الأدباء يعقدون مؤتمر جنيف

الزمن: شتاء ۱۹۷۲م.
المكان: الطابق السادس بجريدة «الأهرام» بالقاهرة.
وصوت توفيق الحكيم على الطرف الآخَر من سماعة التليفون، يقول لي بصوت عالٍ، ولكنه متقطِّع: اسمع … أنا بعتلك آنسة ظريفة، مصرية من أمريكا، تريد أن تتعرف عليك وعلى الجماعة في «الطليعة» … بتحب الثقافة والسياسة … دكتوراه من «هارفارد» … ياللا يا عم … ابسط!

وظننت أنها إحدى مداعبات الحكيم، ردًّا على المشاغبات التليفونية الدائمة بيننا، ولكني بعد أقل من دقيقة واحدة رأيت أمامي فتاة لها وجه طفلة وجسد متضخِّم … سريعة الكلام بالإنجليزية ركيكة الفهم للعربية، لا تطيل عبارات التعارف الأولية، وكأنها صاحبة بيت تجلس قائلة بلا مبالاة لدهشتك: أنا سناء حسن … أُعدُّ دراسة للجامعة حول مواقف الثقافة المصرية المعاصرة من أهم القضايا التي تَعني الإنسان المصري، وتُقلق مصيره حتى ولو لم يكُن واعيًا بها.

ولا تردُّ عليك حين تقاطعها مُستفسِرًا ماذا تشرب، وإنما تستمر كطوفان بلهجة أمريكية حاسمة: قابلت المسئولين السابقين والحاليين: محمود فوزي، عزيز صدقي، زكريا محيي الدين … إلخ.

ويقاطعنا صوت التليفون، وأقول لها: مكتب هيكل يطلبك … موعدك معه الآن.

بعربية مكسرة تردِّد كما أن الأمر لا يعنيها: معلش … بعدين … المهم، هناك أعداد كثيرة من «الطليعة» أحتاجها … أريد كتبك، خصوصًا المصادرة، لديَّ أسئلة أطلب منك جوابًا عنها.

ثم …

دارت على جميع الزملاء و«الأسطوانة» هي هي … أقبلت حوادث الطلبة والمثقفين فزادت سناء من تحرُّكاتها رغم العرج الخفيف في إحدى ساقَيها الثقيلتين بالطبيعة.

وسألت عنها …

قيل لي إنها ابنة أحد باشوات مصر السابقين، وكان سفيرنا في واشنطن أيام الملك. وقد وُلدَت في أمريكا وعاشت. وهي تزور مصر للمرة الأولى بتوجيهٍ من أستاذها الصهيوني المعروف «صفران».

ولكن هذا كله لم يضع يدي على «المفتاح» السحري الذي يفتح لها أبواب الكبار في مصر.

ثم سافرتُ أنا إلى بيروت، وتركتها بالقاهرة، ولم يعُد يعنيني من أمرها شيء.

حتى فاجأني أحد الأصدقاء بأن «تحسين بشير» — مساعد المستشار الصحفي لرئاسة الجمهورية حينذاك — قد تزوج، فلما سألته: مَن تزوج هذا العازب الخالد؟ أجابني: «سناء حسن»!

دهشتُ فترة قصيرة لفارق السن بينهما فقط، وسرعان ما نسيتُ الموضوع.

إلى أن كانت المفاجأة الحقيقية، وإذا «بالنيويورك تايمز» تنشر مقالًا لسناء حسن في مكان بارز، مُرفَقًا بصورتها (الوجه فقط طبعًا).

كانت المفاجأة بالنسبة إليَّ أن تُفرِد الصحيفة الأمريكية الكبرى حيِّزًا — أي حيِّز — لقلم بنت مصرية مغمورة لا يعرفها أحد … مجرد طالبة ذكية بالدراسات العليا بإحدى جامعات الولايات المتحدة استقبلها السياسيون المصريون — ربما — بهذه الروح لا أكثر.

ولكن مقال «النيويورك تايمز» كان مثيرًا … وكأنه لكاتب عتيد متمرِّس على المصطلحات السياسية والخبرة بالفكر السياسي.

