الفصل الثامن

الآراء الطبية المتعلقة بالطعام

يفضِّل الكثير من الأطباء الخَسَّ على كل أنواع الخضراوات الأخرى، تمامًا كما يفضِّلون التين من بين فاكهة الخريف … ولو كان ذلك صحيحًا، لَكان الخَسُّ بلا منافسٍ، ليس فقط بين الخضراوات بل أيضًا بين كل الأطعمة المفيدة والمُغذية؛ إذ يقول الأطباءُ إنه يساعد في تكوين الدم، وبعضُهم لا يشير إلى دوره في تكوين الدم فحسب، بل يُضِيفون عبارةَ «كمية كبيرة»؛ إذ يؤكِّدون أن الخَسَّ يُكوِّن كمية كبيرة من الدم. ولكن هؤلاء … أبعد ما يكونون عن الحقيقة.

ينتقد جالينوس بشدةٍ معهودة أخطاءَ الأطباء الآخَرين في كتابه («عن قوى الأطعمة»). كان الأطباءُ يعملون في طليعة العِلْم في العالَم المادي للجسم حيث كانت أفضل المؤشرات التي يُستدَل بها على صحة الجسم هي المظهر الخارجي، وخواص الإخراج من بول وبراز، وخواص ما يدخل الجسم من طعام وشراب؛ لذلك كانوا كثيرًا ما يختلفون على الأدلة. وامتدَّ الخلاف إلى الآثار التي يسبِّبها طعامٌ معين في الجسم.

يتناول هذا الفصل الطبَّ والغذاء، ولكنْ قبل الانتقال إلى الموضوعات «الطبية» الصِّرفة، أُكرِّر الفكرةَ التي أشرتُ إليها في الفصل الأول، وهي أن النظام الطبي الذي أنشأه أبُقراط وجالينوس كان يقوم على «الطهي»؛ أيْ على إدخال المواد الخام الطبيعية إلى عالم الإنسان المتحضر. ثم تبدأ مرحلةٌ ثانية من الطهي حين يُؤكَل الطعام وتؤدِّي حرارةُ الجسم إلى تمثيل الطعام ودخوله إلى مجرى الدم وإلى بنية الأنسجة؛ ومن ثَمَّ، فإن الطهي مترسِّخٌ في الثقافة الإغريقية، أو على الأقل في فِكْر أبُقراط أكثر ممَّا هو مترسِّخ في ثقافتنا. ولا بد أن نضيف أن التدخل الإلهي كان من العناصر القوية في الطب القديم فيما يخصُّ الكثيرَ من المرضى؛ ومن ثَمَّ، كان لطهي القربان أيضًا دورٌ في الطب القديم.

لدينا الكثير من السجلات عن تقديم قرابين إلى آلهة الشفاء، وفيما يلي قربانٌ يعود إلى عام ٤٠٠ قبل الميلاد تقريبًا يقدِّمه إبيداوروس:

ليُقدَّم قربانٌ إلى أسكليبيوس عبارة عن ثور، وثورٌ آخَر للآلهة التي تشاركه في معبده، وبقرةٌ للإلهة التي تشاركه في معبده. وتُوضَع هذه الأشياء ومعها ديكٌ على المذبح المُخصَّص لتقديم القرابين للإله أسكليبيوس. وَلْيخصِّصوا لأسكليبيوس حصةً عبارة عن مكيال من الشعير، ونصف مكيال من القمح، وواحد على اثني عشر مكيالًا من النبيذ. وَلْيضعوا أمامَ الإله إحدى أرجل الثور الأول، وَلْيأخذ رجالُ الدين ممَّنْ يُعرَفون باسم «هيرومنيمونيس» الرِّجْل الأخرى، وَلْيعطوا إحدى أرجل الثور الثاني إلى أفراد الجوقة، والرِّجْل الثانية إلى الحراس وكذلك الأحشاء. (نقوشٌ إغريقية، الجزء الرابع ٢ و١، رقم ٤١، ترجَمَته إلى الإنجليزية: إديلشتاين آند إديلشتاين)

كان أبولو هو الإله الأساسي للشفاء، وكان أسكليبيوس يُعبَد مثل الكثير من الآلهة الأخرى: تتشابه التفاصيل هنا مع التفاصيل المتعلِّقة بِعِيدِ بان أثينايا التي نستشهد بها في الفصل الثالث. كانت تُقدَّم لأسكليبيوس القرابين، وتقام له الاحتفالات، بل تُقدَّم إليه أيضًا أريكة ليأكل عليها (في مزارٍ بالقرب من مدينة تيثوريا في فوكيس في وسط اليونان، بحسب ما يذكر باوسانياس ١٠، ٣٢، ١٢). ولم ينكر الأطباء التابعون لمدرسة أبُقراط تأثيرَ الآلهة في الأمراض والعلاجات (كتاب «المرض المقدس» ١)، ولكنهم كانوا يسعون إلى تقديم تفسير علمي لما كانوا يرونه ظواهر طبيعية. وكان الكثير من المرضى يتوجَّهون إلى معابد علاجية مثل معابد أسكليبيوس في إبيداوروس وأثينا، كما يتوجَّه بعض مواطني كريت المعاصرين إلى القديس أنطونيوس في باتسوس (راجع الفصل الثالث). وكان المرضى يُعالَجون كذلك عن طريق النوم المقدَّس، أو النوم في معبد الإله. وتأتي صورةٌ من الصور الكوميدية لهذا النوم المقدَّس — الذي يوضِّح سماتِ تناوُلِ الطعام — في الفصل التاسع. يبالغ أريستوفان، ولكن تناوُل الطعام كان جزءًا من ذلك الطقس لأنه كان يتطلَّب تقديمَ قربان، وأيضًا حسبما يخبرنا بوسونياس (٢، ٢٧، ١)، لأنه كان لا بد من تناول القرابين داخل حدود المزار (دون أن تُؤخَذ إلى المنازل).

ثمة صلاتٌ قوية بين هذا الفصل وبين الفصليْن السابع والتاسع بخصوص الفِكْر والأدب، على التوالي. وسيتضح ذلك حين نتأمل الاهتمامات الفلسفية المتنوعة لجالينوس في نهاية المدة الزمنية التي يتناولها هذا الكتاب، والأساس الفلسفي الذي كان يستند إليه فِكر أبُقراط قبل ذلك بنحو ٦٠٠ عام. وتتضمن معظم مناقشة الطب مفاهيمَ عن الجسم تناوَلَها الأدباءُ بطرقٍ أخرى، وذلك في مناقشاتٍ عن الإسراف، أو عدم التحكم في الشهية، أو زيادة وزن الجسم، أو نقص الوزن عن الحد اللازم.

أوضحت الفصول السابقة كيف أن المؤلفين المتخصصين في مجال الطب تصوروا أن الحضارة تطورت من عادات تناول الطعام البدائية إلى المتمدنة (الفصل الأول)، وأوضحت مدى أهمية الأفكار الحديثة فيما يبدو عن الطعام النيئ والمطهي لفِكْر الكُتَّاب التابعين لمدرسة أبُقراط ولفِكْر جالينوس من حيث المفاهيم. وهذه الأفكار تنتمي إلى النظرية التقدمية فيما يتعلق بالتطور البشري. ولدينا صورة بديلة وصفها هِسيود وآخرون، لاحظوا حدوثَ هبوطٍ من الفردوس الأول نحو خلق الزراعة والقرابين والنساء كعقابٍ فرَضَه زيوس؛ فالمرأة — باندورا — فتحت صندوقها فخرجت منه الكثير من الأمراض المزعجة ضمن أشياءَ أخرى. يكتب روي بورتر بنفس النهج في كتابه «الاحتياجات الأساسية» (٢٠٠٢: ١–٣): «ظهرت الأوبئة مع نشأة المجتمع، وكان المرض — وسيظل — نتاجًا اجتماعيًّا لا يقلُّ قيمةً عن الطب الذي يقاومه؛ فالحضارة لا تجلب فقط المنغصات بل الأمراض أيضًا … كانت مجتمعات الصيد وجمع الثمار تحيق بها بيئاتٌ قاسية وخطيرة؛ ومن ثَمَّ كانت أعمار أسلافنا ممَّن عاشوا إبَّان العصر الحجري القديم قصيرةً.» (رأي أبُقراط) «ومع ذلك، نجوا من الأوبئة التي كان من المُقدَّر أن تحيط بالمجتمعات التي ظهرت بعد ذلك … ولا بد أن الأمراض المُعدِية (الجدري والحصبة والإنفلونزا وما شابه) كانت مجهولةً فعليًّا؛ لأن الكائنات الدقيقة المسبِّبة لها تتطلَّب وجودَ كثافاتٍ سكانية مرتفعة تشمل أعدادًا كبيرة من الأشخاص المعرَّضين لمخاطر العدوى أو الإصابة بالمرض. ولم تظل هذه الجماعات المشتغلة بالصيد وجمع الثمار في مكانٍ واحدٍ لمدة طويلة بما يكفي لتلوِّث الموارد المائية أو تخلِّف وراءها القاذورات التي تجتذب الحشرات التي تساعد على انتشار الأمراض. والأهم من ذلك أنه لم تكن لديهم الحيوانات المستأنسة التي ظلَّ لها دورٌ ملتبس للغاية في تاريخ البشرية؛ فمع أن الحيوانات المستأنسة ساعدت في قيام الحضارة، اتضح أيضًا أنها كانت من مصادر المرض المستمرة والمدمرة غالبًا.» والفكرة الثانية قريبة من رؤية هِسيود القاتمة، وبعضُ الأمراض التي تنقلها الحيوانات مذكورة في الفصل الأول، وللاطِّلاع على مناقشة للعلاقة بين الحيوانات والبشر راجع الفصل السابع.

يتعلَّق هذا الفصل في معظمه بالنظريات القديمة بشأن التغذية وبالأفكار التي تتناول سمات الصحة السليمة والصحة المعتلة، ولكن لا بد من نبذة مختصرة في البداية عن الأساليب الحديثة في تناول الأدلة القديمة. كان جالينوس والأطباء التابعون لمدرسة أبُقراط يرون أن الأطعمة تغذِّي الجسمَ وتجلب عددًا من الصفات المباشرة والممكنة التي أطلقوا عليها «دوناميس» (أيِ القُوَى أو الخصائص)؛ وهذه القوى أو الخصائص بالتحديد كانت تساعد في تعديل حالة الأخلاط في الجسم، وكذلك الأعضاء الداخلية وغيرها من الوظائف.

والنظريات الحديثة المتعلقة بالتغذية مهتمة أيضًا بتحديد نظام غذائي متوازن، وتشدِّد على المواد المُغذِّية الضرورية (ولذلك، فهي ترى أن الغذاء الأساسي المكوَّن من الحبوب هو أهم المواد المُغذِّية، كحالة الحبوب («سيتوس») في كتابات أبُقراط وجالينوس). ومتطلبات الطاقة هي أول عنصر مهم، ويبلغ المعدل اليومي ٢٥٥٠ سعرًا حراريًّا للرجال، ونحو ١٩٤٠ سعرًا حراريًّا للنساء (ويلز ١٩٩٨)، والمكملات من الدهون والبروتينات أيضًا ضرورية، ومصدرها المواد الحيوانية والنباتية (بما فيها الفول)، ثم المعادن والفيتامينات. وبينما نجد أن عالِم التغذية في العصر الحديث ربما يقول إن نقص الزنك أو الفيتامينات يتسبَّب في حالةٍ مَرَضية معينة، نجد أن الطبيب القديم كان على الأرجح يُرجِع السببَ إلى القوى أو الخصائص التي يحتوي عليها الطعام نفسه. وكان الطبيب القديم يبحث على الأرجح عن سببٍ يتعلَّق بالطعام لأن الأسباب المعروفة كانت محدودةً، ولم يكن يتوافر تفسير قائم على الفيروسات أو الجراثيم.

وثمة اتجاه حديث ثانٍ يتعلَّق بالتغذية القديمة أسفَرَ عن نتائج طيبة، ويتمثَّل هذا الاتجاه في تحليل الهياكل العَظْمية المأخوذة من المقابر القديمة للتحقُّق من الأدلة المتعلِّقة بالتغذية من خلال التحليل الكيميائي للعظام، وربما يؤدِّي هذا إلى تحديدِ الأمراض التي أُصِيبَ بها هؤلاء (سوء التغذية على وجه التحديد)، وأيضًا الرواسب المتبقية في العظام التي نتجت عن النظام الغذائي الذي اعتمَدَ عليه هؤلاء؛ وهكذا توصَّلَ فريقُ العمل في كريت إلى ما يدل على تناوُل السكان القدامى للأسماك واللحوم وغيرهما من المكونات الغذائية (راجع الفصل الأول)، في حين توصَّلَتِ الدراسات التي أُجرِيت في بومبي وهركولانيوم، مثلًا، إلى ما يدل على إصابتهم بأمراض معينة. ويلخص جارنسي (١٩٩٩) الحالات المَرَضية التي تدلُّ على سوء التغذية، ويتوصَّل إلى بعض النتائج اللافتة بخصوص الصحة العامة وطول العمر، بما في ذلك بعض الآراء غير المتوقعة عن معدل العمر المتوقع بين مختلف جماعات المكانة (وهي جماعات لا يستند تمييزها إلى وضعها الاقتصادي المشترك، ولكنْ بالإضافة إلى نمط حياتها المشترك غالبًا ما يوجد تشابُه بينها في التربية العامة أو في المركز أو الهيبة الملتصق بميلادهم أو بعائلاتهم كما في الأرستقراطية الإرثية). وإذا قارنَّا القيودَ الغذائية مع غيرها من العوامل المؤثرة على معدل العمر المتوقَّع — وتحديدًا الولادة والطفولة المبكرة — نجد أنها لم تكن مؤذيةً إلى حدٍّ بالغ، مع أنها كانت مُزمنةً. وقد ناقشَ سالارس (١٩٩١: ٢٨٣–٢٨٦) سوء التغذية.

ويُخيَّل إليَّ أن استنتاج جارنسي لا يختلف على نحوٍ لافتٍ للنظر عن الانطباع الذي يأخذه القارئ عن أول جزأين من كتاب جالينوس «عن قوى الأطعمة». والجزء الثالث من البحث — الذي يتحدث عن اللحوم والأسماك — غير مناسب إلى حدٍّ كبير لدراسةٍ عن سوء التغذية؛ نظرًا لأن معظم السكان نادرًا ما كانوا يأكلون اللحوم أو الأسماك بانتظامٍ، وكما رأينا في الفصل الثاني، فإن الخطوة الأولى للريفيين في مواسم الشتاء القاسية هي ذبح الخنازير، ثم أكل اللحوم، وبعد ذلك أكل الطعام الذي كان مخزَّنًا لإطعام الخنازير، وهو ثمار البلوط. يذكر جالينوس في مواضع كثيرة أن الريفيين كانوا مضطرين للبحث عن طعامهم في أدنى سلسلة الطعام التي تتألَّف من الأطعمة المعتادة أو المرغوب فيها؛ نظرًا لأزماتِ نقصِ الطعام التي كانت تحدث، خاصةً في فصل الربيع. ويتحدَّث جالينوس عن تعقيدِ هذه المشكلة قائلًا:

إنَّ الرجال في المنطقة التي أعيش فيها (مدينة ميسيا في غربي آسيا الصغرى) — الذين عادةً ما يرفضون أكلَ سيقان وأوراق اللفت («جونجيليداي») الذي يطلقون عليه أيضًا «بونياداي» — يأكلون سيقانَ وأوراقَ اللفت أيضًا حين لا يجدون أطعمةً أفضل، ويأكلون في هذه الحالة أيضًا الفجلَ وما نُطلِق عليه بلهجتنا المحلية «رافيس»؛ من الممكن أن نقول إن هذا النبات هو الفجل البري. وتحت وطأة المجاعة، كثيرًا ما يأكل الناس عودَ العطاس (سرة الكبش) والجزرَ الأبيض والكرفسَ البري والشَّمرَ والبقدونسَ الإفرنجي وكزبرةَ الثعلب والهندباءَ البرية والجزرَ الفرنسي والجزرَ البري، وأيضًا العيدان الطرية لمعظم الأشجار والشجيرات بعد سلقها. ولكن بعضهم يأكلونها حتى في حالة عدم وجود مجاعة، كما يأكل البعض الجزءَ العلوي من نخلة التمر، وهو الذي يسمِّيه البعضُ مخَّ النخلة.

