كان أكبر بكثيرٍ من أن يلاحِظ.

كان وراء بوابة تحصيل الرسوم طريقٌ طويلةٌ، وكانت قد كُسيتْ لتوِّها بأحجارٍ جديدة؛ أحجار حادَّة ضخمة، ما كان يتسنَّى لأيِّ حصانٍ أن يُسرع العدْوَ فوقَها دون مُخاطرة. أما أنا فقد أُرغمتُ على العدو بأقصى سُرعتي فوق هذه الطريق، وإحدى حَدواتي مخلوعة، وراكبي لا ينفكُّ يجلدني بسوطه أثناء ذلك، ويحثُّني بشتائمه النابية على العدو بسرعة أكبر! عانتْ قدمي الخالية من الحدوة بالطبع مُعاناةً رهيبة؛ لقد انكسر الحافر وانفلق حتى اللحمِ نفسه، وجُرح الجزء الداخلي جراحًا هائلةً بسبب حدَّةِ الأحجار.

لم يكن من المُمكن لهذا أن يستمر؛ فما مِن حصانٍ يستطيع حفظ توازُنه في ظروفٍ كهذه؛ لقد كان الألم كبيرًا للغاية. لقد تعثرَتْ قدَماي، وسقطتُ سقوطًا عنيفًا على رُكبتَيَّ. طاح سميث عن ظهري عندما سقطتُ، ولا بدَّ من أنه سقط سقوطًا عنيفًا جدًّا بسبب السرعة التي كنتُ أنطلِق بها. سرعان ما نهضتُ على قدميَّ وأخذتُ أعرُج حتى وصلتُ إلى جانب الطريق حيث لا وجود للحجارة هناك. كان القمر قد سطع لتوِّه فوق السياج الشجري، واستطعتُ في نُوره أن أرى سميث مُمدَّدًا على الأرض على بُعد بضع يارداتٍ خلفي. لكنه لم ينهض؛ إنما حاولَ محاولةً ضعيفةً من أجل النهوض، ثم أطلق أنينًا عاليًا عميقًا. كان من الممكن أن أئنَّ أنا أيضًا، فقد كنتُ أعاني ألَمًا شديدًا في قدَمِي ورُكبتَيَّ، لكنَّ الخيول متعوِّدةٌ على تحمُّل ألمها في صمت. لم أُطلق أيَّ صوت، وإنما وقفتُ هناك وأصغيتُ سمعي. أطلق سميث أنينًا عاليًا آخر؛ لكنْ رغم أنه كان يرقُد في تلك اللحظة تحت نور القمر الكامل فلم أرَ منه أيَّةَ حركة. لم أستطِع فعل شيءٍ له ولا لنفسي، لكنْ، أوه! كمْ رُحتُ أُصغي السمعَ لصوتِ حصانٍ أو عجلاتِ عربةٍ أو وقْع أقدام! لم تكن الطريق بالتي يرتادُها كثيرٌ من الناس، وربما ننتظِر ساعاتٍ في هذا الوقت من الليل قبل أن تأتينا المساعدة. وقفتُ أراقبُ وأستمِع. كانتْ ليلةً هادئةً جميلةً من ليالي شهر أبريل؛ لم يكن ثمَّة أصواتٌ سوى قليلٍ من زقزقات خفيضةٍ لطائر العندليب، وما كان ثمَّة ما يتحرَّك عدا السُّحب البيضاء إلى جوار القمر وبومة بُنيَّة اللون راحتْ تُرفرف بجناحَيها فوق السياج الشجري. جعلَني هذا أتذكَّر لياليَ الصيف التي انقضَتْ منذ عهدٍ بعيد، عندما كنتُ أستلقي بجوار والدتي في المرْج الأخضر الرائع عند بيت المزارع جراي.

(٢٦) كيف انتهى الأمر

لا بدَّ من أننا كنا في منتصف الليل تقريبًا عندما سمعتُ صوتَ أقدام أحد الخيول قادمًا من مسافة بعيدة. كان الصوتُ يتلاشى أحيانًا، ثم أخذ يزداد وضوحًا وقربًا مرةً ثانية. كان الطريقُ إلى عزبة إيرلشال يمتدُّ عبر خَميلةٍ يملِكها الإيرل؛ وكان الصوتُ قادمًا من ذلك الاتجاه، وتمنَّيتُ أن يكون شخصٌ ما قادمًا للبحث عنَّا. مع اقتراب الصوتِ أكثر وأكثر أصبحتُ شِبهَ متأكد أنني أستطيع تمييز صوت خُطا جينجر؛ وعندما اقترب أكثر، استطعتُ أن أخمِّن أنها كانت تجرُّ العربة الخفيفة. أخذتُ أصهل بصوتٍ عالٍ، وغمرَتني السعادةُ عندما سمعتُ صهيل جينجر يُجيبُ صهيلي، وأصواتَ رجال. جاءوا يسيرون ببطءٍ فوق الأحجار، وتوقفوا عند الجسم المُعتِم المُمدَّد على الأرض.

قفز أحد الرجال من العربة، وانحنى فوقه. وقال: «إنه روبن، وهو لا يتحرَّك!»

تبعه الرجلُ الآخرُ، وانحنى فوق روبن وقال: «لقد مات، انظر إلى مدى برودة يديه.»

رفَعاه من على الأرض، لكن لم يكن فيه أثرٌ للحياة، وكان شعره غارقًا في الدماء. فوضَعاه على الأرض ثانيةً، وجاءا يُلقيان نظرةً عليَّ. ولاحظا رُكبتيَّ المجروحتَين على الفور.

«يا إلهي، لقد سقط الحصانُ وألقاه عن ظهره! من كان يتخيَّل أن يفعل الحصان الأسود هذا؟! ما كان أحدٌ ليتخيَّل أنه يمكن أن يَسقط. لا بدَّ من أن روبن ظلَّ راقدًا هنا لساعات! ومن العجيب كذلك أن الحصان لم يتحرَّك من المكان.»

حاول روبرت بعد ذلك أن يقودني قُدُمًا. فخطوتُ خُطوةً، لكنِّي كدتُ أسقطُ مرةً أخرى.

«انظُر! إنَّ قدمه مُصابةٌ مثل ركبتَيه. انظُر هنا؛ إن حافِره كلَّه مُمزَّقٌ إربًا؛ من المُحتمَل جدًّا أن يسقط مريضًا، يا للمسكين! أتعرف يا نيد، أخشى أنَّ الأمور لم تكن على ما يُرام مع روبن. تأمَّل فقط في أمر ركوبه الحصانَ فوق هذه الصخور دون حَدوة! يا إلهي، لو أنه كان في حالته العقلية الطبيعية لفَضَّل أن يُحاول ركوبه على ضوء القمر. يؤسِفني القول إنه رجع إلى عادته القديمة مرةً أخرى. يا لسوزان المسكينة! لقد كانت تبدو شاحبةً للغاية عندما جاءتْ إلى منزلي لتسأل عمَّا إذا كان عاد أم لا. لكنها تظاهرتْ بأنها ليستْ قلقةً البتَّة، وأخذتْ تَذكر أشياء كثيرة ربما تكون هي سببَ تأخيره. لكنها برغم هذا رجَتْني أن أذهب لمُلاقاته. لكن ماذا علينا أن نفعل؟ إنَّ علينا إيصالَ الحصان والجثَّة إلى المنزل، ولن يكون هذا بالأمر الهَيِّن.»

ثم دار بينهما بعد ذلك حوارٌ، اتفقا في نهايته أن يقودني روبرت إلى المنزل، إذ كان هو السائس، وأن يأخذ نيد الجثمان. كانت مهمَّة إدخاله إلى العربة الخفيفة مهمةً شاقة؛ لأنه لم يكن هناك مَن يُمسك بجينجر؛ لكنها كانتْ تعرِف مثلي بما كان يجري، فوقفتْ ثابتةً كالصخرة. لقد لاحظتُ هذا، لأنه إن كان ثمَّة عيب فيها، فهو أنها لم تكن تصبر على الوقوف ساكنةً.

بدأ نيد يتحرَّك بحمولته البائسة في بطءٍ شديد، وجاء روبرت وألقى نظرةً على قدمِي مرةً أخرى، ثم تناول منديله وربطه بحرصٍ حولَها، وهكذا قادني إلى البيت. لن أنسى مشيي في هذه الليلة أبدًا؛ لقد كان يَزيد على ثلاثة أميال. قادَني روبرت خلفه ببطءٍ شديد، وأخذتُ أتقدَّمُ قدر استطاعتي وأنا أترنَّح وأعرُج، وكنت أشعر طوال ذلك بألمٍ شديد. أنا واثقٌ أنه كان يشعُر بالأسى من أجلي؛ لأنه راح يربتُ عليَّ ويشجعني كثيرًا، كما ظلَّ يتكلَّم إليَّ بصوتٍ لطيف.

أخيرًا وصلتُ إلى حظيرتي، وتناولتُ بعض حبوب الذُّرة؛ وبعدما لفَّ روبرت قماشًا مخضَّلًا بالماء حول رُكبتيَّ ربطَ قدمِي بكِمادةٍ من النُّخالة لكي تمتصَّ الحرارة منها وتُطهرها قبل أن يراها طبيبُ الخيول في الصباح، واستطعتُ أن أستلقيَ على القش، ونمتُ رغم ما كان بي من الألم.

في اليوم التالي بعدما فحص الطبيب البيطريُّ جروحي قال إنه يرجو ألَّا يكون المِفصل قد تأذَّى. وفي حال حصل هذا، فينبغي عدَم الإضرار بي بدفْعي إلى العمل، وعلى أيَّةِ حالٍ فإني لن أتعافى أبدًا من التشوُّه الناتج عن الجرح. أعتقد أنهم بذلوا أفضل ما لدَيهم ليُعالجوني علاجًا جيدًا، لكنه كان علاجًا طويلًا ومؤلِمًا. بدأت التَّحَبُّبات اللحمية — كما أسمَوْها — تظهر على ركبتيَّ، ثم كوَوْها بمادةٍ كاوية، وعندما تعافَتْ في النهاية وضَعوا سائلًا مُبثرًا للجلد على مُقدِّمة كِلتا الركبتَين؛ ليُزيلوا كلَّ ما بهما من شعر؛ لقد فعلوا ذلك لحكمةٍ مُعيَّنة، وأظنُّ أن الأمر كان على ما يُرام.

حيث إن وفاة سميث وقعَتْ بصورة مُفاجئة جدًّا، ولم يشهد وقوعَها أحد، فقد أُجرِي تحقيقٌ في الأمر. شهد مديرُ فندق ذا وايت ليون، والسائسُ الذي يَعمل هناك وأناسٌ عديدون آخرون أنَّ سميث كان مخمورًا عندما غادر الفندق. قال القيِّمُ على بوابة تحصيل الرسوم إنه انطلق يَعْدو عبر البوابةِ عَدْوًا شديدًا، وإنهم عثروا على حَدوتي بين الحجارة؛ لهذا كانت القضية واضحةً لهم تمامًا، وبُرِّئَت ساحتي تمامًا.

رثى الجميعُ لحال سوزان. لقد كاد يَطيش عقلُها؛ وظلَّتْ تُردِّد مرارًا وتَكرارًا: «يا إلهي! لقد كان طيبًا جدًّا؛ كان طيبًا للغاية! كل هذا بسبب ذلك الشراب اللعين. لماذا يَبيعون هذا الشراب اللعين؟! آهٍ يا روبن، روبن!» ظلَّتْ تُردِّد هذا بعدَما انتهَوا من دفنه؛ وبعد ذلك، وحيث إنه لم يكن لدَيها منزلٌ ولا أقرباء، فقد اضطُرَّتْ هي وأطفالُها الستة الصغار أن يُغادروا البيت الجميل المُجاور لأشجار السِّنْدِيان العالية مرةً أخرى، وأن يذهبوا إلى ذلك الملجأ الكبير الكئيب.

(٢٧) تدهور صحِّي وانحدار

حالما تعافَتْ رُكبتاي بما يكفي وُضِعتُ في مرجٍ صغير مدةَ شهرٍ أو اثنين؛ لم يكن به أيُّ مخلوق آخر، ورغم ما كنتُ أنعَمُ به من الحريَّة والعُشب اللذيذ، فإنني كنتُ قد تعوَّدتُ وقتًا طويلًا جدًّا على صُحبة الآخرين ممَّا جعلني أشعُر أنَّني وحيدٌ جدًّا. كنتُ أنا وجينجر قد أصبحنا صديقَيْن وفيَّيْن، وقد افتقدتُ حينئذٍ رفقتها للغاية. كنتُ كثيرًا ما أصهل عندما أسمع وقْع أقدام خيولٍ تمرُّ على الطريق، لكنْ نادرًا ما كان يُجيبني أحد، إلى أن فُتِحت البوابة في صباح أحد الأيام، وإذا بي أُفاجأ بصديقتي الأثيرة جينجر تدخُل منها. نزع الرجلُ عنها طوقَ القيادة، وترَكها هناك. أخذتُ أخُبُّ باتجاهها وأنا أصهل في سرور، وسَعِد كلانا باللقاء، لكنَّني اكتشفتُ خلال وقتٍ قصيرٍ أنه لم يُؤتَ بها لتُرافقني من أجل إسعادنا. ستكون قصتُها أطولَ كثيرًا من أن أحكيَها، لكنَّ مُلخَّصها أنها تعرَّضَت للأذى نتيجةً للإفراط في امتِطائها، وأنها أُبعِدَت آنذاك عن العمل لِيَروا ماذا ستفعل الراحةُ بها.

كان اللورد جورج شابًّا ولم يكن حذرًا؛ لقد كان عنيفًا في امتطاء الخيل، وكان يخرج للصيد وقتَما تُتاح له الفرصة، دون أدنى اهتمامٍ بحالة حِصانه. بعدما غادرتُ الإسطبل بوقتٍ قصير كان هناك سباقٌ للخيل عبْر الحقول، فقرَّر أن يشترك فيه. ومع أن السائس قال له إنها مُرهَقةٌ قليلًا، وإنها غيرُ مُستعدَّةٍ للسباق، فإنه لم يُصدِّق كلامه، وراح في يوم السباق يَدفع جينجر إلى مُجاراة المُتسابقين الذين في المُقدِّمة. أما هي فراحتْ تُجهِد نفسها لأقصى حد؛ وذلك بسبب نشاطها الكبير، حتى انتهى السباق وهي بين الخيول الثلاثة الأولى، لكنَّ تنفُّسها تأذَّى، علاوةً على أنَّ وزنه كان ثقيلًا عليها، فأُجهِد ظهرُها كذلك. قالت: «وهكذا، ها نحن أُولاء، قد دُمِّرتْ صحَّتُنا ونحن في أوج شبابنا وقوَّتنا، أنتَ على يدِ سِكِّير، وأنا على يدِ أحمق! إنه أمر في غاية القسوة.» شعر كلٌّ مِنَّا في نفسه أنه لم يعُد كما كان من قبل. لكنَّ هذا لم يُفسِد ما شعَرنا به من سعادةٍ في مرافقة بعضنا البعض؛ لم نعْدُ كما عدَوْنا ذات مرةٍ من قبل، لكنَّنا كنَّا نتناول طعامنا ونَستلقي على الأرض معًا، وكنا نقِف بالساعات تحت إحدى أشجار الليمون الظليلة، ورأسانا قريبان أحدهما من الآخَر؛ وهكذا قضَينا وقتنا حتى عادت الأُسرةُ من المدينة.

ذات يومٍ رأيْنا الإيرل قادمًا إلى المرْج، ويورك في رفقته. عندما رأيْنا مَن القادم وقَفْنا ثابِتَيْن تحت شجرة الليمون التي كنَّا نقف تحتها، وتركناهما يقتربان منَّا. فأخذا يفحَصانِنا بعناية. وبدَت على الإيرل علاماتُ انزعاجٍ شديد.

قال: «لقد أُهدِرتْ ثلاثمائة جنيهٍ دون أيِّ نفعٍ ممكِن، لكنَّ أشدَّ ما يَشغلني هو أن هذَين الحصانَين اللَّذَيْن أخذتُهما من صديقي القديم، الذي كان يَعتقد أنهما سيحظَيان بإقامةٍ جيدةٍ عندي، قد انهارَتْ صحَّتُهما. سوف تظَل الفرسةُ في الحظيرة مُدةَ سنةٍ، وسنرى ما سيكون تأثيرُ هذا عليها؛ أما الحصان الأسود فلا بدَّ من بيعه؛ إنه شيءٌ يدعو إلى شديد الأسى، لكنَّني لا أستطيع أن أحتفِظ في إسطبلاتي بحصانٍ أُصيبَتْ ركبتاه هذه الإصابات.»

قال يورك: «لا يا سيدي، بالطبع لا. لكنْ من المُمكن أن نجد له مكانًا لا يكون للمَظهر فيه كبيرُ أهمية، ويظلُّ يَحظى فيه بمعامَلةٍ جيدة. أنا أعرف رجلًا في مدينة باث يملك بعض إسطبلات تأجير الخيول والعربات، وهو عادةً ما يُريد حصانًا جيدًا بسعرٍ منخفض؛ وأعرف أنه يَعتني بخيوله جيدًا. لقد برَّأ التحقيقُ ساحة الحصانِ من مسئولية موت سميث، وستكون تزكيةُ فخامتك أو تزكيتي ضمانةً كافيةً له.»

«يجدُر بك أن تكتُب إليه يا يورك. إنني مُهتمٌّ بالمكان الذي سيَذهب إليه أكثرَ من اهتمامي بالمال الذي قد يجلبه لي.»

بعد ذلك انصرفا عنَّا.

قالت جينجر: «سوف يأخذونك قريبًا، وسأخسَر الصديق الوحيد الذي أعرفه، وعلى الأرجح لن يرى أحدُنا الآخرَ مرةً ثانيةً أبدًا. إنه عالَم قاسٍ!»

بعد أسبوعٍ تقريبًا من هذا الموقف جاءَ روبرت إلى الحقل ومعه رسَن، فوضعه على رأسي، وقادَني خلفه. لم أُودِّع جينجر؛ إنما صهل كلٌّ منَّا للآخَر أثناء رحيلي، وراحتْ هي تخبُّ في اضطرابٍ على طول السياج الشجري، وتُناديني طوال الوقت الذي ظلَّتْ تسمع فيه وقع أقدامي.

بِناءً على تزكية يورك اشتراني صاحبُ إسطبلات تأجير الخيول. تَعيَّن عليَّ ركوبُ القطار، وكانت هذه تجرِبةً جديدةً عليَّ، وتطلبَتْ قدْرًا كبيرًا من الشجاعة أوَّلَ مرة؛ لكنْ عندما وجدتُ أن صوت انبعاث الدُّخان، واندفاعَ القطار، وصفيرَه، وفوق كل شيء، اهتزازَ عربة الخيول التي كنتُ أقِف فيها لم يتسبَّبوا لي في أذًى حقيقي، بدأتُ عند ذلك أتعامل مع الأمر بهدوء.

عندما انتهَت رحلتي وجدتُ نفسي في إسطبلٍ مُريحٍ نسبيًّا، كما وجدتُ نفسي أتلقَّى رعايةً جيدة. لم تكن هذه الإسطبلات تعاني من نقص التهوية وعدم الراحة، مثل تلك التي كنتُ مُعتادًا عليها. كانت المرابط مصفوفةً على أرضٍ منحدِرة بدلًا من أن تكون في وضعيةٍ مستوية، وحيث إن رأسي أُبقِيَ مربوطًا إلى المِذوَد، فقد كان يتعيَّن عليَّ دائمًا أن أقِف فوق المنحدَر، وهو ما كان مُرهِقًا للغاية. يبدو أن البشر لا يَعرفون بعدُ أن باستطاعة الخيول القيامَ بالمزيد من العمل إذا تمكَّنَتْ من أن تقِف في وضعيةٍ مريحةٍ وأن تستدير في أماكنها. على أية حال، كنتُ أتناول طعامًا جيدًا، وكنتُ أُنظَّف تنظيفًا جيدًا. وإجمالًا، أعتقد أن سيدي كان يبذل في العناية بنا أقصى ما كان يستطيع. كان لدَيه العديدُ من الخيول والعربات الجيدة من مُختلِف الأنواع لتأجيرها. كان رجاله يقودونها أحيانًا، وأحيانًا أخرى، كان الحصان والعربة يُترَكان للسادة أو السيدات الذين كانوا يقودون بأنفسهم.

(٢٨) حصانٌ عاملٌ وسائقوه

ظللتُ إلى هذا اليوم لا يقودني إلَّا رجال يَعرفون على الأقل كيف يقودون حصانًا؛ لكنْ في هذا المكان تعيَّن عليَّ أن أُجرِّبَ جميع أنواع القيادة السيئة والمُنعدِمة الخِبرة التي نتعرَّض لها نحن الخيول؛ لأنَّني كنتُ «حصانًا عاملًا»، وكنتُ أُؤَجَّر لجميع أنواع الناس ممَّن أرادوا استئجاري؛ ولأنَّني كنتُ هادئَ الطبعِ سهلَ الانقياد أعتقدُ أنني كنتُ أُؤجَّر للجهَّال من السائقين أكثرَ من بعض الخيول الأخرى؛ لأنه كان يمكنُ الاعتماد عليَّ. قد يطول بي الوقتُ وأنا أتكلم عن جميع الطرق التي قادوني بها، ولكني سأذكر بعضها.

أولًا، سائقو العِنان المشدود، وهم رجالٌ يبدو أنهم كانوا يظنُّون أنَّ الأمر كلَّه يعتمد على إحكام شدِّ الأعِنَّة بقدْر ما يَستطيعون، لم يكونوا يُخفِّفون مُطلقًا من قوَّة السَّحب على فم الحصان، أو يُعطونه أدنى قدرٍ من حُرية الحركة. إنهم دائمًا ما يتحدَّثون عن «إحكام السيطرة على الحصان»، و«التحكُّم في الحصان»، وكأنَّ الحصانَ لم يُخلَق في الأصل لكي يتحكَّم في نفسه.

ربما تجِد بعضَ الخيول المُنهكة المسكينة، التي فقَدَتْ أفواهُها رِقَّتَها وحساسيتَها على يدِ أمثال هؤلاء السائقين. فيما يفعلونه هذا بعض المساعدة؛ لكنْ بالنسبة لحصانٍ يَستطيع الاعتماد على أرجُله، وله فمٌ حسَّاسٌ سهلُ المقاد، فإنَّ هذا ليس تعذيبًا وحسْب، إنها حماقة.

ثم هناك سائِقو العِنان الْمُرخى، الذين يَتركون الأعنَّة ترتخي بِحُريةٍ فوق ظهورنا، ويدَعون أيديَهم ترتاح في دَعةٍ فوق رُكَبهم. لا شكَّ أن مثل هؤلاء السادة لا يملكون السيطرة على الحصان إذا حدَث أيُّ شيءٍ فجأة. فإذا ما جفل حصانٌ أو نفَر، أو تعثَّر، فإنهم بلا جدوى، ولا يَستطيعون مساعدة الحصان، ولا مساعدة أنفسهم إلى أن يقَع الضَّرَر. بالطبع، مِن جِهتي لم يكن لديَّ اعتراضٌ على فِعلهم هذا؛ لأنني لم أعتَدْ على الجفول ولا التعثُّر، وإنما تعوَّدتُ أن أعتمِد على سائقي فقط من أجل التوجيه والتشجيع. رغم هذا، فإن الحصان منَّا يُحِبُّ أن يشعُر بوجود العِنان قليلًا عند نزوله طريقًا منحدِرًا، ويُحب أن يَعرف أن سائقه لم يخلُد إلى النوم.

علاوةً على ذلك، فإن طريقة القيادة بإهمالٍ تُكسِب الحصانَ عاداتٍ سيئةً، وتعوِّده الكسلَ في كثيرٍ من الأحيان، وعندما ينتقل من مالكٍ إلى آخر فإنه يتعيَّن أن يُضرَب بالسوط بدرجاتٍ قد تَقلُّ أو تكثُر من الألم والمُعاناة؛ ليتخلَّص من تلك العادات السيئة. كان سكواير جوردن يحرِص دائمًا على أن نسير بأفضل طريقةٍ لدَينا، وأن نتصرَّف بأفضلِ سلوكٍ بوُسعنا. وكان يقول إنَّ إفساد أيِّ حصانٍ والسماحَ له باكتساب عاداتٍ سيئة لا يقلُّ قسوةً عن إفسادِ أيِّ طفل، وإن كِلَيهما سيُعاني من جرَّاء هذا فيما بعد.

فضلًا عن ذلك، فإنَّ هؤلاء السائقين غالبًا ما يكونون غيرَ مُبالين تمامًا، وقد ينتبِهون لأيِّ شيءٍ آخر أكثر من انتِباههم لخُيولهم. خرَجتُ ذات مرةٍ في مركبة الفايتون مع واحدٍ منهم، كان معه سيدةٌ وطفلان في الخلف. ضرَبَني هنا وهناك على ظهري بالعِنان عندما بدأنا السير، وبالطبع ضربَني بالسوط ضرباتٍ عديدةً لا معنى لها، رغم أنَّني كنتُ أنطلِق بسرعةٍ مُعتدِلة. كان ثَمة قدرٌ كبير من إصلاحات الطريق قائمٌ في ذلك الوقت، وحتى الأماكن التي لم تَكن قريبةَ عهدٍ ببَسْط الحجارة فوقها كان ثمَّة الكثيرُ من الحجارة المبعثَرة فيها. كان سائقي يُضاحِك السيدة والطفلَين ويُمازحهما، ويتحدَّث عن الريف عن يَمينه ويساره، لكنه لم يتصوَّر قطُّ أنَّ الانتباهَ إلى حِصانه أو السيرَ في الأماكن الأكثر تمهيدًا من الطريق يستحقَّان الوقت أو بذْل الجهد؛ وهكذا دخلَتْ واحدةٌ من الأحجار بسهولةٍ في إحدى قدمَيَّ الأماميتَين.

والآن لو أن السيد جوردن أو جون، أو — في الواقع — لو أن أيَّ سائقٍ جيدٍ كان موجودًا هناك لكان لاحظَ وجودَ خطأٍ ما قبل أن أتقدَّم ثلاث خطوات. وحتى لو كان الجوُّ مُظلمًا فإن يدَ المُتمرِّس كانت ستشعُر من خلال العِنان بوجود خطأٍ ما في طريقة المشي، وكان سيَنزل من العربة ويُخرِج الحجَر. لكنَّ هذا الرجل استمرَّ في الضحك والكلام، بينما راح الحجَر في كلِّ خطوةٍ ينحشرُ برسوخٍ أكبرَ بين حَدوتي ونَسْر حافري (نسر الحافر: لَحْمَةٌ في باطِنِ الحافِرِ). كان الحجَر مُدبَّبَ الرأس من جهة الداخل ومُستديرًا من جهة الخارج، وهو — كما يعلم الجميع — أخطرُ أنواع الحجارة التي يُمكن أن تُمْسِك بقدَم حصان؛ لأنه يجرح قدَمه وفي الوقت نفسه يَجعله عُرضةً للتعثُّر والسقوط.

لا أعرف أكان الرجل أعمشَ أم كان شديدَ الإهمال وحسْب، لكنه ظلَّ يقودني وذلك الحَجرُ في قدمي مسافةَ نصف ميل كاملٍ قبل أن يرى أيَّ شيء. في ذلك الحين كنتُ بدأتُ أسير بعرَجٍ شديدٍ من جراء الألم؛ ممَّا جعله ينتبِهُ أخيرًا للأمر، فصاح قائلًا: «حسنٌ، ها نحن نُواجِه المتاعب! يا إلهي، لقد جعلونا نخرج بحصانٍ أعرج! يا للعار!»

بعد ذلك ضربني ضربةً خفيفة بالعِنان وضرب بالسوط في الهواء قائلًا: «والآن في هذه الحالة، لا جدوى أن تلعب دَور الحِصان العجوز؛ أمامنا رحلةٌ نُمضيها، ولا جدوى من التظاهُر بالإصابة بالعرَج أو الكسل.»

في هذا الوقت تحديدًا جاء أحدُ المزارعين مُمتطيًا جوادًا قصيرَ القوائم بنيَّ اللون. رفع المزارع قُبَّعته وأوقف الحصان.

وقال: «أستميحك عذرًا يا سيدي، لكنَّني أظنُّ أنَّ ثمَّةَ مشكلةً ما أصابَتْ حصانك؛ إن الطريقة التي يسير بها تُوحي بقدرٍ كبير بأن أحد الأحجار قد دخلَ في حَدوته. إذا سمَحتَ لي فسأنظُر في قدمه؛ إنَّ هذه الأحجار المُتناثِرة المبعثرة لهي أشياءُ خطيرةٌ مَقيتة بالنسبة للخيول.»

قال سائقي: «إنه حصانٌ مُستأجَر، ولا أعلم ما مشكلته، لكنَّه شيءٌ مُخجلٌ للغاية أنْ يُخرجوا حيوانًا أعرَجَ كهذا.»

ترجَّل المزارعُ عن حصانه، وما إن أرخى عِنان حصانه على ذِراعه حتى تناوَل قدَمي القريبة منه.

«يا إلهي، إنَّ في قدَمه حجرًا! أعرج! كنتُ أتوقَّع هذا!»

حاول الرجل في البداية أن ينزِع الحجر بيده، لكن لأنه صار مغروسًا بإحكامٍ الآن كالوتد، أخرجَ مِعْولًا من جيبه، وبحذَرٍ شديدٍ وببعض العناء استخرج الحجر. ثم رفعه في يده وقال: «تفضَّل، ذاك هو الحجر الذي عَلِق في قدم حصانك. إنها لمُعجزةٌ أنْ لم يَسقُط وتنكسِر رُكبتاه كذلك!»

قال سائقي: «نعم، بالتأكيد! هذا شيءٌ غريب! لم أعلمْ قبل ذلك قطُّ أنَّ الأحجار تَعلق بأقدام الخيول.»

قال المزارع بشيءٍ من الازدراء: «ألمْ تكن تعلم؟! لكنها تعلم، وأفضلها يحدُث له هذا، ولا مفرَّ منها أحيانًا على مثل هذه الطرق. وإذا كنتَ لا تريد لحصانك أن يعرُج فعليك أن تُحِدَّ النظر وأن تُخرِج هذه الأحجار سريعًا.» ثم أردف قائلًا، وهو يضع قدمي على الأرض برفقٍ ويربِّتُ عليَّ: «لقد تعرضَتْ هذه القدَم لكثيرٍ من الكدمات، وإن كان لي أن أُقدِّم النصيحة يا سيدي، فإنه يَحسُنُ بك أن تقوده برفقٍ بعض الوقت؛ إنَّ قدمه جريحةٌ جدًّا، ولن يزول العرَج منها سريعًا.»

بعد ذلك امتطى حصانه ورفع قُبَّعته تحيةً للسيدة وانصرَف.

بعدما ذهبَ بدأ سائقي يُحرِّك العِنان يَمنةً ويَسرة ويضرب طقمي بالسوط، ففهمتُ من فعله أن عليَّ متابعةَ السير، وهو ما فعلتُه بالتأكيد وأنا سعيدٌ بذهاب الحجَر عنِّي، لكني ظللتُ أُحسُّ بقدرٍ كبيرٍ من الألم.

هذه هي نوعية التجارِب التي غالبًا ما كنَّا نخضع لها نحن الخيول العاملة.

(٢٩) الكَوْكنيون

ثُم هناك طريقة المحرك البخاري في القيادة؛ كان هؤلاء السائقون غالبًا من أهل المُدن الذين لم يمتلكوا حصانًا قط، ويُسافرون عادةً بالقطار.

كان يبدو دائمًا من تصرفاتهم أنهم يَعتقدون أن الحصانَ هو شيءٌ شبيهٌ بالمحرِّك البخاري، لكنَّه أصغر حجمًا وحسب. وهم، على أية حال، يظنون أنه — لمجرد أنهم يدفعون الأجرة — فإن على الحصان أن يَقطع المسافة التي يريدون تمامًا، وأن يَسير بالسرعة التي يُريدون تمامًا وبالحمولة التي يريدون تمامًا. وسواءٌ كانت الطرق موحِلةً وقذرةً، أو جافةً وجيِّدة، وسواءٌ كانت مليئةً بالأحجار أو ممهَّدةً، صاعِدةً أو منحدرةً، فالأمر كلُّه سواء؛ إلى الأمام، إلى الأمام، إلى الأمام، على الحصان أن يواصل السير إلى الأمام، بالسرعة نفسها، دون راحةٍ أو اعتبار لأي شيء.

لم يخطر ببال هؤلاء القوم أبدًا أن يَخرجوا من عرباتهم ويَسيروا على أقدامهم عند صعود مُنحدَرٍ شديد الانحدار. أوه، لا، لقد دفَعوا لِيَركبوا، ولسوف يَركبون! وماذا عن الحصان؟ أوه، إنه مُعتادٌ على هذه الأمور! وإلا فلأيِّ شيءٍ خُلِقَت الخيول إذا لم تكن خُلِقت لجرِّ الناس إلى أعلى المُنحدرات؟! نمشي! هذه دعابةٌ جيدةٌ حقًّا! وهكذا يُستعمَل السوط بجِدٍّ ويُضْرَب بالعِنان، وفي أحوال كثيرةٍ يَصيح صوتٌ عنيفٌ مُوَبِّخٌ قائلًا: «تحرك، أيُّها الحيوان الكسول!» ثم تَتْلوه ضربةٌ أخرى بالسوط، بينما نحن نبذل أقصى ما بوُسعِنا طوال الوقت لكي نواصل السير، مُذعِنين غيرَ شاكِين، رغم شدَّةِ ما نُعانيه غالبًا من الإرهاق والقنوط.

تُنهكنا القيادة بطريقة الْمُحرك البخاري هذه أسرعَ من أيةِ طريقةٍ أُخرى. إنَّني أُفضِّل كثيرًا أن أسير مسافةَ عشرين ميلٍ مع سائقٍ طيِّبٍ يُراعي حقوق الخيل ومشاعرها على أن أسير عشرة أميالٍ مع واحدٍ من هؤلاء؛ لأنَّ هذا لن يَستنزف الكثيرَ من طاقتي.

ثمة أمر آخر، وهو أنهم نادرًا جدًّا ما يَستخدمون المكابح، مهما بلغَتْ حِدَّةُ المنحدر، وبهذا تقع حوادثُ سيئةٌ أحيانًا؛ أو إذا استعملوها، فإنهم عادةً ما ينسَوْن فصلها عند الوصول إلى سفْح التل، وقد اضطُرِرتُ أكثرَ من مرةٍ أن أسحب العربة إلى منتصف المسافة صعودًا على التلَّة التالية وإحدى عجلاتها مُكبَّلة بالمكابح، قبل أن يُقرِّر سائقي الالْتِفاتَ إليها؛ وذلك أمرٌ مرهقٌ جدًّا لأيِّ حصان.

