الباب الثامن

بلا بنادق غزوت المطاعم والفنادق

استيقظتُ صباح يوم الجمعة الموافق ١٥ من يوليو عام ١٩٧٧م وقد بيَّتُّ النية على ترك الفندق ماجستيكو والانتقال إلى الفندق الموجود بالدور الأسفل. كان عليَّ أن أتأكد أولًا من وجود مكانٍ خالٍ به. بعد أن تناولتُ إفطاري في القاعة الفاخرة الأثاث والتصميم، توجَّهتُ إلى موظف الفندق وأفهمتُه بأنني مُضطرٌ إلى ترك الفندق لعجز في ماليتي، فقطَّب جبينه وكأن كلامي لم يُقنِعه. قُلت: فندق ماجستيكو عظيم حقًّا وفاخر حقًّا. إنه آية في النظافة والذوق الرفيع والخدمة الممتازة مع ما يتحلى به موظفوه من أدبٍ جَم. عندئذٍ انفرجَت أسارير الرجل قليلًا، فدفعتُ له أجر المبيت ليلتَين، فسلمني إيصالًا بذلك. وفي الحال نزلتُ إلى الدور الثاني أسأل عن حجرة لي، غير أن الموظف اعتذر عن عدم وجود أماكن خالية بالمرة، فقلتُ لنفسي: فلأبحثنَّ عن فندقٍ آخر. واتَّكَلتُ على الله، فإذا بي أجد فندقًا آخر على بُعد خطواتٍ معدودة، ولكن موظف الاستقبال في هذا الفندق اعتذر أيضًا، عن عدم وجود أماكن، وأرشدني إلى فندقَين آخرَين. ولكني عُدت منهما بخُفَّي حنين، فاعتمدتُ على نفسي مرةً أخرى. عثَرتُ بعد ذلك على فندق هو في الواقع «هوستل» أي أقرب إلى البنسيون. وجدتُ بذلك الفندق حجرةً فسيحة جدًّا ذات حمَّام فسيح جدًّا، كأنني أدخل جناحًا مستقلًّا، بداخل الحجرة حجرةٌ صغيرة بها مقاعدُ وثيرة لاستقبال الضيوف إذا ما زارني أحد. لم أصدق عيني. ولما سألتُ الرجل عن أجرها قال: ٦٨٩ بيزيتا بالإفطار. فقلتُ بلا تردُّد: موافق. سأذهب وأعود إليك حالًا. قال: على مهلك. عُدتُ إلى فندقي الأول وحملتُ حقيبةً كبيرة وأخرى صغيرة وسِرتُ بهما في الطريق إلى أن بلغتُ الفندق الجديد، واسمه «هوستل جريدوس». لم يكن هذا البنسيون بعيدًا عن فندق ماجستيك بمسافةٍ طويلة؛ لذا رأيتُ أن استدعاء تاكسي ليسير بي مسافة مائة مترٍ أمرٌ يدعو إلى الضحك والغرابة أيضًا. عُدتُ إلى الفندق مرةً أخرى وحملتُ الحقيبة الثالثة الكبيرة الحجم بعض الشيء. وهكذا وجدتُ نفسي في الفندق الجديد ومعي منقولاتي، فدخلت الجناح، وهو فعلًا جناح بمعنى الكلمة. وفتحتُ حقائبي. وما هي إلا لحظاتٌ حتى أحسستُ بالحر الشديد يكاد يقتلني. وفوجئتُ بأن هذه الحجرة الفسيحة ليس بها غير نافذةٍ واحدة صغيرة تُطِل على منورٍ خانق، فدخلتُ الحمَّام وفتحتُ نافذته عسى أن يُحدث تيارًا من الهواء يعمل على تهوية الحجرة وتلطيف الحرارة فيها، ولكن دون جدوى؛ إذ كانت هذه النافذة تُطِلُّ على المنور نفسه. زالت فرحتي وشعَرتُ بأنني لن أستطيع النوم في الليل لا سيما وأن الحجرة تخلو كذلك من جهاز تكييف. لم يكن بوسعي أن أفعل شيئًا، فاستسلمتُ صاغرًا إلى حظِّي وقدَري. أنا الملوم عما حدث لي. فأخرجتُ من حقائبي ما عنَّ لي إخراجه، ثم غادرتُ الحجرة وذهبتُ إلى موظف الفندق كي أُسلمه مفتاح الحجرة؛ لأن النظام في إسبانيا، ولعله في عموم أوروبا، يُحتِّم عليك ترك المفتاح لدى مكتب الاستقبال كلما خرجتَ من الفندق. وبطريقة لا إرادية قلتُ للرجل ما يفهم منه أن الحجرة شديدة الحرارة. خاطبتُه بالفرنسية، وكنتُ أحسُّ بأنه يفهمني رغم أنه لم يردَّ عليَّ بكلمة واحدة، لا بالفرنسية ولا بالإنجليزية، وكأنه أدرك أنني فطِنتُ إلى «المقلب» الذي أعطانيه. وفي الحال أشار إليَّ بأن أتبعه وأراني حجرةً أخرى لا تقل اتساعًا عن الأولى، ذات حمَّامٍ كامل الملحقات. لم تكن هذه الحجرة بلا نوافذ، بل كانت تُطِل على الشارع العمومي بنافذةٍ كبيرة، فأبديتُ له إعجابي بها، وسألتُه عن أجرها فقال: ٥١٧ بيزيتا بالإفطار. فكِدتُ أطير من فَرْط الفرح. رُحتُ أحملق في الورقة التي كُتب عليها السعر وأنا لا أكاد أُصدق عيني. فقلت له إنني أُفضِّل الحجرة الثانية. وفي الحال سمح لي بنقل حقائبي من الحجرة الأولى إلى الحجرة الثانية. تركتُ الفندق بعد ذلك وأنا سعيدٌ تمامًا. لقد استطعتُ أن أوفِّر من أجرة النوم ٣١٣ بيزيتا في الليلة الواحدة.