لماذا يجب عليَّ مواصلة الحديث عن ثمار الأشواك البرية الطرية؟ لأن هذه الثمار — وذلك في غير أوقات المجاعات — تصلح فعلًا كوجبةٍ مقبولةٍ تُؤكَل مع الخل وصلصة السمك.» (ترجَمه إلى الإنجليزية: باول)

يتناول جالينوس مشكلةَ نقصِ الطعام في مواضع كثيرة في إطار مناقشته للنباتات والحبوب التي تصلح كطعامٍ، ولكنه أيضًا يناقش الاختلاف بين منطقةٍ وأخرى والتقديرات المختلفة لنباتاتٍ معينة، وذلك على أساس طرق التحضير وربما الوقت من العام. وبعض النباتات التي يرى أنها طعامٌ للحيوانات وليس للإنسان — مثل نبات البيقة ذي المذاق المُرِّ — تظهر أيضًا في فئة الأدوية؛ ومن ثَمَّ، فإن الماشية عادةً ما تأكل نباتَ البيقة، ومن الممكن أن يأكله الفقراء من البشر حين تضطرهم أزماتُ نقصِ الطعام إلى ذلك، ومن الممكن أن يأكله الأغنياءُ منهم حين يمرضون. ويوجد — كما سنرى — الكثير من النباتات والحيوانات التي تظهر في كتاب جالينوس «عن قوى الأطعمة» المتعلق بالتغذية، وفي عمله المتعلِّق بعِلْم العقاقير المعنون ﺑ «عن قوى العقاقير البسيطة وأمزجتها». العقاقير (البسيطة) هي أقوى أشكال الأطعمة. يرى جالينوس أن بعض المواد — مثل النبيذ — لا تُحسَب بصفتها أطعمةً، وأن موادَّ أخرى — مثل البصل — هي أطعمة وعقاقير في آنٍ واحدٍ. ويتحدَّد الشكل الذي يُوصِي به الطبيب بحسب احتياج المريض، سواء أكان بهدف المحافظة على الصحة أم بهدف التدخُّل القوي.

يقدِّم الطبُّ القديم رؤيةً رائعة عن عادات تناوُل الطعام القديمة؛ لأن الطب لم يكن يتطلَّب خطواتٍ تدخُّليةً مثل الطب السريري الحديث، وكان الأطباء مثل جالينوس بوسعهم أن يصرِّحوا بأن النظام الغذائي هو الجانب الأنفع من الطب. تطوَّرَ الطبُّ الإغريقي على أيدي الفلاسفة الذين جاءوا قبل سقراط في القرن الخامس قبل الميلاد، وواصلوا عملهم جنبًا إلى جنب مع الطب التقليدي والعلاج الديني. كان للطعام دورٌ مهمٌّ في طب أبُقراط، واتَّسَع دورُه في القرن الرابع قبل الميلاد على يد منيستيوس الأثيني وديوكليس الكاريستوسي، وطوَّرَه أكثر الأطباء الهلنستيين مثل ديفيليوس السيفنوسي، وكان جزءًا لا يتجزَّأ من المناظرات الطبية الهلنستية التي دارت حول مدارس مختلفة. ويستخدم جالينوس كلَّ هذه العناصر ويقدِّم من خلالها مزيجًا مؤثِّرًا ونقدًا بارعًا.

ويقدِّم سيلسوس — وهو مؤلف موسوعي مثل بلينوس وجالينوس وأثينايوس — (في كتابه «بروميوم»، أو «مقدمة»، ١٩–٢٢) تلخيصًا مفيدًا عن تلك المدارس المختلفة؛ فثمة رأْيٌ يرى أن هضم الطعام والشراب عملية من «العمليات الطبيعية». ويقول أتباع إراسيستراتوس إن الطعام يُطحَن، ويقول أتباع بليستونيكوس إنه يتحلَّل، ويقول أتباع أبُقراط إنه «يُطهَى تمامًا»، ويرى أتباع أسكليبيديس (أتباع الميثودية أو المنهاجية) أن الطعام ينتقل نيِّئًا أثناء بلعه. ويقول سيلسوس إن هذه الآراء تحدِّد الطعامَ الذي يوصي به الطبيب: إذا كان الطبيب يؤمن بالطحن، فإنه يختار الطعامَ الذي يُطحَن بسهولة؛ وإذا كان يؤمن بالطهي، يختار الطعام الذي يسخن بسهولة؛ وإذا كان يؤمن بالانحلال، فإنه يختار أيضًا الأطعمة المناسبة.

رأينا في الفصل الأول أن المؤلف التابع لمدرسة أبُقراط الذي ألَّفَ كتاب «عن الطب القديم» قدَّمَ نموذجًا للتطور البشري الذي كان للطعام فيه دورٌ مهم. ومن الواضح أيضًا في كتاب «الأهوية والمياه والبلدان» أن العوامل البيئية كان يُفترَض أنَّ لها دورًا مهمًّا في تكوين الإنسان وفي الحالة الصحية عمومًا؛ إذ كانت تختلف من مكانٍ لآخَر ومن موسمٍ لآخَر. ويتحدَّث الكثير من الأعمال الأخرى عن الطعام وعادات تناول الطعام، ومن بينها كتاب «الأخلاط والأقوال المأثورة» الذي يقدِّم أمثلةً لافتة. ولكنْ من الأعمال المفيدة للغاية لاستقصائنا الحالي عملان من أعمال أبُقراط وهما «الأوبئة» ومجموعة «الحِميات» — وعددها أربع — تشمل عِلْمَ الكونيات والأطعمة والاستحمام ونمط المعيشة (الوجبات والتمارين الرياضية والغذاء اليومي) والأحلام، وذلك في عرضٍ فكري مميَّز. ومن الأعمال المفيدة أيضًا الأبحاثُ الأكثر تخصُّصًا «الحِمية في الصحة» و«الحِمية في الأمراض الحادة».

ويتناول بحث «الحمية ١» الكائن البشري في بيئته البيولوجية وأيضًا في بيئته الكونية الأكبر بكثير؛ ومن ثَمَّ، يصرِّح المؤلف في الأسطر ١–٥: «كلُّ الأشياء — الإلهية والبشرية — تنتقل صعودًا وهبوطًا بالتبادل.» وهي عبارة تُذكِّرنا بالمقولة الشهيرة لهيراكليتوس: «كلُّ شيء في تغيُّر متواصل.» ويزعم المؤلف أن هذه النظرية القائمة على توازن العناصر هي الإطار الصحيح الوحيد الذي تصلح مناقشةُ الحمية في ضوئه (١-١)، وهذه هي البيئة المناسبة أيضًا لنمو الجسم البشري وتغذيته (١–٢٥)، بل لتكوين الجنين أيضًا؛ ومن ثَمَّ، إذا كان الوالدان المرتقبان يريدان إنجابَ أنثى، فعليهما تناوُل الأطعمة الباردة والرطبة والطرية، أما في حالة الرغبة في إنجاب ذَكَرٍ فعليهما أن يتناولا أطعمةً جافةً ودافئةً. وهذه العناصر الجسدية تتأثر بالموسم (١–٣٢) وبالسن؛ ومن ثَمَّ فالأطعمة الدافئة مطلوبة في الشتاء مثلًا، والأشخاص الأكبر سنًّا يحتاجون إلى طعامٍ مختلف عمَّا يحتاجه الأشخاص الأصغر سنًّا.

وفي «الحمية ٢» (الأسطر ٢، ٣٧-٣٨)، يشير إلى أن العمليات الطبيعية الأخرى — التي يتوقَّف عليها الجسم البشري — تتحكَّم فيها عواملُ المناخ والفصل والمكان؛ ومن ثَمَّ، فإن الآراء التي يناقشها كتابُ «الأهوية والمياه والبلدان» تتَّصل بالنظام الغذائي الذي يقصده المؤلف التابع لمدرسة أبُقراط، وإنْ كان ذلك يتَّسِم بشيءٍ من التنوُّع من جانبِ مؤلف البحث الآخَر.

ويتحدَّث البحث عن الطعام نفسه بكثيرٍ من التفصيل (راجع الفصل الأول)، ويسرد الأطعمة بالترتيب التالي: خبز وحبوب، فوليات وبقوليات، حيوانات وطيور وأسماك، ماء ونبيذ، خضراوات، فواكه. وأناقش هذا الترتيب فيما يأتي عند مقارَنةِ نصِّ أبُقراط بالنُّسَخ الحديثة التي قدَّمَها على مدى ٦٠٠ عام بعدها كلٌّ من ديوكليس الكاريستوسي ومنيستيوس الأثيني وديفيليوس السيفنوسي وجالينوس. ويتحدَّث المؤلِّف التابع لمدرسة أبُقراط عن الأطعمة النيئة — مثل الدقيق والشعير — والمنتجات المطهيَّة مثل الخبز والكعكات، وهو مهتمٌّ بالنباتات التي قد يُنظَر إليها باعتبارها عديمةَ النكهة أو لاذعةً، ومهتمٌّ كذلك بخواص أجزاء النبات المختلفة، مثل الأوراق أو الجذر. ويتحدَّث عن الأطعمة النيئة التي يقصد بها المنتجات البرية غير المزروعة، مثل التفاح البري، ثم يتحدَّث عن النباتات المزروعة التي قد تتغيَّر خواصها بالطهي. ويفرد معظمَ الاهتمام بالطهي للفصل السادس والخمسين، الذي يتحدَّث فيه عن أساليب تحضير الطعام المختلفة التي تجري في المطبخ، في ضوء الرؤية الشاملة التي تتحدَّث عن النار والماء:

لا بد من تخفيض قوى الأطعمة أو زيادتها كلٌّ على حدة؛ إذ من المعروف أنَّ كل شيء يتكوَّن من النار والماء — سواء الحيوانات أو الخضراوات — وأنَّ كلَّ شيء ينشأ من خلالهما ويتحوَّل إليهما. ويتم ذلك بالطريقة الآتية: انزعْ قوى النار والماء من الأطعمة اللاذعة بسَلْقها وتبريدها عدة مرات، وتخلَّصْ من الرطوبة من الأطعمة الرطبة بشَيِّها أو تحميصها، وانقعِ الأطعمةَ الجافة ورطِّبها، وانقعِ الأطعمةَ المالحة واسلُقْها، وامزجِ الأطعمةَ المُرَّة واللاذعة بالأطعمة الحلوة، وامزجِ الأطعمةَ القابضة بالأطعمة الزيتية … تتَّسِم الأطعمةُ المشوية أو المحمصة بقدرٍ أكبر من التجانُس والارتباط عن الأطعمة النيئة؛ لأن النار نزعت منها الرطوبةَ والعصاراتِ والدهونَ؛ ومن ثَمَّ، فإنها حين تنزل إلى المعدة تجذب إليها الرطوبةَ من المعدة؛ مما يزيد من حرارة مداخل الأوردة، ويعمل على تجفيفها وتدفئتها لغلق الممرات المُخصَّصة لمرور السوائل. والأطعمة الآتية من المناطق الجافة والحارة التي تخلو من المياه تكون جميعها أكثر جفافًا ودفئًا، وتمدُّ الجسمَ بمزيدٍ من القوة؛ لأنها أثقل وزنًا وأكثر تماسُكًا وأغنى في قيمتها الغذائية عن الأشياء الآتية من المناطق الرطبة الباردة التي تتوافر فيها المياه، فالأطعمة الآتية منها تكون أكثر رطوبةً وبرودةً وأخفَّ وزنًا. إذن، فمن الضروري معرفة الخواص — ليس فقط خواص الأطعمة نفسها، سواء أكانت من الذرة أم المشروبات أم اللحوم — بل أيضًا خواص البلدان التي جاءت منها.

وهنا، نجد أن الإجراءات الأساسية للطهي مدمجة في النظرية القائمة على توازُن العناصر التي يستند إليها كلٌّ من بحثِ «الحمية ١»، والإطارِ الجغرافي لكتاب «الأهوية والمياه والبلدان»، والنموذجِ الذي وضعه أبُقراط عن الهضم.

ولكن الطهي ليس إلا جزءًا من الحمية الغذائية التي وضعها أبُقراط. ويُكمِل الطبيبُ التابع لمدرسة أبُقراط النصائحَ المتعلقة بالطعام والشراب بنصائح عن طرق الاستحمام (٥٧) وزيوت الجسم، والتقيُّؤ والنوم، والرياضة (المشي والجري والتمارين الرياضية في الهواء الطلق)؛ فهذه الأنشطة تسبِّب الإرهاق أو «كوبوس».

يتناول بحث «الحمية ٣» باستفاضةٍ الحمياتِ المتعلقةَ بأسلوبِ الحياة، ويقدِّم برامجَ مختلفةً للأفراد العاديين وللأفراد الموسرين ممَّن يتمتعون بحُسْن التمييز، ويقدِّم حمية مفيدة للأفراد العاملين، ويضرب مثلًا بمَن لا يتناولون أطعمةً ومشروباتٍ استثنائيةً، ومَن يمارسون الرياضة بحكمِ الضرورة (أثناء أداء عملهم)، ومَن يسافرون بغرضِ العمل، ومَن يعملون في مِهَنٍ ترتبط بالبحر؛ وهؤلاء ليسوا من أفقر الفقراء أو أغنى الأغنياء، بل من «الأكثرية» (٣، ٦٨) أو «الأغلبية» (٣، ٦٩). وتركِّز التوصيات على العوامل الموسمية (نجد مقارَنةً بين نمو البشر ونمو الأشجار في ٣، ٦٨)، وتشمل تلك التوصيات نصائحَ عن النوم والنشاط الجنسي، وكذلك عن الرياضة ووجبات الطعام (عددها ومواعيد تناوُلِها في اليوم) والطعام. وهكذا، فإن كعكة الشعير والخضراوات أفضلُ من القمح صيفًا، على سبيل المثال. وفي المقابل، نجد أن النظام الغذائي للأغنياء يعبِّر أبلغَ تعبيرٍ عن الإفراط («بليسموني»). ومن الممكن أن تؤدِّي البرودة في المعدة إلى مشاكل (٣، ٧٥). وقد تحلُّ التمارين الرياضية المشكلةَ، وقد يحلها أيضًا تناوُل الخبز الدافئ المُخمَّر والنبيذ الأحمر ومرق لحم الخنزير، أو السمك المسلوق في محلول ملحي لاذع (قارِنْ ذلك بأركستراتوس). ويفيد النبيذ النقي في ذلك، ولكن لحم الجِرَاء فائدتُه أقلُّ. ويتضح من هذه الوصفات الطبية أن الكثيرَ من الأطعمة الواردة في هذه الأنظمة الغذائية مشتقٌّ من الأطعمة الشائعة في ذلك العصر. يصف الطبيب التابع لمدرسة أبُقراط علاجًا من رءوس الأسماك (٣، ٨٢) أو لحم الظهر ولحم الذيل (٣، ٧٩)، وهو ما يظهر أيضًا في الوصفات الخاصة التي وضعها أركستراتوس للذوَّاقين ممَّن ينشدون أسلوبَ حياة الترف. ولكنْ، ثمة أطعمةٌ أخرى عبارة عن وصفاتٍ استثنائية، ويُقصَد بها الكلاب، هذا إنْ كانت تُؤكَل — ولو نادرًا — حسبما ادَّعى جالينوس في فترة لاحقة. وكان النبيذ عادةً ما يُخفَّف بالماء، كما ناقشنا فيما سبق.

