الفصل الخامس

الأهداف

القوى المحركة لقرارات الشراء

حتى نفهم على الوجه الأكمل السلوك الشرائي، نحتاج لفهمِ ما يدفع الناس لشراء المنتجات والعلامات التجارية في المقام الأول. لماذا نشتري ما نقوم بشرائه من منتجات أو خدمات؟ للإجابة عن هذا السؤال، سنعرض مفهوم الأهداف. الأهداف موضوع مهم في علم النفس والعلوم العصبية؛ فالتقييم المعتمد على الهدف أكثر المستويات تعقيدًا للقيمة في العقل البشري، وهو مفهوم أساسي في رحلتنا للإجابة عن السؤال المتعلق بأسباب شرائنا لما نقوم بشرائه من منتجات وخدمات. يعرض هذا الفصل لمدى أهمية وقيمة مفهوم الأهداف بالنسبة إلى التسويق.

قيمة الهدف: الدافع وراء السلوك المحفز

لقد تعرفنا على العديد من الطرق المفيدة التي يمكننا من خلالها تطوير واجهات اتخاذ القرار التي تمهد الطريق أمام اتخاذ قرار الشراء. وباستخدام رؤًى مستمدة من الاقتصاد السلوكي، هناك احتمالات رائعة لإضافة قيمة وتقليل التكلفة. ويمكننا استخدام طرق استدلالية لتحسين هياكل أسعارنا ومطوياتنا الدعائية وعروضنا الترويجية عندما نبيع، على سبيل المثال، سيارات. لكن لماذا يريد شخص شراء سيارة في المقام الأول؟ ومن أي العلامات التجارية سيسعى للحصول على معلومات؟ من الواضح أن هناك مستوًى إضافيًّا يقف وراء معادلة القيمة والتكلفة، إلى جانب الطرق الاستدلالية، وهذا المستوى هو الحافز؛ فالحافز هو القوة الدافعة الأساسية التي تقف وراء كل أنماط السلوك البشري؛ ومن ثَمَّ السلوك الشرائي؛ لذا دعونا نلقِ نظرة أكثر عمقًا على أهمية الحافز من منظور نفسي عصبي.

هناك ورقة بحثية رائعة تحمل عنوان «المؤشرات العصبية للشعبية الثقافية» (٢٠١٢) من تأليف جريجوري بيرنز وسارة مور من جامعة إيموري، وهي تلقي بعض الضوء على طبيعة الاختيار المحفَّز. استخدم الباحثان التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لقياس استجابة الدماغ لدى مجموعة من المراهقين الذين كانوا يستمعون لأغاني فنانين غير معروفين نسبيًّا. بعد انتهاء عملية تصوير الدماغ، طلبا من المشاركين تقييم مدى إعجابهم بالأغاني. وكان الهدف من هذا البحث هو تحديد المؤشرات الخاصة بالمبيعات المستقبلية؛ لذا، تم حساب إجمالي مبيعات تلك الأغاني للسنوات الثلاث التالية عقب إجراء عمليات التصوير الدماغي، ثم حدد الباحثان المؤشرات العصبية للمبيعات بالربط بين استجابات الدماغ والمبيعات الفعلية. إذن، ما هي المناطق الدماغية التي تتنبأ على نحو أكبر بالمبيعات المستقبلية؟

لقد عرضنا من قبلُ للدراسة التي قام بها برايان كنوتسون وآخرون (٢٠٠٧)، والتي أثبتت أن تنشيط مركز المكافأة في الدماغ يتنبأ بعمليات الشراء بالنسبة إلى الأشخاص، في ظل مستوًى معين من الألم يحفزه السعر. إن النقطة التي بحثها بيرنز وَمور (٢٠١٢) هي إن كانت نفس الآلية المعتمدة على المكافأة يمكن أن تتنبأ أيضًا بقرارات الشراء للناس بوجه عام. في واقع الأمر، وجدا أن هناك ارتباطًا واضحًا بين تنشيط جهاز المكافأة (القشرة الحجاجية الجبهية، المخطط البطني) والمبيعات المستقبلية؛ الأغاني التي أثارت قدرًا كبيرًا من التنشيط في جهاز المكافأة كانت لها مبيعات أعلى بكثير مقارنةً بالأغاني التي لم تنشط هذا الجهاز. وفي حين أن نشاط مركز المكافأة في الدماغ ارتبط على نحو كبير بحجم المبيعات المتحقق، فإن عامل الإعجاب الذاتي بالأغاني لم يتنبأ بالمبيعات. يقول بيرنز ومور: «يشير هذا إلى أن التقارير الشخصية البسيطة لمجموعات التركيز قد لا تكون مؤشرات جيدة للنجاح التجاري.»

لقد اكتُشف منذ فترة قصيرة أن الرغبة في الشيء والإعجاب به تنظمهما دوائر عصبية مختلفة في الدماغ. ونحن أيضًا نصادف هذا في حياتنا؛ فنحن نحب متجر بيع الكتب القديم القريب منا لكننا نشتري كتبنا من موقع أمازون، ومدمنو المخدرات يحقنون أنفسهم على نحو متكرر بالمخدرات على الرغم من أن عملية الحقن مؤلمة؛ يرجع السبب في ذلك إلى وجود دوائر مختلفة في الدماغ لكلٍّ من «الإعجاب» و«الرغبة».

لذا، إذا كانت توقعات المكافأة والرغبة تقف وراء السلوك الشرائي وليست الرغبة، فسنتوقع أن المكافأة ستكون أيضًا أحد المحركات الأساسية لاستعدادنا للدفع من أجل الحصول على منتجٍ ما. في واقع الأمر، هذا ما توصلت إليه الكثير من الدراسات الاقتصادية العصبية الحديثة؛ فالاستعداد للدفع عامل مهم في الأبحاث الاقتصادية العصبية؛ حيث إنه يتعامل مع أساس الاقتصاد؛ وهو: لماذا يشتري الناس المنتجات والعلامات التجارية؟ في دراسة أُجريت عام ٢٠٠٨ قام بها ثلاثة من علماء الاقتصاد العصبي الرواد، أنطونيو رانجل وَجون أودهيرتي وَهيلكه بلاسمان، تمت مراقبة أشخاص جائعين في جهاز تصوير دماغي أثناء مزاد كان على المشاركين فيه تقديم مزايداتهم (بالدولار) حتى يحصلوا على منتجات. بعض المنتجات التي كانت في المزاد لم تكن منتجات غذائية، في حين كانت هناك أخرى عبارة عن أطعمة مثل قطع حلوى. تمثلت النتيجة الرئيسية في أن مركز المكافأة في القشرة الحجاجية الجبهية يحدد الاستعداد للدفع من أجل الحصول على المنتجات الغذائية. وكان المشاركون الجوعى على استعداد لدفع مقابل أكبر من أجل الحصول على منتج غذائي؛ لأن دماغ الشخص الجائع يقيِّم المنتج الغذائي باعتباره أكثر قيمة، واعتمد هذا على التنشيط الكبير للقشرة الحجاجية الجبهية. بالنسبة إلى المشاركين غير الجوعى، كانت قيمة تلك المنتجات أقل بالنسبة إليهم؛ ومن ثَمَّ، كان استعدادهم للدفع أقل، وهو ما قابله تنشيط أقل بكثير في القشرة الحجاجية الجبهية؛ لذا، يبدو من المعقول أننا إذا كنا جوعى، ومن ثَمَّ لدينا هدف الأكل، فإننا نعطي قيمة كبيرة لأي منتج يتناسب مع هذا الهدف النشط، وهذا — بدوره — يزيد من استعدادنا للدفع. تلك التجربة رائعة ومثيرة لأنها تكشف النقاب عن المبدأ الرئيسي الذي يقف وراء استعدادنا للدفع؛ ألا وهو: كلما تناسب المنتج أو الخدمة مع هدف نشط، زادت القيمة المتوقعة وزاد استعدادنا للدفع للحصول عليه. ويطلِق علماء الأعصاب على هذا «قيمة الهدف».

يعد التقييم المعتمد على الأهداف أعقد مستويات القيمة في العقل البشري، وبفضل تقنيات تصوير الدماغ الجديدة والتجارب النفسية البارعة، تم فك شفرة المبادئ الأساسية لهذا المستوى المهم للتقييم؛ فالمنتجات والعلامات التجارية تقدِّم قيمة هدف عالية؛ ومن ثَمَّ، يكون لدى المستهلكين استعداد كبير للدفع عندما تتناسب تلك المنتجات والعلامات التجارية مع أهدافهم. يرجع الفضل فقط لتلك العملة العمومية الخاصة بقيمة الهدف في قدرة المخ على تحديدِ أيٌّ من شيئين لا توجد أي علاقة بينهما — على سبيل المثال، شراء سيارة جديدة أو الذهاب لأحد المنتجعات الصحية — سنرغب في استثمار أموالنا فيه، أو التفضيلِ بين علامتين تجاريتين متنافستين. بالطبع، ليست لدينا دائمًا أهداف نشطة ثابتة في كل المواقف؛ ففي العمل، نسعى للإنجاز والحصول على تقدير الآخرين، وفي المنزل، يكون التناغم والصحبة أهم؛ فنحن لدينا إصبع أحمر شفاه لتحقيق هدف «العناية»، وأخرى لهدف «الجاذبية»، ولدينا أهداف نشطة مختلفة عند اختيار سيارة مقارنة بشراء مسحوق غسيل أو فرشاة أسنان. والطريقة التي يتوصل بها المخ للقرار النهائي تتمثل في وضع ترتيب نسبي للخيارات اعتمادًا على قيمة هدفها النسبي. ثم يقوم المخ باختيار الخيار ذي قيمة الهدف الإجمالي الأعلى والمتناسبة مع السياق المعني. وهذا يفسر سبب تفكير بعض المستهلكين في شراء علامتنا التجارية، لكنهم في النهاية لا يشترونها. إن منتجنا، في تلك الحالة، يقدم قيمة هدف جيدة، لكنها ليست أفضل قيمة، وهذا ما يطلِق عليه علماء الاقتصاد النفسي تأثير «الفائز يستحوذ على كل شيء». سيتم اختيار العلامة التجارية المحتلة للمرتبة الأولى في ترتيب أهداف المستهلك. وليس كافيًا أن تكون علامتك التجارية في مجموعة العلامات التجارية التي يفكر فيها المستهلك بجدية عند أي عملية شراء يقوم بها؛ المهم أن تكون في المرتبة الأولى فيما يتعلق بمناسبات ومواقف معينة، كما رأينا في مثال الآيس كريم في الفصل الثاني أو فيما يتعلق بقيمة معينة مثل الأمن في فئة السيارات.

إن حساب قيمة الهدف والاستعداد للشراء — بغض النظر عما إذا كان الأمر يتعلق بنوع من الطعام أو الموسيقى أو الخدمات أو السيارات — تتم معالجته على نحو أساسي في مركز المكافأة في المخ (القشرة الحجاجية الجبهية، المخطط البطني). أشار عالم النفس الشهير آرت ديكسترهوس، مؤلف كتاب «اللاوعي الذكي» إلى الأهداف باعتبارها «التمثيلات الذهنية للسلوكيات أو النواتج السلوكية التي بمنزلة مكافأة لنا.» واعتمادًا على الخبرة والتوقعات، يحسب المخ إلى أي مدًى يتلاءم منتجٌ ما مع أهدافنا ويساعدنا في تحقيقها.

***

يعني تأثير «الفائز يستحوذ على كل شيء» أن المستهلكين يختارون المنتج الأكثر تلاؤمًا مع هدفهم الأساسي في موقف معين.

***

تتمثل طبيعة السلوك المُحفَّز في تحقيق الأهداف التي لها قيمة كبيرة بالنسبة إلينا؛ فنحن نذهب للجامعة لأننا نرغب في أن تكون لنا مهنة ومسار وظيفي معين، ونحترف موسيقى البانك روك لأننا نريد التمرد على المجتمع، ونقوم برحلة سفاري في جنوب أفريقيا لأننا نسعى وراء الإثارة. وإذا كنا نشعر بالجوع، فسيكون الطعام له قيمة كبيرة كهدفٍ بالنسبة إلينا؛ مما يدفعنا للقيادة لسوبر ماركت أو البحث عن أقرب مطعم ماكدونالدز. وإذا غادرنا أحد المطاعم ونحن نشعر بالشبع الشديد بعد تناولنا لإحدى الوجبات، فالمطعم التالي الذي سنمر عليه في طريقنا للمنزل لن تكون له أي قيمة من حيث كونه هدفًا. وتأثيرات نقص قيمة الهدف تصبح واضحة لدى الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات اكتئابية؛ فالمخ حينئذٍ يكون غير قادر على إعطاء أي قيمة هدف لأي شيء، بل إنهم حتى لا يأكلون ولا يقومون من فراشهم؛ فلا يوجد ما يحفزهم على الإطلاق.

ماذا يعني هذا بالنسبة إلى التسويق؟ الأهداف هي المفهوم الأساسي الذي يمكننا من خلاله فَهْم السبب وراء شرائنا لما نقوم بشرائه؛ فنحن نشتري مشروبات حتى نروي عطشنا، ونشتري منظفات حتى ننظف ملابسنا ونختار المنظف إريال لأننا نريد أفضل مستوًى للنظافة، ونشتري سيارة لأننا نريد الانتقال إلى الأماكن التي نريدها، ونختار سيارات الفولفو لأننا نريد القيادة بأكثر الطرق الممكنة أمانًا. هناك آخرون لديهم هدف التباهي بثرواتهم؛ ومن ثَمَّ يشترون سيارة بورش أو ساعة رولكس بآلاف الجنيهات الاسترلينية. بغضِّ النظر عن الشيء الذي نفعله وبغضِّ النظر عن الجانب الحياتيِّ الذي نفعل بخصوصه هذا الشيء، فإن أهدافنا تحدِّد ما نفعله. يتضح هذا من الاقتباس التالي لعالم الأنثروبولوجيا الشهير روي داندرادي، الذي يقول فيه:

لفهم الناس، يحتاج المرء لفهمِ ما الذي يدفعهم لفعلِ ما يفعلونه. وحتى يفهم هذا، يحتاج لمعرفة أهدافهم.

