سيتي الأول

كان «سيتي الأول» بن «رعمسيس الأول» يدعى «سيتي مرنبتاح» على الآثار، وكانت أمه تُدعى الملكة «ساترع»، ولم يكن «سيتي» بطبيعة الحال من دم ملكي مثل والده، الذي تدل الآثار حتى الآن على أنه لم ينجب غيره، وتدل الأحوال على أن والده كان قد أنجبه وهو في ريعان الشباب ومقتبل العمر، وتاريخ حياته يشعرنا بأنه كان قد ترسم خطَى والده في مجال حياته؛ فقد انخرط في سلك الجندية، وبلغ فيها درجة عالية، كما تحدثنا بذلك لوحة أربعمائة السنة، ومنها نعلم أنه قد حاز الألقاب التالية (راجع الجزء الرابع): الأمير الوراثي، وعمدة المدينة، وحامل المروحة على يمين الفرعون، ورئيس الرماة، والمشرف على البلاد الأجنبية، والمشرف على حصن «ثارو» (تل أبو صيفة الحالي)، ورئيس «المازوي» (الشرطة في الصحراء)، والكاتب الملكي، والمشرف على الخيالة، ومدير «عيد كبش منديس» (تل الربع الحالي)، والكاهن الأول للإله «ست»، والكاهن المرتل للإلهة «بوتو»، والمشرف على كل كهنة الآلهة «سيتي» المرحوم. ولا نزاع في أن لقب الكاهن الأول للإله «ست» يعد برهانًا على أن الأسرة التاسعة عشرة المالكة لعرش الفراعنة كان موطنها مقاطعة «ستوريت» من أعمال الدلتا كما سبق شرح ذلك. ولما كان الإله «ست» لا ينظر إليه بعين الرضى في مصر كلها لم يحاول «سيتي الأول» أن يجبر رعاياه على عبادة إلهه المحلي، ومن أجل ذلك اختار الإله «بتاح» من بين الآلهة الشماليين، وضمه لاسمه؛ فأصبح يدعى «سيتي مرنبتاح» (أي سيتي محبوب بتاح) أما اسم هذا الملك — العلم المركب من لفظة «ست» وياء النسب «سيتي»، ومعناه: المنسوب للإله «ست» إله الشر كما ذكرنا من قبل — فقد غيَّره في كثير من الأحيان، وبخاصة في «العرابة المدفونة» إلى اسم «أوزيري»، ورسمه بكلمة تدل على «أوزير»، وبعلامة؟ تنطق «ثث» بدلًا من صورة الإله «ست»، غير أن «سيتي» لم يقم بأي تغيير رسمي في كتابة اسمه كما فعل «إخناتون»، بل اكتفى برسم اسمه بإحدى الطريقتين السابقتين على حسب ما تتطلبه الأحوال، وحسن الذوق، وبخاصة عندما لا يستحب كتابة صورة الإله «ست» على آثار مهداة للإله «أوزير».

fig3
شكل ١: الملك سيتي الأول (المومية).

(١) سياسة «سيتي الأول»

عرفنا مما سبق ذكره أن «سيتي الأول» كان شريكًا لوالده في الملك، وكان في هذه الفترة يناهز الأربعين من عمره، وتدل ألقابه على أنه كان جنديًّا مجرَّبًا، وإداريًّا حازمًا؛ ولذلك كان الرجل الذي تتطلبه مصر في تلك الفترة من تاريخها.

وفي الحق كان «سيتي» منذ باكورة حكمه يسير على نهج قويم واضح لا عوج فيه، متبعًا في ذلك تلك السياسة الرشيدة التي وضع أسسها «حور محب»، وهي التي كانت تهدف لإعادة سيادة مصر، والقضاء على كل رذائل عهد الزيغ المنصرم؛ ولذلك نجد أن كل عمل من أعمال عهده أساسه هذا الاتجاه، فكان يرى أنه لا بد لمصر إذا أرادت إعادة مكانتها الغابرة في العالم المتمدين من أمرين، هما: حكومة ثابتة موطدة الأركان في الداخل، وإعادة فتح إمبراطورية مصر التي كانت قد مزقت أوصالها شر ممزق. وقد رأى «حور محب» بثاقب نظره أنه لا بد من تحقيق الأمر الأول قبل الشروع في القيام بالثاني، وقد أفلح «حور محب» فعلًا في إعادة النظام إلى ربوعه في داخلية البلاد، فلما تولى «سيتي الأول» وجد داخلية البلاد ثابتة الأركان؛ فسهل عليه ذلك القيام بتنفيذ الجزء الثاني من منهاج الإصلاح الذي كان يرمي إلى إعادة مجد مصر الإمبراطوري.

ولا يبعد أن تكون سياسة البلاد الحربية كانت قد بدأت فعلًا في عهد «رعمسيس الأول» إذا فهمنا العبارة التي جاءت على لوحة «حلفا»، وهي التي تشير إلى العبيد والإماء الذين أسرهم جلالته بما تدل عليه في ظاهرها، أي إن «رعمسيس» قد استولى على هؤلاء العبيد والإماء من بلاد النوبة في حروب وقعت حقيقة. ويدل وجود اسم «سيتي الأول» ولقبه المكتوبين في نهاية هذا المتن على أنه كان حاضرًا في بلاد النوبة بوصفه مشتركًا في الملك مع والده، ومنفذًا لأوامره في تلك الجهة، هذا فضلًا عن أنه هو الذي كان يقوم بأعباء الحروب والقيادة مدة حكم والده، كما تدل على ذلك ألقابه الحربية.

(٢) حروب سيتي الأول

كانت أهم المصادر التي في متناول المؤرخ عن حروب «سيتي الأول» حتى عهد قريب تنحصر في سلسلة المناظر التي خلفها لنا على الجدار الشمالي الخارجي لقاعة العمد بمعبد الكرنك،١ وتمتد رقعة هذه النقوش شرقًا على واجهة الجدار الشرقي من نفس هذه القاعة، وهذه المناظر تُعد من أقدم مناظر المواقع الحربية التقليدية التي مثلت أمامنا تمثيلًا صادقًا، وهي في الواقع من الذخائر الفنية التي خلفتها لنا مصر القديمة، ويبدو أن الغرض من هذه المناظر كان دينيًّا قبل كل شيء؛ ولذلك ينقصها الشيء الكثير من الوجهة التاريخية، وهي تصور لنا باختصار وإبهام على أقل تقدير ثلاث حملات عظيمة قام بها «سيتي الأول»؛ الأولى: حربه التي شنها على «شاسو» (البدو). والثانية: على اللوبيين. والأخيرة: على بلاد «خيتا». ولم نجد من هذه الحروب مؤرخًا إلا الحملة التي قام بها على «الشاسو» (البدو) في العام الأول من حكمه.

وإذا ألقينا نظرة فاحصة على هذه المناظر التي نحن بصددها وجدناها — كما قلنا — لا توضح لنا حروب «سيتي الأول» من الناحية الفنية، بل من الناحية الدينية على وجه عام، وهذا ما نشاهده في توزيع المناظر على جدران المعبد؛ فنجد — مثلًا — الحوادث المختلفة التي وقعت في أثناء القتال قد صورت في مناظر متلاحقة متتابعة — لا وحدة مجتمعة كما سنشاهد في موقعة «قادش» في حروب «رعمسيس الثاني» — ينتهي كل منها عند باب المعبد؛ حيث تشاهد آخر صورة مثل فيها الفرعون يضحي بالأمراء الأسرى في حضرة «آمون» الذي ينسب إليه الفرعون انتصاراته؛ ولذلك يقدم له الغنائم التي عاد بها من حروبه المظفرة، وهذا هو نفس ما شاهدناه في حروب «تحتمس الثالث» منذ ثلاثين ومائة سنة مضت تقريبًا؛ إذ كان على الإله أن يمنح الفرعون القوة ليتغلب بها على الأعداء، وفي مقابل ذلك كان على الفرعون أن يقدم له الأسرى والغنائم التي غنمهما.

ولا نشك في أن «سيتي الأول» كان يقلد «تحتمس الثالث» في كل شيء عن قصد لا عفو الخاطر؛ إذ سنرى بعد أن «سيتي الأول» كان يسير في وضع خططه الحربية عند القيام بحملاته على النهج الذي سار عليه «تحتمس الثالث؛ ولذلك نلحظ في الحال أن غرض «سيتي الأول» من حروبه في آسيا هو السيطرة التامة على موانئ الساحل الفينيقي، وتوثيق الصلة البحرية بين موانئ هذه البلاد ومصر، وبهذه الوسيلة كان في مقدوره أن يضمن وصول المؤن والنجدات في الحملات المقبلة التي تكون مرساها ساحل «فينيقيا» وموانيها، وهي التي تكون بمثابة قواعد حربية يمكنه أن يتحرَّك منها وإليها في داخل سوريا، وبخاصة إلى نهر «الأرنت». والواقع أننا نجد «سيتي» قد ترسم خطى «تحتمس الثالث» وتفاصيلها خطوة فخطوة، فكانت أول حملة قام بها في شمالي فلسطين مثل الحملة التي قام بها «تحتمس الثالث»، وكذلك نجده قد اخترق شمالي فلسطين على غرار الفاتح العظيم، وأخضع لبنان، وأخيرًا أخضع شاطئ «فينقيا» تمهيدًا لمهاجمة «قادش» مقلدًا كذلك «تحتمس».

(٢-١) حالة البلاد الداخلية والخارجية قبل حروب «سيتي الأول»

إن حالة الفوضى المحزنة التي كانت تسود داخلية البلاد بعد الثورة التي قام بها «إخناتون» قد عاقت البلاد بطبيعة الحال زمنًا عن القيام بأي عمل جدي لإعادة الإمبراطورية المصرية في آسيا بوجه خاص، ولا نزاع في أن «حور محب» الذي وقع عليه عبء إعادة بناء الإمبراطورية من جديد في الداخل والخارج بوصفه القائد الأعلى لجيوش الملك الشاب «توت عنخ آمون» قد سار على رأس حملة إلى فلسطين، كما يدل على ذلك نقش قد يرجع إلى هذا العهد فقط؛ إذ يقول فيه هذا القائد: «إنه كان يحرس قدمي سيده في ميدان القتال يوم ذبح الأسيويين»،٢ وكذلك نعلم أن «توت عنخ آمون» نفسه كان يطارد الأعداء الأسيويين في عربته، كما نشاهد ذلك على جدران صندوقه٣ الملون الذي عُثر عليه في قبره، وكما نشاهد «حوي» نائب الفرعون في بلاد «كوش» يقدم له الأسيويون والنوبيون جزية،٤ غير أنه يشك كثيرًا فيما إذا كانت مصر قد استردت جزءًا يُذكر من أقطارها المسلوبة ولو مؤقتًا؛ لأن الأحوال الداخلية في البلاد كانت لا تسمح بحملة عظيمة مجهزة بكل ما يلزم في هذه الجهات خلال تلك الفترة الحرجة من تاريخ البلاد، وبخاصة إذا علمنا أن دولة «خيتا» قد أضحت ذات قوة؛ ولذلك كان من المحتمل جدًّا أن تكون هذه حملة رمزية فقط أرسلت لتثبيت مركز مصر الإمبراطوري، كما كانت في الوقت نفسه علاجًا وقتيًّا لإنعاش الروح القومي الذي خبت ناره في الخارج. ولمَّا تولى «حور محب» نفسه عرش البلاد لم يوجه قوته للحروب الخارجية، بل سلطها على إعادة النظام، وسن القوانين الرادعة، ولا نعلم حروبًا حقيقية قام بها إلا حملة سار على رأسها لإخماد عصيان شب في بلاد النوبة كما أسلفنا.
أما قائمة البلاد المغلوبة التي دونها على جدران معبد الكرنك،٥ وتشمل بينها اسم بلاد «خيتا»؛ فيجب أن نعدها تقليدًا من التقاليد التاريخية التي انتهجها ملوك مصر مَن قبله ومن بعده، وحقيقة الأمر أن مصر لم تكن في حالة تسمح لها بالدخول في حروب طاحنة، وبخاصة مع بلاد «خيتا»؛ ولذلك كان من الجائز أن هذه القائمة تشير إلى الحروب التي شنها هذا القائد في عهد «توت عنخ آمون»؛ أي قبل توليته الحكم، هذا إلى أن «رعمسيس الأول» كان مسنًّا — كما علمنا، ولم تمتد به سنون حكمه أكثر من عامين؛ ولذلك كان «سيتي الأول» الذي اشترك معه في الحكم في تلك الفترة يعد العدة ليعيد للبلاد إمبراطوريتها عندما ينفرد بالحكم.

(٢-٢) حروب مصر مع الشاسو البدو

من أهم الوثائق التي بقيت لنا منقوشة على جدران معبد الكرنك المتن الذين يحدثنا عن السبب المباشر الذي حدا بالفرعون «سيتي الأول» لمهاجمة قبائل «شاسو» (البدو) الأسيويين في فلسطين. والظاهر أن الموقف الذي كان يواجهه هذا الفرعون في فلسطين كان موقف خداع ومناجزات كالذي صادفناه في خطابات «تل العمارنة»، وبخاصة تلك التي كتبها «عبدي خيبا» صاحب «أورشليم»، وقد نوَّه عنها في نقوش مقبرة «حور محب»،٦ وقد كان للعبرانيين في الحركة التي قام بها هؤلاء البدو ضلع؛ إذ كانوا يسعون لتوطيد أقدامهم في فلسطين، وكان هؤلاء البدو المغيرون قد انتهزوا من جانبهم الفرصة للتخلص من البقية الباقية من تسلط مصر على بلادهم. وقد وصلت التقارير إلى «سيتي» بأن الثورات قد اندلع لهيبها، وأن قوانين القصر الفرعوني قد أصبحت لا قيمة لها، وهاك الوثيقة التي تحدثنا عن الموقف فاستمع لما جاء فيها:
السنة الأولى٧ من عهد مجدد الولادة، ملك الوجه القبلي والوجه البحري، رب الأرضين «من ماعت رع» معطي الحياة: لقد أتى إنسان ليخبر جلالته أن الشاسو الخاسئين قد دبروا العصيان، فقد تجمع رؤساء قبائل سوريا معلنين العصيان على أسيويي «خارو»، وقد أخذوا في السلب والنهب والشجار إذ يقتل الواحد منهم جاره، وعصوا قوانين القصر، وقد كان قلب جلالته — له الحياة والفلاح والصحة — فرحًا بسبب ذلك. تأمل، فإن الإله الطبيب كان قلبه مبتهجًا ليبتدئ الواقعة، وفرحًا ليدخل غمارها، وكان لبُّه مرتاحًا عند رؤية الدماء تسيل، وقطع رءوس عصاة القلوب؛ وأنه يحب ساحة الواقعة أكثر من حبه ليوم فرح، وقد قضى عليهم جلالته دفعة واحدة، فلم يترك ساقًا واحدة منتصبة بينهم، ومن فرَّ منهم حيًّا كانت تحمل يده إلى مصر (كان الأسرى تقطع أيديهم).

ونعلم من جهة أخرى من نقوش الكرنك أن حملة السنة الأولى سارت في ثلاث مراحل رئيسية؛ الأولى: هي زحف الجيوش من ثارو (تل أبو صيفة) إلى «باكنعان» لمنازلة «الشاسو»، الذين كانوا يسكنون الإقليم الواقع بين مصر و«كنعان»، وقد كان من الطبعي أن يخضع هذا الإقليم أولًا قبل القيام بأي تقدم في داخل فلسطين، ومن أجل ذلك كانت أول خطوة في سبيل الوصول إلى ذلك هي الاستيلاء على «باكنعان».