ثُمَّ إن هؤلاء الكَوْكنيين (أبناء الطرف الشرقيِّ من لندن)، بدلًا من البدء بسرعةٍ معتدلةٍ — كما يفعل أيُّ سيِّدٍ نبيل — عادةً ما يَنطلقون بأقصى سرعةٍ من فِناء الإسطبل نفسِه، وعندما يريدون التوقُّف فإنهم يَضربوننا بالسوط أولًا، ثم يتوقَّفون بطريقةٍ مفاجئةٍ جدًّا حتى لنكاد نسقط على أكفالنا وتنشقُّ أفواهنا من الشكيمة؛ وهم يُسمُّون هذا بالتوقُّف الحماسيِّ؛ وعندما يجتازون مُنعطفًا فإنهم يفعلون ذلك بحِدَّةٍ بالغةٍ وكأنه ليس للطريق جانبٌ صحيح وجانب مُعاكس.

أذكر جيدًا مساءَ يومٍ من أيام فصل الربيع، حيث كنَّا أنا وروي قد بقينا خارج الإسطبل طوال اليوم. (روي هو الحصان الذي كان يخرج معي غالبًا عندما يُطلَب زوجان من الخيول، وقد كان رفيقًا طيبًا مخلصًا.) كان معنا سائقنا، ولأنه كان مُراعيًا لنا ولطيفًا معنا دائمًا؛ فقد قضَينا يومًا لطيفًا جدًّا. كنا نسير سيرًا نشيطًا جيدًا في طريقنا إلى المنزل، وكان ذلك ساعةَ انتشار الشفق تقريبًا. انعطف بنا الطريقُ انعطافًا حادًّا جهةَ اليسار؛ ولكن إذ كنا قريبِين من السياج الشجري، وفي الجانب الذي يجدُر بنا السَّير فيه من الطريق، وكانت تُوجَد مساحةٌ كبيرةٌ لمن يريد المرور، لهذا لم يَكبحنا سائقنا. ومع اقترابنا من المنعطف سمعتُ حِصانًا وعجلتَيْ عربةٍ ينزلون على المنحدر سريعًا باتجاهنا. كان السياج الشجريُّ عاليًا، فلم أتمكَّن من رؤية شيء، لكن في اللحظة التالية كنَّا مُتواجِهَين أحدنا للآخَر. لحُسن حظي، كنتُ في الجانب القريب من السياج الشجري. كان روي في الجانب الأيسر من عريش العربة، ولم يكن لدَيه حتى عريشٌ جانبيٌّ لحمايته. كان الرجل الذي كان يقود تلك العربةَ مُتوجهًا مباشرةً إلى المنعطف، وعندما أصبح في نطاق رؤيتنا لم يكن لدَيه وقتٌ لإيقاف عربته في الجانب الذي يخصُّه من الطريق. كان الاصطدام كلُّه من نصيب روي. اصطدم عريشُ العربة الجانبيُّ بصدرِه مباشرةً، فجعله يترنَّح إلى الخلف وهو يصرُخ صرخةً لن أنساها أبدًا. سقط الحصان الآخر على كفَلَيه وانكسر أحدُ عريشي العربة. اتَّضح أنه كان أحدَ خيول إسطبلاتنا، وكان يجرُّ العربةَ ذات العجلات العالية التي كان الشُّبَّان مولَعِين بها للغاية.

كان السائق واحدًا من أولئك الرجال المجهولين الجاهلين، الذين لا يعرفون حتى ما هو جانبهم من الطريق، أو إذا عرَفوا، فإنهم لا يُلقون لذلك بالًا. رقد روي المسكين هناك وراح جسمه المُمزَّق ينزف، كان الدم يسيل منه على الأرض. قال الرجال إنه لو كانت الإصابة أقربَ قليلًا إلى أحد الجانبين لكانتْ قتلَتْه؛ ولو أن ذلك حدث، لكان مِن الأفضل لهذا المسكين.

لكنْ نظرًا لما كانت عليه الحال، فلم يُشفَ جرحُه إلَّا بعد مدة طويلة، ثم بِيع للعمل في جرِّ عربات الفحم؛ ولا يَعلم ما في صعود وهبوط تلك المُنحدرات الحادَّة من مشقَّةٍ إلا الخيل. بعض ما رأيتُه من المشاهد هناك يُحزنني تذكُّرُه حتى هذه اللحظة، حيث كان على الحصان أن ينزل على المُنحدَر وهو يجرُّ وراءه عربةً ثقيلة الحمولة ذاتَ عجلتَين يتعذَّر تركيبُ مكابِحَ فيها.

بعدما أُقعِد روي عن العمل كنتُ أجرُّ العربة غالبًا مع فرسةٍ تُدعى بيجي، كانت تقِف في المربط المجاور لي. كانتْ فرسةً قويةَ البِنية مُتناسِقة القوام، كان لونها أشهَبَ داكنًا برَّاقًا، مَشوبًا برَقْط جميل، وكان لها ذيلٌ وعُرفٌ ذَوا لونٍ بنيٍّ قاتم. لم يكن فيها ما يدلُّ على كونها من سُلالةٍ راقية، لكنها كانت جميلةً جدًّا وحلوة الطباع بصورة لافتة للنظر، كما كانت مُتحمسةً للعمل. ورغم ذلك، فقد كان في عينها نظرةٌ قلِقةٌ عرَفتُ من خلالها أنها كانت تُعاني مشكلةً ما. لاحظتُ في أول مرة خرَجتُ أنا وهي معًا أن طريقة سيرها غريبة جدًّا؛ كانت تَسير بين الخبَب والتقريب ثلاث أو أربع خطواتٍ، ثم تَثِب وثبةً خفيفة للأمام.

كان هذا أمرًا غير لطيف جدًّا لأي حصانٍ يُرافقها، وقد جعلَني عصبيًّا جدًّا. عندما عُدنا إلى البيت سألتُها: لماذا كانت تسير بهذه الطريقة المُربكة الغريبة.

قالت باضطراب: «آه، أعلم أن طريقة مشيي سيِّئة للغاية، لكن ماذا عساي أن أفعل؟ إنها حقًّا ليست غلطتي؛ إنما السبب أن أرجُلي قصيرة جدًّا. أنا في مثل طولك تقريبًا، لكنَّ أرجلك أطولُ من أرجلي بثلاث بوصاتٍ كاملاتٍ فوق الركبة، وتستطيعُ بالطبع أن تخطوَ خطواتٍ أوسعَ وأن تسير أسرع كثيرًا. أنا لم أصنع نفسي. وأتمنَّى لو كنتُ أستطيع فعل ذلك، إذن لكنتُ جعَلتُ لنفسي أرجلًا طويلة.» ثم قالتْ بنبرةٍ يائسة: «كل مشاكلي مصدرُها أرجلي القصيرة.»

قلتُ: «لكن كيف هذا وأنتِ قوية البِنية، وهادئة الطِّباع، ومُتحمسة للغاية؟»

قالت: «يا إلهي، إن الرجال ينطلقون بسرعةٍ كبيرةٍ جدًّا، وإذا لم أستطع مُجاراة الخيول الأخرى فلا شيء سوى السَّوط، السَّوط، السَّوط، طوال الوقت؛ لذا كان عليَّ أن أُجاريَ الحصان الآخر بقدْر ما أستطيع، ومن ثمَّ دخَلتُ في هذه الحالة من المشي المُضطرِب القبيح. لم تكن الحالُ هكذا دائمًا؛ فعندما كنتُ مع سيدي الأول كنتُ دائمًا أخبُّ خَببًا جيدًا مُنتظِمًا، لكنه في ذلك الوقت لم يكن مُتعجِّلًا هكذا. لقد كان كاهنًا شابًّا في الريف، وكان سيدًا كريمًا طيبًا. كان يرعى كنيستَين تَبعدُ إحداهما عن الأخرى مسافةً ليست بالقليلة، وكان لديه الكثير من العمل، لكنه لم يُوبِّخني ولم يَجلدني قطُّ على عدم السير بسرعة أكبر. كان يُحبني جدًّا. ليتني كنتُ معه الآن؛ لكنه كان مضطرًّا للمُغادرة والذَّهاب إلى مدينة كبيرة، ومن ثمَّ باعني لأحد المزارعين.»

«بعض المزارعين، كما تَعرف، سادةٌ رائعون؛ لكنني أعتقد أن هذا الرجل كان من نوع الرجال الوُضعاء. لم يكن يهتمُّ مطلقًا بالخيول الجيدة، ولا القيادة الجيدة؛ إنما كان يهمُّه فقط أن يَنطلق بسرعة. كنتُ أجري بأسرعِ ما يُمكنني، لكنَّ هذا لم يكن يرضيه، ودائمًا ما كان يجلدني بالسوط؛ لذا تعوَّدتُ على الوثب إلى الأمام بهذه الطريقة لكي أحافظ على السرعة التي يُريدها. لقد كان معتادًا على السهر لوقتٍ متأخرٍ جدًّا في الحانة في الليالي التي يُقام فيها السوق، ثم كان يَجعلني أعدو عند الرجوع إلى المنزل.»

«في إحدى الليالي المُظلمة كان عائدًا إلى البيت عدْوًا كعادته، وفجأةً اصطدمت عجلة العربة بشيءٍ ضخمٍ ثقيلٍ على الطريق، وانقلبت العربة رأسًا على عقب في لمح البصر. طاح الرجل خارج العربة وكُسِرَت ذراعه، وبعضُ أضلاعه، على ما أعتقد. على أية حال، كانت هذه نهايةُ إقامتي معه، ولم أحزن على فراقه. لكنَّ حالي ستكون نفس الحال في كل مكانٍ، إذا أصرَّ الرجال على السير بسرعةٍ كبيرة. ليْتَ أرجلي كانت أطول!»

يا لبيجي المسكينة! رثَيتُ لحالها كثيرًا، ولم أستطع التخفيف عنها؛ لأنني كنتُ أعرف كم هو شاقٌّ على الخيول البطيئةِ الخُطى أن تُربَط إلى جوار السريعة منها! فالجَلد كله يكون من نصيبها، وهي لا تستطيع دفعه عن نفسها.

كانت بيجي تُستخدَم غالبًا لجرِّ عربة الفايتون، وكان بعض السيدات يُحبِبنها كثيرًا؛ لأنها كانت سهلةَ القياد للغاية، وبعد مرور بعض الوقت على هذا الحوار بِيعتْ لسيدتَين تقودان العربة بأنفسِهما، وكانتا تُريدان حصانًا جيدًا ومأمونًا.

قابلتُها مراتٍ عدةً في طرقات القرية، وهي تسير بخطواتٍ جيدة ثابتة، وقد بلغَتْ من المرح والسرور غايةَ ما يمكن لأي فرسٍ أن يَبلغه. كنتُ أشعر بسرورٍ كبيرٍ عند رؤيتها كذلك؛ لأنها كانت تستحق العيش في مكانٍ جيد.

بعدَما تركَتْنا جاء حصانٌ آخرُ مكانَها. كان صغيرًا، وكانت له سُمعةٌ سيئةٌ بسبب إجفاله ونفوره اللَّذَيْن خسرَ بسببهما مكانًا جيدًا. سألتُه عن السبب وراء إجفاله.

فقال: «في الواقع، أنا لا أكاد أعرف، لكنَّني كنتُ جبانًا وأنا صغير، وتعرَّضتُ للذُّعر مراتٍ عديدةً جدًّا، كما اعتدتُ إذا ما رأيتُ أيَّ شيءٍ غريبٍ أن أستدير وأنظر إليه — لأنَّنا كما تعرف، عندما نرتدي الغِمامتين لا نستطيع أن نرى أيَّ شيءٍ أو أن نفهم ما هو إلَّا إذا نظَرنا حولنا — ولهذا كان سيدي دائمًا يضربني بالسوط، مما جعلني أجفُل بالتأكيد، ولم يَجعلني أقلَّ خوفًا. أعتقد أنه لو كان سُمِح لي فقط أن أنظر إلى الأشياء في هدوء، وأعرف أنه لم يكن ثمةَ ما يُؤذيني، لكان الأمر أصبح على ما يُرام، وكنتُ سأتعوَّد على تلك الأشياء. ذات يومٍ كان يركب معه رجلٌ عجوز، وحملَتِ الريحُ قطعةً كبيرةً من الورق الأبيض أو القماش بجوار أحدِ جنبَيَّ مباشرةً. فأجفلتُ ووثبتُ إلى الأمام. وراح سيدي كالعادة يَجلِدني جلدًا مُؤلِمًا، لكنَّ الرجل العجوز صاح قائلًا: «أنت مُخطئ! أنت مُخطئ! ينبغي ألَّا تجلِد حصانًا على إجفاله أبدًا؛ لقد أجفل لأنه خائف، وأنت إنما تُخيفه أكثرَ وتَزيد عادته سوءًا.» لهذا لا أظنُّ أن جميع الرجال يفعلون فعله. أنا متأكدٌ أنني لا أريد أن أجفل من أجل الإجفال وحسْب؛ لكن كيف يتسنَّى للحصان منَّا أن يعرف الأشياء الخطيرة من غير الخطيرة إذا لم يُسمَحْ له مُطلقًا بالتعوُّد على أيِّ شيء؟ أنا لا أخاف أبدًا ممَّا أعرف. وحيث إنني رُبِّيتُ في رحبةٍ كان فيها غزلان؛ فلا شكَّ أني عرَفتُها تمامًا كمَعرفتي بالخرفان أو البقر، لكنها غيرُ مُنتشرة، وأنا أعرف كثيرًا من الخيول الحصيفة التي تخاف منها، والتي قد تتسبَّب في اضطرابٍ حقيقي قبل أن تَجتاز مُسترادًا فيه غزلان.»

كنتُ أعرف أن ما قاله رفيقي صحيح، وتمنيتُ أن لو حَظِي كلُّ حصانٍ صغيرٍ بأسيادٍ طيِّبين كالمزارع جراي وسكواير جوردن.

حَظِينا هنا بالطبع في بعض الأحيان بقيادةٍ جيدة. أذكر أنَّني رُبِطتُ في العربة الخفيفة ذات صباحٍ، وأَخِذتُ إلى منزلٍ في شارع بالتني ستريت. خرَج منه رجلان؛ اقترب أطولُهما من رأسي، وراح يفحص الشكيمة واللجام، ثم حرَّك الطوق المُحيط برقبَتي بيده فقط، ليرى إن كان وُضع بطريقةٍ تُريحني أم لا.

ثم قال للسائس: «أتعتقِد أن هذا الحصان يحتاج إلى شكيمة؟»

قال السائس: «في الواقع، أعتقد أن بإمكانه السيرَ بطريقةٍ أفضل من دونها؛ إن له فمًا جيدًا على غير المُعتاد، ورغم نشاطه العالي فهو بلا عيوب؛ لكنَّنا نجد أن الناس عمومًا يُحبُّون الشكيمة.»

قال الرجل: «أنا لا أحبُّها. أسْدِ إليَّ معروفًا بنزعها، وثبِّت العِنان على جانب رأسه. إن حصانًا سلسَ المقاد لهو شيءٌ رائعٌ في رحلةٍ طويلة.» ثم قال وهو يربِّتُ على رقبتي: «أليس كذلك يا صديقي العزيز؟»

بعد ذلك أمسكَ بالعِنان، وصعد كِلاهما إلى العربة. يُمكنني أن أتذكَّر الآن كيف أدارني بهدوء، وكيف انطلقْنا بعد ذلك بعدما لمَس العِنان لمسةً خفيفة وألقى السوط برفقٍ على ظهري.

قوَّستُ رقبتي وانطلقتُ بأقصى سُرعة عندي. ووجدتُ أن خلفي شخصًا يعرف كيف ينبغي لحصانٍ جيدٍ أن يُقاد. بدا لي وكأنَّ الأيام الخواليَ تعود مرةً أخرى، وجعلني هذا أشعُر ببهجةٍ غامرة.

أحبَّني هذا السيدُ كثيرًا، وبعد أن جرَّب قيادتي بالسَّرج عدةَ مراتٍ نجحَ في إقناع سيِّدي ببيعي لواحدٍ من أصدقائه؛ حيث كان صديقُه هذا يريد حصانًا جميلًا ومأمونًا من أجل الركوب. وهكذا باعَني سيِّدي في فصل الصيف للسيد باري.

(٣٠) لص

كان سيِّدي الجديد رجلًا أعزَب. كان يعيش في مدينة باث، وكان كثيرَ الانشغال بالعمل. نصَحه طبيبُه بتمارين ركوب الخيل، ولهذا الغرَض اشتراني. استأجرَ أحدَ الإسطبلات على مَقرُبةٍ من منزله، وعيَّن رجلًا يُدعى فيلتشر سائسًا. لم يكن سيِّدي يعلم سوى القليلِ جدًّا عن الخيول، لكنه كان يُحسِنُ معاملتي، وكنتُ سأحظى عنده بمكانٍ مريحٍ جيدٍ لولا عدمُ وجود بعض الظروف التي كان يجهلها. أمرَ بإحضارِ أفضل أنواع التِّبن مع كثيرٍ من حبوب الشوفان، وحبوب الفول المطحونة، والنُّخالة، وعلف البيقية، أو عشب الشيلم، بالقدْر الذي يَراه الرجل ضروريًّا. سمعتُ سيِّدي يُعطي الأمر، فعَلمتُ أنه سيكون هناك الكثيرُ من الطعام الجيد، واعتقدتُ أني أصبحتُ في رفاهية.

لبضعة أيامٍ سارت الأمور كلها على ما يرام. وجدتُ أنَّ سائسي كان يَعي عمله. كان يحافظ على نظافة الإسطبل وتهويته تهويةً جيدة، وكان يُنظفني بعناية، ولم يكن دومًا إلَّا رفيقًا بي. لقد كان يعمل قبل ذلك سائسًا في واحدٍ من الفنادق الكبيرة بمدينة باث. لكنه ترك ذلك العمل، وأصبح حينَذاك يجمع الخضروات والفاكهة من أجل السوق، أما زوجته فكانت تُربي الأرانبَ والدواجن وتُسمِّنها لتبيعها. بدا لي بعد مدةٍ قصيرةٍ أنَّ حبوب الشوفان نقصَتْ كثيرًا؛ كان عندي حبوب الفول المطحونة، لكنَّ النُّخالة كانت تُخلَط معها بدلَ حبوب الشوفان، التي لم يكن يُوجَد منها إلَّا كمية قليلة للغاية؛ لم تكن تزيد بالتأكيد على ربع الكمية التي كان ينبغي أن تكون موجودة. بعد أسبوعين أو ثلاثة بدأ هذا ينعكس سلبًا على قوَّتي ونشاطي. أما الطعام العُشبي، فمع كونه جيدًا جدًّا، لكنه لم يكن هو ما يصلح للحفاظ على حالتي الصحيَّة دون الاحتياج لحبوب الذرة. ورغم هذا لم أكن أستطيع الشكوى ولا الإفصاحَ عن احتياجاتي. استمرَّ الوضع هكذا مدةَ شهرين تقريبًا، وعجبتُ أن سيِّدي لم يَلحظ وجود مُشكلة. لكنه برغم هذا خرج مُمتطيًا ظهري في فترة ما بعد الظهر من أحد الأيام، وسار بي في طرقات الريف لزيارة أحد أصدقائه؛ وهو مُزارعٌ كان يعيش في منزل يقَع على الطريق المؤدِّية إلى مدينة ويلز.

كان لهذا الرجل نظرةٌ لمَّاحة جدًّا في الخيول؛ فبعدما رحَّب بصديقه صوَّبَ بصرَه إليَّ وقال:

«أرى يا باري أن حِصانك لا يبدو في حالٍ جيدةٍ كما كان عندما اشتريتَه في بداية الأمر؛ هل صحَّته جيدة؟»

قال سيدي: «نعم، أظنُّ ذلك. لكنه لم يَعُد مفعَمًا بالنشاط كما كان من قبل، وقد قال لي سائسي إنَّ الخيول دائمًا ما تكون خاملةً وضعيفةً في فصل الخريف، وإن عليَّ أن أتوقَّع حدوث هذا.»

قال المزارع: «الخريف، هذا هُراء! يا إلهي، إنَّنا ما نزال في شهر أغسطس؛ وما كان ينبغي أن يتدهوَر حاله هكذا مع قلَّة ما تُكلِّفه من العمل ومع ما تُطعِمه من جيدِ الطعام، حتى ولو كنَّا في الخريف. ماذا تُطعِمه؟»

أخبرَه سيدي. فأخذ الآخرُ يهزُّ رأسه ببطءٍ ثم بدأ يجسُّ جسمي.

وقال: «لا أعرف مَن يأكل حبوب الذرة التي اشتريتَها يا صديقي العزيز، لكنني سأكون مُخطئًا جدًّا لو قلتُ إن حصانك يحصل عليها. هل كنتَ تُسرع جدًّا به في الجري؟»

«لا، بل كنتُ أسير به برفقٍ بالغ.»

قال المزارع وهو يُمرِّر يدَه فوق رقبتي وكتِفي: «إذن ضعْ يدك هنا فحسب. إنَّ جسمه دافئٌ ورطبٌ وكأنه قادمٌ لتوِّه من المرعى. أنصحك أن تتحرَّى في أمر إسطبلك أكثرَ قليلًا. أنا أكره النزوع إلى الشك، وحمدًا للرب، فليس لديَّ ما يَدعوني إلى ذلك؛ لأنني أستطيع الوثوق في رجالي، سواءٌ في حضوري أو غيابي؛ ولكن يُوجَد أوغادٌ حقيرون، خُبثاء بما يكفي لكي يَسرقوا طعام حيوانٍ أعجم. عليك أن تتحرَّى الأمر.» ثم قال وهو يلتفِت إلى عامله الذي جاء ليأخذني: «أطعِم هذا الحصان جيدًا من حبوب الشوفان المطحونة، ولا تُقتِّر عليه.»

«حيوانات عجماء!» نعم، نحن هكذا؛ لكنَّني لو كنتُ أستطيع الكلام لكنتُ أخبرتُ سيدي إلي أيِّ مكانٍ ذهب ما اشتراه من حبوب الشوفان. اعتاد سائسي أن يأتيَ إلى الإسطبل في الساعة السادسة تقريبًا كلَّ صباحٍ ومعه صبيٌّ صغير، وكانت مع الصبي دائمًا سلَّة مُغطَّاة. تعوَّد الصبيُّ أن يذهب مع أبيه إلى غرفة السروج، حيث مكانُ حفظ الحبوب، وكنتُ أستطيع رؤيتَهما، والباب موارب، يَملآن كيسًا صغيرًا بحبوب الشوفان من الصندوق الذي كانت تُخزَّن فيه، ثم ينطلق به الصبي.

بعد مرور خمسة أو ستة أيامٍ على هذا، وبعد أن غادر الصبي الإسطبل مباشرة، فُتِح البابُ ودخَل منه شرطيٌ مُمسِكًا الصبيَّ من ذراعه بقوة؛ ثم تبِعه شرطيٌّ آخر، وأقفل الباب من الداخل، قائلًا: «أرِني أين يحفظُ أبوك طعامَ أرانبه.»

بدا الصبيُّ مذعورًا جدًّا وراح يبكي؛ لكنْ لم يكن ثمَّةَ مَهرب، فقادَهما إلى صندوق خزن الشوفان. وهناك وجَد الشرطيُّ كيسًا فارغًا آخر يُشبِه ذلك الذي وجَده مملوءًا بالشوفان في سلَّة الصبي.

كان فيلتشر في ذلك الوقت يُنظِّف أقدامي، لكنهما رأَياه على الفور، ورغم أنه ظلَّ يتكلم بعُنفٍ ويتوعَّد كثيرًا فقد ساقاه إلى «الحبس»، وابنه معه. سمعتُ بعد ذلك أن الصبيَّ لم يُعتبَر مُذنِبًا، لكنَّ الرجل نال حُكمًا بالسجن مدَّة شهرَين.

(٣١) مُخادع

لم يعثر سيدي على السائس المناسب على الفور، لكن بعد أيام قليلةٍ جاء سائِسي الجديد. كان رجلًا طويل القامة ووسيمًا جدًّا؛ لكن لو أنَّ الخِداع تجسَّد يومًا في صورة سائس لكان ألفريد سميث هو ذلك السائس. كان لطيفًا معي للغاية، ولم يُسِئ معاملتي قط؛ في الحقيقة، كان يُربِّت عليَّ ويُلاطفني كثيرًا في وجود سيِّده من أجل أن يُرِيَه ذلك. وكان دائمًا يُسرِّح عُرفي وذَيلي بالماء ويدهن حوافِري بالزيت قبل أن يأخُذني إلى الباب، لكي يجعَلني أبدُوَ أنيقًا؛ أما عن تنظيف أقدامي أو فحص حَدواتي، أو تنظيف جسدي بعناية، فما كان يُعير ذلك اهتمامًا أكثرَ ممَّا لو كنتُ بقرة. كان يترُك شكيمتي مُغطَّاةً بالصدأ، وسرجي رطبًا، ومِذيلتي مُتيبِّسة.

كان ألفريد سميث يَعتبر نفسه وسيمًا للغاية؛ وكان يقضي وقتًا طويلًا في العناية بشعره وسوالفه وربطةِ عُنقه أمامَ مرآةٍ صغيرةٍ في غرفة السروج. كان دَيدنه دائمًا عندما يُخاطبه سيِّده أن يقول: «نعم يا سيدي، نعم يا سيدي.» مُمسِكًا بطرف قُبَّعته مع كل كلمة؛ دلالةً على الاحترام، وكان الجميع يَعتقدون أنه شابٌّ مؤدَّبٌ جدًّا، وأن السيد باري كان محظوظًا للغاية لأنه حَظي به. لكنَّني أؤكد أنه الأكثرُ كسلًا واختيالًا بذاته فيمَن قابلتُ على الإطلاق‎. لا شكَّ أن عدَم التعرُّض لسوء المُعاملة كان أمرًا رائعًا، لكن من ناحية أخرى فإن أيَّ حصانٍ يحتاج إلى أكثرَ من هذا. كانت عندي حظيرةٌ أُترَك فيها سائبًا، وكان من الممكن أن تكون مُريحةً جدًّا لولا تكاسُلُه الشديد عن تنظيفها. لم يكن يُفرِغها من القشَّ كلِّه قط، وكانت الرائحة المنبعِثةُ مما تحته سيئةً للغاية؛ في حين أن الأبخِرة كريهةَ الرائحةِ التي ظلَّتْ تتصاعَدُ آلمَت عينيَّ، وتسببت في التهابهما، ولم تعُد شهيَّتي إلى الطعام كما كانت من قبل.

ذات يومٍ جاء سيدُه وقال: «ألفريد، إنَّ رائحة الإسطبل كريهةٌ بعضَ الشيء؛ هلَّا تُنظِّف هذا المربط جيدًا وتسكُب فيه كمية وفيرةً من المياه؟»

قال وهو يُمسك بطرف قبعته: «حسنٌ يا سيدي، سأفعل هذا إذا أردتَ يا سيدي؛ لكنَّ سكب الماء في حظيرة الخيول خطيرٌ بعض الشيءِ يا سيدي؛ إنها شديدةُ القابلية للإصابة بالبرْد يا سيدي. أنا لا أُحبُّ أن أتسبَّب له في الأذى، لكنني سأفعل ذلك إذا أردتَ يا سيدي.»

قال سيِّدُه: «حسنٌ، أنا لا أُحبُّ أن يُصاب بالبرد؛ لكنَّني لا أُحبُّ رائحة هذا الإسطبل. أتعتقِد أن مصرف المياه على ما يُرام؟»

«في الواقع يا سيدي، لقد ذكَّرتَني بهذا، أظنُّ أن المصرف ينبعِث منه شيءٌ من الرائحة أحيانًا؛ ربما يُوجَد خطأٌ ما يا سيدي.»

قال سيِّدُه: «أرسِل إذن في طلَب البنَّاء وتحقَّق منه.»

«حسنٌ يا سيدي، سوف أفعل.»

جاء البنَّاء ونزع كثيرًا من الطوب، لكن لم يجِد شيئًا على غير ما يُرام؛ ومن ثم وضع بعض الكلس، وطلب من سيِّدي خمسة شلنات، وظلَّت الرائحة في حظيرتي كريهةً كما كانت. لكنَّ هذا لم يكن كلَّ شيء؛ حيث اعتلَّتْ أقدامي وضعفَتْ بسبب وقوفي فوق كمية من القشِّ الرطب. وكان سيدي يقول:

«لا أدري ماذا أصاب هذا الحصان؛ لقد صارت قدَماه تتخبَّطان جدًّا. إنَّني أخشى أحيانًا أن يكبو.»

قال ألفريد: «نعم يا سيدي، لقد لاحظتُ أنا نفسي الشيء ذاتَه، عندما كنتُ أُريِّضه.»

حقيقة الأمر أنه نادرًا ما كان يُريِّضُني أصلًا، وغالبًا ما كنتُ أقفُ أيامًا متواصِلةً دون أن أتمشَّى على الإطلاق عندما يكون سيدي مُنشغِلًا في أعماله، ومع ذلك كان ألفريد يُطعِمني كثيرًا كما لو كنتُ أقوم بعملٍ شاق. وكثيرًا ما كان هذا يُصيب صحَّتي بالاعتلال، وكان يُصيبني بالبَلادة والفتور أحيانًا، وأحيانًا أكثر بالتملمُل وفَرْط النشاط. بل إنه لم يُعطِني قطُّ وجبةً واحدةً من الأعشاب الخضراء أو هَريس النخالة، والتي كان من شأنها أن تُهدئني؛ لأنه كان جاهلًا تمامًا بقدْر ما كان مُختالًا بنفسه؛ ومن ثَمَّ، بدلًا من التريُّض أو تغيير الطعام، تعيَّن عليَّ أن أتناوَل أقراصًا وأشربةَ دواء الخيل؛ التي عادةً ما كانت تجعلني أشعُر بالمرض وعدم الارتياح، فضلًا عن الإزعاج الناتج من سَكبها في حلقي.

في أحد الأيام كانت أقدامي ضعيفةً جدًّا، لدرجة أنَّني كنتُ أخُبُّ فوق بعض الأحجار المنثورة حديثًا على الأرض وسيِّدي مُمتطٍ صهوتي فكبَوتُ كبوتَين خطيرتَين للغاية، حتى إنه عندما جاء من ضاحية لانسداون إلى المدينة توقَّف عند الطبيب البيطري، وطلب منه أن يرى ما أصابني. رفع الرجُل أقدامي واحدةً تلو الأخرى وراح يفحصها؛ ثم وقف وأخذ يضرب إحدى يدَيه في الأخرى لينفض الغبار عنهما، وقال:

«إنَّ حصانك مصابٌ بداء «السعفة» وإصابته خطيرةٌ أيضًا؛ إنَّ أقدامه ضعيفةٌ للغاية، من حُسن الحظِّ أنه لم يسقُط. أنا مندهِشٌ أن سائسك لم يلحَظ هذا من قبل. هذا هو نوع الإصابات التي نجِدها في الإسطبلات القذِرة، التي لا تُطهَّر من المُخلَّفات كما ينبغي مطلقًا. إذا بعثتَ به إليَّ غدًا فسأعتني بالحافر، وسأُعلِّم خادِمَك كيف يضَع له المرهم الذي سأُعطيه إياه.»

في اليوم التالي نظَّف الطبيب أقدامي بعناية وحَشاها بنُسالة كَتَّان مُشرَبة بغَسولٍ طبيٍّ مُركَّز، وكم كانت عمليةً بغيضة.

أمر الطبيب البيطري بإخراج جميع المُخلَّفات من حظيرتي يوميًّا، فظلَّت الأرضية بهذا في غاية النظافة. ثم أصبحتُ بعد ذلك أتناول هَريس النُّخالة، وقليلًا من الأعشاب الخضراء، وكمية غيرَ كثيرةٍ من الشوفان، حتى تعافَتْ أقدامي مرةً أخرى. استعَدتُ نشاطي سريعًا بفضل هذا العلاج؛ لكنَّ السيد باري كان مُشمئزًّا جدًّا؛ لأن سائسَيْه خدَعاه مرَّتَين لدرجةِ أنه قرَّر التوقُّف عن تربية الخيول، وأن يستأجرها فقط عندما يحتاجها؛ لهذا أبقاني حتى تعافَتْ أقدامي تمامًا، ثم باعني مرةً أُخرى.

(٣٢) سوق الخيول

لا شكَّ أن سوق الخيول مكان مُسلٍّ جدًّا لأولئك الذين ليس لديهم ما يَخسرونه؛ إذ إن به، على أية حال، الكثيرَ ممَّا يُمكن مُشاهدته.

أسرابٌ طويلةٌ من خيول الريف الصغيرة، قادمة لتوِّها من المُستنقَعات، وقطعانٌ من أقزام الخيل الويلزية؛ قصيرة القامة خَشنة الشعر، لا يَزيد ارتفاعها على ارتفاع ميريليجز، ومئاتٌ من خيول جرِّ العربات من جميع الأنواع، وقد جُدِلَت الذيول الطِّوال بعضُها لبعضٍ إلى أعلى، ورُبِطت بأربطة قرمزية، وأعدادٌ كثيرةٌ مثلي، حسَنة المظهر، نبيلة الأصل، لكنها انحدرَت إلى الفئة الوسطى بسبب حادثة أو علَّةٍ ما؛ كاعتلال التنفُّس، أو بعض الأمراض الأخرى. كان يُوجَد بعض الخيول الرائعة في رَيْعان عمرها، وكانت صالحةً لأي شيء؛ كانت تمدُّ أرجُلَها، وتستعرض خَطْوها بأسلوبٍ رفيع، وهي تُعرَض على أنظار الناس، والسائس يَجري بجوارها مُمسِكًا بعِنان القيادة. غير أنه كان يُوجَد في الخلفية حولنا عددٌ من المخلوقات البائسة التي أنهكَها العمل الشاقُّ على نحوٍ مُؤسِف، كانت رُكَبها مقوَّسةً وأرجلها الخلفية تتمايَل مع كل خطوة، وكان هناك مجموعةٌ من الخيول العجوزة يَكسو ملامحَها حزنٌ شديد، شفاهها السُّفلى مُتدلِّية وآذانها مُرتخية إلى الوراء بشدَّة، وكأنما لم يَعُد ثمَّة سعادةٌ في الحياة ولا أمل، وكان بعضها شديدَ النُّحول حتى إنه كان يُمكنك أن ترى جميع أضلاعها، كما كان على ظهور وأعجاز بعضها قروحٌ قديمة. كانت هذه مَشاهد يُحزن أيَّ حصانٍ أن ينظُر إليها؛ إذ يعلم أنه ربما يصِل إلى الحالة ذاتها.

كان ثمَّة الكثيرُ من المُساومة، ومن رفع الأسعار وخفضها؛ ولو أنَّ لحصانٍ أنْ يُصرِّح بأفكاره بمقدار ما يَفهم، فإنَّني أُؤكد أنَّ ما في سوق الخيول هذا من الكذِب والخداع كان أكثرَ بكثيرٍ من أن يسرده رجلٌ أريب. أما أنا فوُضِعتُ مع حِصانَين أو ثلاثةٍ آخَرِين، أقوياء البنية يُوحي مظهرُهم بارتفاع قيمتهم، فجاء عددٌ كبيرٌ من الناس لمُشاهدَتنا. كان الرجال دائمًا يُعرِضون عنِّي عندما يرَون ركبتيَّ المكسورتَين؛ مع أن الرجل الذي كنتُ معه أقسمَ لهم أن الأمر لم يكن يَعْدو كوْنَه انزلاقًا تعرَّضتُ له وأنا في المربط.

