الفصل السابع

الطعام في الفِكر القديم

إنَّ أول سؤال في مجموعة الأسئلة الأربعين التي تتعلَّق بالتجمعات الاحتفالية والمآدب، سيتناول المناقشةَ التي اشتركنا فيها بخصوص التنوع في النظام الغذائي بمناسبة إقامةِ مأدبةٍ أثناء احتفال إلافيبوليا، الذي توجَّهْنا من أجله إلى هيامبوليس. وعند وصولنا إلى هناك، دعانا الطبيب فيلو إلى مأدبة عشاءٍ، وقدَّمَ لنا وليمةً فاخرةً، كما رأينا. حين لاحظ مضيفُنا أن أحد الصِّبْيَة الذين جاءوا بصحبة فيلينوس تناوَلَ الخبزَ ولم يطلب شيئًا آخر … أسرعَ ليحضر لهم شيئًا يأكلونه. وعاد بعد فترة طويلة ومعه بعضُ التين المجفَّف وشيءٌ من الجبن ليقدِّمه لهم، وقلتُ أنا: «هذا هو ما يحدث حين يقدِّم الناس لضيوفهم طعامًا مُنمَّقًا ومُكلِّفًا.»

يناقش بلوتارخ وأصدقاؤه السؤالَ المتعلِّق بما إذا كان النظام الغذائي المتنوِّع أسهلَ في الهضم من النظام الغذائي البسيط؛ وهو سؤالٌ طبي طُرِحَ في مناسبة اجتماعية في يوم احتفالٍ بآرتيميس في منطقة فوكيس وسط اليونان. يناقش هذا الفصل الفِكرَ القديم فيما يتعلَّق بالحيوانات والنباتات والمناقشات الفلسفية التي دارت حول الطعام ومناسبات تناول الطعام، والتي كانت مناسبات ممتعة — غالبًا لدى البعض — ومن ثَمَّ خِلافية.

رأينا أمثلة كثيرة للأسلوب الذي كان يُعتقَد أن الطعام يتناسب من خلاله مع النظام المتحضِّر ومع العالَمَين الأكبرين؛ وهما الأرض بأكملها والكون بأكمله. ففي الفصل الأول، وضَّحَ طبيبٌ ينتمي لمدرسة أبُقراط كيف تطوَّرَ المجتمع البشري من همجية عصور ما قبل التاريخ — التي كان البشر الأولون مضطرين فيها لتناول الأطعمة النيئة كما تفعل الحيوانات البرية — حتى وصل المجتمع البشري لنظامه الحالي الذي يعتمد على الأطعمة المطهية التي كانت تناسب الجسم البشري. وهكذا، أصبح من الممكن توظيف مهارات الطهي للحضارات البشرية المتقدمة في تحضير الطعام بالطريقة الأصلح والأنسب للجهاز الهضمي للإنسان، الذي كان يُعتقد أنه في حد ذاته عبارة عن عملية طهي طبيعية. ويكمن مثال ثانٍ في أسطورة بروميثيوس التي عبَّرَتْ عن المكانة الضعيفة التي تحتلها البشرية في الكون، باعتبارها مخلب القط بين بروميثيوس الذي ينتمي للجبابرة، وزيوس من آلهة جبل الأوليمب. وفي النهاية، ترسخت مكانة للبشرية أقل بكثيرٍ من مستوى الآلهة، ولكنها أعلى من مستوى الحيوانات (راجع أيضًا الفصل الثالث). وقُدِّست هذه المكانة — إذا جاز التعبير — في تقديم قرابين تتألَّف من الشكل الأدنى من أشكال الحياة وهو الحيوان، إلى الشكل الأعلى وهو الإله.

وفي هذا الفصل، أستعرضُ مكانةَ الطعام والحيوانات في النظام الكوني، معتمِدًا على أمثلة مثل كتاب «طيمايوس» من تأليف أفلاطون، وبحث «الحمية ١» من تأليف أبُقراط. ثم أستعرضُ في إطار النظام المتحضر تصنيفَ أو ترتيبَ النباتات والحيوانات من حيث علاقتها بالبشر، وأخيرًا أناقشُ الشأنَ الأهم المرتبط بالطعام في الفِكر القديم، وهو مخاطر المتعة والترف. ورأينا من قبلُ هذه الأمثلةَ كاعتراضاتِ بلينوس الأكبر على المحار وثمار الحرشف.

يضع بحث «الحمية ١» — وهو البحث الأول من مجموعة من أربعة أبحاث ألَّفَها أبُقراط عن الطعام والنظام الغذائي — الإنسان والحيوان داخل القوى الكونية مثل النار والماء. وفي نظرية قائمة على هيراكليتوس وغيره من الفلاسفة الذين ينتمون لعصورٍ تسبق عصرَ سقراط، يوضِّح المؤلف أن هذه المبادئ تتضارب باستمرار في الكون وعلى الأرض. وعلى مستوى البشر، فإن الروح هي مزيج من النار والماء (٧)، والجسم يغذيه ويقويه الطعام. والمعدة في الواقع (١٠) عضوٌ مهم يرعى ما يفيد الجسم ويقضي على ما يضره عن طريق تعديل نِسَب النار والماء. تمضي هذه الوثيقة البارزة بعدئذٍ لتوضِّح كيف أن النار والماء هما أساس النظام الاجتماعي والثقافي للبشر في بحث «الحمية ٢» إلى بحث «الحمية ٤» (راجع للاستزادة الفصل الثامن).

يشتمل كتاب «طيمايوس» على عرضٍ لافتٍ لآراء أفلاطون عن علاقة البشر مع الكون؛ إذ يذكر هذا الكتاب أن العناصر الأربعة، وهي التراب والهواء والنار والماء، تربطها علاقاتٌ متبادلة وهي أساس الكون الذي خُلِقَ وفقًا لمبادئ رياضية. والمجموعات المؤتلفة المُكوَّنة من هذه العناصر مسئولة عن تركيبات أجسامنا وتركيبات السوائل الحيوية والإحساسِ، والروحُ البشرية ذاتُ ثلاثة أوجه، والعقلُ مكمنُه الرأسُ كما أن العواطف مكمنُها القلب. «هذه العناصر مسئولة عن إيداع الشهية للطعام والشراب وغيرهما من الاحتياجات الطبيعية للجسم في موقعٍ بين الجزء الأوسط من الجذع ومنطقة السرَّة؛ ممَّا يكوِّن في المنطقة ما يشبه المِعْلَف للطعام الموجَّه للجسم؛ وهي تربط الشهية هناك مثل حيوان بري، يجب إطعامه معنا لضمان استمرار حياة البشر. ووضعَتْه في هذا الموضع حتى يواصِل الأكلَ في مربطه، على أن يكون بعيدًا قدرَ الإمكان عن مقرِّ التفكير» (٧٠-٧١، ترجمه إلى الإنجليزية: لي). وسأعود بعد قليل إلى هذه الفكرة التي تنظر إلى المعدة باعتبارها ضرورية ولكن خطيرة.

fig26
شكل ٧-١: بقرة جيرسي من المشاهد المعتادة جنوبي إنجلترا عنها في البلدان المطلَّة على البحر المتوسط. وصفَ بوسيدونيوس وغيره من المؤلفين القدماء المتخصصين في شئون التراث العِرْقي السلتيين بأنهم من آكلي اللحوم البارزين بالمقارنة مع عادات الإغريق والرومان. كان آكِلُو اللحوم القدماء يشهدون حياةَ وموتَ الماشية وغيرها من الحيوانات على نحوٍ أقرب من نظرائهم في العصر الحديث. وفي الوقت نفسه، كان الامتناع الإرادي عن تناوُل اللحوم مقتصرًا فيما يبدو على جماعاتٍ متقشفة وجماعاتٍ دينية معينة في العصور القديمة. (الصورة إهداءٌ من مالكولم هكستابل.)

وقرب نهاية الحوار يصف أفلاطون خلْقَ النساء من نوعٍ أدنى من البشر، وأيضًا خلق الحيوانات. ويتحدث كذلك عن نشأة الطيور من الرجال الطائشين، ونشأة الدواب من الرجال غير المهتمين بالفلسفة، وأخيرًا، يتحدث عن نشأة الأسماك من أغبى الرجال وأشدهم جهلًا. «هذا هو أصل الأسماك والمحار وكلِّ ما يعيش في الماء؛ فهي تعيش في الأعماق كعقابٍ على عُمْق غبائها» (ترجمه إلى الإنجليزية: لي).

يُنشئ وصف أفلاطون تدرُّجًا هرميًّا واضحًا يتألَّف من الإله والرجل والمرأة والحيوان والأسماك، ويستعير الكثير من علم الفيزياء لشرح مكونات الكون، ويستعير من الطب لشرح وظائف الجسم. وتوجد أوجه تشابه بين هذا التصنيف وأسطورة بروميثيوس، كما توجد علاقة مشتركة بين الكائنات، وهو ما يشبه تناسُخ الأرواح الذي تحدَّثَ عنه فيثاغورس. وكان يمتنع هو ومريدوه عن أكل الحيوانات لهذا السبب (راجع الفصل الخامس). وظهر موضوعُ النظام الغذائي النباتي الصِّرْف أيضًا في أعمال إمبيدوكليس الفيلسوف السابق لعصر سقراط، وبلوتارخ، وفرفريوس التابع للمدرسة الأفلاطونية الحديثة.

للعلاقة بين البشر والحيوانات آثارٌ تتجاوز موضوعَ النظام الغذائي النباتي الصِّرْف. وبخصوص مَنْ يأكلون اللحوم على الأقل من حينٍ لآخَر (وهم الأكثرية في معظم الثقافات)، يثار سؤال حول كيفية اعتنائهم بالحيوان، وكيفية قتلهم له بغرض الطعام، وكيفية تحمُّلهم مسئولية ذلك القتل. في السنوات الأخيرة، وتحديدًا في بعض البلدان في الغرب، رُوعِي نقْلُ بعض المسالخ خارجَ المراكز الحضرية حتى لا يشهد المستهلكون قتل الحيوانات، ويباع اللحم على هيئة قِطَع سميكة أنيقة لا تشبه الأشكال الحيوانية، والضوابط الحكومية جزئية وتشهد تقلُّبًا، وهو ما أدَّى إلى عدم اطِّلَاع المواطن غالبًا على وقائع ذبْحِ الحيوانات. أما المواطنون في العصور القديمة ممَّنْ شهدوا ذبح الحيوانات — وسمعوه وشموا رائحته وشاهدوه وشهدوا نثْرَ الدماء فوق المذبح — فكانوا على دراية كاملة بظروف موت أي حيوان قبل أن يأكلوا لحمه؛ ويبدو أنهم كانوا يتحملون أيضًا مسئولية موته.