والبحث الأخير من السلسلة — «الحمية ٤» — يتحدث عن الأحلام، وهذا المقال اللافت يربط الأحلام باضطرابات الروح، وقد تظهر تلك الاضطراباتُ في هيئة أحلامٍ عن الاضطرابات الطبيعية، أو عن الموتى، أو عن صورٍ إيجابيةٍ جدًّا عن عالم الطبيعة. ويكمن علاج تلك الاضطرابات في التمارين الرياضية، والاستحمام، وإدخال تعديلات على النظام الغذائي، ومشاهدة المسرحيات الكوميدية — في حالة واحدة. ومن الممكن مثلًا الحد من الاضطراب بالتقليل من الأكل (٤، ٨٨). وإذا كان الطعام يشكِّل فعلًا جزءًا من الحلم (٤، ٩٣)، فمن المرجح أن المريض يفتقر إلى الطعام وتعبِّر روحه عن رغبةٍ في شيءٍ ما (النصُّ محلُّ خلافٍ).

يتعلَّق معظم المادة الواردة في مجموعة «الحِميات» بالنظام الغذائي اليومي. وفي الأعمال الأخرى، نجد أن الأطباء التابعين لمدرسة أبُقراط يصفون أطعمةً متنوعةً لعلاج حالاتٍ محددة؛ فمثلًا: نجد عدة أطعمة تُستخدَم لأغراض علاجية في كتاب «الأوبئة». في (٧، ٦٢)، يتضح أن الشاعر ألكمان يعاني من مرضٍ في الكلى، وظلَّ لمدة سبعة أيام مُمتنِعًا عن الطعام، فيما عدا مزيجًا من العسل والماء، ثم بدأ يأكل تدريجيًّا ماء العدس وعصيدة العدس وكلبًا مسلوقًا و«المَازا» ولحم رقبة بقري أو لحم خنزير مسلوق، بالإضافة إلى العلاجات المساعدة.

يشير كيزر (١٩٩٧ (مجلد ديبرو) ١٨١–١٨٣) — بقائمة مراجع — إلى أنه ما دام لم يصل إلينا أي كتابٍ مستقل عن عِلْم العقاقير القائم على مدرسة أبُقراط، فإن العادة الأقرب شبهًا بإعطاء العقاقير التي كان يتبعها الطبيب التابع لمدرسة أبُقراط كانت تتمثَّل في وصف الأطعمة في هيئة مُركَّزة. يميِّز جالينوس بين الأطعمة والعقاقير في بحثَيْه «عن قوى الأطعمة» و«عن قوى الأدوية البسيطة»، ويشير إلى فرقٍ واضحٍ بينهما. وثمة تاريخٌ طويل للعلاج الذي يستهدف منه الحفاظ على الصحة ومعالجة اختلالها، ويتحدَّث عن الفرق في اقتباسٍ من كتاب «عن الطب القديم» في الفصل الأول، وفي بحوث هلنستية مثل كتاب ديفيليوس «طعام المرضى والأصحاء». والمرضى (ويمثِّلون أغلب دراسات الحالة الواردة في كتاب «الأوبئة») بحاجةٍ إلى إصلاحِ نظامهم الغذائي، أو إلى تناوُل عقارٍ أشدَّ تركيزًا، وكثيرًا ما يكون مشتقًّا من مصادر نباتية أو حيوانية.

ورد ذِكْرُ الأنظمة الغذائية المميزة التي وصلَتْ إلينا في بحث أبُقراط «الحمية في الأمراض الحادة»، وفي بحث جالينوس «عن النظام الغذائي في تخفيف الأخلاط». والبحث الثاني يتناول مشكلةَ الخلل في التوازُن بين الأخلاط، ويتمثَّل ذلك عمومًا في زيادة إفراز البلغم. والأطعمة الموصى بها في البحث تكاد تكون هي تمامًا نفس الأطعمة الواردة في القائمة العامة المرتَّبة في بحث جالينوس «عن قوى الأطعمة»، ولكنها مرتَّبة ترتيبًا مختلفًا للغاية؛ ومن ثمَّ، فإن أفضل الأطعمة هي البصليات — الثوم والبصل — لأن هذه النباتات تتَّسِم بخاصية لاذعة تخترق الأخلاط الثقيلة وتخفِّف من خطر الأمراض الناشئة عن الأخلاط الثقيلة، مثل الأمراض التي تصيب الكبد والكلى والطحال، وأمراض المفاصل، ومشاكل التنفس المزمنة (كتاب جالينوس «عن النظام الغذائي في تخفيف الأخلاط» ١). والخضراواتُ في هذا النظام الغذائي عادةً ما تكون أفضلَ من الحبوب، واللحومُ أسوأ — وخصوصًا لحم الخنزير — مع أن اللحوم المأخوذة من الحيوانات البرية ومن المناطق الجبلية أفضل، وكذلك أنواع معينة من الأسماك. وأسوأُ الأطعمة جميعها هو الحليب والجبن. ويقدِّم تصنيفُ الأطعمة، بناءً على مبدأ تخفيف الأخلاط أو تقليلها، مقارَنةً مُبهِرةً مع التصنيف الذي وضعه جالينوس بناءً على التغذية.

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أنه على الرغم من اختلاف نظام الأخلاط الذي تحدَّثَ عنه جالينوس عن الأساس الكيميائي والبيولوجي الذي يقوم عليه الطب الحديث، فإن العلم الحديث يحدِّد أن الثوم يتَّسِم بالقدرة على الوقاية من تجلُّط الدم أو الجلطة، وذلك من بين خواص أخرى (ديفيدسون ١٩٩٩: ٣٣١). وبالمثل، فإن الكوليسترول — مع أنه مهم للحياة (مثل البلغم) — الذي يمثِّل خطورةً عند زيادة ترسُّبه إلى مستويات مرتفعة في الشرايين يمكن تخفيضه عن طريق تناوُل خضراواتٍ معينة ودهونٍ نباتية غير مشبعة. وعلى العكس، تساعد الدهون الحيوانية في زيادته، وأهمها الدهون التي تتجمَّد في درجة حرارة الغرفة مثل الجبن ودهون لحم الخنزير؛ ومن ثَمَّ، نجد أن العلم مختلف ولكن الإصلاح القائم على النظام الغذائي ليس متباينًا.

رأينا أيضًا — في الفصل الأول — أن نظرية أبُقراط عن الهضم كانت تقوم على فكرة الطهي، وكان لاستعمال الطعام النيئ أهميةٌ كبيرة في هذه النظرية؛ لأن طهي الطعام كان يختزل قواه الطبيعية — إذا جاز التعبير — ويجهِّزه لعملية التمثيل الغذائي في الجهاز الهضمي. ويتحدَّث المؤلف التابع لمدرسة أبُقراط الذي ألَّفَ مجموعةَ «الحِميات» عن هذا، كما يتحدَّث عن التوازن بين مقدارِ ما يأكله المرءُ من طعامٍ والتمارينِ الرياضية والاستحمامِ، وهي التي تشكِّل الأعمدةَ الثلاثة للعلاج بأسلوب أبُقراط (الذي كانت تضاف إليه أحيانًا الإجراءاتُ الجراحية وغيرها من طرق التدخُّل الميكانيكي المحفوفة بالمخاطر).

يقدِّم بحثُ جالينوس المعنون ﺑ «عن المحافظة على الصحة» (هايجينا) بعضَ الافتراضات اللافتة عن العصر الذي يعيش فيه. يتناول البحث تصوُّرَه عن النظام الغذائي اليومي المفيد بناءً على تطوُّر جسم الإنسان من مرحلةِ الطفولة المبكرة (الجزأين الأول والثاني) إلى الشيخوخة (الجزء السادس). ويبدو أن جالينوس عادةً ما يهتم بالجسم الذكوري، ويهتم بالطفل وليس المرضعة أو الأم حتى وهو يناقش الرضاعة التي يُفرِد لها مناقشةً تفصيليةً. وهو يقصد أيضًا الجسم الإغريقي. وحين يناقش جالينوس الجسم المثالي، فإنه يدَّعِي أن الجسم المتناسق أمرٌ يصعب تحقيقه في بلدٍ شديدِ الحرارة أو شديدِ البرودة ما دامت الحرارة تسبِّب بنيةً بدنيةً نحيلةً، أما المناخ البارد فيؤدِّي إلى حدوث اضطرابٍ في توازن الأخلاط ويتسبِّب في ارتفاعٍ زائدٍ في حرارة الأعضاء الحيوية. ويصرِّح جالينوس أن المقياس الذي يجب اتباعه هو مقياس النحَّات بوليكليتوس؛ إذ تكثر الأجسامُ المتناسقة التي تشبه تماثيله «في بلادنا»، أما بخصوص السلتيين والسكوثيين والمصريين والعرب، فمن المستبعَد وجودُ مثلِ تلك الأجسام بينهم. وهذه الخصوصية الثقافية لافتةٌ، ولكنها متَّسِقة تمامًا مع المؤلِّفين التابعين لمدرسة أبُقراط الذين كتبوا بحوثًا مثل «الأهوية والمياه والبلدان».

ومن البديهي في مناقشات جالينوس عن الأطعمة أن النباتات والحيوانات تختلف اختلافًا شديدًا بحسب البيئة، ونفس الشيء ينطبق على البشر أيضًا بالقدر نفسه؛ ومن ثَمَّ، فإن المرضعات اللاتي يأكلْنَ النباتات البرية في فترة الجوع التي تتزامن مع الربيع في بلدان البحر المتوسط يكنَّ عُرضةً للإصابة بأمراضٍ جلديةٍ ينقلْنَها إلى الأطفال الذين يرضعْنَهم («عن قوى الأطعمة» ٣، ١٤؛ راجع الفصل الثاني). ومن ثَمَّ، فإن أسماك البوري الرمادية التي تعيش في البحر المفتوح تختلف أيضًا عن أسماك البوري التي تعيش في البحيرات أو الأنهار الملوثة (٣، ٢٤)، ويتضح أن الحيوانات البرية التي تعيش في الجبال تكون لحومها أقسى من لحم الحيوانات المستأنسة التي تُربَّى في السهول (٣، ١٣). وبناءً على ذلك، حين تُؤكَل تلك الحيوانات كطعامٍ فإنها تتسبَّب في تغيير الأخلاط لدى مَن يأكلها؛ ففي هذه الأخلاط تكمن خواصُّ أو «قوى» الأطعمة؛ إذ تكمن في قدرتها الكامنة على إحداثِ تفاعُلٍ في التركيبة الجسدية للإنسان. وهذه العلاقة مركَّبةٌ، ويتناولها كتابا «عن قوى الأطعمة» و«الأمزجة». لكل فرد خواصه الجسمية المتفردة، وكلُّ طعامٍ يكون نتاجَ بيئته الخاصة، وهذان العاملان كلاهما من العوامل الحاسمة في تحديدِ نوعيةِ التأثير الذي يقع على الأخلاط. ويدَّعِي جالينوس — في هذا الموقف الصعب — أنه متفوِّقٌ في فهمه للمبادئ العامة والظروف الخاصة؛ فالآخرون يهتمون بالقواعد الثابتة أكثر من اللازم، ويتجاهلون الاحتياجات الخاصة للمريض؛ فالخبرة — التي يزعم جالينوس أنها لديه بوفرةٍ — ضروريةٌ، على أن تكون خبرةً مُطوَّعة بنظريةٍ سليمةٍ (لمعرفة المزيد عن مفهوم «الخبرة المشروطة» لدى جالينوس، راجع فان دير إيجيك ١٩٩٧).

إذن فمن الممكن أن ندرك من هذا الدليل، ومن المناقشة التي تناولَتْ جالينوس في بداية الفصل السابع، أن جالينوس أنشأ مزيجًا متطورًا جمَعَ بين التاريخ الطبيعي والنقد الثقافي ممَّا مكَّنَه من علاجِ المريض في إطار متطلبات عالم الطبيعة ومتطلبات الثقافة الإغريقية الرومانية. وقد يصنِّفه الكثير من القرَّاء على أنه طبيبٌ ومؤلفٌ متخصِّص في الكتابات العلمية المتخصصة؛ ولكنْ من الواضح أن أسلوبه في العلاج متأثِّرٌ بالفلسفة الإغريقية وبتاريخ ثقافته الإغريقية الرومانية. كما ذكرتُ في الفصل السابع، فإنه يعالج الجسمَ الإغريقي بالطريقة الإغريقية، ومن المتوقَّع أنه كان سيوصي بعلاجاتٍ مختلفةٍ لمريض ألماني أو مصري. ومن السمات المعهودة في الثقافة الإغريقية الرومانية الاهتمامُ بالتمارين الرياضية والأنماط غير العنيفة من ألعاب القوى التي يَرِدُ وصفٌ تفصيلي لها في كتاب «عن المحافظة على الصحة». وألعاب القوى المتقدِّمة شأنٌ مختلف، وهو يستعمل شخصيةَ ميلو الكروتوني الأسطورية عند مناقشته تلك الفئة الخاصة من فئات المرضى. وكما جاء أكثر من مرة في هذا الكتاب، لم يغفل جالينوس طبقةَ العمَّال العاديين — كما لم يغفلها أيضًا المؤلفُ التابع لمدرسة أبُقراط الذي ألَّفَ «الحمية ٣» — وقد سرَدَ عددًا كبيرًا من أنشطة العمل التي يصنِّفها على أنها «تمارين رياضية وعمل» (٢، ٨). وهذه الأنشطة هي: الحفر والتجديف والحرث وقطف العنب وحمل الأحمال والحصاد وركوب الخيل والقتال في صفوف قوات المشاة والمشي والقنص بالكلاب وصيد الأسماك، وغيرها من المهام التي يمارسها الصُّناع الماهرون وغير الماهرين، مثل البنائين والحدادين وصنَّاع السُّفن وصنَّاع المحاريث وصنَّاع السِّلَع المستخدَمة في الحرب والسلام. ويشير جالينوس إلى الاختلاف بين هؤلاء العاملين وبينه: «ذات مرة ضللنا الطريقَ في الريف شتاءً، واضطُرِرْنا لقَطْعِ الأخشاب (على سبيل ممارسة التمارين الرياضية)، واضطُرِرْنا كذلك لإلقاء الشعير في الهاون لطحنه وتقشيره، وهي مهامُّ يؤدِّيها الريفيون يوميًّا (على سبيل العمل)». ومن ثَمَّ، من الممكن تفسير الوصفات العلاجية لجالينوس فيما يخصُّ النظامَ الغذائي وأسلوبَ الحياة بأنها أكثر شموليةً من الناحية الاجتماعية من معظم الوصفات العلاجية، وبأنها شاملة بالطبع من الناحية الطبية.