كان أول شيءٍ يفعلونه أن يفتحوا فمي، ثم ينظروا إلى عينَيَّ، وكانوا بعد ذلك يفحصون أرجلي فحصًا كاملًا بأيديهم حتى أسفلها، ويفحصون جِلدي وجسمي فحصًا شديدًا، ثم بعد ذلك يختبرون طريقتي في المشي. كان الاختلاف في طريقة القيام بهذه الأمور يبعث على العجَب؛ كان بعض الناس يقومون بذلك بطريقةٍ عنيفةٍ خشنة، وكأنَّني لم أكن سِوى قطعة من الخشب؛ بينما كان آخرون يُمِرُّون أيديَهم برفقٍ على جسمي، ويُربِّتون عليَّ بين الحين والآخر، ويردِّدون بالقدْر نفسه قوْلَ: «بعد إذنك.» وبالطبع كنتُ أُقيِّم كثيرًا من المُشترين من طريقة تعامُلهم معي.

كان ثمَّة رجلٌ واحد، اعتقدتُ أنَّني سأكون سعيدًا لو أنه اشتراني. لم يكن من فئة السادة الأثرياء، ولا حتى من أولئك الصاخِبين المُبهرَجين الذين يدَّعون لأنفسهم الثراء. كان صغير الحجم نوعًا ما، لكنه كان قويَّ البِنْية، وسريعًا في كل حركاته. أدركتُ على الفور من الطريقة التي تَعامل بها معي أنه كان معتادًا على التعامُل مع الخيول؛ كان يتكلم برقَّة، وكانت نظرةُ عينه الرماديةِ اللونِ لطيفةً مرِحة. قد يبدو غريبًا أن أقول إنَّ رائحته النقيَّة المُنعشة جعلَتْني أنجذِب إليه، ومع ذلك فتلك هي الحقيقة؛ لم تكن رائحته رائحةَ الجِعَة المُعتَّقة ولا التبغ، التي كنتُ أكرهها، لكنها كانت رائحةً منعشةً وكأنه كان خارجًا من أحد مخازن التِّبن. عرض دفع ثلاثة وعشرين جنيهًا ثمنًا لي، لكن البائع رفض هذا السعر، فانصرف. أتبعتُه نظري، لكنه غادر، وجاء بعدَه رجلٌ ذو نظرةٍ حادَّة وصوتٍ صاخبٍ للغاية. كنتُ خائفًا غاية الخَوف من أن يشتريني، لكنه انصرف. ثم جاء رجلٌ أو اثنان آخران، لكنهما لم يأتيا من أجل الشراء. بعد ذلك جاء الرجل ذو الوجه الصارم مرةً أخرى وعرض دفع ثلاثة وعشرين جنيهًا. كانت الصفقة قد أوشكت جدًّا على أن تنعقد؛ لأن البائع بدأ يعتقد أنه لن يأخذ كل ما كان يطلبه، وأنَّ عليه أن يخفض السعر؛ لكن في تلك اللحظة تحديدًا جاء الرجل ذو العينَين الرماديَّتَين. لم أستطع الامتناع عن مدِّ رأسي نحوَه. أما هو فأخذ يُربِّت على وجهي بلُطف.

وقال: «حسنٌ يا عزيزي، أظنُّ أننا سنصل إلى اتفاق. سوف أدفع فيه أربعةً وعشرين جنيهًا.»

«قل: خمسةً وعشرين وسوف تأخُذه.»

قال صاحبي بنبرةٍ حاسمةٍ جدًّا: «أربعة وعشرون جنيهًا وعشرة شلنات، ولن أدفع نصف شلن آخر؛ موافق أم لا؟»

قال البائع: «اتفقْنا، وتأكَّدْ أنَّ في هذا الحصان قدرًا هائلًا من المميزات، وإذا كنتَ تريده للعمل على عربة أُجرة فإنه صفقةٌ رابحة.»

دُفِع المالُ في الحال، وأخذ سيدي الجديد برَسَني، وقادني خارج السوق حتى وصَلنا إلى أحد الفنادق، حيث كان لدَيه سَرْج ولجام جاهزان. ثم قدَّم لي طعامًا جيدًا من حبوب الشوفان، وانتظرَ حتى أكلتُه، وكان أثناء هذا يتحدَّث إلى نفسه ويتحدَّث إليَّ. بعد نصف الساعة كنَّا نَمضي في طريقنا إلى لندن، عبر مَجازاتٍ وطُرقٍ ريفيَّة جميلة، إلى أنْ وصلنا إلى الطريق الرئيسية المؤدية إلى لندن، فسِرنا عليها في هدوء، حتى وصلنا إلى المدينة العظيمة مع انتشار الشفَق. كانت المصابيح النفطية قد أُضيئَت بالفعل؛ كان ثمة شوارعُ على اليمين، وشوارع على اليسار، وشوارع تتقاطع بعضها مع بعض، على امتداد أميالٍ وأميال، حتى إنني ظننتُ أنَّنا لنْ نصِل إلى نهايتها أبدًا. لكنَّنا في النهاية، وبعد مرورنا عبر أحد تلك الشوارع، وصلْنا إلى موقف عربات أجرةٍ طويل، فنادى راكبي بصوتٍ مرحٍ قائلًا: «مساء الخير أيها المدير!»

صاح أحد الأشخاص: «مرحبًا! هل حصلتَ على حصانٍ جيد؟»

أجاب مالكي: «أعتقد هذا.»

«أتمنى لك حظًّا طيبًا معه.»

«شكرًا لك أيُّها المدير.» ثم واصل سيرَه. بعد قليلٍ انعطَفْنا إلى أحد الشوارع الجانبية، وعند مُنتصَفِه تقريبًا انعطفنا إلى شارعٍ ضيقٍ للغاية، كانت تقوم على أحد جانبَيه منازلُ مُتواضعة الهيئة نوعًا ما، وعلى جانبه الآخَر ما بدا أنه إسطبلات ومَبانٍ للعربات.

توقَّف مالِكي أمام أحد المنازل وراح يصفر. فانفتح الباب، وخرجَت منه تجري امرأةٌ شابَّةٌ، وتبِعها ولدٌ وبنتٌ صغيران. رحَّبَت المرأة والطفلان بالرجل ترحيبًا حارًّا جدًّا عندما ترجَّل عن ظهري.

«والآن، هاري، يا بُنيَّ، افتح البوابة، وستُحضر لنا والدتُك الفانوس.»

بعد دقيقةٍ كانوا جميعًا وُقوفًا حولي في ساحة إسطبل صغيرة.

«هل هو وديعٌ يا أبي؟»

«نعم يا دُولي، في وداعة قطتك الصغيرة؛ تعالي وربِّتي عليه.»

على الفور راحت اليد الصغيرة تُربِّت على كتفي كلِّه دونما خوف. كم كان شعورًا مُمتعًا!

قالت الأم: «دعني أُحضِر له شيئًا من هريس النُّخالة ريثما تمسح جسمه.»

«فلتفعلي يا بولي، إن هذا هو ما يحتاجه تمامًا، وأنا أعرف أنَّ لديكِ هريسًا حسنًا جاهزًا لي.»

صاح الصبيُّ قائلًا: «فطيرة السجقِّ ومقلوبة التفاح!» فجعلهم جميعًا يضحكون. قادوني بعد ذلك إلى مربطٍ مُريحٍ طيب الرائحة، مليءٍ بالقشِّ الجاف، ثم رقدتُ — بعدما تناولتُ عَشاءً رائعًا — وأنا أفكر في أنَّني سأكون سعيدًا.

(٣٣) حصان عربة الأُجرة في لندن

كان اسمُ سيِّدي الجديد جيرَمايا باركر، لكنْ حيث إنَّ الجميع كانوا يدعونه جيري، فسأفعل الشيء نفسه. كانت زوجتُه بولي أنسبَ شريكةِ حياةٍ يمكن أن يحصُل عليها أيُّ رجل. كانت امرأةً مُمتلئة صغيرة الحجم مُعتدِلة الصحَّة مُهندَمة، وكان لها شعرٌ أسودُ ناعم، وعينانِ سَوداوان، وفمٌ صغيرٌ جميل. كان الصبيُّ في الثانية عشرة من عمره، كان فتًى طويل القامة صادقًا طيِّبَ الخُلُق؛ وكانت دوروثي (دولي كما كانوا يدعونها) تُشبِهُ أُمَّها تمامًا، وكانت في الثامنة من عمرها. كانوا جميعًا يحبُّ بعضُهم بعضًا حبًّا مدهِشًا؛ لم أعرف قبل ذلك قطُّ أُسرةً في مثل هذه السعادة وذلك المرَح. كان لدى جيري عربةُ أجرةٍ خاصَّةٌ به، وكان لدَيه كذلك حصانان يقودهما ويرعاهما بنفسه. كان حصانه الآخر طويلَ القوائم أبيضَ اللون كبير العظام نوعًا ما، وكان يُدعى «الكابتن». كان قد صار عجوزًا في ذلك الوقت، لكنْ لا بدَّ من أنه كان رائعًا في صغره؛ كان لا يزال يحتفِظ بأسلوبه المُعتزِّ بنفسه حيث يرفع رأسه لأعلى ويقوس رقبته؛ في الواقع، كان حصانًا عجوزًا شريفَ الأصل، حسَنَ التصرُّف، جليلَ المظهر، من قمَّة رأسه حتى حافرِ قدمِه. قال لي إنه ذهب في شبابه إلى حَرب القرَم؛ حيث كان يملكه أحدُ الضبَّاط في سلاح الفرسان، وكان يخرج دائمًا في مقدمة الكتيبة. وسوف أذكر المزيد عن هذا لاحقًا.

في صباح اليوم التالي، بعدما نُظِّفتُ تنظيفًا جيدًا، جاءت بولي ودولي إلى الحظيرة لِترَياني ولِتُصادقاني. ظلَّ هاري يُساعد والده منذ الصباح الباكر، ثم أعلن رأيه فيَّ، وهو أنه تبيَّن له أنَّني «جيد الطباع وجديرٌ بالثقة». أحضرَت لي بولي قطعةً من التفاح، وأعطتني دولِّي قطعة خبز، وأولَياني اهتمامًا كبيرًا وكأنَّني «بلاك بيوتي» الذي كان في الأيام الخوالي. كان من عظيم مُتَعي أنْ أُدلَّل مرةً أُخرى، وأن يُتحدَّث إليَّ بصوتٍ لطيف، أما أنا فبذلتُ وُسعي كي أجعلَهما ترَيان أنني أريد أن أكون وَدودًا. كانت بولي ترى أنني جميلٌ للغاية، وأنني جيدٌ جدًّا لعربة الأجرة، لولا رُكبَتاي المكسورتان.

قال جيري: «ليس ثمةَ مَن يُخبرنا بالطبع من الذي تسبَّب في هذا. وبما أنَّني لا أعلم فسوف أُسلِّم بما قاله البائع رغم شكِّي؛ لأنَّني لم أمتطِ قطُّ حصانًا أوثقَ ولا أبرعَ خطْوًا من هذا. سوف نُسمِّيه «جاك» مثل الحصان السابق؛ ما رأيُكِ يا بولي؟»

قالت: «فلتفعل؛ فأنا أُحب الإبقاء على الأسماء الجيدة.»

خرج الكابتن بعربة الأجرة طوال فترة الصباح. ولمَّا خرج هاري من المدرسة أقبل ليُقدِّم لي الطعام والماء، ثم ما لَبِثتُ أن رُبِطتُ في عربة الأجرة بعد الظهر‎. أما جيري فبذل أقصى وُسعِه ليتأكد أن الطوق واللجام يُناسبانِني بصورة مُريحة، وكأنما هو جون مانلي آخر. وعندما وُسِّعَت المِذْيلةُ بمقدار ثَقبٍ أو اثنَين صارت مُلائمةً لي تمامًا. لم يكن ثمَّة مِرفع، ولا شكيمةٌ مزدوجة، لا شيء سوى شكيمةٍ حَلْقيةٍ بسيطة. يا لها من نعمةٍ حظيتُ بها!

بعدما سِرنا في الشارع الجانبي وصَلنا إلى موقف عربات الأجرة الكبير الذي قال عنده جيري: «مساء الخير». كانت تقوم على أحد جانِبَي هذا الشارع العريض منازلُ عاليةٌ تحتَها محلَّاتٌ ذاتُ واجهاتٍ رائعة، وعلى جانبه الآخر كنيسةٌ عتيقةٌ وفِناءٌ مجاورٌ لها، وكان يُحيط بهما أوتادُ سياجٍ حديدية. وإلى جوار هذه القضبان الحديدية كان يقف عددٌ من عربات الأجرة في انتظار الركاب، وكان على الأرض فُتاتٌ قليلٌ من التِّبن، وقف بعض الرجال معًا يتكلَّمون؛ وجلس بعضهم في مقاعدهم من العربات يقرءون الصحف، بينما راح واحدٌ أو اثنان يُطعِمون خيولهم فتاتَ التِّبن، ويَسقونها الماء. وقفنا في الصفِّ خلف آخرِ عربة. اقترب منَّا رجلان أو ثلاثة، وراحوا ينظرون إليَّ ويُبدون ملاحظاتهم.

قال أحدهم: «مناسبٌ جدًّا لجرِّ عربات الجنائز.»

وقال آخرُ، وهو يهزُّ رأسه بطريقةٍ حصيفةٍ للغاية: «حسَن المظهر أكثرَ مما ينبغي، سوف تُكتشَف مشكلةً فيه في صباح أحد هذه الأيام الرائعة، وإلَّا فلن أستحقَّ أن تُنادوني باسم جونز.»

قال جيري بنبرةٍ مرحة: «أظنُّني لستُ محتاجًا لأن اكتشفها قبل أن تَكتشفني هي أولًا. أليس كذلك؟ وإذا كان الحال هكذا، فسأُبقي معنوياتي مُرتفعةً مدَّةً أطولَ قليلًا.»

بعد ذلك اقترب منَّا رجلٌ عريضُ الوجه، يرتدي معطفًا رماديًّا كبيرًا ذا شملةٍ رماديةٍ كبيرةٍ وأزرار بيضاء كبيرة، وكان يرتدي كذلك قبَّعةً رماديةً، ويلفُّ حول عُنقه كوفية زرقاء فضفاضة، كان شعره رماديَّ اللون كذلك، لكنه كان يبدو رجلًا ظريفًا، وما إن جاء حتى أفسح له الرجال الآخرون الطريق. ثم أخذ يفحص كلَّ جزءٍ منِّي، وكأنما كان سيشتريني، ثم عدَّل وِقْفته مُصدِرًا نخيرًا، وقال: «إنه النوع المُناسب لك يا جيري، لا يهمُّني كم دفعتَ فيه؛ لأنه سيُثبت أنه يستحقُّه.» وهكذا ثبتَت سُمعتي الطيبة بشهادة شاهد.

كان اسمُ هذا الرجل جرانت، لكنه كان يُلقَّب ﺑ «جرانت الرمادي»، أو «المدير جرانت». كان هو أقدم من أيٍّ من هؤلاء الرجال في موقف عربات الأجرة هذا، وتولَّى على عاتقه مسئوليةَ البتِّ في الأمور وإنهاء الخلافات. لقد كان في المُجمَل رجلًا وَدودًا عاقلًا؛ لكنْ لو تعكَّر مِزاجه قليلًا، كما كان يحدُث أحيانًا عندما يُفْرِط في الشراب، فإنَّ أحدًا لا يرغَب في الاقتراب أكثرَ من اللازم؛ بسبب قبضة يدِه، حيث كان من المُمكن أن يُسدِّد لأيٍّ منهم ضربةً شديدةً جدًّا.

كان أول أسبوعٍ في حياتي عملتُ فيه حِصانَ عربة أجرةٍ مُرهِقًا جدًّا؛ فأنا لم أعتَدْ قبل ذلك مُطلقًا على مدينة لندن، كما أنَّ الضوضاء، والسرعة، وحُشود الخيل، وعربات البضائع، وعربات الركاب التي كان يتعيَّن عليَّ أن أسير بينها جعلَتْني أشعُر بالقلق والاضطراب، لكنَّني اكتشفتُ خلال وقتٍ قصيرٍ أنَّ بإمكاني الوثوق في سائقي ثقةً مُطلَقة، ومِن ثمَّ طَمْأنتُ نفسي وبدأتُ أعتاد على الأمر.

كان جيري مِن أفضلِ مَن عرَفتُ من سائقي الخيل، أما الأفضل من ذلك أيضًا فهو أنه كان يَعتني بخيوله بقدْرِ ما كان يَعتني بنفسه. لقد اكتشف سريعًا أنَّني كنتُ راغبًا في العمل وفي بذلِ ما في وُسعي، ولم يضَع السوطَ عليَّ قط، إلَّا أن يسحَبَ طرَفه برفقٍ على ظهري عندما يتعيَّن عليَّ أن أتحرَّك، لكنَّني على العموم أدركتُ هذا جيدًا جدًّا من الطريقة التي كان يُمسك بها بالعِنان، وأعتقد أن سَوطه كان يبقى مُثبتًا إلى جواره أكثرَ بكثيرٍ من وجوده في يده.

خلال مدةٍ قصيرةٍ فهمنا أنا وسيدي بعضُنا بعضًا كأحسنِ ما يمكن لحصانٍ وإنسانٍ أن يَفهم كلٌّ منهما الآخَر. في الإسطبل، كذلك، كان يفعل كلَّ ما بوُسعه من أجل راحتنا. كانت المرابط مَبنيَّةً على الطراز العتيق، فكان بها انحدارٌ كبيرٌ للغاية، لكنْ كان لديه لوحان قابلان للتحريك ومُثبَّتان في نهاية مرابطنا، بحيث إنه عندما يحلُّ المساء، ونخلد إلى الراحة، كان فقط يحلُّ مِقْودَ كلٍّ منَّا ويضَع اللوحَين، فكُنَّا بهذا نتمكن من الاستدارة والوقوفِ بأيةِ طريقةٍ نريدها، وهو شيءٌ مريحٌ للغاية.

كان جيري يحافظ على نظافتنا جيدًا، وكان يُنوِّع فيما يُقدِّمه لنا من الطعام بقدر ما يستطيع، ودائمًا ما كان يُقدِّمه لنا بوفرة؛ وليس هذا فحسب، وإنما كان يقدم لنا دائمًا كميةً وفيرةً من المياه العذبة النظيفة، وكان يسمح بوجودها إلى جوارنا خلال الليل والنهار على السواء، باستثناء طبعًا عندما ندخُل الإسطبل وحرارة أجسامنا عالية. بعض الناس يقولون إنه ينبغي ألَّا يَشرب الحصانُ كلَّ ما يُريده من الماء، لكنَّني أعرف أنه إذا سُمِح لنا بالشُّرب عندما نريد فإنَّنا لا نشرَب إلَّا مقدارًا قليلًا في كلِّ مرة، وهذا يُفيدنا أكثر كثيرًا ممَّا لو كرَعْنا نصف دلوٍ من الماء مرةً واحدةً لأنَّنا تُرِكْنا من دونه حتى أصبحْنا ظِماءً وبائسين. بعض السائسين يذهبون إلى بيوتهم لشُرب جِعَتهم ويتركوننا بالساعاتِ مع تِبْننا الجافِّ وحبوب الشوفان، ولا يتركون شيئًا معها يُرطِّبها؛ عندئذٍ نزدرِد الكثيرَ منها مرةً واحدةً بالطبع، ممَّا يؤدي إلى إفساد تنفُّسنا، وأحيانًا يُثبط مَعِداتِنا. لكنَّ أفضل ما حَظينا به هنا هو الراحة أيامَ الأحد؛ فقد كنَّا نكدُّ في العمل جدًّا طوال الأسبوع لدرجة أنَّني كنتُ أعتقد أنَّنا ما كنا سنتمكن من مواصلة العمل لولا ذلك اليوم. إضافةً إلى هذا، كان لدَينا حينئذٍ وقتٌ للاستمتاع بصُحبةِ بعضنا لبعض. ولقد تعرَّفتُ على حكاية رفاقي في هذه الأيام.

(٣٤) حصانُ حربٍ عجوز

رُوِّض الكابتن ودُرِّب ليكون واحدًا من خيول الجيش؛ فكان مالكُه الأول ضابطًا في سلاح الفرسان وكان ذاهبًا إلى حرب القَرم. قال الكابتن إنه استمتع جدًّا بالتدريب مع جميع الخيول الأخرى، حيث كانوا يَخُبُّون معًا، ويستديرون معًا إلى اليمين أو إلى اليسار، ويتوقَّفون عند سماع الأمر، أو ينطلقون بكامل سرعتهم عند سماع صوت البوق، أو مع إشارة الضابط. كان الكابتن في صِغَره رماديًّا داكنَ اللون مَشوبًا برقط، وكانوا يرَونه وسيمًا جدًّا. أمَّا سيده — وهو سيدٌ نبيلٌ، مُفعَمٌ بالحيوية، في عمر الشباب — فكان يُحبُّه جدًّا، وكان يُعامله منذ البداية ألطفَ معاملةٍ، ويوليه أقصى اهتمام. أخبرَني الكابتن أنه كان يظنُّ أن حياة حصان الجيش حياةٌ في غاية الروعة، لكنه عندما وصل به الأمر إلى إرساله خارجَ البلاد في سفينةٍ كبيرةٍ في البحر، بدأ يميل إلى تغيير رأيه.

قال الكابتن: «كان ذلك الجزء من الرحلة مُروِّعًا! لم نكن بالطبع نستطيع الانتقال من اليابسة إلى السفينة؛ لذلك اضطُرُّوا إلى وضع أحزمةٍ قويةٍ تحت أجسامنا، ثم رفَعونا من أرجُلنا رغم مقاومتنا، وظللْنا نتأرجَح في الهواء فوق الماء، حتى أنزَلونا على ظهر المركِب الضخم. وهناك وُضِعنا في مرابطَ صغيرةٍ مُغلَقة، وبقِينا وقتًا طويلًا لا نرى السماء البتَّة، ولا نستطيع مدَّ أرجلنا. كانت السفينةُ أحيانًا تتمايَل مع هبوب الرياح العاتية، فكنَّا نصطدِم على أثرها بجوانب المرابط، وشعَرنا بحالة شديدة من السوء.»

«على أية حال، انتهت الرحلة أخيرًا، ورُفِعنا من السفينة ورُحنا نتأرجح مرةً أُخرى في الهواء حتى أنزَلونا على الأرض. سَعِدنا بذلك غايةَ السعادة، ورُحنا نُحمحِم ونَصْهِل من الفرحة عندما شعَرنا من جديد بالأرض الثابتة تحت أقدامنا.»

«اكتشَفْنا سريعًا أن البلد الذي انتقَلنا إليه مُختلِفٌ تمامًا عن بلدنا، وأنَّ علينا تحمُّل الكثير من الصِّعاب إلى جانب القتال، لكنَّ الكثيرَ من الرجال كانوا مولَعين جدًّا بخيولهم بحيث بذَلوا كلَّ ما بوُسعهم للحفاظ على راحتها بالرغم من الثلج والبلَل وكلِّ الأشياء الخارجة عن السيطرة.»

قلتُ: «لكن ماذا عن القتال؟ ألم يكن ذلك أسوأَ من أيِّ شيءٍ آخر؟»

قال: «في الواقع، لا أكاد أعرف هذا؛ فقد كنَّا نُحبُّ دومًا أن نسمع صوت البوق، وأن نُستَدعى للخدمة، وكنَّا شديدي التَّوق للبدء في الانطلاق، رغم أنه كان يتعيَّن علينا أحيانًا أن نَقِف بالساعات في انتظار الأمر؛ وعندما كان يَصدر الأمرُ كنَّا ننطلق إلى الأمام في سعادةٍ وحماسٍ، وكأنما لم يكن هناك قذائفُ مِدفع ولا حِرابُ بنادق ولا رَصاص أسلحة. أعتقد أنَّنا ما دُمنا كنَّا نشعُر بثقةِ راكبنا فوق السرج، وثَبات يده في الإمساك باللجام، فإن واحدًا منَّا لم يَستسلم للخوف، حتى عندما كانت القذائفُ المُروِّعة تنطلِق في الهواء، وتتفجَّر إلى ألف قطعةٍ.»

«لقد خُضتُ أنا وسيدي النبيلُ معارِكَ كثيرةً معًا دون أن نُجرَح جرحًا واحدًا؛ ورغم أنني كنتُ أرى الخيول وهي تَسقط صرعى بالرصاص، وتُطعَن بالرماح، وتُجرَح جراحًا مخيفةً بسيوف الفرسان، ورغم أنَّنا كنَّا نترُكها ميِّتةً في ميدان المعركة، أو وهي تحتضِر وهي تُعاني آلام جِراحها الدامية، فلا أظنُّ أنَّني كنتُ أخشى على نفسي. جعلني صوتُ سيِّدي البهيجُ، وهو يُحمِّس رجاله، أشعُر وكأنما لا يُمكن أن أُقتَل أنا ولا هو. كنتُ أثِق فيه ثقةً تامَّةً بحيث كنتُ مُستعدًّا وهو يَقودني أن أُهاجِم حتى أصِل إلى فوهة المدفع نفسها. لقد رأيتُ كثيرين من الرجال الشجعان وهم يَسقطون جرحى، وكثيرين يَسقطون عن سروجهم وقد أُصيبوا إصاباتٍ مُهلِكة. لقد سمعتُ توسُّلات المُحتضَرين وتأوُّهاتهم، وعدَوتُ فوق أرضٍ زَلِقةٍ بسبب الدَّم الذي يَكسوها، وكثيرًا ما اضطُرِرتُ إلى الانحراف عن مَساري؛ لأتفادى الوطء بأقدامي فوق الرجال أو الخيول المُصابة، لكن، لقد ظلَلتُ لا أشعُر البتَّةَ بالخوف حتى جاء يومٌ مُروِّع، يومٌ لن أنساهُ ما حييت.»

وهنا أمسك الكابتن العجوز عن الكلام قليلًا، والْتقَط نفَسًا عميقًا؛ فانتظرته، ثم واصل كلامه قائلًا:

«كنَّا في صباح أحد أيام فصل الخريف، وقبل انبِلاج الصبح بساعةٍ كالمُعتاد، كان فُرساننا قد نهَضوا من فُرُشهم، وكسَوا السروج بالأغطية المزركَشة استعدادًا لمهامِّ اليوم، سواءٌ أكانت في القتال أم الترقُّب. وقَف الرجال ينتظرون إلى جوار خيولهم، مُستعدِّين لتلقِّي الأوامر. عندما بدأ الضوء ينتشر بَدا أن ثمَّةَ بعضَ الانفعال بين الضباط، وقبل أن يَكتمل تجلِّي النهار سمِعنا صوتَ إطلاق النار من أسلحة العدو.»

«بعد ذلك امْتَطى أحدُ الضبَّاط جوادَه، وأمر الرجال بامتطاء جِيادِهم، وفي لمْح البصر اعتَلى كلٌّ منهم سرجَ حصانه، ووقَف كلُّ حصانٍ مُنتظِرًا لمسة العِنان، أو ضغطةً من عقبَيْ فارِسه، كنَّا في غاية الحيوية والحماس؛ لكنَّنا برغم ذلك كنَّا مُدرَّبين جيدًا جدًّا، بحيث إنه — باستثناء صوت مَضْغ شكائمنا، وقذْفنا رءوسَنا في الهواء من حينٍ لآخر لِنَفاد صبرنا — كان لا يمكنُ القولُ إنَّنا تزحزَحنا من أماكِنِنا.»

«كنتُ أنا وسيِّدي العزيز في مقدمة القوات، وبينما بقي الجميعُ ساكِنين حَذِرين، أمسَك هو بخصلة شعرٍ صغيرةٍ شاردةٍ مِن عُرْفي كانت قد تحوَّلَتْ إلى الجانب الخطأ، فأعادها إلى مكانها الصحيح، ثم راح يُسوِّيها بيدِه، ثم قال وهو يُربِّتُ على رقبتي: «سيكون يومًا عصيبًا يا عزيزي بايارد، لكنَّنا سنقوم بواجِبنا كما فعَلْنا من قبل.» ربَّتَ سيدي على رقبتي في هذا الصباح، على ما أظن، أكثرَ من أي وقتٍ مضى، حتى إنه ظلَّ يُكرِّر هذا في هدوءٍ مرةً بعد مرة، وكأنما كان ذِهنُه شاردًا في شيءٍ آخر. كنتُ أُحبُّ مَلمسَ يدِه على رقبتي، ورحتُ أُقوِّس عُرفي في اعتزازٍ وسعادة، لكنَّني وقفتُ ثابتًا للغاية؛ لأنَّني كنتُ أعرف جميع حالاته المزاجية، ومتى كان يُحبُّني أن أبقى هادئًا، ومتى كان يُحبُّ أن يَراني مرِحًا.»

«لا يُمكنني أن أحكيَ كلَّ ما حدَث ذلك اليوم، لكنَّني سأحكي عن الهجوم الأخير الذي شنَنَّاه معًا؛ لقد كان في وادٍ مُواجهٍ لمدفع العدو مباشرةً. كنَّا بحلول ذلك الوقت قد اعتَدْنا جدًّا على هدير الأسلحة الثقيلة، ودَويِّ نيران بندقيَّات المَسْكيت، وانطلاق الطلقات بجوارنا؛ لكنَّني لم أكُن قد تعرَّضتُ قبل ذلك قطُّ لقدْرٍ من إطلاق النار يُضاهي ما تعرَّضتُ له أثناء سَيرنا في ذلك اليوم. كانت الطلقاتُ والقذائف تنهمِر علينا من جهة اليمين واليسار ومن الأمام. وقد سقط كثيرٌ من الرجال الشجعان، كما سقط كثيرٌ من الخيول، مُرْدِيةً راكبيها على الأرض؛ وأخذَتْ خيولٌ كثيرةٌ من دون فارسٍ تجري بتهوُّرٍ خارجَ الصفوف، لكنَّها بعد ذلك، ولِذُعرها من البقاء وحيدةً دُون يدٍ تقودها، كانت تَعود لِتَزج بنفسها بين رِفاقها القُدامى؛ كي تَعدُوَ معهم إلى الهجوم.»

«لكن على الرغم من هَول الموقف، لم يتوقَّف أحدٌ، ولم يرتدَّ إلى الوراء أحد. كانت أعدادُ صفوف الجُند تتناقَص كلَّ لحظة، لكن عندما كان رِفاقنا يَسقطون جرحى أو موتى، كنا نتَقارب لِنَلمَّ شمل الصفوف، وبدلًا من أن يهتزَّ خَطوُنا أو يترنَّح، أصبحَ عدْوُنا أسرعَ وأسرَعَ عندما اقتربنا من المدفع.»

«أما سيدي؛ سيدي العزيز، فكان يَرفع ذراعه اليُمنى عاليًا لِيُشجِّع رفاقه، وفي تلك اللحظة صدمَتْه واحدةٌ من القذائف التي كانت تنطلق بسرعةٍ فائقةٍ بالقُرب من رأسي. شعرتُ به وهو يترنَّح من الصدمة، لكنه برغم هذا لم يَصرُخ صرخةً واحدة؛ حاولتُ أن أُخفِّف من سُرعتي، لكنَّ السيف سقَطَ من يدِه اليمنى، وارتخى العِنان من يده اليسرى، وأخذ يميل مِن على السرج إلى الوراء حتى سقط على الأرض؛ مرَّ الفرسانُ الآخرون مُسرِعين بجوارنا، وانجرَفتُ من مكاني من قوةِ اندفاعهم.»

«أردتُ أن أبقى في مكاني إلى جواره، وألَّا أترُكه تحت ذلك الاندفاع لأرجل الخيول، لكن دون جدوى؛ وأصبحتُ حينئذٍ وحيدًا من دون سيدٍ أو صديق في أرض هذه المجزرة الكبيرة؛ ومن ثَمَّ تملَّكني الخَوف، ورحتُ أرتعِدُ كما لم أرتعِدْ من قبل قط، وحاولتُ أنا الآخر — كما رأيتُ الخيول الأُخرى تفعل من قبل — أنْ ألحقَ بصفوف الجُند، وأن أعدُوَ معهم؛ لكنَّ سيوف الجنود أبعدَتني. في هذه اللحظة تحديدًا، أمسك بلِجامي جنديٌّ، كان فرَسُه قد قُتل تحته، واعْتَلى صَهوتي، فتقدمْتُ إلى الأمام مرةً أُخرى مع هذا السيد الجديد؛ لكنَّ سَرِيَّتنا الباسلةَ هُزِمتْ هزيمةً قاسية. أما أولئك الذين بَقُوا على قيد الحياة بعد القتال العنيف من أجل البنادق، عادوا يجْرُون بخيولهم فوق الأرض نفسها. كانت بعض الخيول قد جُرِحَت جراحًا بليغةً للغاية، بحيث لم تكن تستطيع التحرُّك إلَّا بشِقِّ الأنفس بسبب ما نُزِف من الدماء، وكانت بعضُ الجياد النبيلة الأخرى تُحاول جرَّ أنفسها إلى الأمام على ثلاث أرجل، وأخرى تُجاهد للنهوض على أرجلها الأمامية بعدما مَزَّقت طلقات الرصاص أرجُلَها الخلفية. بعد المعركة جِيءَ بالجرحى من الرجال، ودُفن القتلى منهم.»

قلتُ: «وماذا عن الخيول الجريحة؟ هل تُرِكتْ لتموت؟»

«كلا، بل سار أطباء الجيش البيطريون في ميدان المعركة بمسدَّساتهم، وأطلَقوا النار على كل ما قُوِّض منها، وأُعيدَ بعضُها ممَّا لم يُصَب سوى بجراحٍ طفيفةٍ واعتُني به، لكنَّ الجزء الأكبر من الجياد النبيلة المُتحمِّسة للقتال التي خرجَت في صباح ذلك اليوم لم يرجِع أبدًا! وفي إسطبلاتنا لم يرجِع غيرُ واحدٍ تقريبًا من بين كلِّ أربعة خيول.»

«لم أرَ سيدي العزيز بعد ذلك أبدًا. أعتقد أنه سقط عن السرج مَيِّتًا. لم أُحِبَّ أيَّ مالكٍ آخر قطُّ كما أحببتُه. خُضتُ اشتباكاتٍ كثيرةً أُخرى، لكنَّني لم أُصَب غير مرةٍ واحدة، ولم تكن إصابتي حينئذٍ بالِغةَ الخطورة؛ وعندما انتهت الحرب عدتُ مرةً أُخرى إلى إنجلترا، سليمًا وقويًّا كحالتي حين خرجت.»

قلتُ: «كنتُ أسمع الناس يتحدَّثون عن الحرب، وكأنها شيءٌ رائعٌ للغاية.»