قرَّرتُ فجأةً ألَّا أبقى في مدريد أكثر من أسبوع بينما كانت تذكرتي تقول إن إقامتي في مدريد ستطول لمدة أسبوعَين كاملَين؛ لذا قرَّرتُ أن أمُرَّ على مكتب إير فرانس، الذي كان من حسن حظِّي على بُعد أمتار من الفندق الجديد. توجَّهتُ إلى مكاتب شركة الطيران هذه، فإذا بالموظفة تُغيِّر لي موعد السفر، وحدَّدَت لي يوم ١٩ من يوليو لمغادرة مدريد والعودة إلى مدينة نيس لأقضيَ بها ليلةً واحدة، ثم أغادرها في صباح ٢٠ من يوليو متجهًا إلى أثينا فأصل إليها في الساعة الثانية بعد الظهر.

كانت سعادتي لا تُوصف … ففي صباح يومٍ واحد انتهيتُ من حل مشكلتَين كبيرتَين. عثرتُ على فندق أرخص، واختصرتُ مدة إقامتي في مدريد.

فكَّرتُ في زيارة مدينة طليطلة إحدى مدن إسبانيا ذات التاريخ العريق، فذهبتُ إلى مكتب شركة جوليا للسياحة وحجزتُ تذكرة لقاء ٥٥٠ بيزيتا، وبذا سيتحقق لي هدفٌ ثالث.

شعَرتُ براحةٍ نفسيةٍ عظيمة، ورُحت أتجوَّل وأجوس خلال شوارع لم يسبق لي أن رأيتُها. وفجأةً اكفهر الجو وتلبَّدَت السماء بالغيوم واحتجبَت الشمس وراء السحُّب الدكناء وبَرَدَ الجو إلى درجةٍ فظيعة. وكنتُ أرتدي قميصًا صيفيًّا خفيفًا قصير الأكمام، فاقشعر بدني من شدة البرد … يا للهول! يَهطِل المطر وابلًا، وها هي السيدات يحملن المظلات فوق رءوسهن لتدرأ عنهن البلَل.

