الفصل الخامس والثلاثون

مؤتمر العقير

على كثيب يحدج الخليج بعينه العسلية، إلى جنوب القصر بالعقير، لخمسٍ خلَون من ربيع الثاني عام واحد وأربعين وثلاثمائة وألف (٢٨ نوفمبر ١٩٢٢) نُصِبت الخيام للمؤتمر. فكان قسم منها، وهي البيضاء الهرمية المزركشة من الداخل بالآيات والرسوم، إلى الجانب الشرقي لوفد العراق وللإنكليز، والقسم الأكبر وأكثره من بيوت الشعر إلى الجانب الغربي لأهل نجد من المرافقين عظمة السلطان عبد العزيز، وكان سرادق عظمته مقابلًا لسرادق الاجتماع، في المخيم الأوروبي، وبينهما نحو مائتي متر من الرمل، وتحت سرادق الاجتماع سرادق الطعام ووراءه المطبخ، وإلى جانبه قافلة من الجِمال وقد أناخت بأحمالها.

وكانت شمس العقير فاترة لا تجفف هواءَ العقير. وهواءُ العقير — وهو رطبٌ كثيفٌ ثقيل — لا يُصلِح مِزاجَ مَن جاء، ومِزاجُه معكر، ليصلح مجاري السياسة بينه وبين جيرانه.

كان السلطان عبد العزيز قد علم في الطريق من الحساء بقدوم فهد الهذَّال شيخ العمارت مع المفوَّض السامي السر برسي كوكس، فغاظه ذلك؛ لأنه لم يجئ العقير لحلِّ مشاكل العشائر. وقد كان فوق ذلك ناقمًا على الشيخ فهد؛ لأنه أنزل عرب شمر الذين فرُّوا من الجبل في أثناء الحصار لحائل.

figure
أعضاء مؤتمر العقير.

فكتب إليه يذكِّره بأنهم من رعاياه، وأن عرب عنزى — والعمارات منها — هم أبناءُ عمِّ ابن سعود، وأنهم لا يأوون أعداءَه، ولا يساعدونهم عليه: «بل أنت يا فهد وعشائرك من رعايانا، ولك علينا حقُّ الحماية، اللهم إذا كنت من المخلصين.» ولكن فهدًا يفضل على ما يظهر الحماية الإنكليزية، وقد جاء محتميًا بالمندوب السامي ليسترضيَ السلطان عبد العزيز.

قال عظمته للمؤلف: «نحن دعونا السر برسي كوكس إلى العقير للنظر وإياه في أمرين؛ الأول: الشريف وأولاده، والثاني: الأتراك الطامعون الآن بالموصل. أما مسألة العمارات والظفير فحلُّها لا يستوجب مجيئنا إلى هذا المكان.»

ولكن السر برسي اغتنم هذه الفرصة ليُعيد البحث في اتفاق المحمرة، ويحدِّد الحدود بين نجد والكويت، وبين العراق ونجد، فجاء ومعه فريقٌ من السياسيين والأخصائيين وكَتَبة السرِّ والخدَم.

وصل اليخت الذي أقلَّهم من البحرين في مساء اليوم السابع من ربيع الثاني، فأمر السلطان بإرسال الخيل إلى الرصيف، ونزل هو وحاشيته يلاقون الوفود، ثم عادوا بعد نصف ساعة إلى المخيَّم، فترجَّلوا أمام سرادق الاجتماع الذي أُنِير بأنوار «اللوكس».

وبعد أن استقروا بالمجلس «اعتذر المندوب السامي؛ لأنه أبطأ في السفر، فقَبِل السلطان العذر، وشرع يُفصِح عمَّا كان يتَّقد في صدره، فجاءت الكلمة الأولى قنبلةً زعزعت المكان: «أنا لا أخشى إلَّا الرجل الذي لا شرفَ له ولا دين.» ثم قال: «لا ندري يا حضرة المندوب ما خفيَ من المقاصد، ولكننا نرجو منها الخير. وممَّا نعلم علم اليقين أن العشائر، خصوصًا عشائر العراق، لا ترتاح إلى حكومة قوية، بل لا تبغيها؛ لأن الحكومة إذا كانت قوية تضرُّ بهم وتؤدِّبهم، أما إذا كانت ضعيفة فتسترضيهم كما هي الحال اليوم. العشائر يا حضرة المندوب لا يفهمون إلَّا بالسيف. فهم إذا عاملتهم بالحسنى يتحكَّمون بالحكومة. أشْهِروا السيف يرتدعوا يتأدَّبوا. أغْمِدوا السيف ينهبوا، ويقتلوا، ويتقاضوكم فوق ذلك المشاهرات.»

