الرسائل

كتاب في التقاضي

أنا إن سألتك حاجتي — أعزك الله — وبسطت إليك يد رجائي فقد طرقت باب المكارم، واستمطرت غيث المراحم، ورجوت واحد الدهر همةً وحزمًا، ونادرة الوجود كرمًا وفضلًا، فإن أنجزتها فليست أولى الهمم، ولا واحدة النعم، فلكم سبقت إليَّ منك أيادٍ تخرس دونها ألسنة الشكر، وتضيق بها جرائد الحصر.

ولقد مثلت — أيدك الله — بين أن أستشفع إليك بذوي الجاه عندك، والزلفى لديك، وبين أن أَكِلَ ذاك إلى كرمك وفضلك، وما طُبعت عليه نفسك الشريفة من خلال الخير، وسجايا البر، فرأيت أنَّ الثانية بك أَحْرَى، وبفضلك أجدر، والسلام.

كتابة مقاطعة

أتاني كتابك وقد أبللتُ من مرض حبك، وصحوتُ من رقدةٍ طال عليَّ الغيب فيها حتى خفت أن تتصل برقدة الموت، فلم ترعني روائعك، ولا أجدى عندي اعتذارك، ولا أخذ حديثك من قلبي مأخذه من قبل. ولم أرَ بين سطورك ذلك النور الذي كان يملأ عيني روعةً، وقلبي هيبة، فالحمد لله الذي أدالني منك، وأعتقني من رقِّك، وكشف لي من مكنونك ما كشف غشاء الهوى عن بصري، فجفت الدموع التي طالما أذلتها بين يديك، وقرت العين التي كنت أساهر بها الكوكب شوقًا إليك، ولم يبقَ في خاطري من ذكرك إلا كما بقي في قلوب الناس من الوفاء. والحب شجرةٌ يغرسها الأمل في القلب، ثم يغذوها بمائه وهوائه، فلا تزال تشتجر أغصانها، وترف ظلالها، وترن أطيارها، حتى يعصف بها عاصف من اليأس فتموت. ولقد عالجت هذا القلب الشموس في الرجوع إلى سالف عهدك، وسابق ودك، فجمح جموح المهر الأرِن، وركب رأسه إلى حيث لا مطمع في أوبته. وله العتبى فيما فعل؛ فقد ملكني قياده برهةً من الزمان فأسأت عشرته، وخفرت ذمته، وأرغمت معطسه، وركبت به في سبيلك أخشن مركب، وأنهلته من جفائك وكبريائك شر منهلٍ، فما هو إلا أن أمكنته الغرة فانطلق انطلاق السجين من سجنه، والطائر من قفصه، فلا أوبة حتى يئوب القارظان، ويبلى الجديدان:

إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد
إليه بوجهٍ آخِرَ الدهر تُقبِلُ

كتاب تهكم

علمت أنَّ ساسانيًّا طرق بابك بالأمس، وما زال يكيد لك ويماحلك، ويتغلغل في مواضع الضعف من قلبك، حتى خدعك عن نفسك، واقتطف زهرةً من روضة مالك، وراح يفتر عن ثغرٍ باسمٍ، ورحت تقرع سن نادمٍ. فما هذا الخلق الغريب الذي تخلقته؟ وما هذا المذهب الجديد الذي اعتنقته؟ ومتى أقامك آدم وصيًّا على أولاده من بعده، تكسو عاريهم، وتشبع جائعهم؟ على أنَّ الفقراء في الدنيا قد ضاقت بهم خزائن الأرض والسماء، فكيف تسعهم خزائنك؟ وهل بين الدرهم الذي أعطيت، والدراهم التي أبقيت إلا حرفٌ واحد؟ فليت شعري من أين دهيت؟ ومن أي باب نفذ هذا الشيطان إلى قلبك؟! وإنَّ أخوف ما أخاف عليك أن تكون أتيت من باب تلك الخدعة الشيطانية التي يسمونها الرحمة، فإن كانت هي فالخطب عظيم، والبلاء جسيم؛ فإنك حيثما ذهبت وأني حللت لا تقع عينك إلا على يدٍ شلاء، ورجلٍ بتراء، وعينٍ عمياء، وصورةٍ شوهاء، وثوبٍ مخرق، وشلوٍ ممزق، وطريح على التراب سقيم، وجسم أعرى من أديم، فإن لم تفارق الرحمة قلبك فارق المال جيبك، فطفت مع الطائفين، وتسولت مع المتسولين، ثم لا تجد لك راحمًا ولا معينًا، فارحم نفسك قبل أن ترحم سواك، ولا تنسَ أن تردد في صباحك ومسائك، وفي مستأنف خطواتك، وفي أعقاب صلواتك، كلمة ابن الزيات: «الرحمة خورٌ في الطبيعة.»