دخلتُ كافيتيريا هادئة جميلة المنظر، تتمثل روعتها في بساطتها. جلستُ إلى إحدى الموائد، فوق مقعد فإذا به يدور بي ويلف هنا وهناك متحركًا في كل اتجاه عدا إلى الخلف. ولم تكن به متاكئ جانبية، وكان مُثبَّتًا في الأرض لا يمكن تحريكُه أو زحزحتُه أو نقله من مكانه إلى مكانٍ آخر.

طلبتُ من النادل أن يأتيني بقدَح من النبيذ الأحمر فطلب منِّي ثلاثين بيزيتا. قُلت حسنًا، سعر النبيذ هنا أرخص منه في الكافيتيريا المجاورة التي طلب مني نادلها ستين بيزيتا، فرفضتُ بالتأكيد أن أجلس فيها؛ إذ السعر المتفق عليه هو ٣٥ بيزيتا.

جلستُ أحتسي كأس النبيذ. كنتُ مُجبرًا على شرب الكحوليات لأنها أرخص كثيرًا من الشاي ومن القهوة والكوكاكولا. لقد أدفأني هذا النبيذ وساعدَني على تحمُّل ذلك الطقس الشتوي الذي هجم علينا فجأةً على غير انتظار، وبدون سابق إنذار.

كنت أجلس مولِّيًا وجهي شطر الطريق العام، وفجأةً أقبل رجل مع زوجته أو قُل معشوقته، وراحا يقرآن أسعار المأكولات في قائمةٍ كبيرة معلقة بصدر الكافيتيريا. وإذ كنتُ أُحِس بالجوع قلتُ في نفسي: فلأقرأن أنا أيضًا تلك القائمة وآخذ فكرة عن الأسعار لعلها تناسبني وتساعدني على الاقتصاد في النفقات. قرأتُ ما هالني؛ ثمن كأس النبيذ ١٦ بيزيتا فقط، فكيف يتقاضى مني النادل ثلاثين بيزيتا. هذا استغلال، بل وسرقةٌ سافرة. بحثتُ عن الإيصال فوجدتُه مُلقًى على الأرض تحت المائدة. أخذتُه إلى مدير المحل وسألتُه عن المبلغ المُحصَّل بمقتضى الإيصال، فقال: ١٦ بيزيتا. قُلت: ولكن هذا النادل أخذ مني ثلاثين بيزيتا. وعلى الفور، أعاد إليَّ النادل ١٤ بيزيتا، بإشارةٍ واحدة من إصبع المدير. استرجعتُ هذا المبلغ البسيط بسعادةٍ بالغة، ولولا محاكاتي الزوجين في قراءة القائمة لما أمكنني أن أستردَّ شيئًا من نقودي التي كادت تضيع هباءً.

تركتُ كافيتيريا «برافو»، وهذا هو اسمها، يُوجد من أمثال هذه الكافيتيريات أو المطاعم، كما اكتشفتُ فيما بعدُ، أعدادٌ كبيرة منتشرة في كافة أنحاء مدريد، أسعارها أرخص بكثير من أسعار المطاعم الأخرى، وتُقدِّم لك هذه المحلات وجباتٍ خفيفة سريعة من الشطاير والبطاطس المحمَّرة، وجميع أنواع المشروبات الخفيفة والقوية؛ تُقدَّم هذه الأغذية كلها بأسعار زهيدة جدًّا بالقياس إلى مثيلاتها في المطاعم والكافيتيريات الأخرى. كان هذا اكتشافًا جديدًا بالنسبة لي يساعدني على توفير بعض النقود أنا في أشدِّ الحاجة إليها، في بلاد الغربة، لقضاء متطلباتٍ كثيرة أخرى.