راحت سناء تقول:
  • آنَ الأوان ليفهم العرب أن إسرائيل «أمر واقع» لا بد من الاعتراف به … لا دبلوماسيًّا فحسب، بل ثقافيًّا وتجاريًّا وسياحيًّا. وعلى العرب أن ينهلوا من المَعين الحضاري لإسرائيل لا من الغرب، فهي أقرب.

  • آنَ الأوان ليفهم العرب أن الحروب لا تحل المشكلات المُعلَّقة بينهم وبين جارتهم المتفوِّقة ديمقراطيًّا وحضاريًّا، وإنما «السلام» هو القدر الوحيد الذي يجدر بهم — أي العرب — الوعي به بدلًا من سلوك الطريق «الأوديبي» الأعمى.

  • لقد أخطأ العرب في حق الحضارة والتقدُّم والتاريخ برفضهم التقسيم عام ١٩٤٧م، وما زالوا يخطئون بالإرهاب الهمجي الذي يشنونه بين الحين والآخَر سواء أكان إرهابًا منظَّمًا بواسطة الجيوش أم إرهابًا فوضويًّا بواسطة المنظمات غير المسئولة.

  • والحل الواقعي هو توطين الفلسطينيين في الدول العربية وقيام كيان رسمي لهم ضمن المملكة الأردنية، والاعتراف العربي الشامل بالدولة اليهودية.

بعد هذا المقال مباشرةً اهتمَّت الإذاعات ومحطات التلفزيون الأمريكية بسناء حسن اهتمامًا مثيرًا، وعقدت بينها وبين المثقفين اليهود لقاءات حية بالميكروفون وعلى الشاشة الصغيرة، ودَعَتها الجامعات لإلقاء المحاضرات حول أفكارها، وأصبحت «نجمة» في فترة قياسية!

وذات صباح، حملق القنصل الإسرائيلي في نيويورك في جواز السفر المصري المقدَّم إليه من «سناء حسن» تطلب تأشيرة دخول إلى إسرائيل.

وذات صباح آخَر، حملق ضابط إسرائيلي في مطار اللد في نفس الجواز.

ودخلت سناء حسن إسرائيل!

وكان التعليق المصري الوحيد على كل هذا الضجيج هو إعلان تحسين بشير أنه طلَّقَها!

ولكنَّ أحدًا في مصر لم يراجع تحركات سناء حسن الواسعة داخل مصر في شتاء ۱۹۷۲م وربيع ۱۹۷۳م.

لم ينتبه أحد إلى طبيعة «المهمة» — الثقافية! — التي فتحت لها كل الأبواب المُغلَقة.

وكان أحد هذه الأبواب أرشيف جريدة «الأهرام»، فقد كان في هذا الأرشيف كنز لا يخطر على بال، ضمته حقيبة سناء حسن بهدوء شديد.

هذا الكنز هو ملف الندوة الكاملة التي جرت بين الرئيس معمر القذافي ومجموعة من ألمَع الكتَّاب المصريين … وكانت «الأهرام» قد نشرت ملخَّصًا حول القسم الأول من الندوة عن الإسلام والشيوعية والرأسمالية. ولكن القسم الثاني لم يُنشر إلى الآن، ويدور حول مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي. وكان سبب عدم النشر أن اثنين من كبار الكتَّاب المصريين هما: توفيق الحكيم، وحسين فوزي قالا بالحرف الواحد إنهما يريان الصلح مع إسرائيل هو المخرج الوحيد من الأزمة!

ورأى هيكل في ذلك الوقت أنه لا ضرورة لنشر هذا الكلام الذي فاجأ القذافي مفاجأة صاعقة!

والسؤال الآن أوجِّهه إلى أستاذنا توفيق الحكيم: لماذا كنتَ نشيطًا في تعريف سناء حسن بالمثقفين المصريين يا صاحب «عودة الوعي»؟ لماذا؟ ألم يئن الأوان لتروي القصة من البداية … فالأرجح أن سناء حسن سوف تكتب النهاية حين تنشر محاضر الندوة التي أعلنتَ فيها بصراحة تُحسَد عليها (أنت ورفيق نضالك حسين فوزي) أن الصلح مع إسرائيل هو الحل الوحيد … وأما الفلسطينيون فليحلوا مشكلتهم بأنفسهم!