والمرحلة الثانية في سير هذه الحملة كانت الاستيلاء ثانية على إقليم «رتنو» العليا، وهو إقليم يمتد ما بين شمالي جبال الكرمل، وأعالي نهر الأردن، ولم تمدنا نقوش الكرنك بأية تفصيلات غير الاستيلاء على حصن «ينعم»،٨ وخضوع رئيس بلاد لبنان.

وقد كشف حديثًا الأثري «فشر» عن لوحة في «بيت شان» (بيسان الحالية) عام ١٩٢٣ ميلادية، ولحسن الحظ تمدنا بتفاصيل هامة عن هذه المرحلة من الحملة التي قام بها «سيتي»، وسنتحدث عنها فيما بعد. أما المرحلة الثالثة من هذه الحملة؛ فإنها على حسب ما جاء في نقوش الكرنك تصف لنا عودة الفرعون مظفرًا منتصرًا بجيشه إلى أرض الكنانة، كما تصف لنا تضحيته الأسرى أمام الإله الأعظم «آمون رع».

طريق سيتي إلى فلسطين

وسنتبع سير الحملة خطوة فخطوة هنا بقدر ما تسمح به المعلومات التي في متناولنا، فنجد أولًا أن «سيتي الأول» قد بدأ سيره لمقاتلة أعدائه من «الشاسو» من بلدة «ثارو» الواقعة على الحدود الشرقية لمصر، وهذه البلدة كانت القلعة التي يشرف على إدارتها «سيتي» قبل أن يتولى عرش الملك، ولا يسع الإنسان هنا إلا أن يرخي لخياله العنان الآن عندما يتصور أمامه حماس الجنود القدامى الذين لا يزالون في هذه القلعة، وهتافاتهم الحارَّة عندما يشاهدون زميلًا قديمًا رئيسًا أعلى للجيش الذي جاء لقهر الثوار، بل أصبح الملك المتوج على البلاد كلها، وقد وضع بنفسه الخطط لإعادة مجد البلاد، ولنشر سلطانها الإمبراطوري بعد أن كان قد زال من عالم الوجود تقريبًا.

طريق الفرعون إلى فلسطين

وعندما نفحص نقوش الكرنك فحصًا دقيقًا نستطيع أن نتأثر بوضوح الطريق التي سار فيها «سيتي» عندما بدأ حملته إلى فلسطين ثم العودة منها، والواقع أن المناظر التي صورها لنا «سيتي» عن سيره إلى هذه الجهات تتألف من مشاهد حيوية تمثل الحوادث الهامة في هذه الحروب، ولكن المفتن فضلًا عن ذلك قد حشر بين تلك المشاهد أشكال الحصون التي كان يقف عندها الفرعون لأخذ المدد وللسقاية، وقد نظِّمت صورها تنظيمًا طوبوغرافيًّا متقنًا، وفي استطاعتنا تحقيق بعض هذه الأماكن وتوحيدها ببعض الأماكن التي لا تزال موجودة حتى الآن، ومن ثم يمكننا أن نعلم شيئًا عن هذه الطريق القديمة التي كانت تربط مصر بفلسطين، والواقع أنها تخترق الصحراء الجرداء القاحلة التي لا زرع فيها ولا ضرع، الواقعة في شمالي شبه جزيرة سيناء، جنوب بحيرة «سربونيس»، وهذه الصحراء إقليم لا يسكنه أحد إلا فئة قليلة من العرب الرحل.

وقد وصفت هذه الطريق بأنها أقدم طريق في العالم، ولا نزاع في أننا إذا عددنا الحوادث التاريخية التي وقعت فيها قصصنا بذلك تاريخ الشرق الأدنى كله. ومما تجدر ملاحظته هنا أن هذه الطريق التي كان يسلكها الفراعنة لغزو فلسطين، ثم العودة منها إلى مصر هي نفس الطريق التي استعملت لنفس الغرض في الحرب العالمية الكبرى (١٩١٤–١٩١٨ ميلادية)، وهي تمتد شرقًا من «ثارو» حتى «رفح»، وقد وصفت هذه الطريق، فضلًا عما جاء في نقوش الكرنك، في فقرة من فقرات ورقة أنسطاسي الأولى (راجع كتاب الأدب المصري القديم الجزء الأول ص٣٨٩)، وقلعة «ثارو»، أو طريق «حور»، كما كان يسمى أحيانًا قد صوِّرت في نقوش الكرنك بمثابة محط محصن واقع على ضفتي قناة تسمى «الفاصلة»؛ لأنها تفصل مصر عن الصحراء الحقيقية، وقد رُسمت القناة بشاطئيها اللذين نبتت عليهما الأعشاب تمرح في مائها التماسيح. وتتألف القلعة من جهة مصر من سياج مستطيل الشكل، تكنفه مبانٍ من الشمال والجنوب، وله بابان: أحدهما في الشرق، والآخر في الغرب، ويؤدي الباب الشرقي إلى قنطرة فوق القناة. ورسم القنطرة هنا يلفت النظر جدًّا عندما نذكر أن الاسم الحديث لهذه البلدة هو «القنطرة» (ثارو)، وعلى ذلك لا يبعد أن هذا الاسم الحديث يرجع أصله إلى عهود سحيقة في القدم.

وأول محط بعد القنطرة قلعة مستطيلة الشكل تحتوي بركة مستطيلة تظللها الأشجار تسمى «عرين الأسد»،٩ ولفظة الأسد هنا تشير إلى «سيتي الأول»، وقد سُمي هذا المكان بعينه «مسكن سسي» (وهو لقب كان ينادى به «رعمسيس الثاني») أو مسكن «رعمسيس» محبوب «آمون»، ويظنُّ الأستاذ «جاردنر» أن هذا المكان هو «تل حابو» الحالي، ويلي «عرين الأسد» قلعة صغيرة بالقرب من بركة أو بئر صغيرة يطلق عليها اسم «مجدول من ماعت»، وكلمة «مجدول» معناها في السامية؛ البرج، وقد استعمل المصريون هذه اللفظة في لغتهم منذ الأسرة الثامنة عشرة. وقد وحَّد الأستاذ «جاردنر» هذا الحصن «بتل الحر» الحالي، ويلي «تل الحر» هذه حصن صغير آخر له بئر تظللها الأشجار، ويطلق عليه اسم «بوتوسيتي مرنبتاح»، ويسمى في ورقة أنسطاسي «بوتوسسي»، ويظنُّ «جاردنر» أن هذا المكان يمكن توحيده «بالقاطية» الحالية؛ حيث نجد خمائل نحيل عظيمة، ويلاحظ أن هذا المكان في نقوش الكرنك قد ظُلل بالأشجار الباسقة.
ونشاهد كل هذه الأماكن المحصنة في المناظر التي ظهر فيها «سيتي الأول» بعد عودته منتصرًا من حروبه المظفرة إلى مصر. أما الأماكن التي سنورد أسماءها هنا فيما يلي فهي التي تتم الطريق من مصر إلى فلسطين، وقد وجدت في نفس المنظر على جدران الكرنك حيث نرى «سيتي» منهمكًا في حومة الوغى مع الأسيويين أعدائه؛ غير أنه لم يمكن توحيدها بأماكن حديثة، ومما يلحظ هنا أن الحصون كان بعضها مميزًا عن بعض من جهة الحجم وتفاصيل المباني، كما ميزت كذلك البرك بعضها عن بعض بميزات خاصة؛ مما يدل على أن المفتن كان يمثل مناظر حقيقية أمامه ليس فيها للخيال مجال. فنجد مثلًا أنه كتب تحت بطن جواد «سيتي الأول»، وهو في ساحة القتال اسم قلعة وبركة يطلق عليهما حصن «من ماعت رع المسمى … في حمايته.» والواقع أنه توجد عدة حصون تحمل أسماء ملوك الأسرة الثامنة عشرة، ويظن «جاردنر» أن واحدة منها، وهي قلعة «مرنبتاح الذي ينعم في الصدق» يمكن توحيدها بالقلعة السالفة الذكر، وكذلك نقش تحت السيقان الأمامية اسم حصن صغير يدعى «البلد الذي أقامه جلالته جديدًا»، ومن الجائز أن هذا البلد كان مخرَّبًا وبناه «سيتي الأول» من جديد، وإذا كان هذا الزعم صحيحًا فإن كل الحصون السالفة الذكر كانت موجودة في حالة خراب، ولكن «سيتي الأول»١٠ قد أعاد بناءها وسماها باسمه، كما شاهدنا ابنه يفعل بالحصون السالفة فيما بعد، وهي التي قد سماها باسمه بعد وفاة والده. أما البئر التي بجوار الحصن الأخير فتسمى بئر «إب سقب»، وقد ذكرت لنا ورقة «أنسطاسي» عند هذه النقطة من الطريق مكانًا يدعى «سب إيل»، ثم شفعته باسم «إب سقب»، ومن ثم يمكن أن تكون «سب إيل»، اسم بلدة أقامها «سيتي الأول»، أو أعاد بناءها. ويأتي بعد ذلك قلعة ضخمة وبئر، ويظن «جاردنر» أنها تدعى «عنن»، وقد جاء ذكرها في ورقة «أنسطاسي». ويلفت النظر أن اسم محط المياه الذي يلي قد ذُكر له اسمان يدلان على البئر فقط؛ فالاسم الأول: هو «بئر من ماعت رع عظيم الانتصارات»، والثاني: «البئر الحلوة». وبعد ذلك تصادفنا لأول مرة أسماء أماكن ليست على الطريق السورية مباشرة، وعندما نعود إلى الطريق الأصلية نجد حصنًا صغيرًا جدًّا يدعى «بئر من ماعت رع»، وماء يدعى ماء «نخس الأمير»، والمكان الأخير يقابل «نخس» التي ذُكرت في البردية، وهو آخر مكان قبل الوصول إلى «رفح».
ويبلغ طول هذه الطريق من «القنطرة» حتى «رفح» نحو عشرين ومائة ميل، وقد حُفرت على طولها آبار في عهدنا الحالي على مسافات تتراوح بين خمسة وستة أميال، وقد وقعت الواقعة بين المصريين و«الشاسو» على طول هذه الطريق. وتلخص لنا النقوش السياحة من «ثارو» إلى «رفح» كما يأتي:١١ «السنة الأولى من حُكم ملك الوجه القبلي والوجه البحري «من ماعت رع»، التخريب الذي ألحقه سيف الفرعون البتار (له الحياة والفلاح والصحة) بالشاسو الخاسئين من قلعة «ثارو» حتى «باكنعان»، عندما سار جلالته نحوهم مثل الأسد المفترس العين، وصيرهم أشلاء في الوديان مخضبين بدمائهم كأن لم يغنوا بالأمس. وكل من أفلت من بين أصابعه يقول: إن قوته على الممالك النائية هي قوة والده «آمون» الذي كتب له الشجاعة المظفرة في الممالك الأجنبية.»

المرحلة الثانية من الحرب

بعد أن غرس «سيتي الأول» الخوف من مصر في قلوب قبائل «شاسو» مما أمَّن له الطريق ذهابًا وإيابًا من مصر إلى فلسطين، بدأ المرحلة الثانية من مراحل حملته على ثوار فلسطين وعصاتها، وتحدثنا نقوش الكرنك وقوائم البلاد المقهورة التي خلفها لنا هذا الفرعون على أنه بعد أن اخترق جبال «الكرمل» استولى على مدن «باهيريا» و«بيت شائيل» و«حماة» و«رحوبو» و«ينعم»، وقد رأينا المدينة الأخيرة مصوَّرة تحوطها غابة، واللوحة التي عثر عليها «فشر» توضح لنا في بيان بعض تفاصيل هامة عن هذه المواقع السالفة الذكر، وهذه اللوحة تُعد أحدث الآثار القليلة التي تمدنا ببعض معلومات حقيقية عن حملة حربية بالمعنى الصحيح في تلك الأزمان السحيقة في القدم، فتحدثنا هذه الوثيقة أولًا أن الرأس المحرِّك لهذه الاضطرابات أمير بلدة «حماة» إذ قد استولى على مدينة «بيت شائيل»، وانضم إلى ولاية «باهيريا»، وأخذ في إثارة القلاقل في الأقاليم المجاورة، ومن أجل ذلك عقد «سيتي الأول» العزم على القيام بضربة حاسمة يحصل بها على انتصار سريع فاصل يقضي به على الثورة قضاء مبرمًا؛ ولذلك أرسل فيالقه الثلاثة التي سُميت بالتوالي بأسماء الآلهة: «آمون» و«رع» و«ستخ»؛ ليقوموا بالهجوم في وقت واحد على المدن الثلاث الثائرة، وبعد حرب دامت يومًا واحدًا انتصر الجيش المصري انتصارًا باهرًا، وهاك متن اللوحة، فاستمع لما جاء فيه: «السنة الأولى،١٢ الشهر الثالث من فصل الصيف، اليوم العاشر من الشهر من عهد حور الملك الثور القوي المشرق في طيبة … ملك الوجه القبلي والوجه البحري، من ماعت رع بن رع سيتي مرنبتاح معطي الحياة … وأن افتخارات أقوامهم عظيمة، وكل الأجانب تقول إنا نهاجم (؟) الممالك، ورؤساؤهم يقولون إلى أي قدر نحن مسوقون (؟) فإنهم آمنون من جهة ذلك، ولكن أصحاب الألباب اليقظة يقولون: ليتهم يعون في قلوبهم قوة والده آمون الذي يقرر له — أي الفرعون — القوة والظفر.» وبعد هذه المقدمة المهشمة يأتي الجزء الخاص بالحرب، وهو:

لقد حضر هذا اليوم إنسان ليخبر جلالته أن العدو الخاسئ الذي كان في بلدة «حماة» قد جمع لنفسه نفرًا عظيمًا، وهو يهاجم بلدة «بيسان»، واتحد مع أهل بلدة «بلا»، ولم يسمح لأمير «رحوب» أن يخرج من مدينته، وقد أرسل جلالته الجيش الأول ﻟ «آمون» المسمى «عظيم الأقواس» إلى بلدة «حماة»، والجيش الثاني ﻟ «رع» المسمى «الغني الشجاعة» إلى بلدة «بيسان»، والجيش الأول للإله «ستخ» المسمى «المنتصر الأقواس» إلى بلدة «ينعم»، وحدث أنهم في يوم واحد خضعوا لقوة جلالته ملك الوجه القبلي والوجه البحري «من ماعت رع» ابن الشمس «سيتي مرنبتاح» معطي الحياة.