المنتجات والعلامات التجارية أدوات يحقق بها المستهلكون أهدافهم. يقول أستاذ جامعة هارفرد الشهير ثيودور ليفيت في هذا الشأن: «الناس لا يرغبون في شراء مثقاب ربع بوصة؛ هم يريدون ثقبًا ربع بوصة!» في مقال رائع بدورية «هارفرد بيزنس ريفيو» تحمل عنوانًا مهمًّا «سوء الممارسات التسويقية: السبب والعلاج» (٢٠٠٩)، أشار أستاذ التسويق بجامعة هارفرد، كلايتون إم كريستنسن، إلى هذا المتطلب باعتباره المهمة التي من أجلها يختار المستهلكون أي منتج؛ فعندما يكون لدى الناس مهمة يحتاجون لتنفيذها، وعندما يكون لديهم هدف يرغبون في تحقيقه، يشترون منتجات كي تقوم بتلك المهمة من أجلهم. وباعتبارنا مسوقين، نحتاج من ثَمَّ لابتكار تجارب خاصة بالمنتجات تحقق أهداف المستهلكين هذه.

إن طرح سؤال من قبيل «ما الهدف أو المهمة التي يسعى المستهلكون لتحقيقها؟» رغم أنه يبدو سهلًا، فإن له تأثيرًا كبيرًا على طريقة تفكيرنا في الأسواق وتجزئتنا لها وتعاملنا مع تطوير المنتجات، وذلك كما يتضح من المثال التالي المأخوذ من مقال كلايتون كريستنسن (٢٠٠٩).

أراد أحد مطاعم الوجبات السريعة زيادة مبيعات مخفوق الحليب خاصته عن طريق تحسين المنتج. في البداية، اتبعوا الأسلوب المعتاد في هذا الشأن؛ حيث حددوا السوق باستخدام فئة المنتج، وقاموا بتقسيم المستهلكين إلى شرائح حسب الخصائص السكانية وسمات الشخصية، ثم بحثوا عبر تلك الشرائح لتحديد سمات المنتج المرغوبة (على سبيل المثال، أن يكون أكثر سمكًا أو أكبر حجمًا) والسعر الذي أشار المستهلكون إلى أنهم سيشترونه به. لسوء الحظ، لم يكن للتحسينات المدخلة على المنتج أي تأثير إيجابي على المبيعات.

غَيَّرَ الأسلوب المعتمد على الهدف من الطريقة التي تم بها التعامل مع المشكلة؛ ففي محاولة تحديد المهمة التي يرغب المستهلك في تأديتها من خلال مخفوق الحليب، حلَّلَت الشركة سلوك الشراء والسياق الموقفي الذي تحدث في إطاره عمليتا الشراء والاستهلاك. ومن خلال دراسة السلوك الفعلي، اكتشفوا أن مخفوق الحليب يحقق أهدافًا مختلفة. أحدها أن هذا المنتج يعد بمنزلة وجبة خفيفة تُشعِر المستهلك بالشبع وتجعل الوقت يمضي (أيْ تُخلص الفرد من الشعور بالملل). يشتري أفراد هذه الشريحة الذين لهم هدف معين المنتجَ في الصباح — كلٌّ بمفرده عادةً — ويتناولونه أثناء رحلة قيادة طويلة إلى العمل. وعندما سئل هؤلاء المستهلكون عن البدائل المحتملة في هذا الموقف على وجه الخصوص، ذكروا أنهم يأكلون أحيانًا الباجل أو الكعك المُحلى. وأشاروا إلى أنهم لا يكونون جوعى في وقت الشراء لكنهم يريدون أن يتجنبوا الشعور بالجوع قبل وقت الغداء. ومخفوق الحليب يقوم بهذه المهمة أفضل من البدائل الأخرى؛ لأنه سميك ويأخذ وقتًا طويلًا في تناوله؛ ومن ثَمَّ، تستمر عملية التناول طوال فترة رحلتهم للعمل. كما أن تناول مخفوق الحليب باستخدام الماصة أمر يعطي نوعًا من المرح، وتناوله في السيارة أمر ملائم.

تَوصَّل البحث إلى شريحة أخرى لها هدف معين؛ حيث تستخدم مخفوق الحليب باعتباره نوعًا من الحلوى. يشتري الآباء هذا المنتج لأطفالهم. وأظهرت عملية الملاحظة أن عملية الشراء هذه تتضمن تكاليف سلوكية عالية للآباء؛ حيث إن الأطفال يستغرقون وقتًا طويلًا — إلى حدٍّ ما — لتناول المنتج عبر ماصة رفيعة، وتلك الفترة الطويلة لا تتناسب مع السياق الإجمالي للذهاب لمطعم وجبات سريعة مصطحبًا الأطفال. باختصار، اكتشفت الشركة شريحتين لهما هدفان مختلفان جدًّا؛ ومن ثَمَّ، هناك مهمتان مختلفتان يُشترى من أجلهما مخفوق الحليب.

تقدم الشرائح القائمة على الأهداف خطوطًا إرشادية لعملية تطوير المنتجات، وتحدد أيضًا النقاط المهمة التي يجب على وسائل التواصل التركيز عليها لزيادة المبيعات. وحتى يحقق مخفوق الحليب على أفضل نحوٍ هدفَ شراء وجبة خفيفة تجعل الفرد يشعر بالشبع ويتجنب الملل، يحتاج لأن يكون سميكًا ويجب أن تكون الماصات رفيعة. كذلك، فإن تضمين أحد عناصر المفاجأة (على سبيل المثال، احتواء المكونات على قطع كبيرة) سيساعد في تجنب الشعور بالملل. لكن حتى يحقق المنتج على أفضل نحوٍ الهدفَ من شرائه باعتباره نوعًا من الحلوى للأطفال، يحتاج لأن يتم تناوله على نحو سريع. إن عملية البحث الأولى كان ينقصها التفاصيل فيما يتعلق بالمهمة التي يحملها كل مستهلك في ذهنه عند شرائه مخفوق الحليب. وقد أدى هذا إلى اقتراحات بشأن تحسين المنتج من خلال تنويعه (على سبيل المثال، البعض يريد منتجًا أكثر سمكًا، في حين يريد آخرون منتجًا أقل سمكًا). عند استخدام الشركة للخصائص السكانية الاجتماعية وسمات الشخصية فقط، لم تكن عملية البحث قادرة على التمييز بين الشريحتين السابقتين اللتين لهما هدفان مختلفان؛ مما أدى إلى أن متطلبات تطوير المنتج لم تخدم أيًّا من الشريحتين على نحو كافٍ.

هذا هو أحد الأسباب الأساسية وراء فشل الابتكارات؛ فهي عادةً لا تركز على تحسين قيمة هدف معينة؛ أيْ مدى جودة أداء المهمة المطلوبة. يستطيع التسويقُ عن طريق استخدام الأهداف الأساسية في موقف معين، باعتبارها الإطار المرجعي الأساسي، أن يثير الإحساس بالحاجة (مما يحفز من ثَمَّ عمليات الشراء) بدلًا من إثارة الإحساس بالإعجاب.

يشير مثال مخفوق الحليب إلى شيء آخر مهم؛ وهو أن هدف المستهلك — المتمثل في المهمة التي يحتاج لتنفيذها — يُحدد السوق وكذلك المنافسين الفعليين الذين نحتاج لأن تكون لدينا ميزة تجعلنا نتفوق عليهم. إن المبدأ الأساسي الذي يوجد في عقلنا في هذا الإطار هو ما نسميه «التصنيف المعتمد على الهدف». تَخيَّلْ أن أمامنا كعكة محلاة وتفاحة وبرتقالة، وطُلب منا تصنيف المنتجات الصحية. إننا سنوجد فئة تتكون من التفاحة والبرتقالة. لكن عند تصنيفها باستخدام هدف وجبة خفيفة سريعة، فإننا سنوجد فئة تتكون من الكعكة المحلاة والتفاحة. إن طريقة تصنيف المستهلكين للمنتجات ستعتمد على الهدف الحالي الذي يسعون لتحقيقه. وفي المثال السابق الخاص بمخفوق الحليب، كانت المنافسة لا تتمثل فقط في أنواع مخفوق الحليب الأخرى، ولكن أيضًا — على سبيل المثال — الموز والكعك المحلى والباجل. إن التفكير في الأهداف أو المهمة التي نسعى للقيام بها في موقف معين يغير رؤيتنا للسوق وللمنافسين الحقيقيين، ويكشف عن الفرص وكذلك احتمالات النمو. يقول كريستنسن في هذا الإطار في مقاله الذي سبقت الإشارة إليه:

الأسواق المعرَّفة حسب أهداف المستهلكين تكون أكبر بوجه عام من تلك المعرَّفة حسب فئات المنتجات. والمسوقون الذين يقعون في الفخ العقلي الذي يربط بين حجم السوق وفئات المنتجات لا يعرفون منافسيهم من وجهة نظر المستهلك.

***

هدف المستهلك — وليس المستهلك نفسه أو فئة المنتج — هو الوحدة الأساسية التي يمكن من خلالها تعريف السوق واستلهام تطوير منتج جديد ناجح وتطوير استراتيجيات تسويقية، والمنتجات تكون لها قيمة هدف عالية عندما تفي بالمهمة التي يسعى المستهلك لتنفيذها على نحو أفضل من أي منتج آخر فيما يتعلق بموقف معين.

الأهداف تحفز الانتباه

إذا كان السلوك المحفَّز تقف وراءه الأهداف النشطة حاليًّا، فسيبدو منطقيًّا أن الأهداف تعَد بمنزلة المعايير الأساسية التي يستخدمها العقل في فلترة الإشارات القادمة إليه. عرضنا من قبلُ المثالَ الخاص بالكيفية التي ندرك بها العالم عندما نكون جوعى؛ نحن نركز أكثر على الإشارات المرتبطة بالطعام مثل شعار ماكدونالدز. إن نظام الطيار الآلي خاصتنا يبحث في البيئة المحيطة ويطابق بين الإشارات القادمة إليه وأهدافنا؛ فإذا كان هدفنا هو شراء جِل استحمام ذي تأثير ممدٍّ بالطاقة، فإن نظام الطيار الآلي يسعى للبحث عن إشارات في البيئة المحيطة كي يحقق هذا الهدف. وعندما تقع أعيننا على عبوة تشبه تلك الخاصة بزيت الموتور وتحمل اسم ديناميك بالس، فإن عملية المطابقة تكون عالية ونحول انتباهنا تجاه هذا المنتج. بعبارة أخرى، تحدد الأهداف ما ننتبه إليه؛ فنحن نلاحظ الأشياء إذا أشارت إلى قيمة هدف عالية. هذا في حد ذاته ليس بنتيجة جديدة؛ فعالِم النفس الروسي ألفريد يارباس دَرَسَ كيف تتحكم الأهداف في انتباهنا منذ أكثر من ٤٠ عامًا؛ ففي بحث سيكولوجي كلاسيكي، طلب من المشاركين الذين يحملون أهدافًا مختلفة في عقولهم النظرَ لصورة معينة — على سبيل المثال، إحدى المهام التي كانت مطلوبة منهم هي تحديد عمر الأشخاص الموجودين في الصورة — في الوقت نفسه، قاس الأماكن التي كانوا ينظرون إليها (عن طريق أسلوب تتبع العينين). يوضح شكل ٥-١ أنه بناءً على الهدف، انتبه المشاركون لأشياء مختلفة جدًّا في الصورة؛ فإذا كان الهدف هو محاولة التعرف على الظروف المادية للأسرة الموجودة في الصورة، أبدى المشاركون انتباهًا أكبر للصور الموجودة على الحائط. لكن عندما كانت المهمة هي تخمين عمر الأشخاص الموجودين في الصورة، انصبَّ تركيز المشاركين على أوجه الناس.
fig61
شكل ٥-١: توجِّه الأهدافُ الانتباهَ في تجربة كلاسيكية قام بها عالِم النفس الروسي ألفريد يارباس. تم تحديد الانتباه باستخدام أسلوب تتبع العينين فيما يتعلق بالمهام التالية: (١) تقييم الظروف المادية للأسرة. (٢) تخمين أعمال كل الأشخاص الموجودين في الصورة. (٣) تخمين المدة التي كان الزائر غائبًا فيها عن الأسرة.
تحدد الأهداف أيضًا الانتباه عندما ننظر للإعلانات الموجودة بالصحف والمجلات، كما اتضح من دراسة قام بها أستاذا التسويق ريك بيترز ومايكل فيدل. وفيما يلي النتيجة التي خَلَصَا إليها من خلال مجموعة مختلفة من التجارب:

توضح نتائج تلك الدراسة التأثير السريع والمنهجي الذي تمارسه الأهداف على الانتباه البصري للإعلان. علاوة على ذلك، تشير تلك الدراسة إلى أن المحتوى المعلوماتي للإعلان يعتمد على أهداف المستهلكين أثناء عملية الملاحظة. ورغم أن المستهلكين تابعوا الإعلان لمدة ٤ ثوانٍ فقط في المتوسط، فإن أهدافهم حددت مدة عملية الملاحظة الخاصة بالعلامة التجارية والصورة ونص الإعلان.

تتضح الكيفية التي يتم بها الانتباه المعتمد على الهدف بمزيد من التفصيل في دراسة حديثة قامت بها جوليا فوكت من جامعة جنت في بلجيكا. بحثت الدراسةُ ما إذا كانت الأهداف الحالية تؤدي لانحياز الانتباه تجاه المثيرات التي تمثل الوسيلة التي يمكن تحقيق الأهداف من خلالها، ومن ثَمَّ تلك التي لها قيمة هدف عالية. أثارت الباحثة الشعور بالاشمئزاز عن طريق جعل المشاركين يلمسون أشياء منفرة زائفة، مثل صرصار بلاستيكي موضوع على قطعة بسكويت أو براز بلاستيكي. لمس المشاركون في المجموعة الضابطة أشياء ليست منفرة. كانت نتائج اختبار لاحق يقيم الانتباه لمجموعة من الصور تشير إلى أن انتباه هؤلاء الذين تعرضوا لمثيرات مقززة كانت موجهة تجاه الصور التي تشير إلى النظافة مثل الأيدي التي تحمل قطعة صابون أو قطرات الماء التي تسقط في الماء. كانت الصور الدالة على النظافة ذات قيمة هدف كبيرة للمشاركين الذين كانوا في الحالة التي أثارها الشعور بالاشمئزاز؛ ومن ثَمَّ، وجه نظام الطيار الآلي خاصتهم انتباهًا أكبر لتلك الصور. تتمثل النتيجة الأساسية من تلك الدراسة في أن المنتجات التي تَعِد بالقيام بالمهمة التي تسعى للقيام بها على أفضل نحو هي تلك التي تحصل على النصيب الأكبر من الانتباه؛ لذا، حتى نزيد من فاعلية إعلاناتنا وتأثير منتجاتنا على الأرفف، يجب أن نفهم الأهداف التي يسعى المستهلكون لتحقيقها من خلال منتجنا وعلامتنا التجارية؛ حيث إن قيمة الهدف ستكون أحد العوامل الأساسية التي تتحكم في قدر الانتباه المخصص لمنتجنا أو علامتنا التجارية.