وعلمت أنك دعيت إلى وليمة فلان فتحلب لها فوك، ورقصت لها أشداقك، فطرت إليها، ثم وقعت على خبزها وشوائها وفاكهتها وحلوائها مثلج الصدر، ثابت القدم، ساكن القلب، طيب النفس، كأنك لا تعلم أنها لذة الساعة ومرارة العمر، وشبع اليوم وجوع الأبد، وأنك إنما طعمت ما في الحبالة من الحب، تأكله اليوم ليأكلك غدًا. فمن لك بالنجاة من مضيفك إذا جاءك يومًا يتقاضاك دَينه، وقد حفت به كوكبةٌ من خلانه وصحبه، فطار لمرآه لبك، وتمشى له قلبك في صدرك، وخيرك بين لحم شاتك ولحمك، فالفقر إن منحت، والعار إن منعت. وأعجب من ذلك أنك ما برحت الوليمة حتى أخذ المغني مجلسه فسمعت وطربت، ومن طرب شرب، ومن شرب وهب، ومن وهب خرب. ولقد كان لك في انزوائك واعتزالك، واكتفائك بقرصك وزيتك، وخلوتك بصندوقك في كِسر بيتك، من حيث لا تزور ولا تزار، منادح عن هذه اللقمة التي أسهرت ليلك، وأقضَّت مضجعك، وأقعدتك على مثل روق الظبي خفيةً وحذارًا. فإياك والعود إلى مثلها يطُلْ غمك، ويسود عيشك، والسلام.

كتاب يأس

كتابي إلى سيدي ومولاي، والنفس بين جنةٍ من الأمل تَغَنُّ أشجارها، وترن أطيارها، وتشتجر أغصانها، وتعتنق غدرانها، وهاجرةٍ من اليأس تتلظى نارها، ويعتلج أوارها، وتحول بين الجفون واغتماضها، والجنوب ومضاجعها، والقلب يهبط به الخوف فيتمشى بين الأضالع مشية الطائر الحذر، ثم يدركه الأمن فيقر في مستقره، قرار الماء في نهاية منحدره. وحالي كحال هذه الدنيا، تضطرب ما بين فرحٍ وهم، وسرورٍ وحزن، وقبض وبسط، ومد وجزرٍ، أذكر الله ورحمته وإحسانه ورأفته وحنانه، فيشرق لي من خلال ذكراه وجه الحياة الناضر، وثغرها البارق، وجمالها الساطع، وبشرها الضاحك. ثم أذكر الدهر وصروفه، والعيش وحتوفه، والأيام وما أعدت في طياتها لبنيها من عثراتٍ في الخطوات، ونكباتٍ في الغدوات والروحات، وما أخذته من العهد على نفسها من الوقوف بين النفوس وآمالها، والقلوب وأمانيها، فألمس صدري بيدي لأعلم أين مكان قلبي من أضالعي، ثم أنثني على كبدي من خشية أن تصدعا، فليت الله يصنع لي فيمطر عليَّ قطرةً واحدةً من غيوث رحمته وإحسانه أبلُّ بها غُلَّتي، وأطفئ بها لوعتي، أو ليت القدر ينشب أظافره بين سَحْري ونحري نشوبًا لا يستبقي بعده عِرقًا نابضًا، ولا نفَسًا مترددًا، فيستخلصني من موقف أنا فيه كالمريض المشرف لا هو حيٌّ فيرجى، ولا ميتٌ فيبكى.