وهذا المتن يوضح بجلاء أن تقدم الجيش المصري في سهل «إسدرالون Easdraelon» قد أعقب مباشرة اقتحام «كنعان» بوصفه معبرًا عن جزء من أغراض الحملة نفسها، ومن المحتمل كذلك أن حصن «مجدو» الذي يشرف على المنفذ الشمالي لسهل «كنعان» الساحلي لم يعترض مرور الجيش المصري، وليست لدينا معلومات عن حروف وقعت هناك، ومن الواضح إذن أن قلعة «بيسان» التي يعزو تأسيسها إلى «تحتمس الثالث» قد ساعدت المصريين، كما فعلت مدينة «رحوب» الصغيرة، وهذه الحقيقة تكشف لنا أحد أمرين: إما أن النفوذ المصري في فلسطين لم يكن قد ضاع كله في عهد الفوضى الخارجية التي كانت ضاربة أطنابها في عهد «إخناتون»، كما هو المفروض، وإما أن الحملة التي أرسلت في عهد «توت عنخ آمون»، وإن لم تكن ذات أثر فعال من جهة نتائجها المادية — لأنه كان لزامًا على «سيتي» أن يقوم بحروب على «الشاسو» عند حدود فلسطين الجنوبية — قد تركت أثرًا أدبيًّا لا يمكن إغفاله، ولو من جهة تحذير بعض الرؤساء الفلسطينيين بأن قوة مصر كانت توحي من جديد بأنها ستكون عملًا يحسب حسابه في المستقبل. ويدل هذا المتن — فضلًا عن ذلك — على أن السير نحو «بيسان»، و«حماة»، و«ينعم» كانت قد وضعت خططه لتنفيذ في وقت واحد؛ وإنه لمن المهم جدًّا أن يتاح لنا معرفة القاعدة التي بدأ منها «سيتي» الزحف بجيوشه، فهل يا ترى كانت بلدة «مجدو»؟ وتظهر بلدة «حماة» — التي نحن بصددها الآن — على معظم المصورات الجغرافية على الشاطئ الغربي من «بحيرة الجليل»، وإن كان الأثري «رو» يقول: إن موضعها يبعد بعض الشيء نحو الجنوب؛ فتقع عند مدخل وادي «اليرموك»، ويجب بهذه المناسبة ألا نخلط هذه المدينة بالمدينة الأخرى التي تحمل نفس هذا الاسم، وهي التي تقع على نهر «الأرنت» على مسافة ثلاثة وأربعين ميلًا في انحدار النهر من «قادش».
ولم يُذكر أي شيء في متن «بيسان» عن أية محاولة مباشرة لخلاص «رحوب» التي يحتمل أنها تقع جنوبي «بيسان» الواقعة في وادي «جزريل» القريبة من نهر الأردن، وقد تم إنقاذ «رحوب» بطبيعة الحال بتخليص «بيسان»، والهجوم على «حماة»، يضاف إلى ذلك أنه لم يذكر لنا أي هجوم على «بلا» (بحر) الواقعة في الجنوب الشرقي من «بيسان» على الجهة المقابلة من نهر الأردن، ولكن مما لا شك فيه أنها كانت قد أخضعت قبل عودة «سيتي» إلى أرض الوطن؛ لأن اسمها جاء ضمن قائمة الأماكن التي فتحها «سيتي»، وهي التي ذُكرت في نقوش قاعدة تمثال «بولهول» الذي عُثر عليه في معبده الجنازي «بالقرنة»،١٣ وقد أقام لوحة عند «تل الشهاب» في «حوران» على مسافة اثنين وعشرين ميلًا شرقي بحر الجليل.١٤
ولا بد أن الميناءين البحريين: «عكا» و«صيدا» كان قد استولى عليهما الجيش المصري في مرحلة من مراحل الحملة الأولى هذه قبل الحوادث التي ذكرناها الآن، كما نعرف ذلك من نقوش «بولهول» السالف الذكر، هذا ويعد الاستيلاء على «ينعم»، وبلدة «جادر» الواقعة في «لبنان»، وإخضاع رؤساء لبنان آخر ما وصلت إليه هذه الحملة من الفتوح.١٥
ومما يلفت النظر في نقوش لوحة «بيسان» هذه أنه أصبح في استطاعتنا أن نعلم شيئًا عن قوة جيش «سيتي» وقتئذ الذي كان تحت إمرته، فقد اتضح لنا بصفة مؤكدة أن أقسام الجيش المصري قد سميت بأسماء أعظم الآلهة المصريين، وذلك يؤكد لنا أن هذا النظام كان قائمًا قبل ذلك؛ فقد ذكر لنا «كارتر» (راجع Carter Tut Ankhamon II, p. 31) تصوير الآلهة «آمون» و«رع» و«بتاح» الذين نُقشت أسماؤهم على بوق عُثر عليه في مقبرة «توت عنخ آمون» مع ذكر أقسام الجيش التي سميت بأسماء هؤلاء الآلهة، يضاف إلى ذلك أن متن «بيسان» قد ذكر لنا في صراحة أنه قد أُخذت الفيالق الأولى من كل جيش من جيوش هؤلاء الآلهة؛ مما يدل على أن باقي الفيالق كانت لا بد في معسكرات الاحتياطي بمصر. ولا يبعد أن هذا النظام، وهذه المسميات كانت موجودة في عهد الفرعون العظيم «تحتمس الثالث» الذي كان يقلده «سيتي الأول» في كل خطواته، وأنظمته الحربية كما ذكرنا.
وبعد أن تم ﻟ «سيتي» النصر انتهز فرصة وجوده في بلاد «لبنان» فأخذ في قطع الأخشاب اللازمة لبناء المعابد في مصر، ولدينا منظر على جدران معبد الكرنك نرى فيه صورة قطع الأخشاب، ونشاهد فيه الفرعون يصحبه أحد رجال دولته العظام، والمتن الذي يصف هذا المشهد يقول:١٦

الإشراف على رؤساء لبنان الذين يقطعون خشب الصنوبر لبناء السفينة العظيمة الخاصة بُعيد بداية النهر، وكذلك لصنع خشب الأعلام العظيمة للإله «آمون» … لبناء … بحياة بهجة … مثل رع كل يوم … محبوب الآلهتين: مجدد الولادة … أقوى الناس قوسًا … وسرور … وأنه يراهم سيده … وقلبه مطمئن جاعلًا حدود مصر … ليملأ المخازن …» وباقي المتن قد فُقد، ولا بد أنه كان يقص علينا فيه كلام الفرعون الذي أجابه الضابط المصور في المنظر قائلًا: ما قاله حامل المروحة على يمين الفرعون جوابًا للإله الطيب، إنه سينجز على حسب كل ما قلته يا حور، يا محي الأرضين، إنك منتو (إله الحرب) كل مملكة: وعندما يراك رؤساء «رتنو» يسري خوفك في أعضائهم، وقد أجاب أمراء لبنان قائلين في مديح سيد الأرضين، وللتعظيم من قوته! إنك ترى مثل والدك «رع»، وإن في النظر إليك الحياة.

وبعد أن تم ﻟ «سيتي الأول» النصر وتزود بالأخشاب اللازمة لسفينة الإله، ولإقامة معابده، عاد إلى أرض الكنانة، ودخلها دخول الفرعون الظافر الفاتح، على أنه لم يفُته أن يصور لنا هذا النصر المبين على الأعداء من «الشاسو»، وقد انتهز المفتن هذه الفرصة ليمثل ذلك بصورة خلابة، فانتظر اقترابه من قلعة «ثارو»، ورسم لنا مشهدًا رائعًا يرى فيه الفرعون واقفًا في عربته، وهو يسوق جواديه، قابضًا على الغل الذي كبل فيه الأسرى، وقد سيق منهم ثلاث مجاميع أمام جواديه، ومجموعة رابعة كان أفرادها يتعثرون في سيرهم خلف عربته. وكان يرافق الفرعون في أثناء ذلك أمير يحمل قوسًا، كما كان يحمل رمز حامل المروحة على يمين الفرعون، وكتب فوقه المتن التالي:

مصاحبة الأمير الوراثي العظيم الدعاء … وكاتب الفرعون الحقيقي ومحبوبه … وابن الملك من صلبه ومحبوبه … للفرعون في سيره في بلاد «رتنو».

ويظن الأستاذ «برستد» أن هذا الأمير المذكور في هذا النقش كان أخًا أكبر ﻟ «رعمسيس الثاني» الذي أصبح الوارث لعرش مصر بعد وفاته؛ وأنه قد أمر بمحو اسمه من نقوش الكرنك، ولكن هذا موضع سنتناوله بالبحث والدرس في مكان آخر.

وعندما اقترب «سيتي» من معقل «القنطرة» المحصنة التي عندها تعبر القناة التي تفصل «ثارو»، وأرض الكنانة عن الصحراء قابله وفد من جموع رعاياه كان يغمرهم الفرح والغبطة بنصر سيدهم، وقد قُسموا طائفتين؛ الأولى: تحوي كهنة محلقين رءوسهم، وحاملين طاقات أزهار، والثانية: تشمل الأشراف، ووجهاء الموظفين، وكلهم رافعون أذرعتهم فرحًا وتضرعًا، وقد فسرت لنا النقوش هذا المشهد، فاستمع لما جاء فيها:

الكهنة والموظفون من شمالي البلاد وجنوبها أتوا ليحتفلوا بالإله الطيب عند عودته من بلاد «رتنو»، ومعه أسرى كثيرون جدًّا، ولم يُرَ مثل ذلك من قبل منذ زمن الإله، وهم يقولون في مدح جلالته وفي تعظيم قوته: «مرحبا بمقدمك من الممالك التي أخضعتها، وإنك لمنتصر، وأعداؤك تحت قدميك، وإن مدة حكمك ملكًا هي مثل «رع» في السماء، في حين أنك تسر قلبك بانتصارك على أهل الأقواس التسعة، وعندما وضع «رع» حدودك كانت ذراعاه تحميانك من خلف، وسيفك كان في وسط كل أرض، وقد سقط رؤساؤها بنصالها.

ولا غرابة في أن نرى المصريين مبتهجين فرحين بما أوتوا من نصر عظيم، فقد مرت السنون تلو السنين الطوال قبل أن يشاهد المصريون عودة جيوشهم مظفرة من آسيا، وعلى رأسها الفرعون يحمل غنائم الحروب وأسلابها، ولا بد أنهم لما رأوا نتائج تلك الحملة الأولى المظفرة استبشروا بما سيعقبها من انتصارات باهرة في المستقبل القريب. ولا يبعد أن «سيتي» عندما سمع وقع أقدام خيله في ردهة قلعة «ثارو» تذكر تلك الأيام الخوالي عندما كان قائدًا لهذه القلعة يصرف أعمالها اليومية، ولم يكن يدور بخلده وقتئذ أنه سيكون يومًا ما فرعونًا يحفل به الشعب بمثل هذا الحفل الرائع في هذه البقعة بعينها!

وقد جرى «سيتي» — كما قلنا — على نهج سلفه العظيم «تحتمس الثالث» في كل شيء، فنسب انتصاراته لإلهه «آمون رع» رب «طيبة»، وعلى ذلك ولَّى وجهه شطر هذه المدينة المقدسة يضع تحت قدميه كل أسلابه وغنائمه، كما تصور لنا ذلك نقوش الكرنك؛ حيث نجد الإله «آمون» يخاطب الفرعون قائلًا: «يا بني المحبوب، يا رب الأرضين، يا «من ماعت رع»، لقد وهبتك النصر على كل البلاد، وجعلتك تحكم أمراءها حتى يأتوا إليك مجتمعين سويًّا، محملة ظهورهم (بالجزية) خوفًا منك.»

أما الأسرى فكانوا طائفتين: وُصفت طائفة منهم بأنهم رؤساء الأقاليم الذين لم يعرفوا مصر، وهم الذين حملهم جلالته معه أسرى من انتصاراته في بلاد «رتنو» الخاسئة، ويقولون معظِّمين جلالته ومهللين بانتصاراته: «مرحبًا بك، ما أعظم اسمك! وما أجل قوتك! إن الممالك تبتهج بأنها رعاياك، وأولئك الذين يتعدون حدودك يغلون بحياة حضرتك، نحن لا نعرف مصر، ولم تطأ أقدام آبائنا أرضها، امنحنا النفس الذي تهبه.»

أما الطائفة الأخرى من الأسرى؛ فهم من بلاد «رتنو السفلى»، ويقول المتن التابع لهم: «الأسرى الذين جاء بهم جلالته من بلاد «شاسو» وهم الذين أخضعهم جلالته في السنة الأولى من عهد مجدِّد الولادة «سيتي الأول».»

هذا فضلًا عن أننا نشاهد مناظر أخرى ممثلة للأسرى؛ حيث نجد السوريين بدلًا من «الشاسو»، ولا بد أن هذا المنظر يشير إلى الجزء الثاني من حملة السنة الأولى، والحوادث التي وُضعت على لوحة «بيسان»، وتنتهي مناظر هذه الحملة بذبح الأسرى أمام الإله «آمون»؛ اعترافًا من الفرعون بأن قوته قد وهبها إياه الإله، وهذا المنظر له نظائر كثيرة من أقدم العهود، ويرجع عهد الاحتفال بذبح الأسرى إلى الأسرة الأولى؛ حيث نجد الملك «دن» ممثلًا على لوحة من العاج، وهو يقتل عدوًّا شرقيًّا راكعًا أمامه، وفي يد الفرعون مقمعة من الحجر يضرب بها العدو، وقد بقي هذا التقليد مرعيًّا في كل عهود ملوك الأسرات الفرعونية، ولا نزاع في أن الأسرى كانوا على ما يظهر يُذبحون في بادئ الأمر فعلًا حتى أصبح هذا العمل الوحشي في العهود المتحضرة، وبخاصة في عهد الدولة الحديثة، مجرَّد احتفال رمزي؛ فنجد مثلًا على البوابة السابعة في الكرنك «تحتمس الثالث» مصورًا في الوضع التقليدي على وشك ذبح طائفة من الأسرى يبلغ عددهم نحو الثلاثين، وهو قابض على نواصيهم،١٧ في حين نجد في أماكن أخرى رؤساء الأسرى يُعاملون معاملة كريمة، فيظهرون في المناظر بدون أغلال في حضرة الفرعون جالبين معهم الجزية. والآن يتساءل الإنسان: هل عاد «سيتي الأول» لارتكاب هذه الفعلة الشنعاء ثانية فقتل أسراه، على الرغم من أنها عادة قد لَفَظَها الزمن رغبة في إحياء تقليد قديم؟ هذا ما لا يمكن الإجابة عنه.
وقد وجدنا مع هذا المنظر قائمة بأسماء البلاد والممالك التي فتحها هذا الفرعون، غير أنه لا يمكن الاعتماد على صحة ما جاء في مثل هذه القوائم؛ لأنها كانت مرتبكة، وتقليدية يتناقلها الملوك بعضهم عن بعض، ولكن لدينا قائمة من عهده عن فتوحه قد يُعتمد عليها إلى حد ما، نقشها على قاعدة تمثال «بو الهول» الذي عُثر عليه في معبده الجنازي بالقرنة،١٨ نقش عليه ما يأتي: (١–٩) قبائل الأقواس التسعة، (١٠) بلاد خيتا، (١١) «بلاد نهرين»، (١٢) «ارسا»، (١٣) «عكة»، (١٤) «سميرا»، (١٥) «بحرا»، (١٦) «بيت شائيل»، (١٧) «ينعم»، (١٨) «كمهم»، (١٩) «أولوزا» (: أناراثا)، (٢٠) «كمد»، (٢١) «صيدا»، (٢٢) «أوثو»، (٢٣) «بت عنتا»، (٢٤) «قراميم» إلخ.
ومما تجدر ملاحظته هنا أن المتن الذي يفسر منظر التضحية قد نُقل معظمه من متون أخرى، فمثلًا: نجد أن الكلام الذي فاه به الإله «آمون» للملك أساسه ما جاء على لوحة «أمنحتب الثالث» التي على مبانيه،١٩ وهذه اللوحة كان قد طُمس ما عليها من نقوش «إخناتون»، وقد أعادها إلى ما كانت عليه «سيتي الأول»، والظاهر أنه كان مرتاحًا لما جاء عليها حتى إنه استعمل متنها مع بعض تغيير طفيف، وقد نقل «رعمسيس الثالث»٢٠ فيما بعد رواية «سيتي الأول»، واستعملها لنفسه في نقوشه التي تركها لنا على جدران معبد مدينة «هابو»، وهاك المتن كما جاء على نقوش «سيتي الأول»:

كلام آمون رع رب «طيبة»: يا بني الذي من صلبي، يا محبوبي، ويا رب الأرضين «من ماعت رع»، رب القوة في كل مملكة، إني والدك، وإني أنا الذي أجعل الرعب منك في أرض «رتنو» العليا والسفلى، وقبائل النوبة قد ذبحوا تحت قدميك، وإني آتي إليك برؤساء الممالك الجنوبية لتتسلم الجزية من كل منتجات ممالكهم الجيدة، ولتسرع … وإني أُولي وجهي قِبل الشمال، وآتي بأعجوبة لك … متصديًا العصاة في أوكارهم ببأس شديد.

