مقدمة الفصل الثاني

تسبَّبَ الفصلُ بين الأغنياء والفقراء في المجتمع في ظهورِ فروقٍ من حيث نوعية النظام الغذائي، وإنْ لم يكن بالضرورة من حيث الطعم؛ فكان من المفترض أن يكون القاسم المشترك هو أسلوب الطهي وتوافُر المكونات، وكان بوسع الفقراء في الريف تناوُل نظامٍ غذائي يعتمد على النشويات، مثل العصيدة بأنواعها والخبز غير المُختمِر، وكانوا يضيفون إليها إضافاتٍ من الأعشاب والسلاطات حتى يصبح طعمُها مستساغًا أكثر. ومن الصعب أن نصدِّق أنهم في الفترات التي ساد فيها الفقر لم يشربوا الحليبَ الطازج أو يصنعوا الزبد، أيًّا كان الازدراء الذي كان يكنُّه الناسُ لتلك الأطعمة. وكان الفقراء في الحضر — في روما على الأقل — يعيشون في مساكن دونَ وسائل للطهي، ولا بد أنهم كانوا يضطرون لاستعمال أطعمةٍ نظيرةٍ للأطعمة السريعة يشترونها من الباعة المتجولين، وكانت تلك الأطعمة تشكِّل قسمًا كبيرًا من غذائهم. ومن المفترض أن البروتين الحيواني المتوافر في الأسماك أو الطيور كان من الأكلات المُميَّزة التي يتناولها الناس على فتراتٍ متباعدة، ولم يكن من الأغذية الأساسية المألوفة. وكان هذا نظامًا غذائيًّا يعتمد على الزراعة وتربيةِ حيواناتِ المزارع.

وكانت الخيارات المُفضَّلة في أساليب الطهي شأنًا يعتمد على الذوق والنزعة العملية لدى كلٍّ من الأغنياء والفقراء على حد سواء؛ فأنواع الخبز غير المُختمِر مثل الخبز الإغريقي مناسبةٌ لتغميس أنواع العصيدة التي تشبه سلاطة الحمص أكثر من الخبز المُختمِر. وكان من المفترض أن زيت الزيتون وصلصة الجاروم والنبيذ كانت من الأطعمة الشائعة في معظم الأنظمة الغذائية. وليس من الجديد أن ينظر الأغنياءُ إلى الطعام باعتباره وسيلةً للتفاخر الاجتماعي، بدلًا من أن تقتصر فائدتُه لديهم على المتعة أو حتى التغذية؛ فلهذه الظاهرة أصلٌ تاريخي يمتد على مدى قرون، ومن الممكن مضاهاةُ سلوكياتِ الإسراف في الطعام في عصرنا الحالي بالولائم الملكية في العصور الوسطى التي كانت تُقدَّم فيها طيورُ الإوز العراقي والطاووس، كما يمكن مضاهاتها على نفس النحو بكئوس مشروب المارتيني التي كان يفضِّلها جيمس بوند — وكان يطلب من الساقي مزْجَها وليس رجَّها — باعتبارها مؤشراتٍ غير دقيقة للرقيِّ أو الثروة أو السلطة. فنحن غالبًا ما نشترك في افتراضات شائعة ويقينية بخصوص استحسان المكونات النادرة أو شديدة الندرة، وربما نكتشف أنَّ مَن قد ينتابهم حاليًّا الاشمئزازُ من فكرة تناوُل بيض السمك والنبيذ الفوَّار، سيتحدَّثون بتبجيلٍ عن الكافيار والشامبانيا حين يربحون جائزةَ اليانصيب. ونبات الكمأة الأبيض ذو الرائحة النتنة الموجود في عصرنا الحالي يشبه نباتَ السيلفيوم الذي كان موجودًا في روما، وهو ليس نادرًا ومرتفعَ الثمن فحسب، بل يُنظَر إليه أيضًا على أنه من مؤشرات الذوق الرفيع وحُسْن الاختيار.

وبالطبع، يوجد أكثر من مناسبة واحدة لمناقشتها حتى فيما بين الأغنياء؛ فقد يرى بعضُ فئاتٍ من المجتمع أن أيَّ سلوكٍ يعبِّر عن الإسراف هو سلوكٌ سوقي، وقطعًا مرَّتْ فترات من التاريخ كان يُنظَر إلى الإسراف في الطعام على أنه سلوكٌ ينمُّ عن الضعف، بل يُنظَر إليه أيضًا في عصور الحروب أو الأزمات على أنه ينمُّ عن التجرُّد من مشاعر الوطنية. كان من الفظاظة في العصر الفيكتوري أن يذكر المرءُ نوعَ الطعام الذي يأكله في وقت الطعام؛ فالأهم من ذلك بكثيرٍ هو استخدام أدوات المائدة المناسبة وفهم أنواع الخمور التي يُفضَّل تناولها مع أطباق معينة، فكلُّ ذلك من علامات الإلمام بخصائص الطبقة الاجتماعية وقواعد السلوك التي كانت تجمع بين الصفوة الحاكمة.

وهذه جوانب من الفكرة نفسها، وهي فكرة القِيَم المشتركة التي تجمع بين مَنْ يتناولون الطعام معًا؛ فالتجاهلُ الشديد لما أمامك من أطباقٍ والاهتمامُ المتباهي بالفروق في طعمِ وأصلِ الطعام الذي ستأكله، كلاهما موقف يُقصَد به إيصالُ رسالةٍ. تتعلَّق الرسالةُ في الموقف الأول بالجدية أو التَّقْوَى أو الرجولة، أما في الموقف الثاني فتتعلَّق بالطموحات الفنية والحسية. فهو موقفٌ أشبه ما يكون بالمقارَنة بين غاندي والذوَّاقة الفرنسي بريا سافاران، ولكنه ليس موقفًا يقارن بين الوليمة والمجاعة؛ إذ إن كلًّا منهما يفترض وجودَ طعامٍ وفير أو على الأقل كافٍ، ويفترض وجود المال اللازم لشرائه. فحالةُ الإخاء التي تسود بين مَنْ يتناولون الطعام معًا هي بيتُ القصيد وليس قائمة الأطباق المُقدَّمة.

وكان أركستراتوس — الذي عُرِفَ عنه أنه متذوِّق للجمال — يؤيِّد معالجةَ المكونات الفاخرة المنتقاة بعنايةٍ معالجةً محدودةً، وتكاد تكون متقشِّفة بدلًا من الكميات الوفيرة المنمقة، بينما ينمُّ عشاء تريمالكيو عن ذوق يفضِّل الإسرافَ الذي يكاد يشبه إسرافَ هوليوود في قمة مجْدِها، من حيث التماس المزيد لإثارة الحسد بدلًا من الإعجاب. ومن الممكن أن نفترض أن الموقفين كلَيْهما يعبِّران عن الطموح باعتبارهما وجهتَيْ نظرٍ عن الطعام، وليس باعتبارهما تعبيرًا خالصًا عن عصرهما.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