وقد يكون من المفيد لنا عقْدُ مقارَنةٍ بين ذلك وما يحدث في العالم الحديث. هل يؤدي إخفاء عمليات قتل الحيوانات عن معظم الناس إلى زيادة رحمتنا بالحيوان وعطفنا عليه أم العكس؟ هل يزيد هذا من مسئوليتنا عن قتله أم يقللها؟ ويفيد هذا أيضًا في تصنيف الموضوعات بناءً على الأولوية؛ فمن الممكن أن يحظى موضوع ما باهتمام الرأي العام أكثر من موضوع آخر؛ وعليه، ففي بريطانيا في عام ٢٠٠٤، اكتسبت القسوة الموجَّهة لآلاف الثعالب أولويةً سياسيةً على القسوة الموجَّهة لملايين الدجاج؛ فالمواطنون الذين يأكلون الدجاج أكثر بكثيرٍ من المواطنين الذين يصطادون الثعالب، ولكن يُستبعَد موضوع المعاملة الرحيمة في تربية الدجاج من سلَّم الأولويات السياسية؛ وفي الوقت نفسه، تعيش ملايين الحيوانات الأخرى حياة مترفة نسبيًّا كحيوانات أليفة تُربَّى في المنازل. فالتعريفات التي تحدِّد دلائلَ القسوة تجاه الحيوانات، وأي الحيوانات مهمة وأيُّها غير مهمة، والمسئوليات التي يتحمَّلها البشرُ تجاهَ الحيوانات؛ كلُّها أمور تتطلَّب النقاشَ.

وكانت العلاقة بين البشر والحيوانات محل بحث ومناقشة في الفلسفة وفي عدة مجالات أخرى في العصور القديمة، مثل الحكايات الرمزية والأعمال الكوميدية والشعر، وأفضل مثال كوميدي نجده في مسرحية «الطيور» من تأليف أريستوفان، وفيها يستولي أحد البشر على العالم من قبضة الآلهة ويُعِيده إلى القوة الكونية الأقدم، وهي الطيور. وتدور المسرحية في قالب قائم على فكرة المدينة الفاضلة، وتزخر بالمقارنات القائمة على التشابه بين التجربة البشرية وحياة الطيور. ومع ذلك، تظل العلاقة الأساسية بين عالَمَي البشر والطيور كما هي دون تغيير في الجزئيات المهمة المتعلقة بمَنْ يأكل مَنْ، ومَنْ يقدِّم ماذا كقربانٍ لمَنْ؛ فتظل الطيور تُؤكَل (في حالة إيمانهم بعقيدة خاطئة)، ويظل البشر يقدِّمون قرابين للآلهة (ويلكنز ٢٠٠٠). وتوجد مسرحية مشابهة وهي «الأسماك» كتبها كاتِبٌ معاصر لأريستوفان، وهو أركيبوس؛ وفي هذه المسرحية أيضًا، نجد مقارنات وروابط بين عالم الأسماك وعالم البشر.

وفي الشعر الملحمي الوعظي، تتناول قصيدة «هاليوتيكا» من تأليف أوبيان عالِم الأسماك، وألَّفها في نفس العصر تقريبًا الذي شهد تأليف «مأدبة الحكماء» أو «ديبنوسوفيستاي». وتشمل هذه القصيدة وصفًا تفصيليًّا لعالم البحر. ونرى العلاقة بين البشر والأسماك علاقةَ عداوةٍ، تشبه العلاقةَ بين البشر والحيوانات البرية، وهي العلاقة التي كتبَ عنها أوبيان أيضًا في شعرٍ ملحميٍّ (بورسيل ١٩٩٥)؛ فالبحرُ عميق وواسع إلى حدٍّ يصعب معه فهمه فهمًا كاملًا؛ إذ تكمن فيه عجائب جمَّة، مثل التي وجدها بلينوس على الأرض كما ذكر في كتابه «التاريخ الطبيعي». وفي الوقت نفسه، غالبًا ما يصوِّر المؤلفون الأسماكَ بكلماتٍ تنطبق على الأُسَر والمجتمعات البشرية؛ ولذلك يقول أوبيان متحدِّثًا عن سمك التونة (١، ٧٥٦–٧٦٤):

أعتقدُ أنَّ ما من سمكة تعيش في البحر تفوقها فوضويةً وجموحًا (أثيميستيرون) أو تتفوق عليها في الشر؛ إذ إن السمكة الأم بعد أن تضع البيض وتفلت من ألم المخاض الفظيع، فإنها تلتهم كلَّ ما تستطيع التهامه من البيض؛ إنها أمٌّ عديمة الرحمة تلتهم صغارها وهم ما زالوا عاجزين عن الهرب، ولا تُبدِي أيَّ شفقةٍ على صغارها. وتوجد كذلك أنواعٌ من الأسماك لا تتكاثر بالتزاوج (غامويسي) أو الولادة، فهي أنواع تتكاثر ذاتيًّا: وكلُّ أنواع المحار تنشأ بالطريقة نفسها. (ترجمه إلى الإنجليزية: ماير)

ونقرأ في الجزء الثاني (٤٣–٤٥):

لا مجالَ للعدل أو الرحمة أو المحبة بين الأسماك؛ إذ إن كلَّ الأسماك السابحة يناصِبُ بعضها بعضًا أشدَّ العداء.

وفي موضع لاحق (٢، ٦٤٢–٦٤٨)، يقول عن أسماك «كيسترويس» أو البوري الرمادي إنها:

تتميَّز بألطف الطباع وأكثرها صَلاحًا؛ فأسماك البوري الرمادية الطيبة هي الوحيدة التي لا تؤذي أيَّ أسماكٍ من نوعها أو من أي نوعٍ آخَر، ولا تلمس بشفاهها أيَّ طعام من اللحم ولا تشرب الدماء، بل تتغذَّى دون أذًى، دون أن تتلوَّث بالدماء ودون أن تُؤذِي غيرها، فهي نوعٌ نبيل. (ترجمه إلى الإنجليزية: ماير)

فما هي العلاقة التي يُفترض أن تكون بين البشر والأسماك؛ أن نأكل الأسماك الفوضوية الجامحة أم الأسماك المسالمة الرقيقة؟ ظهرت محاولاتٌ كثيرة لتصنيف عالم الطبيعة وترتيبه، في كتاباتٍ أخرى غير الكتابات الخيالية؛ فقوائم أسماء الحيوانات والنباتات التي تظهر في كتاب أثينايوس تأتي أساسًا من الأعمال الرائدة التي ألَّفها أرسطو عن علم الحيوان، والتي ألَّفها ثيوفراستوس عن النباتات. هذان البحثان معقدان من الناحية الفلسفية، ويطرحان مشكلاتٍ كبرى تتعلَّق بالتصنيف، ولكنهما يُفرِدان مساحةً للاهتمام بتناوُل الطعام، ويتضح ذلك في مناقشةِ أرسطو عن الجراد مثلًا، أو في حديث ثيوفراستوس عن السيلفيوم.

وننتقل من علاقة البشر بالحيوانات والنباتات إلى النصوص القديمة التي تتناول موضوعاتٍ كبرى تتعلَّق بالطعام، وتتعلق هذه المشكلات أساسًا بالمتعة والترف. ولكن، دَعُونا نتأمَّل أولًا الصورة الكبيرة للعالَم الإغريقي الروماني أو العالَم «المتحضِّر».

كانت ثمة رؤية للعالَم تشغل تفكيرَ المُؤلفَيْن اللذين يُسهِمان بالكثير في هذا الكتاب، وهما جالينوس وأثينايوس. يساعد جالينوس في بحثه المُعنون ﺑ «عن المحافظة على الصحة» في معايشة أجواء العالم الإغريقي داخل الإمبراطورية الرومانية ونقل ذلك إلى قرَّائه. يقول عن الأطفال الألمان (١، ١٠) إنهم «يفتقرون إلى التربية الصالحة. ولكننا لا نكتب هذه الأشياء للألمان أو لغيرهم من الشعوب غير المتمدنة أو الهمجية؛ ولا نكتبها للدِّبَبة أو الخنازير أو الأُسُود أو لأيٍّ من الحيوانات الأخرى، بل نكتبها للإغريق ولمَنْ وُلِدوا كأفرادٍ من شعب همجي ولكن يتَّبِعون التكوينَ الثقافي للإغريق». ولا يرى جالينوس الثقافةَ الإغريقية بصفتها ناديًا مقصورًا على أبنائه، ويعتنق التعقيداتِ الهائلةَ التي تتألَّف منها الإمبراطورية الرومانية التي يمكن استيعاب الناس تحت لوائها؛ ويمكن توضيح هذه الفكرة في موضعٍ لاحق في البحث نفسه حين يتحدَّث جالينوس عن النبيذ (٥، ٥). ويشمل عالَمُ جالينوس أنواعَ الخمور الإيطالية الرفيعة مثل فالرنيان، والأنواعَ الإغريقية المُفضَّلة مثل نبيذ ليسبوس، والخمورَ المصنوعة في موطنه في آسيا الصغرى مثل ميسيا وبيثنيا، ويذكر أيضًا الخمورَ الصقلية والغلاطية. وبخصوص الرجال المتقدِّمين في السن الذين يعانون من اضطرابات الكلى، سيكون من المناسب استخدام إضافاتٍ من حشيشة الجرَّاح (أو بطونيقا اشتقاقًا من اسمه بالإنجليزية Betony)، أو العُشْب السِّلتي «كيسترون»، أو الناردين أو الفلفل (وكلاهما من آسيا).

تشمل المصطلحات الجغرافية المرجعية التي يستخدمها جالينوس الإمبراطوريةَ الرومانية بأسرها ومناطقَ خارجها. وهذه السمة واضحة أيضًا في بحث «عن قوى الأطعمة»، الذي يتحدَّث فيه جالينوس عن مجموعةِ أطعمةٍ تتراوح بين الأرنب الإسباني والفستق السوري، وبين الجاودار التراقي والجَمَل الإسكندري. ويكتمل ذلك النطاق المكاني أيضًا بنطاقٍ اجتماعي نادرًا ما يتحقَّق في أعمال المؤلفين القدماء. وفي سياقِ مناقشةِ جالينوس لأنواع القمح المقشور («عن قوى الأطعمة» ١، ٢)، يتحدَّث عن جماعتين من الناس؛ ريفيين في أيام عيد ورياضيين، وتختلف كلتا الجماعتين عنَّا «نحن»، ويُقصَد ﺑ «نحن» صفوة المؤلفين والذين من المفترض أنهم يقرءون هذا البحث. يضيف الريفيون كما رأينا في الفصل الثاني الجُبن إلى الخبز في أيام الأعياد والاحتفالات، وهذه التوليفة تلحق الضررَ حتى بأقوى بنية. ويضرب مثلًا بالحصَّادين وحفَّاري المصارف؛ إذ يُنظَر إليهم بصفتهم أكثر قدرةً على هضم الخبز غير المختمِر مقارَنةً بالرياضيين، وهم الأقوياء النموذجيون في المُخيِّلة القديمة. ويشرح جالينوس أن الكدح والعمل الشاق يجعلان الريفيين يشعرون بالجوع الشديد إلى حدٍّ يجعل معدتهم تحتجز الطعام غيرَ مكتمِلِ الهضم؛ «وهذا هو السبب في أن هؤلاء يتعرَّضون فيما بعدُ لأمراضٍ مزعجة للغاية، ويموتون قبل أن يبلغوا الشيخوخة. ومعظم الناس الذين يرونهم يأكلون ويهضمون ما لا يستطيع أحدٌ منَّا هضمه، يهنِّئونهم على قوة أجسامهم، جَهْلًا منهم بهذه المعلومة» (ترجمه إلى الإنجليزية: باول). الريفيون والرياضيون ونحن، نلاحظ أن جالينوس — الطبيب الذي عاش في عهد الإمبراطورية، والذي حضر مباريات المصارعين، وحضر الحملات العسكرية التي قادها الإمبراطور — يطوف بمجالاتٍ متنوعة حتى يصل إلى رؤيته للعالم، ويتجوَّل أيضًا بين الكتب الدراسية في مجال الطب وكذلك في الأعمال الأدبية؛ إذ لا يعتمد فقط على أبُقراط والمؤلِّفين المتخصِّصين في مجال الطب وغيرهم من المؤلِّفين المتخصِّصين في المجالات التقنية ذات الصلة مثل ديسقوريدوس، بل يعتمد كذلك على أفلاطون وأرسطو وأريستوفان؛ ومن ثَمَّ، يتحدث جالينوس في البحث القصير المعنون ﺑ «عن العادات» («بيري إيثون») عن نصائح مأخوذة من كتاب «طيمايوس» لأفلاطون، وكذلك عن مبادئ أبُقراط والطبيب الهلنستي إراسيساتراتوس؛ إذن، تأثَّرَ الأطباءُ بالفلسفة وتأثَّر الفلاسفةُ بالطب؛ فرأينا اهتمامَ أفلاطون بجسمِ الإنسان في كتاب «طيمايوس» كما سبق، وفي كتاب «الجمهورية» يعتمد على أفكارٍ مأخوذة من أبُقراط وعلى نظامٍ غذائي اقترحَتْه شخصيةٌ غامضة نوعًا ما، وهو هيروديكوس السيليمبري.