وإني آتي إليك بممالك لا تعرف مصر حاملين جزيتهم من فضة وذهب ولازورد، وكل حجر كريم غالٍ من أرض الإله.

وإني أُولي وجهي قِبل المشرق وآتي بأعجوبة لك؛ فأغلهم جميعًا لك مجتمعين في قبضتك، وإني أجمع كل ممالك «بنت» سويًّا، وكل جزيتهم من بلسم وقرفة وكل الأخشاب الزكية الرائحة من أرض الإله ناشرًا شذاها أمامك، وأمام صلِّك.

وإني أولي وجهي قبل المغرب، وآتي بأعجوبة لك، فأقضي على أرض «تحنو» لك، فهم يأتون منحنين أمامك وراكعين، وهم على خوف منك، ورؤساء … يقدمون لك الحمد.

وإني أولي وجهي قبل السماء، وآتي بأعجوبة لك؛ فآلهة السماء يبتهلون لك عندما يولد «رع» كل صباح، وإنك تنمو مثل «رع» عندما يأتي بالظهيرة.

وإني أولي وجهي قبل الأرض، وآتي بأعجوبة لك؛ فإني أقدر لك النصر على كل مملكة، والآلهة يفرحون بك في معابدهم، وأنك ستبقى طول الأبدية ملكًا على عرش «جب».

أما الجزء التالي من خطاب آمون ﻟ «سيتي» فمأخوذ من أنشودة النصر الكبرى التي أنشدها ﻟ «تحتمس الثالث» (راجع مصر القديمة الجزء الرابع)، ويلاحظ أنه قد عمل فيها بعض التغييرات، فيقول:

لقد جعلتهم ينظرون إلى جلالتك باعتبارك رب الإشعاع حتى أضاءت وجوههم مثل صورتي.

ولقد جعلتهم يرون جلالتي مرتديًا شعارك الملكي عندما تقبض على أسلحة الحرب في العربة.

ولقد جعلتهم يرون جلالتك كالنجم السائر الذي ينشر لهيب النار، ويخرج نداه.

ولقد جعلتهم يرون جلالتك كالثور الفتي ثابت القلب، ومتأهب القرن لا يقاوم.

ولقد جعلتهم يرون جلالتك كالتمساح المفزع على الشاطئ، فلا يمكن الاقتراب منه.

ولقد جعلتهم يرون جلالتك كلهيب النار، ومثل «سخمت» نفسها في وقت عاصفتها.

ولقد جعلتهم يرون جلالتك مثل … عظيم في القوة، لا يقاوَم في السماء، ولا في الأرض، خذ السيف يأيها الملك العظيم، يا من تضرب مقمعته الأقواس التسعة.

هذه أمثلة من النقوش التي تركها لنا «سيتي الأول» بعد عودته من حملته الأولى، ولا شك في أن المطَّلع يرى أنه قد حاول في كل مراحلها، وفي كل متونها تقليد عاهل مصر العظيم «تحتمس الثالث».

الحملة الثانية: أما حملة «سيتي الثانية» في آسيا فإن نقوشها قد فُقدت إذا كان ما دوِّن عنها هو الجزء الأعلى من النقوش التي كانت على يسار سجل مناظر معبد الكرنك، غير أن ما ادعاه «سيتي» في نقوش تمثال «بو الهول» «بالقرنة»، وهو الاستيلاء على «سميرا» و«أولازا» يجيز لنا أن نظن أن الجزء الضائع من هذه المناظر قد مثل عليه على أقل تقدير جزء من بلاد «آمور» الساحلية التي كانت تعد «سميرا» أهم ميناء فيها، وهذا يعادل المرحلة الثالثة من خطط تحتمس الثالث، وهو ما سار على هديه «سيتي الأول».
أما المرحلة الرابعة في حروب «سيتي الأول»، فكان الغرض منها إخضاع «قادش» الواقعة على نهر «الأرنت»، وتعد المنفذ لسهل بلاد سوريا الشمالية، وهذا ما بقي لنا مدونًا على الجزء الأعلى من سجل الكرنك،٢١ وقد كشف بزارد Pizard في بلدة «قادش» هذه عن الجزء الأعلى من لوحة ﻟ «سيتي الأول» أقامها في هذه الجهة؛ فبرهن٢٢ بذلك على أن هذا الفرعون قد تملك هذه المدينة، وبهذا حُلَّ الجدل الذي دار بين «أدوردمير» و«برستد»٢٣ بأن «قادش» المقصودة هنا، والتي على سجل الكرنك هي «قادش» التي في منطقة الجليل. ويظهر من النقوش التي على منظر الكرنك الخاصة بقلعة «قادش»، والتي جاء فيها الهجوم الذي قام به الفرعون لتخريب أرض «قادش»، وأرض «آمور»، أن الاستيلاء على «قادش»، وفتح بلاد «آمور» قد حدث في مرحلتين من حملة واحدة، على أن ظهور منظر الاستيلاء على «قادش» مصورًا على نهاية الجدار الذي عليه مناظر حروب «سيتي» بالكرنك؛ أي بعيدًا بقدر المستطاع عن الباب الأوسط، يدل دلالة واضحة على أن هذه كانت أبعد نقطة وصل إليها الجيش المصري في هذه الحملة،٢٤ أما الجزء الأول منها فقد فُقد الآن، وعلى ذلك فمن المحتمل أن «آمور» لا تشير هنا إلى الساحل الشمالي السوري، وأن موضوع فتحها كان مدونًا على ما يظهر على الجزء الواقع على يسار المدخل، بل المقصود بها هنا الجزء الداخلي من إقليم «آمور» حتى البلاد الواقعة جنوبي «قادش»، ومن المحتمل أنها كانت تمتد جنوبًا في الداخل حتى مدينة «دمشق» التي كانت قد خضعت على ما يظهر للنفوذ الآموري في أثناء الثورة التي قامت في عهد «إخناتون».٢٥ ومن الجائز أن الفرعون «سيتي» كان يشير في هذه الحملة إلى بلاد «تخس» عندما وضعها ضمن القائمة التي دوَّن عليها فتوحه، وهي التي نقشها على تمثال «بو الهول» الذي عثر عليه في معبده الجنازي «بالقرنة»، ولا تبعد حدودها الجنوبية كثيرًا عن «دمشق».

ويعتقد الأستاذ «مير» أن هذه الحملة قد جاءت بعد الحروب التي شنها «سيتي» على بلاد «خيتا»، وفضلًا عن خطئه في تحقيق موضع مدينة «قادش» نفسها، فإن رأيه يتعارض مع الاعتبارات الاستراتيجية التي ذكرناها فيما سبق، وليس لدينا مصادر تدلنا على أن حدود إمبراطورية «خيتا» كانت تقع جنوبي بلدة «قادش»، وهي التي كانت في عهد «رعمسيس الثاني» حصنه الحصين في الجنوب للدفاع عن أملاكه. ويلاحظ كذلك أنه حتى عهد «إخناتون» كان الوادي — من «قادش» إلى الجنوب يُعرف وقتئذ باسم «عمقي»، وهو الوادي الذي يُطلق عليه الآن البقاع — ضمن النفوذ المصري، كما يدل على ذلك لوحات سجل بلاد «خيتا» التي جاء فيها ذكر حادثة الملكة المصرية التي سُميت فيها «دخ آمون»، وما جرى لها مع «شوبيليو ليوما» ملك «خيتا»، وقد تحدثنا عن ذلك من قبل (راجع مصر القديمة الجزء الخامس).

(٢-٣) الحرب مع لوبيا

وتدل المصادر التي في متناولنا على أن «سيتي الأول» لم تهيأ له الفرص لمتابعة انتصاراته عند «قادش» بالتقدم شمالًا، فقد وصلت إليه أخبار اضطرابات وقلاقل على حدود بلاده الغربية؛ حيث كان اللوبيون يرسمون خططهم للإغارة على بلاد الدلتا، كما فعلوا فيما بعد في عهد الفرعون «مرنبتاح» حفيده، وقد خصص «سيتي» لحملته الرابعة هذه على بلاد لوبيا الجزء الأوسط من الجهة اليمنى من السجل الذي دوَّنه على جدران معبد الكرنك، وقد انتهت هذه الحروب بهزيمة منكرة، انتصر فيها على اللوبيين في واقعتين، غير أن الأستاذ «برستد» يقول: «إن اللوحة التي عُثر عليها منقوشة في معبد الكرنك، وهي التي نصبها بعد عودته من حملته الأولى، كان الغرض منها إعلان ما كان يجري على حدود بلاد «لوبيا» من مناوشات.»٢٦ وهاك ما جاء عليها:

السنة الأولى من عهد جلالة «سيتي الأول» — يذكر بعد ذلك ألقابه — لقد عاد بقلب فرح من أول حملاته المظفرة عندما كانت إغارته تقتحم كل إقليم، واستولى على الممالك الثائرة أسرى بقوة والده «آمون» الذي كتب له القوة المظفرة، وإنه يضع نفسه أمامه بقلب منشرح، مقدمًا الحماية لابنه، وواهبًا إياه الجنوب والشمال، والغرب والشرق، وأولئك الذين يغيرون على تخومه قد جمعوا سويًّا، وأسلموا ليده، ولا يوجد من يضع يديه جانبًا؛ أي كانوا جميعًا في الأغلال؛ سيق رؤساؤهم أسرى أحياء، وجزيتهم على ظهورهم، وقدمهم لوالده الفاخر «آمون»، ولجماعة الآلهة لأجل أن يملئوا مستودعاتهم بالعبيد والإماء من أسارى كل مملكة. تأمل لقد كان جلالته في المدينة الجنوبية «طيبة» يقوم بالأحفال السارة لوالده آمون رع رب طيبة …

(الجزء الباقي من اللوحة ضائع).

والمدهش هنا أن الأستاذ «برستد» قد استنبط بسهولة من مخيلته أن الجزء الضائع لا بد قد ذُكر فيه: أن رسولًا أتى إلى الفرعون وأعلنه بقيام المناوشات على الحدود اللوبية، معتمدًا في استنباطه هذا على ما جاء في لوحة «كونوسو» التي ترجع لعهد «تحتمس الرابع»؛ حيث نجد أن نظام الكلام فيها يكاد يكون نسخة واحدة (راجع مصر القديمة الجزء الخامس)، وليس لدينا معلومات يقينية تدل على الحرب التي كانت تشير إليها نقوش هذه اللوحة، على الرغم من وجه الشبه بينها، وبين لوحة «تحتمس الرابع».

وكذلك يميل الأستاذ «برستد» إلى تأريخ الحرب مع «لوبيا» بالسنة الثانية؛ أي قبل قيام الحملة الثانية التي قام بها «سيتي الأول» على الأقاليم الأسيوية، غير أنه بذلك يتجاهل أي ترتيب تاريخي جاء على الآثار الأصلية المصورة على جدران معبد الكرنك — كما أشرنا إلى ذلك من قبل — وحجته في ذلك أن «سيتي الأول» يمكن أن يكون قد أمضى الجزء الأكبر من هذه السنة في الدلتا، وهذا قول مردود؛ إذ من الجائز وجود أسباب أخرى لمكثه هناك، وبخاصة أن عاصمة البلاد كانت في الشمال، هذا بالإضافة إلى أنه يحتمل جدًّا أن يكون مكثه هناك طلبًا للنزهة، كما يدل المعنى اللغوي للفظه الذي عبر به عن سبب بقائه في هذه الجهة،٢٧ وعلى أية حال فإن وضع نقوش حروب «لوبيا» في مناظر الكرنك بين نقوش الاستيلاء على «قادش»، وبين نقوش الانتصارات على مملكة «خيتا» دليل كافٍ على أن هذه الحروب قد وقعت في فترة بين هاتين الحادثتين.٢٨