هناك مؤشر أداء أساسي شائع في التسويق يتمثل في أن العلامة التجارية يجب أن تكون في المرتبة الأولى لدى المستهلكين إذا طُلب منهم تحديد العلامة التجارية التي تأتي على ذهنهم عندما يفكرون في فئة منتجات معينة (على سبيل المثال، العلامة التجارية التي تخطر على بالك عندما تفكر في السيارات). يشير الانتباه المعتمد على الهدف ضمنيًّا إلى أن العلامة التجارية التي تَرِدُ على الذهن ستعتمد على الأهداف النشطة للمستهلك؛ فإذا كنا نفكر في سيارة تتناسب على أفضل نحو مع هدف تجربة قيادة ممتعة، فستَرِدُ على الذهن علامات تجارية مختلفة مقارنةً بما يكون عليه الحال عندما نفكر في سيارة ونحن نسعى إلى الوجاهة الاجتماعية أو الأمن. هكذا يتضح أن الأهداف يمكنها تنشيط العلامات التجارية في ذاكرتنا، وهذا مهم لبناء الصورة الذهنية لعلامتنا التجارية وللاستراتيجيات التي نضعها في عملنا؛ فبدلًا من أن نسأل عن الخصائص المرتبطة بها العلامة التجارية، يمكننا (على سبيل المثال، من خلال أسلوب تتبع العينين) أن نسأل عن الأهداف التي تنشط العلامة التجارية في أذهان المستهلكين. بعبارة أخرى، ما مدى أهمية العلامة التجارية باعتبارها وسيلة لتحقيق الهدف في موقف شرائي معين ومحدد؟

كتب بايرون شارب، مدير معهد إرنبيرج-باس لعلم التسويق يقول: «تتعلق المواقف بتقييم العلامة التجارية (هل تعتقد أنها علامة تجارية جيدة؟) في حين أن الأهمية تتعلق على نحو كبير بأن تكون لديك فرصة التفكير فيها (هل من المحتمل أن تلاحظ أو تسترجع في ذاكرتك العلامة التجارية في هذا الموقف الشرائي؟)»

بالنسبة إلى الجهود الخاصة ببناء الصورة الذهنية للعلامة التجارية في أذهان المستهلكين، يؤكد هذا على أنه لكي تكون علامتنا التجارية ملائمة لأهداف المستهلكين ومتميزة، نحتاج للربط بينها وبين هدف مهم لهم لم تحققه بعدُ أيُّ علامة تجارية أخرى.

***

يطابق نظام الطيار الآلي على نحو ضمني بين الإشارات الموجودة في البيئة والأهداف النشطة حاليًّا. ونتيجة لتلك العملية، يتم تخصيص الانتباه للإشارة التي تتناسب على أفضل نحو مع الأهداف النشطة.

السعي الضمني وراء الأهداف: الأهداف يمكن تنشيطها ومراقبتها من قِبل نظام الطيار الآلي

بالنظر للكم الكبير من القرارات التي نتخذها كل يوم، دعونا نفهم على نحو أفضل كيف يقوم عقلنا بعملية إدارة الأهداف هذه. إن مصطلح «هدف» يبدو للوهلة الأولى كما لو كنا نتخذ قرارًا فقط بعد التأمل والتفكير في كافة جوانب الأمر بِرَويَّة، لكننا على نحو ذاتي لا نشعر بأننا قد اتخذنا قرارًا ما بعد قدر كبير من التدبر أو التأمل؛ فنحن لا نفكر في الهدف الخاص بحياتنا المهنية في كل دقيقة من اليوم أو حتى في كل دقيقة ونحن في العمل. في معظم الأحيان، نتصرف على نحو بديهي في وضع الطيار الآلي. في واقع الأمر، تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الأهداف يمكن تنشيطها ومراقبتها على مستوًى ضمني، وهي عملية يطلِق عليها اختصاصيو علم النفس العصبي «السعي الضمني وراء الأهداف».

تتضح الكيفية التي تعمل بها عملية السعي الضمني هذه وراء الأهداف في نظام الطيار الآلي من خلال الدراسة التالية. استفادت تلك الدراسة من حقيقة أن المال له قيمة هدف عالية لأننا، باعتبارنا مستهلكين، تَعلَّمنا أننا يمكننا تحقيق العديد من الأهداف من خلاله؛ فقد طُلب من المشاركين إكمال مهام متعددة وعُرض لهم على شاشةٍ مقدار المال الذي يمكنهم الحصول عليه إذا أكملوا كل مهمة على نحو صحيح. إذا كانت المكافأة الخاصة بإكمال المهمة ٠٫٠٥ يورو فقط، فإنهم كانوا يعملون بجهد أقل مقارنةً بعملهم أثناء المهام التي كانت مكافأتهم فيها يورو واحدًا. هذا الأمر ليس مثيرًا للدهشة، لكن تلك الاستجابة المختلفة للمكافأة كانت تؤكدها كذلك الاستجابات الضمنية مثل اتساع حدقة العينين وغيرها من الاستجابات الفسيولوجية. والمثير للدهشة أكثر أن هدف الحصول على مكافأة مالية تم تنشيطه حتى عندما عَرَضَ الباحثون المكافأة المالية على الشاشة لفترة قصيرة جدًّا بحيث لا يمكن للمشاركين أن يدركوها حسيًّا على مستوى الوعي. يتم تسجيل المعلومة الأساسية الخاصة بما إذا كان المبلغ المالي كبيرًا أم صغيرًا على نحو ضمني من قِبل نظام الطيار الآلي؛ الأمر الذي يثير بدوره نفس مستوى السعي وراء الأهداف والاستجابات الفسيولوجية المصاحبة الذي يَنتج عن الإدراك الواعي للمبلغ المالي.

في دراسة أخرى، تمت تهيئة المشاركين الذين كان بينهم مَن اعتاد قيادة الدراجات ومن ليس كذلك بهدف السفر (في أرجاء المدينة). ثم طُلب منهم إكمال مهمة تقيس مدى سهولة ورود كلمة دراجة على أذهانهم. أوضحت النتائج أن من بين المشاركين الذين تمت تهيئتهم على نحو ضمني بهدف السفر، كان مدى سهولة ورود كلمة دراجة على أذهان معتادي قيادة الدراجات أفضل مقارنةً بالمجموعة الأخرى. المدهش أن المجموعتين لم تختلفا في مدى سهولة ورود الكلمة على أذهانهم عندما لم تتم تهيئة هدف السفر. يشير هذا إلى أنه بالنسبة إلى الناس الذين يستخدمون على نحو متكرر وسيلة معينة لتحقيق هدفٍ ما مثل قيادة الدراجة للانتقال من مكان لآخر، يمكن أن تكون المعلومات المقابلة أكثر ورودًا على الذاكرة بعد تهيئة الهدف. وهذا هو سبب أهمية الكيفية التي يُسأل بها عن العلامة التجارية التي تحتل المرتبة الأولى في أذهان المستهلكين؛ فكلما قَوِيَ الرابط بين العلامة التجارية والهدف، زاد احتمال احتلال العلامة التجارية للمرتبة الأولى في أذهانهم بمجرد تنشيط الهدف (حتى وإن تم تنشيط الهدف على مستوًى ضمني).

لا تجعلُ فقط الأهدافُ المنشطة ضمنيًّا المنتجاتِ أو العلامات التجارية أكثر ورودًا على الذهن، وإنما تؤدي أيضًا إلى موقف إيجابي أكثر. في سلسلة من التجارب، تمت تهيئة المبحوثين على نحو ضمني بكلمات ذات صلة بهدفٍ ما (على سبيل المثال، الإنجاز واتباع نظام غذائي معين والتعاون) ثم قِيسَت لديهم مواقف ضمنية. أظهرت النتائج أن هؤلاء الذين تمت تهيئتهم بالهدف أبدوا مواقف ضمنية أكثر إيجابية على نحو كبير تجاه المثيرات التي كانت ذات صلة ومفيدة إلى حد كبير في تحقيقهم للهدف؛ على سبيل المثال، هؤلاء الذين تمت تهيئتهم على نحو ضمني بهدف «أن يصبحوا نحفاء» أظهروا على نحو كبير مواقف ضمنية أكثر إيجابية تجاه «صالة الألعاب الرياضية» و«السلاطة».

في دراسة أخرى عن السعي الضمني وراء الأهداف، قرأ المشاركون قصة قصيرة عن رجل يحاول التعرف على سيدة في إحدى الحانات لإقامة علاقة جنسية معها. توقع الباحثون أن هذا سينشط بين المشاركين الرجال الهدف الخاص بإقامة علاقة جنسية عابرة. طُلب من المشاركين بعد ذلك رفع تقرير عن مهمة حاسوبية إلى باحث أو باحثة. كان المشاركون الذين تمت تهيئتهم من خلال القصة القصيرة أكثر تعاونًا بكثير مع المرأة (وليس الرجل) من هؤلاء الذين لم تتم تهيئتهم. عمليًّا، لم يكن هناك فارق بين هؤلاء الذين كانوا في الحالة المهيَّأة والآخرين فيما يتعلق بوعيهم بكونهم متعاونين؛ مما يشير إلى أن الهدف كان يؤثر على سلوكهم تجاه المرأة التي كانوا يقدمون تقريرًا لها على نحو ضمني وخفي.

لوقت طويل، كان يفترض بوجه عام أن العديد من العمليات العقلية التي تجعل السعي وراء الأهداف ممكنًا تتطلب إدراكًا واعيًا، لكن في العقد الماضي أو نحو ذلك، اكتشفت الدراسات العلمية الخاصة بالسعي وراء الأهداف أن تلك العمليات يمكن أن تتم أيضًا من دون إدراك واعٍ؛ ففي ورقة بحثية نُشرت في دورية «ساينس» في عام ٢٠١٠، أورد أستاذا علم النفس رود كاسترز وَهنك آرتس من جامعة أوترخت ما خلص إليه بحثهما كما يلي:

يشير كمٌّ كبير من الأبحاث إلى أن السعي وراء الأهداف يمكن أن يثار على مستوى اللاوعي، فيتم تحفيز الناس لبدء وتفعيل سلوكيات تكون متاحة في مخزون سلوكياتهم عندما تتم تهيئة الأهداف التي يتم تمثيلها باعتبارها نتائج مرغوبة، حتى إذا لم يكونوا على وعي بالهدف المهيأ أو تأثيره على دافعيتهم وسلوكهم.

سنلقي نظرة أكبر على الأهداف الضمنية لاحقًا في هذا الفصل؛ حيث إنها تلعب دورًا مهمًّا في التسويق.

***

يمكن لنظام الطيار الآلي أن ينشط الأهداف ويسعى من أجل تحقيقها.

الملاءمة: الشراء باعتباره وسيلة لخدمة غاية محددة

كلما كان الهدف مهمًّا، زادت قيمة المنتج الذي يحقق هذا الهدف وزاد استعدادنا لشرائه، ومن ثَمَّ مدى ملاءمته. دعونا نستخدم ثانيةً مثال جِل الاستحمام ديناميك بالس الذي تقدمه شركة أديداس. إن هذا الجل ملائم للناس الذي يرغبون في تجديد نشاطهم وأخذ تأثير ممد بالطاقة من الاستحمام، لكن لا يبدو أن المنتج يتوافق مع هدف الاسترخاء فهو أقل ملاءمة بكثير إذا كان الهدف الأساسي هو الاسترخاء بدلًا من تجديد الطاقة؛ لذا، إذا كنا في الركن الخاص بمنتجات جل الاستحمام، فسنبدي انتباهًا أكبر للمنتج الذي يتوافق على أفضل نحو مع أهدافنا النشطة عند الاستحمام، وسيكون استعدادنا لشرائه أكبر.

***

إن تحقيق الأهداف هو أساسُ ما نطلق عليه الملاءمة في التسويق.

***

توضح دراسة خاصة بجامعة كولورادو التطبيق العملي لهذا المبدأ. طُلب من المشاركين الاختيار ما بين نوعين مختلفين من الأسمدة. طُلب من مجموعة تحديد المنتج الذي يرونه الأسهل في الاستخدام؛ أيِ الهدف هو بذل جهد أقل. في حين طُلب من الآخرين اختيار المنتج الذي يعتقدون أنه سيؤدي على أفضل نحو إلى نمو نباتات خضراء صحية؛ أيِ الهدف هو تحقيق نتائج أفضل. اختلف المنتجان فقط في وصف طريقة الاستخدام. تلاءم وصف أحد المنتجين مع هدف بذل جهد أقل (على سبيل المثال، «استخدم من نصف كوب إلى كوب كامل من السماد»)، في حين تلاءم الآخر مع هدف تحقيق أفضل نتائج (على سبيل المثال، «استخدم نصف كوب للنباتات التي يصل طولها حتى ٣٠ سم وكوبًا كاملًا للنباتات التي يزيد طولها عن ذلك»). السؤال الآن: هل يحدث أي اختلاف إذا طابق وصف المنتج هدف المستهلك؟ النتائج واضحة للغاية: ٨٢ بالمائة من المشاركين الذين كان لديهم هدف «بذل أقل جهد» اختاروا المنتج الذي يتطابق وصفه مع هدفهم. في حين أن ٩٠ بالمائة من هؤلاء الذين كان هدفهم هو تحقيق أفضل نتائج، اختاروا المنتج ذا الوصف الذي يتلاءم مع هدفهم.

في دراسة قامت بها جامعة تورونتو، طُلب من المشاركين تذكُّر وكتابة المواقف التي تم استبعادهم فيها اجتماعيًّا؛ على سبيل المثال، عندما لم يسمح لهم بلعب كرة القدم في المدرسة أو كانوا الأشخاص الوحيدين الذين لم تتم دعوتهم لإحدى الحفلات. طُلب من مجموعة أخرى في الدراسة كتابة مواقف كانوا فيها مع أصدقاء جيدين؛ على سبيل المثال، في إجازة معهم. بعد أن فكر المشاركون في الذكريات الاجتماعية الملائمة لما طُلب منهم وكتبوها، عُرض عليهم الاختيار من بين منتجات مختلفة بحجة الترويح عنهم. الاختيارات كانت كوب كوكاكولا وقطعًا من البسكويت وقدحًا من القهوة وحساءً. كان الباحثون يرغبون في معرفةِ إن كانت التجربتان الاجتماعيتان المختلفتان ستؤثران على اختيار المشاركين للمنتجات.

fig62
شكل ٥-٢: دراسة قام بها تشين-بو تشونج وَجيفري ليونارديلي (٢٠٠٨) توضح أن الاستبعاد الاجتماعي يزيد الرغبة في الحصول على منتج دافئ.