اشتريتُ بعض البطاقات المصورة «كارت بوستال» بها صور مختلف معالم مدريد خاصة، وإسبانيا عمومًا. لن أحتفظ بهذه البطاقات ضمن مجموعتي التي تضم مئاتٍ من صور معالم البلاد التي منَّ الله عليَّ برؤيتها، ومنحَني شرف زيارتها على نفقتي الخاصة. لن أحتفظ بها وإنما سأرسلها إلى أصدقائي وصديقاتي، وما أكثرهم! سأنتقي من أولئك أقدمهم ومن لم يكفُّوا عن مراسلتي طوال السنوات العشر الماضية. لقد أصبح هؤلاء جزءًا من كياني أهتم بهم اهتمامي بنفسي، لا أنسى أن أكتب إليهم كما لا أهمل الرد على رسائلهم؛ فأنا أعرف أخبارهم وأسرارهم، بعضها طبعًا وليس كلها، بحالٍ ما، كما أنهم يعرفون الكثير من أخباري وأحوالي وأعمالي وإنتاجي، وبعض أسراري.

عُدتُ ثانيةً إلى مطعم «برافو»، ولحسن حظِّي وجدتُ مكاني لم يفتأ شاغرًا. جلست لأكتب التحية اللائقة بكل صديقٍ من أصدقائي.

غدا البرد الآن قاسي الشدة. والهواء البالغ البرودة يخترق عظامي فيكاد يُفتِّتها، وقد زال الدفء الذي أشاعه النبيذ في جسمي، وتجرَّد بدني من حرارته العادية. يا لها من مشكلة ليس لها حلٌّ عندي! وليس معي أي ملابس شتوية ولا حتى سُترة أو بولوفر. ولو كان لديَّ شيء من هذا القبيل لعُدتُ توًّا إلى الفندق ولبستُه. ما هذا يا مدريد؟ يا ابنة الحلال دون الحرام! أهكذا من الحر اللافح إلى البرد القارس؟ ألا تتمثلين بقول الشاعر:

حب التفاني شطط
خير الأمور الوسط!

ماذا دهاكِ أيتها المدينة الآمنة، ارحميني أرجوك، ارحمي من في الأرض يرحمكِ من في السماء. ليتي لم أحجز تذكرة اليوم لزيارة مدينة طليطلة ذات الآثار العريقة.

قمتُ أبحث عن طوابعَ بريدية أضعها على البطاقات التي انتهيتُ من كتابة العناوين عليها وكذلك بعض الكلمات أو العبارات القصيرة. بيد أنني لم أعرف مكانًا يبيع الطوابع، كما لم أعرف فئة الطابع الذي أضعه على كل بطاقة ولكل بلد. فلما يئستُ رجعتُ إلى الفندق. حسبتُهم يقدِّمون هذه الخدمة كما نقدِّمها نحن في فنادقنا، وكما تقدِّمها فنادق اليونان. غير أن موظف الفندق هزَّ رأسه وقال «توباكو»؛ أي «التبغ»، فلم أفهم علاقة «التبغ» بالطوابع. يبدو أن كلمة «توباكو» تعني، في بعض دول أوروبا، «طابع بريد»؛ إذ كل محل في فرنسا يبيع طوابع البريد، تجد على واجهته كلمة «توباكو» سواء كان يبيع التبغ أو لا يبيعه. ولما كان لا يزال أمامي ساعةٌ كاملة على ميعاد الرحلة، دخلتُ حجرتي واستلقيتُ على الفراش الضيق. كان لشخصٍ واحد فعلًا، غير أنه، والحق يُقال، كان بالحجرة سريران لا سريرٌ واحد. الظاهر أنه إذا كان النزيل بدينًا لا يكفيه سريرٌ واحد، أمكنه زحزحة السرير الآخر بجانب الأول ليكونا بمثابة سرير عريض يكفيه. وحجرتي هذه، كما سبق أن ذكَرْت، فسيحة جدًّا جدًّا، طولها لا يقل عن ثمانية أمتار، ولا ينقص عرضها عن خمسة أمتار. وجدت بابًا في مواجهة الباب الرئيسي للحجرة، فدفعتُه فإذا بي داخل حجرة أخرى كلها رفوف على بعضها مجموعة من البطاطين السميكة. وكان بها مكتبٌ عتيق مُزيَّن كله بالنقوش، كما كان بها أربعة كراسي بمتاكئ (فوتيل) مكسُوَّة بالقطيفة، وأريكة لشخصَين وجدتُها مريحة عندما بسطتُ جسمي فوقها، وفوق كل فِراش بالحجرة مصباحٌ قوي، كما تتدلى ثُريَّا من سقف الحجرة نفسها، إنها ثُريَّا جميلة الشكل من النحاس ذات ثلاث أذرع متوسطة الطول تنتهي كل ذراع منها بمصباح قوي الضوء.