وتشمل هذه الرؤية — التي جمعها جالينوس في مجموعةٍ من الأبحاث — عالَمَ الطبيعة والعالَمَ المتحضِّر، وتشمل الكون والحضارة. وسبق أنْ شرح الكثيرون ممَّنْ سبقوا جالينوس عالَمَ الطبيعة وعالَمَ الأخلاق وعلاقتهما بالطعام، وهذه المعتقدات والتفسيرات عن الظواهر الطبيعية هي موضوع هذا الفصل.

وتتكرَّر على مدى قسمٍ كبيرٍ من الفِكْر القديم المتعلِّق بالطعام فكرةٌ قوية قائمة على التناقُض، بين الكفاية والإسراف، وبين البساطة والتعقيد، وبين النفع والمتعة. وسنرى أصداءَ هذه الفكرة في الفصل التاسع الذي يتناول الأدب، وسنعود في مواضع أخرى من الكتاب إلى الفكرة القوية المتعلقة بالإسراف الذي ينبغي كبحه. كان الكثيرون في العصور القديمة يعتقدون أن البشر خاضعون لرغباتٍ في مجالات معينة تتعلَّق باحتياجات الإنسان الأساسية من الطعام والتكاثُر والملبس، وظهرت أنظمةٌ فكرية منظَّمة لتعريفِ هذه الاحتياجات وتحديدها، وكثيرًا ما كان يُعتقَد أن الترف يكمن في فئاتٍ معينة من البشر، خصوصًا مَن ينتمون إلى ثقافاتٍ أخرى والنساء والعبيد والرجال ممَّنْ ينحرفون عن قواعد السلوك التقليدية. وتشيع هذه الأفكار في الكثير من المصادر المختلفة، خصوصًا تلك التي تقارِن المعتقدات التقليدية بالتأثيرات الخارجية؛ ومن ثَمَّ، سنرى فيما يأتي تعليقاتِ كاتو الأكبر عن التأثير الإغريقي في إيطاليا في القرن الثاني قبل الميلاد، وتعليقاتٍ إغريقية مماثلة عن تأثيرات الفُرس على اليونان في تاريخٍ سابقٍ لتلك الفترة، وسنرى أيضًا تعليقَ سينيكا على تبذير عِلْيَة القوم من الرومان في القرن الأول الميلادي. وجزءٌ كبير من هذا الجدل بدأه أفلاطون من خلال سلسلةٍ من المناقشات التي تدور حول مسألة الرغبة هذه.

ومع ذلك، نجد أن أبرز الأفكار الفلسفية التي ظهرت وأكثرها تكرارًا على الإطلاق تتعلَّق بالترف والمتعة، ونجد أن أعمال المؤلفين من معظم العصور تشمل تحذيراتٍ بشأن الترف (إذ كثيرًا ما يرونه خطرًا يهدِّد المواطنين ويكون السبب وراءه الأجانب وغيرهم من الجماعات الخارجية)، وبشأن المتعة أيضًا. ولا يرفض المتعة رفضًا قاطعًا إلا قلة قليلة من المؤلفين، ولكن كان من المعتقد دائمًا أن المتعة تنطوي على إمكانيةٍ لمزيدٍ من صور المتعة الأشد إلحاحًا، وأنها تتَّسِم بالنَّهَم عمومًا. وحتى المؤلفون الذين يعتقد الكثيرون أنهم يؤمنون بالمتعة — مثل إبيقور — يكتبون عنها مستخدمين تعبيرات حَذِرة جدًّا، كما سنرى. وسنجد أن الاهتمام بالمتعة في هذا الفصل كثيرًا ما يُوضَع في مقارنة مع مفاهيم الاحتياج أو المنفعة، ونجد مثالًا من الأمثلة المتوقَّعة للمقابلة في الجزء الثاني من كتاب «حديث المائدة» ٢ لمؤلفه بلوتارخ:

عزيزي سوسيوس سينيكيو، بعض التحضيرات الخاصة بإعداد مآدب العشاء وحفلات الشراب تُصنَّف على أنها من الضروريات، مثل النبيذ والطعام، وبالطبع الأرائك والموائد. والبعض الآخَر عبارة عن وسائل لَهْوٍ تُقدَّم من أجل المتعة، ولا ترتبط بها أيُّ فائدة ضرورية؛ مثل الموسيقى والعروض المثيرة وفيليب المضحك في منزل كالياس. (من كتاب «حوار المأدبة» من تأليف زينوفون)

وسنرى أن المؤلِّفين يختلفون في تصنيفهم لما يندرج تحت مسمَّى المتعة، وما يندرج تحت مسمَّى المنفعة. ولكن من وجهة نظر أفلاطون وجالينوس وأثينايوس، فإن هذه المقابلة ضروريةٌ من الناحية المفاهيمية بهدفِ تبريرِ رؤيتهم للعالَم في إطارٍ أخلاقيٍّ وفِكريٍّ مقبول.

وتبرز هذه السمة على وجه الخصوص عند التقليل من شأن النواحي الاجتماعية والدينية للطعام، وعند تعارُض احتياجات الجسم مع مخاطر المتعة؛ ففي أعمال أفلاطون، نلاحظ أن الطعام يُوصَف بأنه مُضِرٌّ في «محاورة جورجياس»، ونجده مقبولًا في النسيج الاجتماعي والاحتفالي في كتابَي «القوانين» و«حوار المأدبة»؛ ونجده يتحدَّث عنه حديثًا متناقضًا في كتابه «الجمهورية». وعلى الجانب الآخر من الفترة الزمنية التي يتناولها الكتاب، في كتاب «عن التقشُّف» من تأليف فرفريوس التابع للمدرسة الأفلاطونية الحديثة، نلاحِظُ النظرَ إلى الطعام بصفته عدو الفيلسوف — أو الحكيم الزاهد — الذي يجب ألَّا يكون عُرضةً لمتع الجسد التي يتمتَّع بها البشرُ العاديون. سيكون كاتو الأكبر وموسونيوس روفوس من أشدِّ المعارضين لنواحٍ معينة من عادات تناوُل الطعام لدى الرومان، شأنهما شأن سينيكا والرواقيين.

وكما رأينا في مواضع أخرى، كان القرن الرابع قبل الميلاد فترةً مهمةً لتطوُّر الفِكْر في هذا الشأن. كان لأفلاطون دورٌ مؤثِّر في تحليله للمتعة، وسنبدأ بكتابه «الجمهورية»؛ ففيه يعكف كلٌّ من سقراط وأدمينتوس وغلوكون على تحديد العناصر التي ستكون ضروريةً لإمداد الجمهورية المثالية بأسباب الحياة، ويحدِّدون الضروريات الأساسية بأنها الحبوب والنبيذ والملابس والأحذية (٣٧١). وسيكونون بحاجةٍ إلى مساكن أيضًا، وغالبًا ما سيكونون عراة وحفاة صيفًا، ويرتدون ملابسَ وأحذيةً شتاءً. وسيتغذون على دقيق الشعير، الذي سيصنعون منه كعكةَ الشعير أو «المَازا»، وسيتغذون كذلك على دقيق القمح الذي سيضعونه على أعواد قصب أو ورقاتٍ نباتيةٍ ويخبزونه ليصبح خبزًا، وسيتَّكِئون على أرائك ريفية مفروشة بخشب الطقسوس وأغصان الآس، وسيأكلون مع أطفالهم ويمضون في شرب النبيذ وارتداء الأكاليل وغناء الترانيم للآلهة، و«يعيشون عيشة رضيَّة معًا، ولا يُكثِرون من الإنجاب بما يفوق طاقتهم، ويحذرون كلَّ الحذر من الفقر والحرب.» وهذه التفاصيل مهمة للمناقشة التي سنتناولها بعد قليلٍ بخصوص الأشياء التي تُعَدُّ من وسائل الترف، وتشمل التفاصيل حتى الآن الضروريات الأساسية المذكورة آنفًا، وهي تتعلَّق بالطعام والإنجاب والدفء، وكلُّها ترتبط بالجسد. ويحدِّدون الشعير وكذلك القمح — وهي مفاجأة — بصفتها أطعمة ضرورية، ويذكرون طقوس تناول الطعام مثل الاتكاء وتتويج الرءوس بالأكاليل، ويحددون الاعتبارات الاقتصادية بخصوص الإمدادات الكافية ومخاطر التهديدات الوافدة من الخارج (على افتراض أن جيرانًا أقوى يحسدون هؤلاء على ما لديهم). ومن المُلاحَظ على وجه التحديد وجود تصوُّر لنموذج زراعي، يخلو من أي أطعمة لا تُزرَع في إقليم أتيكا؛ ولذا، ليست التجارة من بين المقترحات المطروحة. يُذَكِّر غلوكون سقراطَ أن مواطنيه حتى ذلك الوقت يتناولون طعامهم دون أي مكملات من اللحوم والخضراوات للغذاء الأساسي المكوَّن من الحبوب، أو ما يُطلِقون عليها «أوبسا». وتعبِّر هذه الكلمة عن معانٍ متضمَّنة معينة تعبِّر عن الانغماس في المتعة والرغبة الجامحة، كما يأتي في ديفيدسون (١٩٩٧).