سبق أن ذكرنا في عددٍ من المواضع تأثيرَ أفلاطون في تاريخ الفِكر على موضوع الطعام، وذُكِرت اهتماماته في «محاورة غورجياس» عن المتعة وعن الأطباء النافعين والطهاة ذوي المظهر البرَّاق مثلًا أكثر من مرة. وبخصوص النظام الغذائي، يذكر أفلاطون في كتاب «الجمهورية» شخصيةَ هيروديكوس من السيليمبري، وقد كان مواطنًا وربما مؤلِّفًا كان يرى أفلاطون أنه كان يمضي معظمَ وقته في الاهتمام بالطعام. وفي هذه القصة، كان رجلًا غنيًّا يخصِّص معظمَ اهتمامه لأمورٍ تافهةٍ نسبيًّا متعلِّقة بالجسم، وذلك على حساب الأمور الأهم المتعلقة بالروح. ولم يكن أفلاطون معارِضًا للمتعة في المطلق، بل كان معارِضًا فقط للمُتَع غير اللائقة، وهي المتع التي تُرضِي الجسم على حساب الروح. وناقَشَ عددٌ من النقَّاد التعليقاتِ التي تتناول هيروديكوس، وربطوا بينها وبين البحوث القديمة التي تتحدَّث عن النظام الغذائي؛ إذ ألمحوا إلى أن أعمال المؤلف التابع لمدرسة أبُقراط وأعمال ديوكليس وجالينوس كانت تلبِّي متطلباتِ وسواسِ المرض الذي كان يعاني منه الأغنياءُ المدلَّلون الذين لم يجدوا اهتماماتٍ أفضلَ ليشغلوا أنفسهم بها؛ ولعلَّ إديلشتاين (١٩٦٧) من الأمثلة البارزة للغاية. ولا شك في أنَّ هذا التلميح يحمل شيئًا من الحقيقة؛ فالأغنياءُ في الكثير من الثقافات المختلفة في الكثير من العصور كان بوسعهم شراء علاجاتٍ خاصة، وكانوا يحاولون تجنُّبَ الموت على نحوٍ أقوى من أبناء بلادهم الفقراء. ووسواسُ المرض ظاهرةٌ منتشرة أيضًا؛ فهي ليست مجهولةً في المجتمعات المعاصرة؛ فضلًا عن ذلك، كان الأطباءُ ومَنْ يعملون في المِهَن المرتبطة بالطب — ولا يزالون — يمارسون ضغوطًا تجارية لرغبتهم في تحقيق أرباح من مخاوف الناس المتعلِّقة بالصحة ووزن الجسم (سواء أكانت الوزن الزائد أم النحافة) والموت.

مع ذلك، فإن تهمة وسواس المرض هي مشكلة من الدرجة الثانية، وذلك فيما يتعلَّق بمجموعة «الحِميات» التي ألَّفَها مؤلف تابع لمدرسة أبُقراط والكتابات التي جاءت بعدها. كان النظام الغذائي — كما رأينا منذ برهة — فرعًا من فروع الطب الأساسية الثلاثة. وبالإضافة إلى التخصص الشقيق للنظام الغذائي، وهو علم العقاقير (الذي كان عادةً ما يستعمل أنماطًا أكثر حَرافة من الأطعمة نفسها، وذلك من بين أشياءَ أخرى مثل المعادن والصخور)، كان النظام الغذائي يمثِّل نسبةَ الثُّلثين من التدخُّل الطبي، أما الثُّلث الثالث فكانت تمثِّله الجراحة، وهي الإجراء التدخلي الخطير، وكان الجرَّاحون يجرونها دونَ درايةٍ بالمطهِّرات وإمكانية حدوث العدوى البيولوجية. وكان فِكر أبُقراط يعتمد أيضًا في نصائحه الغذائية على نظريةٍ قائمةٍ على فكرة العناصر الكونية، وكانت تصنِّف الكائنَ البشري في إطارِ منظومةِ الطبيعة جنبًا إلى جنب مع النجوم والحيوانات الأخرى والنباتات. ورأينا أيضًا أن الأغنياء المدلِّلين خُصِّصت لهم مساحةٌ كبيرة في بحث «الحمية ٣» الذي تحدَّثَ عنهم بالتفصيل، كما قد يحدث في أي عيادة في العصر الحديث في شارع هارلي ستريت في لندن الذي يشتهر بكثرة العيادات. ولكن البحث اهتمَّ أيضًا بالسواد الأعظم من الناس، وهم مَنْ كانوا يضطرون للعمل بحكم الحاجة. ومن الممكن أن نشير إلى أن فئات العمَّال التي تحدَّثَ عنها البحثُ كانت تشمل مَنْ يسافرون برًّا للعمل، ومَنْ يتطلَّب عملهم السفرَ بحرًا. ولماذا هذه الفئات وليس منهم البناءون أو باعة الخضراوات؟ ربما يكمن السر في التنقُّل؛ فالعمَّال الذين يضطرون للسفر والتنقُّل كانوا عُرضةً لاختلاف درجات الحرارة («مرتفعة على عكس ما هو مناسب، أو منخفضة على عكس ما هو مفيد»، بحث «الحمية»، ٣، ٦٨)، وهو ما كان يتسبَّب في عدم ثبات النظام الغذائي اليومي. قدَّمَ ديوكليس أيضًا نصائحَ للمسافرين (الشذرة ١٨٤ فان دير إيجيك)، وتركِّز النصائح على المتطلبات المعينة التي يقتضيها المشي والنظام الغذائي الخاص الذي يتطلَّبه؛ وذلك بحسب الموسم.

يقدِّم جالينوس فئة مختلفة من المرضى، وهي الريفيون من آسيا الصغرى، وبلغ فضوله حدًّا جعله يسأل كلَّ فئات الناس عما يأكلونه وعن أسباب ذلك.

كما يقدم تعقيبًا اجتماعيًّا في شكل نوادر وطرائف؛ ممَّا يجعله كاتِبًا يتسم بأسلوب جذَّاب ينتمي إلى المدرسة نفسها التي ينتمي إليها أثينايوس وسيوتونيوس. ويعرض جالينوس في كتابه «هايجينا» أو «عن المحافظة على الصحة» نصائحَه المتعلِّقة بحياة صحية، كما سبقه في ذلك المؤلف التابع لمدرسة أبُقراط الذي كتب بحث «الحمية ٣»، وكما سبقه في ذلك ديوكليس الكاريستوسي في الشذرة ١٨٢ فان دير إيجيك. وتركِّز شذرة ديوكليس على النظام الغذائي اليومي وتوزيع الوجبات والنوم والمشي والنشاط الجنسي، ويستند بحث جالينوس الطويل إلى المدى العمري للإنسان، وهو يبدأ بالرضيع والطفل وينتهي بالشيخ. وجالينوس مهتمٌّ مثلًا بحياة الفِتْيَة الطائشين: على غرار ما قدَّمَه بشأن الطهاة، تُطلِعنا طريقةُ عرضه على اهتماماته بالمسرحيات الكوميدية، وتساعدنا في قراءة تلك المسرحيات في سياق أشمل (راجع الفصلين السابع والتاسع).

سبق أن ناقشنا دور الطهاة في موضع آخَر من هذا الكتاب، وليس ثمة أدلةٌ تُثبِت وجودَهم نفسه أفضل ممَّا جاء في النصوص الكوميدية التي يظهرون فيها كشخصياتٍ نمطية مُضحِكة. ويذكرهم أفلاطون ويذكرهم كذلك الكُتَّاب المتخصصون في الطب، والفكرة المهمة هنا هي هل الطبيب يتبع النقيضة الأفلاطونية التي تقارن بين الطبيب النافِع والطاهي الذي يهدف إلى إمتاع حاسة التذوق. ويتناول بحث «الحمية ١» السمات العامة للطهي، وفيه يقدِّم المؤلف دراسةً عامةً عن مهارات الطهي، ومن بينها (١، ١٨) الطهاة؛ فهؤلاء «الطهاة يحضِّرون للناس أطباقًا شهية («أوبسا») من مكونات مختلفة ومكونات متشابهة، فيخلطون كلَّ أنواع المكونات ويصنعون من مكوناتٍ متشابهة مكوناتٍ غيرَ متشابهة، فتتحوَّل إلى طعام وشراب لفردٍ واحد؛ فلو كان كلُّ ما يحضِّره متشابهًا، لَخلا الأمر من المتعة». يأتي الطاهي من بين اهتمامات الطبيب في هذا النص الذي يعود لأوائل القرن الرابع قبل الميلاد — فهو غير مُستبعَد كما يرجو أفلاطون — ومع ذلك يأتي تصويره منسجمًا مع الأقسام التي تحدَّثَ عنها والمرتبطة بالمتعة والبهجة؛ إذ يوجد الطهي الذي يرتبط بالحياة المتحضرة ويُسهِّل عملية الهضم، ثم الطهي الفاخر الذي يقدِّمه الطاهي المستأجَر الذي لا بد من مراقبته بعناية. ومن ناحية أخرى، لا تختلف الأنشطة التي يؤدِّيها الطاهي — من حيث المهارات — عن الأنشطة التي تحدث في الكون التي تتسبَّب في التغيير عن طريق الخلط والفصل (١، ٤). (ونلاحظ فكرة قريبة لذلك أيضًا في كتاب «عن الطب القديم» (٢٠)، وفيه لا تكمن أهمية خواص الجُبن في حد ذاتها بل من حيث علاقتها بجسم الإنسان.)

fig28
شكل ٨-١: كان الزنجبيل من الواردات المهمة من البلدان البعيدة. وعلى عكس الفلفل — الذي كانت له استخدامات متعددة — كانت خواص الزنجبيل التي تساعد في التدفئة وإمكانية استخدامه كترياق للسموم تفوق أهمية استخدامه في الطهي فيما يبدو. راجع ميلر ١٩٦٩: ٥٣–٥٧ ودالبي ٢٠٠٣: ١٥٩. يصف جالينوس عقارًا صُنِعَ لمَنْ فقدوا شهيتهم؛ من العسل وعصير السفرجل والفلفل والزنجبيل والخل. (حصلنا على نسخة من الصورة بإذن من كاتدرائية إكستر ورجال الكنيسة العاملين بها.)
تتصدَّر طرقُ تحضير الطعام أيضًا الشذرةَ ١٨٧ فان دير إيجيك التي كتبها ديوكليس الكاريستوسي؛ إذ يكتب:

نظرًا لأن معظم الأطعمة تتطلَّب نوعًا من التحضير الإضافي، ونظرًا لأن بعض الأطعمة تصبح أفضل في حالةِ إضافةِ أشياء إليها، ونظرًا لأن أطعمة أخرى تصبح أفضل في حالةِ سحبِ أشياء منها، ونظرًا لأن أطعمة أخرى أيضًا تصبح أفضل عند تحويلها إلى حالة مختلفة؛ فلعله يكون من المناسب أن نتحدَّث قليلًا عن هذه الأطعمة، ولعل أهم طرق التحضير هذه — للصحة وللمتعة معًا — هي تطهير الأطعمة النيئة … (ترجمه إلى الإنجليزية: فان دير إيجيك)

إذن فالطبيب لديه مبررات تدفعه للاعتراف بفضل الطاهي، بل لقد كتب بعض الأطباء أيضًا كتبًا عن الطهي وجلسات الشراب. وكان جالينوس من هؤلاء الأطباء، ويذكر أثينايوس عددًا من الأطباء الآخَرين (راجع الفصل السابع). ومع ذلك، لم يكن من المتوقَّع أن يقدِّم الأطباء اعترافاتٍ كثيرة لصالح للطهاة؛ إذ يصف جالينوس في كتابه «هايجينا» أو «عن المحافظة على الصحة» الطاهي بأنه الشخص الذي يقدِّم النوعَ غير المناسب من الطعام. وربما يكون السبب في ذلك هو أن الطاهي يهدف إلى المتعة. في الموضع (٢، ١١)، نقرأ أن الطاهي لا بد أن يكون مساعد الطبيب؛ لأن الطاهي يحضِّر الطعام دون معرفة النتيجة الطبية، التي هي تخصُّص الطبيب.

تتَّسِم وظائفُ الأعضاء في الجهاز الهضمي للإنسان بالتعقيد، وهذا الملخص الموجز مأخوذٌ من بوكوك وريتشاردز (١٩٩٩). بعباراتٍ عامة، يدخل الطعام والشراب إلى الفم، وتطحنه الأسنان بالقدر الضروري، ويرطِّبه اللعاب الذي تفرزه ثلاثُ غددٍ، وبذلك يحضِّره للهضم، ثم يُبلَع وينزل عبر المريء إلى المعدة، وهناك يُخلَط الطعام بالأحماض والإنزيمات وغيرها من مكونات العصارة المَعِدية ويُرَجُّ، ويرافق ذلك امتصاص بعض المواد المغذية إلى جدار المعدة. ولا تُمتَصُّ إلا بضعة مُركبات في هذه المرحلة، ولكنها تشمل الكحول والأسبرين، على سبيل المثال. وتخزِّن المعدة الطعامَ مؤقتًا ثم تمرِّره — بعد رَجِّه وخَلْطه بالعصارة المَعِدية، وتحوُّله إلى ما يُسمَّى «الكَيْمُوس» — خلال فتحة البَوَّاب إلى الاثني عشر، أو القسم الأول من الأمعاء الدقيقة. ويتم الجزء الأكبر من امتصاص الطعام والمواد المغذية في الجسم داخل الأمعاء الدقيقة التي تتلقَّى الإفرازات القادمة من الكبد والبنكرياس بالإضافة إلى إفرازاتها هي؛ وتُقدَّر مساحة سطح الأمعاء الدقيقة بنحو ٢٠٠ متر مربع. وتعمل الحركة العضلية (أو التمعج) في نقل الطعام فيما بعدُ إلى الأمعاء الغليظة، ثم تمرِّر الموادَّ غيرَ الملائمة وغيرَ الضرورية للهضم إلى القناة الشرجية لإخراجها. يُقدِّر بوكوك وريتشاردز أن الفرد البالغ يستهلك نحو كيلوجرام واحد من الطعام يوميًّا، ومن لتر واحد إلى لترين من السوائل. يوجد نظامٌ عصبي معقَّد مدمَج في جدار الأمعاء، وهو يساعد في تنظيم الأمعاء، ويساعد في ذلك أيضًا نحو عشرين من هرمونات الببتيد. وتتَّسِم الاتصالات بين الدم والأمعاء بالتعقيد؛ إذ تأتي نسبة سبعين بالمائة من الدم الداخِل إلى الكبد عن طريق الوريد البابي من المعدة والطحال والبنكرياس والأمعاء الدقيقة والأمعاء الغليظة، وتأتي نسبة ٣٠ بالمائة من الشريان الكبدي. وهكذا يُوصِل الوريد البابي الدمَ الغني بالمواد المغذية إلى الكبد لتوزيعه على بقية الجسم وتمثيله، وفي الوقت نفسه يفرز الكبد أيضًا الصفراء لأغراضٍ عدة من بينها الهضم.

fig29
شكل ٨-٢: الجهاز الهضمي لدى الإنسان. إن المريء والمعدة والجهاز الهضمي لدى الإنسان عبارة عن سلسلة مركَّبة ومعقَّدة تتَّصل بعلاقةٍ وثيقةٍ مع الأعضاء الحيوية، وخصوصًا الكبد. في الفِكر الحديث، تنقل الأمعاءُ الطاقةَ والفيتامينات والمعادن إلى الدم والأعضاء الرئيسية. والنظامُ الذي وضعه جالينوس مختلفٌ للغاية، ولكنه يقدِّم وصفًا مترابطًا عن طريقة تحوُّل الطعام المأكول إلى دمٍ وأنسجةٍ، وعن عددِ العمليات المشاركة في ذلك، بالإضافة إلى الطاقة المتولِّدة في صورة سعرات حرارية.