فاهَ عظمتُه بهذه الكلمات وهو مديرٌ ظهرَه لفهد الهذَّال، ثم مال بوجهه إليه، وقال مبتسِمًا: «أليس كذلك يا فهد؟ «حِنَّا» نعرف بعضنا.» فضحك كلُّ مَن كان في المجلس، إلَّا شيخ العمارات الذي كان يحدِّق نظره في السجادة، ثم يرفعه خلسة إلى المندوب السامي، كأنه يقول: لا بارك الله ساعة جئتُ فيها معك.»١

هذه أول جلسة — وإن كانت غير رسمية — من مؤتمر العقير، تبعها جلسات خصوصية بين السلطان والمندوب السامي، وجلسات عمومية حضرها رئيس وفد العراق صبيح بك نشأت، والوكيل السياسي الميجر مور في الكويت والشيخ فهد الهذَّال. وكان الكتَّاب والمترجمون، والأخِصَّائيون من العرب في معرفة الآبار والطرق والمراعي، يؤمُّون خيمتي الصغيرة من حين إلى حين.

أعود إذن إلى مذكراتي في تلك الأيام.

في ٨ ربيع الثاني ١٣٤١ /٢٨ نوفمبر ١٩٢٢

اجتمع صباح اليوم السلطان والمندوب السامي، فخرج المندوب وفي جيبه تقرير طويل باللغة العربية، سألني عندما زرتُه بعد نصف ساعة في خيمته أن أترجمَه له. هو تقرير يتعلَّق بقبيلتَي العمارات والظفير، كان قد أعدَّه السلطان لمندوبه في مؤتمر المحمرة، وهو مكتوب في صورة السؤال والجواب: «إذا سألوك كذا وكذا، أجب كذا وكذا. وإذا ألحَّ المندوب الإنكليزي في أمرٍ من الأمور، اسأله إذا كان يتكلم بلسان حكومته أو بلسان حكومة العراق، فإذا كان بلسان حكومة العراق فالجواب هو أننا لا نتساهل بحقوقنا، وإذ كان بلسان حكومة بريطانية فجاوب: إكرامًا لحكومة بريطانية. هذا إذا كان من الأمور الثانوية، أما إذا كان من الأمور الجوهرية، فالجواب هو أننا لا نسلِّم إلَّا مُكرَهين. والحكومة البريطانية تفهم أن عاقبة الإكراه وخيمة.»

قرأتُ ما تقدم وترجمتُه كلمة كلمة، فلم يُظهِر السر برسي شيئًا من الاكتراث … إن للسلطان عبد العزيز مفاجآتٍ مُزعِجة …

«إذا سألوك عن العمارات قل إنها من عنزى، وعنزى كلُّها من أبناء عمِّ ابن سعود ومن رعاياه.»

figure
القصر في الرياض.
السر برسي: «عنزى العراق (أي العمارات) تُفضِّل أن تكون من رعايا العراق، أما عنزى سورية٢ فقد تُفضِّل أن تكون من رعايا ابن سعود، وله ما يشاء فيها.»

أضحكتني هذه الكلمة من السر برسي، فكأنه يقول: الذي عندنا هو لنا، والذي عند غيرنا — عند الفرنساويين — هو لك يا عبد العزيز إذا استطعت أن تستوليَ عليه.