ويُدرِج سقراط «أوبسا» — وهي المكملات الغذائية اللذيذة التي تضاف إلى الحبوب العديمة النكهة — التي تُعد ضرورية لصحة الإنسان في ضوء فهمنا للتغذية في وقتنا الحاضر، ويضيف معها أيضًا الملح والزيتون والجبن وبصلات الياقوتية والخضراوات الورقية، ذلك «النوع الذي يسلقونه في الريف». وسيتوافر أيضًا البلح والحمص والفول لتناوله على مهلٍ، وثمار الآس والبلوط لِلشَّيِّ، فضلًا عن شرب الخمور باعتدال؛ «هكذا سيعيشون حياة هادئة، ويتمتعون بصحة جيدة، وسيكون من المرجح أن يعيشوا عمرًا طويلًا ويورِّثوا نمطَ الحياة هذا إلى أبنائهم.» ويقول غلوكون إن هذه حياة لا تناسِب إلا الخنازير؛ فالضرورياتُ تشمل أرائكَ للاتِّكاء عليها، وموائد لتناوُل الطعام، وأطعمة لذيذة ومقرمشة «كالتي يحظى بها الناسُ في وقتنا الحاضر». ونجد أن ردَّ سقراط على هذا مثيرٌ للاهتمام؛ إذ يقول: «يبدو أننا لا نتأمل في كيفية تأسيس مدينة بقدر ما نتأمل في كيفية تأسيس مدينة مترفة». وهذه ليست مدينة «صحية» بالضرورة، وربما تأوي الظلمَ، وربما تُضطر للدخول في حروب. والعناصر التي يحدد وجودها في مدينة مترفة كهذه هي كما يأتي: الأرائك والموائد وغيرهما من الأدوات المستخدمة في تناول الطعام، والطعام اللذيذ، وصمغ المرِّ، والبخور، والمحظيات، والكعكات، واللوحات المرسومة، والذهب، والعاج. وسيكون في هذه المدينة عددٌ كبير من أصحاب المهن والصيادين، والفنانين المتخصصين في النحت والرسم والموسيقى، والشعراء ومساعديهم ومُنشِدي الشعر، والممثلين والراقصين ومتعهِّدي الأعمال، والحرفيين المتخصِّصين في صنع كل أنواع الحِرَف اليدوية بما في ذلك أدوات زينة النساء، وستكون فيها مجموعةٌ من الخَدَم والمعلمين الخصوصيين والمرضعات والممرضات ومصفِّفي الشعر والحلَّاقين وصانعي «الأوبسا» والطُّهَاة. «سنكون بحاجةٍ أيضًا إلى رعاة الخنازير.»

fig27
شكل ٧-٢: يظهر الفلفل في المؤلَّفات الطبية والأدبية بدءًا من القرن الرابع قبل الميلاد حتى كتاب الطهي الذي ألَّفَه أبيكيوس في أواخر العصور القديمة. وكان الفلفل يحظى باستحسانٍ كمادة منكِّهة، ونظرًا لصفاته التي تساعد على التدفئة في الطب (راجع دالبي ٢٠٠٣: ٢٥٤-٢٥٥). يصف ميلر (١٩٦٩: ٨٠) الفلفل باعتباره «السلعة الأساسية للنشاط التجاري للإمبراطورية الرومانية مع الهند». (حصلنا على نسخة من الصورة بإذنٍ من كبير كهنة كاتدرائية إكستر ورجال الكنيسة العاملين بها.)

يؤكِّد أفلاطون أيضًا على جزئيةٍ مهمةٍ في «محاورة جورجياس»، وهي محاورة مُطوَّلة عن الخَطابة والمتعة ومجالاتٍ من المجتمع قد تفيدُ أو تضرُّ الفرد والمجتمع. ويرى أن العقل والروح جانبان أرقى لدى الإنسان من الجسد، ولكن حين يتعلَّق الأمر بالعناية بالجسد، فإن المرءَ يلجأ إلى أشخاصٍ مناسِبِين وآخَرين غير مناسِبِين طلبًا للنصح. ينصح الطبيبُ بما يحتاجه الجسد، وينصح الطاهي بما يجلب المتعة؛ وكان لهذا الفَصْلِ بين الطب والطهي دورٌ مؤثِّر في الفِكْر القديم (وإنْ كنا رأينا في هذا الكتاب الكثيرَ من الأمثلة لتعاوُن الطهي والطب في تناغُمٍ). يذكر أفلاطون أصحابَ مِهَنٍ بعينهم (٥١٨) ممَّنْ كانوا مرموقين في أثينا؛ مثل: ثياريون الخبَّاز، وميثاكوس الطاهي، وسارامبوس صانِع النبيذ.

وفي غضون ذلك، ظهرت أيضًا في المسرح الكوميدي — في القرن الرابع قبل الميلاد — شخصياتٌ معينة مرتبطة بعادات تناول الطعام الراقية، وكان من بينها الطاهي الذي يُحضِّر الطعامَ وتحدَّثَ عنه كثيرًا. وكان من الشخصيات الأخرى المُتطفِّل أو المُنتفِع الذي يستجدي الطعامَ والشراب دون وجه حقٍّ على عكس المشاركين الآخرين، حيث يستجديه بسبب الفقر والظلم، مثل الشحَّاذين في ملحمة «الأوديسا». وكانت الشخصية الثالثة هي «هيتارا» أو المحظيَّة التي كانت تسلب الرجالَ أموالَهم في جلسة الشراب، وهي قسمٌ من الأمسية مخصَّص لشرب الخمور. وكلُّ هذه الشخصيات النمطية — التي يدل تكرار ظهورها على قلقٍ مستمر بشأن المشكلة — كانت توضِّح للمشاهدين المخاطرَ التي تقترن بالمتعة، وهذه المخاطرُ تحدق بالرجال على وجه التحديد. يذكر أثينايوس، على سبيل المثال في الموضع (٤، ١٦٥)، أن المسرحيات الكوميدية كانت تهزأ بشخصٍ اسمه ستيسيبيوس — ابن كابرياس — وكان يميل إلى التبذير («أزوتيا»)، حتى إنه باع ضريحَ أبيه (وكان هديةً من مدينة أثينا) لينفق على حياة الترف والبذخ التي كان يعيشها («هيدوباثيا»). وهذه الكلمة الأخيرة مثيرةٌ للاهتمام؛ فهي تظهر لأول مرة في أعمال زينوفون، وهي عنوان القصيدة الساخرة التي تتحدث عن وصفات الطهي التي ألَّفها الشاعر أركستراتوس الذي عاش في القرن الرابع (راجع الفصل الثاني).

ويظهر تقييمٌ أكثر إيجابيةً عن الطعام وعادات تناول الطعام في مجالاتٍ فكرية أخرى في العصر القديم. ومن المجالات اللافتة الطبُّ؛ إذ يقع الطعام والطهي في صميم عملية التمدين والتهذيب وفي صميم الجهاز الهضمي، وذلك كما يأتي في الفصل الثامن؛ فالمقصود هو تناول الطعام باعتدالٍ. ويظهر هذا بوضوح في النصوص الطبية بدءًا من أبُقراط وانتهاءً بجالينوس. ويتحدَّث جالينوس في كتاب «عن قوى الأطعمة» — على سبيل المثال — بأسلوب يستدعي إلى الأذهان أسلوب أفلاطون، وتحديدًا في الموضع الذي يعلِّق فيه على استخدام الطهاة للأعشاب لتحسين الطعم (٢، ٥١، وهو ما استشهدنا به في الفصل الأول). ويعلِّق أيضًا بدهشةٍ على إقبالِ أهل روما على كبد أسماك البوري الحمراء بعد هرْسِها ومزْجِها بصلصة الغاروم وزيت الزيتون (٣، ٢٦):

أبدى الذوَّاقةُ إعجابهم بكبد أسماك البوري الحمراء نظرًا لطعمه اللذيذ … ولكني لا أعتقد أنه لذيذ الطعم أو مفيد للجسم بما يبرِّر ذلك الإعجاب … ولا أستطيع أن أفهم أيضًا السبب الذي يدفع الكثيرين لشراء أسماك البوري الحمراء من الحجم الأكبر؛ فلحمها ليس لذيذًا مثل لحم الأسماك الأصغر حجمًا، وصعب الهضم لأنه قاسٍ نوعًا ما؛ ولذلك، استفسرتُ من أحد الذين كانوا يشترون أسماك البوري الحمراء بسعر مرتفع عن سبب حماسه لهذه الأسماك؛ فأجابني بأن ما يدفعه لشراء أسماك كبيرة السن مثل تلك الأسماك هو كبدها بالتحديد، ومع ذلك كان يشتريها أيضًا من أجل رءوسها. (ترجمه إلى الإنجليزية: باول)

في معظم أعماله، لا يتحدَّث جالينوس عن عادات تناول الطعام لدى الأغنياء إلا حديثًا عابرًا؛ فالأغنياء كان يهتم بالحديث عنهم الكثيرُ من المؤلفين مثل بلينوس وكولميلا، وذلك في بداية كتابه «عن الزراعة»، ويصوِّر فيه المعاصرين له باعتبارهم يبتعدون عن القِيَم التقليدية (خصوصًا القِيَم الزراعية المقدَّسة) ويتَّجِهون نحو التفاخر الحضري البلاغي المتأنق. تترافق مع أراضي الأسلاف ظاهرةُ التجنيد بنظامِ نصف الوقت للمواطن المزارع. يتبع أثينايوس — في استعراضه للترف في الجزء الثاني عشر من كتابه — نموذجًا لتطور الدولة يبدأ بمجتمع يعج بالقوة والشجاعة القتالية؛ ثم يصبح ناجحًا وعظيمًا، والأهم أنه يصبح «رقيقًا»، ثم يتحطم في نهاية الأمر على رمال الترف. ويذكر أثينايوس أمثلةً للدول والأفراد التي تعاني من تلك الرقة، وتأتي هذه الأمثلة في القصص الأخلاقية التي تنطوي على غرض تعليمي واضح.

وكثيرًا ما يكون الطعام جزءًا لا يتجزأ من ذلك التطور الاجتماعي والثقافي؛ ولذلك، نجد أن كتاب هيرودوت يتحدَّث مرتين عن قائدٍ عسكري من الغزاة يُسأل عن سبب غزوه لبلد أفقر من بلده في الزراعة، ثم يَلْقَى الهزيمة في نهاية الأمر. ويبدو أن الحجة هي أن مصر وبلاد فارس على التوالي أغنى من جيرانهما من حيث وفرة الغذاء والزراعة؛ ومن ثَمَّ فإن الرغبة في غزو هذه البلدان المجاورة أمرٌ يبعث على الدهشة. ويقارن خطابُ الترف أيضًا بين عادات تناول الطعام الفاخرة الحالية وعادات تناول الطعام الأقدم الأكثر تقشفًا؛ ونلاحظ هذا في كتابات المؤلفين الإغريق والرومان، بل في بلاد فارس حيث نجد أن الأطعمة التقليدية التي قامت عليها الهوية الفارسية هي البُطْم ونوع من نبات الرَّشَاد، وذلك بصرف النظر عن فخامة القصور الملكية هناك (سانشيسي ويردينبِرج ١٩٩٥). ويعلِّق جالينوس على الكسل في عصره الذي تقابله الفضائل القديمة (وهو ما نستشهد به في الفصل الثامن)، ويُبْدِي بلينوس أسفه — كما رأينا — بشأن التدهور في العصر الحديث («التاريخ الطبيعي» ٨، ٢١٠):

كان الخنزير البري يُقسَّم إلى ثلاثة أجزاء، وكان يُطلَق على الجزء الأوسط خاصرة الخنزير. كان أولُ مَن يقدِّم خنزيرًا كاملًا في مآدبه من الرومان هو بوبليوس سيرفيليوس رولوس … (في أوائل القرن الأول قبل الميلاد) فذلك التاريخ هو الذي شهد بداية هذا الحدث الذي أصبح حاليًّا من الأحداث اليومية، ويأتي ذلك الحدث في النصوص التاريخية — ربما بسبب تحسُّن هذه العادات — وفيه يُؤكَل خنزيران بريَّان أو ثلاثة في مناسبة واحدة، وليس بصفته الطعام الذي يُقدَّم على مدى المأدبة بأكملها، بل بصفته أحد المقبلات.