•••

والفلسطينيون يحلون مشكلتهم بأنفسهم، ولكن بعضهم ممَّن لمعت وجوههم داخل الأرض المحتلة على نيران «المقاومة». ورحنا ننحت لهم التماثيل في أعظم ميادين العرب: قلوبهم، هؤلاء كانوا على موعد مع سناء حسن. إنها وقد عثرت على «كنز» الندوة الأهرامية في مصر كوثيقة ترفعها في وجه «الصقور» داخل إسرائيل قائلة إن «أكبر المثقفين المصريين» يطلبون الصلح معكم من زمان، من قبل الحرب … ها هي تذهب إلى الطرف الآخَر «الفلسطيني» الذي ينشد الأناشيد فتتغنَّى بها الأمة العربية من الخليج إلى المحيط … إنها في طريقها إلى مَن يُسمُّون أنفسهم أو يُسمِّيهم البعض «شعراء المقاومة».

إنها تذهب إليهم وفي يدها نسخة من مسرحية سميح القاسم «كيف رد الرابي مندل على تلاميذه»، وهي المسرحية التي تُرجمت إلى معظم لغات العالم الحية على «الستنسل» وكأنها منشور ثوري.

والمسرحية المذكورة عبارة عن مقال سياسي مباشر مُقسَّم إلى ثلاثة أدوار: أحدهما عربي «رضوان»، والثاني إسرائيلي «شلومو»، والثالث دولي «العالم» … يقتتل العربي والإسرائيلي حين يدَّعي كلاهما ملكية الحديقة «فلسطين» ويتدخل «العالم» مرة بإمداد الطرفين بالسلاح، ومرة أخرى بأغصان الزيتون. ويتلاحم العربي والإسرائيلي مرة جدًّا وأخرى لعبًا. وينتهي بهما الأمر لأن يستمعا إلى نصيحة «العالم» القائلة:

«حوار عقيم لا طائل من تحته، كلاكما هنا، حقيقة واضحة وأمر واقع. والسؤال المهم هو: كيف يمكن العمل على أن تكون إقامتكما هنا طيبة وهادئة ومثمرة؟ هذا هو السؤال.»

والعربي — رضوان — يحب راحيل ودافيد؛ ليثبت أنه ليس معاديًا للسامية، ويجيد العبرية أيضًا. يحب راحيل لزرقة عينَيها، ويحب دافيد، لأنه يؤمن بوحدة الطبقة العاملة سواء أكان العامل يهوديًّا أم عربيًّا.

وسميح القاسم في هذه المسرحية ليس مجرد مؤلف مسرحي، إنه وزملاؤه (شعراء المقاومة في الأرض المحتلة!) يشتغلون بالسياسة، وما يقوله ليس رأيًا فرديًّا، وإنما هو تيار يدعو صراحةً إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني من جانب العرب الذين يتحتَّم عليهم إلقاء السلاح والاحتكام إلى «العقل» … وهو التيار الذي يتهم المقاومة الفلسطينية علنًا بتخريب فرص السلام؛ ففي «نداء عاجل إلى شعوب المنطقة والعالم» كتب حنا إبراهيم وسميح القاسم وعصام العباسي وسالم جبران ونزيه خير، ونشرته جريدة «الاتحاد» التي تصدر بالعربية، بتاريخ ٧–٦–١٩٧٤م ما نصه:
«نحن — المُوقِّعين — أدناه، من الكتَّاب العرب واليهود، مواطني إسرائيل، نتوجَّه بهذا إلى شعوب المنطقة والعالم للعمل معًا وبصورة فردية، على إيقاف جميع أعمال الإرهاب والعنف نهائيًّا، ضد النساء والأطفال خاصة، وضد السكان المدنيين عامة، ونقرِّر:
  • (١)

    أن استعمال طرق الإرهاب، الشخصية أو الجماعية، في المنطقة أو في العالم، لنيل أهداف — أيًّا كان نوعها — يُسقط عن صاحبه حق تمثيل المصالح القومية والسياسية والدولية والإقليمية.

  • (٢)

    إنه لا يمكن لأية قضية من قضايا المنطقة أن تُحَل عن طريق العنف أو القتال.