قال: «آهٍ! أعتقد أنهم لم يرَوها قط. لا شكَّ أنها رائعةٌ جدًّا عندما لا يكون هناك عدو، عندما تكون عبارةٌ عن تمرين واستعراض عسكري، وقتال صُوري، وحَسْب. نعم، ستكون رائعةً جدًّا حينئذٍ؛ لكن عندما يُقتَل الآلاف من الرجال الصالحين الشجعان ومن الخيول كذلك، أو يُقعَدون عن الحركة لبقيَّة حياتهم، يكون لها عندئذٍ وجهٌ مختلِفٌ تمامًا.»

قلت: «هل تعرف على أيِّ شيءٍ كانوا يتحاربون؟»

قال: «لا، إنَّ هذا يفوق قدرة حصانٍ مِثلي على فَهمه، لكنْ إذا كان من الصواب أن نُسافر كلَّ هذه المسافة عبر البحر من أجل قتْل هؤلاء الأعداء، فلا بدَّ من أنهم كانوا أُناسًا أشرارًا للغاية.»

(٣٥) جيري باركر

لم أعرف قطُّ رجلًا أفضلَ من سيِّدي الجديد. كان طيبًا وكريمًا، وكان قويًّا في الحقِّ مثل جون مانلي؛ كما أنه كان لطيفًا وطيبَ الخُلُق للغاية؛ بحيث يَندُر أن يتشاجر معه أحد. كان سيدي مُغرَمًا جدًّا بتأليف أناشيد صغيرة، والتغنِّي بها بينه وبين نفسه. من تلك الأناشيد التي كان شديدَ الولَع بها هذه الأنشودة:

هلمَّ أبي إلى عملٍ وأنتِ كذاك يا أمَّاه‎
وأنت أخي تُعاونُنا وكُوني العونَ يا أختاه‎
لنبدأ كلُّنا عملًا يُعين الفردُ فيه أخاه‎

وهكذا كانوا يفعلون؛ كانت مَهارة هاري في أعمال الإسطبل كمهارة مَن هُم أكبرُ منه بكثيرٍ من الصِّبية، وكان دائمًا ما يرغَب في بذْل ما في وُسعه. كما كانت بولي ودولي تأتيان كلَّ صباحٍ للمساعدة في أعمال العربة؛ فكانتا تفرشان الوسائد وتُنَفِّضانها، وتُلَمِّعان الزجاج، بينما ينظف جيري أجسامنا في الفناء، ويُلَمِّع هاري أطقمَنا. كانوا يمرحون ويتبادَلون الضحك كثيرًا، وكان هذا يُحسِّن مزاجي أنا والكابتن أكثرَ كثيرًا ممَّا لو كنَّا سمِعنا التوبيخ والكلماتِ القاسية. كانوا دائمًا ما يستيقظون مُبكرًا في الصباح؛ لأن جيري كان يقول:

إذا أهدرتَ ساعاتِ الصباحِ ولمْ تعبَأْ بهاتيك الحِسانِ
فلنْ تقوى — خلالَ يومك — حتَّى على جمْعِ الدقائقِ والثواني
ستعدو خلفهنَّ بكُلِّ جهدٍ ويُضنيكَ اضطرابُكَ وتُعاني
ولكنْ دُون جدوى يا رفيقي فقد ضيَّعتَها أبدَ الزمانِ.

ما كان جيري يُطيق أي تسكُّعٍ مُستهتَرٍ أو أيَّ إهدار للوقت؛ وما كان شيءٌ أقربَ إلى إغضابه مِن أن يُصادف أولئك المُتأخِّرين دائمًا، الذين يريدون إنهاك حصان عربة الأجرة جريًا، لكي يُعوِّض عن تكاسُلهم.

ذات يومٍ خرج شابَّان يبدو عليهما الطَّيش من إحدى الحانات المُجاورة لموقف العربات، ونادَيا جيري.

«تعال، أيها السائق! أعِرْنا انتباهك، نحن مُتأخِّران بعض الشيء، أيمكنك أن تُسْرِع في سيرك، وتوصِلَنا إلى محطة قطار فيكتوريا في موعد قطار الساعة الواحدة؟ سنَزيد أُجرتك شلنًا.»

«سأوصلكما بالسرعة العادية أيُّها السيدان؛ فالشلنات لا تعوِّض عن الانطلاق بمثل هذه السرعة.»

كانت عربة لاري تقِف إلى جوار عربتنا؛ ففتح الباب وقال: «أنا مَن تَنشُدان، أيها السيدان! تفضَّلا إلى عربتي، سوف يُوصلكما حصاني إلى هناك في الوقت المناسب بالتأكيد.» وعندما أقفلَ عليهما باب العربة غمزَ بعينِه باتِّجاه جيري وقال: «إنَّ السَّير بسرعةٍ أكبرَ من الهرولة لا يتَّفِق وضميرَه.» ثم ضرب حصانَه المُنهكَ بقوة، وانطلق بأقصى سُرعة لدَيه. ربَّت جيري على رقبتي وقال لي: «لا يا جاك، لن يُعوِّض الشلن عن مِثل هذا. أليس كذلك أيها الفتى؟»

على الرغم من أن جيري كان يُعارض الإفراط في السرعة من أجل إرضاء المُستهتِرين من الناس مُعارضةً قاطعة؛ فقد كان يسير دائمًا بسرعةٍ جيدةٍ مقبولة، ولم يكن ضدَّ الانطلاق بسرعةٍ، على حدِّ قوله، إذا أُتيحَ له فقط أن يَعرف السبب.

أذكر جيدًا في صباح أحد الأيام، وبينما كنَّا في موقف العربات ننتظر الحصول على أُجرتنا من أيَّةِ توصيلة، أنَّ شابًّا كان يحمل حقيبةَ سفرٍ ثقيلةً وَطِئ بقدمه على قشرةِ برتقالٍ كانت على الرصيف، فسقَط على الأرض سقطةً عنيفة.

كان جيري أولَ مَن أسرع إليه ورفَعه عن الأرض. بدا الشابُّ ذاهلًا جدًّا، وعندما قادوه إلى أحد المحلَّات مشى وكأنما كان يُعاني ألَمًا كبيرًا. عاد جيري بالطبع مرةً أخرى إلى الموقف، لكن بعد حوالي عشر دقائق ناداه أحدُ أصحاب المحلَّات؛ لذا دَنَوْنَا من الرصيف.

قال الشاب: «هل يمكنك أن تُوصلني إلى محطة قطار سوث إيسترن ريلواي؟ فهذه السقطة المشئومة قد أخَّرَتْني، مع الأسف؛ لكن من الضروري جدًّا ألَّا أُفوِّت قطار الثانية عشرة. سأكون مُمتنًّا لك جدًّا إذا تمكنتَ من إيصالي إلى هناك قبل فوات الأوان، وسأَزيد أُجرتَك بكلِّ سرور.»

قال جيري في حماسة: «سأبذل قصارى جهدي، إذا كنتَ ترى أنَّ حالتك قد تحسَّنَتْ بما يكفي يا سيدي.» قال جيري ذلك؛ لأنَّ الشابَّ كان يبدو شاحبًا وعليلًا للغاية.

قال الشابُّ بحسْم: «لا بدَّ من أن أذهب، افتح الباب من فضلك، ودعْنا لا نُضيِّع الوقت.»

بعد لحظةٍ كان جيري في مقعد الحُوذي؛ وأطلق لي صوتَ سقسقةٍ مرحةٍ، وشدَّ العِنانَ شدةً فهمتُ معناها جيدًا.

وقال: «حسنًا يا جاك، فلتُسرع يا فتاي، سنُريهم كيف يُمكننا نهبُ الأرض نهبًا، إذا عرَفنا فقط لِمَ علينا أن نفعل هذا.»

من الصعب دومًا القيادةُ بسرعة في شوارع المدينة منتصفَ النهار، عندما تكون الشوارع مليئةً بالعربات والمارَّة، لكنَّنا فعلْنا ما أمكننا فِعلُه؛ وعندما تتلاقى رغبةُ سائقٍ جيدٍ وحصانٍ جيدٍ يَفهم كلٌّ منهما الآخر، فإنَّ ما يُمكنهما فعلُه سيكون رائعًا. كنتُ أتمتَّع بفمٍ جيدٍ للغاية، أعني أنه كان يُمكن قيادتي بأخفِّ لمسةٍ للعِنان، وهذا شيءٌ ممتازٌ عندما تكون في مدينة لندن بين عربات الركاب، والحافلات، وعربات البضائع، والشاحنات، وعربات النقل، وعربات الأجرة، والعربات المُقفَلة الضخمة التي تتحرَّك جميعُها بسرعةِ المشي على الأقدام؛ وبعضها يَسير في اتجاهٍ، وبعضها في اتجاهٍ آخر، وبعضُها يسير ببطءٍ، وأخرى تُريد أن تتخطَّاها، وحافلاتُ الركاب التي تتوقَّف قليلًا كلَّ بضعة دقائق لتُقِلَّ أحد الركاب، فتُرغِم الحصان الآتيَ خلفها على التوقُّف هو الآخر، أو أن يتخطَّاها ويُصبح أمامها؛ وربما تُحاولُ اجتيازها، لكنك تُفاجَأ في تلك اللحظة تحديدًا بأيِّ شيءٍ آخرَ يندفع بسرعةٍ عبر الفتحة الضيقة، فتُضطَر إلى البقاء خلف الحافلة مرةً أخرى؛ لكنْ بعد قليلٍ تعتقد أنك ترى فرصةً، وتنجح في الانتقال إلى المُقدمة، بعدما تمرُّ قريبًا جدًّا من عجلات العربات الأخرى على كِلا الجانبَين بحيث إنك لو اقتربتَ أكثرَ بمقدار نصف بوصةٍ آخر لاحْتكَّت العجلاتُ بعضُها ببعض. إنك في الواقع تتقدَّم لمدةٍ قليلة، لكنك تجد نفسك بعد قليلٍ في قافلةٍ طويلةٍ من عربات البضائع وعربات الركَّاب التي يتعيَّن عليها جميعًا أن تسير بسرعة المشي على الأقدام؛ وربما يصِل بك الأمر إلى حدِّ التوقُّف عن الحركة تمامًا، وتُضطرُّ إلى الوقوف في مكانك دقائقَ مُتواصِلة، إلى أن تَخرج إحدى العربات إلى أحد الشوارع الجانبية، أو يتدخَّل أحدُ رجال الشرطة؛ ينبغي أن تكون مُستعدًّا لاغتنام أيةِ فرصة؛ بأن تندفع بسرعةٍ إلى الأمام في حال وُجِدَت فُرجة، وأن تكون في سرعة كلبٍ يصطاد الفئران؛ لترى ما إذا كان ثمَّةَ مكانٌ ووقت؛ وذلك خشيةَ أن تَعْلَق عجلاتُ عربتك أو تتحطَّم، أو أن يصطدم عريشُ إحدى العربات الأخرى في صدرك أو كتفك. ينبغي أن تكون مُستعدًّا لكلِّ هذا. إذا كنتَ تريد المرور سريعًا في شوارع لندن في منتصف النهار؛ فإن هذا يتطلَّب قدرًا من المِران.

كنتُ أنا وجيري مُعتادَين على الأمر، وما كان أحدٌ يستطيع التفوُّق علينا في إنجازه عندما نكون عازِمَين عليه. لقد كنتُ سريعًا وجريئًا، وكنتُ أستطيع الوثوق في سائقي دائمًا؛ إذ كان جيري سريعَ البديهة وصبورًا في الوقت نفسه، ويستطيع الوثوق في جَواده، وكان هذا أمرًا رائعًا كذلك. ونادرًا جدًّا ما كان يستخدم السوط؛ كنتُ أعرف من نبرةِ صوته ومن التكتكة التي يُصدِرها بفمه متى يريد الانطلاق بسرعة، وكنتُ أعرف من العِنان إلى أين يتعيَّن عليَّ أن أذهب؛ لذا لم تكن هناك حاجةٌ إلى الضرب بالسوط؛ لكن ينبغي لي أن أعود إلى قصَّتي.

كانت الشوارع مزدحمةً جدًّا ذلك اليوم، لكنَّنا تقدَّمنا جيدًا جدًّا حتى نهاية شارع تشيبسايد، حيث توقَّف السَّير مدةَ ثلاث أو أربع دقائق. فأخرج الشابُّ رأسه من العربة وقال في قلق: «أظنُّ أنه يجدُر بي النزول من العربة والمشي؛ فلن أصِل إلى وِجهتي في الوقت المناسب إذا استمرَّ هذا.»

قال جيري: «سوف أفعل كلَّ ما يُمكن فعلُه يا سيدي، أعتقد أنَّنا سنصِل في الوقت المُناسب. لا يمكن أن يستمرَّ توقُّفُ السير هذا أكثرَ من ذلك، كما أن حقيبة السفر التي معك ثقيلةٌ عليك جدًّا يا سيدي.»

في تلك اللحظة تحديدًا بدأت عربة نقل البضائع التي أمامنا تتحرَّك، ومن ثمَّ سنحَتْ لنا فرصةٌ جيدة. أخذْنا نتحرَّك سريعًا بين العرَبات، بقدْر ما يُمكن لحصانٍ أن يُسرِع من حركته، ومن العجيب أنَّنا سِرْنا فوق جسر لندن سيرًا جيدًا، خاليًا من العقبات، حيث كان هناك قافلةٌ كاملةٌ من عربات الأجرة وعربات الركاب تَسير جميعها في اتِّجاه سَيرنا نفسه سيرًا سريعًا، وربما كانت تُريد اللَّحاق بنفس ذلك القطار. على أيَّةِ حال، انطلَقْنا مُسرِعين إلى داخل المحطَّة نحن وكثيرون، تحديدًا عندما أشارتْ عقارب الساعة الكبيرةِ إلى الثانية عشرة إلَّا ثماني دقائق.

قال الشاب: «شكرًا للرب! لقد وصَلْنا في الوقت المناسب، وشكرًا لك أنت أيضًا يا صديقي، ولحِصانك الطيب. إن صَنيعك هذا لا يُقدَّر بمال. خُذ نِصف الكراون هذا زيادةً على أُجرتك.»

«كلا يا سيدي كلا، لكن شكرًا لك برغم هذا؛ إنَّني سعيدٌ للغاية بوصولنا قبل الوقت المُحدَّد يا سيدي، لكن لا تقِف الآن يا سيدي، إنَّ الجرْس يدق. أيُّها الحمَّال! خُذ حقيبةَ هذا السيد، خط مدينة دوفر، قطار الساعة الثانية عشرة، هيا.» ودون أن ينتظِر جيري كلمةً أخرى أدارني كي يُفسِح الطريق لعربات الأجرة الأخرى التي أتت مُسرِعةً في اللحظة الأخيرة، ثم أوقفَني على جانبٍ من جوانب المحطَّة حتى انتهى الزحام.

وقال: «كم أنا سعيد! كم أنا سعيد! يا للفتى المِسكين! تُرى ما الذي جعله في هذه الحالة من القلق!»

كثيرًا ما كان يتحدَّث جيري بينه وبين نفسه بصوتٍ عالٍ بما يكفي لكي أسمعَه عندما نكون مُتوقِّفَين عن الحركة.

عندما عاد جيري إلى موقف العربات أكثرَ رفاقُه من الضحك عليه ومُمازحتِه؛ لأنه أسرعَ في القيادة إلى محطة القطار من أجل زيادة الأُجرة، في مخالفةٍ تامَّةٍ لمبادئه، على حدِّ قولهم، وأرادوا أن يَعرِفوا مقدار ما ربح.

قال جيري وهو يُومئ برأسه بمكر: «أكثر بكثيرٍ ممَّا أحصل عليه عادةً، إنَّ ما أعطانيه سيُبقيني في حالة من الرفاهية أيامًا عديدة!»

قال أحدُهم: «هُراء!»

قال آخر: «إنه مُخادع، يَعِظنا بترك الشيء ثم يفعله هو!»

قال جيري: «اسمعوني أيُّها الرفاق، لقد قدَّم لي الرجلُ نصف كراون زيادةً على أُجرتي، لكنَّني لم آخُذه؛ إن ما رأيتُه من سعادته بلَحاقه بذلك القطار كان كافيًّا جدًّا لمُكافأتي، وإذا ما أحببتُ أنا وجاك أن نُسرِع السير من حينٍ لآخر كي نُمتِّعَ أنفسنا، فإنَّ هذا شأننا نحن، وليس شأنَكم.»

قال لاري: «حسنٌ، لكنك لن تُصبحَ غنيًّا أبدًا.»

قال جيري: «على الأرجح لن أُصبح غنيًّا، لكنَّني لا أعتقد أني سأكون أقلَّ سعادةً بسبب هذا. لقد استمعتُ إلى الوصايا العشر تُتلى مراتٍ عديدةً جدًّا، ولم أُلاحظ قطُّ أنَّ أيًّا منها يقول: «عليك أن تُصبِح غنيًّا.» كما أنَّ كتاب العهد الجديد يَذكر العديد جدًّا من الأشياء المُثيرة للاهتمام عن أغنياء الناس والتي أظنُّ أن مِن شأنها أن تجعَلني أشعر بالغرابة بعض الشيء، لو أنَّني كنتُ واحدًا منهم.»

الْتفتَ المدير جراي من فوق عربته إلى جيري وقال: «لو أنك اغتنيتَ في يومٍ من الأيام فسيكون ذلك عن استحقاقٍ يا جيري، ولن يرافقَ البلاءُ ثروتك. أمَّا أنتَ يا لاري، فستموتُ فقيرًا؛ إنك تُنفق الكثيرَ على أحبالِ السِّياط.»

قال لاري: «حسنٌ، ماذا يفعل المرء إذا كان حصانه لن يسير من دونها؟»

«إنك لا تُكلف نفسك مُطلقًا عناءَ التأكُّد ممَّا إن كان سيَسير من دونها؛ إنك دائمًا ما تضرب بالسوط وكأنَّ ذراعك مُصابةٌ بمرض رُقاص القديس فيتوس، وإذا كان هذا لا يُرهِقك فإنه يُرهِقُ حصانك؛ أنت تعلم أنك تُغيِّر خيولك دومًا؛ ولماذا؟ لأنك لا تمنحها أيَّ طمأنينةٍ أو تشجيعٍ البتة.»

قال لاري: «في الواقع، لم يكن يُصادفني حظٌّ جيد. هذا هو كلُّ شيء.»

قال المدير: «ولن يُصادفك أبدًا؛ إنَّ الحظ الجيد يُدقِّق بعضَ الشيء في اختيار من يُرافقهم، وغالبًا ما يُفضِّل أولئك الذين يتمتَّعون بالفطرة السليمة والقلوب الطيبة؛ هذا على الأقلِّ ما أعرفه من واقع خِبرتي.»

التفتَ المدير جراي مرةً أخرى إلى جريدته، وتوجَّه الرجالُ الآخرون إلى عرباتهم.

(٣٦) عربة يوم الأحد

في صباح أحد الأيام، كان جيري قد وضعَني لتوِّه بين عريشَي العربة، وبينما هو يربط سيْرَيِ الجرِّ إذا برجلٍ يدخل إلى الحظيرة. قال جيري: «في خدمتك يا سيدي.»

قال الرجل: «صباح الخير يا سيد باركر، سيكون مِن دواعي سروري أن أُنسِّق معك لاصطحاب زوجتي السيدة بريجز إلى الكنيسة بانتظامٍ صباح أيام الأحد. إنَّنا نذهب إلى كنيسة «نيو تشيرش» هذه الأيام، وهذا أبعدُ بعض الشيء ممَّا تستطيع هي أن تمشيه.»

قال جيري: «شكرًا لك يا سيدي، لكنِّي لم أستصدِر رخصةً١ بالعمل إلَّا لستَّةِ أيام فقط؛ لذا لا أستطيع تقاضيَ أجرةٍ في أيِّ يومٍ من أيام الأحد؛ لن يكون هذا قانونيًّا.»

قال الرجل الآخر: «أوه! لم أكن أعلم أن عربتك من عربات الستَّة الأيام؛ لكنْ لا شكَّ أن تعديل رُخصتك سيكون في غاية اليُسر. سوف أحرِص على ألَّا تخسَر بسبب هذا؛ الحقيقة هي أن زوجتي السيدة بريجز تُفضِّل كثيرًا أن تُوصِّلها أنت بعربتك.»

«يُسعِدني أن أُلبِّيَ رغبة السيدة يا سيدي، لكنَّني حصلتُ على رخصةٍ بالقيادة لسبعة أيام ذات مرة، وكان العمل شاقًّا عليَّ للغاية، كما كان شاقًّا جدًّا على خيولي أيضًا. عامٌ يجيءُ وعامٌ ينقضي دون يومٍ واحدٍ من الراحة، ودون أن أقضيَ مُطلقًا أيَّ يومٍ من أيام الآحاد مع زوجتي وأولادي؛ كما لم أتمكَّن قطُّ من الذهاب إلى أيِّ مكانٍ من أماكن العبادة، وهو ما كنتُ مُعتادًا على فعله دومًا قبل أن أُكرِّس نفسي لمقعد الحُوذي؛ لذا فعلى مدار السنوات الخمس الماضية لم أستصدِر رخصةً بالعمل سوى لستةِ أيامٍ فقط، وأجد أن الأمر أفضلُ من كلِّ النواحي.»

أجاب السيد بريجز: «حسنٌ، لا شكَّ أن من المناسب جدًّا أن يحصل كلُّ إنسانٍ على راحة، وأن يتمكَّن من الذهاب إلى الكنيسة أيام الآحاد، لكنَّني ما كنتُ أظنُّ أنَّك ستُمانع في أن يقطع الحصان مثل هذه المسافة القصيرة، ولن يكون ذلك سوى مرةٍ واحدةٍ في اليوم، وستتبقَّى لك فترةُ الأصيل وفترة المساء كلها، ونحن زبائنُ جيِّدون، كما تعرِف.»

«نعم يا سيدي، هذا صحيح، وأنا، صدقًا، مُمتنٌّ لجميع أفضالك؛ وإنه لمِن دواعي سروري واعتزازي أن أفعل أيَّ شيءٍ في مقدوري؛ تلبيةً لرغبتك أو رغبة السيدة زوجتك، لكنَّني لا أستطيع التخلِّيَ عن نصيبي من أيام الأحد يا سيِّدي، حقًّا لا أستطيع. لقد قرأتُ أنَّ الربَّ خلَق الإنسان، وأنه خلَق الخيل وجميع الدوابِّ الأخرى، وحالَما فرَغ من خلقِهم جعل يومًا للراحة، وأمر بأن يستريح الجميع في يومٍ من كلِّ سبعة أيام، وأعتقِد يا سيِّدي أنه لا بدَّ من أنَّ الربَّ كان يعلم ما هو الخير لهم، وأنا مُتأكِّد أن هذا خيرٌ لي؛ لقد أصبحتُ أقوى وتحسَّنَتْ صحَّتي الآن تمامًا؛ لأنَّني أحظى بيومٍ للراحة؛ كما أن الخيول قويةٌ هي الأخرى، ولا يُسرِع الإرهاقُ إليها. يُحدِّثني بنفس هذا الكلام كلُّ سائقي العربات الذين يعملون ستةَ أيامٍ فقط، وقد وضعتُ في بنك الادِّخار أموالًا أكثر ممَّا فعلتُ في أي وقتٍ مضى؛ أما بشأن زوجتي وأولادي، يا سيِّدي، يا إلهي، فليبارك الربُّ في حياتهم! لن يَقبلوا أن يعودوا إلى الوضع الذي كنتُ فيه أعمل سبعة أيامٍ في مُقابل كلِّ أموال العالم.»

قال الرجل: «أوه، حسنٌ. لا تُكلِّف نفسك عناءً أكثر من هذا يا سيد باركر، سوف أسأل في مكانٍ آخر.» ثم انصرف.

قال لي جيري: «حسنٌ، ليس لنا حيلةٌ في الأمر يا عزيزي جاك؛ لا بدَّ من أن نحظى بنصيبنا من أيام الآحاد.»

ثم صاح: «بولي! بولي! تعالَي.»

جاءت بولي في الحال.

«ما الأمر يا جيري؟»

«عجبًا، يُريدني السيد بريجز يا عزيزتي، أن أوصل زوجته إلى الكنيسة في صباح كل يومٍ من أيام الأحد. لكنَّني أخبرتُه أنِّي لا أملك رخصةَ قيادةٍ إلَّا لستة أيامٍ فقط. فقال: «استصدِر رخصةً بالعمل لسبعة أيام، وأنا أضمَن لك ألَّا يَضيع تعبُك سُدًى.» وأنتِ تعلمين يا بولي أنهم زبائنُ جيدون جدًّا لنا. فغالبًا ما تخرج زوجة السيد بريجز للتسوُّق بالساعات، أو لزيارة صديقاتها، ثم تَدفع الأجرةَ بنزاهةٍ واحترام مِثلَما تفعل السيداتُ الكريمات؛ كما أنها لا تُساوِم على تخفيض الأجْر، ولا تجعل ثلاث ساعاتٍ ساعتَين ونصفًا، كما يفعل بعضُ الناس؛ بالإضافة إلى أنه عملٌ سهل على الخيول؛ ليس كالإسراع المُفرِط في الجري من أجل اللَّحاق بالقطارات لأولئك الذين يتأخَّرون دائمًا مدَّة ربع ساعة عن مواعيدهم؛ وإذا لم أُلبِّ لها رغبتها في هذا الأمر فمن المُرجَّح جدًّا أن نخسرَهم تمامًا. ما رأيكِ يا زوجتي؟»

قالت ببطءٍ شديد: «أرى، يا جيري، أنَّني لن أرضى برجوعك إلى قيادة عربة الأجرة طوال الأسبوع مرة أخرى، حتى لو كانت زوجة السيد بريجز ستَدفع لك قطعةً ذهبيةً من فئة السوفرن في صباح كلِّ يومٍ من أيام الآحاد. لقد عرَفْنا من قبلُ معنى ألَّا نحظى بعطلاتِ أيام الأحد، ونعرف الآن معنى أن هذه الأيام أيامُنا نحن. شكرًا للرب؛ إنك تَجني من المال ما يكفينا، رغم أن سداد ثمن التِّبن وحبوب الشوفان، ورسوم الرخصة، وإيجار المكان كذلك يكون مهمةً شاقَّة في بعض الأحيان؛ لكنَّ هاري سيكسب شيئًا من المال قريبًا، وأنا أُفضِّل أن نواصل كفاحنا بجهدٍ أكبرَ ممَّا نفعله الآن على أن نعود لتلك الأوقات الرهيبة التي لم تكَدْ تجِد فيها دقيقةً واحدةً لرؤية أولادك، ولم نتمكَّن قطُّ خلالها من الذهاب إلى أي دار عبادة معًا، ولا الاستمتاع بيومٍ سعيدٍ هادئ. لا أذِنَ الربُّ في عودتنا إلى تلك الأيام أبدًا! هذا هو رأيي يا جيري.»

قال جيري: «وهذا بالضبط ما قلتُه للسيد بريجز يا عزيزتي، وما أعتزم التمسُّك به؛ لذا لا تقلقي يا بولي (لأنها كانت قد بدأت تبكي) لن أعود إلى الأيام الغابرة، حتى ولو جنَيتُ ضعف ما أجنيه من المال، لقد حُسِم هذا الأمر يا زوجتي. والآن، فلتطيبي نفسًا، وسأمضي إلى موقف العربات.»

ثلاثة أسابيعٍ مرَّتْ على هذه المُحادَثة ولم يأتِ أيُّ طلبٍ من زوجة السيد بريجز؛ ومن ثَمَّ لم يعُد متاحًا سوى أخذ المهامِّ من موقف العربات. تأثَّر جيري بما حدَث تأثُّرًا كبيرًا؛ لأن العمل أصبح أكثرَ مشقَّةً بالتأكيد على الخيول وعليه. لكنَّ بولي كانت تُخفِّف عنه دائمًا وتقول: «لا بأس، أيُّها الأب، لا بأس.»

ابذُل أخي وُسعَكْ،
لكنْ أرِح عقلَكْ،
سيَئولُ للحُسنى
كلُّ الذي شغلَكْ،
وتُعانقُ الآمالُ
ضُحاكَ أو ليلَكْ.

لمْ يمضِ كثيرٌ من الوقت حتى علم الجميع أن جيري خَسِر أفضلَ زبائنه، كما عَلِموا لماذا خَسِره كذلك. قال مُعظم الرجال إنه كان أحمقَ، لكنَّ اثنين أو ثلاثة كانوا في صفِّه.

قال ترومان: «إذا لم يتمسَّك العمَّالُ بحقِّهم في إجازة يوم الأحد، ففي خلال وقتٍ قصيرٍ لن يتبقَّى لهم أيُّ شيء؛ إن هذا اليوم حقٌّ لكلِّ رجل، كما أنه حقٌّ لكل دابَّة. إن القانون الإلهي يكفُل لنا يومًا للراحة، وإن قانون إنجلترا يكفُل لنا يومًا للراحة؛ وأرى أنه ينبغي لنا أن نتمسَّك بالحقوق التي تمنحنا إيَّاها هذه القوانين وأن نُحافظ عليها من أجل أبنائنا.»

قال لاري: «لا بأس أن تتحدَّثوا بهذا يا معشرَ المُتديِّنين، لكنَّني سأجني كلَّ شلنٍ أستطيع أن أجنيَه. أنا لا أؤمن بالدِّين؛ لأنَّني لا أرى للمُتديِّنين من أمثالكم أيَّةَ أفضليةٍ على بقية الناس.»

وهنا قاطعه جيري قائلًا: «إذا لم يكونوا أفضلَ من غيرهم، فهذا لأنهم غيرُ مُتديِّنين. وإلَّا فتستطيع أن تقول إن قوانين دولتنا ليست جيدةً بسبب أن بعض الناس ينتَهِكونها. ولو أن رجلًا ما يَستسلم لحِدَّةِ خُلُقه، ويُسيء الكلام مع جيرانه، ولا يُسدِّد ديونه، فما هو بمُتديِّن، ولا يَعنيني كم يذهب إلى الكنيسة. إذا كان بعض الناس دجَّالين ومُخادعين، فإن هذا لا يجعل الدِّينَ باطلًا. إنَّ الدين الحقيقيَّ هو أفضل وأصدق شيءٍ في العالم، وهو الشيءُ الوحيد الذي يمكن أن يجعل الإنسان سعيدًا سعادةً حقيقية، أو أن يجعل العالَم الذي نعيش فيه أفضلَ مما هو عليه.»

قال جونز: «لو كان للدِّين أيُّ نفعٍ لمنعَ مُتديِّنيكم من أن يَجعلونا نعمل في أيام الآحاد؛ فإنَّ كثيرًا منهم — كما تعلم — يفعلون ذلك، وهذا هو ما يجعلني أرى أن الدِّين لا يعدو أن يكون خُدعة؛ عجبًا! لولا الكنيسة ومُرتادو المعبد لما كان لخُروجنا في أيِّ يومٍ من أيام الأحد فائدةٌ تُذكَر. لكنَّ لهم امتيازاتِهم، كما يُسمُّونها، وأنا محرومٌ من مثل هذه الامتيازات. أتوقَّع أن يتحمَّلوا المسئوليةَ عن رُوحي، ما دمتُ ليس بمقدوري الحصولُ على فرصة لإنقاذها.»

صفَّق كثيرٌ من الرجال استحسانًا منهم لهذا الكلام، إلى أن قال جيري:

«ربما يبدو هذا صائبًا، لكنَّه في الحقيقة لن يكفي؛ فعلى كل إنسانٍ أن يَعتني هو بشأن روحه، وليس لك أن تضَعها أمام باب رجلٍ آخر — كما تُوضَع اللقيطةُ — وتتوقَّعَ منه أن يَعتنيَ بها؛ ثُمَّ ألا ترى، إذا جلست دائمًا في مقعدك من العربة منتظرًا الحصولَ على أُجرة ركوب أحد الزبائن، سيقولون: «إذا لم نأخُذه نحن فسيأخُذه أيُّ شخصٍ آخر، كما أنه لا يَعنيه يومُ الأحد على الإطلاق.» إنهم بالتأكيد لا يتحرَّوْن حقيقةَ الأمر، وإلَّا فسوف يُدركون أنهم إذا لم يَجيئوا قطُّ بحثًا عن عربة أُجرة فلن يكون لوقوفكم هناك أيةُ فائدة؛ لكنَّ الناس لا يُحبُّون دائمًا تحرِّيَ حقيقة الأشياء. قد لا يكون من المناسب فعلُ هذا، لكنكم يا سائقي يوم الأحد لو أضرَبْتم جميعًا من أجل الحصول على يوم راحةٍ فستَحصلون عليه.»

قال لاري: «وماذا سيفعل كل الرجال الصالحين إذا لم يَستطيعوا الوصولَ إلى وُعاظهم المفضَّلين؟»

قال جيري: «ليس من شأني أن أضع الخُطط للآخرين، لكنهم إذا لم يَكونوا يستطيعون المشي بعيدًا فإن بإمكانهم الذَّهابَ إلى الأماكن الأقرَب إليهم، كما يُمكنهم — إذا ما أمطرَت السماءُ — أن يرتدوا معاطف المطر كما يفعلون في أيِّ يومٍ من أيام الأسبوع. إذا كان شيءٌ ما صحيحًا فإنَّ من الممكن عمَلُه، وإذا كان خطأً فمن الممكن الاستغناءُ عنه، ولن يَعدِم الصالحون الوسائل. وهذا يَصدُق علينا نحن سائقي عربات الأجرة، بقدرِ ما يصدُق على مُرتادي الكنيسة.»

(٣٧) القاعدة الذهبية

بعد هذا بأسبوعَين أو ثلاثة، وبينما نحن عائدان إلى الحظيرة في وقتٍ مُتأخِّرٍ بعضَ الشيء من المساء، جاءتْ بولي تَجري فوق الطريق والفانوس في يدِها (كانت تأتي إليه به دائمًا عندما لا تكون السماء شديدةَ المطر).

«لقد آلَت الأمور كلها إلى الخير، يا جيري؛ فقد أرسلَت زوجة السيد بريجز خادِمها بعد ظُهر اليوم يطلُب منك أن تُقِلَّها بالعربة غدًا في الساعة الحادية عشرة. فقلتُ: «نعم، لقد توقَّعتُ هذا، لكنَّنا ظنَنَّا أنها عيَّنَت شخصًا آخر الآن».»

«قال الخادم: «حسنٌ، الحقيقة أن سيِّدي تضايق من رفض السيد باركر المجيءَ في أيام الآحاد، وأخذ طوال الفترة الماضية يُجرِّب عرباتِ أجرةٍ أخرى، لكنَّ كلًّا منهم فيه عيبٌ ما؛ فبعضهم يقود بسرعة للغاية، وبعضهم بطيءٌ للغاية، كما أن سيدتي قالتْ إنه ليس من بينهم مَن يُضارع زوجك في تهذيبه ونظافته، وإنه لن يُلائمها شيءٌ غير عربة السيد باركر مرةً أخرى».»