شهد الكُتَّاب الإغريق والرومان الكثيرَ من أمثلة هذا التطور، وكتبوا عن نماذج للبساطة تتناقض مع ذلك وتقع في الماضي أو في المناطق غير الحضرية. ويرى أثينايوس أن هذه البساطة تكمن في قصائد هوميروس، مثلًا. والسؤال الذي يهمنا هو: هل كانت التطورات من هذا النوع مؤثِّرة في تاريخ الطعام وعادات تناول الطعام، أم كانت تختلف عن تطوُّر الطعام في الثقافة، مثل ذلك التطور الذي ناقشناه في الفصل الأول؟ وربما كانت هذه الظواهر المترفة — على سبيل المثال — أحداثًا متفرقة كانت تؤدي بدورها إلى نتائج متشابهة في قرونٍ مختلفة، وتتعلَّق بالكتابات الفلسفية أكثر منها بعادات تناول الطعام. يذكر بلينوس التغيُّرات التي طرأت على طريقة أكل الخنزير البري، شأنه شأن المؤلِّف المهتم بالوعظ الأخلاقي جوفينال في قصيدة «المقطوعة الهجائية الأولى»، ولكن بلينوس في الفقرة نفسها يروي أيضًا أن كاتو الرقيب في بداية القرن الثاني قبل الميلاد كان قد كتب خطبًا تشجب «كالوم»، أو دهن الخنزير البري. وكان كاتو محقًّا على الأرجح في رأيه عن شرور لحم الخنزير.

وكثيرًا ما يُعرَف كاتو بوصفه شخصية جمهورية صارمة حاولت المحافظةَ على القِيَم التقليدية الرومانية أمام التأثير الإغريقي. وكان يناهِض توسُّعَ المصالح الرومانية في البلدان الإغريقية، وكان يناهض عائلةَ سكيبيو الذين كان لهم دورٌ مؤثِّر في التوسُّع في إسبانيا وقرطاج واليونان. ويشتهر بشكواه من جلب فِتْيَة يتَّسمون بالوسامة إلى إيطاليا، واستيراد الأسماك المُملَّحة من البحر الأسود، وكان يصل سعر الجَرَّة منها إلى ٣٠٠ دراخما وهو سعرٌ أعلى من سعر الأرض (بوليبيوس ٣١ وأثينايوس). ويتحدَّث بلوتارخ في كتابه «حياة كاتو» عن عادات تناول الطعام الغريبة التي كان يتَّبِعها كاتو، مثل عادته أن يأكل الخبز ويشرب النبيذ مع عبيده.

لا بد أن نشاهد هذه الصورة على حقيقتها، بصفتها صورة مصنوعة خصوصًا لتحقيق أكبر تأثيرٍ سياسي وخطابي؛ فالقائد العسكري المنتصر إميليوس باولوس، المحب لكلِّ ما هو إغريقي، المعروف باهتماماته الإغريقية وكتبه الإغريقية، لم يكن هو النقيض لكاتو؛ إذ إنَّ كاتو درسَ اللغة الإغريقية واستعملَ الأبحاث الإغريقية في كتابه المتخصِّص في الزراعة، وكان كفيل الشاعر الأوسكاني الشاب إينيوس. فهذا الخطيب الذي يجيد ثلاث لغاتٍ أصبح أيقونة أخرى للتقشُّف في روما في عصر الجمهورية، ولكن أحد أعماله كان نسخة لاتينية من كتاب «حياة الترف» من تأليف أركستراتوس، وليس المقصود بهذا أن نتَّهِم كاتو وإينيوس بالنفاق، بل المقصود أن نذكر أن هذا كان عصرًا مُركبًا يعجُّ بالعلاقات الدولية والأيديولوجيات المُركَّبة. ولم يكن من الصعب على تلميذٍ تحت التدريب، من جنوب اليونان، أن يقدِّم لِمَنْ يقرءون اللاتينية قصيدةً من قرنٍ سابق في صقلية الإغريقية. وكان الترف من بين تلك الموضوعات الأيديولوجية. يقارن بلوتارخ بين عاداتِ تناول الطعام لدى كاتو، وعاداتِ تناول الطعام لدى اثنين من جيرانه، وهما مانيوس كوريوس دينتاتوس وفاليريوس فلاكوس، وقد اشتُهِر الثاني بأنه هزم بيروس — القائد المقدوني الذي غزا إيطاليا — وبعد هذا الانتصار الهائل وبعد ثلاثة انتصاراتٍ عاد للعمل في زراعة حقله. يروي بلوتارخ (٢، ١):

وجده سفراءُ منطقة سامنيوم في حقله جالسًا عند المصطلى يسلق اللفت. كانوا يريدون أن يمنحوه كميةً كبيرة من الذهب، ولكنه صرفهم قائلًا إن الرجل الذي يكفيه عشاءٌ مثل ذلك ليس بحاجةٍ إلى الذهب، وإنه يُفضِّل غزْوَ البلاد التي تمتلك اللفت عن الحصول على الذهب.

وفي الوقت نفسه، كان فاليريوس معجبًا بعادات تناول الطعام التي يتبعها كاتو؛ إذ كان يجلس إلى المائدة مع عبيده ويشاركهم الطعام والنبيذ نفسه، ودعاه إلى مأدبة عشاءٍ. ولم تكن هذه المأدبة على شاكلة المآدب غير الرسمية التي لا تكترث بالفوارق الطَّبَقيَّة، ويتناول فيها العبيدُ النبيذَ والخبزَ الذي يتناوله أسيادُهم من أبناء الطبقة الراقية؛ إذ كانت تمثِّل البوابة التي دَخَل منها كاتو إلى معترك الحياة السياسية في روما. ومع ذلك، ما إنْ صار كاتو رجلًا له سلطان في روما، «حتى أصبح يرضى بعشاءٍ بسيط وإفطار/غداء بارد (أريستون) …» حسبما يروي بلوتارخ ضمن جوانب أخرى من حياة كاتو البسيطة (٤، ٢). وظلَّ كاتو يمارس نشاطه كسياسيٍّ وكرقيب لمناهضة الإسراف، وكان يرى (حسب ما أورده في الموضع (٤، ٢) من كتابه) أن «الجمهورية لم تكن تحمي نقاءها نظرًا لمساحتها الشاسعة، وأن حكم الكثير من الأماكن والشعوب كان يستدعي منها المشاركةَ في الكثير من الأنظمة الأخلاقية واعتناق نماذج لأنماط حياة متباينة تمامًا.» ويتشابه ما قاله بلوتارخ مع ما قاله بوليبيوس؛ فهذه معركة أيديولوجية على روح الجمهورية التقليدية التي تتنافس مع الجمهورية ذات الميول التوسُّعية إبَّان القرن الثاني قبل الميلاد. وفي الموضع (١٦، ٤)، يروي بلوتارخ أن ترشيح كاتو لمنصب الرقيب كان قائمًا على ضرورة «تخفيف الترف والرقة («تروفين كاي مالاكايان») مثل الأفعى المتعددة الرءوس» (راجع أستين ١٩٧٨: ١٧٣).

وهذا الجدل الأيديولوجي الدائر حول شخصية كاتو الأكبر ينطوي على أهمية للفِكْر الذي يتناوله هذا الفصل؛ فهو يعرض التضاد بين ادِّعاءات الحياة الريفية التقليدية ومتطلبات المدينة الآخِذة في النمو، بالإضافة إلى عوامل التأثير الخارجية. تظهر مخاوفُ في بعض المناطق من أن الإمبراطورية التي تتبع نهْجَ التوسُّع ربما تكون مُعرَّضة لخطر الغرق في طوفان السلع المترفة الأجنبية. وللطعام وعادات تناوُل الطعام دورٌ في هذه العملية، كما أنها آليةٌ وأسلوبٌ للنظر إلى العالَم الذي لا يقتصر على روما وحدها، بل ينعكس في أثينا وربما في الكثير من المدن الإغريقية. وأناقشُ هذا في ويلكنز (٢٠٠٠: الفصل السادس). ونجد أصداءً لذلك في المسرح الكوميدي الإغريقي والروماني؛ حيث تُعرَض تلك المتضادات أمام عدد كبير ومتنوع من المشاهدين. وهي سمة شائعة قبل كل شيء في الأدب الروماني الذي نناقشه في الفصل التاسع، وفي «الهجائيات» التي ألَّفها هوراس وجوفينال (في «المقطوعة الهجائية الحادية عشرة»، يشير جوفينال بوضوحٍ إلى مانيوس كيوريوس)، والخطابات والخُطَب والمقالات التي ألَّفَها كلٌّ من شيشرون وسينيكا، وفي قصيدة «الأعياد» من تأليف أوفيد (راجع ما سبق)، وكتب التاريخ التي ألَّفَها سالوست وتاسيتُوس والتي نُسِجت حولها الأساطير. وما يهمنا هو تاريخ الطعام، وهو يُستقَى من مصادر متباينة للغاية، ولكن تلقِّي ذلك التاريخ يعتمد أساسًا على هذه الأعمال الأدبية ذات المضمون الأخلاقي التي ظهرت في بداية الإمبراطورية الرومانية.

طبَّقَ كاتو في أواخر حياته نظامًا قاسيًا على عبيده العاملين في منزله، وشملَ ذلك — على حدِّ وصف بلوتارخ (في كتابه «حياة كاتو» ٢١، ٤) — ضبْطَ حياتهم الجنسية، وتطبيق عقوبة الإعدام بإجراءاتٍ موجزة من دون محاكمة عندما يقتضي الأمر ذلك. أما عن ترتيبات تناول الطعام، فيروي بلوتارخ:

في بداية حياته حين كان لا يزال فقيرًا ويخدم في الجيش، لم يكن ينزعج بخصوص أي شيء يخصُّ النظامَ الغذائي، ولكنه كان يقول إنه من المخزي أن يتشاجر المرءُ مع أحد الخدم على نوعية الطعام الذي عليه أن يأكله. وفيما بعدُ — حين أصبح يشغل منصبًا أهم، وأصبح يُقِيم مآدبَ رسميةً [هيستياسيس] لأصدقائه وزملائه من الولاة — كان يعاقب بالسوط كلَّ مَن أهمل في تقديم الطعام أو تحضيره، وذلك عقب المأدبة مباشَرةً.

مع ذلك، كان العبيد يحظون بمزايا فريدة؛ إذ يروي بلوتارخ (٢٠، ٤) أن زوجة كاتو لم تكن ترضع ابنه فقط (وهو ما قد تمتنع عنه أيُّ زوجة من الطبقة الراقية)، بل كانت ترضع كذلك أبناءَ العبيد بهدف ضمان ميلهم إلى كاتو وولائهم له من خلال هذه التغذية المشتركة.