كان بالحمام الملحق بالحجرة ست مناشفَ متعددة الأطوال مختلفة الأشكال والألوان. والماء الساخن يتدفَّق من الصنبور بمجرد استعماله. أما حوائط الحمام فمُغَطاة كلها بالقيشاني الفاخر. كل شيء بالحمام يعمل وليس به أي شيءٍ مُعطَّل. وفجأةً اكتشفتُ عدم وجود صابون بالحمام!

في الثالثة تمامًا خرجتُ من الفندق واتجهت إلى مكتب الرحلات. كانت الرحلة، كما أفهموني، تبدأ في الثالثة والنصف، ولكنني كنت أمام المكتب في الثالثة تمامًا. لم أجد أحدًا من الركَّاب ينتظر بالمكتب أو أمامه كالعادة. ولم أجد الأتوبيسات الكثيرة التي شاهدتُها بالأمس عندما خرجتُ في رحلة لمشاهدة معالم المدينة. دُهشتُ للأمر فنظرتُ في ساعتي فوجدتُني جئتُ قبل الميعاد بمدةٍ كافية. دفعتُ باب المكتب، فلم أجد به أحدًا غير الموظفين، فأبرزتُ لهم تذكرتي، فقال الموظف الرئيسي بالإنجليزية: لقد جئتَ متأخرًا مدة ساعة ونصف الساعة تقريبًا. وطلب منِّي أن أنظر إلى ساعة الحائط المُعَلقة داخل المكتب، فوجدتُها تقول الساعة الرابعة والنصف. قلت: كيف هذا وساعتي تُشير إلى الثالثة وعشر دقائق؟ قالت الموظفة: لقد نسيتَ يا سيدي أن تضبط ساعتك؛ فالوقتُ عندنا غيره عندكم في بلدكم. قُلت: ولكني حضرتُ بالأمس حسب هذا الوقت، وهذه الساعة، ووجدتُ الأوتوبيس موجودًا وركبتُ وقمتُ بالرحلة. المهم الآن: هل ضاعت عليَّ التذكرة والمبلغ الكبير الذي دفعتُه فيها، أم يمكنني استعمالها غدًا بدلًا من اليوم؟ فابتسم الموظف الكبير في كثير من الأدب وكأنه هو الذي يعتذر لي: يمكنك يا سيدي، بهذه التذكرة، أن تستقل سيارة الغد من هنا وتقوم بالرحلة المنشودة. حقك محفوظٌ ونقودك لم تضع أبدًا. فشكرتُه. ولما خرجتُ من المكتب وجدتُ الشمس ساطعة والحر شديدًا يملأ الجو، فدُهشتُ لتقلب الجو بسرعة، وعوَّلتُ على أن أبحث عن الطوابع، فأخذتُ أمشي وأمشي. كنتُ أريد أن تتسلط الشمس على جسمي فتحرقه بحرارتها بعد أن برَّح به البرد طوال الساعات الماضية. وبينما أنا أنظر إلى المتاجر أبصرتُ لافتةً مكتوبًا عليها «توباكو». كانت هذه اللافتة لمحل لا يبيع إلا السجاير والسيجار والتبغ بأفخر أنواعه. وجدتُ بالداخل سيدةً عجوزًا تخدم عددًا كبيرًا من الزبائن، فلما جاء دوري أبرزتُ لها البطاقات، فقالت بالإسبانية: قل لي أسماء البلاد أُعطِك الطابع المناسب لكلٍّ. وفعلًا، وبسرعةٍ تُحسد عليها، زوَّدَتني بالطوابع اللازمة، وأصرَّت على أن تقوم هي بلصق الطوابع. كان طابور الواقفين خلفي يزداد طولًا وهي مستغرقةٌ في لصق الطوابع على البطاقات بعنايةٍ تفوق الوصف. وبعد أن دفعتُ لها ثمَن الطوابع قالت: ألقِها في صندوق البريد المجاور لأول سينما تُقابِلك في الطريق المتجه يمينًا.