الحملة على بلاد لوبيا

يدل كل ما لدينا من معلومات على أن «سيتي الأول» كان أول فرعون دافع عن بلاده بصفة جدية أمام عدوان اللوبيين، ولا نعلم عن هذه الحروب شيئًا يُذكَرُ؛ إذ لم تصلنا أية وثيقة خاصة إذا استثنينا النقوش التي بقيت لنا على جدران معبد الكرنك؛ وقد جاء فيها ذكر هؤلاء اللوبيين باسم «تحنو»، ونعلم من ملابس هؤلاء الغزاة أنهم من قبائل «المشوش»، وإن كانوا لم يُذكروا بهذا الاسم صراحة، وقد ذكرت قبائل «المشوش» لأول مرة في التاريخ المصري على الآثار المنسوبة للفرعون «تحتمس الثالث»،٢٩ وليس لدينا أية تفاصيل عن هذه الحروب، ومن المحتمل أنه على حسب ما جاء في نقوش «الكرنك» قد حارب «سيتي» في واقعتين، ولا يمكننا أن نحدد تاريخهما إلا إذا اعتمدنا على ما استنبطه الأثري «فولكنر»، وهو أن الحرب قامت بين الأمتين في فترة تقع بين استيلاء «سيتي» على «قادش»، وبين حروبه مع بلاد «خيتا» كما ذكرنا. ويعزز هذا الرأي ما جاء على لوحة أقامها «سيتي» جاء فيها أن «رنتو» قد أتوا منحنين، و«التحنو» جاءوا ساجدين؛ وبذلك أشبع الفرعون نفسه بقدر ما يريد من أرض «خيتا» الخاسئة. أما قول «برستد» أنه أشعل نار الحرب في السنة الثانية، فلا يرتكز على أي دليل قاطع، كما أسلفنا. وتتلخص نقوش الكرنك عن حروب «لوبيا» في صور تقليدية لا يمكن استنباط حوادث تاريخية منها، فكل ما نشاهده فيها ينحصر في منظرين لموقعتين، ثم العودة إلى مصر، وتقديم الأسرى للإله «آمون»، وتضحية بعضهم أمام هذا الإله. ومما يلفت النظر في هذه الصور قوة تمثيلها، وحسن تنسيقها؛ مما جعلها تُعد من أحسن ما أخرجه المفتن المصري في هذا الباب بالنسبة لعصرها.
ونشاهد بين صور هذه المناظر صورة «رعمسيس الثاني»، ولكنها ليست أصلية، بل أضيفت فيما بعد؛ ولذلك أصبحت قيمتها التاريخية مشكوكًا فيها، وقد ظن الأستاذ «برستد» أن صورة «رعمسيس الثاني» هنا كانت قد وضعت مكان صورة أخ أكبر له، ويحتمل أنه هو الذي جاء ذكره في حروب «الشاسو» كما أسلفنا، ولكن ليس لدينا برهان بيِّن على صدق ذلك، ومن هنا ينكر المؤرخ «كيث سيلي» هذه النظرية٣٠ إذ يقول: «إن نقوش حروب «سيتي الأول» التي على جدران الكرنك لا تحتوي إلا على صورة أمير واحد، وهي صورة أصلية ومعاصرة لنقوش «سيتي»، وقد فُقد اسم هذا الأمير ولم يبقَ منه إلا إشارة واحدة، والقراءة التي اقترحها «فيدمان» لهذا الاسم وهي: «آمون نفرنبف» لا ترتكز على شيء من الحقيقة.
ولكن يلفت النظر وجود تابوتين خاصين بأمير يُدعى «رعمسسو»، أو «بارعمسسو» واحد منهما عثر عليه في مدينة «هابو»، والثاني في بلدة «غراب»، غير أنه بعد أن تم صنع هذين التابوتين أضيف لقب ابن الملك،٣١ ثم عبارة محبوب «آمون»، وسيد أهل عين «شمس» لاسمه.» وقد عثر على تابوت مدينة «هابو» في قعر حفرة عميقة لم تكن قد استُعملت قط للدفن، أما تابوت «غراب» فكان يحتوي على بقايا رجل لم يكن قد بلغ الثلاثين ربيعًا، وكان أحدب الظهر، ويظهر عليه أنه كان قعيدًا، وليس لدينا برهان بيِّن على اسم الفرعون الذي كان ينتسب إليه هذا الأمير، غير أن «برنتون» قد نسج قصة عريضة في نسبة هذا الأمير، وانتهى به خياله في آخر الأمر إلى أنه كان ابن «سيتي الأول»،٣٢ وبذلك يكون الأمير «رعمسسو مري آمون نب خنمت» هو الأخ الأكبر للفرعون «رعمسيس الثاني»، وقد يحتمل، أو لا يحتمل، أنه هو الأمير الذي رُسم في نقوش حروب «شاسو» على جدران معبد الكرنك، والواقع أن إخفاء تابوته الداخلي في «مدينة هابو»، ودفنه في التابوت الخارجي في «غراب» يُعد من الأمور المدهشة المحيرة، على أن موضع التابوت الداخلي يُشعر بأنه قد أُريد إخفاؤه عن قصد؛ هذا بالإضافة إلى أن اسم الأمير الذي في نقوش «الشاسو» قد مُحي عن قصد أيضًا، ولكن إذا كانت هذه الشواهد تدل على وجود أمير أكبر سنًّا من «رعمسيس الثاني»، وأنه قد أُقصي عن تولي العرش، ومُحيت شخصيته عمدًا، فإنه لا يمكننا مع ذلك أن نعود على «رعمسيس الثاني» باللائمة كما فعل «برستد»؛ لأنه كان لا يزال صبيًّا لم يتجاوز الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمره عندما توفي أخوه الأكبر، وعلى ذلك يظهر أن محو الاسم كان بأمر من «سيتي» نفسه، ولكن السبب الذي دعاه إلى ذلك لا يمكن الإدلاء به إلا عن طريق الحدس والتخمين ما دامت الوثائق التاريخية لم تسعفنا.

(٢-٤) دولة خيتا، وقيام الحروب بينها وبين سيتي الأول

لقد رأينا — فيما سبق — أن حروب «سيتي الأول» مع «الشاسو» لم تكن مقدمة للحملة التي قام بها على أهالي «رتنو» العليا والسفلى معًا، وكذلك يظهر أن الحروب مع «لوبيا» كانت قد سبقت حروبًا أهم خطرًا شنتها على مملكة «خيتا»، على أننا لا نعرف في الحقيقة تواريخ هذه الحروب كلها إلا على حسب موقعها، وترتيبها في نقوش معبد الكرنك التي تركها لنا «سيتي الأول».

وكان «سيتي الأول» بعد أن أمَّن طرق مواصلاته البحرية بالاستيلاء على بعض المواني الفينيقية استطاع تموين جيوشه، وإمدادها بالجنود والعتاد، وذلك على غرار ما فعله «تحتمس الثالث»؛ وبذلك أصبح في استطاعته السير في داخل الأقطار السورية، والاستيلاء عليها، وقد زحف حتى وصل إلى نهر «الأرنت»؛ حيث تقابلت جموعه مع جيش «خيتا» في أول موقعة بين البلدين. ويظن الأستاذ «برستد» أن «سيتي الأول» قد وصل شمالًا حتى «نهرين»، كما يدعي ذلك «سيتي» في قائمة البلدان التي فتحها، غير أن ذلك لم يفُت في عضد دولة «خيتا»، وبقيت مهيبة الجانب، ولم يكن في استطاعة «سيتي» أن يحتفظ لنفسه بتخوم ثابتة في الشمال أكثر من مساحة يحدها خط يمتد شرقًا وغربًا من الساحل الفينيقي حتى «حوران». وعلى أية حال فإن ما وصل إليه «سيتي الأول» بعد تفكك الدولة المصرية في نهاية حكم «إخناتون» يعد مجهودًا جبارًا من جانب هذا العاهل، وقد كان من نصيب «رعمسيس الثاني» ابنه أن يواصل الكفاح الطويل المرير للاستيلاء ثانية على أعالي نهر «الأرنت»، ويُخضعها لسلطان مصر.

ونشاهد في آخر حملة سجلها «سيتي الأول» على جدران معبد الكرنك أنه التحم مع جيش «خيتا»، وهزمه واستولى منه على أسرى وغنائم، ولكن من جهة أخرى لا نعرف الأسباب المباشرة التي دعت «سيتي الأول» لإعلان الحرب على مملكة «خيتا»، ولا بد أنه كان هناك سبب ملِح أجبره على القيام بهذه الحروب، غير أننا من جهة أخرى نعلم أن التقاليد الفرعونية قد لعبت دورها في هذا الموضوع بالذات؛ فقد كان من عادة الفراعنة أن يقوم الفرعون عند تولي عرش الملك بشنِّ الغارات والفتح ليثبت لشعبه أنه جدير بملك الفراعنة. وقد ذكر لنا «خاتوسيل» ملك «خيتا» باختصار أنه قام بالحرب على مصر، فسار بمشاته وفرسانه الذين أمكنه جمعهم لمنازلة عدوه، ولا شك في أن ذلك لا يعني إلا أن ملك «خيتا» قد تقابل مع ملك مصر في موقعة «قادش». وقد حدَّثنا ملك «خيتا» كذلك بأنه حاول تفادي الحرب مع مصر؛ لأنه لم يكن يطمع في طلب الفخر أو الشهرة، وأنه على وجه عام يمقت الحروب، وهذا كل ما وصلنا من وثائق «خيتا» عن حروبها مع «سيتي الأول»؛ وبذلك أصبح مصدرنا الوحيد عن حروب «خيتا» مع مصر هو — كما قلنا — ما جاء في نقوش جدران الكرنك التي لم تدوَّن فيها في الواقع إلا بعض حوادث فردية خاصة بالفرعون وغيره، فنرى — مثلًا — «سيتي» مصورًا في منظر (كما جرت التقاليد) ممتطيًا عربته، وشادًّا قوسه، ومفوقًا سهمه في معمعة المعركة؛ ليقضي على الأعداء الذين كانوا يجرءون على الوقوف أمامه، بل كانوا يولون الأدبار، وهنا يشاهد سائق عربة أحد الرؤساء من الأعداء قد أصيب؛ فيقود الرئيس عربته بنفسه طالبًا النجاة، ولكنه يسقط بدوره في حومة الوغى أمام الفرعون، وكذلك فعل غيره؛ فامتطوا صهوة الجياد، وأرخوا لها العنان نجاة بالنفس، وقد كدِّست ساحة القتال بأكوام القتلى والجرحى؛ ثم نرى في آخر الأمر طوائف من الأسرى يُساقون إلى مصر، ويقدمون إلى ثالوث آلهة معبد الكرنك: «آمون»، و«موت»، و«خنسو» عبيدًا وقربانًا.

وليس لدينا تفاصيل عن الواقعة غير ما ذكرنا، أما المتن الوحيد الطويل الذي يحدثنا عن هذه الحروب فيصف الفرعون وشدة بأسه في الحروب وشجاعته، وهو:

حور الثور القوي، الظاهر في طيبة، محيي الأرضين، ملك الوجه القبلي والبحري، رب الأرضين، شديد البأس، الشجاع مثل «منتو»، وأشجع الشجعان مثل من أنجبه، مضيء الأرضين مثل إله الأفق، العظيم القوة مثل ابن «نوت»، والمنتصر؛ وهو حور المزدوج (أي يمثل حور وست)، ومن يطأ ميدان القتال مثل «ست» (إله الحرب)، ومن الفزع منه عظيم مثل «بعل» (إله القوة) في الممالك الأجنبية، محبوب الإلهتين وهو لا يزال في العش (أي المهد)؛ لأن قوته قد حمت مصر، ومن جعل «رع» حدوده حتى الحدود التي يضيئها «آتون»، والصقر المقدس ذو الريش اللامع، والسائح في السماء مثل جلالة «رع»، والذئب الجائل، والذي يدور حول هذه الأرض في لحظة، والأسد ذو العين المفترسة، ومن يشق طريقه في المسالك الوعرة في كل مملكة، والثور القوي صاحب القرن المهيأ للهجوم، وصاحب القلب الشديد، والضارب الأسيويين، ومخضِع «خيتا»، وذابح رؤسائهم، ومخضبهم بدمائهم، والهاجم في وسطهم كأنه لسان اللهب؛ فيجعلهم كأن لم يغنوا بالأمس.

ومن ذلك نرى أن «سيتي» كان يصف شجاعته وقوته كما فعل غيره من الملوك في مثل هذه المشاهد الحربية (راجع Br. A. R. III, § 144).

ولا نعرف على وجه التأكيد المكان الذي دارت فيه رحى القتال، غير أنه مما لا شك فيه أنها قد وقعت في مكان شمالي بلدة «قادش»، إذ نعلم أن «سيتي الأول» قد وصل فعلًا إلى بلدة «قادش» واستولى عليها، ولا أدل على ذلك من العثور على لوحة في «تل نبي مند»، وهو المكان الذي يمثل دمن هذه المدينة التاريخية العظيمة، واللوحة من حجر البازلت، وقد عُثر عليها على عمق مترين من سطح الأرض، وتدل شواهد الأحوال على أنها لم تُنقل إلى هذا المكان، وقد نُقشت عليها صورة «سيتي الأول» واقفًا — يقبض بيده على سيفه (خبش) رمزًا للنصر الذي أحرزه — أمام الآلهة التالية: «آمون»، و«ستخ»، و«منتو»، و«خنسو».

ومما يؤسف له أن الجزء الأسفل من هذه اللوحة قد فُقد،٣٣ ولا بد أنها كانت قد أُقيمت في هذا المكان بطبيعة الحال تشييدًا لانتصارات «سيتي» على «مورسيل» عاهل «خيتا».
وتدل النتائج على أن انتصار «سيتي» لم يكن حاسمًا؛ لأنه لم يؤثر تأثيرًا ماديًّا على قوة «خيتا» كما أشرنا إلى ذلك من قبل؛ لأنه على الرغم من سيطرة المصريين مؤقتًا على جزء من شمالي سهل سوريا — وليس لدينا من المبررات القوية ما يحملنا على الشك فيما ادعاه «سيتي» في قوائم البلاد المغلوبة التي فتحها، أو تغلَّب عليها، وبخاصة قائمة «بولهول» السالفة الذكر، وتحتوي على بعض أسماء الأماكن المألوفة لنا من قبل مثل «قطنا»،٣٤ و«تونب» — فليس هناك من شك في أن «سيتي» في نهاية الأمر قد أفلتت من يده كل فتوحه التي أحرزها في أقصى الشمال؛ وقد نسيت بطبيعة الحال أخبار الحروب التي لم يحالف النصر فيها مصر بعد هذه الواقعة؛ إذ لم يدوِّنها المصريون، ولقد كان لزامًا على «رعمسيس الثاني» خلف «سيتي» في حملته الأولى أن يستولي على «بيروت» بقوة السيف، ومن المحتمل إذن أن صارت حدود إمبراطورية «سيتي الأول» الأسيوية عند نهاية حروبه تمتد شرقًا من مصب نهر «الكلب»، وكانت كل من مدينة «صيدا» و«مجدو» و«بيسان» مستعمَلة قواعد حربية، والظاهر أن «سيتي الأول» لما رأى عجزه عن القيام بأي توسيع في رقعة إمبراطوريته في داخل سوريا عقد معاهدة مع ملك «خيتا» المسمى «مواتالو»، ولم يشهد بعد ذلك الصلح أية حروب٣٥ أخرى حتى وفاته، على ما نعلم.

وعلى الرغم من أن «سيتي الأول» لم يوفَّق لإعادة الإمبراطورية المصرية في آسيا لما كانت عليه — يومًا ما — من الاتساع والعظمة في عهد الأسرة الثامنة عشرة، فإنه مع ذلك قد أفلح إلى حدٍّ كبير في إعادة السيطرة المصرية على كل «فلسطين»، بل من المحتمل على جزء من جنوبي سوريا أيضًا، ولا نزاع في أن ذلك كان عملًا جليلًا، وبخاصة إذا علمنا أنه قد وصل إلى ما وصل إليه في نضاله أمام دولة قوية مثل دولة «خيتا» في الشمال، وقد كانت تناضل مصر بقوة عظيمة، وتقف لها بالمرصاد بجيوشها الجرارة، وربما كان من الخير لكل من الدولتين أن يتريث «رعمسيس الثاني» عندما تولى الحكم، ويعرف الموقف الحربي على حقيقته، ولم يندفع في حروب طاحنة مع تلك الدولة القوية.

حقًّا نقرأ في القوائم التي تركها لنا «سيتي الأول» أنه تغلب على «خيتا»، و«نهرين»، و«آلاشيا» (قبرص)، وغيرها من البلدان، ولكن هذه الادعاءات العريضة المبهمة لا يصح أن تؤخذ بصفة جدية، بل إلى حد محدود يقرره الواقع، إذ لا يمكن أن نسلم أنه هزم «خيتا»، واستولى عليها أو على إقليم من أقاليمها الشمالية. ولا جدال في أن «سيتي» شعر في أعماق نفسه بما كان يشعر به أجداده من الزهو وحب العظمة، فلم يتأخر طرفة عين عن تدوين قصة انتصاراته على جدران المعابد بصورة لا تقل في فخامتها عما أحرزه أجداده الأماجد أمثال «تحتمس الثالث»، و«أمنحتب الثاني» من فتوح. وإذا ضربنا صفحًا عن أمثال هذه الادعاءات الضخمة المبهمة فإنه لا يوجد لدينا ما يمنع من تصديق ما جاء في قوائم فتوحه التي عددت لنا بدقة تفاصيل أسماء المدن والأصقاع، وبخاصة إذا عرفنا أن أسماء هذه الأماكن، وما يمكن تحقيقه منها يتفق عقلًا من خطط حروب «سيتي الأول» كما نعرفها من الوجهة الجغرافية.