كانت بولي تلتقط أنفاسها بصعوبة وهي تتكلم، أما جيري فأخذ يضحك في سعادة.

««سيئولُ للحُسنى كلُّ الذي شغلَكْ»: كُنتِ مُحقةً يا عزيزتي؛ وأنت عادةً ما تكونين مُحقةٌ. أسرعي إلى الداخل وجهزي العشاء، وسأنزع عن جاك طقمَه، وأجعله يشعُر بالدفء والسعادة في الحال.»

بعد هذا أصبحت زوجةُ السيد بريجز تطلبُ عربةَ جيري بقدر ما كانت تفعل من قبل تمامًا، ولكنْ ليس في أي يومٍ من أيام الآحاد على الإطلاق؛ لكن أتى علينا يومٌ عَمِلنا فيه في يوم الأحد، وسأروي لكم كيف حدث هذا؛ كنَّا قد رجعنا إلى البيت مساءَ يوم السبت ونحن مُرهَقون كلُّنا للغاية، لكنَّنا كنا سُعداءَ؛ لعِلمنا أن اليوم التاليَ سيكون كله للراحة، لكنْ لم يُقدَّر له أن يكون كذلك.

في صباح يوم الأحد كان جيري ينظِّف جِسمي في الحظيرة، فأقبلَتْ إليه بولي، وكانت تبدو مهمومةً للغاية بأمرٍ ما.

قال جيري: «ما الأمر؟»

قالت: «في الواقع، يا عزيزي، لقد تلقَّت المسكينة دينا براون للتوِّ خطابًا يُخبرها أن والدتها تُعاني من مرض خطير، وأن عليها أن تذهب إليها في الحال إذا كانت تريد أن تراها وهي على قيد الحياة. إن البيت يَبعُد عن هُنا مسافةَ ما يَزيد على عشَرة أميال، في الريف خارجَ البلدة، وهي تقول إنها لو أخذت القطار فسيتبقَّى أمامها أربعةُ أميالٍ أخرى لتمشيَها؛ وكونها ضعيفةً للغاية، وكون رضيعها لم يُجاوِز الأربعة الأسابيع، فسيستحيل عليها بالتأكيد أن تفعل هذا؛ وهي تريد معرفة ما إذا كنتَ تُوافق على أخذها إلى هناك بعربتك، وتتعهَّد مُخلِصةً أن تدفع لك حالما تتمكَّن من الحصول على المال.»

«لا! لا! سننظُر في أمر المال فيما بعد. فليس المال ما أُفكر فيه، وإنما في ضياع يوم الأحد منَّا؛ فالحصانان مُتعَبان، وأنا متعَبٌ كذلك؛ هذا هو مصدرُ المشكلة.»

قالت بولي: «إن المشكلة تعمُّنا جميعًا، بسبب هذا الأمر؛ لأنها ستكون نصف إجازةٍ فقط من دونك، لكنك تعلم أنه ينبغي لنا أن نُعامل الآخرين بما نُحبُّ أن يعامِلونا به؛ وأنا أعرف تمامًا ما الذي سأُحبُّ أن يكون في حال كانت والدتي تُحتضَر؛ ثم إنني واثقة يا عزيزي جيري أن هذا لن يَنتهك قدسية يوم الأحد؛ لأنه إذا كان إخراجُ أحد الحيوانات المسكينة أو أحد الحمير من حفرةٍ ما لا يُفسِد قدسية اليوم، فأنا واثقةٌ تمامًا أن إيصال المسكينة دينا إلى بيت أُمِّها لن يُفسِد قدسيَّته.»

«عجبًا، إنكِ تُضاهين القِسَّ براعةً، يا بولي؛ لذا، وبما أنَّني استمعتُ إلى مَوعظة صباح الأحد مُبكرًا هذا اليوم، يُمكنك أن تذهَبي إلى دِينا، وتُخبريها أنِّي سأكون مُستعدًّا لاصطحابها في تمام الساعة العاشرة، لكن انتظري، مُرِّي فقط على منزل الجزار برايدن وأبلغيه تحياتي، واسأليه إن كان من المُمكن أن يُعيرَني عربتَه الخفيفة؛ فأنا أعرف أنه لا يستخدِمها مُطلقًا في أيام الأحد، ومن شأنها أن تُحْدِث فارقًا هائلًا مع الحصان.»

ذهبتْ بولي، وبعد قليلٍ عادت وأخبرَتْه أنه يستطيع أخْذَ العربة بكل سرور.

قال: «حسنٌ، ضَعي لي الآن قليلًا من الخُبز والجُبن، وسأعود بعد الظهر في أقرب وقتٍ ممكن.»

قالت بولي: «وأنا سأُعِدُّ فطيرة اللحم لنتناولها مبكرًا مع الشاي، بدلًا من تناولها وقت الغداء.» ثم انصرفَتْ، بينما راح هو يقوم بتحضيراته وهو يُدندن أغنية «بولي هي الزوجة ولا ريب.» التي كان يُحبها كثيرًا.

وقع الاختيارُ عليَّ من أجل الرحلة. وفي الساعة العاشرة بدأنا المسير بعربةٍ خفيفةٍ عجلاتها عالية، كانت تتحرَّك بسهولةٍ بالِغة حتى بدا وكأنَّني لا أجرُّ ورائي شيئًا ذا بالٍ بعدما تعودتُ على عربة الأجرة ذات الأربع العجلات.

كان يومًا جميلًا من أيام شهر مايو، وحالَما خرَجْنا مِن البلدة كان الهواء العليل، ورائحة العُشب النَّضِر، وطرقات الريف الليِّنة، كانت جميعُها مُمتِعة كحالها في الأيام الخوالي، وبدأتُ أشعُر على الفور بنشاطٍ كبير.

كانت أسرة دينا تعيش في منزل ريفي، يمرُّ أمامَه دَرب يكسوه العُشب، بالقرب من مرج أخضر به بِضعُ أشجارٍ ظليلةٍ رائعة، وكان في المرج بقرتان تأكلان. طلبَ شابٌّ من جيري أن يُدخل عربته إلى المرج، وأنَّ بوُسعه أن يَربِطني في حظيرة الأبقار، وقال إنه يتمنَّى لو كان عنده حظيرةٌ أفضل من هذه؛ كي يضَعني فيها.

قال جيري: «إذا كانت أبقارُك لن تنزعِج، فليس أحبَّ إلى حصاني مِن أن يحظى بساعةٍ أو ساعتَين في مرجك الجميل؛ إنه هادئٌ، وستكون هذه بمثابة مُتعةٍ استثنائية له.»

قال الشاب: «تفضَّل، على الرحب والسَّعة، إن أفضل ما لدَينا تحت أمرك؛ للمعروف الذي قدمتَه لأختي؛ سوف نتناول شيئًا من الطعام على الغداء بعد ساعة، وأرجو أن تتفضَّل بالدخول، رغم أن مرض أمِّي الشديدَ أصابنا جميعًا في المنزل بالغم.»

شكَره جيري بلُطف، لكن قال إن معه بعضَ الطعام للغداء؛ لذا فلا شيءَ أحبَّ إليه من أن يتمشَّى في المرج.

عندما نُزع عنِّي طقمي لم أعرف ماذا أفعل أولًا؛ آكل العُشب، أم أتمرَّغ على ظهري، أم أرقُد وأستريح، أم أعدو في المرْج من سعادتي الغامرة بما نِلتُ من الحرية؟ ففعَلتُها جميعَها واحدةً تِلْو الأخرى. بدا جيري سعيدًا جدًّا مثلي؛ فقد جلس إلى ضفةٍ تحت شجرةٍ ظليلة، وراح يُصغي إلى الأطيار، ثُمَّ أخذ يُغنِّي هو بنفسه، وقرأ بصوتٍ عالٍ من الكتاب البنِّي الصغير الذي يُحبُّه كثيرًا، ثم راح يتجوَّل في أنحاء المرج، ثم بمُحاذاةِ غديرٍ صغيرٍ، حيث الْتقَط الأزهار ونبات الزُّعرور البري، وربطها بعساليجَ طويلةٍ من نبات اللَّبْلاب؛ ثم علَفني جيدًا بحبوب الشوفان التي جلَبها معه؛ لكنَّ الوقتَ بدا قصيرًا للغاية؛ فأنا لم أدخل أيَّ مرْجٍ مُذ فارقتُ جينجر المسكينةَ في إيرلشال.

عُدنا إلى البيت في سيرٍ وئيد، وكانت أُولى كلمات جيري عندما دخَلنا إلى الإسطبل: «حسنٌ يا بولي، لم أُفوت يومَ الأحد في نهاية الأمر؛ فقد كانت الأطيار تَشدو بالترانيم على كل شُجيرة، وقد رافقتُها في صلواتها؛ أمَّا عن جاك فكان كمُهرٍ صغير.»

عندما وضع جيري الزهور في يد بولي أخذَتْ تتواثَب هنا وهناك من الفرحة.

(٣٨) دولي وسيدٌ نبيلٌ حقيقي

حلَّ فصل الشتاء مبكرًا، ومعه الكثير من المطر والبرد. كان ثمَّة ثلجٌ أو جَمْدٌ أو مطرٌ يتساقط كل يومٍ تقريبًا لأسابيع، وما كان يحلُّ محلَّ أيٍّ منها سوى الريح الصرصر العاتية، أو الصقيع القارس البُرودة. تأثرَت الخيول كلها به تأثرًا شديدًا؛ فعندما يتعلق الأمر بالبرد الجافِّ فإنَّ بِساطَين كثيفَين جيدَين سيُحافظان على الدفء في أجسامنا، لكن عندما يكون مطرٌ غامرٌ فإنهما لا يلبَثان أن يتَبلَّلا بالماء تمامًا، ثم لا يَعودان نافِعَين. كان لدى بعض السائقين أغطِيةٌ مُضادةٌ للماء يُلقونها فوق خيولهم، وكان هذا شيئًا رائعًا، لكنَّ بعض الرجال كانوا فقراء للغاية بحيث ما كانوا يستطيعون حمايةَ أنفسهم ولا خيولهم، وقد عانى كثيرٌ منهم في هذا الشتاء. كنَّا نحن الخيولَ إذا عَمِلنا نصفَ اليوم نعود إلى إسطبلاتنا الجافة، وكنَّا نستطيع عندها أن نَحظى بالراحة، بينما كان عليهم هم أن يَجلسوا في مقاعدهم من العربات، وكانوا يتأخَّرون في الخارج أحيانًا إلى الواحدة أو الثانية صباحًا عندما يتعيَّن عليهم انتظارُ جماعةٍ ما.

كان أسوأ ما يواجهنا نحن الخيولَ أن تكون الشوارع زَلِقةً بسبب الصقيع أو الثلج. إنَّ ميلًا واحدًا من السير بهذه الطريقة، في وجود حِملٍ نَجرُّه ومع عدم رسوخ أقدامنا، لَيَستنزف طاقتنا أكثر ممَّا تفعله أربعةُ أميالٍ من السير على طريقٍ جيدة؛ فكلُّ عصبٍ وعضلةٍ في أجسامنا تُجهَد لأقصى حدٍّ للمحافظة على توازُننا؛ وفضلًا عن هذا، فإن الخوف من السقوط أكثرُ استنزافًا لطاقتنا من أيِّ شيءٍ آخر. إذا كانت الطرقُ شديدةَ السوء فإن حَدْواتنا تصبح أخشن، لكنَّ هذا يُصيبنا بالتوتُّر في بداية الأمر.

كان كثيرٌ من الرجال يجلسون في الحانة المجاورة عندما يكون الجوُّ سيئًا جدًّا، وكانوا يُحضرون أحد الأشخاص ليُراقب لهم العربات، لكنْ كثيرًا ما كانت تَفوتهم توصيلةٌ بهذه الطريقة، كما أنهم لم يَكونوا يستطيعون الجلوس هناك — كما يقول جيري — دون أن يُنفِقوا مالًا. لم يذهب جيري قطُّ إلى حانة ذا رايزينج صن، لكنْ كان ثمَّة مقهًى قريب، فكان يذهب إليه بين الحين والآخر، أو يشتري من رجلٍ عجوزٍ كان يأتي إلى موقف العربات بعلبٍ من القهوة الساخِنة وفطائر. كان يرى أن الكحوليات والجِعَة يجعلان المرء أكثر برودةً فيما بعد، وأن الملابس الجافة، والطعام الجيد، والابتهاج، والزوجة المُطيعة في البيت، أفضلُ ما يحافظ على دفء سائق العربة. كانت بولي دائمًا تُمدُّه بشيءٍ يأكله عندما لا يكون بوُسعه الذَّهابُ إلى البيت، وكان في بعض الأحيان يرى دولِّي الصغيرة وهي تَسترق النظر من ناصية الشارع لترى إن كان والدُها في الموقف أم لا. وفي حال رأَتْه كانت تنطلِق بأقصى سرعة، ثم تعود بعد قليلٍ ومعها بعض الطعام في علبةٍ أو سلَّة، بعض الحساء الساخن أو شيءٌ من الحلوى كانت بولي قد أعدَّتها من قبل. كان مِن المُدهش أن تتمكن مثلُ تلك المخلوقة الصغيرة بأمان من عبور الشارع، الذي غالبًا ما يعجُّ بالخيول والعربات، لكنها كانت صبيَّةً شجاعة، وكانت تشعر بأنه شرفٌ كبيرٌ أن تُحضِرَ «طبق بابا الأول»، كما اعتاد أن يدعوه. كان جميعُ مَن في الموقف يُحبُّونها، وما كان أحدٌ إلا ويتأكد من عبورها الشارع بأمان، في حال لم يستطع جيري فعل ذلك.

في يومٍ من الأيام العاصفة الباردة أحضرَت بولي لجيري وعاءً به بعض الطعام الساخن، ثم وقفَتْ بجواره بينما كان يتناوله. لم يكَد جيري يبدأ طعامه حتى جاء رجلٌ يحثُّ السير باتجاهنا ورفع مِظلَّته لأعلى؛ إشارةً إلى رغبته في ركوب العربة. لمس جيري بدَوره قبَّعتَه مُحيِّيًا الرجل، وناول دولي الوعاء، وكان على وشْك أن يرفع عنِّي ردائي، عندما بادره الرجل قائلًا: «لا، لا، إنهِ حِساؤك يا صديقي؛ ليس لدي كبيرُ متَّسَعٍ من الوقت، لكنَّ بإمكاني الانتظارَ ريثما تنتهي من طعامك وتوصل ابنتك الصغيرة آمنةً إلى الرصيف.» قال الرجل هذا، ثم جلس في العربة. في تلك اللحظة شكره جيري بلطفٍ، ثم عاد إلى دولي.

وقال: «أترين يا دولي، هذا رجلٌ نبيل، هذا سيدٌ نبيلٌ بحقٍّ يا دولي؛ إنه يبذل من وقته واهتمامه من أجل راحة سائق عربة أُجرة فقير وبنتٍ صغيرة.»

أنهى جيري حساءه، وعاون طفلته في عبور الشارع، ثم تلقَّى أوامره بقيادة عربته إلى منطقة كلافام رايز. بعد هذا ركب الرجلُ نفسُه عربتنا عدةَ مرات. أعتقد أنه كان مولَعًا جدًّا بالكلاب والخيل؛ لأنَّنا في كل مرةٍ كنَّا نأخذه إلى باب منزله كان يخرج كلبان أو ثلاثة لاستقباله وهم يتَواثبون. وكان في بعض الأحيان يقترب منِّي ويربتُ عليَّ، ويقول بأسلوبه الهادئ الجميل: «إن لهذا الحصان سيدًا طيبًا، وهو يستحقُّ أن يكون سيدُه كذلك.» كان مِن النادر جدًّا أن يتعامل أيُّ أحدٍ مع الحصان الذي كان يخدمه معاملةً لطيفة. كنتُ أعرف أن السيدات يفعلنَ هذا بين الحين والآخر، وذلك الرجل النبيل، كما قد ربت عليَّ رجلٌ أو اثنان آخران وأسمَعاني بعض الكلمات الطيبة؛ لكنَّ تسعةً وتسعين من بين كل مائة شخصٍ كانوا سيُفضلون التربيت على المحرِّك البخاري الذي يجرُّ القطار على أن يفعلوا معي ذلك.

لم يكن الرجل في سنِّ الشباب، وكان كتفاه مُحْدودبتَين إلى الأمام، وكأنما كان طوال الوقت على وشك أن ينقضَّ على شيءٍ ما. أما شفتاه فكانتا رقيقتَين ومُطْبقتَين، لكنهما كانتا تبتسمان ابتسامةً بالِغةَ اللُّطف؛ كانت عينه ثاقبة، وكان ثمَّة شيءٌ في فكِّه وحركةِ رأسه، يدفع مَن يراه إلى الاعتقاد بأنه إنسانٌ شديدُ الإصرار على أيِّ شيءٍ يُقْدِم عليه. كان صوتُه لطيفًا وطيبًا؛ بحيث لو سمِعَه أيُّ حصانٍ لوَثق فيه، مع أنه كان في الدرجة نفسها من الحسم الذي يُميِّز كلَّ شيءٍ آخرَ فيه.

ذات يومٍ استقلَّ هو ورجلٌ آخر عرَبتَنا؛ توقَّفا أمام محلٍّ في شارع ر… ستريت، وبينما دخل صديقه إلى المحل وقف هو عند الباب. على الجانب الآخر من الشارع كان يتقدَّمُنا قليلًا عربةٌ من عربات نقل البضائع، مربوطًا فيها حِصانان شديدا الجمال، وكانت واقفةً أمام بعض أقْبِية الخمر؛ ولم يكن السائق مع الحصانين، ولا أدري كم من الوقت كانت مدةُ وقوفهما، لكنْ يبدو أنه خُيِّل إليهما أنهما وقَفا هناك وقتًا طويلًا بما فيه الكفاية، فبدآ يُراوِحان مكانهما. وقبل أن يبتعدا كثيرًا جاء السائق يجري مُسرعًا وأمسكهما. بدا غاضبًا للغاية من تحركهما من مكانهما، وراح يُعاقبهما عقابًا قاسيًا بالسَّوط والعِنان، حتى إنه ضربهما على رأسيهما. شاهد السيد النبيلُ كلَّ شيء، فاندفع سريعًا عبْر الشارع، وقال بنبرةٍ حاسمة:

«إذا لم تتوقف عن هذا في الحال، فسأجعل الشرطة تعتقلك؛ لِتَركِك حِصانَيك، ولسلوكك العنيف.»

تلفَّظ الرجلُ — الذي من الواضح أنه كان يشرب الخمر — ببعضَ الكلام البذيء، لكنه توقف عن ضرب الحِصانَين، وأخذ اللِّجام وركب عربته؛ في غضون ذلك أخرج صاحبُنا من جَيبه في هدوءٍ دفتر ملاحظات، وبعدما نظَر إلى الاسم والعنوان المكتوبَين على العربة، دوَّن شيئًا ما.

قال سائق العربة بفظاظةٍ وهو يُفرقع بسوطه ويَمضي: «ما الذي تريده من وراء هذا؟» لكنَّ صاحبنا لم يُجِبْه سوى بإيماءةٍ وابتسامةٍ عابسة.

اجتمع صاحبُنا لدى عودته إلى العربة برفيقه، الذي قال ضاحكًا: «كنتُ أظنُّ يا رايت أن لدَيك من شأنك ما يكفي لأن تَعتنيَ به، دون أن تُكلِّف نفسك عناء الانشغال بخيول الآخرين وخدمهم.»

ثبَت صاحبُنا في مكانه لحظةً، ثم قال وهو يُرجِع رأسه إلى الوراء قليلًا: «هل تعلم لماذا هذا العالمُ بهذه الحال من السوء؟»

قال الآخر: «لا.»

«سأخبرك إذن؛ لأن الناس يفكرون في شئونهم الخاصة فقط، ولا يَشغَلون أنفسهم بنُصرة المظلومين، ولا بفضح أمر المُعتدِين، لكنني لا أرى عملًا شريرًا مثل هذا مُطلقًا إلَّا وأفعل ما أستطيع فعله، وقد شكَرني كثيرٌ من أصحاب الخيول؛ لأني أحَطتُهم علمًا بالطريقة التي كانت تُعامَل بها خيولهم.»

قال جيري: «أتمنَّى أن يُوجَد المزيد من أمثالك يا سيدي؛ فهذه المدينة في أمَسِّ الحاجة إليكم.»

بعد هذا تابعْنا رحلتنا، وعندما خرَجا من العربة كان صاحبنا يقول: «إن مَبدئي هو أنَّنا إذا رأينا عُنفًا أو ظُلمًا نملك القدرة على منعه، ولم نفعلْ شيئًا، فإننا نَجعل من أنفسنا شُركاءَ في الجُرْم.»

(٣٩) سام المنهَك

يجدُر بي القول إنه مقارنةً بوضعي كحصانِ عربة أجرة؛ فقد كنتُ في وضعٍ ممتازٍ بالفعل؛ لأنني كنتُ مِلكَ سائقي، وكان من مصلحته أن يُحسِن معاملتي وألَّا يُرهقني بالعمل، حتى لو لم يكن رجلًا كريمًا جدًّا كما كان في الحقيقة. لكن كان ثمَّة كثيرٌ من الخيول التي يملكها كبارُ مُلاك مواقف العربات، والذين كانوا يؤجِّرونها لسائقيهم في مقابل مبلغٍ كبيرٍ من المال في اليوم الواحد. ولأنَّ الخيول لم تكن مِلكًا لهؤلاء الرجال؛ فقد كان الشيء الوحيد الذي يفكرون فيه هو كيفَ يستخرجون أموالهم منها، أولًا، ليدفعوا للمالك، ثم لينهضوا بأعباء معيشتهم، وقد لاقت بعضُ الخيول أوقاتًا عصيبةً من جرَّاء ذلك. بالتأكيد لم أفهم من الأمر إلَّا القليل، لكنه كان موضوعَ حديث الناس في موقف العربات في كثيرٍ من الأحيان، كما أن مدير الموقف، وهو رجلٌ طيب القلب مُحبٌّ للخيول، كان يجهر أحيانًا برأيه إذا جاء أحدُها وقد تعرَّض للإنهاك الشديد أو لسوء المعاملة.

ذات يومٍ جاء سائقٌ رثُّ الثيابِ بائسُ المنظر، كان معروفًا بلقب «سام المُنهَك»، جاء بحصانه وعليه علاماتُ ضربٍ مروِّع، فقال المدير:

«تبدو أنت وحصانك أنسبَ بمركز الشرطة منكما بهذا الموقف.»

ألقى الرجلُ دِثاره الباليَ فوق الحصان، واستدار بجسمه كلِّه نحوَ المدير، وقال بصوتٍ يكاد يظهر فيه اليأس:

«إذا كان للشرطة أيُّ شأنٍ بالموضوع فيجِب أن يكون مع أصحاب العمل الذين يُكلِّفوننا بالكثير، أو مع الأُجَر المُحدَّدة بقيمةٍ منخفضةٍ للغاية. إذا كان على الرجل أن يدفع ثمانية عشر شلنًا يوميًّا لينتفِع من عربة أجرةٍ وحصانَين، كما هو مُتعينٌ على كثيرٍ منَّا أن يفعل في الموسم، وإذا كان يَلزمنا أيضًا أن نتحصَّل على هذا المبلغ قبل أن نكسب بنسًا واحدًا لأنفسنا؛ فإنَّني أرى أن هذا أكثرُ من مجرَّد عملٍ شاق؛ تسعة شلناتٍ يوميًّا يلزمك استخراجها من كل حصانٍ قبل أن تبدأ في جَنْي رزقك! أنت تعلم صحة هذا، وإذا لم تعمل الخيول فسنتضوَّر جوعًا حتمًا، وقد خبَرتُ أنا وأولادي هذا من قبل. إن لديَّ ستةَ أولاد، وليس من بينهم مَن يَجني أيَّ شيءٍ من المال غير واحدٍ فقط؛ إنَّني أقضي في الموقف أربع عشرة أو ستَّ عشرة ساعةً يوميًّا، كما أنَّني لم أحْظَ بعطلة يوم الأحد على مدار الأسابيع العشرة أو الاثني عشر الماضية. أنت تعلم أن سكينر لا يمنح يومًا واحدًا البتَّة ما دام بوُسعه ذلك، وإذا لم أكن أجتهد في العمل، فأخبِرْني مَن الذي يفعل! إنَّني أحتاج إلى مِعطَفٍ يُدفئني وآخرَ يَقيني المطر، لكن في وجود الكثير ممَّن يتعيَّن عليَّ إطعامهم، كيف يُمكنني الحصول على ذلك؟ لقد اضطُررتُ لرهن ساعتي منذ أسبوعٍ كي أدفع لسكينر، ولن أراها ثانيةً أبدًا.»

كان بعض السائقين الآخرين يقفون حولهما، فأخَذوا يومِئون برءوسهم ويقولون إنه على حق. واصل الرجل كلامه قائلًا:

«أنتم يا مَن تملكون خيولكم وعرباتكم الخاصَّة، أو تقودونها لحساب أصحاب عملٍ طيبين، لديكم الفرصة لتدبُّر أموركم ولعمل الصواب؛ أما أنا فلا. نحن لا نستطيع المطالبة بأكثرَ من ستَّةِ بنساتٍ لكلِّ ميلٍ بعد الميل الأول، في نطاق أربعة أميال. لقد كان علَيَّ في صباح هذا اليوم تحديدًا أن أقطع مسافةَ ستة أميالٍ كاملة ولم أتقاضَ سوى ثلاثة شلنات. ولم أجد زَبونًا لأتحصَّل على أُجرة للعودة، وكان عليَّ أن أعود مسافة الطريق كلها؛ تلك اثنا عشر ميلًا قطعها الحصان وثلاثة شلناتٍ لي. بعد هذا أوصلتُ زبونًا مسافةَ ثلاثة أميال، وكان معه من الحقائب والصناديق ما يكفي ليُربحني الكثير من العُملات من فئة البنسين لو كان وضعَها خارج العربة؛ لكنك تعرف ما يفعله الناس؛ فقد كدَّسَ كل ما يمكن تكديسه داخل العربة على الكرسي الأمامي ووضع ثلاثة صناديقَ ثقيلةً فوق العربة. كان هذا بستَّة بنسات، وكانت الأجرةُ شلنًا وستة بنسات؛ ثم حصلتُ على زبونٍ آخر في عودتي دفع شلنًا. هكذا يُصبح المجموع ثمانية عشر ميلًا للحصان وستة شلناتٍ لي؛ ومن ثَمَّ يبقى على هذا الحصان ثلاثة شلنات أخرى لِيَجنيها وعلى حصانِ فترة الأصيل تسعةُ شلنات هو الآخر قبل أن ألمس أنا بنسًا واحدًا! لا شكَّ أن الحال ليست بهذا السوء على الدوام، لكنك تعلم أنها كثيرًا ما تكون هكذا، وإنني لأرى أنَّه مما يدعو للسخريةَ أن يُطالبَ الرجلُ بعدَم إنهاك حصانه في العمل؛ لأنه عندما يصل الحيوان إلى أقصى درجات الإنهاك فلن يدفَع أرجُلَه إلى مواصلة السير غيرُ السَّوط، وإنك لتعجز عن كبْح نفسك عن هذا. لا بدَّ لك من تقديم زوجتك وأولادك على الحصان! لا بدَّ من أن يهتمَّ مَن يملكون عرباتهم وخيولهم بعدم إنهاكها، أما نحن فليس بوُسعنا ألا نفعل. أنا لا أسيءُ معاملة حصاني حبًّا في الإساءة إليه؛ ليس منكم مَن يستطيع أن يقول إنني أحبُّ الإساءة إلى حصاني. ثمةَ خطأ كامنٌ في موضعٍ ما؛ لا يوم للراحة البتَّة، لا ساعةَ هادئةً مع الزوجة والأولاد مُطلقًا. إنَّني كثيرًا ما أبدو وكأنَّني رجلٌ مُسِن، مع أن سنِّي لم يجاوز الخامسة والأربعين. إنكم تعرفون كم يُسارع بعضُ الأعيان إلى الاشتباه بأنَّنا نغشُّ ونَزيد في الأجرة؛ يا إلهي! إنهم يقفون بمحافظ نقودهم في أيديهم يعدُّون ما فيها بنسًا بنسًا وينظرون إلينا وكأنَّنا من النشَّالين. أتمنَّى أن يُضطَرَّ بعضهم للجلوس في مقعدي من العربة ستَّ عشرة ساعة في اليوم وجني رزقهم منها، بالإضافة إلى ثمانية عشر شلنًا أخرى، وأن يفعلوا هذا في كل أحوال الطقس؛ لو فعلوا هذا فلن يَكونوا شديدي الحرص على ألَّا يَزيدونا ستَّة بنسات، أو على أن يزجُّوا بحقائبهم كلها داخل العربات. لا شكَّ أن بعضهم يدفع لنا إكرامياتٍ سخيَّةً نوعًا ما بين الحين والآخر، وإلَّا لما استطعنا أن نعيش؛ لكنك لا تستطيع الاعتماد على ذلك.»

أيَّد الرجالُ الواقفون حولهما هذا الكلامَ تأييدًا كبيرًا، وقال أحدهم: «إنها حال صعبة للغاية، ولا عجَب إنْ وقع بعض الرجال في الخطأ أحيانًا، ثم مَن الذي يحقُّ له أن يُوبِّخه إن كان لا يتقاضى سوى أقل القليل في أكثر الأحيان؟»

لمْ يشارك جيري في هذا الحوار، لكنني لم أر وجهه قبل ذلك قطُّ أكثرَ حزنًا منه في هذه اللحظة. كان المدير يقِف واضعًا كلتا يديه في جيوبه؛ ثم أخرج منديله من تحت قُبَّعته وأخذ يمسح جبهته.

وقال: «لقد غلبتَني يا سام؛ فكلُّ ما قلتَه صحيح، ولن أوبِّخك بعد ذلك، ولن أُهدِّدك برفع الأمر إلى الشرطة؛ لكن النظرة التي في عين ذلك الحصان هي التي أثَّرَت في نفسي. إن هذا لَمِن سوء حظِّ المرء ومن سوء حظِّ الحيوان كذلك، ولا أدري مَن عساه أن يُصلحه، لكنْ على أية حال يمكنك أن تعتذِر للحيوان المسكين على إنهاكه بهذه الطريقة. أحيانًا تكون الكلمة الطيبة هي كل ما نستطيع تقديمه لتلك الحيوانات المسكينة، وكم يُدهش المرءَ ما تستطيع هي أن تفهمه.»

بعد أيامٍ قليلةٍ من هذا الحوار جاء رجلٌ جديدٌ إلى الموقف بعربة سام.

قال أحد الرجال: «يا هذا! هل سام المُنهَك بخير؟»

قال الرجل: «إنه طريح الفراش، لقد مرض فجأةً ليلة أمس وهو في الحظيرة، وما كاد يتمكن من الزحف إلى البيت. وقد أرسلَتْ زوجتُه أحد أبنائه هذا الصباح يُخبرني أنَّ والده محمومٌ جدًّا ولم يستطع الخروج؛ لهذا فأنا هنا بدلًا منه.»

في صباح اليوم التالي جاء الرجل نفسُه مرةً أخرى.

سأل المدير: «كيف حال سام؟»

قال الرجل: «لقد رحل.»

«ماذا، رحل؟ أتعني أنه مات؟»

قال الآخر: «أسلمَ الرُّوح منذ سُوَيعات. مات في الرابعة من صباح اليوم؛ وقد قضى البارحةَ كلها في الهذَيان، كان يَهذي عن سكينر، وعن عدم أخْذِه عطلةً في أيام الآحاد: «لم أحْظَ قطُّ بالراحة في يوم الأحد.» تلك كانت كلماتِه الأخيرة.»

لم ينطق أحدٌ لبُرهةٍ من الوقت، ثم قال المدير: «أتعرفون يا رفاق، إن هذا تحذيرٌ لنا.»

(٤٠) جينجر المسكينة

ذاتَ يومٍ، بينما كانت عربتُنا تنتظر مع كثيرٍ من العربات الأخرى خارجَ إحدى الحدائق التي ينطلق منها صوت الموسيقى، مرَّتْ بجوارنا عربةُ أجرةٍ عتيقةٌ بالية. كانت فرَستُها عجوزًا كَستَنائية اللون منهَكة القُوى، وكان شعر جسمها في حالة سيئة وعظامها بارزةً بوضوحٍ من تحته، أما رُكَبها فكانت مقوَّسةً، وكانت أرجلها الأمامية غيرَ ثابتة للغاية. كنتُ أتناول بعض التِّبن، ودحرجَت الرياحُ حُزمةً صغيرةً منه باتجاهها، فمدَّت المخلوقةُ البائسة رقبتَها الناحلة الطويلةَ والتقطَتْها، ثم الْتفتَتْ وراحتْ تبحث عن المزيد. كان في عينها الحزينةِ نظرةٌ يائسةٌ لم يكن بوُسعي ألَّا أُلاحظها، بعد هذا، وبينما رحتُ أفكر أين رأيتُ هذه الفرسَة من قبل، نظرَتْ إليَّ بوجهها كلِّه وقالت: «بلاك بيوتي، أهذا أنت؟»

لقد كانت جينجر! لكن كم تغيرَتْ! تلك الرقبةُ المقوَّسة الشكلِ اللامعةُ الجميلةُ أمْسَت الآن مُستقيمة وهزيلةً ومتدلِّية! هذه الأرجلُ الكاملةُ الاستقامة، وهذه الثُّننُ الجذابة الرشيقةُ صارت الآن متورِّمة؛ كما فقدَت المفاصلُ قوتها على أثر العمل الشاق؛ وذلك الوجه الذي كان مُفعَمًا بالحيوية والنشاط فيما مضى أمسى الآن غاصًّا بالشقاء، وعرَفتُ من انتفاخ جنبَيها وسُعالها المتكرِّر مقدار السُّوء الذي أصاب قُدرتها على التنفُّس.

كان سائقانا يقِفان على مَقربةٍ من بعضهما؛ لذا مشيتُ نحوها بحذرٍ خطوةً أو خطوتين، بحيث يتسنَّى لنا أن نحظى بحديثٍ هادئٍ وجيز. لقد كانت قصةً حزينةً تلك التي قصَّتْها عليَّ.

بعد انقضاء سنةٍ في عزبة إيرلشال رأى سيدُها أنها أصبحَت صالحةً للعمل مرةً أخرى، وباعها لأحد الرجال. تقدَّمت جينجر في عملها جيدًا جدًّا لفترةٍ قصيرةٍ من الوقت، لكنَّ الإجهاد القديم عاد مرةً أخرى بعدما عدَتْ مسافةً أطولَ من المُعتاد، وبعدما استراحت وعُولِجتْ بِيعتْ مرةً أُخرى. بهذه الطريقة انتقلت من مالكٍ لآخر عدةَ مرات، لكنها كانت تتعرَّض لمزيدٍ من الإنهاك دائمًا.