  • (٣)

    إن المنظمات المسلَّحة والحكومات مناشدة بهذا أن تتخلى عن كل استعمال للعنف ضد المدنيين وأن تتهيأ لمحادثات سياسية.

    وبعد أن تحقِّق المنظمات والحكومات هذا الشرط، فإن الأطراف مدعوَّة إلى الاعتراف أحدها بالآخَر ولابتدار محادثات السلام.

  • (٤)

    إن الحكومات أو الجيوش أو المنظمات المسلَّحة التي تُقيم عن قصدٍ أهدافًا عسكرية وسط تجمعات السكان المدنيين، مسئولة بصورة مباشرة عن كل إصابة تلحق بمدنييها، بمستوًى ليس دون مستوى مسئولية أية قوة مُعادية تستهدفها بإصابتها حيثما كانت.

  • (٥)

    إن جميع حكومات المنطقة مدعوَّة إلى الاعتراف بحق جميع شعوب المنطقة ودولها في تقرير مصيرها، وبحقه في العيش بسلام وأمن وفي مقدِّمة ذلك حق الشعب اليهودي في دولة إسرائيل، والشعب العربي الفلسطيني في دولته.

  • (٦)

    إن هذه المنطقة تُعاني هستيريا سنين طويلة؛ حيث أصبحت الأعمال التحت-بشرية فيها جزءًا لا يتجزأ منها. وهذه الهستيريا ناتجة — مما نتجت عنه — عن الصورة التي تُدار بها الشئون السياسية في هذه المنطقة على جانبَي الحدود.

  • (٧)

    حل هذه القضية بصورة جذرية لن يبدأ إلا حين يُبتدَر حوار مباشر وجوهري بين الشعبين، لوضع حدٍّ للنزاع الطويل واللاضروري هذا.

  • (٨)

    هذا الحوار الجذري يمكن أن يُبتدَر إليه بالفعل، بمعونة جماعة واحدة معيَّنة، على جانبَي الحدود، هي: الكتَّاب والمثقفون العرب واليهود.

  • (٩)

    إن على حكومات المنطقة أن تساعد الكتَّاب والمفكرين، أفرادًا وجماعات، بالمبادرة لعَقْد لقاءات إسرائيلية عربية في دول محايدة لإعداد الخلفية السيكولوجية والمناخية — بعد فصل القوات — لنجاح مؤتمر جنيف.»

وكان البيان قد تصدَّرَته هذه السطور:
«يُرجى من الكتَّاب والمفكرين في إسرائيل وفي الدول العربية وفي العالم أجمَع الذين يودون الإعراب عن تجاوبهم مع هذا النداء أو الانضمام إليه أو المساعدة على نشره، وكذلك ممَّن يود الإسهام في تمويل نشر هذا الإعلان في صحف أخرى، في إسرائيل وخارجها، أن يتوجهوا إلى العنوان التالي: … … تل أبيب.»١

وليس البيان — على هذا النحو — منشورًا سرِّيًّا ولا مقالًا عابرًا، وإنما هو — على حد تعبير محمود درويش — «إعلان عن بداية نشاط عالمي لاستقطاب أكبر قدر من تأييد الأهداف التي تضمنها النداء العاجل».

ولم يكُن غريبًا أن تطلب سناء حسن أن تكون أول فقرة في برنامج زيارتها في إسرائيل هو مقابلة سميح القاسم و«رفاقه» … بل إن أول اجتماع عمل كان لقاء بين الموقِّعين على البيان من الفلسطينيين والإسرائيليين. وليس هذا كله، مهمًّا!

وإنما البيان قد وجد طريقه فورًا إلى الاستجابة … نشرَتْه وطبعَتْه صحفٌ سرِّية ومطابع تحت الأرض، وأذاعته مختلف الراديوهات التي يعرف موجاتها القليلون.

ولكن أول الغيث كان من القاهرة، وكان غيثًا علنيًّا إلى أقصى الحدود.

ولم يجئ الغيث من توفيق الحكيم الذي كان مشغولًا بالسؤال عن كيفية تحويل ٤٠ ألف ليرة لبنانية ثمنًا لكتابه «عودة الوعي» الذي يسبُّ فيه عهد جمال عبد الناصر.

ولم يجئ أيضًا من حسين فوزي الذي كان مشغولًا باختيار عنوان «ملاك الإرهاب» كتابه الجديد عن عبد الناصر أيضًا.

