الفصل الأول

الزمن مقياس الحياة، ولولا الحياة لما كان الزمن، ولما كان للأشياء بدايات ونهايات.

ونهاية كل أمر بداية أمر آخر، فإذا اضمحلت أمة من الأمم وامَّحى من صحيفة البقاء كيانُها نشأتْ على أطلالها أمة أخرى وكيان آخر، فكلمة «الزمان» من مخترعات الإنسان، وضعها ليقيس بها الحياة، وليعبر بها عن سلسلة من الوقائع والحوادث والشئون، طويلة الأمد مختلفة الحلقات، فلهذه الكلمة مدلول وليس لها وجود.

وحياة كل امرئ زمان قائم بنفسه ونهاية زمنه بداية لحياة أخرى.

هاكم شجرة الدر التي نقصُّ اليوم سيرتها الغريبة؛ فقد كان بدء حكمها نهاية زمن جليل وعصر عظيم، أَجَلْ، فهي بدأتْ حكمها عندما أفَلَ نجمُ حكومة الأيوبيين العظام، وقد كان انبثاق هذا النور فوق أطلال الحكومة الأيوبية أول نجمة من نجوم الأمل في سماء دولة المماليك، لقد أنارت تلك الشرارة عصرها، فكانت شجرة الدر حلقة الاتصال بين الأيوبيين والمماليك وتمكنت بمهارتها من إظهار شخصية ذات رونق وجلال.

مصائب قوم عند قوم فوائد، كانت شجرة الدر ناصية مؤثرة بين مخدَّرات الإسلام، فهي فتاة تركية عالية القدْر، جميلة الصورة جذَّابة الملامح، ذات فراسة وتدبير، على علم واسع ومعرفة تامة، لها عزيمة ماضية وجأش ثابت، فاشتهر أمرها وطار صيتها في أقاصي البلاد والأمصار.

وإذا استثنينا بلاد الهند، فهي المرأة الأولى في الإسلام التي تقلدت المُلْك وأدارتْ دفة الحكم بمهارة ودراية، لم يكن من المألوف المعهود في بلاد الشرق أن تحكم المرأة وتتولى زمام بلادها بنفسها مباشرة؛ ولذلك كثيرًا ما قرأت قصة حياتها مشفوعة بالاستغراب بين طيَّات بعض الرسائل والمخطوطات، والدهشة التي تملكت قلوب كاتبيها من أن امرأة تتوصل إلى الحكم بلقب الملكة عصمة الدين.

إن وصولها إلى أمر كهذا غير مألوف من أبناء قومها دليل فطنة ودراية وذكاء فائق الحد، أجل، فمَن من النساء المسلمات توصلت إلى ضرب النقود وقراءة الخطب على المنابر باسمها؟

كانت في أول أمرها جارية ظريفة يحبها الصالح نجم الدين الملك السابع في حكومة الأيوبيين، فولدت له غلامًا سُمِّيَ خليلًا، وتزوجها بعد ذلك وأشركها في الحكم، كان الملك الصالح يُجِلُّها ويخصها بالاحترام ولقد أظهرت قدرة خارقة للعادة في إدارة الأمور، أدهشتْ معاصريها.

شاركتْ شجرة الدر زوجها في إدارة الحكم منذ كان وليًّا للعهد، يحكم دمشق من قِبَل أبيه «الكامل» فأمدَّتْه برأيها وأعانتْه بفكرها وكانت الزوجة الصالحة، شريكة العمر وصديقة الحياة، فبدأ يشعر بقيمة هذه المعونة الأدبية ويقدرها حق قدرها ويُسرُّ بها.١

دار الزمان دورته ومات «الكامل» فاضطر الملك «الصالح» إلى العودة إلى مصر، مقر العرش والحكم، تاركًا وراءه ذكريات لذيذة من أيام الهناء بين رياض دمشق وحدائقها الغناء، هنا بدأتْ متاعبه وجهوده؛ فقد كثرت الفتن واشتدت الغارات في أول توليه الحكم، فكان لا ينتهي من قمع فتنة حتى يرى نفسه أمام غارة خارجية تهدد كيان البلاد فيعمد إلى صدها وكبح جماح الذين يريدون بمصر شرًّا، ولا يكاد يدفع ضررها حتى يسمع باندلاع لهيب فتنة أخرى في قلب البلاد فيسرع نحوها، كل هذه المشاغل والمتاعب صيَّرتْه قَيْدَ جواده لا يفارق صهوته ليلَ نهارَ.

كانت فتنة الشام أشدَّها مراسًا وأذكاها نارًا فحشد جنوده وطار إلى مكان الفتنة على رأس جيشه، وبعد أن كابد المرائر في سبيل قمعها انتصر على العاصين وتمكن من الضرب على أيديهم وتأديبهم، ولكن لم يتيسر له أن يجني ثمرة النصر وأن يهنأ بسعادة الفوز؛ لأنه أصيب بداء عضال أقعده في فراشه شهورًا طويلة.

كان يتوق إلى رؤية وطنه مصر ويذوب شوقًا وحنينًا إلى نيل بلاده العذب، فيقعده الرغبة في إنجاز ما ندب نفسه إليه من القضاء على الفتنة واجتثاثها من أصولها وعدم القيام من دمشق قبل تمام الشفاء، وبينما هو يتململ على فراش الأوجاع والأوصاب، بين لذيذ الأماني والآمال، إذا برسالة من زوجته شجرة الدر التي كانت تحكم البلاد أثناء غيابه، تخبره فيها بقيام الصليبيين من قبرص متوجهين إلى مصر، فقام من فَوْره محمولًا على هودج حتى وصل المنصورة في بضعة أيام قاسَى أثناءها أشد المتاعب والآلام.

١  الدر المنثور.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١