إن مجرد تذكُّر الموقف الاجتماعي كان له تأثير على نحو واضح على اختيار المنتجات. ما السبب في ذلك؟ الأمر ليس مصادفة، إذن ما الذي يحدث في هذا الإطار؟ دعونا نتأمل الجوانب المشتركة بين الحساء والقهوة. أحد هذه الجوانب هو درجة الحرارة؛ فبخلاف الكوكاكولا والبسكويت، كلاهما دافئان. سيتضح أن هذا أكثر تأثيرًا على الاختيارات التي تم عملها من مذاق كل منتج. للوهلة الأولى، يبدو هذا غريبًا؛ فما عساها أن تكون العلاقة بين الصفة المادية الخاصة بالدفء والاستبعاد الاجتماعي؟ كيف إذن، إذا كانوا قد تم استبعادهم اجتماعيًّا، يسعون للحصول على مشروب ساخن؟ إن درجة الحرارة المادية لها تبعات عاطفية؛ لأن وجودك وأنت طفل رضيع بقرب شخص محب يقوم على رعايتك يرتبط أيضًا بالتلامس الجسدي مع شيء دافئ، أيْ إنسان آخر. والارتباط بين الاندماج الاجتماعي والدفء ينشأ منذ الطفولة ويصبح مطبوعًا في عقولنا من خلال قاعدة التعلم «الأشياء التي تنطلق معًا ترتبط معًا». ويمكن أن نلاحظ أيضًا هذا الارتباط في حياتنا اليومية عندما نتحدث، على سبيل المثال، عن الأشخاص «ذوي القلوب الدافئة الحنونة» أو الذين لا نشعر «بالدفء» نحوهم لأننا نراهم «فاتِرِي المشاعر»؛ إذن، ما حدث هو أن مهمة تذكُّر اللحظات التي شعر فيها المشاركون بأنهم كانوا مستبعدين اجتماعيًّا نشَّط لديهم هدفًا (وهو تعويض «الفتور الاجتماعي» الذي كانوا يشعرون به)، وهو الذي يمكن تحقيقه على أفضل نحو من خلال اختيار وتناول حساء أو قهوة دافئة وليس المنتجين الآخرين اللذين لا يوفران مثل هذا «الدفء». كان لدى «المستبعدين اجتماعيًّا» هدف إضافي في عقلهم عندما اختاروا نوع المنتج الذي يروِّحون به عن أنفسهم؛ وهو تعويض «نقص الدفء» الذي كانوا يشعرون به نتيجة لتأثير المهمة التي أكملوها لتوِّهم.

تكشف هذه الدراسة عن أن اختيار المشاركين للمنتجات كان ملائمًا للأهداف التي كانوا يسعون لتحقيقها، فيمكن الافتراض بأنهم كانوا يحبون البسكويت والكوكاكولا، لكن هذين الاختيارين لم يكونا متوافقين مع الهدف الذي كان سائدًا؛ ومن ثَمَّ لم يختاروهما. لقد كان هدفهم هو تقليل الشعور بعدم الارتياح الذي كانوا يحسون به بسبب تذكُّرهم لمواقف الاستبعاد الاجتماعي؛ ولذلك، اختاروا منتجات تناسب على أفضل نحو هدفهم الخاص بالقبول الاجتماعي، تلك التي قدَّمت عامل الدفء. إن قدرة المنتجات هذه على جعلنا أكثر قربًا من تحقيق أهدافنا — حتى لو على نحو رمزي فقط كما في تلك الحالة — تسمى «الذرائعية».

***

العلامات التجارية والمنتجات وسيلة لتحقيق غاية، وتلك الذرائعية لتحقيق الأهداف هي قوتها التحفيزية الحقيقية. إننا نختار المنتجات باعتبارها وسيلة لتنفيذ المهمة التي نسعى لإنجازها.

خدمة العلامات التجارية لأهداف المستهلكين

تتضمن العديد من البيانات الخاصة ببناء الصورة الذهنية للعلامات التجارية قِيَمًا مثل «التعاطف» أو «الاعتمادية» أو «الثقة» أو «الصدق»، لكن إذا كانت العلامات التجارية وسيلة لتحقيق غاية، فيجب أن نسأل أنفسنا إن كان الناس يشترون حقًّا من العلامات التجارية سمات شخصية. فهل «التعاطف» في واقع الأمر هدف نرغب في تحقيقه عند شرائنا لأحد المنتجات؟ هل نرى العلامات التجارية المختلفة باعتبارها أشخاصًا مختلفين؟ وهل يمكن اعتبار علاقتنا بالعلامات التجارية علاقة بين أشخاص؟

يمكن الإجابة عن السؤال الخاص بما إذا كان عقلنا يرى العلامات التجارية باعتبارها أشخاصًا أم أشياءَ على نحو مباشر. إننا نعرف المناطق الدماغية التي تنشط عندما نرى أشخاصًا ونحكم عليهم، ونعرف أيضًا أن الأشياء (على سبيل المثال، سيارة أو فرشاة أسنان) تتم معالجتها في منطقة مختلفة من المخ؛ لذا، هناك فرق واضح بين الأشياء والأشخاص في المخ. يبدو هذا معقولًا أيضًا. السؤال الآن: هل يتعامل المخ مع العلامات التجارية على أنها أشياء أم أشخاص؟

تناولت ذلك دراسةٌ في مجال العلوم العصبية قامت بها جامعة ميشيجان وقادَتْها أستاذة التسويق كارولين يون (٢٠٠٦). عُرض على المشاركين الموضوعين في جهاز تصوير دماغي علامات تجارية كانوا يعرفونها واستخدموها من قبل (على سبيل المثال، أبل وماكدونالدز) إلى جانب علامات تجارية أخرى كانوا يعرفونها لكن لم يستخدموها. بالإضافة إلى ذلك، عُرض على المشاركين أسماء شخصيات معروفة مثل بيل كلينتون إلى جانب أسماء هؤلاء المشاركين. تم عرض العلامات التجارية والأسماء معًا مع مجموعة متنوعة من الصفات من اختبار قياسي لتقييم العلامات التجارية؛ على سبيل المثال، «موثوق فيه» أو «أمين»، أو «جذاب» أو «مرح». طُلب من المشاركين تحديدُ إن كانت إحدى الصفات تتناسب مع علامة تجارية أو شخصٍ ما أو لا، وذلك بالضغط على زرٍّ معين. وفي الوقت نفسه، كان يتم أخذ قراءات لنشاطهم الدماغي.

كانت النتيجة واضحة للغاية؛ عندما كان المشاركون يحكمون على الأشخاص (سواء على المشاهير أو على أنفسهم)، كان هذا ينشِّط الجزء الإنسي من الفص الجبهي. من المعروف أن تلك المنطقة من الدماغ تتفاعل مع الأشخاص. ماذا حدث مع العلامات التجارية؟ إنها نشطت منطقة يعرف أنها تتفاعل مع الأشياء المادية؛ فالعلامات التجارية إذن أشياء بالنسبة إلى المخ، فهي رغم كل شيء تنتمي للأشياء والأمور المادية. وهكذا يتضح أنه بمنظور المخ العلامات التجارية ليست أشخاصًا ذات سمات شخصية. كتب الفريق البحثي الذي قادته كارولين يون ملخصًا لنتائج الدراسة يقول: «تُلقِي تلك النتائج بظلال من الشك على وجهة النظر التي ترى أن المنتجات والعلامات التجارية مثل الأشخاص.»

بالطبع، نحن نكوِّن علاقة من نوعٍ ما مع العلامات التجارية، لكن فقط في إطار القدر الذي تُمكِّنُنا به العلامة التجارية من تحقيق هدفٍ ما. وكلما كان الهدف أكثر أهمية بالنسبة إلينا، زاد ارتباطنا بالعلامة التجارية محل البحث. لكن هذا لا يعني أن المخ يتعامل مع العلامات التجارية مثل الأشخاص؛ فنحن نشتري المنتجات والخدمات فقط لأننا نريد أن نكون قادرين على فعل شيءٍ ما أو أن نصبح أو نكون شيئًا ما أو نمتلك شيئًا ما؛ فنحن لا نشتري مرطبًا للجلد لأننا نريد أن نكون أو نصبح صادقين أو مؤتمنين أو متعاطفين. لذا، إذا بدأنا — تسويقيًّا — باستخدام جملة «بشراء هذه العلامة التجارية/المنتج، يرغب عملاؤنا في أن يكونوا أو يمتلكوا أو يقوموا ﺑ …» وأدرجنا القِيَم الخاصة بعلامتنا التجارية، أمكننا بسهولة التحقق مما إذا كان بيان بناء الصورة الذهنية للعلامة التجارية يقوم على القيمة المعتمدة على الهدف.

تدريب

انظر للكلمات الموجودة في وثائقك التسويقية الاستراتيجية؛ على سبيل المثال، القيم الخاصة بعلامتك التجارية، وحدِّد أي أهداف يسعى المستهلكون لتحقيقها من خلال شراء علامتك التجارية؟

على أي حال، نحن لا نرغب في الذهاب لأحد المقاهي بصحبة علامة تجارية معينة، مثلما نصحب صديقًا أو قريبًا لنا؛ فالعلامات التجارية وسيلة لتحقيق غاية، وتلك هي طبيعة العلاقة التي نُقِيمها مع العلامات التجارية. وحتى إذا استُخدمت العلامات التجارية باعتبارها امتدادًا لذاتنا، فنحن ما زلنا نستخدمها لتحقيق هدفٍ ما؛ إعلام العالم وأنفسنا مَن نحن وما الذي نمتلكه وما الذي نفعله. فإذا كنا أحد مؤيدي منظمة السلام الأخضر، فإننا بارتدائنا لأحد التِّي شيرتات الخاصة بها نشير إلى أننا مسئولون ومهتمون بالحفاظ على البيئة.

***

طبيعة العلاقة بين المستهلك والعلامة التجارية ليست علاقة بين شخصين؛ فالمستهلكون لا يشترون السمات الشخصية لعلامةٍ تجاريةٍ ما، ولكن ما تعدنا به من قدرة على تحقيق هدف معين.

***

أثبتت تجربة أشرفت عليها جامعة ديوك أن العلامات التجارية في واقع الأمر مرتبطة بتحقيق الأهداف، وأن الأهداف يمكن أن يتم تنشيطها والتحكم فيها على مستوًى ضمني. بحجة إخضاع المشاركين لاختبار خاص بالعينين، تم وضعهم أمام شاشة، وعُرضت عليهم صور وكان عليهم تحديدُ إن كانت الصورة يمكن رؤيتها على الجانب الأيمن أم الأيسر، مع جمع أعداد في الوقت نفسه. كان هذا يضمن أن نظام الطيار البشري (المحدود السعة) يعمل بكل طاقته. قبل عَرْض الصور على الفور، عَرَضَ الباحثون شعارات علامات تجارية، ولكن لفترة قصيرة جدًّا بحيث يمكن معالجتها فقط على نحو ضمني في نظام الطيار الآلي. كانت هناك مجموعتان متقابلتان من المشاركين في تلك الدراسة؛ واحدة عُرِضَ عليها شعار آي بي إم، والأخرى شعار أبل.

بعد ذلك مباشرة، طُلب من المشاركين الخضوع لاختبار ابتكاري؛ طُلب منهم، على سبيل المثال، تحديد استخدامات ممكنة على نحو تلقائي لقالب طوب غير استخدامه المعتاد في بناء الحوائط؛ فيمكن استخدام هذا القالب كثقالة ورق أو مطرقة. المدهش أن المشاركين الذين رأوا شعار أبل قدموا أفكارًا أكثر بكثير من المشاركين الذين رأوا شعار آي بي إم. بالإضافة إلى ذلك، تم تقييم أفكار مجموعة أبل من قِبل لجنة حكام مستقلة على أنها أكثر ابتكارًا؛ لذا، إذا كان هدفنا ونحن نسعى لشراء جهاز كمبيوتر أن نكون مبتكرين (أو يرانا الآخرون على أننا كذلك)، فكمبيوتر أبل هو الاختيار الصحيح. لكن إذا كنا نسعى وراء الكفاءة، فإن كمبيوتر آي بي إم ربما يكون الاختيار الأكثر تناسبًا مع هدفنا. بالإضافة إلى ذلك، تشير تلك الدراسة إلى أن الأهداف يمكن أن يتم تنشيطها وإدارتها على نحو ضمني من جانب نظام الطيار الآلي؛ فقد غيَّر شعار أبل من سلوك المشاركين، دون أن يكونوا واعين بتلك العملية.

نحن نشتري تحقيق الهدف المتوقع

تخيل أنك شاب مراهق ورأيت إعلان لينكس/أكس الجديد الذي يَظهر فيه شاب عادي مثلك يتحول إلى رجل جذاب يجذب إليه الملائكة أنفسهم، فيتركون السماء وينزلون على الأرض من أجله. ولأن الجاذبية وانجذاب الفتيات الجميلات إليك يُعَدَّان بالتأكيد هدفًا مهمًّا بالنسبة إليك، فإنك ستذهب لتشتري هذا المنتج. لكن عندما تستخدم معطر الجسم، فلن يحدث أي شيء في واقع الأمر؛ فلا تنزل الملائكة ولا تتسلق مجموعة من النساء الرائعات الجمال أحد الجبال لتلحق بك. لابد أن خيبة أملك تكون كبيرة، لكن هذا لا يحدث؛ لذا، إذا كان شراء العلامات التجارية والمنتجات تتعلق بتحقيق الأهداف، فلماذا يستمر مستخدمو هذا المنتج في شرائه رغم أنه لا يحقق لهم الهدف الذي يسعون وراءه؟ للإجابة عن هذا السؤال المهم، نحتاج لإلقاء نظرة أعمق على كيفية تحقيق العلامات التجارية لأهداف المستهلكين.