لم يجئ الغيث من أحدهما رغم أنهما «على الخط» مع البيان الفلسطيني-الإسرائيلي المضاد للمقاومة والداعي إلى الصلح.

وإنما هطل الغيث من كاتب طلب الراحة مؤخَّرًا من المناصب الإدارية ليتفرَّغ للكتابة، ويبدو أنه طلب الراحة من عناء «الموقف السياسي» فآثَرَ «أمس واليوم وغدًا».

جاء أول الغيث من إحسان عبد القدوس. ولست أعرف ما إذا كان إحسان أحد الذين قابلتهم سناء حسن بين أواخر ٧٢ وأوائل ۷۳، وما إذا كانت هناك علاقة شخصية تربطه ببعض «شعراء المقاومة في الأرض المحتلة».

ولكن الشيء المؤكَّد أن هناك تطابُقًا مثيرًا بين أولى مقالات إحسان التي نشرها في «أهرام» الجمعة (۲–۸–١٩٧٤م) ومعظم الأفكار التي وردت في بيان «المقاومين من أجل الاعتراف بإسرائيل» سواء أكانوا الشعراء الفلسطينيين أم تلميذة هارفارد. كذلك فإن إحسان لم يحضر «ندوة الأهرام» التي شهدت حماس الحكيم وفوزي للصلح مع إسرائيل، ولكن المؤكد أيضًا أن ما بينه وبينهما أكثر من توارُد خواطر.

… فإحسان، بطريقة أشبَه ما تكون بأسلوب سميح القاسم في مسرحيته المذكورة أي بطريقة المقال السياسي المُصاغ أدبيًّا، كتب تحت عنوان «أين صديقتي اليهودية؟» قصة طريفة مهَّد لها بذكاء مُرهَف عن تجربته مع الخلق الفني، وكيف أن هناك شخصيات واقعية توحي إليه بالفكرة أو الرأي الذي يريد أن يقوله في القصة أو الرواية. ومن بين هذه الشخصيات «جلاديس» الفتاة اليهودية التي كانت جارته في العباسية منذ الطفولة إلى الصبا.

وكما لو أن إحسان يريد أن يفتح «ملفاته» أمام إحدى الجهات لطلب التبرئة من تهمة لم ينسبها إليه أحد، يذكرنا بقصته القديمة «بعيدًا عن الأرض» التي استلهم فيها شخصية جلاديس وألبسها ثيابًا أمريكية يهودية، وأصبحت — في القصة — فتاة يهودية جميلة تجذب إلى غرامها شابًّا عربيًّا من مصر. ويدور بين القلبين — أو العقلين — حوار عنيف مؤداه أن الحرب بين اليهود والعرب تحول دون الحب. وقد جرب كلاهما أن ينسى الآخَر، رغم أنها جُندت في إسرائيل، وجُند هو في مصر. قبل ذلك قالت له: سأقتلك.

«قال: سأعفيكِ من قتلي … سأقتلكِ أولًا.

ودفنت وجهها في عنقه وهمست: يا حبيبي …

وافترقنا …

ووقف بسلاحه على خط النار … إن الرصاصة التي يطلقها قد تصيب ماريا، والرصاصة التي تقتله قد تكون رصاصة ماريا … ولكنه لا يريد أن يقتل ماريا، إنه يريد أن يقتل ساسون … ساسون الذي استولى على ماريا، في نيويورك وأرسلها لتجند في الهاجاناه … يريد أن يقتل الصهيونية لا اليهود … وقتل … وأسهم في معركة أسدود، ونال وسامًا … وانتهت الحرب.

وبعد خمس سنوات، سافر في عمله مرة أخرى إلى نيويورك … والتقى صدفة بماريا، وسألها في دهشة: متى جئت إلى نيويورك؟

وقالت: إني أقيم هنا.

قال: منذ متى؟

قالت: منذ خمس سنوات.

قال: وإسرائيل؟

قالت في حِدَّة: إني أمريكية.

– وإسرائيل؟

قالت وهي تنظر إلى بوز حذائها: تركتها.