(٣) سيتي الأول وبلاد النوبة

يظهر أن «سيتي الأول» كان قد قام ببعض حملات في بلاد النوبة، غير أننا لا نعلم إذا كان قد سار بها من تلقاء نفسه في عهده هو، أو كان قد أرسله والده على رأسها؛ فقد عُثر على لوحة في «وادي حلفا» تكاد تكون صورة مطابقة للَّوحة التي أقامها «رعمسيس الأول» والده في نفس المكان، وقد أُرِّخت بالسنة الأولى من حكمه، وقد جاء ما فيها مثبتًا للقرابين التي قربها «رعمسيس الأول» في أقصى الجنوب من المعبدين القائمين في «وادي حلفا»، وهذه اللوحة تشير كذلك إلى أسرى؛ ولذلك يُعتقد أنها تقليد أعمى للوحة القديمة. وعلى أية حال، فقد عُثر على لوحة أخرى للملك «سيتي الأول» تشيد بذكره على أنه هو الذي مدَّ حدوده في بلاد السود بوصفهم أسرى أحياء لجلالته.٣٦ هذا غير لوحة داخل مقياس النيل القديم في «إلفنتين» يشاهد عليها صورة «سيتي الأول» يتعبد للإلهين «خنوم»، و«آمون رع».
والمتن الذي على هذه اللوحة هو دعاء للإله «خنوم»، وما أسبغه على الفرعون من نِعَم، فيقول: «لقد أعطيتني الجنوب والشمال، والغرب والشرق التي أضحت تحت نعلي.»٣٧ وبالقرب من هذه اللوحة نجد على صخرة صورة «سيتي الأول»، وهو يضرب عدوًّا من الجنوب على الطريقة التقليدية المألوفة كما نشاهد «أمنمأبت»٣٨ نائب بلاد النوبة يتعبد إليه، وكذلك نجد على مسافة من النقش السالف نحو أعالي النهر «أمنمأبت» نفسه قد نحت منظرًا في الصخر يشاهد فيه «سيتي الأول» يذبح عدوًّا، أما المتن الذي نُقش هناك فيحتوي على مدائح عادية للفرعون، ويشمل بعض جمل طريفة في بابها فيقول: «الملك الشجاع الذي جعل حدوده حتى قرون الأرض … هادمًا مدنهم … وأهل الجنوب يأتون إليه خاضعين، وأهل الشمال يأتون إليه ساجدين.»٣٩

وربما دلت هذه الجمل على غزو قام في بلاد النوبة، أو قد تكون — وهو الأصح — كلمات جوفاء من نوع الملق الرخيص الذي كان يكيله نائب بلاد النوبة لمليكه، كما نسمع أمثال ذلك الإطراء في كل زمان ومكان.

وقد عثر الدكتور «ريزنر» على لوحة في جبل «بركل» عند الشلال الرابع مؤرَّخة بالسنة الحادية عشرة من حكم «سيتي الأول»، تحدثنا عنه بوصفه أسدًا على بلاد «خارو» (سوريا)، وثورًا على الكوش،٤٠ وهذه اللوحة من الأهمية بمكان لأنها تقدم لنا أرفع سنة في حكم «سيتي الأول»، وهي السنة الحادية عشرة، وتدل شواهد الأحوال على أن الغرض من إقامة هذه اللوحة في هذه البقعة النائية ديني؛ إذ يدل ما بقي لنا منها على أنها تخليد لذكرى إعادة بناء معبد آمون بوجه خاص، وكذلك يشير سطر من نقوش اللوحة إلى نبوءة وقعت على ما يظهر قبل أن يبتدئ «سيتي» حكمه، وهي: «أن من أنجبه مبجل وأنه سيكون ملكا على الجماهير (؟) …» وتوجد نبوءة أخرى وقعت عند اعتلاء «سيتي» عرش الملك، وقد جاء ذكرها في النقوش التي خلفها لنا في معبد «سبيوس أرتيميدوس Sepios Artimedos» (هو المعروف بإصطبل عنتر)؛ حيث نقرأ أن الإله «تحوت» يقول (بفمه نفسه): إن ابني سيعتلي العرش جالسًا على سريره مخلدًا، ابن الشمس «سيتي مرنبتاح»،٤١ وكذلك نجد نبوءة أخرى على لوحة «نوري» العظيمة؛ حيث يقول: «إن رع صوَّر جلالته، وأنه هو الذي أبدع جماله، وقد عرف أنه سيختاره من بين ألف الألف ليكون ملكًا على الوجه القبلي والوجه البحري».٤٢

ويدل كل ما لدينا من وثائق على أن «سيتي الأول» لم يستعمل أسطورة الولادة الإلهية التي تدل على أنه منحدر من صلب الإله مباشرة، وهي التي كان يستعملها الفراعنة عندما تعوزهم الأسباب المبررة لاعتلاء العرش؛ ولكنا سنرى أن ابنه «رعمسيس الثاني» قد استعملها.

(٤) مكانة سيتي في التاريخ

ولا نزاع في أن التاريخ سيحفظ ﻟ «سيتي الأول» أجمل الذكريات، فقد أفلح في إعادة ما يقرب من نصف إمبراطورية مصر في آسيا، كما أمن طرق المواصلات بين بلاده وبين «فلسطين»، وأزال الخطر الذي كان يتهدد البلاد من ناحية بلاد «لوبيا»، وقد أفلح في ذلك فلاحًا عظيمًا لدرجة أن هؤلاء القوم لم يجسروا على القيام بأية محاولة أخرى للإغارة على مصر حتى عهد الفرعون «مرنبتاح» حفيده. وأخيرًا، يظهر أنه قد قمع الثورات التي قام بها أهل النوبة، وبذلك مهد السبيل لتثمير مناجم الذهب، وهو مشروع كان تصميمه في نفسه منذ أن تولى العرش.

ولا شك في أن كل هذه الأعمال كانت لها قيمتها العظيمة في أعين الشعب المصري، ولا بد أنه كان ينظر إليها بعين الإعجاب والتقدير، وبخاصة بعد أن بقيت البلاد في خمول وضعف سنين عدة، ولا يبعد أن رجلًا أقل عزيمة وأصالة رأي من «سيتي» كان يركب رأسه بما قال من ظفر وفتح عظيم؛ فيقوم بحروب أخرى كانت تعرِّض بلا شك كل ما كسبه للضياع والدمار، وبخاصة أمام دولة فتية قوية مثل «خيتا»، ولكن «سيتي» بتجاربه الحربية قد رأى بعين فاحصة أنه قد ذهب في فتوحه إلى الحد الذي تتحمله البلاد، ومواردها وحسب.

حقًّا إن الإمبراطورية المصرية في آسيا لم تمتد رقعتها في عهده إلى ما كانت عليه في زمن «تحتمس الثالث»، ولكن ذلك لم يكن لنقص في روح «سيتي» الحربي، بل لحسن تقديره للأمور، فقد لمس بنفسه عندما قابل رجال الجيش المصري جيش «خيتا» للمرة الأولى في وقعة حربية أنه يحارب جيشًا أشد بأسًا، وأعظم بطشًا من سلفه الذي حارب «تحتمس الثالث» بقيادة ملك «قادش» يؤازره حلفاء عديدون، ومن ثم رأى «سيتي» أن مصر لم يحن لها الوقت بعد لمنازلة مثل هذا العدو الجبار، وأنه لا فائدة من استمرار الحروب للاستيلاء على وادي «الأرنت»؛ إذ قد يدعو ذلك إلى إطالة أمد حرب مضنية مهلكة قد تكون نتائجها كارثة على مصر؛ ولذلك اتخذ سبيل الحذر والحرص، وعقد معاهدة مع الملك «مواتالو» عاهل «خيتا» القوية، ومتن هذه المعاهدة لم يصل إلينا بعد، ولكنا نعلم وجوده من إشارة ذكرها ملك «خيتا» المسمى «خاتوسيل الثاني» في المعاهدة التي أبرمها مع «رعمسيس الثاني»؛ إذ جاء فيها: «وكذلك المعاهدة السابقة التي كانت في عهد «مواتالو» والدي، فإني سأتمسك بما جاء فيها، تأمل فإن رعمسيس محبوب «آمون» حاكم مصر العظيم سيتمسك بها معي أيضًا منذ هذا اليوم.»٤٣ وسنفصل القول في ذلك في حينه.

(٥) نشاط سيتي الأول داخل البلاد

بعد أن أخذ «سيتي الأول» في إعادة جزء كبير من أملاك الإمبراطورية المصرية بحروبه المظفرة بدأ في الوقت نفسه، على ما يظهر، يفكر في إصلاح ما تخرب من معابد الآلهة على يد «إخناتون» وشيعته، وكذلك فكر في إقامة المعابد الجديدة للآلهة العظام الذين كانوا يمدونه بالنصر في ساحة القتال اعترافًا منه بحسن صنيعهم له، ولرفع شأنهم في أعين الشعب بعد أن ظلوا ردحًا من الزمن مكبوتين متروكين في زوايا النسيان، لا يجرؤ أحد على ذكر اسم واحد منهم، أو عبادته علانية.

والمباني التي أقامها «سيتي الأول» وهي التي لم تزَل باقية حتى الآن عديدة، وعلى وجه عام جميلة الصنع لدرجة كبيرة، وتمتد بقاياها من شرقي نهر «الأردن»، وشبه جزيرة سيناء، مخترقة أرض الكنانة، ومصعدة حتى «سسبي» الواقعة خلف «سمنة» معقل الحدود المصرية القديمة في الجنوب، بل وجدت كذلك في «بركل» بالقرب من الشلال الرابع، وسنتحدث هنا عن عمائره على حسب أهميتها وضخامتها.

(٥-١) قاعة العمد العظمى بالكرنك

ذكرنا فيما سبق أن «سيتي الأول» قد قام بنصيب وافر في تشييد قاعة العمد الكبرى بالكرنك في أثناء اشتراكه مع والده «رعمسيس الأول» في الحكم؛ وتدل شواهد الأحوال على أن هذه القاعة كان قد تم بناؤها عند موت «رعمسيس الأول»، وكذلك كان قد بدئ في تزيينها بالنقوش والصور، فلما تولى «سيتي» تابع تزيينها مستعملًا النقوش البارزة الجميلة التي ميزت بها آثاره، وقد أشرك معه فيما بعد ابنه الصغير «رعمسيس الثاني» في الحكم، وجعل له نصيبًا وافرًا في إتمام هذه القاعة العظيمة، ولما مات والده أنجز ما بقي من نقوشها وزخرفها.٤٤

(٥-٢) العرابة المدفونة

لقد أظهر «سيتي الأول» منذ باكورة حكمه ميلًا عظيمًا بارزًا لمدينة «العرابة» المقدسة كما تحدثنا عن ذلك لوحة «نوري» التي سنفصل فيها القول فيما بعد، ويرجع تاريخ هذا الاهتمام إلى السنة الرابعة من حكمه، إذ نعلم أنه في هذا التاريخ قد أسس معبدًا يسمى «بيت من ماعت رع راحة القلب في العرابة»، وهذا البناء لم نستطع تحديد حقيقته بصفة قاطعة، فيظن بعض المؤرخين أنه هو الاسم العلم الذي يطلق على معبد العرابة المشهور الذي أقامه «سيتي»، وفي اعتقادي أن هذا هو الرأي الصحيح،٤٥ إذ يقولون: إنه أحد أسماء معبد العرابة. وقد وُجد هذا الاسم على لوحة «نوري» بصور أخرى،٤٦ وهذا المعبد بعينه قد جاء ذكره على لوحة وُجدت في «العرابة»، وكذلك نجده مذكورًا في معبد «بوهن» الواقع بالقرب من «حلفا» باسم «بيت من ماعت رع»،٤٧ وكذلك على اللوحة رقم ٩٢ بمتحف «اللوفر»، وهي التي أهداها شخص يُدعى «رِر»، وكان يُلقب كاتب الملك، ورئيس بيت هذا المعبد، غير أننا على الرغم من كل ذلك نجد أن اسم معبد «سيتي» العظيم قد ذكر على جدرانه، وكذلك على جدران معبد وادي مياه أو «وادي عباد» بصفة مختصرة هكذا: «بيت من ماعت رع» (راجع Gauthier Dic, Geog. IV, p. 72٤٨ على أنه لا يمكن توحيده بالمعبد المسمى «راحة القلب» بمعبد «أوزيريون» الذي يقعد بجوار معبد «سيتي» الكبير؛ لأن اسم معبد «الأوزيريون» هو «آخ من ماعت رع» (له الحياة والفلاح والصحة) لأوزير (راجع Porter & Moss VI, p. 29 ff.)، ومن المحتمل إذن أنه كان اسم معبد «أوزير» القديم الذي كان قد عمل فيه «سيتي الأول» بعض الإصلاحات كما يقول «جرفث» (راجع Pertrie Abydos II, pl. XXXV & Griffith J. E. A., Vol. XIII, p. 206).

(٥-٣) معبد العرابة الكبير

لا نزاع في أن أشهر معبد أقامه «سيتي الأول» في البلاد المصرية وفي غيرها من بلدان الإمبراطورية المصرية هو المعبد الكبير الذي كانت تعظم فيه شعائر آلهة مصر الستة الهامة في «العرابة»، وكذلك كانت تقام فيه الشعائر الجنازية لملوك مصر القدامى، هذا إلى أنه كان في الوقت نفسه يعد معبدًا جنازيًّا ﻟ «سيتي الأول» نفسه، وهذا المعبد هو المعروف باسم «بيت من ماعت رع»، أو باسمه المطول «البيت الفاخر لملايين السنين لصاحبه ملك الوجه القبلي والوجه البحري من ماعت رع.»

ويقع المعبد على مسيرة سبعة كيلومترات من النيل، وقد كان يصل إليه الحجاج في الأزمان الغابرة بوساطة قناة تخرج من النيل حتى جوار المعبد نفسه.

وهذا المعبد الفخم بما يحتويه من نقوش بارزة أنيقة الصنع حفظت ألوان بعضها حتى الآن يعد من أثمن الذخائر الفنية التي ورثناها عن العالم القديم. ومما يؤسف له أن «سيتي» لم تمتد به السنون لإنجاز هذا العمل الفني المنقطع النظير بأكمله. وقد كان لابنه «رعمسيس الثاني» شرف إتمام ما بدأه والده، غير أن «رعمسيس» لم يحافظ في إنجازه على المستوى الفني الرفيع الذي اختطه والده؛ ولذلك يرى المفتن، بل الشخص العادي الفرق واضحًا بين جمال ما أقامه «سيتي» وقبح ما أنجزه «رعمسيس الثاني» في هذا المعبد، وبخاصة أنه قد قام ببعض تغييرات في البناء الذي رفعه «سيتي» لم يمكن حتى الآن معرفة ما كان يقصد بها. وتخطيط معبد «العرابة» فريد في بابه؛ إذ قد وضع تصميمه على صورة زاوية قائمة بدلًا من الشكل المستطيل المعتاد المتبع في تخطيط المعابد، على أنه قد يكون الداعي للانحراف عن اتباع الشكل المألوف وجود معبد آخر بجواره يحتوي على مبانٍ سفلية سرية، وهو المعبد المعروف الآن باسم «الأوزريون» أو الضريح، وسنتناول الحديث عنه في حينه.