قالت جينجر: «وهكذا في نهاية المطاف، اشتراني رجلٌ يملك عددًا من العربات والخيول ويؤجرها. إنك تبدو في حالٍ جيدة، وأنا سعيدةٌ بهذا، لكنْ لا يمكنني أن أخبرك كيف كانت حياتي. عندما اكتشفوا ضَعفي قالوا إنَّني لا أستحقُّ ما دفَعوه مُقابلي، وإنه يجِب أن أجرَّ إحدى عربات الأجرة المُتهالكة، وأن تُستنزَف قواي وحسْب؛ هذا هو ما يفعلونه، ضربٌ بالسوط وإنهاكٌ في العمل، دون أدنى مراعاةٍ بالمرَّة لما أُعانيه، لقد دفعوا ثمني، ولا بدَّ من أن يستخرجوه منِّي؛ هكذا يقولون! إن الرجل الذي يستأجرني الآن يدفع للمالك قدرًا من المال كل يوم؛ لذا فهو يريد أن يحصل عليه منِّي هو الآخر؛ وهكذا هو الحال طوال الأسبوع دون نهاية، ودون عُطلة في أيام الأحد مطلقًا.»

قلتُ: «لقد كنتِ تُدافعين عن نفسكِ إذا أساء أحدٌ معاملتك.»

قالت: «آهٍ! لقد فعلتُ هذا ذات مرة، لكنْ ليس ثمَّة جدوى؛ فالرجال هم الأقوى، وإذا كانوا مُتحجِّري القلوب وليس لدَيهم مشاعر فليس ثمَّة ما نستطيع فِعله سوى أن نتحمَّل؛ نستمرُّ في ذلك حتى النهاية. أتمنَّى لو تأتي النهاية، أتمنَّى أن تأتي النهاية! لقد رأيتُ خيولًا ميتةً، وأنا واثقةٌ أنها لا تُقاسي ألَمًا؛ أتمنَّى أن أسقط ميتةً أثناء عملي، وألَّا يُبعَث بي إلى تجار الخيول الذين يشترون الخيول الهزيلة لذبحها وبيع لحمها.»

تكدَّرَت نفسي للغاية، ووضعتُ أنفي إلى جوار أنفها، لكنْ لم أستطع قول أي شيءٍ يُخفِّف عنها. أظنُّ أنها سعدَتْ برؤيتي؛ لأنها قالت: «أنت الصديق الوحيد الذي حظيتُ به في حياتي.»

عندئذٍ تحديدًا جاء سائقها، وسحَب فمَها بشدَّةٍ حتى أرجعها إلى الوراء وأخرجها مِن صفِّ العربات، ومضى بها بعيدًا، فتركاني وراءهما في حالة من الحزن الشديد.

بعد هذا بمدَّة قليلة مرَّت بموقفنا عربةٌ من عربات نقل البضائع وعليها حصانٌ ميِّت. كان رأسه متدليًا من نهاية العربة، وأخذ لسانه الفاقد للحياةِ يتدلَّى من فمه ببطءٍ والدمُ يقطر منه؛ والعينان الغائرتان! لكنَّني عاجزٌ عن وصفهما، لقد كان المنظر مُخيفًا جدًّا. كان حصانًا كستَنائيًّا ذا رقبةٍ طويلةٍ ضامِرة. رأيتُ مسحةً بيضاء أسفل جبهته. أعتقد أنها كانت جينجر؛ رجوتُ أن تكون هي؛ لأنَّ مشاكلها ستكون انتهت حينئذٍ. آه! لو كان الناس أكثرَ رحمةً لأطلَقوا علينا الرصاص قبل أن نصِل لمِثل هذه الحال من البؤس.

(٤١) الجزار

لقد رأيتُ قدرًا كبيرًا من العناء بين الخيول في لندن، وكان من الممكن اتقاءُ الكثير منه بقليلٍ من حُسن التمييز. إنَّنا نحن الخيولَ لا نجد غضاضةً في العمل الشاقِّ ما دُمنا نتلقى معاملةً معقولة، وأنا واثقٌ أن هناك الكثيرَ من الخيول التي يقودها رجالٌ فقراء للغاية، لكنهم ينعمون بحياةٍ أسعد من تلك التي عِشتُها عندما كنتُ أجرُّ عربة كونتيسة مقاطعة و…، رغم طقمي المُوشَّى بالفضَّة وطعامي الجيد.

كثيرًا ما كان يُصيب قلبي الحزنُ لرؤية الطريقة التي يُعامَل بها أقزام الخيل؛ حيث كانوا يُنهَكون بسحب الأحمال الثقيلة، أو يترنَّحون تحت وطأة ضرباتٍ شديدة من صبيٍّ وضيعٍ قاسٍ. ذات مرة رأيتُ حصانًا قزَمًا له عرفٌ كثيفٌ ورأسٌ جميل، وكان يُشبِه ميريليجز كثيرًا لدرجة أنني لو لم أكن مربوطًا إلى طقم جرِّ العربة لصهلتُ مُناديًا عليه. كان يبذل قصارى جهده في جرِّ عربةٍ ثقيلةٍ من عربات نقل البضائع، بينما راح صبيٌّ فظٌّ قويُّ البنية يَضرب أسفل بطنِه بالسوط، ويلطم فمه الصغير بقسوة. هل يمكن أن يكون هو ميريليجز؟ لقد كان يُشبِهُه تمامًا؛ ولكن، مهلًا، ما كان السيد بلومفيلد ليبيعه أبدًا، ولا أظنُّ أنه سيفعل؛ لكن ربما كان هذا الحصان جيدًا مثله تمامًا، وربما كان يُقيم في مكانٍ بهيجٍ مثله عندما كان صغيرًا.

كثيرًا ما كنتُ ألاحظ السرعة الكبيرة التي تنطلق بها خيول الجزارين، لكنني لم أعلم السبب في هذا حتى تَعيَّن علينا في أحد الأيام أن ننتظِر بعضَ الوقت في منطقة سينت جونز وُود. كان ثمَّة محلُّ جزار بالقُرب منَّا، وبينما نحن واقفون جاءت عربةُ جزارٍ مندفعةً بسرعةٍ كبيرة. كان جسد الحصان ساخنًا وكان منهكًا للغاية؛ كان مدلِّيًا رأسه للأسفل، بينما كشف جنباه المُنتفِخان وأرجلُه المُرتجفةُ عن مدى عنف الطريقة التي كان يُقاد بها. قفز الفتى من العربة وتوجَّه لإحضار السلة، فخرج إليه صاحب المحلِّ مستاءً للغاية. وبعدما فحص الحصان الْتفتَ إلى الفتى مُغضبًا.

وقال: «كم مرةً عليَّ أن أنهاكَ عن القيادة بهذه الطريقة؟ لقد دمَّرتَ الحصان الأخير وأفسدتَ قدرته على التنفُّس، وسوف تُدمِّر هذا بنفس الطريقة. لو لم تكن ابني لطرَدتُك في الحال؛ إن من الخِزي أن يأتي حصانٌ إلى المحلِّ في حالٍ كهذه؛ وإنك مُعرَّض لأن تَقبض عليك الشرطة من أجل طريقة القيادة هذه، وإذا قُبض عليك فلا تنتظر منِّي أن أدفع لك الكفالة؛ لأنني كلمتك حتى تعبت، يجب عليك أن تنتبِهَ لنفسك.»

وقف الصبي أثناء هذا الكلام مُتأهبًا، وعلى وجهه عبوسٌ وتصلُّب، لكنْ عندما انتهى والده انفجر هو في الكلام غاضبًا. لم يكن الخطأُ خطأه، وما كان ليتحمَّل اللوم؛ إنما كان يُنفِّذ الأوامر طيلة الوقت.

فأجاب قائلًا: «إنك تقول دائمًا: «أسرع؛ أظهِر بعض النشاط!» وعندما أذهب إلى المنازل أجد مَن يطلبُ ساقًا من لحم الضأن من أجل عشاءٍ مبكِّر وأكون مضطَرًّا أن أعود إليه به في غضون ربع الساعة؛ وأجد طاهيًا آخر قد نَسِيَ أن يطلُب لحم البقر؛ وأُضطَر أن أذهب لكي أُحضره وأعود في لمح البصر، وإلَّا عنَّفَتني سيدةُ المنزل؛ أو تقول مُدبِّرة أحد المنازل إنه أتاهم ضيوفٌ فجأةً ولا بدَّ من أن تُرسَل لها بعضُ شرائح اللحم في الحال؛ والسيدةُ في المنزل رقم ٤، في شارع ذا كريسينت، لا تطلُب عشاءها البتَّة إلا عندما يأتي لحم الغداء، ولا شيءَ غير أسرِع، أسرع، طوال الوقت. لو يفكر هؤلاء الأعيان فيما يريدون، ويطلبون ما يحتاجونه من اللحم في اليوم السابق فلن يكون ثمَّةَ ضرورةٌ لثورة الغضب هذه!»

قال الجزار: «أسأل الربَّ أن يفعلوا، فسيُجنِّبني هذا قدرًا كبيرًا من الإزعاج، وسأتمكن من إرضاء زبائني على نحوٍ أفضل لو علمتُ سلفًا؛ لكن مهلًا! ما فائدةُ الكلام؛ من هذا الذي سيفكر في راحة جزارٍ أو حصانِ جزار! والآن، إذن، خُذه إلى الداخل واعتنِ به جيدًا؛ احرص على ألَّا يخرج مرةً ثانيةً اليوم، وإذا احتاج أحدٌ لأيِّ شيءٍ آخر فستَحمله إليه بنفسك في السلة.» دخل الجزار إلى المحلِّ بعد هذا الكلام، ومضى الصبيُّ بالحصان.

لكنْ ليس كلُّ الأولاد مُتحجِّري الفؤاد. لقد رأيتُ منهم مَن يُحبُّون حصانهم القزَم أو حمارهم، كما لو كان كلبهم الأثير، وكانت المخلوقاتُ الصغيرةُ تتفانى في خدمة سائقيها الصغار بحماسةٍ وسرور، كما أعمل من أجل جيري. ربما يكون العمل شاقًّا أحيانًا، لكنَّ تربيتةً من يدِ الصديق وكلمة مشجِّعة من صوته يجعلانه سهلًا.

كان ثمة صبيٌّ خضريٌّ متجول صغير يأتي إلى شارعنا بالخضروات والبطاطس؛ وكان عنده حصانٌ قزمٌ عجوز، لم يكن شديد الجمال، لكنه أشجع ما رأيتُ على الإطلاق من المخلوقات الصغيرةِ وأكثرها مرحًا، وكان يُسعدني أن أرى كم يُحبُّ هذان الاثنان بعضهما البعض. كان الحصان يتبع سيِّدَه كما يتبع الكلب صاحبه، وكان إذا رُبط إلى العربة يتحرَّك دونما سوطٍ ولا كلمة، ثم ينطلق سريعًا في الشارع مُحدثًا قعقعةً والسعادةُ باديةٌ عليه وكأنه قادمٌ من إسطبلات الملكة. كان جيري يحبُّ الصبي، وكان يدعوه: «الأمير تشارلي» لأنه كان يقول إنه سوف يتوَّج ملكًا للسائقين يومًا ما.

كان يُوجَد، أيضًا، رجلٌ عجوزٌ يأتي إلى شارعنا بعرَبة فحم صغيرة؛ كان يَرتدي قبعة حمَّال الفحم، وكان يبدو قاسيًا ومتَّسِخ البدن والثياب. كان يمشي هو وحصانه العجوز بخُطًى ثقيلةٍ في الشارع مثل شريكَين جيدَين يفهم أحدهما الآخر؛ كان الحصانُ يقِف مِن تلقاء نفسه أمام أبواب أولئك الذين يأخذون منه الفحم؛ وكان دائمًا يُبقي إحدى أُذنَيه مائلةً باتجاه سيِّده. كان نداءُ الرجل العجوز يُسمَع في الشارع قبل أن يقترِب بمدةٍ كبيرة. لم أفهم قطُّ ما كان يقول، لكن الأطفال كانوا يَدْعونه: «بااار هوو العجوز»؛ لأن نداءه كان يُشبِه ذلك الصوت. كانت بولي تبتاع ما تحتاجه من الفحم منه، وكانت لطيفةً معه للغاية، وكان جيري يقول إنه يشعُر بالسلوى عندما يفكِّر في مدى ما يمكن أن يشعُر به حصانٌ عجوزٌ من السعادة وهو في هذا المكان الفقير.

(٤٢) الانتخابات

عندما وصَلنا إلى الحظيرة بعد ظهر أحد الأيام خرجَت بولي وقالت: «جيري! كان السيد ﺑ… هنا يسأل عن صوتك الانتخابي، وهو يريد أن يؤجِّر عربتك للانتخابات؛ سوف يعود ليعرف ردَّك.»

«حسنٌ يا بولي، يمكن أن تقولي له إن عربتي ستكون مشغولةً بأمرٍ آخر. لا أُحبُّ أن يُلصقوا عليها إعلاناتهم العظيمة، أمَّا عن جعل جاك والكابتن يَجريان هنا وهناك إلى الحانات لإحضار ناخبين شِبه مخمورين، يا إلهي، أظنُّ أن هذا سيكون إهانةً للحِصانَين. لا، لن أفعلها.»

«أعتقد أنك ستُصوِّتُ لصالح الرجل. أليس كذلك؟ لقد قال إنه مؤيدٌ لآرائك السياسية.»

«إنه كذلك في بعض الأمور، لكنَّني لن أُعطيه صوتي يا بولي؛ أتعلمين فيم يُتاجر؟»

«نعم.»

«حسنٌ، إن رجلًا يُثري من تلك التجارة ربما يكون مُرضيًا من بعض النواحي، لكنه غافل تمامًا فيما يخصُّ إدراكَ ما يحتاجه العمال؛ وإن ضميري لا يسمح لي بإيصاله إلى صُنع القوانين. أنا واثقٌ أنهم سيغضبون، لكن على كل رجلٍ أن يفعل ما يعتقد أنه الأفضل لبلده.»

في صباح اليوم الذي يسبق الانتخابات، كان جيري يضعني بين عريشَي العربة، حينما أقبلَتْ دولي إلى الحظيرةِ منتحبةً باكية، وكان فستانها الأزرق الصغير ومريلتها البيضاء ملطَّخَين في كل مكانٍ بالطين.

«يا للهول! دولي، ما الأمر؟»

قالتْ وهي تنشج: «أولئك الصبيان الأشقياء، ألقَوْا بالوَحْل على كلِّ ملابسي، ونعتوني باﻟﺼُﻌ… ﺼُﻌ…»

قال هاري، وقد جاء يجري وعلى وجهه غضبٌ شديد: «لقد نعَتوها بالصعلوكة الصغيرة «الزرقاء» يا أبي، لكنني عاقبتُهم، ولن يُهينوا شقيقتي مرةً أخرى. لقد ضربتهم ضربًا مُبرحًا لن ينسَوه؛ هؤلاء الأوغاد «البرتقاليون» الجبناء الأنذال.»

قبَّل جيري الطفلةَ وقال: «أسرعي بالدخول إلى أُمِّك يا حبيبتي، وأخبريها أنَّني أرى أن من الأفضل أن تبقَي اليوم في البيت وتُساعديها.»

ثم الْتفت إلى هاري بملامح جادَّةً وقال:

«أرجو يا بُني أن تدافع عن أختك دائمًا، وأن تضرب أيَّ أحدٍ يُهينها ضربًا مُبرِّحًا؛ هكذا يجِبُ أن يكون الأمر؛ لكن انتبه، لا أريد سماع أيَّةِ شتائم متعلقة بالانتخابات في بيتي. يُوجَد الكثير من الشتائم عن الأوغاد الزُّرق بقدْر ما يُوجَد عن البرتقاليين، والكثير منها عن البِيض بقدْر ما يُوجَد عن الأرجوانيين، أو أصحاب أي لونٍ آخر، ولن أسمح لأيٍّ من أفراد أسرتي أن يتورَّط في هذا. حتى النساء والأطفال مُستعدُّون للشِّجار من أجل أحد الألوان، ولا يُوجَد واحدٌ من كل عشرةٍ منهم يعرف ما يَعنيه.»

«عجبًا، يا أبي، لقد كنتُ أظنُّ الأزرق يرمُز للحرية.»

«يا بني، إنَّ الحرية لا تأتي من الألوان، إنها إنما تُظْهِر التحزُّب، وكل ما تستطيع أن تحصل عليه من الحرية منهم هو حُرية السُّكر على حساب الآخرين، وحرية الذَّهاب إلى الاقتراع في عرَبة أجرة قديمةٍ قذِرة، وحرية الإساءة إلى أيِّ أحدٍ لا يلبسُ لونك، وأن يُبحَّ صوتُك من الصراخ من أجل ما لم تَفهمه فَهمًا كاملًا؛ هذه هي حريَّتُك!»

«أوه، يا أبي، إنك تهزل.»

«لا يا هاري، إنني جاد، وأشعُر بالخجل عندما أرى كيف يتصرَّف الرجال الذين لا بدَّ من أنهم أعلمُ منِّي. إنَّ الانتخاب شيءٌ هامٌّ جدًّا؛ أو على الأقل ينبغي أن يكون كذلك، وينبغي لكلِّ رجلٍ أن يُصوِّت بحسب ما يُرضي ضميره، وأن يدَع جيرانه يفعلون الشيء نفسَه.»

(٤٣) الصديق عند الضِّيق

جاء يوم الانتخابات أخيرًا؛ لم أُعانِ أنا وجيري قلةً في العمل. في البداية جاء رجلٌ بَدينٌ ضخمُ البِنْية يحملُ حقيبة سفرٍ مصنوعة من قماش البُسُط؛ كان يريد الذَّهاب إلى محطة قطار بيشوبسجيت؛ ثم نادتْنا مجموعةٌ تريد الذهاب إلى حديقة ريجينتس بارك؛ بعد هذا أرادت الركوب معنا امرأةٌ عجوزٌ قلقةٌ مخلوعة الفؤاد كانت تقِف في أحد الشوارع الجانبية تنتظر مَن يُقِلُّها إلى البنك؛ وهناك انتظرْنا كي نُعيدَها مرةً أخرى، وما إن أنزلناها حتى جاء رجلٌ مُتورِّدُ الوجه يحمِل في يدِه حفنة من الأوراق، جاء يجري لاهثًا، وقبل أن يتمكن جيري من النزول كان هو قد فتح الباب، وأقحم نفسه داخل العربة، وقال: «مركز شرطة باو ستريت، بسرعة!» وهكذا انطلقْنا به، وعندما عُدنا بعد جولةٍ أو جولتَين أُخرَيَين لم يكن ثمَّة عربةٌ أخرى في الموقف. ألبسني جيري مِخْلاة الطعام؛ لأنه كما يقول: «لا بدَّ من أن نأكل وقتما يتسنَّى لنا الأكل في الأيام الشبيهة بهذه؛ فاستمتِع بطعامك إذن يا جاك، واستفد من وقتك قدْر استطاعتك أيها الفتى.»

وجدتُ أن لديَّ طعامًا جيدًا من حبوب الشوفان المطحونة المرطَّبة بقليلٍ من النُّخالة؛ كان هذا مصدرًا للمُتعة في أي يوم، لكنه كان منعِشًا جدًّا حينئذٍ. كان جيري طيبًا ومُراعيًا للآخَرين جدًّا؛ أيُّ حصانٍ ذلك الذي يمتنع عن بذل أفضلِ ما في وُسعه من أجل سيدٍ كهذا؟ بعد هذا أخرج واحدةً من فطائر اللَّحم التي أعدَّتْها بولي، ووقف إلى جواري وراح يأكلها. كانت الشوارع مكتظَّةً للغاية، وكانت عرباتُ الأجرةِ التي تحمل ألوان المُرشَّحين تندفع بين الحشود وكأنما لم تكن لحياة الناس وسلامةِ أبدانهم أيةُ قيمة؛ لقد رأينا شخصَين يُصدَمان في ذلك اليوم، أحدهما امرأة. كانت الخيولُ تُعاني بسبب هذه الانتخابات، يا للمخلوقات المسكينة! لكنَّ الناخبين داخل العربات لم يَشغل بالهم أيٌّ من هذا؛ إذ كان كثيرٌ منهم شِبهَ مخمور، وكانوا يهتفون هتافات تشجيعٍ من نوافذ العربات كلَّما مرُّوا بتجمُّعات أحزابهم. كان هذا أولَ انتخابٍ أشهده، ولا أريد أن أشهد آخر، مع أني سمعتُ أن الأوضاع الآن أفضل.

لم أكد أنا وجيري نتناول الكثير من لُقَيمات الطعام حتى جاءت إلى الشارع امرأةٌ شابةٌ فقيرةٌ تحمِل بين يدَيها طفلًا ثقيل الوزن. كانت تتلفَّت يَمنةً ويَسرةً، وبدَتْ مُتحيِّرة للغاية. بعد قليلٍ توجَّهَتْ إلى جيري وسألتْه إن كان بإمكانه أن يدلَّها على الطريق إلى مستشفى سينت توماس، وأن يُخبرها كم تبعُد عنهم. قالت المرأةُ إنها جاءتْ من الريف في صباح ذلك اليوم في إحدى عربات السوق، وإنها لم تكن تعلم بشأن الانتخابات، وتشعُر بغربةٍ شديدةٍ في لندن. كان معها أمرٌ بإحالة ابنها الصغير إلى المستشفى. كان الطفل يبكي بكاءً واهنًا بحُرقة.

قالت: «المسكين الصغير! إنه يُعاني ألَمًا كبيرًا؛ إنه في الرابعة من عمره ولا تُجاوز قُدرتُه على المشي قدرةَ طفلٍ رضيع؛ لكنَّ الطبيب قال إنَّني لو تمكنتُ من إدخاله إلى المستشفى فمن المُحتمَل أن يتحسَّن؛ أرجوك يا سيدي، كم يبعد المستشفى عن هنا؛ ومِن أين أذهب إليه؟»

قال جيري: «يا إلهي، إنكِ لا تستطيعين الوصول إلى هناك يا سيدتي إذا مشيتِ وسط مثل هذه الحشود! إنه يبعُد ثلاثةَ أميالٍ عن هنا، وهذا الطفل وزنُه ثقيل.»

«نعم، باركه الربُّ، إنه كذلك بالفعل؛ لكنني قويةٌ، أشكر الربَّ على ذلك، وأظنُّ أنني إذا عرَفتُ الطريق فسأتمكن من الوصول بطريقةٍ ما؛ دُلَّني على الطريق أرجوك.»

قال جيري: «لا يمكنكِ فعل هذا، فربما تصدمك عربة وربما يُدهَس الصبي. الآن اسمعيني جيدًا، ليس عليكِ سوى أن تركبي هذه العربة، وسأوصلكِ بأمانٍ إلى المستشفى. ألا ترَين أنها ستُمطر؟»

«لا يا سيدي، لا؛ لا يُمكنني فعل هذا، شكرًا لك، إن ما لدَيَّ من المال يكفيني بالكاد لأعود به. أرجوك دُلَّني على الطريق.»

قال جيري: «اسمعيني جيدًا يا سيدتي، إنَّ لديَّ في البيت زوجةً وأولادًا أُحبُّهم، وأنا أعرف مشاعر الأب؛ فاصعدي الآن إلى هذه العربة، وسأوصلكِ إلى هناك دون مُقابل. سوف أخجلُ من نفسي إذا ترَكتُ امرأةً وطفلًا مريضًا يخوضان مُخاطَرةً كهذه.»

قالت المرأةُ: «باركك الرب!» ثم انفجرت في البكاء.

«هوِّني عليكِ يا عزيزتي، سأوصلكِ إلى هناك في الحال؛ تعالَي، دَعيني أُدخلكِ إلى العربة.»

ما إن نزل جيري ليفتح الباب حتى أقبل إليه رجُلان يجريان وفي قبعتَيهما وعُرَى ملابسهما ألوان الأحزاب، ونادَيا قائلَين: «عربةَ أجرة!»

صاح جيري قائلًا: «مؤجَّرة.» لكنَّ أحد الرجلين أزاح المرأةَ من طريقه وتقدَّم أمامها، وقفز إلى العربة، ثم تبِعَه الآخر. بدا جيري صارمًا مثل شرطيٍ، وقال: «هذه العربةُ مؤجَّرة بالفعل أيُّها السيدان، محجوزةٌ لهذه السيدة.»

قال أحد الرجلين: «سيدة! أوه! يمكنها أن تنتظر؛ إنَّ شأننا الخاصَّ مهمٌّ للغاية، ثم إننا دخَلنا العربةَ أولًا، هذا حقُّنا، ولن نبرَح هذه العربة.»

سرَتْ في وجه جيري ابتسامةٌ مضحكةٌ وهو يغلق الباب عليهما. «حسنٌ، أيها السيدان، أرجو أن تبقيا في الداخل بقدْر ما تُحبَّان؛ يُمكنني أن أنتظر ريثما تأخذان قسطًا من الراحة.» ثم أدار ظهره إليهما وتوجَّه إلى الشابَّة التي كانت تقف بالقُرب منِّي. قال جيري ضاحكًا: «سوف يرحلان قريبًا، لا تقلقي يا عزيزتي.»

وسرعان ما غادرا؛ لأنهما عندما فهما حيلةَ جيري خرَجا من العربة، وأخذا ينعتانه بجميع أنواع الشتائم ويتوعَّدانه بالإبلاغ عن رقم عربته وبأنه سيُستَدعى للمُثول أمام القضاء. بعد هذه المدة القصيرة من التوقُّف انطلقنا على الفور في طريقنا إلى المستشفى، وكنا نسلك الشوارع الفرعية بقدْر ما نستطيع. دقَّ جيري الجرس الكبير وساعد المرأةَ على الخروج من العربة.

قالت: «شكرًا لك ألف مرة، ما كنتُ لأستطيع المجيء إلى هنا بمُفردي أبدًا.»

«على الرحْب والسَّعة، وأرجو أن يتحسَّن الصبيُّ الغالي قريبًا.»

نظر إليها جيري وهي تدخُل من الباب، وقال لنفسه بلُطف: «بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ.» ثم ربتَ على رقبتي، وقد كان هذا دأبُه دائمًا عندما يُسعِده أيُّ شيء.

بدأ المطر في تلك اللحظة يَنهمِر بغزارة، وما كِدْنا نُغادر المستشفى حتى انفتح الباب مرةً ثانيةً، وصاح البوابُ قائلًا: «عربةَ أجرة!» فتوقَّفْنا، ونزلَتْ إحدى السيدات على درجات السُّلَّم. بدا أن جيري عرَفها في الحال؛ أعادت السيدةُ وِشاحها إلى الوراء، وقالت: «باركر! جيرَمايا باركر، أهذا أنت؟ أنا سعيدةٌ جدًّا لأنني وجدتك هنا؛ أنت الصديق الذي أريدُه تمامًا، لأنه من الصعب جدًّا إيجادُ عربة أجرةٍ في هذا الجزء من لندن هذه الأيام.»

«يُشرِّفني أن أخدمكِ يا سيدتي؛ أنا سعيدٌ جدًّا لأنه تصادَف أن أكون هنا. إلى أين أُوصلكِ يا سيدتي؟»

«إلى محطة قطار بادينجتن ستيشن، ثم إذا وصلنا مبكرًا، كما أتوقَّع أن نفعل، فأريدك أن تُخبرني كلَّ شيءٍ عن ماري والأولاد.»

وصَلنا إلى المحطة مبكرًا، ووقفَت السيدة تحت ظُلَّة تحميها من المطر وراحت تتكلَّم مع جيري مدةً طويلةً من الوقت. اكتشفتُ أنها كانتْ مُعلمةَ بولي، وبعدما سألَتِ الكثير من الأسئلة عنها قالت:

«إلى أي مدًى يُناسِبك العمل على عربة الأجرة في فصل الشتاء؟ أعلم أن ماري كانت قلقةً عليك بعضَ الشيء في العام الماضي.»

«نعم يا سيدتي، لقد كانت قلقةً عليَّ؛ لقد أُصِبتُ بسُعالٍ شديدٍ لازمني حتى أيام الطقس الدافئ، وعندما كنتُ أسهر خارجَ البيت كانت تقلقُ عليَّ جدًّا. تعرفين يا سيدتي، إن العمل يستمرُّ في كل الأوقات وفي كل حالات الطقس، وإن هذا ليُنهِك صحَّة الرجل؛ لكنني أتعامَل مع الوضع جيدًا جدًّا، وسأشعُر بيأسٍ كبيرٍ إذا لم يكن عندي خيولٌ أعتني بها. لقد نشأتُ في هذا العمل، وأخشى أنَّني لا أُحسِن أيَّ شيءٍ غيره.»

قالت: «في الواقع يا باركر، سيكون من المؤسف جدًّا أن تُفْرِط في تعريض صحَّتك للخطر في هذا العمل، ليس فقط من أجلك أنت، بل من أجل ماري والأطفال الصغار؛ هناك الكثير من الأماكن التي تحتاج إلى سائقين أو سائسين جيِّدين، وإذا ارتأيتَ يومًا أنْ تترُك عمل عربة الأجرة هذا فأخبرني.»

ثم حمَّلتْه بعض الكلمات الطيبة ليُوصِلها إلى ماري ووضعتْ شيئًا ما في يدِه، وقالت: «ها هي خمسةُ شلناتٍ لكلِّ واحدٍ من الولَدَين؛ وستعرِف ماري كيف تصرفها.»

شكَرها جيري وبدا سعيدًا جدًّا، ثم بعدَما خرجنا من المحطة وصلْنا أخيرًا إلى البيت، وقد أصابَني، أنا على الأقل، الإرهاق.

(٤٤) الكابتن العجوز وخليفته

كنتُ أنا والكابتن صديقَين حميمَين. كان صاحبًا نبيلًا، ورفيقًا كريمًا للغاية. لم يخطر ببالي قطُّ أنه سيُضطرُّ إلى مُغادرة بيته وأن تسوء صحته شيئًا فشيئًا؛ ولكنْ كان دوره قد حان، وسأقصُّ عليكم كيف حدث هذا. لم أكن حاضرًا، لكنني سمعتُ بكل شيء.

خرج هو وجيري لإيصال مجموعة ما إلى محطة القطار الكبرى، ومروا فوق جسر لندن، وفي طريق عودتهما، في مكانٍ ما بين الجسر والنصب التذكاري، رأى جيري عربة نقل خاليةً خاصَّة بمخمر جِعَة، يجرُّها حصانان قويَّان، رآها قادمةً نحوَه. كان سائقُ عربة النقل يضربُ حِصانَيه بسوطه الشديد؛ وكانت العربة خفيفةً، فانطلقا بسرعةٍ جنونية؛ فقد الرجل السيطرةَ على الحصانَين، وكان الشارع غاصًّا بالناس والعربات.

صدَمت العربةُ فتاةً صغيرةً فأسقطتها على الأرض ودهسَتها بعجلاتها، وبعد لحظةٍ اصطدمَت بعربتنا؛ انكسرَت العجَلتان وانخلعتا وانقلبت عربة جيري. سُحِل الكابتن على الأرض، وانشقَّ عريشا العربة، ودخل أحدهما في جنبه. سقط جيري هو الآخر أرضًا، لكنه لم يُصَب سوى بكدماتٍ؛ لم يَعرف أحدٌ كيف نجا؛ وكان دائمًا ما يقول إن نجاته كانت معجزة! عندما أنهض جيري الكابتنَ المسكين وجدَه مصابًا بكثيرٍ من الجروح والصدمات، فقاده إلى المنزل برفق. كان منظرُ الدم مُحزنًا وهو يغمر شعرَ جسمه الأبيضَ ويَقطرُ من جنبه وكتِفه. ثبَت أن سائق عربة النقل كان مخمورًا جدًّا، ففُرِضَت عليه غرامة، واضطرَّ صانع الجِعة أن يدفع تعويضاتٍ عن الخسائر لمالكنا؛ لكنْ لم يَدفعْ أحدٌ للكابتن المسكين تعويضًا عن الأضرار التي تعرَّض لها.

بذل جيري والطبيب البيطري أقصى ما بوُسعهما من أجل تخفيف آلامه وإراحته. كانت العربة تحتاج إلى إصلاح، فلم أخرج للعمل عدةَ أيام، ولم يجنِ جيري شيئًا من المال. وفي أول مرةٍ خرجنا إلى موقف العربات بعد الحادثة جاء مديرُ الموقف ليطمئن على الكابتن.

قال جيري: «لن يتعافى ممَّا أصابه أبدًا، على الأقل لن يَقدِر على العودة إلى العمل معي. هكذا قال الطبيب البيطري هذا الصباح. قال إنه ربما يصلح لجرِّ عربات البضائع وهذا النوع من العمل. لقد أزعجني هذا كثيرًا. جرُّ عربات البضائع، حقًّا! لقد رأيتُ ما تئول إليه الخيول بسبب هذا العمل حول لندن. إنَّني أتمنَّى فقط لو يوضع كلُّ السكارى في مستشفى للمجانين بدلًا من السماح لهم بالتسبُّب في المشاكل لغَير الثمِلين من الناس. لو أنهم كسَروا عِظامهم هم، وحطَّموا عرَباتهم هم، وأقعَدوا خيولهم هم عن الحركة، فسيكون هذا شأنهم، وربما ندعهم وشأنهم، لكن يبدو لي أن الأبرياء دائمًا ما يُعانون، ثم تجد من يحدثك عن التعويض! لا يمكنك التعويض؛ فلدَيك كل هذه المتاعب، والإزعاج، والوقت الضائع، فضلًا عن فقدان حصانٍ جيدٍ كان كصديقٍ قديم؛ إن من السُّخف الحديثَ عن التعويض! وإن كان ثمَّة شيطانٌ أرجو أن أراه في قعْر الجحيم أكثر من غيره، فهو شيطان الخمر.»

قال المدير: «أرى يا جيري أن سهامك تُصيبني بقوة؛ إنني — كما تعلم — لستُ صالحًا مثلك، يا لخزيي؛ ليتَني كنتُ في مثل صلاحك.»

قال جيري: «حسنٌ، لماذا لا تُقلِع عنها أيُّها المدير؟ إنك أفضل بكثير مِن أن تكون عبدًا لشيء مثل هذا.»

«إنني أحمقُ كبيرٌ يا جيري، لكنني حاولتُ ذات مرةٍ لمدةِ يومَين، وظننتُ أنَّني كنتُ سأموت؛ ماذا فعلتَ أنت؟»

«لقد بذَلتُ مجهودًا كبيرًا للإقلاع عنها على مدى عدة أسابيع؛ إنَّني كما تعلم لم أصل إلى حدِّ السُّكر قط، لكنني وجدتُ أني لم أكن سيدَ نفسي، وأنه كان يشقُّ عليَّ جدًّا أن أقول: «لا» عندما تُعاودني نوباتُ اشتهاء الخمر. لكنني وجدتُ ألَّا مفرَّ مِن أن ينهزم أحدُنا؛ إما شيطان الخمر، أو جيري باركر. وقلتُ إنه ينبغي ألَّا يكون جيري باركر، بعون الربِّ لي، لكنه كان نضالًا، وكنتُ أحتاج إلى كل ما يُمكنني الحصول عليه من المساعدة؛ لأنَّني لم أعلم مدى قوة العادة إلَّا عندما حاولتُ كسرَها؛ لكنَّ بولي جهدتْ كثيرًا في المحافظة على أن أتناول طعامًا جيدًا، وعندما كانت تُعاودني الرغبةُ في شرب الخمر كنتُ أشرب فنجانًا من القهوة، أو أتناول بعض أقراص حلوى النُّعناع، أو أقرأ قليلًا في كتابي، وكان هذا يُعينني؛ كان يتعيَّنُ عليَّ أحيانًا أن أكرر بيني وبين نفسي: «أقلِع عن الخمر أو اخسر روحك! أقلع عن الخمر أو كن السبب في انفطار قلب بولي!» لكن الشكر للرب، ولزوجتي الحبيبة، لقد انكسرَت أغلالي، وأنا الآن لم أتذوَّق نقطةً منذ عشر سنين، ولا أتُوق لها مطلقًا.»