وما إن يصبح الكَيْمُوس (الطعام المهضوم جزئيًّا) جاهزًا للامتصاص حتى يُوزَّع خلال خلايا جدار الأمعاء ليتحوَّل إلى الدم الشعيري. وتُمتَصُّ السكريات في الاثني عشر والمعي الصائم العلوي، وتُمتَصُّ الأحماض الأمينية والببتيدات اللازمة للبروتينات في الأمعاء الدقيقة أيضًا، وكذلك الأحماض الدهنية والفيتامينات، وتُمتَصُّ السوائل في الأمعاء الدقيقة والغليظة. ويصف بوكوك وريتشاردز (١٩٩٩: ٤٢٨-٤٢٩) الاحتياجات الغذائية للجسم على النحو التالي: توفر الكربوهيدرات الطاقةَ والحرارةَ اللتين يمكن الحصول عليهما بسرعة، أما البروتينات فهي تصنع الإنزيمات والهرمونات، ولها دورٌ في البناء أيضًا، وتدعم الدهون أنسجة الأعضاء وأغماد الأعصاب وأغشية الخلايا؛ وتنظِّم الفيتاميناتُ وظائفَ الجسم الضرورية؛ والأملاحُ المعدنية ضروريةٌ للعمليات التي تؤدِّيها الخلايا.

يلخِّص هذا العرضُ السريع الفهمَ الحديث للهضم، وذلك فيما يتعلَّق بالطب التقليدي على أقل تقدير. (أشير إلى الطب البديل والطب الهندي التقليدي المعروف بالأيورفيدا فيما يأتي.) والهدف من هذا الملخص هو توفير أساسٍ لفهم رؤية جالينوس عن فسيولوجيا الجهاز الهضمي ورؤيته بشأن التغذية.

ويصف جالينوس البنيةَ العامةَ للجهاز الهضمي في كتاب «عن استخدام الأجزاء» ٤، ٨: المريء (ويُعرَف أيضًا باسم «ستوماكوس») ليس إلا ممرًّا للطعام؛ والمعدة («جاستر») هي العضو المسئول عن الطهي/التسخين/الهضم؛ والأمعاء هي العضو المختص بتوزيع الطعام («أنادوسيس»). وكان جالينوس مهتمًّا بصفة خاصة بمواضع التقاء المريء بالمعدة، ومواضع التقاء المعدة بالاثني عشر. وكانت الأخلاط الباردة المتجمعة في هذا المكان تصيب الجهاز الهضمي بالشلل. يقدِّم سيلسوس ملخصًا مشابهًا في كتاب «عن الطب» ٤، ١، ٦-٧. ويصف المؤلف التابع لمدرسة أبُقراط الذي ألَّفَ كتابَ «اللحوم» (١٣) عمليةَ الهضم بتفصيلٍ أكثر بعض الشيء:

فعند تجمُّع الطعام والشراب في المعدة والأمعاء، وتسخينه، تسحب الأوعيةُ التي تنشأ في ذلك المكانِ القسمَ الأكثر ليونةً ورطوبة، وتترك القسم الأكثر سُمْكًا وهو الذي يتحوَّل إلى براز في الأجزاء السفلية من الأمعاء. وعند تسخين الأطعمة، فإن هذه الأوعية تسحب القسمَ الأكثر ليونةً من المعدة ومن الجزء العلوي من الأمعاء، وهو القسم الواقع أعلى المعى الصائم («نيستيس») … وعند وصول المواد المغذية فإنها تتخلَّى عن الخاصية المعينة المقابلة لكل جزء؛ إذ يزداد كلُّ جزءٍ عند تزويده بهذه المواد المغذية، الأجزاء الساخنة والباردة واللَّزِجة والدهنية والحلوة والمُرَّة والعظام، وكل الأجزاء الأخرى الموجودة في جسم الفرد. (ترجمه إلى الإنجليزية: بوتر)

ويبدو أن العملية التي يطلق عليها جالينوس «أنادوسيس» أو التوزيع تقابل ما يُطلَق عليه الآن الامتصاص والتمثيل الغذائي. يشرح جالينوس في كتاب «عن القوى الطبيعية» ١، ٨-٩ أنه من الضروري حدوث عملية تحويل للأطعمة («ألويوسيس») قبل حدوث التمثيل الغذائي أو («هومويسيس»). ويبدو أن جالينوس والأطباء التابعين لمدرسة أبُقراط كانوا يرون أن المواد المغذية تمرُّ خلال جدران الأمعاء مباشَرةً إلى الأوردة. وفي بحث «الحمية ٢» ٥٦ يتحدَّث المؤلف عن أن الأطعمة الحمضية تفتح مداخلَ الأوردة في الأمعاء وتنظِّفها، أما في كتاب «عن قوى الأطعمة» ١، ١٢ فيتحدَّث جالينوس عن مداخل الأوردة الموجودة في المعدة والأمعاء. وسأل جالينوس نفسه أيضًا كيف تتشابه الأعضاء المختلفة في حصولها على التغذية (كتاب «عن مذهبَيْ أبُقراط وأفلاطون» ٤١٠-٤١١، ١٥–١٧ من تأليف دي لاسي)، وما هو الغرض من كلٍّ منهما:

تنقبض المعدة حول الطعام وتسحب منه السوائل المناسبة لها؛ وحين تنتهي من الحصول على الفائدة وتمتلئ تمامًا، تدفع كلَّ البقايا إلى المعي الصائم؛ ومن هناك يسحب الكبدُ بدوره السائلَ الذي جرى تحضيره في وقتٍ سابق في المعدة، مع أن المعدة لا تحوِّله بالطبع من أجل الكبد … وكما تصبح البقايا الصادرةُ من المعدة مناسبةً للكبد، تصبح البقايا الصادرةُ من الكبد أيضًا مناسبةً لكلِّ أجزاء الجسم الأخرى التي تأتي بعدَه بنفس الطريقة؛ والكبد أيضًا لم يغيِّر الموادَّ المغذية من أجل الأجزاء الأخرى من الجسم، بل إن الأمر يحدث بالطريقة التي وصفتها، حين تصبح المواد المغذية أكثر ملاءمةً للأجزاء التي تأتي بعد الكبد، وذلك بعد أن يغيِّرها الكبد ويحوِّلها؛ فحين يسحب الكبدُ الموادَّ المغذية من خلال الأوردة الصادرة من المعدة والأمعاء، نجد أن الأجزاء الموجودة بعد الكبد تسحب المواد المغذية إلى نفسها من خلال أوردة أخرى، ثم يتكرَّر ذلك في أجزاءٍ أخرى أيضًا؛ وتستمر هذه العملية حتى تصل المواد المغذية إلى كل جزءٍ من الحيوان. وفي كل مرة، يتولَّى كلُّ جزءٍ تحضيرَ المواد المغذية وهضمها مسبقًا من أجل الجزء الذي يليه في عملية التوزيع المتواصلة. (ترجمه إلى الإنجليزية: دي لاسي)

ويتحدث جالينوس في هذه الفقرة عن جدال عويص عن علاقة أعضاء الجسم الرئيسية، وهي القلب والكبد، بالمخ. في الجزء السادس من كتاب «عن آراء أبُقراط وأفلاطون»، يرفض نظريةَ أرسطو القائلة بأن القلب هو موطن العقل وموطن الشرايين أيضًا (وهو رأْيٌ يركِّز الاهتمامَ على القلب، واستفاضَ الرواقيون في شرحه بالتفصيل)، ويتفق مع فكرة أفلاطون عن الروح ذات الجوانب الثلاثة. ويستشهد بكتاب «طيمايوس» لأفلاطون، ولكنه يحدِّد مواضعَ السمات الثلاث للروح التي تحدَّثَ عنها أفلاطون في أعضاء معينة باستفاضةٍ أكثر من أفلاطون نفسه؛ ومن ثَمَّ، فإنه يرى أن موضع الجانب العقلي («لوجيستيكى») من الروح هو المخ، وموضع الجانب الروحي («ثومويديز») هو القلب، وموضع الجانب المتعلِّق بالرغبة والشهية يقع في الكبد (٣٧٤-٣٧٥، ٩–١٩). وبخصوص الأغراض المرجوة من هذا الكتاب، فإن الكبد (وهو أهم عضو فيما يتعلَّق بامتصاص المواد المغذية في مجرى الدم) يُحضِّر الطعامَ لأغراضٍ تتعلَّق به، ثم يمرِّره إلى القلب والمخ وجميع الأعضاء الأخرى. وبحسب نظرية أفلاطون التي عدَّلها جالينوس، فإن الكبد يحتوي على الجانب المتعلِّق بالرغبة من الروح، ولكنه أيضًا يتَّسِم بخواص أخرى («دوناميس»). ويذكر (٣٧٤، ١٤، ١٩) أن أرسطو عدَّلَ كلمة الرغبة — التي ينسبها جالينوس إلى الكبد — إلى مصطلحاتٍ مثل المغذية أو النباتية أو التناسلية (وهكذا يحدِّد هدفَ الرغبة). ولم يتحدَّث أفلاطون إلا عن الجانب المتعلِّق بالرغبة، وأشار إلى مجموعة متنوعة من الرغبات التي تنتاب ذلك الجانب من الروح.

إذن، ففي هذا البحث الفلسفي يربط جالينوس نظريةَ أفلاطون عن الروح ذات الجوانب الثلاثة (كما عبَّرَ عنها في كتابَيْه «الجمهورية» و«طيمايوس») برؤيته هو عن عِلْم وظائف الأعضاء، محدِّدًا موضعَ كلِّ جانبٍ في العضو الخاص به؛ وبذلك يدحض أخطاء خريسيبوس وغيره من الرواقيين على وجه التحديد، ويربط بين تركيب الجسم (بجهازه الهضمي واحتياجاته الغذائية؛ أيْ بشهيته الجوهرية التي تحلُّ محلَّ النسيج التالف وتساعد في نمو الجسم الصغير)، وبين اهتمام الفلاسفة بالرغبة والموت، كما ناقشنا في الفصل السابع. وكما شرح تيلمان (٢٠٠٣)، فإن النظام الذي وضعه جالينوس يعتمد على أفلاطون، ولكنه يشمل أفكارًا يقينية عن وظائف الأعضاء، وهي أفكارٌ لا يؤكدها أفلاطون في أيٍّ من كتاباته؛ ويعود ذلك جزئيًّا — كما يقول جالينوس — إلى أن الأطباءَ مهتمون بالأعضاء، والفلاسفة مهتمون بالأنشطة المتعلقة بالروح. ونظرًا لاهتمامات جالينوس التي تجمع بين أكثر من مجالٍ في كتاباته، ولاعتقاده أن الطبيب البارع هو أيضًا فيلسوفٌ بارع، فإن جالينوس يقترب من تلك النصوص الأدبية والوَعظية التي نحلِّلها في الفصل التاسع، والتي تركِّز على الدور الفعَّال الذي يلعبه كلٌّ من اللسان والحَلْق في الشهية، بالإضافة إلى الدور الفعَّال للبطن والكبد. تتحكَّم كلُّ أعضاء الجسم هذه — والكبد بالتحديد — في شهيات الجسم التي يجب أن تكون دائمًا في نطاق التحكم والسيطرة؛ ومن ثمَّ، فإنه يحدِّد وجودَ الطعام والرغبة في الكبد، وذلك من الناحية الفسيولوجية والروحية والأخلاقية. ومن الممكن أن نضيف أن الكبد كان أيضًا من الأعضاء الحيوية، أو «سبلانكنا»، التي كانت محور طقس تقديم القرابين وغيره من الأنشطة الدينية مثل التنجيم (راجع الفصل الثالث وفيرنان ١٩٨٩ ودوراند ١٩٨٩).

يتناول جالينوس أيضًا السؤالَ المُعقَّد الذي يستفسر عن كيفية تحوُّل الدم إلى أعضاء الجسم الأخرى، وذلك فور صنعه من الطعام الموجود في الكبد (كتاب «عن القوى الطبيعية» ٣، ٤، ترجمه إلى الإنجليزية: بروك): «كيف إذن يتحوَّل الدم إلى عظامٍ دونَ أن يثخن قوامه ويصبح أبيض اللون، قدر الإمكان؟ وكيف يتحوَّل الخبز إلى دمٍ دونَ أن يتخلَّى عن بياضه تدريجيًّا ويكتسب اللون الأحمر تدريجيًّا؟ ولذلك، فمن السهل أن يصبح الدم لحمًا؛ فإذا كانت الطبيعة تعمل على تغليظ قوامه إلى حدِّ أنه يكتسب قوامًا معينًا ولا يكون سائلًا، فإنه بذلك يصبح لحمًا جديدًا …»

في ظل تعذُّر إمكانيةِ تشريحِ الأعضاء الداخلية للجسم بالقدر المناسب، نجد أن الكثير من المناقشات المتعلقة بالهضم تحاوِل أن تبرهن على وجود تأثيرٍ على الأعضاء الداخلية للجسم بفِعْل عاملٍ ما، وذلك بالقياس على خواصَّ خارجيةٍ. وفي استثناءٍ لهذا الأسلوب من التفكير، يشرح جالينوس خواص البصليات:

إنَّ السبب في أن كل هذه المواد (مثل الخردل والمخللات والثوم والبصل) التي تتسبَّب في أذًى خارجي لا تتسبَّب في حدوثِ الأثر نفسه عند أكلها هو: أنها تتغيَّر وتتحوَّل عند هضمها في المعدة، وفي أثناء عملية تكوين الدم في الأوردة، وأنها لا تظل في مكانٍ واحدٍ، بل تُقسَّم إلى أجزاءٍ صغيرة تسير في مختلف الاتجاهات، وأنها تُخلَط مع الكثير من الأخلاط وكذلك مع غيرها من الأطعمة التي أُكِلت معها في الوقت نفسه، وأن هضمها وإخراجها يحدثان بسرعة، وعن طريقِ هاتين العمليتين — الهضم والإخراج — يتم تمثيل كلِّ ما هو مفيد لطبيعة الكائن الحي، أما البقايا فتخرج عن طريق المعدة والبول والعرق. («الأمزجة» ٣، ٣، ترجمه إلى الإنجليزية: سنغر)

يستخدم جالينوس مفهومَ التقسيم إلى أجزاءٍ صغيرة في كتاباتٍ أخرى (نجد مناقشةً لأهميته الدوائية في ديبرو (١٩٩٧).) وللأخلاط دورٌ مهم للغاية في الطب القديم؛ إذ اكتشفوا أن الأخلاط موجودةٌ في النبات والحيوان والإنسان، وأنها قد تكون موجودةً لدى الإنسان في أنحاءٍ مختلفة من الجسم، بما في ذلك الجهاز الهضمي. يوضح جالينوس — في بحثه «عن قوى الأطعمة» (١، ١) — أن موضع التقاء المريء والمعدة ربما يكون مكانًا تنشأ فيه المشكلات:

أعرف شخصًا كان يشكو من المنطقة المحيطة بمَدخل المعدة، وأدركتُ من وصفه أن البلغم قد تجمَّعَ في هذا المكان، فنصحتُه بإضافةِ الخردل والكرَّاث والبنجر إلى طعامه؛ لأن هذه الأطعمة تقلِّل من البلغم. وأفرَزَ كميةً كبيرة من البلغم من معدته وشُفِيَ تمامًا من شكواه، ولكنه على العكس من ذلك تعرَّضَ لعسر هضمٍ بعد تناوُل أطعمة لاذعة، وشعر بآلامٍ حادةٍ في معدته. وكان قد أكل الخردل مع البنجر، ولم يُفاجَأ بالطعم اللاذع فحسب، بل ساءت حالته بدرجةٍ كبيرة. واندهش بالطبع من أنه تعرَّضَ لكل هذا الأذى بسبب وصفةٍ سبقَ أنْ أفادته، وجاءني لمعرفة السبب. (ترجمه إلى الإنجليزية: جرانت)

قد يتسبَّب البلغم في مشاكل أسوأ، كما يشرح جالينوس في بداية «عن النظام الغذائي المُستخدَم في تخفيف الأخلاط» ١:

يُنصَح باستعمالِ النظام الغذائي المُخصَّص لتخفيف الأخلاط لمعظم الأمراض المزمنة التي من الممكن فعليًّا علاجها بهذه الوسيلة وحدها، دون اللجوء إلى العقاقير؛ ولذلك، من المهم تكوين فكرة واضحة عن هذه الحمية؛ فأيًّا كان المكان الذي تتحقَّق فيه نتيجة عن طريق الحمية، فمن المُفضَّل الامتناع فقط عن اتباع الوصفات الدوائية … الكليتين والمفاصل … صعوبات التنفس المزمنة … تضخم الطحال وتصلب الكبد … الصرع. (ترجمه إلى الإنجليزية: سنجر)

هذا الاستشهاد مأخوذٌ من بحثٍ يتحدَّث عن نظام غذائي خاص يهدف إلى تخفيف الأخلاط، بمعنى التقليل من لزوجة أخلاطٍ معينة، كالبلغم على وجه التحديد. ولكن، يتضح لنا من بحث جالينوس الأطول الذي ألَّفَه لاحقًا — «عن قوى الأطعمة» — أن الأخلاط الأغلظ قوامًا كثيرًا ما كانت أكثرَ ضررًا من الأخلاط الأخف قوامًا، مع أن المواد المغذية غالبًا ما كانت ترتبط بالخلط الغليظ. وحديثه عن اللحم البقري — وهو البروتين الأهم من نواحٍ كثيرة كما رأينا — يتَّسِم بالحِدَّة:

يوفر اللحم البقري موادَّ غذائية غنية وغير سهلة الهضم، مع أنه يجعل قوام الدم أغلظَ من الحد المناسب. وإذا أكل شخصٌ يميل بطبعه إلى الكآبة والسوداوية من هذا الطعام حتى الشبع، فسيصاب بمرض مرتبط بالكآبة والسوداوية. وهذه الأمراض هي السرطان وداء الفيل والجرب والجذام وحمى الربْعِ وأي أمراض تندرج تحت السوداوية أو الاكتئاب … ويفوق اللحم البقري في غلاظةِ مادتِه لحمَ الخنزير، بنفس الدرجة التي يفوق بها لحمُ الخنزير اللحمَ البقري من حيث اللزوجة. (جالينوس، «عن قوى الأطعمة» ٣، ١، ترجمه إلى الإنجليزية: جرانت)

يوضح جالينوس أنه يرى من وجهة نظره أن التغذية تتضمن النظام الغذائي اليومي الذي يجب تعديله بحيث يلبي احتياجات حالاتٍ مرضية معينة في الجسم؛ فالجسم يتلقَّى المواد المغذية — «تروفي» — ويكون خاضعًا للخواص أو القوى «دوناميس» الكامنة في الطعام. وقد يتسم الطعام بخاصية التدفئة أو التبريد أو التغليظ أو التخفيف، وقد يكون مُرًّا أو بسيطًا أو حلوًا أو لاذعًا؛ وكلُّ هذه الخواص كانت تؤثر على الجسم، وعلى السوائل الحيوية أو «أخلاط» الجسم بصفة خاصة. وكان يمكن التحكم في الصحة والكثير من الحالات الناتجة عن اعتلال الصحة عن طريق اختيار الأطعمة المناسبة لاحتياجات كل جسم على حدة، وكان النظام الغذائي عبارة عن وسيلة معتدلة نسبيًّا للمحافظة على الصحة ومكافحة المرض، وكانت تتوافر علاجات أقوى في دستور الأدوية الذي كانت تُصنَّف فيه الموادُّ النباتية والحيوانية المشابهة — ولكن في نمطٍ أشدَّ تركيزًا — جنبًا إلى جنب مع المكملات المعدنية وغيرها من المكملات الغذائية.

سأتحدَّث عن أربعة أمثلة من الأطعمة المأخوذة من بحث جالينوس «عن قوى الأطعمة» لإيضاح مدى تعدُّد استعمالات الأطعمة من وجهة نظر الطبيب. وكانت المواد المغذية من الاعتبارات المهمة، ولكن كان ثمة عدد من الاعتبارات الأخرى، كما سنرى. وكانت سهولة مرور الطعام خلال الأمعاء من الأمور المهمة، وكذلك الاعتبارات المتعلقة بإدرار البول ومجموعة متنوعة من خواص الأخلاط.

يصف جالينوس الشوفان في الموضع (١، ١٤):

يكثر هذا النوع من الحبوب في آسيا، خصوصًا في المنطقة الواقعة بعد بيرغامون من مدينة ميسيا؛ حيث تشهد إنتاجَ كمياتٍ كبيرة من القمح الوحيد الحبة والقمح الثنائي الحبة. وهو طعام مخصَّص للحيوانات المستخدمة في الجرِّ وليس للبشر، إلا في أوقات معينة عند اضطرارهم لصنع الخبز منها في حال تعرُّضهم للجوع الشديد. وفي غير أوقات المجاعات، يُؤكَل الشوفان بعد سلقه بالماء مع النبيذ الحلو أو عصير العنب المغلي أو النبيذ الممزوج بالعسل، مثل القمح الوحيد الحبة؛ وهو دافئ بدرجة كافية، مثل ذلك النوع من الحبوب، ومع ذلك هو ليس صلبًا مثل القمح الوحيد الحبة؛ ومن ثَمَّ، فهو يمدُّ الجسم بكميةٍ أقل من المواد الغذائية، والخبزُ الذي يُصنَع منه كريهٌ من نواحٍ أخرى. وهو لا يضبط الأمعاء أو يُحفِّزها، بل إنه من هذه الناحية يقع في منزلة وسطى بين نقيضين. (ترجمه إلى الإنجليزية: باول)

وأعلِّقُ فيما يأتي على السمات الاجتماعية لهذه الفقرة. أما الآن، فإني أشير إلى أن جالينوس يتحدث عن الأشكال النيئة والمُصنَّعة من الشوفان؛ إذ يذكر أن جودته الغذائية تعتمد جزئيًّا على كثافة البذرة، وأن الشوفان يساعد في التدفئة من حيث علاقته بالأخلاط، وأنه لا يؤدي للإمساك ولا الإسهال أثناء مروره في الأمعاء. والحبوب التي تحدَّث عنها جالينوس بعد ذلك (١، ١٥) هي «كينجكروس» و«إلوموس»، وهما دخن بروسو ودخن ذيل الثعلب:

أحيانًا يُصنَع الخبزُ من هذه الحبوب إذا حدث نقصٌ مفاجئ في أطعمة الحبوب التي سبق ذِكْرها، ولكنها غير مغذية وباردة، ومن الواضح أنها مقرمشة وتصلح للقلي، وكأنها لا تحتوي على أي مواد دهنية أو دبقة؛ لذلك — بحسب توقعاتك — فهي تتَّسِم بخاصية التجفيف للمعدة الرطبة. ولكنهم في الريف يسلقون الدقيق المُستخرَج من هذه الحبوب، ثم يمزجونه مع دهن الخنزير أو زيت الزيتون ويأكلونه. ودخن بروسو أرقى من دخن ذيل الثعلب من كل النواحي، وهو في الواقع ألذُّ كطعامٍ، وأسهلُ في الهضم، وأقلُّ تسبُّبًا في الإصابة بالإمساك، وقيمته الغذائية أكبر. أحيانًا يأكل الريفيون الدقيقَ المصنوع من هذه الحبوب ممزوجًا بالحليب بعد غَلْيه، ويستعملون دقيقَ القمح أيضًا بهذه الطريقة. ومن الواضح أن قيمة هذا الطعام ممزوجًا تكون أفضلَ من تناوُل مكوناته كلًّا على حدة، وذلك بنفس القدر الذي يكون فيه تناوُلُ هذا المزيج بالحليب أفضلَ من الخواص الطبيعية لكلٍّ من هذين النوعين من الحبوب منفصلَيْن. تساعد إضافةُ الحليب في إفراز أخلاطٍ صحية، فضلًا عن مزايا أخرى تتعلَّق بالهضم والتفريغ المعدي وتوزيع الطعام والطعم الحلو اللذيذ عند الأكل؛ فهذان النوعان من الحبوب غير لذيذين، ولا سيَّما دخن ذيل الثعلب الذي يُزرَع في المنطقة التي نعيش فيها من آسيا؛ وهو أفضل بكثير في البلدان الأخرى، مثل إيطاليا. (ترجمه إلى الإنجليزية: باول)

توضِّح هذه الفقرة خواصَّ الحبوب ذات القيمة الغذائية المحدودة، ويتسم هذان النوعان من الحبوب ببرودة ملحوظة، ويحدِّد قوام كلٍّ منهما الصالح للقلي خواصه التي تساعد في تجفيف المعدة. وتأتي إشارةٌ إلى طعمِ كلٍّ منهما، وفي هذا السياق المتعلِّق بالأطعمة الثانوية كغذاءٍ للإنسان يصبح الطعم اللذيذ من الخواص الوثيقة الصلة بالموضوع. ويترافق مع ذلك — في هذه الحالة على الأقل — سهولة الهضم والتغذية، وتتطلَّب الحبوب مزجها بالحليب؛ ومن ثمَّ يمكن أن تؤدي إلى إفراز أخلاطٍ صحية، وإلى فوائد متعددة من حيث الهضم والتوزيع والتدفق من المعدة.

وثاني نوعين من الطعام اخترتهما لتوضيح منهج جالينوس هما ثمرتا العرعر وشجر الأرْز (٢، ١٥-١٦):

يطلق الناس على ثمرة العرعر «توت العرعر»، وهو مُرُّ المذاق بعض الشيء، مع شيءٍ من الحلاوة وقدرٍ أقل من الطعم اللاذع. وله أيضًا رائحة عطرية نوعًا ما؛ لذلك، من الواضح أن له خاصية التدفئة بسبب الطعم اللاذع (فكلُّ ما هو لاذع ثبُتَ أنه يساعد على التدفئة)، ولكن أيضًا بسبب رائحته وطعمه العطريَّيْن؛ فكل النباتات العطرية تساعد على التدفئة. كما أنه يساعد على تنقية المواد الموجودة في الكبد والكلى، ومن الواضح أنه يساعد في تخفيف الأخلاط الغليظة واللزجة؛ ولهذا يُخلط بالعقاقير التي تحسِّن الصحة. ولكنه لا يمدُّ جسمَ الإنسان إلا بمواد غذائية قليلة، وإذا أكل المرء كمية كبيرة منه، فإنها تهيج المعدة وتؤدِّي إلى سخونةٍ في الرأس، وأحيانًا ما تسبِّب انتفاخًا في الرأس وإحساسًا بالألم. وعند مرور هذه الثمار في الأمعاء، فإنها لا تتسبَّب في إعاقةِ الإخراج ولا في تحفيزه؛ ومع ذلك، فإنها مُدِرَّة للبول إلى حدٍّ معتدل.

وثمرة شجرة الأَرْز — التي يطلقون عليها «توت الأَرْز» — تشبه ثمار توت العرعر من حيث اللون والشكل — لأن لونها يميل للاصفرار ومستديرة أيضًا — ولكنها تختلف من حيث الطعم اللاذع. وفي الواقع، تقترب هذه الثمرة من كونها عقارًا لأنها لا تمدُّ الجسمَ بأي مواد مغذية إلا عند نَقْعِها في الماء أولًا؛ فمن السمات المشتركة لكل الأطعمة اللاذعة أنها تمدُّ الجسمَ بمواد مغذِّية ثانوية بعد التخلُّص من طعمها اللاذع. فضلًا عن ذلك، فإن ثمرة أشجار الأَرْز أشدُّ صلابةً وأكثر جفافًا من ثمار العرعر، كما أنها دون شكٍّ أصغرُ حجمًا منها، وليست أيضًا ذات رائحة عطرية مثلها؛ لذلك، من الواضح أنها مهيجة للمعدة وتؤدِّي إلى الإصابة بالصداع، إلا في حالة تناوُلها بكمية قليلة. (ترجمه إلى الإنجليزية: باول)

لا ينتمي هذان النوعان من الطعام إلى الأطعمة أساسًا؛ فكما يذكر جالينوس، فإن ثمرة شجرة الأَرْز أقرب إلى كونها عقارًا؛ لأنها تغيِّر الجسمَ ولا تمدُّه بأي مواد مغذية، وثمرةُ العرعر تشبهها في ذلك. ومن اللافت للنظر أن هذه الفكرة لم تسهم في استثناءِ هذين النوعين من التوت من هذا البحث المتعلِّق بالأطعمة؛ فالمواد المغذية ليست هي المعيار الوحيد. يقع هذان الطعامان في منزلةٍ وسطى بين الأطعمة والعقاقير، شأنهما في ذلك شأن البصل والثوم والكثير من النباتات العطرية مثلًا. وكما سنرى، فإن ثمة قدرًا كبيرًا من التداخل بين العناصر الموجودة في هذا البحث — وهي التي تساعد في تغذية الجسم بوجه عام — وبين العناصر الموجودة في الأبحاث التي تتناول العقاقير، وهي التي تُحدِث تغييرًا في الجسم. ومع ذلك، فإن المشكلة الحالية — كما رأينا بخصوص نوعَي الدخن فيما سبق — تكمن في أن القيمة الغذائية للأطعمة في رأي جالينوس، كما هو في رأي عالِم التغذية في العصر الحديث، لم تكن تقتصر على المواد المغذية فقط. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه كان يعتبر أن «أنادوسيس» — وهي الحركة خلال الأمعاء — و«القوى» أو القدرات الكامنة تعمل جميعًا على تعديل الأخلاط في الجسم.

يتحدَّث جالينوس عن العقاقير في عددٍ من الأبحاث، مثل بحث «عن قوى وأمزجة العقاقير البسيطة (العقاقير النباتية البسيطة)»، وبحث «العقاقير المُركَّبة بحسب المكان»، وبحث «العقاقير المُركَّبة بحسب النوع». فالعقاقير — كما أشرتُ — كثيرًا ما تكون عبارة عن أطعمة مجففة أو مركَّزة تُؤخَذ ليس بهدف التغذية أو المحافظة على الجسم بل لإحداث تغيير. ومعظم المنهج العلمي المستخدَم في بحث «عن قوى الأطعمة» مأخوذٌ من البحث السابق المعنون ﺑ «عن العقاقير النباتية البسيطة». كان علم العقاقير من أهم المحفِّزات للمشتغلين في مجال الطب في الحقبة الهلنستية؛ إذ كان عدد من الملوك الذين تعاقبوا على حكم إمبراطورية الإسكندر الأكبر مضطرين لحماية أنفسهم ممَّنْ كانوا يدسُّون لهم السمَّ. ربما كان أبرزهم هو ميثريداتس الرابع ملك بنطس، ولكن من بين الملوك الآخَرين ليسيماخوس وأكثر من ملكٍ من الملوك البطالمة، وكانت تُجمَع أنواعُ الترياق المضاد للسموم من الكثير من الأصقاع البعيدة من رقعة البلدان الإغريقية الرومانية الآخِذة في الاتساع، وكانت الكفالة الملكية تقدِّم المواردَ اللازمةَ لإتمام الجهود البحثية المتعلقة بالعقاقير والتغذية. والخوف من الاغتيال هو جانبٌ آخَر يوضِّح مدى أهمية القصر الملكي كمركزٍ للتطورات التي تشهدها الأطعمة والمشروبات، سواء بهدف التفاخر أم لأغراض علاجية. لطالما كان خطرُ دسِّ السم — والسم من المواد التي تضرُّ ولا تغذِّي — من الأخطار الحاضرة دومًا، كما يتضح من خلال أنواع الترياق التي نشأت من القصر الملكي الفارسي ومن الأسرة اليوليو كلاودية التي جاء منها أول خمسة أباطرة في روما. وكان من الوارد أن تُوضَع السمومُ مع الطعام عند أوقات تناول الطعام، وأحيانًا ما كانت تُوضَع بطرقٍ ملتويةٍ للغاية تتطلَّب ممَّن دسَّ السمَّ أن يتناول طعامًا أو شرابًا سليمًا من نفس ما كان يوشك الضحية على ابتلاعه. يزعم جالينوس أن تناول الجوز والسَّذاب عند بداية الوجبة يقاوِم كلَّ أنواع السموم.

