مقدمة الفصل الرابع

يُعَدُّ النشا من المكونات المهمة لنظامنا الغذائي، ربما تكون قطعةُ لحمٍ أو سمك هي العنصر الأساسي، ولكن المواد النشوية هي التي تُشعِرك بالشبع وتُوقِف إحساسَك بالجوع، وهي مكون ضروري من مكونات الطعام، سواءٌ أكان من الأسماك أم اللحم أم كان ذا نمط نباتي. وفور تناول الأطعمة النشوية، تتحوَّل الكربوهيدرات الموجودة فيها بسرعةٍ إلى جلوكوز — وهو مصدر الطاقة الأساسي للجسم — وتسير في مجرى الدم حتى تصل إلى كل خلايا الجسم. يستخدم الجسم الكربوهيدرات أولًا — قبل الدهون أو البروتينات — ومن ثَمَّ فهي دائمًا ما ترفع مستوياتِ الطاقة بسرعة.

علاوةً على ذلك، تمثِّل المواد النشوية جانبًا من جوانب المساواة في النظام الغذائي؛ لأن الفقراء والأغنياء على حدٍّ سواء يعتمدون عليها لتكوين أساسِ نظامهم الغذائي في الطعام المُتناوَل. وفي عصرنا الحالي، من الوارد أن تكون تلك المواد النشوية من رقائق البطاطس المقلية أو الأرز، ولكن يُقصَد بالمواد النشوية في عصرِ ما قبل كولومبس محاصيلَ الحبوب مثل القمح والشعير، إما كعصيدة وإما في صورة مخبوزة كما في حالة الخبز.

والعصيدة مظهرها غير جذَّاب مطلقًا؛ فالعصيدة المصنوعة من الشوفان، تمثِّل الإفطار التقليدي في اسكتلندا، حيث يُنظَر إليها كجزءٍ من تراث البلاد، ولكن نادرًا ما يتناولها أحدٌ بمحض اختياره في أماكن أخرى. وربما يحظى البُرغل الأمريكي المصنوع من الذرة بالسُّمعة نفسها في الولايات الجنوبية؛ ومع ذلك يمكن تحضير القمح — بعد طَحْنه حتى يتحوَّل إلى سيمولينا تُصنَع منه عصيدة، تُسمَّى «نيوكي ألا رومانا»، في إيطاليا بنفس طريقة صنع عصيدة دقيق الذرة (بولنتا) — بطرق مختلفة يُستحَب أكلها؛ فمن الممكن مثلًا حين تبرد العصيدة وتُخلَط بالجبن والتوابل أن تُشوَى أو تُخبَز في صينيةٍ لإضفاءِ شكلٍ وقوامٍ مختلفين تمامًا على الطبق، وهي من التنويعات المدهشة للعصيدة.

يتوقَّف شكل الخبز وجودته بدرجةٍ كبيرة على نوع الحبوب المُستخدَمة في صنعه، والقمحُ هو أفضل نوعٍ من الحبوب، وهو دائمًا الأكثر طلبًا والأعلى سعرًا في السوق. وأي نوعٍ آخَر من الدقيق لا يُصنَع منه إلا الخبز غير المُختمِر؛ لأن أنواع الدقيق الأخرى لا تحتوي على كمية كافية من الجلوتين لتخمير رغيف الخبز. وتتَّخِذ أنواع الخبز المصنوعة من الجاودار هيئةَ أرغفة سميكة ذات مذاق رائع، حلو وحامض، وقوام مميَّز ولكنها تفتقر إلى رقي الخبز الأبيض المصنوع من القمح، سواء أكان مختمرًا أم غيرَ مختمرٍ. ويُصنَع من الشعير نوعٌ مستساغ من العصيدة، ويمكن طَهْيه بطريقةٍ تشبه طبق الريزوتو، ولكن أفضل طريقة لإعداده هي تحويله إلى جِعَة.

من الممكن الزعم بأن جودة الخبز في بلدٍ ما تدل على موقف هذا البلد من الطعام عمومًا؛ فإذا كنا نتعامل باحترامٍ مع المكوِّن الأساسي من نظامنا الغذائي، فإن ثمة أملًا فيما يخصُّ كلَّ النواحي الأخرى. ومن المؤسف أن أداء بريطانيا والولايات المتحدة سيئ في هذا الشأن؛ إذ نجد أن الرغيف الناتج عن الإنتاج الصناعي — المليء بالدهون الرديئة لتحسين الطعم وإطالة العمر الافتراضي — أصبح يهيمن على السوق، وبات متغلغلًا في الوعي القومي بصفته النموذجَ الأصلي للخبز. أما في فرنسا وإيطاليا، فما زال إنتاجُ الخبز في معظم الأحيان بكمياتٍ صغيرة. وحتى بلدان شرق أوروبا تُنتِج خبزًا أفضل من نوعيات حبوبٍ رديئة، فتصنع منها أصنافًا ممتازة من خبز الجاودار الأسمر وخبز عجين الجاودار المُختمِر.

وعلى خلاف المتوقَّع، فإن الأفراد المتحمِّسين هم الذين يعكفون على إعادة الدقيق البُني والدقيق الكامل إلى عرش التفوق، وذلك عن طريق الحركات التي تروِّج للأطعمة العضوية والأطعمة الصحية غير المُصنَّعة. وكان سيبدو موقفُ هؤلاء غريبًا حقًّا لمَنْ في روما واليونان ممَّنْ بذلوا ما لديهم من إبداعٍ ومواردَ في سبيلِ تتبُّعِ أفخر أنواع القمح وغربلته حتى يصل إلى درجة البياض الناصع، وهو ما يثبت أن الطعامَ والطهْيَ الجيدَيْن من الأمور التي تتأثَّر بنوعِ الثقافة السائدة بقدر ما هما نتاجٌ لظروف المناخ وأحوال التربة الزراعية المرهونة بالصدفة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