ونجد أمثلة كثيرة لمحاولات كاتو لضبط طقوس تناوُل الطعام وضبط تأثير العادات الأجنبية، وذلك في المسرحيات الكوميدية من تأليف بلاوتوس وتيرنس، التي ألَّفَاها في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الثاني قبل الميلاد. حين تُرجِمت هذه المسرحيات نقلًا عن الأعمال الإغريقية الأصلية من تأليف ميناندر وآخَرين، وحُوِّلت إلى نُسَخٍ باللغة اللاتينية، عُرِضَتْ في أعيادٍ تختلف عن الأعياد الإغريقية السابقة لها (راجع الفصل الثالث)، ورُوعِي تعديلُ طريقةِ تصويرِ المآدب الفاخرة التي كان يطهوها طهاةٌ متفاخرون. وبدءًا بالاحتفالات، نلاحظ إدخالَ عددٍ من الاحتفالات (مثل ألعاب أبولو وألعاب سيرس وألعاب الأم العظيمة) بهدف زيادة المَدَدِ الإلهي لمدينة روما إبَّان أزمةِ غزْوِ هانيبال التي كانت تهدِّد بقاء روما. (وأُضِيفت هذه الاحتفالات إلى الألعاب الرومانية القديمة، وإلى العروض المسرحية التي كانت تُقدَّم في جنازات أبناء الطبقة الراقية البارزين.) وكانت المآدب ومظاهر الترفيه والاحتفال عناصرَ مهمة في هذه الأعياد، وكان المسرح الكوميدي من بين هذه العناصر. وتؤكِّد هذه التطوراتُ اللافتة كلامَنا السابق عن اعتماد روما على سمات الثقافة الإغريقية في الوقت نفسه الذي كان فيه بعض المواطنين يجاهِرون بعدائهم لليونان، على الأقل في مناسباتٍ معينة.

معروفٌ أن مسرحيات بلاوتوس وتيرنس هي أعمالٌ مترجَمة من الإغريقية، وكثيرًا ما تعترف بذلك في فصولها التمهيدية؛ فالشخصياتُ والأماكن إغريقية. ولكن من الواضح أيضًا أن هذين الكاتِبين المسرحيين يكتبان كذلك عن روما والرومان؛ إذ نجد إشاراتٍ واضحةً للقوانين والدساتير الرومانية، مثل قوانين الإنفاق المناهِضة للترف (راجع فرانكل ١٩٦٠ ولِي ٢٠٠٤). لكن، من بين الأساليب التي تتبعها تلك المسرحيات المقارنة بين الريف (أي الفضائل البسيطة والتقليدية)، وبين المدينة التي ترتبط بالمآدب الفاخرة. والمدنُ هي محورُ التأثُّر بالخصائص الإغريقية، وأحيانًا يُستخدَم الفعل pergraecari باللغة اللاتينية ومعناه «العيش مثل الإغريق» للدلالة على عادات تناوُل الطعام الفاخرة التي يتبعها الشباب (جروين ١٩٨٤). يسرد أستين (١٩٧٨: ١٧٣ و١٧٩) مسرحيات بلاوتوس الآتية: مسرحية «القرطاجني الصغير» (٦٠٣)، ومسرحية «الأختان التوءم باكخيس» (٨١٣)، ومسرحية «تروكولينتوس» (٨٧)، ومسرحية «موستلاريا» أو «منزل الأشباح» (٢٢ و٦٤ و٩٦٠)؛ فهذه المسرحيات هي بالضبط المؤثرات الأجنبية التي كان كاتو وبوليبيوس أيضًا يشعران بالقلق حيالها (٣١، ٢٥، ٢–٨):

كان أولُ اتجاه يتَّخِذه سيبيو من منطلق طموحه لعيش حياةٍ فاضلة هو أنْ يُعرَف عنه الاعتدال وضبط النفس، وأن يتفوَّق في هذا الشأن على غيره من سائر الشباب في نفس سنه. وهذه جائزة كبرى حقًّا ويصعب نيلها، ولكنها كانت هذه المرة سهلةَ المنال في روما بسبب الميول الموجودة لدى معظم الشباب إلى فساد الأخلاق؛ إذ إن بعضهم كان قد انغمس في العلاقات الغرامية مع الصِّبْيَة، وانغمس آخَرون في مصاحبة المحظيات، وانشغل الكثيرون بحفلات الترفيه الموسيقية والمآدب، والتبذير الذي يترتَّب عليها، وذلك بعد أن تأثَّروا سريعًا إبَّان الحرب مع بيرسيوس بالتساهُل الإغريقي في هذه الأوجه؛ ومن ثَمَّ، كان الانحلال المتفشي بين الشباب في تلك الأمور كبيرًا في حقيقة الأمر، حتى إن الكثيرين كانوا يدفعون طالينًا مقابل الحصول على غلام أثير، وكان الكثيرون يدفعون ثلاثمائة دراخمة مقابل جَرَّة من السمك المملح. وأثار هذا استياءَ كاتو، حتى إنه قال ذات مرة في خطبة عامة إنَّ من أشدِّ علامات التدهور التي تشهدها الجمهورية أن يدرَّ الصِّبْيَة الوسيمون أكثرَ ممَّا تدرُّه الحقولُ، وأن تدرَّ جِرارُ الكافيار أكثرَ مما يدرُّه المزارعون. وهذا الاتجاه الحالي إلى التبذير لم يفصح عن نفسه إلا في المدة التي نحن بصدد دراستها؛ ويرجع ذلك أولًا إلى أنهم كانوا يعتقدون أنه بعد سقوط مملكة مقدونيا القديمة صار سلطانهم الشامل بلا منازع، وثانيًا أنه بعد نقل ثروات مقدونيا إلى روما ظهر اتجاهٌ هائل للتباهي بالثراء في الأماكن العامة والخاصة على حدٍّ سواء. (ترجمه إلى الإنجليزية: باتون)

جلبَ العصرُ الإمبراطوري على روما الكثيرَ من المشكلات الجديدة التي لم تكن إلا مخاطِرَ بعيدة في عهد كاتو الأكبر. في ظل الزيادة الهائلة في الثروة القومية والقدرة على امتلاك الأراضي في بلدان أخرى، أصبح من المتاح عيشُ حياةٍ مترفة في إيطاليا وفي المقاطعات مثل صقلية وشمال أفريقيا ومناطق شرق اليونان؛ فخصوبة صقلية وأفريقيا كانت معروفةً للقاصي والداني. يذكر بوليبيوس (٣١، ٢١، ١) أن الملك ماسينيسا كان يطمع في منطقة إمبوريا (الواقعة عند خليج قابوس حاليًّا)، وحاوَلَ انتزاعَ الأراضي الخصبة من القرطاجيين. في العصر الإمبراطوري، كانت هناك فيلات فخمة في شمال أفريقيا، يرجع الفضلُ إلى كثيرٍ منها في لوحات الفسيفساء الموجودة في مجموعات التُّحَف في متحف باردو في مدينة تونس العاصمة، والمتحف الموجود في مدينة سوسة التونسية.

كان الناسُ يعيشون حياةً رغدة، وكانت العائلاتُ الناجحة والغنية تحظى بدَخْلٍ هائل، وكان بوسعهم إنفاق دخلهم على الأطعمة الفاخرة، وكذلك المنازل الواسعة والعبيد وكل عناصر الحياة الرغدة. وكان أفراد الطبقة العليا يتنافسون فيما بينهم على التباهي بنجاحاتهم ومكانتهم، وكانوا يستخدمون أَوْجُهَ الإنفاق هذه لترسيخ مكانتهم في السلَّمِ الاجتماعي والسياسي. وكان تناوُلُ الطعام واحتساءُ الخمور يتيحان الفرصةَ لإقامة حفلات اجتماعية تتيح التباهي بتلك الممتلكات. وكانت المتطلبات الاجتماعية والاقتصادية تضمن حصولَ الناس على الفواكه الكثيرة التي تنتجها الإمبراطورية والموجودة في أسواق روما (إيليوس أريستديديس (٢٦، ١–٢٩)، ودالبي ٢٠٠٠). وكانوا يحظون بأصنافٍ متنوعة ذات جودة، وبكمياتٍ بحسب رغبةِ كلِّ فردٍ؛ وهذا مجالٌ أفاضت النصوص الأدبية والفلسفية في الحديث عنه. ومن المهم أن نذكر نقطةَ البداية لتلك النصوص وعلاقتها بالشئون الاجتماعية والاقتصادية. كان لدى أفلاطون وشعراء المسرح الكوميدي في أثينا في القرن الرابع قبل الميلاد الكثيرُ من الهموم المشتركة، ولكن كانت لديهم أيضًا آراءٌ مختلفة للغاية في هذا المجال، كما ناقشنا فيما سبق. بحلول العصر الإمبراطوري في روما، ظهرت كتاباتٌ متنوعة عن مخاطر تناول الطعام، وجاءت هذه الكتابات من عدة اتجاهاتٍ تربطها علاقاتٌ مشتركة، ودأبَ الفلاسفة على انتقاد الشهية والترف، كما فعل سقراط على النحو الذي ظهر في كتاب أفلاطون. سنتناول آراءَ كلٍّ من موسونيوس روفوس وسينيكا، وكلاهما كانا من الفلاسفة الرواقيين وكانا يكتبان في القرن الأول الميلادي، وسنناقش أيضًا تأثيرَ معتقدات إبيقور المناهِضة لهذه الآراء. ثم ظهرت شروحٌ أدبية نناقشها في الفصل التاسع. وفي الكثير من النواحي نجد أن هذه الأشكال الأدبية والفلسفية كانت ترى الطعامَ عدوًّا في مقدوره دومًا التحوُّل من كونه غذاءً نافعًا إلى شيءٍ أكثر إغراءً وخطورةً؛ كانت تراه يتحوَّل إلى طعمٍ لذيذٍ يروق للشهية. إذن، لا بد أن نشير في مواضع أخرى في الفترة التي نتناولها إلى النصوص التي تناقش الطعامَ من زاويةٍ أشمل، لا بد أن نشير إلى بلينوس وأثينايوس وجالينوس، فكلٌّ منهم يُدرِج عاداتِ تناوُل الطعام في إطارٍ اجتماعيٍّ وفِكريٍّ.