وهذا المعبد على ما هو عليه الآن غير كامل لما أصابه من تهديم وتخريب، فلم يبقَ من بوابته الفخمة وردهته الخارجية العظيمة إلا دمن ضئيلة لا يزال عليها بقايا بعض زينة متناثرة من عهد «رعمسيس الثاني»، وكذلك الردهة الثانية التي زينها «رعمسيس الثاني» لم يبقَ منها إلا القليل؛ وفي نهاية هذه الردهة الأخيرة ممرٌّ مزين بالعمد المستطيلة الشكل يوصل إلى قاعة العمد الأولى التي يبلغ طولها نحو واحد وسبعين ومائة قدم، وعرضها حوالي ستة وثلاثين قدمًا. ويرتكز سقف هذه القاعة على أربعة وعشرين عمودًا، كل منها مثل في صورة حزمة من البردي، أما تيجانها فعلى هيئة زهرة لم تفتح بعد، وقد نظمت هذه العمد في صفين في مجاميع مؤلفة كل منها من عمودين؛ وبذلك يتخلف بينها سبعة ممرَّات متصلة بعدد مماثل من الممرَّات أو الطرقات في قاعة العمد الثانية، وهذه الطرقات أو الممرَّات تؤدي في نهايتها إلى سبعة المحاريب التي خُصصت لآلهة القطر الستة العظام، ولمحراب «سيتي الأول» الذي كان يُعد إلهًا في هذا المعبد أيضًا، وهكذا كانت مواكب الآلهة التي ابتدعت من أجلها هذه الطرقات على هذا النمط تدخل من الردهة الأمامية، وتتخذ سبيلها صاعدة في هذه الطرقات السبع مخترقة قاعتي العمد؛ فتتقدم مصعدة تدريجًا حتى تصل إلى المحاريب السبعة المقدسة التي كان يأوي إليها الآلهة، غير أن «رعمسيس الثاني» — لسبب غاب عنا — قد أقام جدارًا منخفضًا حاجزًا بين ثلاثة العمد الخارجية المربعة الشكل الواقعة على الجانب الشرقي، وبين العمودين الثاني والثالث الواقعين على الجهة الغربية؛ وبذلك أغلق المدخل المباشر للطريق التي بين العمد المؤدية إلى محاريب كل من «سيتي الأول»، والإله «بتاح»، والإله «حور اختي»، والإلهة «إزيس»، ولم يترك بذلك منافذ إلا لمحاريب كل من الإله «آمون»، والإله «أوزير»، والإله «حور».

والنقوش التي زُخرفت بها قاعة العمد الأولى من النوع الرخيص الذي أصبح طرازًا خاصًّا ﻟ «رعمسيس الثاني» في جميع نقوش مبانيه الدينية المعروفة على وجه عام، وسقف قاعة العمد الثانية محمول على ستة وثلاثين عمودًا انتظمت في ثلاثة صفوف في مجاميع أُلِّف كل منها من عمودين، والأربعة والعشرون عمودًا التي يتألف منها الصفان الأولان من طراز العمد البردية الشكل، وتيجانها برعومية الصورة، أما باقي العمد فقد مثلت على هيئة جذوع شجر سيقانها أسطوانية، وقمتها مربعة بسيطة، وليس لها تيجان؛ ويلاحظ أن رقعة القاعة ترتفع قليلًا بين صفي العمد الثاني والثالث بالنسبة لباقي السطح، ويصل الإنسان إلى الجزء المرتفع بوساطة منحدرات ستة لكل من الممرات الستة، وكذلك يوجد منحدر ذو درجتين خاص بالممر الأوسط. ويلاحظ في المعابد المصرية أن العمد تقل في الارتفاع كلما اقترب الإنسان من المحراب؛ وذلك لأن السقف يأخذ في الانخفاض تدريجًا، ولكن في «العرابة المدفونة» يلاحظ أن العمد قد اختصر طولها لا بسبب انخفاض السقف، بل لارتفاع مستوى رقعة المعبد نفسها، وقد يعزى ذلك إلى ارتفاع طبعي في الأرض نفسها.

ويرجع تاريخ المناظر والنقوش التي حُلِّيت بها قاعة العمد الثانية إلى عهد «سيتي الأول»، وهي من أحسن ما أخرجته يد المثال المصري في هذا العهد. ومما يسترعي النظر في هذه المناظر أن الآلهة الذين مثلوا برءوس آدمية قد صوروا جميعًا بنفس الوضع الجانبي الذي مثل به الفرعون، ومن ثم نرى أن المفتن عندما كان يستعمل صورة الفرعون لتكون نموذجًا معبرًا عن صورة الإله، فإنه كان يتملق الفرعون ملقًا مزدوجًا؛ وذلك لأن جمال صورة «سيتي» أولًا كان خليقًا أن يمثل به تقاطيع صورة الإله نفسه، وثانيًا لأن التشابه بين صورة الملك والإله يؤكد ما يدعيه كل ملك مصري من بنوَّته للإله، وهذا التقليد كان متبعًا من قبل، كما يلحظ ذلك في صور الملك «توت عنخ آمون»، وتشابهها بصور تماثيل الإله «آمون»: وتقع المحاريب السبعة الخاصة بآلهة المعبد خلف قاعة العمد الثانية.

fig4
شكل ٢: معبد العرابة. «سيتي الأول» يطلق البخور ويُقدم القربان للإله أوزير وقد ظهر خلفه ابنه حور.

وقد انتظمت في الترتيب التالي من أقصى اليمين؛ إذ نشاهد أولًا محراب الإله «حور»، ويليه محاريب الآلهة «إزيس»، و«أوزير»، و«آمون»، و«حور اختي»، و«بتاح»، ثم محراب «سيتي الأول» نفسه؛ إذ كان يُعد إلهًا أيضًا. ويلاحظ أن كل هذه المحاريب لم تكن لها أبواب من خلفها إلا محراب «أوزير»، فقد كان له باب يؤدي إلى قاعة ذات عمد، يوجد في الجانب الغربي منها ثلاث مقاصير صغيرة لثالوث الآلهة المؤلف من: «أوزير»، و«إزيس»، و«حور»، هذا بالإضافة إلى مقاصير أخرى مهداة للإلهة «نفرتوم»، و«بتاح سكر»، ثم الإله «سكر». ومن ذلك نعلم أنه على الرغم من أن المعبد كان مُهدى لأوزير فإنه كان بجانب ذلك يحتوي على محاريب لآلهة مصر العظمى، ويلفت النظر محراب «آمون» ملك الآلهة؛ إذ كان يحتل المحراب الأوسط بين محاريب الآلهة، وعلى يمينه محراب «بتاح منف»، ومحراب الإله «حور اختي»، ويقابلهما على اليسار محرابا «أوزير»، و«إزيس»، في حين أن محراب الملك الذي كان مؤلهًا يقع في الجهة اليسرى ويقابله في الجهة اليمنى محراب «حور بن إزيس»، وهذا الوضع الأخير ربما كان عن قصد؛ لأن «سيتي الأول» كان يريد أن يؤكد وجه الشبه بينه وبين «حور» في كل مناسبة ممكنة، فقد وجد نفسه هنا مع الإله «حور» بوصفه الملك الشرعي على مصر.

وبين الصفين الأخيرين من قاعة العمد الثانية في الجدار الشرقي باب يؤدي إلى ممر ضيق يوصل إلى قاعة ذات عمد؛ وعلى الجدار الجنوبي من هذا الممر الضيق نُقشت قائمة أسماء الملوك الشهيرة باسم «قائمة العرابة»، وتشمل أسماء ملوك مصر الذين عدهم «سيتي الأول» ملوكًا شرعيين للبلاد؛ وقد بدأت هذه القائمة باسم الملك «مينا»، وانتهت باسم «سيتي الأول»، ومما تجدر ملاحظته في الأسماء التي دوِّنت على هذه القائمة أن اسم الملكة «حتشبسوت»، وكذلك كل أسماء ملوك عهد الإصلاح الديني؛ أي «إخناتون» وأخلافه لم يُنقشوا فيها.

وكان الغرض من تدوين أسماء الملوك الذين ذُكروا في هذه القائمة التي تعد في نظرنا وثيقة تاريخية من الطراز الأول، هو إقامة شعائر عبادة هؤلاء الملوك القدامى، ولا أدل على ذلك من أننا نرى «سيتي الأول» يصحبه ابنه «رعمسيس الثاني» الفتى الصغير يقرأان صلوات من إضمامة «بردي»، وهاك ما جاء عليها: تأدية الصلاة للموتى «ليت «بتاح سكر»، و«أوزير» رب القبر الذي يسكن معبد «سيتي الأول» يضاعفان الهدايا لملوك الوجه القبلي والوجه البحري بوساطة الملك «سيتي»؛ فيجعلانها ألفًا من الخبز، وألفًا من أباريق الجعة، وألفًا من الماشية، وألفًا من الأوز، وألفًا من البخور … إلخ على يد الملك «سيتي الأول» للملك «منا» … إلخ.» (بعد ذلك تتبع أسماء الملوك).

ويشاهد على رقعة الجدار الجنوبي من نفس هذا الممر كل من «سيتي»، و«رعمسيس» الفتى الصغير يقدم البخور والقربان للآلهة، ويلاحظ أن «رعمسيس الثاني» كان يرتدي جلبابًا نُقش عليه طغراء الملك بمثابة حلية، وفي هذا برهان على أنه كان في هذه الفترة مشتركًا مع والده في الحكم، وعلى ذلك يدل تمثيله في صورة صبي صغير لم يبلغ الحلم بعد على صحة ما قاله عن نفسه في نقش الإهداء الذي دونه فيما بعد على جدران هذا المعبد، وقد ادعى فيه أنه قد تُوج ملكًا مشتركًا مع والده في حكم البلاد، وهو لم يزل طفلًا صغيرًا، ويقتبس لنا في هذا النقش الأمر الملكي الذي أصدره والده بمناسبة تنصيبه ملكًا معه، فيقول سيتي: «توِّجوه ملكًا حتى أرى جماله وأنا عائش.»٤٩

وقد عارض الأستاذ «برستد» ما ادعاه «رعمسيس الثاني» من اشتراكه مع والده في الحكم، وهو صغير، غير أن لدينا آثارًا أخرى تثبت صحة ما ادعاه «رعمسيس». ويقول الأستاذ «كيث سيلي» في هذا الصدد: «والآن نعلم أن ادعاءات «رعمسيس الثاني» لا لبس فيها من حيث اشتراكه في الملك مع والده «سيتي الأول»، وقد اعترض عليها بأنها لا تنطبق على الواقع، وبخاصة ما يشير إليه «برستد» بصدد الإضافة التي حُشرت في رسوم الواقعة التي صوِّرت على جدران الكرنك، وهذه الادعاءات ليست مرجحة فحسب، بل إنها قد أصبحت محققة تحقيقًا أكيدًا بالبراهين المعاصرة، هذا على الرغم من عدم وجود آثار باقية تشمل تاريخًا مشتركًا لهما في سنة واحدة من سني حكمهما معًا، كما نجد مثل ذلك في ملوك الأسرة الثانية عشرة.» وسنتناول موضوع اشتراك هذين الفرعونين في الحكم معًا فيما بعد.

وقد زُينت جدران الردهة التي يؤدي إليها الممر المكتوب عليه أسماء الفراعنة بمناظر ذبح ثيران، وتقطيعها لتقدم قربانًا، ومن المحتمل أنها كانت المكان العام للذبح في هذا المعبد، ويوجد خلفها عدة حجرات وقاعات صغيرة، وسلم يؤدي إلى السقف.

وكان يحوط هذا المعبد في إبان ازدهاره حديقة غناء مغروسة بالنباتات المزهرة والأشجار الباسقة، وقد ظلت بقايا جذوع هذه الأشجار موجودة في أماكنها الأصلية في حفر عميقة حتى أخرجها معول الحفار عندما كشف عن هذا المعبد الذي تكتنفه الصحراء القاحلة الآن.

وتدل مادة مباني المعبد على أنه قد رفع بنيانه كله بالحجر الجيري الأبيض ذي الحبات الدقيقة، ويسهل فيه نحت الأشكال الفنية، وقد استفاد المفتن الذي كُلِّف تزيين هذا المعبد من ذلك؛ فأظهر كل ما أوتيه من مهارة لإخراج صورة على هذا الحجر الطيع السلس القياد. وقد ذكرنا من قبل أن كل صور الآلهة الذين مثلوا برءوس آدمية كانت وجوههم تُنحت بصور الفرعون نفسه، وقد دلت الموازنة بين هذه الوجوه ووجه مومية «سيتي الأول» على أن الشبه بينهما كان تامًّا، ويعد طراز النحت الذي يسود في هذا المعبد من طراز عهد المذهب القديم، وليس فيه أية إشارة تدل على تأثير فن مدرسة عهد «إخناتون»، ولكن الغريب هو أننا لم نرَ من قبل ولا من بعد أن فن العصر الذي سبق عهد «إخناتون» قد أخرج للناس نقوشًا غاية في الإبداع مثل التي جُملت بها جدران هذا المعبد في الجزء المنسوب إلى «سيتي» وكذلك النقوش التي حُليت بها جدران مقبرته الفخمة. والواقع أن التأثير العظيم الذي تتركه هذه النقوش يرجع بعض الفضل فيه إلى مهارة المثَّال الذي كان يسير في عمله بكل دقة على نهج مدرسة ما قبل عهد العمارنة؛ إذ قد جمع مناظره ورتبها، وكذلك أفسح المسافات بين الأشكال، وبين النقوش مما لا يقتصر على إنتاج صور فنية وحسب، بل كذلك وضع أمامنا نموذجًا جميلًا متزنًا، هذا فضلًا عن أن الصور نفسها قد أُخرجت بدقة ورشاقة يكاد يعجز القلم عن وصفها. وعلى سبيل المثال نأخذ صورة «أوزير» وهو مزمل في ملابسه العادية التي كانت تعد بمثابة كفن، فنجد أن المثَّال قد أخرج صور هذا الإله بمهارة مدهشة؛ إذ أظهر فيها كل التفاصيل التشريحية من تحت الملابس، حتى أصبح في استطاعتنا أن نرى تفاصيل العضلات التي في ذراعيه الموضوعتين على صدره، كما نشاهد تفاصيل عظام الفخذين، ودقائق مفاصل الركبتين والكعب، ولكن على الرغم من كل هذا الإبداع في التصوير يقول الأستاذ «بتري» عن نحت هذا المعبد ما يأتي: «إن النعومة البديعة، والإتقان التام اللذين نشاهدهما في العمل الجيد الذي أقامه «سيتي الأول» في العرابة خالٍ تمامًا من كل حياة، وعارٍ عن قوة الملاحظة؛ إذ ليس فيه تفاصيل تشريحية، بل قد أخرجته آلات إنسانية تحسن الصنعة لم يكن في مقدورهم أن يعبروا عن عاطفة لم يحسوا بها أنفسهم.»٥٠ على أن مثل هذا الحكم يجعل الإنسان في حيرة من أمره، ويتساءل عما إذا كان «بتري» قد فحص مناظر معبد العرابة حقيقة، أو أنه قد بنى حكمه على بعض صور من التي تُعد من الدرجة الثالثة بالنسبة لصور المعبد الرائعة؛ حيث توجد التفاصيل التشريحية ظاهرة واضحة لكل ذي عينين، هذا فضلًا عن أن الصور كلها عاطفية إلى حد كبير؛ إذ إن كل حركة من حركات الفرعون أو الإله مملوءة بالرشاقة والحنان والعواطف الطافحة التي يعبر فيها عن الحب والإخلاص. وعلى الرغم من أننا نجد أحيانًا إشارات عابرة تدل على الكآبة، وهي التي نلحظها في الابتسامات الحلوة المطبوعة على وجوه الإلهات، فإنها تُعد مع ذلك انتصارًا للفن؛ لأن المثَّال قد نجح في إسباغ الرشاقة الرقيقة التي تُطبع بطابعها العذارى في عنفوان شبابهن، وفي الوقت نفسه أضفى على صور هؤلاء الإلهات مسحة الجلال والوقار اللذين تتميز بهما امرأة أعلى من بنات البشر.

