عريس

(١)

صلينا صلاة العشاء في جماعة، ونحن لسه في البرش، قال لي أخوي آدم: يا موسى، عليك الله، تخلي قلة أدبك وتبقى ود ناس، وأمور الحرمنة والشفتنة دي تسيبها ولو مرة واحدة في حياتك، بس عشان خاطر أمك المسكينة المشلولة دي، القاعدة في بيت أحسن منه الكوشة، وكل يوم الحكومة (مكسراو)، عليك الله شوف قدامك ووراك وابقى زول! تنفع نفسك وتنفعنا معاك، باب التوبة مفتوح يا موسى؟

قلت ليو: ربنا يهديني ويسترني مع الناس ديل، الزمن دا الشغل ما بيتلقي بالساهل.

(٢)

جاء المأذون، قرأ قرآن كتير، ودعا أدعية كتيرة، صلينا وراه ركعتين لله، بعد داك عقد لينا كلنا العشرين في وقت واحد، بصراحة أنا كنت ملاوز، ولكن اتذكرت كلام آدم أخوي: يا موسى الملاوز ما بيكسب، خت الرحمن في قلبك. لكن الشيء اللِّي أقنعني أكتر لما شفت عروستي، كانت أجمل واحدة في العشرين عروس، لونها زي اللبن، وصغيرة وطويلة، وعندها شعر نازل حتى جعباتها، سمينة ولينة، وعيونها صغار، ولكنهم لعينات ومغريات تقول عيون بت إبليس! كل مرة كانت تقول لي بدلع: أنت… محظوظ ود كلب.

كنت بسكت ساكت، بعاين ليها وبتوعدها في سري بأمور عجيبة حاتعرفها في وقتها لما نصل الفندق.

أنا مندهش من نفسي وروحي وحظي، الحافلة الكبيرة اللموزين المليانة بأربعين من العرسان كانت بتجري بسرعة رهيبة على الزلط المكسَّر في اتجاه «الجراند فيلتش»، بَدَأَتِ الغناء عروس صوتها جميل، وكلنا عرفناها لمَّا بدأت أول مقطع من أغنيتها، وصرخنا في صوت واحد: زهور القضارف، زهور القضارف.

حتى عريسها نفسه اندهش: أنا متزوج من أشهر فنانة شباب في السودان، وما عارف!

قعدنا نبشر ونشيل وراها وننتشي، والعروسات يزغردن ويرقصن في مقاعدهن، وفي عرسان شالتهم الهاشمية وباسوا عروساتهم عديل في الحافلة وقدام الناس، بشرنا نحن عليهم وقلنا ليهم: مبروك.

قلنا للسواق: عليك الله يا أوسطى ودينا جناين امتداد ناصر، نهيِّص شوية ونعمل حِتة بارطي، على الأقل نتعرَّف على بعضنا أكتر وبعدين نمشي الفندق … قال لينا: أنا والله ملتزم بزمن لو ما كده كنت وديتكم.

– نَزِّلْنا كويس هناك ونحن نأجر لينا حافلة تانية عشان ترجعنا بطريقتنا الخاصة.

الحفلة حفلة تاريخية، الناس اللِّي كانوا في رحل قدامنا خلوا فنانيهم وجو يحضروا حفلتنا، كشف شديد، حت شديد، تجدع شديد، ألم شديد، وصوت زهور القضارف بدون ميكرفون وبدون ساوند سيستم، بدون آورقن وإيقاع، كان براهو أوركسترا، ولمان تقول ليك:

جياشا … جياشا … ووب عليَّا أنا،
جياشا … والجيش نقلو فتاشة،
كر علي.

لو كنت زول صالح وتقي عديل زي آدم أخوي أو المأذون اللِّي عقد لينا ذاتو، حتنمسخ.

(٣)

جاء البوليس، بوليس النظام العام، سأل: وين التصريح يا جماعة؟

قالت له زهور القضارف بعدما لمت توبها وجدعت يدينا المملوءة بالغوايش في الهوا ولوت شفتيها الكبيرات لويتين رايعات وصفقت: تصريح شنو يا جنابو؟

– تصريح الحفلة دي.

– سجمي يا جنابو، أنت ما بتعرف القانون ولا شنو، الحفلة العايزة تصريح اللِّي فيها ساوند سيستم أو ميكرفون أو مسجل عندو سماعات وصوتو عالي أو أورقن أو آلات موسيقية فيها سماعات … ولكن دي حفلة بالخشم ساكت، دي ما فيها تصريح حسب قانون النظام العام لولاية الخرطوم ١٩٩٩م المعدَّل في ٢٠٠١م.

ودوى التصفيق والصفير والكشف، وهتف الناس بصوت واحد: دا الكلام، دا العلم!

قال العسكري: أنا حأوريكم القانون، وأوريكم الكلام اللِّي ما بتعرفوه، والعلم اللِّي ما سمعتو بيه. ومشي عشان يجيب قوة إضافية، ونحن أخذنا الحافلة ومشينا الفندق.

(٤)

لما جينا الخرطوم ونزلنا من اللوري، قابلنا آدم أخوي ومعاه صحبانه، وقسمونا؛ أنت تنفع تبيع موية، وأنت تبقى مداح، إبراهيم أنت تنفع تبقى فنان شبابي، بس احفظ شوية أغاني حقيبة، أنت تنفع إمام جامع.

– أنت يا موسى تنفع عريس.

– لكن أنا ما بعرف أمثل.

رد لي سيد الوكالة مبتسم: الحكاية ما تمثيل عرس جد جد، بمأذون، وقسيمة وكل شيء، حتى شهر العسل، تمشي تقضي شهر العسل حسب حظك في السعودية أو الكويت أو أبو ظبي، بس في شيء واحد تعمله وهو المهم، لما تيجي من شهر العسل تيجي براك، تخلي العروس هناك عشان الوكالة تاني تعرس ليك.

فبراير ٢٠٠٣

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