افتَرِض أننا نريد أكل عبوة زبادي، أيُّ خطوة ستنشط المخ على نحو أكثر قوة: رؤية العبوة أم التقاطها أم فتحها أم إدخال الملعقة فيها وتقليب الفاكهة الموجودة فيها أم شمها أم أكل أول ملعقة منها أم تناول الملعقة التالية؟ معظم الناس الذين طرحنا عليهم هذا السؤال اختاروا إدخال الملعقة في العبوة وتقليب الفاكهة الموجودة فيها. في دراسة نقلها لنا إيه كيه براديب، المدير التنفيذي لشركة نيروفوكس للبحوث الاستهلاكية القائمة على العلوم العصبية، تم اختبار تناول الزبادي باستخدام تقنية قياس نشاط الدماغ. كانت النتيجة هي أن التقاط عبوة الزبادي وفتح الغطاء الذي يعلوها ينشطان مخ المستهلك على نحو أكثر قوة عبر كل عملية تناول الزبادي؛ وهذا يعني أن تلك الخطوة تنشط العقل على نحو أكثر قوة من تناول الملعقة الأولى من الزبادي. يتسق هذا مع العديد من الدراسات الخاصة بالعلوم العصبية التي تشير إلى أن مركز المكافأة ينشط نشاطًا قويًّا وملحوظًا اعتمادًا على «التوقعات»؛ فالمكافآت التي نتوقع الحصول عليها هي التي تقود عملية التقييم ومن ثَمَّ تحفز عملية الشراء. إن هذا الأمر ليس مفاجأة لأننا إذا حسبنا قيمة الهدف قبل القيام بالاختيار، فسيكون علينا أن نبني هذا التقييم على توقعاتنا؛ فالشباب الذين يستخدمون منتج لينكس/أكس لا ينتهي بهم الأمر بالضرورة بأن يحصلوا على أكثر الفتيات جاذبية ولا أن يشاهدوا ملائكة تنزل من السماء بعد أن يعطروا أجسادهم بالمنتج. لكنهم يستمرون في شراء العلامة التجارية واستخدامها. إنهم لا يصابون بخيبة أمل عندما لا يقدِّم المنتج بالضبط ما يقترحه الإعلان؛ والسبب في ذلك أنه من خلال الحملة يشكِّل الجمهور المستهدف ارتباطًا بين استخدام المنتج وهدف انجذاب الفتيات إليه، وهذا الارتباط يجعل العلامة التجارية أداة لتحقيق هذا الهدف؛ لذا، إذا كان انجذاب الفتيات للشخص هو الهدف الأساسي، فإن تلك العلامة التجارية تكون لها أعلى قيمة هدف مقارنةً بالعلامات التجارية التي لا ترتبط على نحو قوي بنفس الدرجة بهذا الهدف (على سبيل المثال، شور/ريكسونا).

fig63
شكل ٥-٣: يشكِّل الإعلان ارتباطًا بين المنتج وهدف الهروب من الواقع.
دعونا نلقِ نظرة على إعلان لمنتج باونتي (انظر شكل ٥-٣). يعرض الإعلان امرأة تجلس على شاطئ منعزل، وبعيد بعض الشيء. تأخذ المرأة قضمة من منتج باونتي وتبدأ الجزيرة القاحلة المنعزلة في الازدهار الرائع والمبهج والغريب، وفي النهاية، يدخل رجل جذاب المظهر.

لا أحد يصدق أن هذا يمكن أن يحدث في الواقع عندما نتناول هذا المنتج. يبدو الأمر كما لو أنه جزء من قصة خيالية، أو رواية. وهذا تمامًا هو المطلوب؛ فالعلامات التجارية تخلق احتمالات وتقدِّم مكافآت رمزية خيالية تضع إطارًا للتأثير المادي للمنتج. وتحقيق الهدف من ثَمَّ لا يُشترط أن يَحدث في الواقع لأنه يَحدث في الخيال بناءً على الارتباط الحادث بين استخدام العلامة التجارية وتحقيق الهدف.

إن عالم التسويق مليء بالأمثلة التي توضح ذلك. يقول أحد خبراء التسويق في شركة هارلي-ديفيدسون للدراجات البخارية: «إن ما نبيعه هو إمكانية أن يقوم محاسب عمره ٤٣ عامًا بارتداء ملابس جلدية سوداء ويتجول بدراجته البخارية في القرى الصغيرة ويجعل الآخرين يخشونه.»

إننا في واقع الأمر لا نستطيع الاحتفاظ بحيويتنا لفترة أطول إذا تناولنا منتج سنيكرز، لكن بالتأكيد يبدو الأمر لنا كذلك؛ ونحن لا نقترب جسديًّا من الذين نحبهم من خلال رسالة نصية، لكن الأمر يبدو لنا كذلك؛ وأسماء المشروبات الكحولية المسكرة يجب أن تصمم دائمًا بطريقة أكثر تقليدية لأن المشروبات المسكرة تعد من طقوس تحول الشباب إلى مرحلة البلوغ، والأسماء تساعدهم على الاعتقاد أنهم انتقلوا إلى هذه المرحلة، وبتناولهم تلك المشروبات يحدث هذا، وإن كان على مستوًى رمزي. تلك هي التخيلات أو الإمكانيات التي نربطها بالمنتجات والعلامات التجارية؛ فالعلامات التجارية تعمل على نحو ضمني في الخلفية لكنها تمارس تأثيرًا دائمًا على حكم المستهلكين وسلوكهم بتنشيط توقعات تؤثر بدورها على القيمة المدركة والمحسوسة.

***

يحكم المستهلكون على قيمة عملية شراء محتملة بناءً على تحقيق هدف متوقع.

***

تعمل العلامات التجارية تمامًا مثل الأدوية الوهمية. يتضح مدى القوة التي يمكن أن تكون لتلك الأدوية أو التأثيرات المعتمدة على التوقع من خلال دراسة تتضمن الأسبرين. قيل للمشاركين في الدراسة إنه سيتم تجريب دواء جديد للصداع معهم لمعرفةِ إن كان أفضل من الأدوية الموجودة بالفعل في السوق. وكان يُفترض أنه بمجرد أن يصاب المشاركون بصداع، فإنهم سيحصلون على قرصين ثم يحددون بعد ساعةٍ إن كانت حالتهم قد تحسنت وبأي قدر حدث هذا. حصل بعض المشاركين على أقراص أسبرين حقيقية، في حين تم إعطاء أدوية وهمية معينة لآخرين دون أن يعرفوا هذا. حصلت مجموعة الأدوية الوهمية على أقراص غير فعالة لكن في شكل عبوة أسبرين؛ لذا، فإنهم اعتقدوا أنهم حصلوا على أسبرين حقيقي. ماذا كانت النتيجة؟ فقط بسبب العبوة، قللت أقراص الدواء الوهمي (التي لم تكن بها أي مكونات فعالة) من الصداع على نحو كبير؛ لم يذكر المشاركون فحسب أن الألم قَلَّ لديهم، ولكن ذكروا أيضًا استجابات فسيولوجية فعلية. إن العبوة التي عليها شعار الأسبرين نشطت التوقعات الخاصة بتخفيف الألم، والتي بدورها غيرت أنماط النشاط العصبي كما لو تم تناول الأسبرين الحقيقي. ما يكشف عنه هذا في نهاية الأمر هو كيف أن التوقعات القوية تؤثر على ردود الأفعال المادية لدى البشر. يقول أحد الخبراء في هذا المجال، وهو تور واجر من جامعة كولومبيا، إن «الدواء الوهمي عملية دماغية نشطة ذات مكون معرفي وتقييمي مهم، وليس مجرد تحيز تقريري أو تكيف سلبي.»

يتضاعف تأثير نفس المادة إذا تم تناولها عن طريق الحقن وليس في شكل أقراص، وهذا لا يرجع لأسباب طبية، وإنما للتوقعات المتزايدة المرتبطة بطريقة الحقن. ويغير لون الأقراص أيضًا التأثير الفسيولوجي؛ فالأقراص الحمراء — حتى وإن كانت غير فعالة — ترفع من ضغط الدم، في حين تقلله الأقراص الزرقاء. يكون تأثير قرصين غير فعالَيْن ذَوَي لون أحمر أقوى من قرص واحد من نفس النوع بسبب توقُّع أن تناول المزيد من الدواء يساعد على العلاج أكثر. ومن مجال الأبحاث السرطانية، نعرف أيضًا أن الأدوية الوهمية تتسبب ليس فقط في تأثيرات علاجية، وإنما أيضًا في آثار جانبية؛ ففي دراسة إكلينيكية، تم تقسيم المرضى إلى مجموعتين: إحداهما تحصل على دواء وهمي، والأخرى تحصل على الدواء الحقيقي. لا يعرف الأطباء ولا المرضى من ينتمي للمجموعة التي تحصل على الدواء الوهمي (ما يعرف بالتجربة المزدوجة التعمية). وكانت النتيجة أن نحو ٣٠ بالمائة من المرضى الذين حصلوا على الدواء الوهمي ظهرت عليهم الأعراض الجانبية التقليدية — أيِ المتوقعة — للعلاج الكيميائي، بدءًا من الشعور بالغثيان وحتى الشعور بالمرض وتساقط الشعر، رغم أنهم قد حُقنوا فقط بمحلول ملحي.

تستند تلك الآليات القائمة على التوقع إلى مبادئ هي في الوقت نفسه ذات صلة بالتسويق. أظهر المشاركون في الدراسات الذين اعتقدوا أنهم حصلوا على قهوة حقيقية زيادة في معدل ضربات القلب حتى عندما أُعْطوا في حقيقة الأمر قهوة لا تحتوي على كافيين. وأوضحت دراسة أخرى أن التأثير الفسيولوجي لأي مشروب طاقة قل على نحو كبير عندما تم الحصول عليه بسعر مخفض؛ فالتوقعات الخاصة بأداء المشروب انخفضت عندما تم إدراك المنتج على أنه أرخص ثمنًا، وأدى هذا إلى تقليل فاعليته. ويعمل هذا أيضًا في الاتجاه العكسي؛ إذ تزيد مشاهدة إعلان عن فاعلية مشروب الطاقة من تأثيره الفسيولوجي، حتى لو لم يكن به، من الناحية العملية، أي مكون نشط (المنتج المختبر كان مجرد مشروب طاقة وهمي). إن بناء العلامة التجارية والتسعير وغيرهما من أنشطة التسويق التي يمكن أن توجد توقعًا بشأن مدى الجودة التي يجب أن تكون عليها تجربةٌ ما؛ تؤثر ليس فقط على إدراك تجربة الاستهلاك، وإنما أيضًا على العمليات الدماغية المرتبط هذا بها. بالنسبة إلى إدارة التسويق، يعني هذا وجود مستوًى معين من جودة المنتج مهم لضمان رضا العملاء، لكن إلى جانب هذا، فإن التوقع الذي يمكن للعلامة التجارية أن تنشطه قد تكون له أهمية مساوية.

***

من المهام الأساسية في التسويق بناء ارتباطات بين المنتج واستخدامه وتحقيق هدف ذي صلة. ومن خلال هذا، يعرف المستهلكون أن المنتج لديه القدرة على القيام بالمهمة التي يسعون لتحقيقها ويدركون السبب وراء قدرته هذه.

***

واعتمادًا على القدرة المطورة للبشر فيما يتعلق بتحقيق الأهداف عقليًّا ورمزيًّا، لم نعد بحاجة للدخول في صراعٍ بعضنا مع بعض حتى نثبت مَن الرجل الأقوى فيما بيننا؛ فيمكننا شراء ساعة رولكس أو سيارة مرسيدس من الفئة العالية لإثبات هذا والتنافس على نحو رمزي، هذا أقل خطورة وإيذاءً! وإذا كنا بحاجة لحضن دافئ، فإننا نتناول كوبًا من حساء باتشلورِس كي يساعدنا في تحقيق هذا الهدف. وفي كل حالة من تلك الحالات، يكفينا أن نتوقع أن العلامة التجارية والمنتج المعنيين سيقدمان لنا ما يساعدنا على أفضل نحو على تحقيق هدفنا الأساسي. إننا نُصْدر تلك الأحكام الخاصة بالتوقع من خلال كل ما تعلمناه وجربناه فيما يتعلق بالمنتج أو العلامة التجارية.

يتضح كيف يتم هذا من خلال دراسة قام بها العالم الإنجليزي جاي جوتفريد من كلية لندن الجامعية. بدأ جوتفريد بتعريض المشاركين في دراسته الموجودين في جهاز تصوير دماغي لرائحة طيبة مثل ماء الورد لمدة عشر ثوانٍ. وبعد بضع ثوانٍ لاحقة، عرض على كل مشارك رمزًا: أحيانًا، خوذة أو كرة أو صندوقًا خشبيًّا. كانت مهمتهم في الثواني القليلة التالية تتمثل في ابتكار قصة قصيرة تربط على نحو إبداعي بين رائحة الورود والخوذة على سبيل المثال. ثم يأتي الدور على الرائحة التالية ورمز جديد وقصة قصيرة مبتكرة أخرى. وبعد انتهاء مرحلة التعلم التي تم فيها تقديم نحو ١٣٠ رمزًا مختلفًا و٩ روائح مختلفة، بدأ اختبار الذاكرة الفعلي. من أجل هذا الغرض، مزج جوتفريد بين الرموز القديمة والجديدة. وطلب من المشاركين تذكر الرموز التي تم عرضها عليهم بالفعل.

كانت النتيجة مدهشة؛ فعندما كان المشاركون يتعرفون على رمز قد رأوه من قبل، كانت المنطقة الدماغية التي تستجيب بالفعل للروائح تضاء أيضًا في جهاز التصوير الدماغي، رغم حقيقة أنه لم يتم إطلاق أي روائح أخرى أثناء فترة الاختبار هذه. أُطلِقَ نوع من الرائحة «الافتراضية» اعتمادًا على الارتباط الذي تم إيجاده قبل ذلك. مثل النبوءة المحققة لذاتها، الارتباطات الخاصة بالتعلم تخلق التجربة المتوقعة؛ لذا، فإن نفس المبدأ الذي نصادفه عندما «تذوَّق» المستهلكون بودنج الشوكولاتة بسبب لونه البني (على الرغم من أنه في واقع الأمر بودنج فانيليا) ينطبق على قيمة الهدف كذلك؛ فنحن نستشعر ما نتوقعه.

عبر أنشطتنا التسويقية، غالبًا ما نصادف أعراض تلك الآليات القائمة على التوقع؛ على سبيل المثال، فيما يتعلق بتتبع الإعلانات، كم عدد المرات التي يتذكر فيها مشاركون إعلانًا معينًا لعلامة تجارية لم يعرض على الهواء لعدة سنوات، أو حتى عقود؟ كمثال على هذا، لم يتم عرض إعلان «الشمبانزي» الخاص بِشاي بي جي تيبس لأكثر من ١٥ عامًا، لكن هذا الإعلان كثيرًا ما يتم الاستشهاد به في دراسات حديثة. يعتقد المستهلكون أنهم رأوه لأنهم يتوقعون رؤيته. تعتمد توقعاتنا على الذاكرة، على أي شيء تعلمناه؛ لذا عندما نُسأل (ومن ثَمَّ، يتم حثنا)، فمن السهل أن نردَّ في ضوء توقعاتنا وليس تجربتنا الفعلية.

