جحا العاقل وجحا المغفل

لا يخلو أدب من فكاهة.

وليست الفكاهة سوى النقد الملتوي، النقد الشرز، الذي ينظر في غير مواجهة، إما حياء وإما خوفًا، ليقول الكلمة الحاسمة أو المشككة التي تجعلنا نقف ونتردد وقد نغير رأينا السابق إلى رأي جديد.

الفكاهة هي نقد مع الابتسامة الساخرة، وقد نضحك بل أحيانًا نقهقه، بدلًا من أن نبتسم.

والفكاهة هي في كل حال حالة تفريج؛ ذلك لأننا نثور بها على العقيدة العامة بشأن الأشياء والناس.

واعتقادي أن الرجل الذي يرضى عن نفسه ووسطه، ولا يجد في نفسه كظمًا أو غيظًا، لا يعرف قيمة الفكاهة؛ لأنه لا يحتاج إلى التفريج، والبرهان على هذا أننا نجد فكاهة ينطق بها أحدنا أمام خمسة أو ستة من الأشخاص، فيضحك أحدهم في قهقهة عالية، ويسخر ثانيهم في ابتسامة صامتة، وينفر ثالثهم كأنه سمع عجرًا، ويعجز الرابع عن فهمها، ويصمت الخامس متعجبًا من حكمتها.

وهذا الاختلاف يدل على اختلاف نفسي وتفاوت في النظرة العامة وفي الآراء الاجتماعية، ونحن حين نضحك من الفكاهة إنما نفرج بها عن ضيق شخصي، ونجد في هذا التفريج ما يشبه الانتقام أو الثأر من حال لا نطيقها قد فرضها علينا المجتمع، ولذلك نستطيع أن نقول: إن للفكاهة الحسنة قيمة علاجية أو دوائية للنفس الكاظمة، وأية نفس لا تكظم؟

ولشخصية جحا مقام أثيل في الأدب، هو شخصية أخرى غير جحا العامة، جحا الأدباء رجل عاقل حكيم تخرج فكاهاته كما لو كانت فقاقيع الحكمة، أما جحا العامة فهو رجل مغفل يكاد لعاب البلاهة يسيل من فمه، لا ترتفع فكاهته إلى مقام النكتة، ولا يضحك منها غير السذج الذين لم تتكون عندهم حاسة النقد أو على الأقل تمتد سباته.

وهاتان الشخصيتان، جحا العاقل وجحا المغفل، تدلان على تعدد الأصل لهذه الفكاهات التي تعزى إلى ما نسميه «جحا»، والتفسير لهذه الظاهرة يمكن أن نصل إليه بأن نفرض أنه كان هناك رجل عاقل يرسل كلماته نكات حكيمة خفيفة كأنها فقاعات، فلما طارت شهرته صارت تعزى إليه فكاهات أخرى لا تبلغ مستواه ولكنها تنحو نحوه، ثم انحدرت هذه الفكاهات إلى العامة فتشممت الحشيش الذي خيمت أبخرته على العقول، وخدرتها، فكانت هذه الكلمات البلهاء التي نقرأها ويقال لنا: إنها من صنع جحا.

ولما ساد الأتراك على الشعوب العربية أخذوا جحا معهم فيما أخذوه من كنوز العرب، فجعلوه «خوجا» وعزوا إليه نكات وفكاهات تدل على حكمته أو على تغفله، ولكن ليس هناك شك في الأصل العربي لجحا، وفي أنه كان حكيمًا قبل أن تنمو على اسمه، وتستغل شهرته فكاهات سخيفة لا يمكن أن تعزى إلا إلى الحشاشين، ونحن هنا إزاء شخصية اختلطت بروايات التاريخ الصحيحة والكاذبة، كما حدث لشخصية أبي نواس على النظم فوق المستوي، ولكن روحه كانت فاسقة، فأضاف إليه التاريخ بعد موته عشرات أو مئات من القصص التي تجري مجرى فسقه، ولكنها لا يمكن أن تكون صحيحة؛ لأنها كانت على الدوام دون مستواه في الشعر.

كان جحا العاقل يقول حين سأله أحدهم: أيهما أفضل يا جحا؟ المشي وراء الجنازة أم أمامها؟ فقال جحا: لا تكن على النعش وامش حيث شئت.

وكان عاقلا أيضًا حين كان أحدهم يغتسل في بحيرة وسألوا جحا: إذا أراد الإنسان أن يغتسل فإلى أي جهة يجب أن يوجه وجهه؟ فقال جحا: يوجه وجهه إلى الجهة التي فيها ثيابه.

ومثل هاتين النكتتين يمكن أن نجدهما عند الجاحظ أو أي أديب عظيم، ولكن جحا المغفل، الحشاش، الذي ظهرت نكاته بعد وفاة جحا الأصلي بقرنين أو ثلاثة قرون، ينطق بالسخف الذي يضحك الفارغين والسذج، فمن هذا مثلا:

ورث جحا نصف دار عن أبيه، فقال: أبيع حصتي من الدار وأشتري الباقي، فتصير الدار كلها لي.

وأيضًا: أكل يومًا مع قوم رؤساء، فلما فرغ من الطعام دعا للقوم فقال: أطعمكم الله رءوس أهل الجنة.

وسمع قائلًا يقول: ما أحسن القمر، فقال: أي والله خاصة بالليل.

وتوضأ يومًا ولم يكف الماء رجله اليسرى، فلما قام يصلي وقف على رجله اليمنى ورفع اليسرى، فقيل له: لماذا فعلت ذلك؟ قال: طروف رجلي هذه غير متوضئة.

•••

وقد قلت: إن النكتة السخيفة تضحك الفارغين والسذج، ولكننا نحب أحيانًا شيئًا من الغفلة نرتاح إليه.

اعتبر هذه النكتة الفرنسية:

كان أحدهم يسير في حقل، فرآه كلب فنبح، وعدا خلفه، وخاف الرجل فعدا أيضًا، ورآه آخر فقال له: لا تخف، ألا تعرف المثل الذي يقول: إن الكلب النابح لا يعض. فقال الرجل: أنا أعرف المثل، ولكن هذا الكلب لا يعرفه.

من منا لا يضحك على هذا السخف، وأيضًا من منا لا يضحك بعشرات النكات السخيفة التي عزيت إلى جحا؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