وأهم العناصر التي يؤكِّد عليها موسونيوس روفوس في كلامه عن الطعام هي سلامة العقل والتحكم. وتأتي آراء موسونيوس في عُجالة، ويقال إنه قد كرَّرها كثيرًا وبأسلوب مؤكَّد، بصفتها ذات أهمية لا يُستهان بها. والموضوعات الملائمة هي الأطعمة غير المرتفعة الثمن في مقابل الأطعمة المرتفعة الثمن، والأطعمةُ المتوافرة بسهولة في مقابل الأطعمة النادرة، والأطعمةُ «المتجانسة» (أي الأطعمة التي تندرج ضمن الفئة نفسها، ومثالُ ذلك الطعام المصنوع من النباتات) وتشمل النباتات والحبوب والمنتجات الحيوانية. ومعظمها من الأطعمة التي لا تتطلب الطهي، مثل الفواكه الموسمية والحليب والجبن والعسل؛ وإذا كانت تتطلَّب الطهي، مثل الحبوب، فإنها تكون مستساغة أيضًا. أما فيما يتعلَّق باللحوم، فهي من الأطعمة الوحشية وتناسب أكثر الحيوانات البرية؛ فهي أطعمة ثقيلة وتعوق التفكير. ويواصل موسونيوس (في عجالة) قائلًا:

ولهذا السبب، نجد أن مَنْ يكثرون من استعمال اللحوم يكون تفكيرهم أبطأ. وعلاوةً على ذلك، ما دام الإنسان من بين كل المخلوقات على الأرض هو الأقرب للآلهة، فلا بد أن يتغذَّى بطريقةٍ تشبه تغذية الآلهة؛ فالأبخرة المتصاعدة من الأرض والماء تكفيهم؛ ولذلك لا بد أن نتغذَّى على الطعام الأقرب شبهًا بتلك الأبخرة، أي أخف الأطعمة وأنقاها؛ ومن ثَمَّ فإن أرواحنا ستكون نقيةً وجافةً، وحين تصبح هكذا تصبح الأرقى والأكثر حكمةً، كما كان يرى هيراكليتوس حين قال: «الروحُ الصافية الجافة هي الأفضل والأكثر حكمة.» (ترجمه إلى الإنجليزية: لوتز)

ويُروَى أيضًا أن موسونيوس كان مناهِضًا لطرق الطهي المبتكرة وفنون الطهي وكتب الطهي والمخاطر الصحية للأطعمة المعقَّدة. وأكبرُ خطرٍ هو متعةُ تناول الطعام، وهي متعة من المستحيل إشباعها، وتحطُّ من منزلة البشر إلى مستوى الكلاب والخنازير التي تفتقر إلى العقل؛ فمُتَع تناول الطعام تفتك بالرجال عدة مرات في اليوم، وربما يأكل الناس أكثر من اللازم أو أسرع من اللازم، وربما يأكلون طعامًا غير مناسب في الوقت غير المناسب، وربما يقصرون في كرم الضيافة حين لا يقدِّمون إلى أصدقائهم نفسَ نوع أو كمية الأطعمة التي يأكلونها هم. وليس الغرض من البلعوم والمعدة أن يكونا من أعضاء المتعة، بل مهمتهما هضم الطعام؛ فعدم التحكم في الشهية يؤدِّي إلى طلب التنوع، وإبحار السفن في البحار، وإعلاء قيمة الطهاة عن المزارعين، وتبذير الممتلكات. يرى الفيلسوف أن الأغذية الأرخص ثمنًا تصنع أفرادًا بنيتهم أقوى، مشيرًا إلى غذاء العبيد وغذاء الريفيين في مقابل غذاء أهل المدن، ومقارِنًا بين غذاء الفقراء وغذاء الأغنياء. (كما سنرى في الفصل القادم، فإن رأي جالينوس الطبي في غذاء الفقراء والريفيين أقل تفاؤلًا من رأي الفيلسوف.) وبخصوص الموائد وأثاث جلسات الشراب، ينتقد روفوس الذهبَ وغيره من أدوات الزينة الباهظة مفضِّلًا عليها الأواني الخزفية والأواني المعدنية الرخيصة والمفيدة في الوقت نفسه. ثم تأتي الأدلة الأخيرة من تقشُّف الإسبرطيين — الذي كان مرغوبًا أكثر من كلِّ ثروات ملك بلاد فارس — وتُفضِي هذه الأدلة إلى تصريحٍ مُوجزٍ عن الترف:

أني لَأختار المرض وليس الترف، فالمرض لا يضرُّ إلا الجسم، ولكن الترف يدمِّر الجسم والروح، ويسبِّب الضعفَ والوهنَ في الجسم، وانعدامَ ضبط النفس والجبنَ في الروح. فضلًا عن ذلك، الترف ينجم عنه الظلمُ لأنه يسبِّب كذلك الشجع؛ فلا يوجد امرؤ يميل للإسراف يمكنه تجنُّب التبذير في الإنفاق، ولا يوجد مبذِّر يستطيع إنفاقَ مبالغ قليلة؛ ولكن في إطار رغبته في الحصول على أشياءَ جمَّةٍ لا يستطيع أن يمتنع عن الحصول عليها، وكذلك حين يسعى للحصول عليها لا يستطيع أن يتجنَّب أن يكون جشعًا وظالمًا؛ فلا يوجد مَنْ يمكنه أن ينجح في الحصول على الكثير بوسائل عادلة. ومن ناحية أخرى، من المفترض أن يكون صاحب العادات المترفة ظالمًا؛ لأنه من المفترض أن يتردد في تحمُّل الأعباء الضرورية لمدينته دون التخلِّي عن حياة الإسراف التي يعيشها. وإذا كان من الضروري أن يتعرَّض للحرمان نيابةً عن أصدقائه أو أقربائه، فإنه لا يقبل بذلك؛ فحبُّه للترف لن يسمح بذلك. بل الأكثر من ذلك، أن مَنْ يؤدي الواجبات تجاه الآلهة لا بد أن يكون أحيانًا هو الفرد الذي من المفترض أن يعاملها بعدلٍ، وذلك بتقديم القرابين أو طقوس التدريب والإدماج أو غير ذلك من الطقوس الدينية. وفي هذه الحالة أيضًا سيتضح أن المبذر مقصر؛ لذلك، من المفترض أن يكون ظالمًا في كل الأحوال تجاه مدينته وأصدقائه وآلهته؛ إذ سيقصر في فِعل واجباته. (ترجمه إلى الإنجليزية: لوتز)

من الواضح أن هذه الفقرة تحتوي على عدة آراءٍ مختلفة كثيرًا عن الآراء التي رأيناها في مواضع أخرى في هذا الكتاب، وسنرى آراءً متناقضة أيضًا في كتابات فرفريوس. ويشبه هذا المقال عن الطعام آراء سينيكا وآراء الكثير من الفلاسفة الآخرين؛ فهي تعرض نظرةً عامة وشاملة عن المجتمع الروماني متَّسِقة داخليًّا ولكنها تعتمد على تفسيراتٍ خاصة للأعراف الدينية والاجتماعية والاقتصادية. تعكس «رسائل» سينيكا آراءً رواقيةً مشابهة تتعلَّق بضبط النفس وكبح رغبات الجسد، ولكن من داخل حياة الطبقة الراقية؛ ومن ثَمَّ، تقول الرسالة ١١٤ على سبيل المثال:

حين يتيح الرخاء انتشار الترف في نطاقٍ كبير من المجتمع، يبدأ الناسُ في إيلاء اهتمام أكبر بمظهرهم الشخصي. والعنصرُ التالي الذي يستحوذ على اهتمام الناس هو الأثاث، ثم يوجِّهون جهودَهم إلى المنازل نفسها، فيحرصون على أن تكون ذات مساحاتٍ شاسعة، ويحرصون على تغطية الجدران برخامٍ لامع مستورَد من الخارج، واختيار أسقف ذهبية، وتركيب أرضيات تتألَّق بلمعة تشبه الألواح التي تكسو الجدران. ثم تنتقل الفخامة إلى المائدة؛ حيث يسعى الناسُ إلى المديح عن طريق التجديد ووسائل التنويع في الترتيب المعتاد لتقديم الأطباق.

أما عن الطعام نفسه، فيلخص سينيكا في «الرسالة» ٧٨ الآراء التي رأيناها لمراتٍ عدة:

يقول الناس: «يا له من امرئٍ غير محظوظ لما ابتُلِي به من المرض!» تُرَى ما السبب؟ ألأنه لا يذيبُ الثلج في قدح النبيذ؟ ألأنه لا يكسر الثلج داخل كأس كبيرة ليحافظ على المشروب الذي مزجه فيها مُثلَّجًا؟ ألأن محار بحيرة لوكرين لا يفتحه له أحدٌ على المائدة؟ ألأنه لا يوجد طهاة في غرفة الطعام يحضرون معهم أدوات الطهي وليس فقط أطباق الطعام؟ فهذا هو أحدث ابتكارٍ في أسلوب المعيشة المترفة، وهو إدخال أدوات المطبخ مع مأدبة العشاء إلى المائدة لمنع فقدان الطعام لسخونته، ولتجنُّب ارتفاع حرارة الطعام على نحوٍ غير مناسب قد يحرق سقف الفم عند تناوله، فمن الملاحَظ أن سقف الفم لدى الناس حاليًّا أصبح مثل الجلد المدبوغ.

تتَّبِع كتابات سينيكا الاجتماعية نمطًا رواقيًّا بصفة عامة، والكثيرُ من المؤلفين يرون أن أتباع إبيقور اتخذوا موقفًا مختلفًا تمامًا تجاه الطعام ما دامت المتعة هي الهدف، وليس بصفته العدو كما جاء في كتابات أفلاطون والفلاسفة الرواقيين. وعلى الرغم من التصوير المُشوَّه في الأدب الشعبي والفِكْر الشعبي — وفي كتابات أثينايوس (٣، ٥، ٧)، وغيره — يبدو أن إبيقور وأتباعه قد حثُّوا على ضبط النفس في تناول الطعام، بهدف عدم الإضرار بصحة الفرد ومصلحته الشخصية؛ ومن ثَمَّ، يكتب إبيقور رسالة إلى مينوكيوس ينصحه فيها باتِّباع أسلوبِ حياةٍ بسيطٍ:

إنَّ الحياة الممتعة لا تقوم على شرب الخمور والرقص والعلاقات الجنسية بصفة مستمرة، ولا على الاستمتاع بأكل الأسماك أو غيرها من الأكلات اللذيذة التي نجدها على الموائد الفاخرة. إن التفكير الرصين هو الذي يبحث عن الدوافع التي تحفِّز كلَّ قرارات الاختيار والإعراض، وهو الذي يرفض تلك المعتقدات التي تترك العقل عُرضةً لأكبر اضطرابٍ وخلل. (ترجمه إلى الإنجليزية: جاسكين)

ويأتي موسونيوس روفوس في نهاية سلسلة طويلة من الفلاسفة الذين اعترضوا على كتب الطهي؛ إذ نجد أن أفلاطون في كتابه «محاورة جورجياس» يعقد مقارنةً بين كتاب الطهي الذي ألَّفَه ميثاكوس الصقلي وبين المؤلَّفات الطبية (راجع الجزء الذي يتحدَّث عن ذلك في بداية الفصل).

وحاوَلَ أركستراتوس استغلالَ هذا الاتجاه بتسمية قصيدته «هيدوباثيا» أو «تجربة المتعة» («حياة الترف»)؛ فلا داعي لشرح مخاطر كتب الطهي بالتفصيل؛ فهي تنصح الطاهي أو العبد العامِل لدى أسرة أو ربة الأسرة بإعداد الطعام بطريقةٍ تجعل طعمه أطيب أو أنقى. ومع أن هذا قد يزعج دعاة الوعظ الأخلاقي، فإن كتب الطهي تمثِّل لعلماء الأنثروبولوجيا وللمؤرخين المتخصصين في الطعام خطوةً نحو التطوير وتقدُّمًا في تحضير المنتجات الزراعية للتقديم على مائدة الطعام؛ فهذه الكتب لا تصدر إلا في ظل ظروفٍ ثقافية معينة (راجع الفصل الثاني)، وبعض هذه الظروف تناوَلَها جودي (١٩٨٢: ٩٧–٩٩)؛ فلا بد من وجود فائضٍ زراعي لإصدارها. وليس من قبيل المفاجأة أن كتب الطهي نشأت فيما يبدو في صقلية — الأرض التي تقع عليها قصور الطاغية الغني — وليس في البر الرئيسي لليونان الأقل خصوبةً. ولا بد من وجود سلطة مركزية يمكنها جمع الموارد، ولا بد كذلك من وجود مجموعة كبيرة من الذواقة ممَّن باستطاعتهم تفضيل طعمٍ معين على آخَر ولديهم اهتمامٌ كافٍ بذلك، ولا بد من وجود ثقافة قائمة على الكتابة والتدوين، حتى تُسجَّل وَصْفاتُ الطهي ليقرأها القراءُ المهتمون بدلًا من نقلها شفهيًّا من متخصِّص إلى آخَر؛ ومن ثَمَّ، تعبِّر كتبُ الطهي الإغريقية عن مرحلة ناضجة من التقدُّم الثقافي. ويفرِّق أفلاطون بين كتب الطهي وبين الطب تفرقةً تعسُّفيةً من بعض النواحي؛ لأن الكثير من الأطباء ألَّفوا كتبَ طهيٍ (كتاب «أوبسارتوتيكا»: راجع أثينايوس ٥١٦، وجالينوس «عن قوى الأطعمة» ٢، ٢٧)، وربما كانت تلك الكتب تشبه الوصفات التي كان الأطباء يجمعونها في أبحاثهم المتعلقة بالعقاقير وعلم الأدوية. وكما أن الطبيب كان عليه وصف كَمِّ الطهي المطلوب لطعامٍ معين، كان يشرح أيضًا تركيبات العقاقير؛ وهذا الدور الطبي يقترب من النصائح المتعلقة بالطهي والتتبيل الغزير الواردة في الكثير من الوصفات في كتاب الطهي الذي ألَّفه أبيكيوس.