المستويان الخاصان بقيمة الهدف

اتضح لنا حتى الآن أن المحرك الأساسي لجانب القيمة في معادلة القيمة والتكلفة هو قيمة الهدف الخاصة بالعلامة التجارية. مع وضع هذا في الاعتبار، دعونا نتأمل مرة أخرى منتج جِل الاستحمام ديناميك بالس من شركة أديداس. حتى يكون هذا المنتج ملائمًا، يحتاج لأن يكون متوافقًا مع أهداف المستهلكين. والأهداف الملائمة في تلك الحالة هي، ضمن أهداف أخرى، الرائحة والترطيب والعناية بالجلد. يؤهل تحقيق تلك الأهداف أي منتج للمنافسة في السوق، لكن التمييز بينها يكون صعبًا؛ فكل جل استحمام ناجح يشكِّل هذه الارتباطات بدرجةٍ ما. لكن باستخدام الإشارات المرتبطة بالرجولة والطاقة (شفرات عبوة المنتج التي على شكل عبوة زيت المحرك)، يرفع هذا المنتج من قيمته المدركة.

يمكن أن نفهم السبب وراء هذا على نحو أفضل الآن؛ فمن خلال إرسال تلك الإشارات، يخبر المنتج نظام الطيار الآلي أنه بإمكاننا تحقيق الهدف الإضافي الأكثر سيكولوجية والخاص بتجديد الطاقة والحيوية، هذا إلى جانب أهداف فئة المنتجات العامة. يزيد هذا المستوى الرمزي لقيمة الهدف من القيمة الإجمالية لدى المستهلكين الذين هدفهم الأساسي هو الحصول على الطاقة. هذا بالطبع يمكن أن يختلف؛ ليس فقط من مستهلك لآخر، ولكن حتى المستهلك الواحد يمكن أن تكون لديه أهداف أساسية مختلفة بناءً على موقفه. فبالنسبة إلى حمام الصباح، فإن الحصول على الطاقة هدف أساسي شائع، لكن في المساء، فإن جل استحمام لطيفًا يقدم عناية أكبر يكون له قيمة هدف أعلى لأننا نريد أن نحصل على بعض الاستجمام بعد يوم شاقٍّ في العمل.

دعونا نتأمل مثالًا آخر. على الرغم من أن شركة تويوتا كانت تعاني من بعض المشكلات مؤخرًا، فإنك عندما تسأل المستهلكين عن سبب اختيارهم لسيارات تلك الشركة، فإنهم يزعمون أن الاعتمادية أحد الأسباب الرئيسية، لكن إذا سألت نفس هؤلاء المستهلكين عن نوع سيارات آخر، فمن المرجح أن يذكروا عامل الاعتمادية أيضًا. فإلى جانب توفير عوامل ضرورية (أساسية) مثل الاعتمادية والجودة، يجب أن تكون هناك أهداف مميزة أخرى لتشجيع المستهلكين على اختيار علامة تجارية معينة.

يخبرنا الإعلان المعروض في شكل ٥-٤ الخاص بسيارة تويوتا كورولا المزيد عن الهدف المميز في حالة شركة تويوتا. يعرض الإعلان صديقين يقودان سيارة في طريق ريفي. يرى الشخصان امرأة جذابة ترتدي ملابس مغرية تنحني على غطاء المحرك المفتوح الخاص بسيارة. ينظر الرجلان لفترة وجيزة كلٌّ منهما للآخر في ترقب. اقترب الرجلان بسيارتهما من السيارة وقبل أن يقفا بسيارتهما، يسرع السائق بسيارته ولا يتوقف. يبدو الرجل الذي يجلس بجانب السائق مصدومًا ويقول بابتسامة واثقة: «كان هذا فخًّا؛ فسيارات تويوتا لا تتعطل.» في النهاية، نرى أن المرأة الجميلة كانت في الحقيقة رجلًا أصلع قبيحًا، يخلع شَعرًا مستعارًا وهو في قمة الغضب.
fig64
شكل ٥-٤: ينقل الإعلان على نحو صريح عامل الاعتمادية، ويربط على نحو ضمني بين العلامة التجارية لتويوتا والحكمة والعقلانية.

بالطبع، تم تناول هدف الاعتمادية في الإعلان، لكن هناك جانبًا آخر أكثر ضمنية متضمنًا في هذا الإعلان. تتضمن القصة فكرة أن السائق قاوم الإغراء وتَحكَّم في نفسه وتصرف على نحو عقلاني. إنه قاوم الوهم، فهو عقلاني وحكيم وحصيف. تُحقِّق تويوتا هذا الهدف النفسي الضمني؛ فمن الواضح أن السيارات لا يتم شراؤها فقط من أجل هدف الانتقال للأماكن المرادة، وإلا لاشترى الجميع سيارة ريلاينت روبن ذات العجلات الثلاث! إن السيارات امتداد لهويتنا ورمز لما هو مهم بالنسبة إلينا؛ يرجع ذلك في الأساس إلى أن سيارتنا يراها الآخرون. لذا، بقيادة سيارة تويوتا، يمكنك أن تحقق على نحو رمزي هدف أن تكون، أو تبدو، حكيمًا وحصيفًا. هناك علامات تجارية أخرى أيضًا تتصف بالاعتمادية من الناحية الموضوعية، لكن تلك العلامة التجارية لديها أعلى درجة من الذرائعية لتحقيق هذا الهدف الإضافي النفسي الخاص بأن تكون عقلانيًّا وأن تقاوم المغريات غير الضرورية التي تقدمها العلامات التجارية الأخرى الخاصة بالسيارات. لكن تكون قيمة الهدف عالية فقط بالنسبة إلى الأشخاص الذين يتمثل هدفهم الأساسي في أن يكونوا عقلانيين؛ فالناس الذين يريدون تحقيق هدف الحصول على المتعة أو الحرية من خلال شراء سيارة لن يجدوا قيمة كبيرة في هذا الإعلان وتويوتا كعلامة تجارية؛ سيجدون قيمة أعلى بكثير في سيارات ميني أو جيب.

ما توضحه تلك الأمثلة أنه عندما يتعلق الأمر بالأهداف وقيمة الهدف، هناك مستويان: الأهداف الصريحة التي تتعلق بفئة المنتج ككل (على سبيل المثال، ترطيب الجلد واعتمادية السيارة وإزالة البقع)، والأهداف الضمنية التي تكون أكثر عمومية وتعمل على مستوًى نفسي (على سبيل المثال، تجديد الطاقة والظهور بمظهر العقلانيين والمرح وإظهار المكانة). في التسويق، نميل للتركيز كثيرًا على الأهداف الصريحة الخاصة بفئات منتجاتنا. لكن أي مرطب للجلد لا يدعي أنه مغذٍّ للجلد؟ وأي شركة تأمين أو مقدِّم خدمة لا يحتاج أن يكون موثوقًا فيه وكفئًا وذا سمعة طيبة؟ إن الأهداف الصريحة هي السبب وراء ظهور فئة منتجات معينة؛ لذا، فإن كل الشركات المتنافسة التي تريد البقاء في السوق يجب أن تحقق تلك الأهداف.

عندما نسأل المستهلكين عن العلامات التجارية والمنتجات، سيركزون على مستوى الأهداف الصريحة ويتحدثون عن الجودة أو الاعتمادية أو السعر (حتى في حالة الساعات الفاخرة، كما رأينا)؛ والسبب بالطبع هو أن المستوى الضمني يعمل في الخلفية ولا يأتي إلى المقدمة عندما نسأل المستهلكين مثل تلك الأسئلة الصريحة. لكن هناك اختلافًا بسيطًا بين الشركات المتنافسة في نفس المجال على المستوى الصريح، خاصة في الأسواق الناضجة. ومن أجل تقديم أعلى قيمة هدف ممكنة وتميز ذي صلة، علينا التعامل مع الأهداف الضمنية ذات الصلة من خلال علاماتنا التجارية ومنتجاتنا ووسائل تواصلنا. يقول ستيفن براون، أستاذ كلية كيلوج للإدارة: «إن مجرد تتبع رغبات المستهلكين يؤدي إلى منتجات يمكن لهم استبدال أخرى بها وإعلانات مقلَّدة وأسواق راكدة.» تعمل الأهداف الضمنية على نحو أعمق من رغبات المستهلكين الصريحة؛ ومن ثَمَّ يمكن أن تساعد على تميز منتجات على أخرى بصورة ملائمة وملموسة.

دعونا نلقِ نظرة على مثال آخر وهو خاص بحملة «الجمال الطبيعي» الخاصة بِدوف (انظر شكل ٥-٥). الجمال الطبيعي هدف ملائم، لكنه ليس مميزًا؛ فمنتج بودي شوب يوفر جمالًا طبيعيًّا أيضًا؛ لذا، ما قيمة الهدف المميزة التي تنقلها تلك الحملة؟ دعونا نلقِ نظرة متأملة على إشارات العلامة التجارية.
fig65
شكل ٥-٥: حملة «الجمال الطبيعي» لِدوف تربط العلامة التجارية بالهدف الصريح المتعلق بتحقيق الارتياح.

بدايةً، تم إظهار النساء في الغالب في مجموعات؛ لذا، لم يكنَّ مطلقًا بمفردهن. واحتوى موقع الويب الخاص بِدوف أثناء تلك الحملة على خلفيات تشبه حفلات البيجاما، والتي تذكِّر أي امرأة بالفترة من حياتها التي لم يكن يمثل فيها حجم الأرداف والقوام أي مشكلة. يساعد منتج دوف على تحقيق الهدف النفسي المتمثل في «الشعور بالارتياح»، وهو ليس ذلك الناتج عن الاعتراف بشيءٍ ما أو الاعتذار عن شيءٍ ما، وإنما ذلك الذي يَنتج عن تحررنا من أن يتعين علينا دائمًا التحكم في أنفسنا وتحسينها. إنه أيضًا شعور بالارتياح يشير إلى أن الشخص ليس وحده في المشكلة التي يواجهها. يشبه منتج دوف موازين قياس الوزن القديمة التي يمكن تعديلها قليلًا حتى نشعر بأننا أفضل؛ لذا، فإن نجاح تلك الحملة لا يمكن إرجاعها فقط إلى إظهارها لنساء عاديات وعامل الصدق.

تم تكرار هذا عدة مرات ولكن لم ينجح؛ فالصدق في حد ذاته ليس هدفًا؛ فهو قد يجعل العلامة التجارية مرغوبة، لكن هذا لا يجعل المستهلكين يُقبلون على شرائها. إن هدف الشعور بالارتياح هذا كان مميزًا وملائمًا في فئة منتجات العناية بالجسم عندما تم إطلاق الحملة. لكن الشعور بالارتياح باعتباره هدفًا ليس ملائمًا بنفس القدر في فئات منتجات مثل مستحضرات التجميل أو منتجات العناية بالشعر؛ حيث الهدف الأساسي هو تحسين الذات وتغييرها، وهو ما يساعدنا على تفسير سبب نجاح دوف الأقل بكثير في فئتَي المنتجات هاتين.

***

هناك مستويان للأهداف التي نسعى لتحقيقها من خلال العلامات التجارية والمنتجات؛ وهما: الأهداف الصريحة الخاصة بفئة المنتجات والأهداف الضمنية الأكثر عمومية، التي تعمل على مستوًى نفسي داخلي.

***

الربط بين الأهداف الصريحة والضمنية مهم؛ ففي حالة منتج باونتي، تجربة المنتج هي أساس الهدف الضمني المتمثل في الهروب من الواقع: الشوكولاتة مع جوز الهند. والارتباطات التي لدينا مع جوز الهند تقدم مَعَبرًا معقولًا للهدف الضمني الخاص بالهروب من الواقع؛ أشجار النخيل والجزر الصحراوية. بالمثل، الملمس الفريد والرائع للمنتج والإحساس المرتبط بتناوله يوفران أيضًا ارتباطًا معقولًا بالهدف الضمني. قارِن هذا مثلًا بمنتج سنيكرز الذي يحتوي على مكسرات يتعين عليك قضمها، والارتباط بهدف الهروب من الواقع هنا أقل مصداقية بكثير من ذلك الذي يرتبط بهدف الأداء.

***

الربط بين الأهداف الصريحة والضمنية ليس عشوائيًّا؛ فتجربة المنتج تحدد الأهداف الضمنية التي يمكن أن ترتبط على نحو معقول مع الهدف الصريح.

فك شفرة الأهداف الضمنية

من أجل زيادة عنصر الملاءمة، ومن ثَمَّ استعداد المستهلك للشراء، يجب زيادة قيمة الهدف على مستويين: مستوًى صريح خاص بفئة منتجات معنية، ومستوًى ضمني نفسي ظهر قبل وجود المنتجات بفترة طويلة. وهذا المستوى النفسي للأهداف هو السبيل الأساسي لتطوير عروض مميزة تتجاوز قيمة الهدف الصريح، غير أنه أكثر صعوبة بكثير في التعامل معه على نحو منهجي. بدايةً، لا يمكننا ببساطة أن نسأل عنه المستهلكين. لحسن الحظ، تُقدِّم لنا التطورات الحديثة في العلوم العصبية الشعورية وعلم نفس التحفيز البشري أساسًا مهمًّا وصحيحًا للإدارة المنهجية للمستوى التحفيزي الضمني حتى نستطيع تطوير أهداف مميزة وملائمة. دعونا نلقِ نظرة على أهم النتائج التي وصلت إلينا من هذا المجال وكيف يمكننا استخدامها في الأنشطة التسويقية.

إن أبسط دوافع السلوك البشري (بعد الدوافع الرئيسية مثل التكاثر) هما:
  • (١)

    «التقدم»: بمعنى الاقتراب والتحرك والمواجهة والارتقاء والمكسب وغير ذلك.

  • (٢)

    «التجنب»: بمعنى الابتعاد والحماية وتجنب الخسارة وغير ذلك.

إن هذين الدافعين متأصلان بشدة فينا، وهما يرجعان للعصور القديمة عندما تَعيَّن علينا الاختيار من أجل البقاء بين المواجهة (الاقتراب) أو الهروب (التجنب). إن هذين الأمرين وجهان لعملة واحدة؛ فإذا أردنا جذب مستخدمي أحد الشامبوهات لصبغ شعرهم، يمكننا مخاطبة دافع تقدمي بادعاء أن هذا الشامبو يجعل الشعر يلمع إذا كان لونه أحد الألوان الزاهية. أو يمكن أن نزعم تحقيقه للهدف التجنبي المتمثل في أن هذا الشامبو يساعد في تجنب فقدان الشعر. إن كلا الهدفين ممكنان. ولزيادة الملاءمة للحد الأقصى، يكون علينا معرفة أي الجانبين السابقين هو السائد على نحو أكبر بالنسبة إلى غالبية المستهلكين.