خرجتُ من ذلك المتجر وأنا في دهشةٍ من أمري: ألم يكن يكفي أن تناولني تلك السيدة الطوابع فأقوم أنا بعمل الباقي دون أن تُتعِب نفسها أو تُعطِّل زبائنها الآخرين الذين كانوا، وهذا هو عين الحق، سيشترون منها ما قد يدرُّ عليها ربحًا أكثر؛ فما دفعتُه لها هو قيمة الطوابع بالضبط دون أن تتقاضى منِّي ربحًا بالمرة؟

عُدت إلى الفندق أبتغي قسطًا من الراحة بالنوم ساعة أو ساعتَين، ولكني، للأسف، لم أتمكن من النوم لحظةً واحدة؛ إذ كانت حجرتي تُطلُّ على الشارع العمومي، والضوضاء فظيعةٌ داخل الحجرة، أقضَّت مَضْجعي ونفَت النوم عن عيني تمامًا. رُحت أغالب ذلك الموقف العصيب دون جدوى. الضوضاء بالشارع تزيد ولا تقل، فقلتُ في نفسي: صحيح يا ناس. الغالي ثمنه فيه. إذ كان الهدوء رائعًا في فندق ماجستيكو وكنتُ أنام ملء أجفاني.

أخذت حمَّامي الأول، بدون صابون طبعًا، ثم خرجتُ إلى الشارع مجتازًا لأرى المزيد مما لا بُد منه، فرأيت ملهًى يُقدِّم رقصة الفلامنكو المشهورة، وأبصرتُ أناسًا يحجزون تذاكر عند شبَّاك الحجز. كان سعر الدخول ١٣٠ بيزيتا، فسألت الموظف الواقف عند باب الدخول، قال: لن يبدأ رقص الفلامنكو قبل الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. أما الآن فالدخول لممارسة الرقص على أنغام الموسيقى. عندئذٍ أدركتُ أنني سأغادر مدريد دون أن أتمكن من رؤية رقصتها المشهورة تُعرض في ملاهيها.

دخلتُ كافيتيريا أنشُد قدَحًا من القهوة؛ إذ كان الصداع يشطر رأسي من جرَّاء ضوضاء الطريق والناس. جاءني النادل بالقهوة فرُحتُ أرشفُها وأراقب الناس، أولئك الناس وما أدراك مَن هم أولئك الناس؟ إنهم عيون وأنوف وسيقان تتحرك، ولا أكثر. لم أجد شخصًا واحدًا يشبهني. كما أنني لم أجد فتاةً واحدة تشبه زميلتَها. لكل فتاة تسريحة شعرها الخاصة، ولكل امرأة طابعها المميز. سبحان الخلَّاق العظيم! خلق فسوَّى. إنه وحده القادر على كل شيء. خالق السموات والأرض وموزِّع الجمال بمكاييله والقبح أيضًا بمقاييسه. وجعل بين السود من هي جميلة، وبين البيض من هي قبيحةٌ دميمة. حتى الحب، قد يحرمه شابَّين وقد يُغدِقه على عجوزَين هَرمَين فتراهما متخاصرَين متماسكَين ملتحمَين، ومتهامسَين ذائبَين في الوجود والحياة.