في ٩ ربيع الثاني  (٢٩ نوفمبر)

قد زلَّ اليوم المندوب السامي، فبعد جلسة طويلة وعظمة السلطان استدعى إليه عبد اللطيف باشا المنديل، أحد المستشارين يومئذٍ لعظمته، ففاوضه مفاوضة استمرت نصف ساعة، وأعطاه صورة كتابَين، كُتِبا بقلم الرصاص وباللغة الإنكليزية؛ ليُسلِّمَهما إلى السلطان. فأرسل عظمته يدعوني إلى الفسطاط، ممَّا يُؤسَف له في مثل هذه الحال ألا يكونَ للمندوب السامي ولا للسلطان ترجمان يُحسِن الترجمة. فإنكليزية الدكتور عبد الله، مثل عربية الميجر دكسون، لا تصلح الأمم.

ترجمت الكتابين، وكان السلطان أثناء الترجمة يتزحزح في مجلسه ويضرب السجادة بعصاه.
  • (١)

    الكتاب الأول، الذي يسأله المندوب كتابته، هو إلى الملك فيصل جوابًا على كتاب من الملك يفترض وصوله. وفي هذا الكتاب يقول: بناءً على تعهُّدات الحكومة البريطانية في معاهدتي وإياها، أقبل الاتفاق الذي عُقِد في مؤتمر المحمرة.

  • (٢)
    الكتاب الثاني يكتبه إلى السر برسي كوكس ليُخبرَه بالكتاب الذي كتبه إلى الملك فيصل، ويزيده علمًا بأن واحدة من التعهُّدات المذكورة في ذاك الكتاب تتعلق بالمادة الثانية من المعاهدة٣ وفيها أن الكلمات «أية دولة أجنبية» يجب أن تشمل أيضًا حكومات الحجاز والشرق العربي والعراق؛ أي إن الحكومة البريطانية تتعهد أن تحمِيَ بلاد نجد، إذا ما تعدَّت عليها إحدى هذه الحكومات الثلاث.

قال السلطان وهو يتميَّز غيظًا: «ومَن قال للمندوب السامي: إن ابن سعود يخاف الشريف وأولاده. لا والله، «حِنَّا» في غنًى عن الحمايات، إذا كان المعتدي علينا من العرب.»

وقد ساءه خصوصًا أن يقول له المندوب، بقلم من الرصاص على قصاصة من الورق: ماذا يجب أن يكتب إلى الملك فيصل أو إلى الحكومة البريطانية؟

دخل وأنا أترجم الكتابَين بعضُ رجال السلطان، فأومأ إليهم أن اخرجوا، فاستمروا ماشين في الفسطاط، وخرجوا من الباب المقابل للباب الذي دخلوه، فاستأنف عظمته الحديث، ثم هتف قائلًا: «لا نخاف إلَّا الله.»

وكان المؤذن ساعتئذٍ يؤذِّن لصلاة الظهر، فنهض يلبِّي الدعوة، وهو يقول: «سنصلي سنصلي.»

في ٩ ربيع الثاني (مساءً)

رفض السلطان بتاتًا أن يكتب الكتابَين اللذَين أشار بكتابتهما المندوب السامي.

في ١٢ ربيع الثاني  (١ ديسمبر)

قد تمَّ الاتفاق بين السلطان ومندوب العراق على الحدود النجدية العراقية، وتقررت بقعة الحياد بين البلادين، بقعة تُدعَى العونية فسُمِّيت هُزْءًا قطعة بقلاوة؛ لأنها في شكلها مربع شبيه بالمعين rhomboid (راجع الخارطة) وفي هذا التحديد تقرر أيضًا مصير العمارات والظفير الداخلتَين في أرض العراق، المعدودتَين الآن من عشائره.
يظهر أن السر برسي أقنع السلطان أو أنه أرضاه بما يقابل تنازُله عن هاتين القبيلتَين … قطعة بقلاوة للجميع! ومَن يكبح جماحَ القوي إذا ردَّ عنها الضعيف؟ بقعة خصبة للمرعى، وفيها آبار عديدة، لا هي لَكُم يا عرب العراق ولا هي لنا، ولكننا إذا ارتَدْناها مسلَّحين، ولم يكن فيها ما يكفي غير مواشينا من الماء والكلاء، فمَن ذا الذي يردُّنا عنها، ومَن ذا الذي يستطيع أن يحرمنا؟ إنه لصلح صغير، مثل الذي كان يُعقَد في بعض الأحايين بين ابن سعود وابن الرشيد. وليت شعري هل في لوزان٤ اليوم يعقدون صلحًا صغيرًا أم كبيرًا؟