(١) البيئة

كانت البيئة من الموضوعات المهمة التي تناوَلها جالينوس، وفيما يأتي ما يقوله عن أسماك البوري الرمادية (٣، ٢٤):

يتوقف مدى كونها أفضل أو أسوأ على نوعية الطعام الذي تتغذَّى عليه؛ فبعض الأسراب تأكل كمية وفيرة من النَّبْتَات المائية والجذور المفيدة؛ ومن ثَمَّ يصبح هذا النوعُ أفضلَ، بينما تأكل أسرابٌ أخرى نَبْتَات مائية ملوَّثة بالطين وجذورًا غير مفيدة. وبعض أسراب هذه الأسماك التي تعيش في الأنهار التي تجري في المدن الكبرى تأكل من الفضلات البشرية وأطعمة سيئة أخرى؛ ولذلك فهي أسوءُها على الإطلاق، كما قلتُ؛ ولذلك، حتى لو بقيت لمدة قصيرة جدًّا بعد موتها، فإنها تتعفَّن على الفور وتفوح منها رائحة كريهة للغاية، وهي كلُّها ذات طعم كريه ويصعب هضمها، وتحتوي على كميةٍ قليلة من المواد المغذية وكميةٍ كبيرة من الرواسب. إذن لا عجبَ أنها تؤدِّي إلى تجمُّع الأخلاط غير الصحية في جسمِ من يأكلها يوميًّا. ومع أن هذه الأسماك من بين أسوأ الأسماك، فعلى العكس من ذلك، نجد أن أفضل أنواع أسماك البوري الرمادية — كما قلتُ — هي تلك التي تعيش في أشدِّ مناطق البحر صفاءً، خصوصًا المناطق التي لا تحيط بها شواطئ طينية أو شواطئ ناعمة، وإنما شواطئ رملية أو وعرة. وتكون الأسماك أفضل بكثيرٍ إذا كانت الشواطئ عرضةً لهبوب الرياح الشمالية؛ فمع أن الحركة تساعد على تمتُّع كلُّ الحيوانات بأخلاطٍ صحية بدرجةٍ كبيرة، فإن نقاء الرياح التي تمتزج مع الماء يزيد من جودة لحم تلك الأسماك. ومن الواضح أيضًا ممَّا قيل — لهذا السبب أيضًا — أن ثمة بحارًا أفضل من بحارٍ أخرى من حيث كونها صافيةً تمامًا أو يصبُّ فيها الكثيرُ من الأنهار الغزيرة مثل بحر بنطس (البحر الأسود)؛ فالأسماكُ التي تعيش في هذه البحار أفضلُ من الأسماك التي تعيش في بِرَكٍ، وهي أقل جودةً من الأسماك الموجودة في أعالي البحار. (ترجمه إلى الإنجليزية: باول)

وكما ذكرنا آنفًا، نجد أن الطبيب التابع لمدرسة أبُقراط يتناول المريض من حيث عالم الطبيعة الأكبر المتعلق بالكون، ومن حيث عالم الطبيعة المتعلق بالحيوانات والنباتات. ويتحدث جالينوس عن هذا المفهوم المتعلق بالحياة البشرية بوضوحٍ في عددٍ من أعماله. ورأينا فيما سبق أن الجسم المثالي كان هو الجسم الإغريقي وليس الجسم المصري الذي كان حارًّا أكثر مما ينبغي، وليس الجسم الألماني أيضًا لأنه كان باردًا أكثر مما ينبغي. وفي بحثه المتعلِّق بالأطعمة يصنِّف العناصرَ بوضوحٍ على أسس بيئية وموسمية. يجب أكل النباتات في الوقت المناسب من العام، وينطبق ذلك أيضًا على الأسماك والحيوانات. وكما ذكرنا فيما سبق، تتَّسِم أسماكُ الأنهار بخواص تختلف عن خواص أسماك البحار، والماعز أو الطيور التي نشأت في الجبال تختلف تمامًا عن نظائرها التي نشأت في السهول. وسن الحيوان أيضًا من العوامل ذات الصلة، مثل سن المريض البشري. وهذه الأفكار موضَّحة كما يجب في بحثِ جالينوس المرافق لبحث «عن قوى الأطعمة»، وهو «عن المحافظة على الصحة» أو «هايجينا». وفي الفقرة (٥، ٦) من البحث، يناقش جالينوس خطرَ الانسداد المعوي لدى الرجال المتقدِّمين في السن:

إنَّ حالات الانسداد الناتجة عن النبيذ متوسطة، أما حالات الانسداد الناتجة عن الأطعمة المسبِّبة لإفراز عصارة غليظة أو لزجة فليس من السهل علاجها؛ لذلك لا بد أن يمتنع الرجال المتقدِّمون في السن عن تناول كميات كبيرة من النشا أو الجبن أو البيض المسلوق أو الحلازين أو البصل أو الفول أو لحم الخنزير، ولا بد أن يمتنعوا كذلك عن تناول كميات كبيرة من الثعابين أو طيور العُقاب أو كل الحيوانات ذات اللحم القاسي الذي يصعب هضمه؛ ومن ثَمَّ، يجب ألَّا يأكلوا شيئًا من القشريات أو الرخويات أو أسماك التونة أو أيًّا من الحيتانيات أو لحم الطرائد أو الماعز أو الماشية. وهذه الأطعمة لا تكون مفيدةً أيضًا لأيِّ شخصٍ آخَر، ولكن لحم الضأن ليس طعامًا مُضِرًّا للشباب، ولكن لا شيء من هذه الأطعمة مفيد لكبار السن، وخصوصًا لحم الضأن؛ لأن هذا اللحم رطب ولزج ودبق وبارد. ولكني لا أرى أن لحم الطيور غير مناسب لكبار السن، ومن بينها الطيور التي لا تعيش في المستنقعات أو الأنهار أو البرك. وكلُّ الأطعمة المجفَّفة أفضل من الأطعمة الطازجة.

يشرح جالينوس التغيُّرات التي تطرأ على الأخلاط بسبب الموقع بمزيدٍ من التفصيل في فقرةٍ من بحث «عن النظام الغذائي المُستخدَم في تخفيف الأخلاط» ٨:

إنَّ الطيور التي تعيش في المستنقعات والبحيرات والسهول تكون أكثر رطوبةً، وتنتج عنها كمية أكبر من المُخلَّفات. والحيوانات التي تعيش في التلال دائمًا ما تكون أكثر جفافًا وأشد حرارة، وتكون لحومها هي الأقل دبقًا والأقل إفرازًا للبلغم. في الواقع، كلُّ ما يعيش في الجبال هو أفضل بكثيرٍ ممَّا يعيش على الأراضي المنبسطة … (ترجمه إلى الإنجليزية: سنجر)

تنطبق الحُجج نفسها على النباتات، وينعكس اهتمامُ جالينوس بالتغيُّرات الموسمية للنباتات لدى علماء النبات. يطرح ديسقوريدوس الموضوعَ في التمهيد الذي كتبه لموسوعة «عن المواد الطبية» (٧):

يجب ألَّا يغفل المرءُ حقيقةَ أن معدل نضج النباتات يتفاوت بحسب الخصائص المميِّزة للبلد وبحسب المناخ؛ فبعضُ النباتات تزهر وتورق في الشتاء — وذلك بحسب طبيعتها الخاصة — وبعضها يزهر مرتين في العام. وكلُّ مَن ينشد الخبرةَ في هذه الموضوعات ينبغي عليه أن يرى النباتات وهي نَبْتَاتٌ صغيرة، خرجت توًّا من الأرض، ينبغي عليه أن يرى النباتات في أوج ازدهارها وعند ذبولها. (ترجمه إلى الإنجليزية: سكاربورو وناتن)

تعتبر القضايا البيئية من الموضوعات البارزة في كتابات جالينوس، وفي الكثير من الكتابات الطبية الأخرى التي تتبنَّى فِكْرَ أبُقراط. وإلى جانب هذه القضايا، يقدِّم جالينوس أيضًا الكثيرَ من الشروح والتعليقات الجغرافية؛ فهو يذكر — على سبيل المثال — القمحَ الثنائي الحبة من ميسيا، والجاودار من مقدونيا، والعنب من قيليقية، والتونة من ساردينيا. وهذا الأسلوب يساعد في الربط الدقيق بين الأطعمة وأماكن وجودها، وربما يكون من مساوئ هذا الأسلوب تعذُّر التعميم؛ فدخنُ ذيل الثعلب في آسيا غير مطابِق لدخن ذيل الثعلب الذي يُزرَع في إيطاليا، ولكن له مزايا بلاغية هائلة. وثمة أمثلة محددة تمنحنا الثقة في مصداقيتها، خاصةً إذا توافرت إمكانية تطبيق المبادئ المقدَّمة على نطاق أوسع. وهذا النسق البحثي الذي يراعي اتساع رقعة الإمبراطورية الرومانية من شأنه أيضًا أن يُفرِغ على جالينوس مصداقيةً أكبر بوصفه مصدرًا موثوقًا به، لا سيَّما حين تكون الأسباب التي تستند إليها تلك المبادئ مستقاةً من خلال فحصه لعددٍ من النباتات بنفسه، وكذلك من قراءته الواسعة للمؤلفين المتخصِّصين.

إنَّ النقد الاجتماعي الذي يقدِّمه جالينوس مُبهِرٌ مثل كتاباته عن الشئون البيئية والجغرافية في بحث «عن قوى الأطعمة». رأينا فيما سبق حديثه عن الريفيين في آسيا ممَّنْ يضطرهم الجوعُ لأكل الشوفان والدخن، وهما من الحبوب التي يُنظَر إليها في الظروف العادية باعتبارها لا تصلح إلا كطعام للحيوانات؛ وقد تحدثتُ في مواضع أخرى عن هذا الموضوع في ويلكنز (٢٠٠١، ويلكنز في باول ٢٠٠٣). وكان جالينوس مهتمًّا بالريفيين لأنهم كانوا يتناولون في نظامهم الغذائي أطعمةً لم يكن الأغنياء يأكلونها إلا في حال وصفها لهم كعقارٍ؛ ومن أمثلة تلك الأطعمة نبات البيقة المُر («عن قوى الأطعمة» ١، ٢٩):

تأكل الماشية نباتَ البيقة المُر في منطقتنا وفي مناطق كثيرة أخرى، وهو يُحلَّى بوضعه في الماء أولًا. أما البشر فيتجنَّبون هذه البذور تمامًا؛ لأن طعمها كريه وتحتوي على عصاراتٍ ضارة. ولكن، أحيانًا ما يلجئون إليها في أوقات المجاعة بدافع الحاجة الماسة، كما ذكر أبُقراط. ونحن أنفسنا نستعمل نبات البيقة المُر مع العسل كعقارٍ للتخلُّص من السوائل الغليظة في الصدر والرئتين، ونحضِّره أولًا بنفس طريقة تحضير الترمس. (ترجمه إلى الإنجليزية: جرانت ٢٠٠٠ وباول ٢٠٠٣)

وفي مواضع أخرى، نجد جالينوس مهتمًّا برسم حدود النظام الغذائي للإنسان. ومن الممكن أن نضيف عادات شعوب أخرى إلى الأدلة المستقاة من الريفيين الشديدي الجوع؛ فالمصريون الذين يأكلون يرقات الخشب لا يشبهون الإغريق في عادات تناوُل الطعام أو القراءة (٣، ٢). لا يتصوَّر جالينوس أن المصريين سيقرءون بحثه، ولا يمكنه أن يتخيَّل الإغريق وهم يأكلون الحشرات والثعابين مثل المصريين. ومَنْ يأكلون الأُسُودَ والحميرَ والدببةَ هم أقرب لتلك الحيوانات منهم إلى البشر.

وناقشتُ فيما سبق اهتمامَ جالينوس بالاحتياجات الغذائية للعمَّال المشتغلين بأعمال يدوية، وقد اكتشفَ أن الحصَّادين وحافري المصارف الذين يحضرون الاحتفالات الريفية كانوا يتمتعون ببِنْية قوية تتيح لهم أكلَ أطعمةٍ قوية مكوَّنة من الجبن المخبوز مع الخبز، بَيْدَ أنهم كانوا يموتون في سن الشباب. وكان بوسع الرياضيين أيضًا تناوُل كمية من الخبز واللحم تزيد عمَّا يستطيع تناوُله أيُّ فرد من الطبقة الراقية. وكانت للجنود أيضًا احتياجاتٌ خاصة. يذكر جالينوس في بحث «عن قوى الأطعمة» (١، ١١):

في بعض البلدان يستخدمون جريش الشعير لصنع الخبز، كما رأيتُ في الريف في قبرص، ومع ذلك فَهُمْ يزرعون القمحَ في معظم الأحيان. وكان القدماء يعدُّون جريش الشعير أيضًا للمجندين في الخدمة العسكرية، ولكن حاليًّا لا يستخدم الجيشُ الروماني جريشَ الشعير، بعد أن شاع رأيٌ متحامِل بأنه يؤدِّي إلى إضعاف الجنود؛ وذلك لأنه يمدُّ الجسمَ بكميةٍ قليلة من العناصر المغذِّية التي تكفي للفرد العادي الذي لا يؤدِّي تدريبات بدنية. (ترجمه إلى الإنجليزية: باول)

إنَّ بحث «عن قوى الأطعمة» هو بحث معنيٌّ في الأساس بأساليب التدخل المعتدل، وعندما كان الأمر يستدعي أساليبَ طبيةً أقوى، كان الطبيب يلجأ إلى استخدام العقاقير، أو «فارماكا» باللاتينية. ألَّفَ جالينوس عددًا من البحوث المؤثرة عمَّا أطلق عليه الأدوية البسيطة (النباتات وحدها أو المنتجات الحيوانية أو المعادن) وعن الأدوية المُركَّبة أو أمزجة من عدة مكونات واردة في الوصفات الطبية. وكما رأينا في موضع سابق من هذا الفصل، يُصنَّف بعضُ النباتات بصفته أطعمة وعقاقير في آنٍ واحد؛ ومن أمثلة ذلك نبات العرعر (وردت مناقشة عنه في كتاب «الأدوية البسيطة» ٦ = ١١، ٨٣٦-٨٣٧)، وشجرة الأَرْز (كتاب «الأدوية البسيطة» ٧ = ١٢، ١٦-١٧).

fig30
شكل ٨-٣: يناقش ديسقوريدوس صنفين من القمح البدائي، ربما القمح الثنائي الحبة والقمح الوحيد الحبة. وحاوَلَ علماءُ النبات والأطباء تسجيلَ كلِّ النباتات الموجودة في الإمبراطورية الرومانية، فوجدوا قدرًا كبيرًا من الخَلط يشوب السجلات المكتوبة، ولاحظوا استخدامَ مصطلحاتٍ لم تكن تمتُّ بِصِّلةٍ للنباتات المزروعة. واهتمَّ ديسقوريدوس وجالينوس كثيرًا بفكرة أن يفحص الباحثُ النباتاتِ بنفسه في مواسم مختلفة وفي أماكن مختلفة بهدف مطابقة التصنيف النباتي للتصنيف المعجمي، وهذا ما فعله كلاهما. (حصلنا على نسخة من الصورة بإذن من كبير كهنة كاتدرائية إكستر.)