تدريب

عندما تفكر في عرضك أو عرض منافسيك، هل يركز أيٌّ منهما على التجنب أم التقدم؟

دعونا نتخذ المثقاب الكهربي مثالًا. إننا نستخدمه لعمل ثقوب؛ هذا هو هدفنا الأساسي الصريح. لكن له أهدافًا أخرى ضمنية أكثر؛ فهو يوفر الطاقة البدنية، ولكن الأهم أنه يرفع من القوة والكفاءة الذاتية لمستخدمه (أيْ هدف التقدم)؛ فالقوة هي الدافع الضمني الأساسي للعامل: فيمكنه هزيمة الخرسانة الصلبة. وكلما كان أداء المثقاب جيدًا وأكثر قوة، زادت قيمته بالنسبة إلى مستخدمه. وهكذا تخدم تلك الآلات أهدافًا ضمنية أساسية متعلقة بالتقدم. وهذا العرض أو الطرح تم تشفيره على نحو بارع في إعلان آلات ميتابو الموضح في شكل ٥-٦.

العنوان الرئيسي باللغة الألمانية، غير أننا ليست لدينا صعوبة في التعرف على الهدف الخاص بالطرح المراد توصيله: عرض الآلات على أنها أسلحة. يدعم العنوان هذا الطرح: «الخرسانة تحتاج خصومًا وليس لضحايا.» إن إعلانًا محوره التجنب سيبدو مختلفًا بالتأكيد، ومعرفة إن كان عملاؤنا يركزون على دافع التقدم أم التجنب له تبعات مباشرة على فاعلية وسائل التواصل خاصتنا. أوضحت الأبحاث أن المستهلكين إذا كان دافع التقدم لديهم هو السائد، فإن تصميم الإعلانات المطبوعة بناءً على ذلك سيجعلها بالتأكيد أكثر إقناعًا، وينطبق الأمر نفسه على الدافع الخاص بالتجنب.

fig66
شكل ٥-٦: يركز هذا الإعلان على الهدف الضمني الخاص بالقوة والكفاءة الذاتية.

***

أبسط دوافع السلوك البشري هما التقدم والتجنب.

***

دوافع السلوك البشري بالطبع تضم أكثر من مجرد التقدم والتجنب. أشارت العديد من المجالات العلمية، من ذلك العلوم العصبية الشعورية وعلم نفس التحفيز البشري، إلى أنه ينشأ من هذين الدافعين الأساسيين ما يمكن أن نعتبره أهم الدوافع البشرية على الإطلاق، التي تقوم عليها العمليات الفسيولوجية، والتي تعمل على نحو عميق داخلنا وهي عامة في الطبيعة، وهي كالتالي:
  • الأمن: ويسمى أيضًا «جهاز الفزع والخوف» في العلوم العصبية الشعورية. وهدف هذا الجهاز هو تجنب الخوف والسعي من أجل الحصول على الرعاية، ومن أجل الاختلاط الاجتماعي (الارتباط والثقة والتآزر والاهتمام والالتزام بالعرف وما إلى ذلك). وفَّر تطور العقل ضمانات لضمان قيام الوالدين (وخاصة الأم) برعاية أولادهما الذين لديهم أجهزة شعورية قوية للإشارة إلى أنهم بحاجة للرعاية (كما يظهر من خلال البكاء أو كما يفضل أن يطلِق عليه العلماء «صيحات الافتراق»). إن هذا الجهاز هو الأساس التحفيزي للعديد من الطرق الاستدلالية التي عرضناها في الفصل السابق: تجنب الخسارة، والتأثير الاجتماعي، والميل إلى الوضع الراهن والوضع الافتراضي. تتمثل الأهداف الأساسية من هذا الجهاز في تجنب الخطر، وتجنب التغيير، والحفاظ على الواقع، وتجنب عدم اليقين، والسعي من أجل الاستقرار، وعدم إهدار الجهد.
  • الاستقلالية: يسعى «جهاز الغضب» لتجنب الهزيمة والغضب عن طريق التفوق على الآخرين (على سبيل المثال، فيما يتعلق بالمكانة أو الأداء). الهدف الأساسي يتمثل في أن يكون الفرد أرفع مكانة من الآخرين وأن يتجنب المقاومة (القوة والأداء والصراع وما إلى ذلك). إن المثقاب الكهربي يخدم هذا الهدف، كما يفعل المرطب المضاد للتجاعيد، الذي يَعِدُ بحدوث عملية تحوُّل والحفاظ على الجمال. حصل عالِم الأعصاب السويسري فالتر هيس على جائزة نوبل لتحليله لهذا الجهاز بالتفصيل وإثبات أنه بتحفيز بعض المناطق الموجودة تحت القشرة الدماغية في الحيوانات، يمكن إثارة الغضب. أحد الهرمونات الأساسية التي تحفز جهاز الغضب هو التستوستيرون. توضح الأبحاث أنه عندما نفوز في مباراة تنس، على سبيل المثال، فإن مستويات هذا الهرمون تزيد. والأهداف الأساسية لهذا الجهاز هو التفوق على الآخرين، وتأكيد الذات، وزيادة القوة والتأثير، وتوسيع نطاق السيطرة والتحكم في مجريات الأمور، والحفاظ على ذلك التحكم.
  • الإثارة: إن هدف «جهاز السعي» هو تجنب الشعور بالملل عن طريق السعي وراء التحفيز والتغيير والابتكار وما إلى ذلك. إن الدافعية للَّعب مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بهذا؛ فمن وجهة نظر تطورية، تطور هذا الجهاز ليشجعنا على ترك أماكننا سعيًا على نحو أساسي وراء جينات جديدة نختلط معها؛ لذا، فإن هذا الجهاز يكون نشطًا على نحو كبير أثناء مرحلة المراهقة، وهو يقف بقوة وراء أهداف الاستهلاك (بدءًا من المخدرات وحتى الموضة). ويعتمد هذا الجهاز على الدوبامين، وهو الأساس الهرموني الرئيسي للتعلم. إذا أُعطِي أحد الحيوانات ذراعًا تتحكم في إطلاق التحفيز الدماغي في هذا الجهاز، فسيتعلم بسهولة دفع هذه الذراع، وسيستمر بحماس في تحفيزه الذاتي لفترات طويلة، حتى يصيبه الإنهاك البدني وينهار. تتمثل الأهداف الأساسية لهذا الجهاز في البحث عن مثيرات جديدة وغير مألوفة وكسر المألوف، واكتشاف البيئة واستكشافها، والسعي وراء التغيير، وتجنب الملل، والتميز عن الآخرين.

أثبتت مجالات مختلفة من العلم على نحو منفصل أن تلك الدوافع الثلاثة هي أهم دوافع السلوك البشري، وكلٌّ منها يتكون من شبكة عصبية معقدة تتضمن بِنًى عصبية قديمة جدًّا توجد تحت القشرة الدماغية، وهي تقف وراء سلوكنا من اليوم الأول لميلادنا. وإذا تناولناها الواحدة تلو الأخرى بالترتيب، فسنجد أنه في الأشهر القليلة الأولى من عمر أي طفل يكون القرب من الوالدين والأمن والحماية من الخطر هي أهم الأشياء بالنسبة إليه (هدف الأمن)، وتكون النتيجة هي الثقة والارتباط. وبعد فترة قصيرة، عندما يبدأ الطفل في الحبو، وبمجرد أن يمشي خاصة، يبدأ في استكشاف البيئة وهو واقف على قدميه؛ فهو يرغب في أن يجرب أشياء مختلفة، وهو مدفوع هنا بالفضول (هدف الإثارة). بقيامه بهذا، هو يبتعد أكثر فأكثر عن أمه وأبيه. في هذه المرحلة، يبدأ الطفل بالفعل في استكشاف ما يحيط به ويزيد من استقلاليته عن والديه (هدف الاستقلالية). وفي مرحلةِ ما قبل المدرسة، يبدأ في الدخول في صراع مع الكبار؛ وهو هنا مدفوع بالقوة والرغبة في السيطرة. يصل جهازا الإثارة والاستقلالية لذروتهما عندما نبلغ سنًّا تتراوح بين العشرين والثلاثين عامًا، في حين يكون جهاز الأمن في ذروته في الفترة الأولى من الحياة وقرب نهايتها.

يوضح شكل ٥-٧ ما عرضناه حتى الآن فيما يتعلق بأجهزة التحفيز البشري الأساسية. نطور في البداية الدافعين الأساسيين المتمثلين في التقدم والتجنب، ثم نبني الأجهزة التحفيزية الثلاثة الأكثر تعقيدًا وتطورًا والمعتمدة على هذين الدافعين.
fig67
شكل ٥-٧: أجهزة الأهداف الضمنية الأساسية في العقل البشري.

كيف تخدم المنتجات والعلامات التجارية الأهداف الضمنية؟ دعونا نلقِ نظرة. يحقق مثقاب ميتابو الكهربي هدف الاستقلالية عن طريق تمكين العامل الماهر. ويمكن لعلامة تجارية أخرى أن تؤطر مثقابها بأهداف خاصة بالإثارة بالتركيز على السمات المبتكرة وهدف الإبداع. وقد تركز علامة تجارية ثالثة على عمر المثقاب الطويل ومتانته والمواد القوية المصنوع منها؛ ومن ثَمَّ، تخاطب المستهلكين الذين يركزون أكثر على هدف الأمن. علامة فولفو التجارية تخدم أهداف الأمن من خلال تأطيرها القائم على الأمان، في حين أن علامة بي إم دبليو التجارية تركز على متعة القيادة (الإثارة)، بينما تخاطب علامة مرسيدس التجارية المكانة والتميز على الآخرين (الاستقلالية). إن جعة كارلسبرج «ربما تعد أفضل نوع جعة في العالم» (الاستقلالية)، في حين تخاطب كارلينج هدف الأمن (الصداقة الذكورية)، بينما يتمثل أهم عناصر الجاذبية في أنواع الجعة الأجنبية مثل كوبرا وَتايجر في مجال الإثارة (على سبيل المثال، إنها من دول «غريبة» مثل الهند).

عمليًّا، يمكن الاستفادة المثلى من أنواع الأهداف الأساسية الثلاثة تلك عن طريق استخدام خليط منها؛ فتسلُّق الصخور، على سبيل المثال، مزيج من أهداف الاستقلالية (الصعود للقمة والأداء وما إلى ذلك)، وأهداف الإثارة (الحيوية والمتعة والاستكشاف). في حين أن العناية بالصحة مزيج من أهداف الأمن (التزين والعناية وما إلى ذلك)، وأهداف الإثارة (الإحساس بالانتعاش بسبب الزيوت والتدليك وما إلى ذلك). يؤدي هذا إلى جهاز متأصل وفي ذات الوقت يمكن التحكم فيه إلى حد كبير، يتضمن الأهداف الضمنية الذي يتكون من مجالات دافعية ستة يمكننا من خلالها التفكير على نحو منهجي في الأهداف الضمنية (انظر شكل ٥-٨)، وذلك كما يلي:
  • الأمن: الرعاية والثقة والقرب والأمان والدفء …

  • الاستمتاع: الاسترخاء والابتهاج والانفتاح واللذة …

  • الإثارة: الحيوية والمتعة والفضول والابتكار والتغيير …

  • المغامرة: الحرية والشجاعة والتمرد والاستكشاف والمخاطرة …

  • الاستقلالية: الفخر والنجاح والسلطة والتفوق والحصول على تقدير الآخرين …

  • النظام: الدقة والتنظيم والمنطق والعقلانية …

fig68
شكل ٥-٨: مخطط الأهداف الضمنية يوضح الأهداف الضمنية ذات الصلة بالنسبة إلى التسويق.

يختلف الناس من حيث الهدف الذي يسعون لتحقيقه عبر شراء أحد منتجات فئة معينة من السلع. يحقق الشخص الذي لديه سيارة من نوع تويوتا هدف النظام باختياره لتلك العلامة التجارية، لكن يمكنه شراء ساعة رولكس لإظهار مكانته الاجتماعية للآخرين (هدف الاستقلالية). في حين يقوم آخرون بنفس الشيء ولكن بشكل عكسي؛ فيشترون سيارة مرسيدس ولكنهم يملكون ويلبسون ساعة سِكُوندا الرياضية. وحيث إن الأهداف الضمنية عامة ومتأصلة فينا، يمكن تحقيقها بطرق عديدة؛ فنحن نتمتع بقدر كبير من المرونة في كيفية تحقيقنا للأهداف الضمنية لأنها ليست متأصلة في فئة معينة من المنتجات مثل الأهداف الوظيفية؛ فهي متأصلة في الدوافع البشرية الأساسية. فيمكننا استخدام السيارات أو الساعات أو الأحذية أو المناصب لتحقيق هدف متعلق بالاستقلالية مثل المكانة. وعندما نرغب في الاسترخاء (هدف الاستمتاع)، يمكننا القيام برحلة قصيرة أو ممارسة اليوجا أو الذهاب لأحد المنتجعات الصحية أو استخدام جل استحمام يدَّعي أن له خواص شبيهة بالعلاج بالروائح. نتيجة لذلك، يمكن لفئة منتجات معينة أن تحقق أهدافًا مختلفة؛ فيمكن أن يكون الآيس كريم اختيارًا عمليًّا كنوع من التحلية (هدف النظام)، ويمكن أن يرتبط بتحقيق هدف الاستقلالية إذا كان من نوع حصري ومميز، كما يمكن أن يؤدي للانتعاش (هدف الإثارة) أو يساعد على تدليل الذات أو الهروب من الواقع (هدف المغامرة).

تدريب

ما الهدف الضمني الأساسي المرتبطة به فئة منتجك أو علامتك التجارية؟ وما فئات المنتجات الأخرى المستخدمة في تحقيق هذا الهدف؟

في أنشطتنا الاستشارية، نستخدم مخطط الأهداف الضمنية في المئات من المشروعات المتعددة الجنسيات وعبر فئات منتجات مختلفة؛ بدءًا من المنظفات ومستحضرات التجميل، وحتى خدمات الاتصالات. من أهم النتائج المستخلصة من تلك الأنشطة أن جميعنا يفهم على نحو بديهي الأبعاد الستة لأنها تعكس دوافعنا الأساسية، بغض النظر عما إذا كنا نعيش في المكسيك أو الهند أو بريطانيا العظمى أو أي مكان آخر. ومن النتائج الأخرى أن المخطط متكامل؛ بمعنى أنه لا ينقصه أي شيء مهم عندما يتعلق الأمر بتحليل الدوافع الأساسية لفئات المنتجات والعلامات التجارية ووسائل التواصل. وثمة نتيجة مهمة ثالثة تتمثل في أنه مفيد جدًّا في تحليل العلامات التجارية وبناء الصورة الذهنية لها وإدارتها؛ لأنه من ضمن أشياء أخرى يمكن ربطه بالأهداف الصريحة المحددة لفئة المنتجات.