قال جرانت: «أشعُر بميلٍ شديد إلى محاولة الإقلاع عنها؛ لأنه شيءٌ يدعو للأسى ألَّا يكون الإنسانُ سيدَ نفسه.»

«فلتفعَلْها أيها المدير، فلتفعلها، ولن تندَم على ذلك أبدًا، ويا له من عونٍ ستُقدِّمه لبعض رِفاقنا المساكين في الموقف عندما يرَوْنك وأنت تعيش حياتَك من دونِ خمر. أعلم أن ثمَّةَ اثنَين أو ثلاثةً يوَدُّون لو أن بإمكانهم الابتعادَ عن هذه الحانة.»

بدا الكابتن في بداية الأمر في حالةٍ جيدة، لكنه كان حِصانًا مُسنًّا جدًّا، ولم يُبقِه في عمل عربة الأجرة هذه المدةَ الطويلة إلَّا بِنْيةُ جسمه الرائعةُ ورعايةُ جيري؛ لكنه انهارَ الآن كثيرًا. قال الطبيب البيطري إن صحته ربما تتحسَّنُ بما يكفي لبيعه مقابل جنيهاتٍ معدودة، لكن جيري قال: لا! وقال إن بضعة جنيهاتٍ يَجنيها من بيع خادمٍ مخلِصٍ وإسلامِه للعمل الشاقِّ والمُعاناة سوف تُفسِد بقيَّة ماله كله، وإنه يَعتقد أن أرحم شيءٍ يستطيع فعله لذلك الصديق العجوز الرائع هو أن يضع في رأسه رصاصةً لا تُخطئ هدفَها، وبهذا لن يُعانيَ بعد ذلك أبدًا؛ لأنه لا يَدري أين يجد سيِّدًا طيبًا يُكرمه فيما تبقَّى من أيام حياته.

في اليوم التالي لهذا القرار أخذني هاري إلى دكان الحداد ليصنع لي بعض الحدوات الجديدة؛ وعندما عُدتُ كان الكابتن قد رحَل. تأثرتُ أنا والأسرةُ كلها برحيله تأثرًا كبيرًا.

تعيَّن على جيري بعد ذلك أن يبحث عن حصانٍ آخر، وبعد مدةٍ قصيرةٍ أخبره أحد معارفه، وكان مساعدَ سائس في إسطبلاتِ أحد النبلاء، بوجود حصان. كان حصانًا يافعًا قيِّمًا، لكنه كان قد أفلتَ ذات مرةٍ، فاصطدم بعربةٍ أخرى، وقذَف فخامة اللورد خارج عربته، كما تسبَّب لنفسه في الكثير من الجروح والتشوُّهات بحيث لم يَعُد يليق بإسطبلات واحدٍ من السادة النُّبلاء، وقد تلقَّى الحُوذيُّ أوامرَ بالبحث عمَّن يشتريه، وأن يبيعه بأفضل سعرٍ في استطاعته.

قال جيري: «يُمكنني التعامُل مع الحيوية العالية، ما لم يكن الحصانُ شرسًا أو ذا فمٍ لا يستجيب للشكيمة والعِنان.»

قال الرجل: «ليس في طباعه أدنى عيب، وفمُه حسَّاس للغاية، وأظنُّ أن هذا هو ما تسبَّب في الحادثة؛ إذ كان شعر جسمه قد قُصَّ لتوِّه، وكان الطقس سيئًا، ولم يكن قد حصل على كفايته من التريُّض، وعندما خرج كان مُفعَمًا بالنشاط مثل بالون يُريد أن يحلِّق في الهواء. كما أن مُديرنا (أعني الحُوذي) أحكَم ربْطَ طقمه وشدَّه بقدر ما استطاع، مستخدِمًا اللَّبَبَ، والمِرفع، وشكيمةً حادةً جدًّا، ووضع العِنان في الحلقة السُّفلى من الشكيمة المُتعدِّدة الحلقات. أعتقد أن الأمر أفقد الحصانَ صوابه، إذ كان ذا فمٍ حسَّاس، ومفعمًا بالنشاط.»

قال جيري: «هذا مُحتمَل جدًّا؛ سوف آتي لأراه.»

في اليوم التالي جاء هوتسبير — هذا هو اسمه — إلى البيت؛ كان حصانًا جميلًا بُنيَّ اللون، لم تكن فيه شعرةٌ واحدةٌ بيضاء، كان في مِثل طول الكابتن، وكان رأسه جميلًا للغاية، ولم تُجاوز سنُّه خمسَ سنوات. حيَّيتُه تحيةً وَدودةً من قبيل إحسان الرفقة، لكن لم أسأله أيةَ أسئلة. كان مُتملمِلًا جدًّا في الليلة الأولى. فبدلًا من الاستلقاء على الأرض ظلَّ يقذِف حبل مِقوَده إلى الأعلى والأسفل من خلال الحلقة، ويضرب البكرة الخشبية بمِذوَد الطعام حتى ذهب عنِّي النوم. لكنه في اليوم التالي، وبعد خمس أو ستِّ ساعاتٍ من العمل على العربة، دخل إلى الحظيرة هادئًا ورزينًا. ربت جيري عليه وكلمه كثيرًا، وخلال مدةٍ قصيرةٍ جدًّا فهم كلٌّ منهما الآخر، وقال جيري إنه مع شكيمةٍ مريحةٍ وكثيرٍ من العمل سيصبح في وَداعة الحُملان؛ وإن مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ؛ لأنه إذا كان فخامة اللورد قد خسر فرسًا أثيرًا بمائة جنيه، فإن سائق العربة قد ظفِر بحصانٍ جيدٍ مُتمتعٍ بكامل قوته.

كان هوتسبير يراه سقوطًا كبيرًا أنْ أَصبح حصانَ عربةِ أجرة، وكان يشمئزُّ من الوقوف في موقف العربات، لكنه اعترف لي في نهاية الأسبوع أنَّ ما حَظِي به هنا مِن إراحةِ فمه ومنْحِ رأسه حريةَ الحركة عوَّضه عن الكثير، وأنَّ العمل، في نهاية المطاف، لم يبلُغ من الإهانة ما بلَغه ربطُ رأسه وذيله إلى بعضهما البعض في السرج. في الحقيقة، لقد تكيَّف مع المكان جيدًا، وأحَبَّه جيري كثيرًا.

(٤٥) عام جيري الجديد

عيد الميلاد ورأس السنة وقتان بهيجان جدًّا لبعض الناس؛ لكنَّه ليس يومَ عُطلة لسائقي عربات الأجرة وخيولهم، لكن ربما يكون موسِمَ حصاد. ثمَّة الكثير جدًّا من حفلات السمر، والحفلات الراقصة، وأماكن التسلية المُتاحة للجميع، بحيث إن العمل يُصبح شاقًّا، وكثيرًا ما يستمرُّ لأوقاتٍ متأخِّرة من الليل. أحيانًا يُضطَر السائق والحصان إلى الانتظار بالساعات تحت المطر أو الصقيع، ويَظَلَّان يرتجفان من البرد، بينما يرقص الناس الطرِبون بالداخل على أنغام الموسيقى. تُرى هل تفكر السيدات الجميلات بأيَّة طريقةٍ في السائق المُجهَد المُنتظِر في مقعده من العربة، وفي حِصانه الصابر الذي يقِف حتى تتيبَّس أرجُلُه من البرد.

كنتُ أقوم في هذا الوقت بمُعظم عمل المساء؛ لأنَّني كنتُ معتادًا جيدًا على الوقوف، كما أن جيري كان يخشى أكثر على هوتسبير أن يُصاب بالبرد. عملنا كثيرًا في أوقاتٍ مُتأخِّرةٍ من الليل في أسبوع عيد الميلاد، وكان جيري يسعل سُعالًا حادًّا؛ لكنَّنا مهما تأخَّرنا، كانت بولي تسهَر من أجله، وكانت تخرُج لاستقباله وفي يدِها قنديل، وعلى وجهها علامات القلق والاضطراب.

في ليلة رأس السنة كان علينا أن نُوصِّل رجُلَين إلى منزلٍ في واحدٍ من ميادين منطقة ويست إند. نزل الرجلان من العربة في الساعة التاسعة، وطلَبا منَّا أن نعود إليهما مرةً أخرى في الحادية عشرة. قال أحدهما: «لكنْ، لأنه حفلٌ لتكريم أحد الضيوف ببطاقات التهنئة، فربما تُضطَر إلى الانتظار قليلًا، لكنْ لا تتأخَّر.»

عندما دقَّت الساعةُ الحاديةَ عشرة كنَّا أمام الباب؛ لأن جيري كان دقيقًا دائمًا في الحفاظ على المواعيد. دقَّت الساعة بعد ذلك كلَّ ربع ساعة، مرة، مرتَين، والثالثة، ثم دقَّت الثانية عشرة، لكنَّ الباب لم يُفتَح.

كانت الرياح شديدةَ التقلُّب، وكان ثمَّة هِبَّات ماطرة أثناء اليوم، لكنَّها اشتدَّت الآن، وكانت تَحمِل معها حبَّاتِ الجَمْد، التي بدا أنها قادمةٌ من كلِّ اتجاه؛ كان الجوُّ باردًا جدًّا، ولم يكن ثمَّةَ مكانٌ نَحتمي فيه. نزل جيري من مقعده واقترب منِّي وسحب أحد أغطيتي فوق عُنقي قليلًا، ثم راح يتجوَّل قليلًا إلى الأمام والخلف مرةً أو مرَّتَين، وأخذ يخبط قدَمَيه على الأرض بعُنف، ثم بدأ يضرب على ذراعَيه، لكنَّ هذا جعله يسعَل؛ لذا فتح باب العربة وجلس في قعرِها ووضع قدمَيه على الرصيف، فحمى نفسه بذلك قليلًا. ظلَّت الساعة تدقُّ كل ربع ساعةٍ، ولم يخرج أحد. وفي الثانية عشرة والنصف دقَّ جيري جرس الباب وسأل الخادم عمَّا إذا كان سيحتاج إليه أحدٌ تلك الليلة.

قال الرجل: «أوه، نعم، سيَحتاجون إليك جدًّا، إيَّاك أن تذهب، سوف تنتهي الحفلة قريبًا.» فجلس جيري مرةً أخرى، لكنَّ صوته كان خفيضًا جدًّا بحيث لم أكَد أسمعه.

في الواحدة والربع انفتح الباب وخرج الرجلان؛ ثم ركبا العربة دون أن ينطقا بكلمة واحدةٍ سوى أن أخبَرا جيري بوِجهتهما، كانت المسافة ميلَين تقريبًا. تخدرَت أرجلي من البرد، وظننتُ أني سأتعثَّر. عندما نزل الرجلان من العربة لم يعتذرا مُطلقًا أن جعَلانا ننتظر هذه المدَّة الطويلة، وإنما غضِبا من تكلفة توصليهما؛ مع هذا، مثلما لم يأخُذ جيري قطُّ أكثرَ مما يستحقُّ من الأجر، فإنه لم يأخذ كذلك أقلَّ ممَّا يستحقُّ البتَّة. وكان عليهما أن يدفعا مُقابل انتظارِنا مدَّةَ الساعتَين والربع؛ لكنَّه كان مالًا جناه جيري بشِقِّ الأنفس.

في النهاية وصلْنا إلى البيت؛ كان جيري بالكاد يَستطيع الكلام، وكان سعاله رهيبًا. لم تسأله بولي أيَّةَ أسئلة، وإنما فتحَت الباب وأمسكَت له الفانوس.

وقالت: «هل يُمكنني فعل شيءٍ ما؟»

«نعم؛ أحضري لجاك شيئًا دافئًا، ثم سخِّني لي بعض الثريد.»

قال جيري ذلك بهمسٍ خفيض؛ فما كان يستطيع أن يلتقِط نفَسه إلَّا بصعوبة، لكنه دلَّك جسمي كعادته، حتى إنه صعد إلى مخزن التِّبن ليُحضِر حُزمةَ قشٍّ إضافية من أجل مكان نومي. أحضرَت لي بولي هريسًا دافئًا أراحني، ثم أغلقا الباب.

لمْ يأتِ أي أحدٍ بعد ذلك إلَّا في وقتٍ مُتأخرٍ من صباح اليوم التالي، ولم يكن حينئذٍ سوى هاري. نظَّف هاري أجسامَنا وأطعَمَنا، وكنس المرابط، ثم أعاد القشَّ إلى مكانه مرةً أخرى وكأنَّنا كنَّا في عطلة يوم الأحد. كان هادئًا جدًّا، لم يصفِر ولم يُغنِّ. وفي منتصف النهار جاء مرةً أخرى وقدَّم لنا الطعام والماء؛ جاءت دولي معه هذه المرة؛ كانت تبكي، واستطعتُ أن أستجمع ممَّا قالاه أن جيري كان في حالةٍ مرَضية خطيرة، وأن الطبيب قال إن حالته سيئة. وهكذا مرَّ يومان، وكان ثمَّة كربٌ عظيم خلف أبواب البيت. لم نكن نرى سوى هاري، وأحيانًا دُولي. أعتقِد أنها كانت تأتي من أجل الرفقة؛ لأنَّ بولي كانت دائمًا مع جيري، وكان يَلزم أن يبقى هادئًا جدًّا.

في اليوم الثالث، وبينما كان هاري في الإسطبل، سمِعْنا دقَّةً على الباب، ودخَل بعدها المدير جرانت إلى الإسطبل.

وقال: «لن أدخل المنزل يا بني، لكنَّني أريد أن أطمئنَّ على حالةِ والدك.»

قال هاري: «إن حالته بالِغةُ السوء، ولا يمكن أن تُصبح أسوأ كثيرًا من ذلك؛ إنه مصابٌ بمرضٍ يُدعى «الالتهاب الشُّعَبي»؛ والطبيب يعتقد أن حالته ستتحوَّل الليلةَ بطريقةٍ أو بأخرى.»

قال جرانت وهو يهزُّ رأسه: «إن هذا سيئ، سيئٌ للغاية؛ أعرف رجلَين ماتا بسبب ذلك المرض في الأسبوع الماضي؛ لقد حصدَ رُوحَيهما في الحال؛ لكنْ ما دام ثمَّةَ حياةٌ فثمَّ أمَل؛ لذا يجِب أن تُبقي معنوياتك مرتفعة.»

أسرع هاري بقوله: «نعم، وقد قال الطبيب إنَّ فرصة أبي في الشفاء أفضل من مُعظم الرجال؛ لأنه لم يكن يشرَب الخمر. لقد قال بالأمس إن الحُمَّى كانت شديدةً للغاية، لدرجة أنه لو كان أبي مُدمنًا على الخمر لكانت أحرَقَتْه كما تُحرَق قُصاصة الورق؛ لكنني أعتقد أنه يظنُّ أن أبي سيَتعافى منها؛ ألا تظنُّ أنه سيتعافى يا سيد جرانت؟»

بدَتْ على وجه المدير علاماتُ الارتباك.

وقال: «لو أنَّ ثمَّة أية قاعدة تُقرِّر حتمية تعافي الصالحين مِن مثل هذه الأشياء، فأنا واثقٌ أنه سيتعافى يا بُني؛ إنه أفضل مَن أعرف من الرجال. سوف أمرُّ عليكم باكرًا غدًا.»

في وقتٍ مبكرٍ من صباح اليوم التالي ذهب المدير إلى الإسطبل.

قال: «كيف الحال؟»

قال هاري: «لقد أصبح أبي أفضل من ذي قبل، وتأمُل أمي أن يتعافى من مرضه.»

قال المدير: «حمدًا للرب! والآن يجِب أن تُبقوه في جوٍّ من الدفء، وأبقوه بعيدًا عن التوتُّر، وهذا يجعلني أتطرَّق إلى الخيول؛ تعرف إنَّ جاك سيكون على خير ما يرام باستراحته مدَّةَ أسبوعٍ أو اثنَين في إسطبلٍ دافئ؛ ويُمكنك بسهولة أن تأخُذَه للتجوُّل في الشارع ذَهابًا وإيابًا لِيُمدِّد أرجله، لكن هذا الصغير، إذا لم يعمل، فسرعان ما سيُصبح منتصبًا دومًا، إذا جاز القول، وسيُصبحُ نوعًا ما أصعبَ مِن أن تتعامل معه؛ وعندما يخرج للعمل فستقَع حادثة.»

قال هاري: «إن حالَه شبيهة بما تقوله الآن، لقد قلَّلتُ حصته من الذرة، لكنه مفعَمٌ جدًّا بالحيوية ولا أدري ماذا أفعل معه.»

قال جرانت: «بالضبط، والآن أصغِ إليَّ جيدًا، أخبِر والدتك أنها إذا وافقَتْ فسآتي إليه كلَّ يومٍ حتى يجدَّ جديد، وسأجعله يعمل فترةً لا بأس بها، وأيُّما مبلغٍ من المال يَجنيه فسأُحضر لأمك نِصفَه، وسيساعد ذلك في نفقة إطعام الحصانَين. إنَّ أباك مشتركٌ في جمعية تأمينٍ جيدة، أعرف ذلك، لكنَّ هذا لن يَفيَ بحاجات الحصانَين، وسيأكلان طوال هذه المدَّة ما يُساوي ثمنهما؛ سآتي في الظهيرة وأعرف رأيها.» ودون أن ينتظر كلمةَ شكرٍ من هاري غادرَ المكان.

أعتقد أنه ذهب لمُقابلة بولي في فترة الظهيرة؛ لأنه جاء هو وهاري إلى الإسطبل، وألبسا هوتسبير طقمَه، ثم خرَجا به.

ظلَّ جرانت على مدى أسبوعٍ أو أكثر يأتي من أجل هوتسبير، وإذا ما شكره هاري أو قال أيَّ شيءٍ عن طيبته كان يُهوِّن من الأمر بضحكته ويقول إن الأمر كله في صالحه؛ لأن خيوله كانت تحتاج إلى قليلٍ من الراحة، وما كانت لتحصُل عليها بطريقةٍ أخرى.

كانت صحَّة جيري تتحسَّن باطِّراد، لكنَّ الطبيب قال إنه يجِب ألَّا يعود إلى عمل عربة الأجرة مُطلقًا إذا كان يريد أن يعيش حتى يُصبح مُسنًّا. وراح الطفلان يتشاوران فيما بينهما كثيرًا عمَّا قد يفعله والداهما، وعمَّا يُمكنهما عمله للمساعدة في جني المال.

بعد ظُهر أحد الأيام جِيء بهوتسبير إلى الإسطبل مُبلَّلًا ومُتَّسخًا للغاية.

قال المدير: «ليس في الشوارع إلَّا الطين الناعم، سوف يُدفئ المجهودُ جسمك جيدًا يا بُني ريثما تُنظفه وتُجفِّفه.»

قال هاري: «حسنٌ أيُّها المدير، لن أتركه حتى يُصبح كذلك؛ إنَّ والدي هو مَن درَّبني كما تعلم.»

قال المدير: «أتمنَّى لو أن الصبيان كلَّهم تدرَّبوا مثل تدريبك.»

بينما كان هاري ينظف الطين من على بدَن وأرجل هوتسبير دخلتْ دولي إلى الإسطبل، كانت تبدو مُتأثرةً للغاية بأمرٍ ما.

وقالت: «من يسكن في منزل فيرستو يا هاري؟ لقد تلقَّتْ أُمِّي خطابًا من منزل فيرستو؛ لقد بدا عليها سرورٌ كبيرٌ، وأسرعَتْ به إلى أبي في الطابق العلوي.»

«ألا تعلمين؟ يا إلهي، إنه اسم منزل السيدة فاولر؛ مُعلِّمة أمِّنا القديمة، أتعلمين، إنها السيدة التي قابلها أبي في الصَّيف الماضي، التي أرسلتْ خمسة شلنات لكل واحدٍ منَّا.»

«أوه! السيدة فاولر. بالتأكيد، أعرف عنها كلَّ شيء. تُرى عن أيِّ شيءٍ تكتبُ لأمي؟»

قال هاري: «لقد أرسلَت لها أمِّي خطابًا في الأسبوع الماضي، تعلمين أنها طلبَتْ من أبي أن يُعْلِمها إذا ما ترَك العمل على عربة الأجرة يومًا. ترى ماذا تقول في هذا الخطاب؛ أسرعي إلى المنزل واستطلِعي الأمر يا دولي.»

راح هاري يفرك جسم هوتسبير مُحدِثًا صوتًا مميزًا بالفرشاة كأيِّ سائس عجوز. وبعد دقائق معدودة جاءتْ دولي إلى الإسطبل تتواثَب.

«أوه! لم يحدُث قطُّ ما هو أجملُ من هذا يا هاري؛ إن السيدة فاولر تقول إننا سنذهب جميعًا للعيش بجوارها. ثمَّة كوخٌ خالٍ الآن، وسوف يُناسبنا تمامًا، وبجواره حديقةٌ وحظيرةٌ للدَّجاج، وأشجار تفَّاح، وكل شيء! كما أن حُوذيَّها مسافرٌ في فصل الربيع، وستحتاج أبي مكانه؛ وهناك عائلاتٌ طيبةٌ حولنا، حيث يُمكنك الحصولُ على عملٍ في الحديقة أو الإسطبل، أو العملُ وصيفًا لأحد الفرسان؛ وهناك مَدرسة جيدة لي؛ وأُمِّي تُناوب بين الضحك والبكاء، وأبي يبدو سعيدًا للغاية!»

قال هاري: «تلك أخبار مُفرحة للغاية، وهي — في رأيي — ما نحتاج إليه تمامًا؛ فسوف يُناسب هذا أبي وأمي؛ لكنني لا أنوي أن أكون وصيفًا أرتدي ملابسَ ضيقةً بصفوفٍ من الأزرار. وإنما سأكون سائسًا أو بستانيًّا.»

استقرُّوا سريعًا على أن ينتقلوا إلى الريف حالما تتحسَّن حالة جيري، وأن تُباع العربة والخيول في أقرب وقتٍ ممكن.

كان وقع الخبر ثقيلًا على نفسي؛ لأنَّني لم أعد صغيرًا بعدُ في ذلك الوقت، وما كنتُ لأتطلَّع إلى أيِّ تحسُّنٍ في حالتي. صحيحٌ أنني مُذ فارقتُ عزبة بيرتويك لم أشعر قطُّ بمثل هذه السعادة الغامرة التي شعرتُ بها مع سيدي العزيز جيري؛ لكنَّ ثلاث سنواتٍ من العمل على عربة الأجرة — حتى وإن كانتْ في أحسن الظروف — سوف تؤثِّر بالسلب على قوة الحصان منَّا؛ لذا شعرتُ أنَّني لم أعد الحصانَ الذي كُنتُه من قبل.

قال جرانت في الحال إنه سيأخُذ هوتسبير، وهناك رجالٌ في موقف العربات كانوا سيرغبون في شرائي؛ لكنَّ جيري قال إنني ينبغي ألَّا أعود إلى العمل على عربة الأجرة مرةً أخرى مع أيِّ شخصٍ والسلام، ووعَده المدير أن يجِد لي مكانًا مريحًا.

حان يوم الرحيل. لم يكن قد سُمِح لجيري بالخروج بعد، ولم أره مطلقًا بعد عشية يومِ رأس السنة تلك. جاءت بولي والأولاد ليُودِّعوني. قالت بولي: «جاك العجوز المسكين! عزيزي جاك العجوز! ليتنا نستطيع أن نأخُذك معنا.» ثم وضعَتْ يدَها على عُرفي وقرَّبَتْ وجهها من رقبتي وقبَّلتْني. كانت دولي تبكي وقبَّلَتني هي الأخرى. أما هاري فراح يربتُ عليَّ كثيرًا، لكنه لم يَقُل شيئًا، وإنما بدا عليه حزنٌ شديدٌ، وهكذا اقتادني جرانت إلى مكاني الجديد.

(٤٦) جيكس والسيدة

باعني جيري لرجلٍ يتاجر في الذرة ولديه مخبز، كان جيري يعرفه، وظنَّ أني سأحظى عنده بطعامٍ جيدٍ وعملٍ معتدِل. في البداية كان مُحقًّا تمامًا، ولا أظنُّ أني كنتُ سأُحمَّل فوق طاقتي لو أنَّ سيدي ظلَّ موجودًا دائمًا في المكان، لكنْ كان ثمَّة مراقبُ عمالٍ يستعجل الجميع ويُجبرهم على العمل المفرِط دائمًا، وكثيرًا ما كان يأمر بتحميلي المزيدَ رغم أن حمولتي تكون مكتمِلة تمامًا. أما سائق عربة البضائع التي أجرُّها، ويدعى جيكس، فكان يقول في كثيرٍ من الأحيان إنَّ هذا أكثرُ مما ينبغي أن أَجُرَّه، لكنَّ الرجل الآخر كان يَفرض رأيه عليه دائمًا، وكان يقول إنه لا جدوى من الذَّهاب مرَّتَين في حين أن مرةً واحدةً تكفي، وإنه يُفضِّل إحراز تقدُّم في العمل.

كان جيكس دائمًا يشدُّ رأسي عاليًا بالمرفع، شأنه في ذلك شأن بقيَّة سائقي عربات البضائع، الأمر الذي كان يمنعني من جرِّ العربة بسهولة، وعندما أكملتُ هناك ثلاثةَ أو أربعة أشهر وجدتُ أن العمل يؤثر على قوَّتي تأثيرًا سلبيًّا كبيرًا.

في أحد الأيام كنتُ أحمل أكثرَ من المُعتاد، وكان جزءٌ من الطريق عبارةً عن مرتفَع شديد الانحدار. استخدمتُ قوَّتي كلها، لكنَّني لم أُفلح، واضطُررتُ إلى التوقُّف باستمرار. لكنَّ هذا لم يُعجب سائقي، فضرَبني بسوطِه ضربًا شديدًا. وقال: «تقدَّم أيها الكسول، وإلَّا فسأجعلك أنا تتقدَّم.»

سحبتُ الحمولة الثقيلة مرةً أخرى، وجاهدت للتقدُّم إلى الأمام مسافةَ يارداتٍ معدودة؛ لكنَّ السوط انهال على ظهري من جديد، فجاهدتُ من جديدٍ للتقدُّم إلى الأمام. كان ألمُ سوطِ عربة البضائع الضخمِ هذا شديدًا، لكنَّ نفسي كانت تتألَّم بقدْر آلامِ جنبَيَّ البائسَين سواءً بسواء. كانت عقوبتي وإساءة معاملتي بينما أبذل أقصى ما بوُسعي شديدةً جدًّا عليَّ بدرجةٍ أذهبَتْ حماستي. كان يضربني بالسَّوط ضربًا عنيفًا للمرة الثالثة، فأتتْ إليه امرأةٌ مسرعةً، وقالتْ بصوتٍ عذبٍ جاد:

«أوه! أرجوك لا تجلد حصانك الطيب أكثر من هذا؛ أنا واثقةٌ أنه يفعل كل ما يستطيع، كما أن الطريق شديدة الانحدار؛ أنا واثقة أنه يبذل غاية وُسعه.»

قال جيكس: «إذا كان بذلُه غايةَ وسعه لن ينقل هذه الحمولة فلا بدَّ من أن يبذل ما هو أكثر من غاية وسعه؛ هذا هو كل ما أعرفه يا سيدتي!»

قالت: «لكنْ، أليستْ حمولةً ثقيلة؟»

قال: «بلى، بلى، ثقيلةٌ للغاية، لكنَّ هذه ليستْ غلطتي؛ لقد جاء مراقب العمَّال في اللحظة التي كنا سنغادر فيها تمامًا، وأراد وضع ثلاثمائة رطلٍ إضافية ليُجنِّب نفسه المتاعب، وعليَّ أن أواصل بأحسنِ ما يمكنني.»

كان سيرفع السوط ثانيةً، لكنَّ السيدةَ قالت:

«أرجوك، توقَّف؛ أعتقد أن بإمكاني مساعدتَك إذا سمحتَ لي بذلك.»

وهنا أخذ الرجل يضحك.

فقالت: «أتعرف، إنك لا تمنحه فرصةً عادلة؛ إنه لا يستطيع استخدامَ كامل قوته ورأسُه مشدودٌ إلى الخلف بهذا المرفع.» ثم أردفَتْ تقول بنبرةٍ مُقْنعة: «إذا نزَعتَه عنه فأنا واثقةٌ أنه سيؤدي أفضل من هذا؛ جرِّب، سأسعدُ كثيرًا إذا فعلتَ هذا.»

قال جيكس وهو يضحك ضحكةً قصيرة: «حسنٌ، حسنٌ، سأفعلُ أيَّ شيءٍ يُرضي سيدةً بالطبع. إلى أيِّ مدًى ترغبين أن أُنزله يا سيدتي؟»

«إلى الأسفل تمامًا، حرِّر رأسه تمامًا.»

خلع جيكس المرفع، وفي الحال أنزلتُ رأسي حتى رُكبتَيَّ. كم كان هذا مريحًا! ثم أخذتُ أقذف به إلى الأعلى والأسفل عدةَ مراتٍ لأزيل التيبُّس المؤلم عن رقبتي.

قالت السيدةُ وهي تربتُ عليَّ وتُلاطفني بيدها الرقيقة: «أيها المسكين! هذا ما كنتَ تريده.» ثم قالت لجيكس: «والآن إذا كلمتَه برفقٍ وقُدتَه فإنني أعتقد أنه سيكون قادرًا على أن يقوم بعمل أفضل.»

تناول جيكس العِنان. وقال: «هيا يا بلاكي.» فخفضتُ رأسي، ودفعتُ بوزني كله إلى طوق الرقبة؛ لم أدَّخِر أيًّا من قوَّتي؛ تحركَت الحمولة، وسحبتُها بثباتٍ إلى أعلى المنحدَر، ثم توقفتُ لألتقط أنفاسي.

كانت السيدة تسير بمُحاذاة الرصيف، لكنها نزلَت في هذه اللحظة إلى الطريق. وراحت تلاطف رقبتي وتربت عليها، وكانت قد مرَّت مدةٌ طويلة لم يربت عليَّ أحدٌ فيها.

«كما ترى، لقد تحمَّس للغاية عندما منحتَه الفرصة؛ أنا متأكدةٌ أنه حصانٌ هادئ الطبع، وأزعم أنه كان أفضلَ حالًا فيما مضى. إنك لن تضَع له هذا المرفع ثانيةً. أليس كذلك؟» لأنه كان على وشك تثبيته ثانيةً كما كان من قبل.

«حسنٌ يا سيدتي، لا أُنكر أن تحرير رقبته أعانه في صعود المنحدَر، وسوف أتذكَّر هذا في المرات القادمة، وأشكركِ يا سيدتي؛ لكنه إذا سار من دون مرفعٍ فسأكون أُضحوكةَ سائقي العربات كلهم؛ إنه الموضة، كما تعلمين.»

قالت: «أليس ابتداءُ موضةٍ جيدةٍ أفضلَ من اتِّباعِ موضةٍ سيئة؟! إن عددًا كبيرًا جدًّا من السادة الأفاضل لا يَستخدمون المرافع هذه الأيام؛ وإن خيول عربتنا لم تَلبسها منذ خمسة عشر عامًا، وما تتعرَّض له من الإرهاق في العمل أقلُّ بكثيرٍ ممَّا تتعرَّض له تلك التي ترتدي المرافع.» ثم أضافتْ بنبرةٍ جادةٍ جدًّا: «ثُمَّ إنه لا يحقُّ لنا أن نتسبَّب في إيلام أيٍّ من مخلوقات الربِّ دون مُبررٍ مقبولٍ تمامًا؛ إننا ندعوها حيوانات عجماوات، وهي كذلك بالفعل؛ لأنها لا تستطيع إخبارنا بما تشعُر به، لكنْ عدمُ كلامها لا يعني أنَّ معاناتها أقل. لكنْ عليَّ ألَّا أُؤخرك الآن؛ أشكرك لأنك جرَّبتَ طريقتي مع حصانك الطيب، وأنا واثقةٌ أنك ستجدها أفضلَ بكثيرٍ من السوط. مع السلامة.» وبعدما ربتت على رقبتي تربيتةً رقيقةً أخرى خطَتْ بخفةٍ عبر الطريق، ولم أرها بعد ذلك مرة أخرى.

قال جيكس بينه وبين نفسه: «لقد كانت هذه سيدةً نبيلةً حقًّا، أنا واثقٌ تمامًا من هذا. لقد تكلمَتْ معي بأدبٍ وكأنني أحدُ السادة الأفاضل، وسأجرِّب طريقتها عند صعود المُنحدَرات على أية حال.» ويجب أن أُنصِفه بالقول إنه وسَّع لي المرفع بمقدار عدة ثقوب، ودائمًا ما كان يُحرِّر لي رأسي كلَّه بعد ذلك، عندما كنَّا نصعد أحدَ المنحدرات، لكنَّ الأحمال الثقيلة استمرَّت. إنَّ الطعام الجيد والراحة المعقولة سيُحافظان على قوة الحصان منَّا في ظلِّ جدول العمل المُكتظ، لكنْ ليس ثَم حصانٌ يستطيع الصمود أمام تحميله فوق طاقته، وبدأتْ صحَّتي تضعُف كليًّا بسبب هذا، لدرجة أنهم اشترَوا حصانًا أصغر منِّي لِيَحلَّ مكاني. ربما يجدُر بي أن أذكر هنا ما عانيتُه في ذلك الوقت بسبب شيءٍ آخر. لقد سمعتُ الخيول من قبل تتحدَّث عنه، لكنَّني لم أجرِّب ضررَه بنفسي قبل ذلك قط؛ لقد كان الإسطبل الذي أعيش فيه سيئَ الإضاءة؛ لم يكن يُوجَد به غيرُ نافذة واحدةٍ صغيرة جدًّا في طرَفه الأقصى، والنتيجة هي أنَّ المرابط كانت مُظلِمة تقريبًا.

بالإضافة إلى ما أثاره هذا من كآبةٍ في نفسي؛ فقد أضعَف بصري للغاية، وكان يُؤلم عينيَّ جدًّا أن أُخرَج فجأةً من الظلام إلى وهَج ضوء النهار. وقد تعثَّرتُ مراتٍ عديدةً فوق عتبة الباب، وكنتُ بالكاد أستطيع أن أرى طريقي.