قال وبين شفتَيه ابتسامة شامتة: لماذا؟

قالت ساخرة: لأني لا أستطيع أن أقتلك …»

نشر إحسان هذه القصة عام ١٩٥١م أي غداة النكبة مباشرة. وهي رغم التزاويق العاطفية قصة سياسية ترى الحرب — أي حرب — اغتيالًا للحب، أي حب!

كانت «ماريا» وجهًا أمريكيًّا لجلاديس اليهودية التي عرفها إحسان في صباه، والتي استوحى منها — كما يقول — العديد من قصصه. ثم سافرت جلاديس عام ١٩٥٦م إلى إسرائيل واكتسبت جنسيتها. ونساها إحسان تمامًا.

إلى أن كان هذا الصيف حين أراد أن يمضي إجازته بعيدًا عن السياسة والأصدقاء والمعارف، فاختار إحدى الجزر في المحيط الأطلسي في موازاة الساحل الأفريقي تُدعى جزيرة «ماديرا».

وهناك رأى جلاديس (صدفة أيضًا!) امرأة في السادسة والخمسين، تبيع الأحذية في أحد المتاجر، حصلت على الجنسية البرتغالية والفرنسية، بالإضافة إلى الإسرائيلية. ويدور بينهما هذا الحوار:

«– لا يمكن … إني أعرف أول سؤال ستواجهني به … لماذا تركت مصر؟ إن مجرد هذا السؤال يُدمي ذكرياتي.

قلت: لا … لن أسألك لماذا تركت مصر، ولكني أسألك … لماذا لا تعودين إلى مصر؟

قالت: إنه سؤال مجاملة بالأسلوب المصري كأن تقول لأحد المارة: اتفضل … اتفضل شاي … ولو تفضَّلَ لأحسستَ بنكبة تقع على رأسك.

قلت وشهوة التطلُّع واكتشاف الواقع تجتاحني: أنا لا أجامل … إني أتمنى فعلًا أن تعودي إلينا.

قالت وابتسامتها الضعيفة تنضح بالحسرة: إذَن فقد تغيرت … ليست هذه طبيعتك … ولا طبيعة أي مصري … هل تقبل عودة الزوجة الخائنة إلى زوجها؟ قلت: قد لا تكون خائنة … قد تكون قد اعتُدِي عليها أو غُرِّر بها. المهم ألا تكون الخيانة من طبيعتها.

قالت: وهل يقبلونني في مصر؟

قلت: لماذا لا يقبلونك؟

قالت: لأني يهودية.

قلت: إن كيسنجر يهودي، ورغم ذلك فهو صديق لنا كلنا.

قالت: إن كيسنجر يتحرَّك بصفته الرسمية لا بصفته يهوديًّا … إنه أشبَه ببائع في دكان، يرحِّب بالزبون ويخدمه، ولكن ليس على حساب صاحب المحل … لو اشتريت منِّي حذاءً الآن فسأنتقي لك أحسن ما عندي، وأضمن لك ألا يكون واسعًا ولا ضيِّقًا، ولكني أكثر حرصًا على ألا يخسر صاحب المحل سكودس واحدًا (عملة ماديرا) … هذا ما يفعله كيسنجر بينكم وبين إسرائيل … وأنا … أنا شيء آخر … أنا واحدة من الناس … وكنت واحدة منكم في مصر … ثم كنت واحدة من الناس في إسرائيل … ومَن أدراك … ربما كنت أحارب معهم!

قلت لمجرد أن أشدها إلى مزيد من الكلام: ولكن كيسنجر حارب مع إسرائيل أيضًا، كان هو الذي يضغط على وزير الدفاع الأمريكي ليحارب معهم، وكان نيكسون يؤيده … ثم انتهت الحرب … وأصبح كيسنجر ونيكسون صديقَين لنا.

قالت وابتسامتها الضعيفة تنقلب إلى ابتسامة ساخرة: هل تعتقد أن الحرب انتهت؟

وتوقفت برهة عن الكلام … لم يعُد هذا الأسلوب ينفع في حديثي مع جلاديس، ثم قلت: لا … الحرب لم تنتهِ!

قالت: هل تستطيع أن تحدِّد متى تنتهي؟

– لا … لا أحد يستطيع!

قالت: أي إن الحرب قد تبدأ من جديد!

قلت: ربما.