يقولون: «ما أضيقَ العيشَ لولا فسحة الأمل!» وأقول: ما عذب الله عباده بنازلة القضاء، وصاعقة العذاب، وطاغية الطوفان، والزلزال الأكبر، والموت الأحمر، والخوف من الجوع، والنقص من الأموال والأنفس والثمرات، بمثل ما عذبهم بالأمل الباطل! وما ليلة نابغية ضريرٌ نجمها، حالكٌ ظلامها، يبيت منها صاحبها على مثل روق الظبي خيفةً وحذارًا، فوق أرض تعرف جنانها، وتحوم عقبانها، وتزأر سباعها، وتعوي ذئابها، وتحت سماء تتهاوى نجومها، وتتوالى رجومها، وتتراكم غيومها، بأسوأ في نفسه أثرًا من رجاءٍ كاذب يتردد بين جنبيه، تردد الغصة بين لحييه، لا هي نازلة فيطعمها، ولا صاعدة فيقذفها.

قد أصبحت أحسد الوحوش الهائمة على وجوهها في بطون الأودية، وقنن الجبال، أن أراها ساربةً في مساربها، سارحةً في مسارحها، تتناول رزقها رغدًا من بوارق المصادفات، ومفاجآت المقادير، لا يعنيها الأسف على فائتٍ من العيش، ولا يقلقها الطمع في آتٍ من الرزق، قد قنعت من الماء بالكدر، ومن العيش بالجشب، فتساوى لديها شحمها ولحمها، وشيحها وقيصومها، وسعدها ونحسها، ونعيمها وبؤسها، فما تحفل بنوازل القضاء، ولا رجوم السماء، ولا تبالي أسقطت على الموت أم سقط الموت عليها!

فمن لي بهذا العيش من عيشٍ مَثَلِي فيه كمثل رجلٍ عثرت به قدمه فسقط في جوف بئرٍ بعيد غورها، ناءٍ مكانها، فما زال يتخبط ويضطرب، ويهب ويثب، حتى عثر بمرقاة علقت رجله بها، ثم تلمس أخرى غيرها، فما وجدها حتى بلغ منه الجهد أو كاد، فلم يصبر على الثانية صبره على الأولى فسقط، فخاف الغرق فعاد إلى تلمسه، فعاد إلى سقوطه، فلا هو بالغٌ رأس البئر فينجو من الموت، ولا هو بالغٌ قرارة الماء فينجو من الشقاء.

ارمِ بطرفك حيث شئت من الناس، هل تبصر إلا صريعًا صرعه أمله، أو قتيلًا قتله رجاؤه، أو صديقًا يشكو غدر صديقٍ كان يعده لنوائب الدهر فأصبح عون النوائب عليه، أو باكيًا يبكي وليدًا كان يرجوه لمستقبل دهره ففجعته الأيام فيه، أو ساعيًا دائبًا وراء غاية يطلبها من الدهر فلا يقرب منها حتى يبتعد عنها، ولا يمسك بها حتى تفلت من يديه، أو ساهرًا متململًا لولا أمله أن تنيله الأيام ما يشتهيه من هواه ما بات ليلة شاكيًا باكيًا، داعيًا مناجيًا، لا تراه إلا عين السماء، ولا تسمعه إلا أذن الجوزاء.

هذه حالتي، وذلك همي، وهذا ما وسوس لي أن أعتزل الناس جميعًا، وأفارق عشيرتي وصحبتي، ويراعي ومحبرتي؛ علَّني أجد في البعد عن مثارات الأماني ومباعث الآمال راحة اليأس، فاليأس خير دواء لأمراض الرجاء.

فهأنذا قابعٌ في كِسر بيتي، لا مؤنس لي إلا وحشتي، ولا أنيس إلا وحدتي، أتخيل البيت قبرًا، والثوب كفنًا، والوحشة وحشة المقبورين في مقابرهم، لأعالج نفسي على نسيان الحياة وأمانيها الباطلة ومطامعها الكاذبة، حتى يبلغ الكتاب أجله، وهذا آخر عهدي بك وبغيرك، والسلام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