مظاهر الحب حولي غريبة. أرى العشَّاق من جميع الأعمار يَفِدون إلى المقهى. الكل متماسكون؛ بعضهم يطوِّق حبيبته من خصرها، وبعضهم يلفُّ ذراعه حول عنقها ويُوسِعها تقبيلًا، وبعضهم يُمسِك يدها ويضغط عليها بشدة. لم أجد حبيبين يمشيان إلى جنب كما يمشي أي صديقَين من جنسٍ واحد. الفتيات هنا يُدَخِّنَّ في شراهةٍ ونهمٍ حتى صغيرات السن. معظم المارين بالشوارع من السائحين الأجانب. كل همهم أن يأكلوا ويشاهدوا فترينات المتاجر. بدأَت المتاجر منذ الأمس بإعلان فرصة تخفيض الأسعار (الأوكازيون). لاحظتُ أن حركة البيع قد نشِطَت اليوم عما كانت عليه بالأمس؛ فكل عابر طريق يمشي حاملًا كيسًا كبيرًا من البلاستيك به البضائع التي اشتراها. أبصرتُ فتياتٍ أمريكيات صغيرات السن لا تزيد أعمارهن على الرابعة عشرة، يمشين بمفردهن. لقد جئن للسياحة بلا مرشد ولا رقيب، وبلا أهل ولا قريب. وعلى العموم فإن عددًا كبيرًا من زوار إسبانيا يَفِدون إليها من المكسيك ومن البلاد التي تتكلم الإسبانية بأمريكا الجنوبية.

رأيتُ الناس، وأنا جالسٌ في مكان بهذا المقهى، يتكالبون على مطعم يقع على الطوار المقابل. فذهبتُ إليه. كان يقدِّم شطائر في عُلبٍ من الورقة المقوَّى، بأسعارٍ متفاوتة، ثمن أرخص شطيرة ٥٢ بيزيتا، وأغلى واحدة ٩٩ بيزيتا، وهناك ما ثمنه ٦٠ أو ٧٢ أو ٨٤ أو ٨٩ بيزيتا، فشجَّعني الإقبال الشديد على ذلك المطعم، على أن أُجرِّب حظِّي. كانت الشطائر لذيذة، فعلًا، وتفتح الشهية. غير أنها كانت — في نظري — لا تُسمِن ولا تُغني من جوع. لا يكفيك أقل من أربع شطائر حتى تُحس بالشبع؛ لذا لا أعتبر هذا المطعم رخيصًا، بل أغلى من المطعم التي تناولتُ فيه عَشائي بالأمس؛ فلو أنني تناولت مثلًا أربع شطائر من فئة ٩٩ بيزيتا، لدفعت ٤٠٠ بيزيتا تقريبًا، ولو كانت فئة ٦٠ بيزيتا لدفعت ٢٤٠ بيزيتا دون أن أشبع؛ إذ الشطائر كلها صغيرة الحجم نسبيًّا. ولما كانت حريفة الطعم فإنها تجعلك تتناول منها أكثر من أربع وتُضطَر إلى أن تُتبعَها بمشروبٍ باردٍ لا يقل ثمنه عن ٢٧ بيزيتا. وهذا بالطبع سعرٌ رخيص جدًّا يقلُّ كثيرًا عما يمكنك أن تشتري به نفس المشروب من أي مكانٍ آخر. على فكرة، تُباع الكوكاكولا هنا في أكواب من البلاستيك اللدن الخفيف، فيا لها من فكرةٍ جميلة وعملية وسريعة وقليلة التكاليف! روعة الغرب أنهم يفكِّرون ويُخرِجون أفكارهم إلى حيز الوجود. دفعتُ في وجبة عشاء الأمس ٣٦٠ بيزيتا، وكانت عبارة عن طبق من اللحم المطهو مع البازلَّا، وطبقٍ آخر كبير الحجم من السمك والجمبري، فضلًا عن قطعة من جبن الروكفور وطبقٍ كبير من سلاطة الطماطم، مع قدَح كبير من النبيذ وكميةٍ لا بأس بها من الخبز. ولعلك الآن، يا قارئي العزيز، تَفطِن إلى ما أعنيه بأن هذه الوجبة الدسمة أرخصُ بكثير من تناول الشطائر كوجبة عَشاءٍ كاملة مع أنها ليست وجبة عشاء كاملة ولا حاجة.