في ١٣ ربيع الثاني  (٢ ديسمبر)

وقد تمَّ الاتفاق بين السلطان والمندوب السامي والوكيل السياسي في الكويت الميجر مور على بقعة حياد بين البلدين؛ لتَقيَ عربان الكويت وعربان نجد شرَّ التصادُم. وهل يدري العربان بالمعاهدات؟ وهل يحترمونها إذا ما جدبت الأرض وخرجوا كلُّهم «ينشدون الحيا»، يطلبون المرعى والماء؟ هو صلح آخر صغير. وقد يدوم مع ذلك أكثر من صلح العراق … علمت أن السلطان طلب توسيع حدود الجوف لقاء تنازُله عن العمارات والظفير، وأن السر برسي وعده بذلك.

في ١٣ ربيع الثاني (مساءً)

من بشائر الخير في هذا المؤتمر للبلاد العربية كتابٌ كتبه الملك فيصل بخطِّ يده إلى السلطان عبد العزيز، إلى «أخي العزيز» وأرسله مع رسوله الخاص عبد الله بن مسفر جار فهد الهذال في المخيم الأوروبي. الكتاب مدبَّج بأرقِّ العبارات الولائيَّة، وفيه ما يدلُّ على أن جلالة الملك يرغب رغبةً حقيقية في الصلح ليس بين العراق ونجد فقط بل بين نجد والحجاز. فهل ينبُذ فيصل خطة والده؟ وهل يستطيع أن يوفِّق بينه وبين السلطان عبد العزيز؟ ها هنا أساس الصلح الكبير والسلم الثابت في البلاد العربية. ستُبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا.

وجواب السلطان على كتاب الملك يُنبئ بالخير … عسى أن يتوفَّقَا إلى اجتماع شخصي خاصٍّ … إني متيقِّن أن السلطان عبد العزيز راغب في ذلك، ولكنه في الوقت الحاضر منحرِف المزاج، وقد طالت إقامته في الحساء. فهو يبغي الرجوع إلى الرياض. ولا بأس إذا بُحْتُ بسرٍّ واحد من أسرار الملوك. إن هناك رغبة في الاجتماع بدون واسطة الحكومة البريطانية.

في ١٤ ربيع الثاني (٣ ديسمبر)

آخر ما ترجمته لعظمة السلطان صورة برقية أرسلها السر برسي كوكس إلى المستر اتشرشل (يومئذٍ وزير الخارجية) يقول فيها: إن ابن سعود طلب أن تكون قريات الملح في الجوف تابعة لتلك الناحية وبالتالي لنجد. وهو، أي السر برسي، يشير بالقبول، بل يقول: أكدت لعظمته أن ذلك يكون مقبولًا لدى حكومة جلالة الملك.٥

•••

نأخذ من ابن سعود لنعطيَ العراق، ونأخذ من شرقي الأردن لنعطيَ ابن سعود، ونأخذ من الحجاز (العقبة) لنعطيَ شرقي الأردن، وممَّن نأخذ لنرضيَ الحجاز؟

١  منقول من «ملوك العرب»، ومن شاء الزيادة فليراجع الفصلين الثامن والتاسع من القسم الخامس، الجزء الثاني.
٢  أي الرَّوْلة، وهي تلفظ أرْوَلة.
٣  المعاهدة المقصودة بهذا الكلام هي معاهدة دارين؛ أي معاهدة ١٩١٥ التي أُلغِيت بعدئذٍ رغب دفع مائة وستين ألف ليرة لابن سعود.
٤  مؤتمر لوزان ومؤتمر العقير عُقِدا في وقت واحد، ولكن الأول استمر بضعة أشهر والثاني انتهى في خمسة أيام.
٥  بموجب اتفاقية حداء بين نجد والشرق العربي المثبوتة في الملحق قد ضمَّت قريات الملح إلى الجوف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