ألَّفَ جالينوس هذه البحوث بهدف مناقشة عددٍ من المشاكل التنظيمية بالإضافة إلى المجالات المتخصصة. فبَحْثَا «عن الأدوية البسيطة» و«عن قوى الأطعمة» هما عبارة عن فهرسين يحتويان على قوائم مطوَّلة من المواد، جمَعَها جالينوس وكانت ثمارَ سنواتٍ طويلة من البحث، وكثيرٍ من دراساتِ الحالة والتجارب. كيف يمكن ترتيب هذه القوائم ترتيبًا مترابطًا؟ يتحدَّد الترتيب جزئيًّا على أساس فئة القُرَّاء؛ فمن الممكن أن يستفيد القراء غير المتخصصين بالترتيب الأبجدي، وهو الذي يستخدمه جالينوس لبعض أجزاء كتابه «عن الأدوية البسيطة» وليس كلها. أما الأطباءُ الخبراء، فمن الممكن أن يناسبهم الترتيب بحسب الفئات الطبية؛ ومن ثَمَّ، فإن بحث «عن قوى الأطعمة» مُرتَّب بحسب الأطعمة الأكثر انتشارًا وفاعليةً (بادئًا بالأطعمة ذات القيمة الغذائية الأعلى أولًا؛ وهي القمح في الجزء الأول، ولحم الخنزير في الجزء الثالث). وبالمثل، يستهلُّ جالينوس كتابَه «عن النظام الغذائي المُستخدَم في التنحيف» بالأطعمة الأكثر فاعليةً في تخفيف الأخلاط الغليظة؛ وهي البصل، وينتهي بأقلها فاعليةً في ذلك؛ وهي الجُبن والعسل. يكتب جالينوس أيضًا بأسلوب واضح وبلاغي، يتخلله قدرٌ كبير من التنوع، كالقوائم المجردة في كتابه «عن العقاقير النباتية البسيطة»، والنوادر والأدلة في كتابه «عن قوى الأطعمة»، والأسلوب البلاغي القائم على الانتقاد والذم في بعض المواضع في أجزاء من كتاب «عن القوى الطبيعية»، والعبارات البلاغية الباهرة في بحث «عن التكهُّن بسير المرض».

نظَّمَ جالينوس إنتاجَه الغزير بعنايةٍ فائقة، ونجده يناقش مبادئَ تنظيمِ كتبه وصعوباتِ إنتاجها في كتابَيْه «عن كتبي» و«عن ترتيب كتبي». ويستخدم نظامًا للإسناد الترافقي بين كتبه؛ ومن ثَمَّ فإنه يحيل قارئه في بحثه «عن قوى الأطعمة» — على سبيل المثال — إلى بحثه «عن العقاقير النباتية البسيطة» للاطِّلاع على مناقشةٍ لبعض خواص الكبد، مثلًا. وعند المقارنة بين هذين البحثين بالتحديد نتعرَّف على المزيد من مبادئ التنظيم التي يستعملها. يُدرِج جالينوس عددًا كبيرًا من الحبوب والبقول في بحث «عن قوى الأطعمة»، وهو عددٌ يزيد عن الذي ذكره المؤلف التابع لمدرسة أبُقراط في بحث «الحمية ٢». كما يذكر المزيدَ من النباتات الثانوية، ولكنه لا يذكر الكثير من أنواع الأسماك المتنوعة. وهو يحاول أن يكون شاملًا، ليس بأنْ يذكر كلَّ شيء قدر الإمكان، بل بمناقشة كل الفئات ذات الصلة؛ فكيف ينجز مهمته؟ توجد فقرة مفيدة بهذا الشأن في الموضع ٢، ٥١ من كتابه، وفيه يناقش جالينوس أنواعَ الكرفس، وأنواع الكرفس البري («هيبوسيلينوي»)، والجزر الأبيض («سيا»)، وأنواع الكرفس البري الكريتي («سميرنيا»). ويستعرض في المادة التي يتناولها عدة جوانب:
  • (١)

    الخواص الطبية: هذه النباتات كلها مُدِرَّة للبول، وتحفِّز الطمث عند النساء.

  • (٢)

    المصطلحات: في روما، يُعرَف «سميرنيون» (الكرفس البري الكريتي) باسم «أوليساثرون».

  • (٣)

    التصنيف: هذه النباتات ربما لا تصلح لتكون أطعمة مُغذِّية («تروفاي»)؛ لأنها كلها عبارة عن مكملات تُضاف إلى الطعام الأساسي، مثل البصل والثوم والكرَّاث والكرَّاث البري وكل النباتات اللاذعة.

  • (٤)

    الاستعمال كطعام: أنواع الكرفس يشيع استخدامها لأنها لذيذة الطعم ومريحة للمعدة؛ أما أنواع الكرفس البري والجزر الأبيض فاستعمالها أقل، ويكثر بيع الكرفس البري الكريتي في روما.

  • (٥)

    التغيُّرات الموسمية: تُؤكَل أعواد الكرفس البري الكريتي في الربيع، وتُؤكَل أوراقه في الشتاء.

  • (٦)

    الطعم: الكرفس البري الكريتي يتَّسِم بأنه أشدُّ حَرافةً من الكرفس، ويساعد أكثر على التدفئة، ورائحتُه أقوى.

  • (٧)

    الطهي: يمكن أكل الكرفس البري الكريتي نيِّئًا أو مطهيًا بالزيت وصلصة غاروم أو بالنبيذ والخل. ومن الممكن أيضًا استعمال صلصة مكوَّنة من الخل وصلصة غاروم مع إضافة الزيت اختياريًّا (ويصلح ذلك للكرفس كذلك). تُؤكَل أنواع الكرفس البري والجزر الأبيض مسلوقةً، ومن الممكن تحضير السلاطات من الكرفس أو الكرفس البري الكريتي بالإضافة إلى الخس (وهو نباتٌ غير حريف ويحتوي على عصارة باردة)؛ وهذه التوليفة ألذ طعمًا وأكثر نفعًا. ومن الممكن إضافة الجرجير أو أنواع الكرَّاث أو الريحان بالطريقة نفسها.

وتوالى ذِكْر كل هذه الفئات من الموضوعات محل الاهتمام في هذا الكتاب؛ وينطبق ذلك تحديدًا على مناقشة جالينوس للنكهات، أو «أوبسا» باللاتينية. والنكهات — كما رأينا في مواضع أخرى — هي المكملات الطيبة المذاق التي تضاف إلى الحبوب، والنباتات والأسماك واللحوم الشهية التي تمنح الغذاءَ الأساسي المكوَّن من الحبوب قدرًا إضافيًّا من البروتينات والفيتامينات والمعادن (بمصطلحاتنا الحديثة). والذي يقصده جالينوس في هذا الموضع بمصطلح «أوبسا» مشابِهٌ لذلك؛ فهو يعني الأطعمةَ الحسنة المذاق التي لا تُضفِي قدرًا كبيرًا من السعرات الحرارية إلى الوجبة، ولكنها تُثرِي المذاقَ وتجعل الطعامَ أكثر استساغةً. ويذكر جالينوس أمثلةً أخرى مثل الزوفا (أشْنان داود) والبردقوش والشمر والكزبرة. ومن بين هذه النباتات، لا يظهر في بحث «عن قوى الأطعمة» إلا الشمر. والنباتات الأخرى واردةٌ في بحث «عن العقاقير النباتية البسيطة» بصفتها عقاقير؛ فهي — بعبارة أخرى — تُغيِّر نظامَ الأخلاط ولا يقتصر دورها على تغذية الجسم وبنائه فحسب، إذ إن الأطعمة وحدها هي التي تؤدي هذه المهمة. ومع ذلك، ليس ثمة خط فاصل بين الأطعمة والعقاقير لأن الكثير من المواد — مثل البصل والثوم — يمكن تصنيفه على أنه أطعمة وعقاقير في آنٍ واحد.

إنَّ جالينوس على درايةٍ بالتعريفات التقليدية لكلمة «أوبسا» بأنها مكملات حسنة المذاق قد تكتسب دلالاتٍ مترفة في حال الإفراط فيها؛ إذ إنه يمضي قائلًا عن كتب الطهي، التي تتحدَّث عن نكهاتٍ مثل السَّذَاب وإشنان داود والبردقوش والشمر والكزبرة، أنها محلُّ اهتمامٍ مشترك من الطهاة والأطباء، ولكن لكل فريقٍ أهدافه وأغراضه المختلفة: «نحن الأطباءُ نهدف إلى المنفعة، وليس المتعة.» ثم يحيلنا جالينوس مباشَرةً إلى الوصفة العلاجية التي يقدِّمها أفلاطون في كتابه «محاورة جورجياس». ومع ذلك فإنه يقدِّم اعترافًا لصالح خصمه؛ فالطعم الكريه في الطعام كثيرًا ما يؤدِّي إلى عدم هضمه جيدًا؛ ومن ثَمَّ فمن الأفضل أن يكون الطعام لذيذًا بدرجةٍ معتدلةٍ. وعلى الرغم من هذا الإقرار من جانبه، فإنه يمضي ليقول إن الطهاة يستخدمون نكهاتٍ رديئة لإعطاء مذاقٍ شهي، ويترتَّب على ذلك سوءُ الهضم.

ويقدِّم لنا جالينوس في هذا الفصل المفيد وَصْفاتٍ لتحضير سلاطات وأطباق مطهية مكوَّنة من الكرفس ونباتاتٍ مشابهة له، وتتضح الفروق التي يحدِّدها أكثر في هذا البحث. ولم يُدرِج السليفيوم — وهو أحد أكثر النكهات المفضلة لدى الذائقة الإغريقية الرومانية — بصفته طعامًا في بحث «عن قوى الأطعمة». والفلفل والكمون والكزبرة غير مُدرَجة أيضًا. ومع ذلك، فإنه يُدرِج هذه المواد كلها في بحث «عن العقاقير النباتية البسيطة» بصفتها عقاقير أو مواد تؤدِّي إلى إحداث تغيُّر في الجسم. والريحان والشمر مذكوران فعليًّا في البحث المتعلق بالأطعمة، ولكن بإيجازٍ شديد؛ فالريحان من بين المكملات التي يقال عنها كذبًا إنها تسبِّب وجودَ العقارب، ولكنه بخلاف ذلك يُفرِز عصارةً سيئة ومُضِرٌّ بالمعدة وصعب الهضم. ويأتي وصف الشمر بالكامل من الناحية الاجتماعية دون أي تعليقٍ طبي: «أحيانًا ما ينبت وحده مثل الشبت، ولكنهم أيضًا يبذرون بذورَه في الحدائق، ويستخدمونه كثيرًا لإضافةِ نكهةٍ مثله مثل الشبت. ويستخدمون الشمر أيضًا كمُكمِّل شهي، ويخزِّنه مَنْ يسكنون في منطقتنا (في آسيا الصغرى) مثل زَهْر عاقِرِ قَرْحا والبُطْم (أو التربنتين)، حتى يستفيدوا منه على مدار العام، مثل البصل واللفت وما شابه. ويقدِّمون بعضَ هذه النباتات بالخل فقط، ويقدِّمون بعضَ النباتات الأخرى بالخل والماء المملح» (١، ٥٦).

ولعلَّ هذا الجانب الاجتماعي، الذي يشمل أماكن شراء الأطعمة وبيعها وفئات الناس الذين يأكلونها والأسماء المحلية التي يُعرَف بها طعامٌ ما، من السمات البارزة لمناقشات جالينوس عن الأطعمة. فنطاقُ المعرفة الاجتماعية التي يوفرها في كتاباته يفوق بكثيرٍ نطاقَ المعرفة الاجتماعية لدى أثينايوس وغيره من المؤلفين «الأدبيين» والمؤلفين المتخصصين، كما سنرى في الفصل القادم. ويذكر أنواعَ الحبوب والفول الفقيرة التي يأكلها الريفيون لأنها تساعد في رسمِ حدودِ النظام الغذائي البشري. وعلى الجانب الآخَر من الإطار الاجتماعي، يعبِّر عن حذره من أطعمة الأغنياء التي يُحضِّرها الطهاةُ لأبناءِ الطبقات الراقية في روما وغيرها من المدن، لكنه يعترف بوجود بعض الاهتمامات المشتركة بين الأطباء والطهاة. وربما يكون هذا الحذر هو سبب قلةِ عددِ الأسماك التي يُدرِجها في الجزء الثالث من بحثه «عن قوى الأطعمة»؛ فلو كان ينوي تقديم موسوعة غذائية شاملة بحق، كان يمكنه إدراج مئات من أسماء الأسماك، ولكنه بدلًا من ذلك ذكر عددًا أقل ممَّا ذكَرَه المؤلفون الآخَرون. ومن الصعب ألَّا نظن أن تفسير ذلك يكمن في ارتباطِ الأسماك بموائد الأغنياء، فالأسماك موضوعٌ يناسب كتبَ الطهي أكثر مما يناسب البحوث الطبية؛ ففي النهاية، لم تكن الأسماكُ تخلو من الخواص الطبية، كما أشار الكثير من المؤلفين الآخرين. ويعزِّز هذا الرأيُ أن جالينوس يذكر تلوثَ الأنهار المرتبط بمتاجر الطهي من ضمن الصناعات الحضرية الأخرى، ويعزِّزه كذلك عجْزُه المُعلَن عن فهمِ سببِ تفضيلِ الذوَّاقين الرومان لكبد أسماك البوري الحمراء، ويعزِّزه كذلك عدمُ اهتمامه بالأسماك الصغيرة التي كانت متاحة للجميع بأسعار منخفضة للغاية. وعلى الرغم من كل ما يتمتَّع به جالينوس من أدواتٍ متخصصة، فقد وقع ضحيةً للافتراضات الثقافية الشائعة في عصره عن الطهاة والأسماك والترف. ولكن هذا الكلام ليس انتقادًا له؛ فعالَمه الفِكري قد تشكَّلَ بالطبع بفِعْلِ القوى الثقافية للإمبراطورية الرومانية ومعتقداتها الاجتماعية والثقافية التي كانت تشترك فيها كلُّ أنحاء الإمبراطورية على امتدادِ مساحتها في أماكن شتَّى. ويكمن جزءٌ من عظمته في أنه كان يحترم أفلاطون بنفس قدرِ احترامه لأبُقراط، وكان يرى البراعةَ المتخصصة في مجالٍ ما باعتبارها جزءًا من مشروع فلسفي.

يتمتع جالينوس بسعةٍ فكريةٍ ومعرفية مدهشة؛ فهو يتناول الشئونَ الطبية والنباتية والبيئية والاجتماعية، كما رأينا، ولكنه أخذ أيضًا في الاهتمام بالفلسفة والكتابات النقدية والنصوص الأدبية وتاريخ المكتبات، وقدَّم قوائمَ بكتبه ومعلوماتٍ عن كيفية طَلَبها، وقدَّم كتاباتٍ نقديةً عن الحياة المعاصرة تُضفِي قدرًا كبيرًا من العمق على المشهد المعاصر، وصاغَ الكثيرَ منها في قالبٍ مبنيٍّ على النوادر. وهو يشبه أيضًا أثينايوس، الذي يكاد يكون في نفس عمره، في تقديم مناقشةٍ نقدية للثقافة الإغريقية على مدار ألف عام، وتمثَّلَ ذلك في نصوص متخصِّصة وأدبية؛ ولهذا السبب، فإنه يمثِّل المقدمةَ المثالية إلى الفصل الختامي الأدبي في هذا الكتاب، وهو يثبت أيضًا ما أوضحه الكُتَّاب التابعون لمدرسة أبُقراط في بداية هذا الفصل، وهو أن المؤلفين المتخصصين في الطب كانوا يشكِّلون جوهرَ الفِكر القديم المتعلِّق بالطعام، ولم يكونوا منعزلين في مجالات تخصُّصهم فحسب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