طفِقتُ أمشي، ولكنني أحسستُ بالبرد الشديد يغزو جسمي من جديد، فيجعلني أنتفض فرائصَ وأعضاء. تحاملتُ على نفسي ونهضتُ لأذهب إلى فندقي. ذُهلتُ في طريقي من كثرة عدد دُور السينما الموجودة في المنطقة القريبة من الفندق. كان بين كل سينما وسينما سينما، وبين كل مقهًى ومقهًى مقهًى. وما لفَت نظري إلى كثرة دُور السينما أنه تصادَفَ مروري أثناء خروج روَّاد تلك الدُّور. حقًّا ما أكثر هؤلاء هنا! يتراوح ثمَن التذكرة بين ١٢٥، ٦٢٥ بيزيتا؛ أي إن ثمن التذكرة في «الترسو» ١٢٥ قرشًا، وفي البريمو ٦٢٥ قرشًا.

بدأتُ أقتنع بأن البيزيتا تساوي قرشًا مصريًّا. وربما لاحظتُ التقارب الشديد بين نُطق كلمة بيزيتاس الإسبانية ونُطق كلمة بياستر الإنجليزية أو الفرنسية. وعلى هذا الأساس بدأتُ أُقيِّم البضائع المعروضة أمامي في المتاجر، فوجدتُ أن هناك أسعارًا معقولة جدًّا، كما أن هناك أسعارًا غير معقولةٍ بالمرَّة وتنحصر في كل شيءٍ مصنوع من الجلد، كالأحذية والحقائب والأحزمة والجاكتات الجلدية وغير ذلك من المصنوعات الجلدية التي لا تقع تحت حصر؛ فمن الأحذية ما يصل ثمنه إلى ستين جنيهًا بلا مبالغة، ومن الجاكتات الجلدية ما يبلغ ثمنه ١٢٠ جنيهًا. ولكنني رأيتُ بنطلوناتٍ أنيقة وجميلة الألوان معروضة في الأوكازيون بسعر ٤٩٩ قرشًا؛ أي خمسة جنيهات، بينما نظائرها في مصر لا يمكن شراؤها بسعر يقلُّ عن عشرين جنيهًا.

تعرض كافَّة دُور السينما في مدريد، إمَّا أفلامًا إسبانية النطق أو إيطالية. ولا أثَر هنا لأية أفلامٍ أمريكية أو فرنسية؛ فهاتان اللغتان منبوذتان تمامًا في إسبانيا.

لفَت نظري أيضًا أنه من المُحال على الغريب مثلي أن يتبيَّن حرفًا واحدًا مما ينطقه الإسباني عندما يتكلم مع إسباني آخر. إنها لغةٌ غريبة اللهجة والنبر الصوتي، مقاطعها قصيرة جدًّا ومخارج ألفاظها غامضة غير مريحة إطلاقًا لمن يستمع إليها. الكلمة الوحيدة التي خرجتُ بها واستطعتُ أن أفهمَها نطقَت بها سيدة إسبانية صَعِدَت معي في مصعد الفندق. كانت تقيم في الدور السابع بينما أُقيم أنا في الدور الثالث، فقالت لي: «آديوس» أي «مع السلامة». وهذه الكلمة، كما تعلم، قريبة جدًّا من الإيطالية. كما خرجتُ بكلمة أخرى هي «جراتسيا»؛ أي «شكرًا»، التقطتُها من نفس السيدة، وهي شائعةٌ أيضًا في اللغة الإيطالية. وكنتُ أعرف هاتَين الكلمتَين من قبلُ من زياراتي إلى إيطاليا. ولكنني لم أكن أعرف أنهما مستعملتان في اللغة الإسبانية بنفس المعنى.

عُدتُ اليوم إلى الفندق مبكرًا؛ إذ كان البرد شديدًا يمنعني بملابسي الخفيفة تلك، أن أبقى بالخارج إلى وقتٍ متأخرٍ بعد ذلك. نظرتُ إلى ساعتي فوجدتُها العاشرة والنصف مساءً، وهذا لا يُعتبر وقتًا متأخرًا في إسبانيا، فقلتُ في نفسي: كفى، وحمدًا وشكرًا للعناية الإلهية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