أعتقِد أنَّني كنتُ سأصاب بعمًى جزئيٍّ لو أنَّني كنتُ مكثتُ هناك مدةً طويلةً جدًّا، كانت هذه ستَصير محنةً عظيمة؛ لأنني سمعتُ بعض الرجال يقولون إنَّ قيادة حصانٍ أعمًى تمامًا أأمن من قيادة حصانٍ ضعيف البصر؛ لأنَّ هذا عادةً يجعل تلك الخيول شديدةَ التردُّد. لكنَّني نجَوتُ دون أيةِ إصابةٍ دائمةٍ في بصري، وباعوني لأحد مُلَّاك عربات الأُجرة الكبار.

(٤٧) أوقاتٌ عصيبة

سيدي الجديد رجلٌ لن أنساه أبدًا؛ كانت عيناه سَوداوَين وأنفُه معقوفًا، وكان فمُه مليئًا بالأسنان كفم كلب البولدوج، أما صوته فكان في قسوةِ صرير عجلات عربة البضائع فوق حَصباء الطريق. كان يُدعى نيكولاس سكينر، وأعتقد أنه هو ذلك الرجل الذي كان المسكين سام المنهَك يقود لحسابه.

لقد سمعتُ بعضَ الرجال من قبل يقولون إنه لا تصديق إلَّا بالعيان، لكنَّني أقول إن تَجرِبة الشيء هي التي تدعو إلى تصديقه؛ فبقدْرِ ما رأيتُ من قبل، فإنَّني لم أكن قاسيتُ حتى هذه اللحظةِ تلك التعاسةَ المُطبِقةَ التي تسُود حياة حصان عربة الأجرة.

كان لدى سكينر مجموعةٌ مُتردِّيةٌ من العربات ومجموعةٌ مُتردِّيةٌ من السائقين؛ كان قاسيًا على الرجال، وكان الرجال قُساةً على الخيول. لم نحظَ في هذا المكان براحةٍ في أيام الأحد، وكان هذا في قَيظِ فصل الصيف.

كانت مجموعة من الرجال الجامِحين تأتي أحيانًا في صباح يومٍ من أيام الأحد وتؤجِّر العربة طوال اليوم؛ كان أربعةٌ منهم يَركبون في الداخل وواحدٌ إلى جوار السائق، وكان عليَّ أن أخرج بهم مسافةَ عشرة أو خمسة عشرَ ميلًا إلى الريف، ثم أعودَ بهم ثانيةً؛ ما كان أيٌّ منهم على الإطلاق يَنزل عن العربة ليتمشَّى عندما أصعد أحد المُنحدَرات، وذلك مهما بلغَتْ شدةُ انحداره، ومهما بلغَتْ شدَّةُ حرارة الجو؛ باستثناء تلك الحالات — من دون شكٍّ — التي كان يخشى السائق فيها ألَّا أستطيع صعوده، وكنتُ أحيانًا أُعاني حُمَّى وإرهاقًا شديدَين لدرجةٍ لا أكاد أستطيع معها أن أمسَّ طعامي. كم اشتقتُ في تلك الأيام إلى هريس النُّخالة اللَّذيذ وملح النترات الذي فيه، والذي اعتاد جيري أن يُقدِّمه لنا في ليالي السبت عندما يكون الجوُّ حارًّا، والذي كان يُهدئنا ويُريحنا للغاية! ثم إنَّنا كنَّا نحظى بعد ذلك بليلَتَين ويومٍ كاملٍ من الراحة المُتواصِلة، وكنَّا نغدو في صباح يوم الإثنين في نشاطِ صِغار الخيل مرةً أخرى؛ لكنْ هُنا لم يكن ثمَّة راحة، وكان سائقي قاسيًا مثل سيِّده تمامًا. كان معه سوطٌ قاسٍ وكان في طرَفه شيءٌ حادٌّ للغاية، لدرجةِ أنه كان يستنزف الدم أحيانًا، وكان فوق هذا يَضربني بالسوط أسفلَ بطني، ويضرب به عند رأسي. لقد أذهبَتْ مثلُ هذه الإهانات حماستي بصورةٍ كبيرة، لكنَّني ظللتُ برغم هذا أبذلُ غاية وسعي ولم أُحْجِم عن العمل قط؛ لأنه — كما كانت جينجر المسكينة تقول — لم تكن مِن ذلك فائدة؛ فالرجالُ هم الأقوى.

كانت حياتي في تلك الآونة قد أصبحَتْ تعيسةً تمامًا لدرجة أنَّني تمنيتُ، كما تمنَّتْ جينجر من قبل، أن أسقط ميتًا أثناء عملي وأتخلَّص من شقائي، وذات يومٍ كادت أُمنيتي أن تتحقَّق.

ذهبتُ إلى موقف العربات في الثامنة صباحًا، وبعدَما قمتُ بقدرٍ لا بأس به من العمل، تعيَّن علينا إيصالُ أحد المسافرين إلى محطة القطار. كان الناس يترقَّبون وصولَ قطارٍ طويلٍ قريبًا؛ لذا توقَّف سائقي خلف بعض عربات الأجرة الواقفة بالخارج؛ كيما تسنَح له الفرصةُ في الحصول على زبونٍ في طريق عودتنا. كان القطار مُحمَّلًا عن آخره بالناس والبضائع، ولأنَّ العرباتِ كلَّها استُئجرتْ في الحال طلَبَنا بعض الزبائن. كانوا مجموعة من أربعة أفراد: رجلٌ صخَّابٌ كثير الثرثرة، ومعه سيدةٌ، وولدٌ يافع، وبنتٌ صغيرة، وعددٌ كبيرٌ من حقائب السفر. صعدَت السيدة والولد إلى داخل العربة، وبينما أخذَ الرجل يأمر بتحميل الحقائب اقتربَت البنت منِّي وراحتْ تنظُر إليَّ.

وقالت: «بابا، أنا متأكدةٌ أن هذا الحصان المسكين لا يستطيع أن يحملنا نحن وحقائبَنا كلها مسافةً طويلة، إنه مُتعَبٌ وضعيفٌ للغاية. انظُر إليه.»

قال سائقي: «أوه! إنه بصحَّةٍ جيدةٍ يا آنستي، إنه قويٌّ بما فيه الكفاية.»

اقترَح الحمَّال، الذي كان يجرُّ بعض الصناديق الثقيلة، على الرجل أن يأخذ عربةً ثانيةً مع عربتنا، حيث كان ثمَّةَ حقائبُ كثيرةٌ جدًّا.

قال الرجل الثرثار: «أيستطيع حصانك إيصالنا، أم لا يستطيع؟»

«أوه! إنه يستطيع فعلها كما يجِب يا سيدي؛ ارفع الصناديق أيها الحمَّال؛ إنه يستطيع حمل أكثر من هذا.» وساعدَه في رفع صندوقٍ ثقيلٍ للغاية شعرتُ من ثقله بنوابض العربات وهي تنضغط إلى الأسفل.

توسلَت البنت الصغيرةُ إلى أبيها قائلةً: «بابا، بابا، استأجِر عربةً إضافية. أنا واثقةٌ أننا مُخطئون، أنا متأكدةٌ أن هذا في غاية القسوة.»

«هذا هراء يا جريس، اصعدي إلى العربة حالًا، ولا تُحدِثي كلَّ هذه الضجة؛ يا للسُّخُف الذي سيكون عليه الحال إذا توجَّب على كل صاحب حاجةٍ أن يفحص كلَّ حصان عربةٍ قبل أن يستأجرها؛ إن الرجل يعرف عمله بالتأكيد؛ هيَّا، ادخُلي إلى العربة وأمسِكي لسانك!»

كان على صديقتي الرقيقةِ أن تُطيع والدها، وراح الحمَّال يسحب صندوقًا تلوَ الآخر ويرفعه على ظهر العربة أو يضعه إلى جوار السائق. في النهاية أصبح كلُّ شيءٍ جاهزًا، وبعدما هزَّ السائق العِنان وضربَني بالسوط على عادته، قادَني إلى خارج المحطة.

كانت الحمولةُ ثقيلةً للغاية، ولم أكن تناولتُ طعامًا ولا أخذتُ قسطًا من الراحة منذ الصباح؛ لكنني بذلتُ غاية وُسعي، كما كنتُ أفعل دائمًا، برغم القسوة والظلم.

تقدمتُ على نحوٍ مقبولٍ حتى وصلْنا إلى مُنحدَر لودجيت هيل؛ لكنَّ الحمل الثقيل والإرهاق الذي كنتُ أشعُر به كانا قد أصبحا أكثرَ ممَّا أُطيق. كنتُ أُكافح من أجل مواصلة السير، وكان يستحثُّني على ذلك رمْيُ العِنان عليَّ بصورةٍ مُستمرةٍ وضرباتُ السوط، وفي لحظةٍ — لا أعرف كيف — انزلقَتْ أقدامي من تحتي، وسقطتُ بجنبي على الأرض سقوطًا عنيفًا؛ بدا أنَّ قوةَ ومفاجأة السقوط قضَيا على كلِّ أثرٍ للحياةِ في جسمي. استلقيتُ على الأرض في هُمودٍ تام؛ في الواقع، لم أَقوَ على الحركة، وظننتُ في هذه اللحظة أنَّني سأموت. سمعتُ شيئًا من الاضطراب حولي، أصواتٌ عاليةٌ غاضبة، وصوتُ إنزال حقائب السفر، لكنْ كان كل شيءٍ يُشبِه الحلم. أظنُّ أني سمعتُ ذلك الصوت العذبَ العَطوف يقول: «أوه! ذلك الحصان المسكين! إنها غلطتنا نحن.» اقتربَ شخصٌ ما وحلَّ شريطَ اللجام الجلديَّ المُحيط بعُنقي، وفكَّ السلاسل التي كانت تُحكِم إغلاقَ الطَّوق على رقبتي. قال أحدُهم: «لقد مات! لن يقوم مرةً ثانيةً أبدًا.» بعد ذلك كان بوسعي أن أسمع صوت شرطيٍّ يُعطي الأوامر، لكنَّني لم أفتح عينَيَّ حتى؛ ما كنتُ قادرًا سوى على اجتذاب نَفَسٍ لاهثٍ بين الحين والآخر. أُلقى ببعض الماء البارد على رأسي، وصُبَّ في فمي بعضٌ من الشراب المُنبِّه، وبُسطَ شيءٌ ما على جسمي. لا أدري كم من الوقت ظللتُ راقدًا هناك، لكنني وجدتُ الحياة تدبُّ في أوصالي مرةً أخرى، ووجدتُ رجلًا ذا صوتٍ لطيفٍ يربتُ عليَّ ويشجعني على النهوض. بعدما سقَوني مزيدًا من الشراب المُنبِّه، وبعد محاولةٍ أو اثنتَين منِّي، وقفتُ مُترنِّحًا على أقدامي، وقادَني أحدهم برفقٍ إلى بعض الإسطبلات التي كانت قريبةً. وهناك وُضِعتُ في مربطٍ ذي مِهادٍ جيد، وأُتيتُ ببعضٍ من العصيدة الدافئة، فشَرِبتُها شاكرًا مُمتنًّا.

في المساء كنتُ قد تعافَيتُ بما فيه الكفاية كي أعود إلى إسطبلات سكينر، حيث بذَلوا أقصى ما يَستطيعون من أجلي فيما أعتقد. في الصباح جاء سكينر بطبيبٍ بيطريٍّ ليراني. فحصَني الطبيبُ فحصًا دقيقًا جدًّا ثم قال:

«هذه حالةُ إفراطٍ في العمل أكثرَ مِن كونها حالة مرَضية، وإذا أمكنَك أن تُبعده عن العمل مدةَ ستَّة أشهرٍ فسيُصبح قادرًا على العمل مرةً أخرى. أمَّا الآن فلمْ يتبقَّ فيه ذرةٌ من قوة.»

قال سكينر: «ينبغي إذن أن يُصبِح طعامًا للكلاب وحسْب؛ فليس لديَّ مروجٌ أُداوي فيها الخيول المريضة؛ ربما تتحسَّن صحَّته وربما لا تتحسَّن، وهذا شيءٌ لا يُناسب عملي. إن غايتي هي أن أُشغِّل هذه الخيول ما دامت قادرةً على العمل، ثم أبيعها بأيِّ ثمنٍ تُقدَّر به، سواءٌ للقصَّاب أو لأيِّ أحد آخر.»

قال الطبيب البيطري: «لو كان فقدَ مقدرته على التنفُّس لكان يَجدُر بك أن تقتله من دون مناقشة، لكنه لم يفقدها؛ ثمَّةَ مزادٌ علنيٌّ للخيول سوف يُعقَد بعد حوالي عشرة أيام؛ وإذا ما أرَحْتَه وأطعمتَه جيدًا فربما يتحسَّن، وربما تجني من بيعه أكثرَ من قيمةِ جِلده، على أيةِ حال.»

بناءً على هذه النصيحة، أعطى سكينر أوامره — على بعضِ كُرهٍ منه، فيما أعتقد — بأن أحصل على طعامٍ جيدٍ ورعايةٍ جيدة، ولحُسن حظي نفَّذَ السائسُ الأوامرَ بعزمٍ أفضل بكثيرٍ من عزم سيِّده وهو يُصدِرها. عشرةُ أيامٍ من الراحة التامَّة، وكثيرٌ من حبوب الشوفان الجيدة، والتِّبن، وهريس النخالة، مع بُذور الكَتَّان المغليَّة والممزوجة معها، ساهمتْ كلُّها في تحسين حالتي أكثرَ ممَّا كان يُمكن لأيِّ شيءٍ آخر أن يفعل؛ كان هريسُ بذور الكَتَّان هذا شهيًّا، وبدأتُ أُفكِّر، في نهاية الأمر، أنه ربما تكون الحياةُ أفضلَ لي من أن أُصبِح طعامًا للكلاب. عندما جاء اليومُ الثاني عشر بعد الحادثة، أُخِذتُ إلى المزاد العلني، وكان على بُعد بضعة أميال خارج لندن. شعرتُ أن أيِّ تغيير عن مكاني الحاليِّ لا بدَّ من أن يكون تغييرًا نحوَ الأفضل؛ لذا رفعتُ رأسي عاليًا، ورجوتُ حدوث الأفضل.

(٤٨) المزارع ثوروجود وحفيده وِيلي

في هذا المزاد وجَدتُ نفسي بالطبع برُفقة الخيول الْمُسِنَّة التي أوهنَتْها الشيخوخة، كان بعضُها أعرجَ، وبعضها مصابًا في جهازه التنفُّسي، وبعضها مُسنًّا، وكان مِن بينها مجموعةٌ أنا واثقٌ أنه كان من الرحمة أن يُطلَق عليها الرصاص.

لم يَبدُ المشترون والبائعون كذلك، أو كثيرٌ منهم، أفضلَ حالًا من الحيوانات المسكينة التي كانوا يتَساومون عليها. كان ثمَّة رجالٌ مسنُّون فقراء، يحاولون الحصول على فرسٍ أو حصانٍ قزَمٍ مقابل جنيهاتٍ معدودة، كي يجرَّ لهم عربةً صغيرةً تحمل الخشب أو الفحم. وكان ثمَّة رجالٌ فقراءُ يحاولون بيع أحد الحيوانات المُنهَكة في مقابل جنيهَين أو ثلاثة، بدلًا من تكبُّد خسارةٍ أكثرَ فداحةً بقتله. كان بعضهم يبدو وكأن الفقر والأوقات العصيبة قسَّتْ كلَّ شيء فيه؛ لكنْ كان ثمَّة آخرون كنتُ مُستعدًّا لخدمتهم بآخِرِ ما فيَّ من قوة؛ كانوا فقراء باليي الثياب، لكنْ طيبين ورءوفين، ولهم أصواتٌ أستطيع الوثوق فيها. كان ثمَّة رجلٌ مسنٌّ يمشي مِشية مترنِّحة وكان معجَبًا بي للغاية، وكنتُ معجبًا به كذلك، لكنه لم يَجِدني قويًّا بما يكفي؛ كانت لحظةً مُقلِقة! بعد ذلك أبصرتُ رجلًا قادمًا من أفضل مكانٍ في السوق، كان يبدو مُزارِعًا فاضلًا، وإلى جواره صبيٌّ صغير؛ كان ظهْر الرجل عريضًا وكتِفاه مُستديرتَين، وكان له وجهٌ مُتورِّدٌ طيِّب الملامح، وكان يَعتمِر قُبعةً لها حافَةٌ كبيرة. عندما اقترب منِّي أنا ورفاقي ثبتَ في مكانه وراح ينظر إلينا نظرةً مِلؤها الشفقة. رأيتُ عينه تُثبَّتُ عليَّ؛ كان عُرفي وذيلي لا يَزالان جيِّدَين، مما حسَّن من مظهري بعض الشيء. أما أنا فنصبتُ أذنيَّ ورحتُ أنظر إليه.

«ها هو، يا وِيلي، حصانٌ، كان أفضلَ حالًا فيما مضى.»

قال الصبي: «يا للعجوز المسكين! أتظنُّ يا جدِّي أنه سبق له أنْ كان مِن خيول العربات من قبل؟»

قال صاحب المزرعة وهو يقترِب منِّي أكثر: «أوه، نعم يا بُني! ربما كان أيَّ شيءٍ عندما كان صغيرًا؛ انظُر إلى فتحتَيْ أنفه وإلى أذنَيه، وانظُر إلى شكل رقبته وكتِفه؛ هناك قدرٌ من الأصالة في هذا الحصان.» ثم مدَّ يدَه وربتَ على رقبتي تربيتًا عَطوفًا. فمددتُ له أنفي استجابةً لطيبته؛ وراح الصبيُّ يربتُ على وجهي.

«يا للعجوز المسكين! انظُر يا جدِّي كيف يُجيد فَهْم المُعاملة الطيِّبة. ألا تشترِيَه وتُعيده صغيرًا مرةً أخرى كما فعلتَ مع ليدي بيرد؟»

«يا ولدي العزيز، لا يُمكنني أن أُعيد كلَّ الخيول العجوزة إلى شبابها؛ فوق هذا، فإن ليدي بيرد لم تكن عجوزًا جدًّا بقدر ما كانت منهَكةً، وبقدر ما تعرضَتْ لسوء المعاملة.»

«حسنٌ يا جدِّي، لا أعتقد أن هذا الحصان عجوز؛ انظُر إلى عرفه وذيله. أرجو أن تُلقي نظرةً داخل فمه، وستكتشف هذا؛ إنه على الرغم من نُحوله الشديد فإن عينَيه ليستا غائِرتَين كبعض الخيول الْمُسنَّة.»

ضحك الرجل العجوز، وقال: «بوركتَ أيها الفتى! إنك خبيرٌ بالخيول مثل جدِّك المُسِن.»

«لكن انظُر داخل فمِه يا جدي، واسأل عن ثمنه؛ أنا متأكدٌ أنه سيعود صغيرًا في مروجنا.»

في هذه اللحظة بدأ الرجل الذي أتى بي إلى المزاد يقول ما عنده.

«إن السيد الصغير فطنٌ بحقٍّ يا سيدي. الحقيقةُ أن هذا الحصان إنما ضعفَتْ صحتُه بسبب الإجهاد في العمل في عربات الأجرة؛ إنه ليس مُسنًّا، وقد سمعتُ الطبيب البيطري يقول إن ستَّة أشهرٍ من الراحة سوف تجعله يتحسَّن تمامًا؛ لأن قُدرته على التنفُّس لم تتلف بعد. لقد كنتُ أعتني به في هذه الأيام العشَرة الماضية ولم أرَ في حياتي قبل ذلك قطُّ حِصانًا هو ألطف منه ولا أكثر منه عِرفانًا بالجميل، وسوف يستحقُّ أن يَدفع فيه سيِّدي ورقةً بخمسة جنيهات، ولتمنَحْه فرصةً. أنا واثقٌ أنَّ قيمته ستبلغ عشرين جنيهًا في الربيع القادم.»

أخذ الرجل المُسنُّ يضحك، أما الولد الصغير فنظر في لهفةٍ وقال:

«أوه، ألم تقُل يا جدِّي إن الْمُهر بِيع بخمسة جنيهاتٍ أكثر مما كنتَ تتوقَّع؟ لن تخسر شيئًا إذا اشتريتَ هذا الحصان.»

أخذ المزارع يُمِرُّ يدَه ببطءٍ على أرجلي، وكانت مُتورِّمةً ومُجهَدةً للغاية؛ ثم نظر إلى فمي، وقال: «لا بدَّ من أنَّ سنَّه ثلاثة عشر أو أربعة عشر عامًا؛ هل تسمح أن تجعله يمشي خبَبًا لِتَعرضه علينا؟»

قوَّستُ رقبتي الضامرةَ الهزيلة، ورفعتُ ذَيلي لأعلى قليلًا، ومددتُ أرجلي بقدْر ما أستطيع؛ فقد كانت متيبِّسة للغاية.

عندما عدتُ قال صاحب المزرعة: «ما أقلُّ قيمةٍ ستَقبلها ثمنًا له؟»

«خمسةُ جنيهاتٍ يا سيدي؛ هذا أقل سعرٍ حدَّده سيدي.»

قال السيدُ العجوز وهو يهزُّ رأسه: «إن هذه مجازفة.» ومع ذلك أخرجَ في الوقت نفسه محفظة نقوده ببطءٍ وقال وهو يَعدُّ العُملات الذهبية التي في يده: «مجازفةٌ حقيقية! هل لديك أي شأن آخر هنا؟»

«لا يا سيدي، يُمكنني أن أوصِله لك إلى النُّزل إذا أحببت.»

«افعلْ ذلك، أنا ذاهبٌ إلى هناك الآن.»

ساروا أمامي، وقادَني السائس وراءهم. كان الصبيُّ لا يكاد يَستطيع السيطرة على بهجته، وبدا السيدُ العجوزُ مُستمتِعًا بسروره. تناولتُ طعامًا جيدًا في النزُل، ثم امتطى صهوتي أحدُ خدَم سيِّدي الجديد، وقادني برفقٍ إلى منزله، وأوصلَني إلى مرجٍ واسِع به عَرِيشٌ في أحد أركانه.

أمرَ السيد ثوروجود — إذ كان هذا هو اسم ذلك الرجل الذي أحسن إليَّ — أمرَ أن أتناول التِّبن وحبوب الشوفان في مساء وصباح كلِّ يوم، وأن يُتاح لي المرْج أثناء النهار، وقال: «أنت، يا وِيلي، عليك أن تتولَّى الإشرافَ عليه؛ إنَّني أضعُه تحت مسئوليتك.»

كان الصبيُّ فخورًا بالمهمَّة التي أُسنِدتْ إليه، وباشرها بكلِّ جدِّية. لم يمرَّ يومٌ دون أن يزورني، وكان أحيانًا يَصطفيني من بين الخيول الأخرى ويُعطيني قطعةً من الجزَر، أو شيئًا جيدًا، أو كان في أحيانٍ أخرى يقِف إلى جواري بينما أتناول طعامي من حبوب الشوفان. كان دائمًا ما يقول لي كلماتٍ طيبةً ويُلاطِفُني عندما يزورني، وبالطبع ازداد حُبِّي له كثيرًا. كان يدعوني «كروني (أي: الصديق الحميم) العجوز»؛ لأنني كنتُ آتي إليه في المرج وأسير خلفه هنا وهناك. كان أحيانًا يُحضر جدَّه معه، وكان جدُّه دائمًا يُدقِّق النظر في قوائمي.

كان جده يقول: «هذه هي نقطة اهتمامنا يا وِيلي، لكنه يتحسَّنُ باطِّراد، مما يجعلني أعتقد أنَّنا سنرى تغيرًا للأفضل في فصل الربيع.»

سرعان ما ظهَر أثر الراحة التامَّة والطعام الجيد وعُشب المرج الناعم والتمرين المعتدل على حالتي الصحيَّة والنفسية. لقد ورثتُ بنيانًا بدنيًّا جيدًا عن أُمي، كما أنَّني لم أتعرَّض قطُّ للإجهاد وأنا صغير؛ لذا كانت فرصتي أفضلَ من فرصةِ كثيرٍ من الخيول التي زُجَّ بها إلى العمل قبل اكتمال قوَّتها. تحسنَتْ أرجلي تحسُّنًا كبيرًا أثناء فصل الشتاء لدرجةِ أنني بدأتُ أشعر بأني أستعيد شبابي كلَّه من جديد. حلَّ فصل الربيع، وفي أحد أيام شهر مارس قرَّر السيد ثوروجود أن يُجرِّبني في جرِّ عربة الفايتون. شعرتُ بسرورٍ كبيرٍ، وقادني هو ووِيلي مسافةَ أميالٍ قليلة. لم تعُد أرجلي مُتيبِّسةً الآن، وأديتُ العمل بسهولةٍ تامَّة.

«إنه يستعيد شبابه يا وِيلي؛ يجب أن نمنحه قليلًا من العمل الخفيف الآن، وبحلول منتصف فصل الصيف ستُصبح حالته جيدةً مثل ليدي بيرد. إنَّ له فمًا جميلًا وخُطًى جيدة؛ إنهما أفضل مما كنت أتوقَّع.»

«أوه، كم أنا سعيدٌ أنك اشتريتَه يا جَدي!»

«وأنا كذلك يا بُني؛ لكنَّ عليه أن يكون ممتنًّا لك أكثرَ من امتنانه لي؛ يجِب أن نبحث له الآن عن مكانٍ هادئٍ جميلٍ يجد فيه من يُقدِّره.»

(٤٩) بيتي الأخير

في يومٍ من أيام فصل الصيف هذا أخذ السائسُ يُنظفني ويكسوني بعنايةٍ فائقةٍ جدًّا، لدرجةٍ أنَّني شعرتُ أن ثمَّةَ تغييرًا جديدًا يوشِك أن يحدُث؛ فقد هذَّب شعرَ أرجلي وثُنَنَ أقدامي، ومررَ فرشاة القار على حوافري، بل إنه فرَق شعر ناصيتي. أعتقد أنه زاد في تلميع طقمي. بدا وِيلي بين القَلِقِ والجَذْلان وهو يركب العربة الخفيفة مع جدِّه.

قال السيد العجوز: «لو أُعجبت السيداتُ به، فسيُناسب كلٌّ منهم الآخَر. لا يسَعنا إلَّا أن نحاول.»

بعدما قطَعْنا مسافةَ ميلٍ أو اثنين بعيدًا عن القرية وصلْنا إلى منزلٍ جميلٍ مُنخفض، أمامه مرْج ومجموعةُ شجيرات وطريقٌ خاصةٌ ممتدةٌ من الطريق العامَّةِ إلى الباب. دقَّ وِيلي الجرس، وسأل عمَّا إذا كانت الآنسة بلومفيلد أو الآنسة إلين موجودتَين في المنزل. كانتا موجودَتَين؛ لذا، مكث وِيلي معي، ودخل السيد ثاراجوود إلى المنزل. وبعد حوالي عشر دقائق عاد وفي إثره ثلاثُ سيِّدات؛ كانت إحداهنَّ طويلةَ القامة شاحبةَ اللون، وكانت تلفُّ على جسمها شالًا أبيض وتستند على سيدةٍ أخرى أصغرَ منها سوداء العينَين بهيجة الوجه. أما الثالثة، وقد بدَتْ هيئتها مَهيبةً للغاية، فكانت الآنسة بلومفيلد. اقترَبن كلُّهن منِّي وأخذن ينظُرن إليَّ ويطرحن الأسئلة. أُعجِبَتْ بي السيدةُ الصُّغرى كثيرًا، وهي الآنسةُ إلين؛ وقالتْ إنها واثقةٌ أنها ستُحبُّني، وإنَّ وجهي جميلٌ جدًّا. أما السيدة الطويلة القامة ذات الوجه الشاحب فقالت إنها ستظلُّ خائفةً دائمًا من الركوب خلف حصانٍ تعرَّض للسقوط من قبل؛ لأنَّني ربما أسقط مرةً أخرى، وإذا ما سقطتُ فإنها لن تتعافى من الفزع أبدًا.

قال السيد ثوروجود: «إن كثيرًا من الخيول المُمتازة، أيَّتها السيدات، قد انكسرَتْ رُكَبُها نتيجةً لإهمال سائقيها ومن دون أن يكون لها أدنى ذنبٍ في ذلك، ومن خلال ما رأيتُ من ذلك الحصان فإنني أقول إنَّ حالته هكذا؛ لكنَّني بالطبع لا أريد أن أؤثِّر عليكن. يمكنكن أن تُجرِّبْنه إذا أردتُن، وعندها سيُبدي حُوذيُّكن رأيه فيه.»

قالت السيدةُ المهيبة: «لقد كنتَ تُخلِص لنا النُّصح دائمًا بشأن خيولنا؛ لذا فسيكون اقتراحك كافيًا لي، وإذا لم يكن عند أختي لافينيا مانعٌ فسنَقبل عرضك بأن نُجرِّبه شاكِرين.»

ومن ثَمَّ تَقرَّر أن أُرسَل إليهنَّ في اليوم التالي.

في الصباح جاء شابٌّ أنيق الهيئة ليأخذني. في بداية الأمر بدتْ عليه علامات السرور؛ لكنَّه، بعدما رأى رُكبتيَّ، قال بنبرةٍ تنمُّ عن خيبة الرجاء:

«ما كنتُ أظنُّ يا سيدي أنك ستقترِح على السيدات حصانًا مُشوَّهًا مثل هذا!»

قال سيدي: «كما يُقال: «الجَمال جمال الأفعال، لا جمال المناظر.» إنك إنما ستأخذه للتجربة، وأنا واثقٌ أنك ستتعامل معه بنزاهةٍ أيُّها الشاب. إذا لم يكن آمنًا كأيِّ حصانٍ امتطيتَه من قبل فأعِدْه إليَّ.»

قادَني الشابُّ إلى بيتي الجديد، ووضعني في إسطبلٍ مريح، وأطعمني، ثم تركني وشأني. في اليوم التالي، قال السائس وهو ينظف وجهي:

«إن هذه تُشبِهُ الغُرة البيضاء التي كانت في جبين «بلاك بيوتي» تمامًا؛ وارتفاعه مُتشابِهٌ كثيرًا أيضًا. تُرى أين هو الآن؟»

بعدما ابتعد عن وجهي قليلًا وصلَ إلى المكان الذي جُرِحتُ فيه في رقبتي وبقيَ فيه نتوءٌ صغيرٌ على الجلد. كاد السائسُ أن يثبَ من مكانه، وبدأ يتفحَّصُني جيدًا وهو يكلم نفسه.

«غرةٌ بيضاء في جبينه، قدمٌ بيضاءُ من جهة الخارج، وهذا النُّتوء الصغير في ذاك المكان تحديدًا.» ثم نظر إلى منتصف ظهري وقال: «ولعمري، ها هي ذي تلك الرقعة الصغيرةُ من الشَّعر الأبيض التي اعتاد جون أن يَدْعوَها «بنسات بيوتي الثلاثة». لا بدَّ أنه «بلاك بيوتي»! يا إلهي، بيوتي! بيوتي! أتعرفني؟ إنني جو جرين الصغير الذي كاد أن يَقتلك، أتذكُر؟» وراح يربت عليَّ مرةً بعد أخرى وكأنما كانت السعادةُ تغمره.»

لا يمكنني القول إنني تذكرتُه؛ لأنه كان قد أصبح شابًّا كاملَ النموِّ حينئذ، وأصبح له شاربٌ أسودُ وصوتُ رجل، لكنَّني كنتُ واثقًا أنه عرَفني، وأنه هو جو جرين، وكنتُ سعيدًا للغاية. قرَّبتُ أنفي منه، وحاولتُ أن أقول إنَّنا كنَّا أصدقاء. لم أرَ في حياتي قبلَ ذلك قطُّ رجلًا في مثل هذه السعادة.

«نُجربك تجربةً عادلة! أعتقد ذلك حقًّا! ترى مَن ذلك المؤذي الذي كسَرَ ركبتَيك يا عزيزي بيوتي! لا بدَّ أنك عُومِلتَ معاملة سيئة في مكانٍ ما؛ حسنٌ، حسنٌ، إن لم تَقضِ أوقاتًا طيبة من الآن فصاعدًا، فلن يكون أبدًا بسبب تقصيرٍ منِّي. ليت جون مانلي كان هنا حتى يراك.»

رُبِطتُ بعد الظهر في عربةٍ منخفضة من عربات الحديقة وأُحضِرتُ إلى الباب. كانت الآنسة إلين تريد أن تُجرِّبني، وذهب جرين معها. أدركتُ بعد قليلٍ أنها تجيدُ الركوب، وبدا أنها كانت مسرورةً من سرعة خطوي. سمعتُ جو يُحدِّثها عنِّي، ويقول لها إنه متأكدٌ أنني «بلاك بيوتي» حصان سكواير جوردن القديم.

وعندما عدنا خرَجَت الأختان الأخريان لِتَعرفا كيف أبلَيت. فأخبرَتْهما الآنسةُ إلين بما سمعَتْه لتوِّها، وقالتْ:

«لا بدَّ أن أرسل رسالةً إلى زوجة السيد جوردن، وأُخبرها أن حصانها المفضَّل أصبح عندنا. كم ستسعد بهذا!»

بعد هذا ظللنَ يَقُدْنني كل يوم طيلة أسبوع أو ما يُقارب الأسبوع، وعندما ظهر لهنَّ أنني آمِنٌ تمامًا تجرأَت الآنسةُ لافينيا أخيرًا على الخروج معي في عربةٍ صغيرةٍ مُغلقة. بعد ذلك حسَمنَ قرارهنَّ بأن يحتفظن بي، وأن يُسمِّينني باسمي القديم «بلاك بيوتي».

لقد قضيتُ حتى الآن في ذلك المكان البهيج سنةً كاملةً. إن جو هو أفضلُ وأطيب سائسٍ على الإطلاق. عملي هنا سهلٌ ورائع، وأشعُر أن قوَّتي وحالتي النفسية تعودان من جديد. منذ أيامٍ قليلةٍ قال السيد ثوروجود لجو:

«سوف يعيش بلاك بيوتي في المكان الذي أنت فيه هذا حتى يبلغ العشرين من عمره، وربما أكثر.»

إنَّ وِيلي يتحدثُ إليَّ دائمًا كلما أمكنه هذا، ويُعاملني معاملةَ صديقه المُفضل. كما أن سيداتي قد تعهَّدْنَ بألَّا يَبعنني أبدًا؛ لذا فليس ثمَّةَ ما أخشاه؛ وهنا تنتهي قصتي. لقد انتهَتْ مشاكلي كلها، وأنا الآن في بيتي؛ وكثيرًا ما أتخيَّل — قبل أن أستفيق تمامًا من نومي — أنني ما زلتُ في البستان في بيرتويك، واقفٌ مع أصدقائي القُدامى تحت أشجار التفَّاح.

١  بعد مُضي سنواتٍ قليلةٍ خُفِّضت الرسوم السنوية لرُخصة قيادة عربات الأجرة تخفيضًا كبيرًا، وأُلغِيَ الفرق بين عربات الستَّة الأيام وعربات السبعة الأيام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