ومن الممكن أيضًا أن تعتمد كتب الطهي على مواد خام غير محلية، ومن الممكن أن تحفِّز القارئَ أو المستهلك أو حتى المؤلف على السفر لبلدان أجنبية بحثًا عن أكلاتٍ شهية معينة، ومن الممكن أن تزيد الطلب على الواردات الأجنبية القادمة إلى مدينةٍ ما.

وكُتُب الطهي التي وصلت إلينا قليلة؛ فلا يوجد إلا بضع شذراتٍ من أعمال ميثاكوس، ومن كتب الوصفات التي ألَّفها الأطباءُ، ومن أعمال باكساموس (الذي ذكره كولميلا). والأعمال الباقية الأساسية هي أعمال أركستراتوس وأبيكيوس، وهي توضِّح الفئتين اللتين تحدَّثَ عنهما شون هيل، وهما الدليل الإرشادي (أبيكيوس) والكتاب القائم على الطموح (راجع الفصل التاسع). ويقدِّم أركستراتوس حقًّا إرشاداتٍ عن طريقة طهي أنواع معينة من الأسماك، ولكن معظم القصيدة تنصبُّ على الحِيَل المبتكرة القائمة على القالب الشعري الذي أنشأه هوميروس، والعباراتِ الجريئةِ التي تحرِّض على المتعة ووسائل التسلية المتنوعة التي تهدف إلى إمتاع الجمهور الذي يبدو أنه من حاضري جلسات الشراب، إذا كانت القصيدة قد أُلِّفت لإلقائها بعد مأدبة عشاء. والنتيجة الرئيسية المستهدفة من ذلك هي أخذ القارئ أو المستمِع في جولة افتراضية في أنحاء بلدان البحر المتوسط، والتحفيز على السفر بحثًا عن المتعة، ووصف مباهج أكل الأسماك بالتفصيل؛ ومن ثَمَّ، فالقصيدة عملٌ أدبي له عدة أهداف؛ ومن ثمَّ، فلأثينايوس أن يستشهد بها لظُرْفها وأيضًا لحديثها عن الأسماك والأماكن التي توجد فيها، ويهاجمها في الوقت نفسه لعباراتها المُحرِّضة على المتعة. فأثينايوس يرى أن أركستراتوس يمثِّل خطرًا على الحياة الصالحة شأنه شأن إبيقور، أو يرى أنه يمثِّل إبيقور في الفِكْر الشعبي على أقل تقدير. وعلى سبيل الفكاهة، أحيانًا ما يستشهد المتحدثون في كتاب أثينايوس بأركستراتوس عن طريقِ وسيطٍ هو الفيلسوف الرواقي خريسيبوس؛ وهكذا، يصبح التحريض على المتعة متضمَّنًا في كلامٍ معبِّرٍ عن الرفض صادرٍ من فيلسوف رواقي رائد.

وفي المقابل، نجد أن كتاب أبيكيوس عبارة عن جمع متأخِّر لعددٍ من الأعمال المختلفة التي تجمع بين الاهتمامات الطبية، والأطعمة النادرة، وتحويل الأطعمة الرخيصة إلى أطعمةٍ شبيهة بالأطعمة المرتفعة الثمن. وعلى عكس قصيدة أركستراتوس — التي لم يصل منها إلا شذراتٌ استُشهِد بها في أعمال أخرى — يصل إلينا كتاب أبيكيوس كمخطوطةٍ؛ وهو كتابٌ متنوع من حيث اللغة وأسلوب الطهي، ويبشِّر بمرحلةٍ لاحقةٍ امتدَّتْ إلى العصر الوسيط بسبب تفضيله لإضافة التوابل بكثرةٍ. وليس من السهل أن نلاحظ مدى علاقة العمل بصفته عملًا مُجمَّعًا بأي مؤلَّفات ربما يكون أبيكيوس قد ألَّفَها. تشير النوادر التي رواها أثينايوس وغيره أن أبيكيوس كان ذوَّاقة وليس طاهيًا، ويشير كتاب الطهي قطعًا إلى استخدام مكوناتٍ أجنبية، مثل الفلفل والببغاوات؛ فالطاهي الذي في طليعة الابتكار واستخدام النكهات غير المعتادة يمكنه قطعًا الاستفادة من هذا الكتاب، والطاهي الذي ليس لديه إلا حفنة من الموارد، من الممكن أن يستفيد أيضًا من محتويات الكتاب؛ فالمواد الواردة فيه متنوعة.

ويبدو أن كتاب الطهي الذي ألَّفه أركستراتوس، وكذلك كتاب «مأدبة الحكماء» أو «ديبنوسوفيستاي» من تأليف أثينايوس، يقدِّمان لحظاتٍ فارقةً في عملية التطور هذه؛ فالأولُ يتعاطف بوضوح في قصيدته مع حياة الترف، أما أثينايوس — على الرغم من كل كلامه الساخر عن أركستراتوس — فيقدِّم كلَّ أدلته المتعلقة بجلسات الشراب التي تدلِّل على تعدُّد مناسباتِ تناوُل الطعام في البلدان الإغريقية والبلدان الأخرى من حيث التنوع من مدينةٍ إلى أخرى، ومن نصٍّ إلى آخَر؛ فكل العناصر التي يعبِّر عنها كتابه تتَّسِم بالترف؛ بمعنى أنها ليست بسيطةً ولا تقليديةً ولا مقدَّسةً بحسب الطقوس. ومما لا شك فيه أن الترف يُعرَض بصورةٍ سلبيةٍ في الجزء الثاني عشر، ولكن لم يعبِّر أحدٌ بالتفصيل عن ترسيخِ الترف في البلدان الرومانية إبَّان القرنين الثاني والثالث الميلاديين أفضل ممَّا جاء في كتابات أثينايوس؛ فالوالي الروماني لارنسيس يُقِيم مآدبَ عشاءٍ لا نظيرَ لها في فخامتها، والموادُّ المستخدمة في تحضيرها لم تَأْتِ قطعًا من تلالِ منطقةِ لاتيوم القديمة.

كانت روما في العهد الإمبراطوري في مكانةٍ تتيح لها طلبَ أفضلِ المنتجات من كل البلدان في الإمبراطورية وجمعها والاستمتاع بها في روما، وكان البعض — مثل موسونيوس — يرفضون تلك المنتجات تمامًا، بينما كان البعضُ الآخَر — مثل سينيكا وأتباع إبيقور — يتناولونها بحذر؛ لذلك، حاوَلَ بلينوس إجراءَ بحثٍ عن الإمبراطورية بأكملها مع اهتمامٍ كبيرٍ بتفوُّق إيطاليا واحترامٍ عميقٍ للقِيَم التقليدية. واحتفى آخَرون — مثل أثينايوس — بالتنوُّع وخفَّفوا من مخاطر الإسراف باتخاذ ضوابط رواقية وعدم التأكيد على الأطعمة والمشروبات المادية نفسها، بل على صورها الأدبية. يحظى حاضرو مأدبة الحكماء بجميع أنواع الأطعمة الفاخرة أمامهم، ولكنهم يأكلون القليل (مما يثير اشمئزازَ أتباعِ الفلسفة الكلبية الحاضرين بينهم)، ويستشهدون بأوصافٍ وتعليقاتٍ أدبية عن الأطعمة. ويعرض الكثير من هذه المناقشات — ولكن ليس كلها — الفِكْرَ القديم من وجهةِ نظرِ أبناء الطبقة الراقية ممَّنْ يستمتعون بمزايا الإمبراطورية، بل إنها حتى تستبعِدَ آراءَ عامةِ الناس بصفتها ذات سمة تأمُّلية على نحوٍ غير كافٍ ولصيقة أكثر مما ينبغي بالمُتَع الجسدية (أحيانًا «الحيوانية»). ويمثِّل جالينوس أحدَ استثناءات هذه القاعدة فيما يخصُّ أعماله المتعلقة بالطعام، ما دام يبني فِكْرَه فيما يبدو على أدلةٍ مستقاة من السكان ككلٍّ. والنظامُ الغذائي للريفيين من العناصر المهمة في المناقشة؛ فلا بد من أخذه في الاعتبار إلى جانبِ تفسيرِ جالينوس لأحدِ حوارات أفلاطون، أو لأي أعمال أخرى جديدة ومبتكرة.

وأخيرًا، أناقشُ العملَ المميَّز الذي ألَّفَه الفيلسوف فرفريوس، أحد أتباع المدرسة الأفلاطونية الحديثة، تحت عنوان «عن التقشف». يهدف فرفريوس في هذا الكتاب إلى إعادة قُرَّائه إلى الحياة النباتية، بعد مدة انقطاع. وهو كتابٌ ذو طابع تقشفي؛ لأنه يصرِّح بأن الفيلسوف فقط وليس عامة الناس (من الأغنياء أو الفقراء) هو الذي بوسعه تحمُّل حياةٍ تخلو من أكل اللحوم، ولكنه ليس متطرفًا مثل موسونيوس روفوس. وينفرد الكتاب بثلاث مزايا مهمة؛ فالكتاب سجلٌّ مُبهِر للمعتقدات النباتية في العصور القديمة، وهو يحفظ أجزاءً من الكثير من الأعمال التي باتَتْ مفقودةً الآن — مثل عمل ثيوفراستوس المعنوَن «عن التقوى» — وهو عرضٌ مُبهِر للمناظرات القديمة التي دارت حول الآلهة والحيوانات والنباتات وعلاقتها بعالَم البشر، ويتحدَّث باستفاضةٍ عن أتباع فيثاغورث وإبيقور، على سبيل المثال، ويتحدَّث أيضًا عن القواعد الغذائية لليهود والمصريين. ويهتم اهتمامًا كبيرًا بالأنظمة والمؤسسات الاجتماعية؛ فالفيلسوف الذي يريد أن يكرِّس نفسه للإله وللنقاء يمكنه أن يفصل نفسه عن الكثير من جوانب المجتمع البشري، ولكن معظم الناس لا يمكنهم ذلك؛ ومن ثَمَّ، فإن احتياجات الرياضيين مثلًا تحظى بالاهتمام (٢، ٣)، ولا تُرفَض بلا تمحيصٍ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