***

كَشَفَ العلم النقاب عن دوافع السلوك البشري الأساسية. تتيح تلك المعلومات للمسوقين الإدارة المنهجية لهذا المستوى الضمني العميق من عملية اتخاذ القرار.

زيادة الملاءمة والتمييز: تقديم عروض خاصة بالعلامات التجارية معتمدة على الأهداف

هناك العديد من الأهداف الصريحة والضمنية. من أين يجب أن نبدأ؟ علينا البدء بالهدف الصريح، فهذا هو أساس الملاءمة؛ فمن دون الوفاء بمثل هذه الأهداف، سنخرج أساسًا من المجال الذي نعمل فيه. والأهم أن العلامة التجارية التي تحقِّق الهدف الصريح الأكثر أهمية على أفضل نحو هي التي تقود السوق التي تعمل به؛ ففي سوق مزيلات العرق، العلامةُ التجارية التي يتم النظر إليها على أنها الأفضل في تحقيقها لهدفها الصريح المتعلق بتقليل العرق وعدم إظهار رائحته تكون هي الرائدة في السوق. وكذلك العلامة التجارية في فئة المنتجات المنعمة والمعطرة للملابس التي توفِّر أكبر قدر من النعومة هي التي تكون الرائدة في سوقها. في التسويق، عادةً ما نركز على الكيفية التي يمكننا بها تمييز أنفسنا؛ ونتيجة لذلك، أحيانًا ما ننسى الأهداف الصريحة الأساسية لفئة المنتجات التي تنتمي إليها علامتنا التجارية. إن الخطر الذي يكمن في اتباع هذا الأسلوب هو احتمالية نسيان الهدف الأساسي تمامًا؛ ومن ثَمَّ المخاطرة باحتمال عدم ملاءمة منتجاتنا.

إن خطر عدم تحقيق الأهداف الصريحة على هذا المستوى يتضح من خلال مثال منتج مارس باليستو، الذي هو عبارة عن «قالب شوكولاتة صحي». شهدت ثمانينيات القرن العشرين الحقبة الأولى من «الموجة الخضراء»؛ فقد كان يجب على كل شيء أن يكون صديقًا للبيئة (أيْ يوفر الطاقة وتقل الفضلات الملوثة للبيئة الناتجة عنه … إلخ) وصحيًّا. تَناسَب منتج باليستو مع هذا الاتجاه على نحو دقيق؛ فهو منتج مكوناته صحية وطبيعية ومغطًّى بالشوكولاتة. على نحو موازٍ، أعلنت وسائل التواصل الخاصة به عن منتج «صحي من الطبيعة»؛ فقد ظهر بالإعلان التليفزيوني للمنتج مزارع ومعه حصان وعربة محملة بالقمح، وظهرت بنهاية الإعلان عبارتا «منتج طبيعي طعمه مقرمش» و«طبيعي ومختلف». ولكن بعد مرور بعض الوقت، لاحظت الشركة صاحبة العلامة التجارية أنها وصلت لعدد محدود من الفئة المستهدفة من الصورة الذهنية المختارة للعلامة التجارية؛ ومن ثَمَّ لم يحقق المنتج ولا العلامة التجارية إلا نجاحًا محدودًا.

لهذا السبب، بحثت الشركة عن صورة ذهنية جديدة لمنتجها ووصلت إلى حل بسيط للغاية، وذلك بطرح سؤال يبدو بسيطًا ظاهريًّا؛ وهو: لماذا يشتري الناس قوالب الشوكولاتة في الأساس؟ وما دوافعهم لشرائها؟ ومن خلال الإجابة عن هذا السؤال، توصلت الشركة بسرعة إلى الهدف الأساسي لفئة منتجات الشوكولاتة؛ ألا وهو: الاستمتاع بالمذاق الرائع. تغيرت الرسالة الأساسية الخاصة بالمنتج من «أن تعيش حياة صحية وطبيعية مع هذه الشوكولاتة» إلى «شوكولاتة بمكونات صحية وطبيعية». أدركت مارس أن الناس لا يشترون الشوكولاتة كي يحصلوا على تغذية صحية؛ هم يشترونها من أجل الاستمتاع. هذا هو الهدف الأساسي، الذي يجب تحقيقه من خلال تناول الشوكولاتة؛ ولهذا السبب، كان من المهم التعامل مع هذا الهدف باعتباره أولوية.

كان الاتجاه هو تناول الشوكولاتة من أجل الاستمتاع، ولكنها يجب أن تكون صحية في الوقت نفسه. خدمت الصورة الذهنية الجديدة على نحو أساسي هدف الاستمتاع، لكنها أكملته على نحو مهم بالجانب الصحي. كانت النتيجة أن تضاعفت المبيعات وأصبح المنتج الأول في قطاع قوالب الشوكولاتة في السوق الألمانية على مدى بضع سنوات لاحقة. لكن عادة لا يعطي التركيز فقط على الأهداف الصريحة فرصة كافية لتمييز المنتجات بعضها عن بعض؛ فهو على سبيل المثال يشير فقط إلى منتجٍ ما يغسل أكثر بياضًا من آخر أو ينظف أفضل من آخر؛ لذا، إذا كان من الصعب توصيل تمييز مدرك على المستوى الخاص بما يمكن للأهداف الصريحة تحقيقه، فإن المستوى الضمني لا يدعم درجة الملاءمة فحسب (بتحقيق الأهداف الضمنية)، وإنما يعطي الفرصة لتمييز علامتنا التجارية ومنتجاتنا بطريقة ملائمة.

لذا، حتى نقدم أفضل عرض قيمة ممكن لعملائنا — يوفر عنصرَي الملاءمة والتمييز — علينا الجمع بين الأهداف الصريحة والضمنية. ولمعرفة كيف يمكن فعل ذلك، دعونا نتخيل أننا بحاجة لتطوير عرض لنظام فرامل جديد خاص بالسيارات. تكمن الميزة الأساسية في هذا النظام في أنه عند الحاجة ينبه السائق ويوقف السيارة. إن الهدف الصريح الذي يخدمه هذا النظام واضح: منع وقوع الحوادث بجعل السيارة تقف بسرعة. والآن ما الهدف الضمني الذي يمكن ربطه بهذا حتى نزيد من قيمة الهدف. الأمن مرشح واضح في هذا الإطار؛ فنحن نريد أن نحمي أنفسنا وعائلتنا بمنع وقوع الحوادث. ويمكن أيضًا ربط جانب الإثارة بهذه الميزة والهدف الصريح؛ فيمكننا القيادة على نحو أسرع والاستمتاع بالقيادة على نحو أكثر ديناميكية لأن النظام يتيح لنا التعامل على نحو أسرع. والاستقلالية يمكن أيضًا ربطها بهذا لأن امتلاك تلك التقنية المتقدمة يعطي الفرد أفضلية على الآخرين. وستجمع عروض القيمة الناتجة بين الأهداف الوظيفية الصريحة والأهداف النفسية الضمنية (انظر شكل ٥-٩).
fig69
شكل ٥-٩: عرض قائم على القيمة: الجمع بين الأهداف الصريحة والضمنية لإحدى سمات السيارة.

لكن الآن صار لدينا ثلاثة عروض قيمة محتملة، كيف نختار العرض الصحيح من بينها؟ هنا تظهر العلامة التجارية في الصورة. فحتى يكون عرض القيمة معقولًا ومقبولًا، يجب أن يتناسب مع العلامة التجارية؛ فبالنسبة إلى سيارة فولفو، سيكون عامل الأمن مقبولًا. ربط الإعلان التليفزيوني التالي الخاص بتقديم سمة نظام الفرامل الأوتوماتيكي المنتج بهدف الأمن. نحن نرى مختبرًا وسيارة فولفو في مسار الاختبار. يجلس المستهلكون في المقاعد الخلفية حيث يجلس الأطفال في المعتاد (وهي إشارة فعالة لعامل الأمان/الأمن). يشرح المهندس، الجالس في مقعد القيادة، ما الذي سيقومون به: سيقودون السيارة مباشرة باتجاه سيارة أخرى، ثم ستوقف سيارتهم نفسها على نحو أوتوماتيكي. يبدو العملاء خائفين قليلًا ويشبكون أيديهم معًا بقوة. يبدأ الاختبار وتوقف السيارة نفسها بفضل نظام الفرامل، ويظهر العملاء وقد بدت عليهم علامات الارتياح والشعور بالأمن.

بالنسبة إلى سيارة مرسيدس، في المقابل، عامل الأفضلية أو الأسبقية سيكون العامل الأهم، وقد ترجم هذا على نحو رائع في إعلان «حاصد الأرواح» التليفزيوني (انظر شكل ٥-١٠). يظهر بالإعلان رجل يقود سيارته المرسيدس عبر الغابة، وفجأة يجلس مَلَك الموت حاصد الأرواح بجانبه. يحدق الرجل فيه ثم يبدأ حاصد الأرواح في الضحك قائلًا له: «معذرة!» في تلك اللحظة، يبدأ نظام الفرامل في الفرملة جاعلًا السيارة تقف تمامًا أمام شاحنة كانت تسد الطريق. وبعد بضع لحظات من الصدمة، تحول السائق إلى ملك الموت قائلًا له: «معذرة.» إن هذا النظام أعطى من خلال هذه الصورة التمثيلية الرجل أفضلية ولم يتركه يموت.
fig70
شكل ٥-١٠: إعلان لسيارة مرسيدس يربط بين نظام الفرامل الأوتوماتيكي والهدف الضمني للعلامة التجارية الخاص بالأفضلية أو الأسبقية.
أتبعت مرسيدس هذا الإعلان بإعلان آخر: رجل يقود سيارته في أرجاء الغابة وفجأة يرى غزالة تقف في منتصف الطريق (انظر شكل ٥-١١). بفضل نظام الفرامل، استطاع السائق أن يقف؛ ونتيجة لهذا، بدأت الغزالة وحيوانات الغابة الأخرى ترقص مثل جون ترافولتا وهي تغني أغنية فريق «البقاء على قيد الحياة» لفريق «بي جيز».
fig71
شكل ٥-١١: إعلان آخر من مرسيدس لنظام الفرامل الأوتوماتيكي لكن هذه المرة دون إشارة لهدف ضمني.

يقدم هذا الإعلان الهدف الصريح في صورة درامية، لكن ينقصه المستوى الضمني. إنه لم يُقدَّم بطريقة توضح أن نظام الفرامل، ومن ثَمَّ مسافة الفرملة الأقصر الناتجة، مهمان لتحقيق هدفٍ ضمنيٍّ ما. من الممكن أن يرى أحد أن الإعلان مسلٍّ، وأن التسلية هدف بالنسبة إلى الناس أيضًا. بالتأكيد التسلية هدف محتمل، وهذا ما يجعلنا نشاهد التليفزيون؛ فنحن بحاجة للتسلية، لكن قيمة الهدف المدركة تعتمد على الارتباطات بين المنتج والعلامة التجارية وأهداف المستهلكين؛ لذا، فإذا كان الهدف المرتبط بالعلامة التجارية هو التسلية، فسيتعلم المخ أن يربط بين نظام الفرامل والتسلية. وهذا غير ملائم في تلك الحالة. وإذا نظرنا للأمر من هذا المنظور، فلن نتفاجأ إذا علمنا أن هذا الإعلان توقف بعد أسبوعين فقط من عرضه.

***

عروض القيمة تقدم أعلى قيمة للمستهلك عندما تجمع بين الأهداف الصريحة والضمنية.

أهم النقاط الواردة في هذا الفصل

  • التقييم القائم على الأهداف هو أعقد وأهم مستوًى للقيمة في العقل البشري، وهو مفهوم أساسي في رحلتنا للإجابة عن السؤال التالي: لماذا نشتري ما نشتريه من منتجات؟

  • العلامات التجارية والمنتجات وسيلة لغاية، وتلك الذرائعية في تحقيق الأهداف هي القوة الدافعة الحقيقية لها.

  • الذرائعية الخاصة بالعلامات التجارية للمساعدة في تحقيق الأهداف تقوم على الارتباطات المكتسبة بين العلامات التجارية والأهداف. تلك الارتباطات تثير توقعات تحدد قيمة الهدف المتوقعة لعلامةٍ تجاريةٍ ما، وتقوم القرارات الخاصة بالشراء على قيمة الهدف هذه.

  • هناك مستويان لقيمة الهدف: الصريح والضمني. فحتى نعظم قيمة الهدف، يجب ربط العلامات التجارية بالمستويين الصريح والضمني. وتقدم عروض القيمة أعلى قيمة للمستهلك عندما تربط بين الأهداف الصريحة والضمنية.

ما يعنيه لنا هذا باعتبارنا مسوقين

  • حتى يكون لأي استراتيجية — بدءًا من تحديد السوق وبناء الصورة الذهنية للعلامة التجارية في أذهان المستهلكين والبحث والتطوير وتجزئة السوق — تأثير قوي على المبيعات، يجب أن تُستقى تلك الاستراتيجية من الأهداف المهمة للمستهلكين؛ فتحديد وفهم تلك الأهداف في أي سوق يتيح لنا تقييم مدَى مناسَبة استراتيجيتنا الخاصة بالصورة الذهنية لعلامتنا التجارية؛ كم عدد المستهلكين الذين يكون هدف ما هو المحرك الأساسي وراء شرائهم لفئة المنتجات خاصتنا؟

  • أساس الملاءمة هو خدمة الأهداف الصريحة الرئيسية في السوق على الأقل كما يفعل المنافسون. إن وجود ارتباطات قوية مع الأهداف الصريحة يمنحنا القدرة على الاستمرار في سوق أي فئة منتجات. وهناك قاعدة عامة تقول إن العلامة التجارية التي تخدم على أفضل نحو الهدف الصريح الأساسي في الفئة التي تنتمي إليها، ستكون هي الرائدة في السوق الخاصة بها.

  • إذا لم يكن بالإمكان التميز اعتمادًا على الأهداف الصريحة، يوفر مستوى الأهداف الضمنية فرصة لذلك. وبالقيام بهذا، يجب أن تدعم الأهداف الضمنية المحددة درجة الملاءمة وتضمن التمييز المناسب.

  • يتكون أي عرض أو طرح قيمة من ربط بين الأهداف الضمنية والصريحة (على سبيل المثال، يوقف نظام فرامل أوتوماتيكي السيارة بسرعة أكبر بحيث يعطي السائق الأفضلية أو الأسبقية). إن الربط بين الأهداف الضمنية والصريحة ليس عشوائيًّا: تجربة المنتج بالكامل هي التي تحدد الأهداف الضمنية التي يمكن على نحو معقول الربط بينها وبين الهدف الصريح.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١