قالت: وإذا بدأت فأين يقف كيسنجر منها؟

قلت: يحاول وَقْف إطلاق النار ليعود بنا إلى الحرب السياسية.

قالت وابتسامتها الساخرة تتسع: كُن أكثر صراحةً معي … إن كيسنجر سيحارب معنا … أقصد مع اليهود … آسفة، أقصد مع إسرائيل … قد يستقيل ليترك غيره يتحمل المسئولية، ولكنه لن يترك إسرائيل وحدها أبدًا.

وسكت!

وعادت تقول: إذا كان هذا هو كيسنجر الصديق … فماذا تطلب مني أنا؟

قلت كأني أهرب منها: لا شيء!»

هذا هو نص الحوار الواقعي كما كتبه إحسان عبد القدوس بنفسه. ولا فرق يكاد يُذكر بين القصة «الفنية» التي كتبها منذ ربع قرن، والقصة «الواقعية» التي يرويها الآن، سوى أن الزمن قد ترك بصماته على المرأة وعليه، فلا غرام ولا هم يحزنون.

أي إن الرجل — إحقاقًا للحق — لم يتغير … فهذا هو فكره حول الصراع العربي-الإسرائيلي منذ البداية. ولكن المشكلة الحقيقية التي تواجهنا مع إحسان هو أن كل شيء قد تغيَّر حتى وإن لم يتغير هو. والمشكلة الثانية هي «التوقيت» الذي اختاره بعناية فائقة لنشر هذه الحكاية. والمشكلة الثالثة هي أن بعض ما جاء على لسان المرأة يكاد يكون بالحرف هو رأي عبد القدوس في كيسنجر ونيكسون وأمريكا.

•••

ماذا تغيَّر؟

تغير الفلسطينيون أولًا، فلم يعودوا «لاجئين» بل شعبًا ومقاومة.

تغيَّر العرب، وليس أدل من حرب أكتوبر على تغيرهم. تغيَّر العالم فأصبح لقضيتنا أصدقاء واضحين وأعداء واضحين. المعسكر الاشتراكي وفي مقدمته الاتحاد السوفياتي هو الصديق الحقيقي، حليفنا الاستراتيجي. والمعسكر الاستعماري وفي مقدمته الولايات المتحدة، هو العدو الحقيقي والحليف الاستراتيجي لإسرائيل.

ولكن إحسان يرى العكس. يرى أننا ما زلنا في «دوامة الحرب» وكأنها حلقة مفرغة بلا معنى. ولا يرى الفلسطينيين ومقاومتهم الثورية على الإطلاق. ولكنه يرى كيسنجر الصديق الذي يتصرف على نحو رسمي لا بصفته يهوديًّا. ولا يرى قوى التحرُّر والاشتراكية والاتحاد السوفييتي على الإطلاق. ولكنه يرى جلاديس وكأن لقاءهما هو المصير والقدر.

رؤية شيء أو عدم رؤيته، موقف.

وزمن الرؤية موقف.

ما موقف إحسان عبد القدوس؟

إنه ببساطة شديدة يعتقد مؤتمر جنيف الأدبي، ويجلس على مائدة واحدة مع سناء حسن وسميح القاسم والكتَّاب الإسرائيليين وكيسنجر وتوفيق الحكيم وحسين فوزي.

ويُدير الحوار الذي لم يبدأ رسميًّا بعدُ في قصر الأمم.

يُديره على صفحات الأهرام القاهرية، والنهار اللبنانية، والسياسة الكويتية، وما خفي من الإذاعات والصحف الأجنبية.

يُديره بمنطق الاعتراف والصلح، بمنطق إدانة المقاومة بتجاهلها، بمنطق الهزيمة لا بمنطق السادس من أكتوبر، بمنطق الصديق كيسنجر وإدانة السوفيات، بمنطق المثقف المصري المعزول في برج من العاج لا علاقة له بالجماهير العربية.

وهو منطق أقلية ضئيلة لا تمثِّل إلا نفسها، ولكن الضجيج الذي تثيره بأقوى أجهزة الإعلام من شأنه أن يضخِّم الصوت.

الصوت «الآخَر» لا الرأي الآخَر ليس بالتأكيد صوتنا.

ليس صوت مصر، ولا فلسطين، ولا الأمة العربية، وإنما هو «النشاز» الذي يستوجب البحث عن أصله ومصدره … يستوجب المحاكمة!

و …

كنت أزور صديقًا في أحد فنادق بيروت الكبيرة حين صادفني مراسل أجنبي أعرفه، ابتدرني بقوله: سوف أعطيك سبقًا صحفيًّا لا تحلم به، هو فكرة لرسم كاريكاتوري: خط تليفوني يربط بين القاهرة وإحدى العواصم الأخرى، وفي أحد طرفَي الخط أمسك بالسماعة إحسان عبد القدوس، وكانت على الطرف الآخَر سناء حسن، تقول ما معناه باللهجة المصرية: جريدة الأهرام … آلو … أيوه يا إحسان … أخبر أصدقائي، يا ناس يا عواجيز هنئوني … لقد أصبحتُ أجيد العبرية في مستوى سميح القاسم والله العظيم.

وهمس في أذني: لقد أدلى طالب إسرائيلي في هارفارد بتصريح قال فيه: إن في حوزة سناء «وثائق» تؤكد أنها ليست صاحبة الصوت الوحيد الذي يُنادي بالصلح مع إسرائيل، وإنما هناك مجموعة من أكبر العقول في مصر تنادي بنفس الرأي.

وابتسمتُ في داخلي وتذكرت كل شيء.

تذكرتُ أيضًا ما قد لا تعرفه سناء حسن … تذكرتُ شابًّا مصريًّا كان طالبًا في كلية الطب يُدعى «وجيه غالي»، وكان ينتمي إلى إحدى الحركات اليسارية، ولكنه استطاع الهرب إلى لندن. وهناك تلقَّفَته إحدى «الجهات» وكانت تعرف ميوله الصحفية وموهبته الأدبية. واستطاعت أن تُغريه بالسفر إلى إسرائيل، وعاد ليكتب مجموعة من التحقيقات المثيرة لجريدة «الصنداي تايمز» إلى جانب إسرائيل.

وزيادة في التكريم والغواية نُشرت له رواية في سلسلة بنجوين عن تعذيب في سجون مصر. وما زالت الرواية في المكتبات وعلى ظهر غلافها تعريف بوجيه غالي يقول إنه أول مصري شجاع يزور إسرائيل ويكتب عنها بحرية كاملة.

ولكن هذا «الرائد الشجاع» وُجد منذ عامين منتحرًا في إحدى غرف البنسيون الذي يقيم به في لندن! وترك رسالة بخط يده اعترف فيها بخطيئة العمر، أشارت إليها الصحف الإنجليزية بصورة عابرة؛ لأن البوليس احتفظ بها … فلم تكُن موجَّهة إلى أحد بالذات.

وهمستُ في أذن المراسل الأجنبي: سوف أبادلك السبق الصحفي الكريم. اكتب: فتاة مصرية بالجامعة تُدعى «سناء هاشم» أرسلت إلى إحسان عبد القدوس صباح السبت الماضي مكتوبًا يقول «إنني طالبة أقرأ لك بانتظام، وأعد رسالة عنوانها (الإنسان العربي في الرواية اليهودية) … ويبدو أننا أكثر تحضُّرًا — أو كذبًا — من اليهود، فنحن نصورهم كما قرأت لك أمس بطريقة فنية راقية … بينما قراءتي لأدبهم جعلتني أقشعرُّ وأنا أجمع الصفات الحيوانية الشيطانية التي يلصقونها بالإنسان العربي … الأدب معركة يا أستاذ وهم في مواقع الهجوم دائمًا، ونحن بأمثالك في مواقع الدفاع دائمًا. لماذا؟»

ولن يجيب كاتبنا الكبير على سناء هاشم.

لأنه كان قد اختار أن يكون في صف سناء حسن، غير أنه ينسى أن بنت الحاج هاشم هي صوت مصر الحقيقي … الصوت الباقي.

أما صوت سناء بنت حسن باشا فهي الصوت المزيف، والذي سرعان ما يزول.

١  تخلَّى سميح القاسم فيما بعد عن توقيعه على هذا البيان بعد أن استنكرته جريدة «الاتحاد» الشيوعية، كما أدانه الشاعر توفيق زياد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