وإذا كانت نقوش معبد «العرابة» تنقصها قوة الفن القديم وحيويته؛ فإنها من جهة أخرى قد اكتسبت حواس داخلية تعبر عن أحاسيس نفسانية. والواقع أن فن الدولة القديمة على ما فيه من جمال وصدق تعبير كان خاصًّا بعالم الدنيا والمادة، في حين أن مثَّال «العرابة» عندما كان يمثل جسم الإنسان في كل مظاهر جماله ألقى نظرة خاطفة على ما هو أعظم من ذلك الجمال المادي، وهو جمال الروح الذي يقع وراء الجسم، وقد وصل بمهارته ودأبه الذي لا يعرف الملل إلى أن مثل الصورتين الجسمية والروحية في قطعة واحدة من الحجر الجيري الأبيض.

على أن تقدير قيمة هذه النقوش المدهشة بالنسبة لذوق عصرنا الحالي يمكن إدراكه في المناظر التي ذهبت عنها ألوانها التي كانت تزينها. ويجب أن نعترف بأن المثَّال الذي حفر هذه المناظر كان عبقريًّا، كما أن الذي أبدع ألوانها لا يقل عنه مهارة وحذقًا، فالألوان التي لا تزال باقية حتى الآن في أماكن كثيرة من أرجاء المعبد كما كانت عليه في الأصل تشبه قطع المجوهرات في بهائها ورونقها، فلا يعتورها أي نقص أو سماجة في إبداعها، فنشاهد مجاميع الألوان متزنة التوزيع والتنسيق، ويسودها ظلال بديعة من اللون الأزرق واللون الأخضر، مشفوعين باللون الأحمر القاني، والأصفر الفاقع. وقد كان المصري يستعمل اللون الأزرق بدلًا من الأسود كلما سمحت الأحوال بذلك؛ تفاديًا من وقوع تغيير مفاجئ في ظهور قطع من الألوان المتناقضة التي تزوَر عنها العين، ويمجها الذوق. والواقع أن اللون الأسود كان يستعمل في الأصل لإبراز التفاصيل الدقيقة الصغيرة مثل: العينين، والحاجبين.

ويخيل للإنسان أن جدران هذا المعبد عندما كانت سقفها تامة كانت تشبه قطع المجوهرات الذهبية الثمينة المرصعة بالأحجار نصف الكريمة التي عرفناها في مجاميع المجوهرات التي عُثر عليها من عهد الأسرة الثانية عشرة في «اللاهون»، و«دهشور»، وكذلك ما أُخرج من مقبرة «توت عنخ آمون».

والواقع أن الفن المصري الذي مثل في معبد «العرابة» كان مثله كمثل أغنية البجعة، أو كبيضة الديك، لم يصل المصري ثانية إلى جماله وسمو منزلته قط في أي عصر من العصور التي تلت.

وعندما قضى «سيتي» كان الجزء الرئيسي من المعبد قد تم تشييده، فلم يبقَ منه إلا الردهة الخارجية، التي لم تكن قد تمت زينتها، أو أخذت زخرفها بعد.

وفي استطاعة الإنسان الآن بعد هذا الوصف أن يرخي لخياله العنان، ويتصور الأحفال والشعائر الدينية التي كانت تقام في هذا المعبد في حياة بانيه، فيشاهد أمامه مواكب الكهنة بملابسهم البيضاء يتهادون في الطرقات بين الأعمدة المزخرفة بأجمل الألوان، متجهين نحو المحاريب التي كانت تشبه في بهائها قطع المجوهرات الأخاذة، كما أنه في استطاعتنا أن نسمع في مخيلتنا أغاني أولئك الكهنة في ردهات المعبد، ونشم رائحة البخور ودخانه الأبيض الذي يتصاعد من المباخر نحو سقف القاعات المحلاة بالألوان البديعة، وكذلك في استطاعتنا أن نتصور الفرعون نفسه راكعًا أمام أرباب «العرابة» في ملابسه الفاخرة ذات اللون الأزرق والذهبي، وهي نفس الملابس التي كان يرتديها الآلهة وهم جالسون على عروشهم، أو وهم واقفون يستقبلون الفرعون، أو يقودونه إلى عرش ملكه عند الاحتفال بتتويجه، أو حينما نراهم كذلك، وهم يتقبلون منه الأسرى الذين كانوا يقدمون لهم عبيدًا جزاء لما وهبوه الفرعون من انتصارات ساحقة على الأعداء في البلاد النائية.

(٥-٤) الاوذديون أو ضريح «سيتي الأول» بالعرابة المدفونة

يقع خلف المعبد العظيم الذي أقامه «سيتي الأول» في العرابة — وهو الذي فصلنا فيه القول فيما سبق — بناء سري تحت جوف الأرض، ليس له مثيل في كل المباني الأثرية التي عثر عليها في مصر حتى الآن.٥١ والمعتقد أنه كان متصلًا بالمعبد الكبير السالف الذكر، ولا أدل على ذلك من أن هذا البناء يقع بأكمله داخل المنطقة المقدسة الخاصة بهذا المعبد، وباب هذا البناء المقوس الشكل يقع أسفل جدار هذه المنطقة الحرام بالقرب من ركنها الشمالي الشرقي، وقد أقيم معظمه من الحجر الرملي، والجزء الباقي منه مبني بالجرانيت، والحجر الجيري الأبيض.

ويؤدِّي مدخل هذا المبنى إلى ممر طويل ضيق، يبلغ طوله نحو أربعة عشر مترًا، وعرضه نحو مترين وستين سنتيمترًا، ويتجه جنوبًا وينتهي بحجرة للاستراحة على ما يظهر، يتفرع منها ممر ضيق قصير يتجه شرقًا، ويؤدي إلى قاعة مستطيلة الشكل، يوجد في وسط جدارها الغربي منفذ يؤدي إلى قاعة وسطى عظيمة، تعد النواة لهذا المبنى الغريب.

وتحتوي هذه القاعة العظيمة على جزيرة في وسطها تحيط بها قناة، ويحيط بكل القاعة طنف عرضه حوالي ستين سنتيمترًا يقطعه في جهتيه الشرقية والغربية دعامات يرتكز عليها العقد، ويؤدي هذا الطنف إلى سبع عشرة حجرة صغيرة مربعة الشكل، ست منها على كل جانب من جانبيها الطويلين، واثنتان على الجانب الغربي، وثلاث على الجانب الشرقي. ويشاهد حول الجزيرة نفسها طنف آخر موازٍ للذي حول القاعة العظيمة، ومماثل له، ويعترضه عند نهاية الجانبين الشرقي والغربي سلَّمان مصنوعان من الحجر، وينزل الأول بإحدى عشرة درجة، والثاني باثنتي عشرة درجة إلى مسافة ثلاثة أمتار وخمسة عشر سنتيمترًا، وينتهي هذا السلم بدرجة واسعة ينزل منها الإنسان إلى قعر القناة مباشرة.

أما الجزيرة السالفة الذكر فقد بُنيت من الحجر الرملي الضخم، ويعتقد الأثريون الذين كشفوها أنها صلبة، وأقيم عليها عُمُد من الجرانيت القرنفلي اللون يرتكز عليها السقف، ويلاحظ أن سبعة منها من قطعة حجر واحدة، وهذا يذكرنا بعمد معبد الوادي الذي أقامه «خفرع» لهرمه بالجيزة. والواقع أنه لما كشف عنها أولًا لم يكن في استطاعة رجال الآثار معرفة كنه هذا البناء، ولكن لما تقدمت أعمال الكشف في هذا المكان ظهر أن هذا البناء لم يكن قد تم إنجازه تمامًا، ولا أدل على ذلك من أن اسم بانيه وصورته لم يُنقشا على المبنى الأصلي، بل جاءا عرضًا في النقوش والمتون التي على الأجزاء الأخرى الثانوية من المبنى.

ويستند على عمد الجرانيت السالفة الذكر عقد ضخم من نفس مادة العمد، كما كانت تحمل العمد البارزة من الجدارين الشرقي والغربي للقاعة الوسطى عقودًا، وكانت هذه العقود بدورها تحمل أحجار السقف الضخمة.

وعلى سطح الجزيرة العلوي بين صفي العمد حفرتان قريبتا الغور؛ إحداهما: مستطيلة، والثانية: مربعة. ويلاحظ أن القناة التي بين الجزيرة وبين جدران القاعة كانت ولا تزال مملوءة بالماء الذي يكون في زمن الفيضان على مستوى واحد مع الطنف، والظاهر أن مستوى منسوب الماء في عهد «سيتي الأول» كان أقل مما هو عليه الآن بنحو ثلاثة أمتار وخمسة وعشرين سنتيمترًا؛ وبذلك كان الماء يغطي وقتئذ الدرج السفلي من السلم في وقت الفيضان، وقد حاول الحفارون الأحداث تفريغ الماء من هذه القناة بآلات بخارية فلم يفلحوا.

وقد بُنيت جدران هذا المبنى بالحجر الجيري، إلا في الجهة الغربية فإنها من الحجر الرملي.

ولما كانت هذه القاعة العظيمة تُغمر دائمًا بالمياه في أثناء الفيضان، فإن ما عليها من نقوش سرية قد مُحيت، ولكن السقف المبني من الحجر الرملي الأصفر لم يصبه عطب كبير، وقد بقي لنا من نقوشه الطريفة متن تمثيلي يشرح لنا كيف أن إله الأرض «جب» تخاصم مع الإلهة «نوت» ربة السماء بسبب التهامها أولادها النجوم، وقد مثلها الإله «جب» في صورة خنزيرة تأكل صغارها! وهذه القاعة ليس لها مدخل، ولا يمكننا أن نجزم إذا كان قد وضع لها في الأصل عند تصميمها باب، ولكن من الجائز جدًّا أنها صُنعت لتكون مستورة تمامًا، وتذكرنا هذه القاعة بالحجرة ذات الطابقين المستورة من كل الوجوه التي وُجدت في معبد «سيتي» الكبير في الشمال الغربي منه.

الغرض من هذا المبنى

كان من المعلوم أن الجمَّ الغفير من عامة الشعب يرغبون عندما تسمح لهم مواردهم أن يقيموا لأنفسهم آثارًا جنازية من أي نوع في جبانة العرابة، وذلك على الرغم من أن مدافنهم كانت في مسقط رأسهم، وسبب ذلك أن العرابة كانت البلدة المقدسة التي تواري جثمان «أوزير» إله الآخرة، وقد ذكرنا في مواطن عديدة أن بعض الملوك قد أقاموا لأنفسهم في العرابة أضرحة رمزية غير مقابرهم الحقيقية التي أقيمت بالقرب من مقرِّ ملكهم، ونخص بالذكر من بين هؤلاء؛ الفرعون «سنوسرت الثالث»، والملكة «تتي شري» التي أقام لها «أحمس الأول» مقبرة في «العرابة المدفونة» (راجع الجزء الرابع)؛ ولذلك يرى الأستاذ «فرنكفورت» أن المبنى الذي نحن بصدده الآن هو من نوع هذه المباني الجنازية؛ ويعتقد أنه ضريح «سيتي الأول» الرمزي، وأنه أقامه لنفسه على أديم «العرابة» المقدسة على غرار قبر الإله «أوزير» الذي أقيم في هذه البقعة المباركة على زعم المصريين. والعناصر المختلفة التي يتألف منها هذا المبنى تعيد إلى ذاكرتنا نظام مقابر الملوك في طيبة الغربية، فمثلًا: نجد الممر الضيق الطويل، والعمد المربعة القائمة في القاعة الوسطى، والحجرة المستطيلة الواقعة في الشرق، وهي التي تشبه في هيئتها تابوتًا ضخمًا، وتذكرنا بحجرة تابوت هرم سقارة؛ ولكن القاعة الوسطى العظيمة والجزيرة ليس لهما نظير في أي قبر ملكي معروف لنا، غير أن القاعة تشبه مدفن «أوزير» التقليدي، أما الجزيرة فتمثل التل الأزلي،٥٢ وهو على حسب عقيدة كهنة «عين شمس» قد ظهر أولًا من المياه الأزلية المسماة «نون»، وقد وقف على هذا التل الإله «رع» في أول صباح بدأ الخليفة، ثم كان يقف فيه فيما بعد عند مطلع الشمس في كل صباح. ولما كانت كل من الشمس الغاربة والشمس المشرقة ترمز للموت والقيامة ثانية على التوالي، وكذلك لما مُزجت على مر الأيام عبادة الشمس بعبادة «أوزير» الذي مات ليحيا ثانية مثل الشمس، فقد أصبح هذا التل الأبدي هو المكان المناسب لدفن «أوزير» الذي كان قد مات، ثم أُحيي ثانية، ثم وصل إلى الخلود بدفنه هذا، وصار يرافق الشمس في دورتها التي يتمثل فيها الموت عند الغروب، والحياة عند الشروق، وهكذا على التوالي.
وقد جمع كل من الأستاذ (كرستنسن Kristensen)، والأستاذ (دي بك De Buck) براهين قاطعة تثبت أن التل الأزلي كان يمثل بسلم ذي درج متين يدفن عليه «أوزير»، أو كان يجلس عليه بوصفه حاكم الموتى، وفضلًا عن ذلك يرى الأستاذ «كرستنسن» أن دفن «أوزير» على التل الأزلي قد أشير إليه في السلم الشهير القائم بالعرابة المدفونة، وهو المكان الذي يرغب أن يدفن بالقرب منه كل مؤمن صادق الإيمان،٥٣ وعلى ذلك يعتقد «فرنكفورت» أن الجزيرة تمثل التل الأزلي، ولهذا يعد الحفرة المستطيلة الشكل التي في رقعتها الموجودة بين العمد هي المكان الذي وضع فيه التابوت، أما الحفرة الأخرى المربعة التي بجوار حجرة التابوت فهي المكان الذي كانت تُحفظ فيه أواني الأحشاء، أما الماء الذي في القناة فيمثل المحيط الأزلي، وهو على حسب التفكير المصري كان له معنى آخر ثانوي؛ فارتفاع الماء فيه وانخفاضه حول الجزيرة يذكرنا بالاعتقاد العام بأن «أوزير» كان مفروضًا فيه أنه يغرق كل سنة في ماء الفيضان الذي كان يأتي كل عام، ثم يعود ثانية إلى الحياة بعد انخفاض المياه، فكان مثله كمثل الزرع الذي يحيا ثانية بعد انقضاء فصل الفيضان، وهكذا كل عام. وفضلًا عن ذلك نجد على الجانب الشرقي من هذا الضريح حفرة بعيدة الغور مملوءة بالغرين الخصب، وكانت تنمو فيها خميلة أشجار، وكانت هذه الحفرة التي فيها الشجر تمتد إلى قعر جدران القاعة الوسطى لتصل الأشجار التي فيها إلى مياه القناة. ويعتقد الأستاذ «فرنكفورت» أن هذه الأشجار تمثل الحياة الطبعية التي تُجدَّد أبديًّا؛ لأنها تُسقى بماء المحيط الأزلي وبمياه الفيضان التي تنبع منها كل الحياة الطبيعية.٥٤

ويلفت الدكتور «كرستنسن» النظر إلى متن ورد في كتاب «الموتى» يبرهن على أن في عهد الدولة الحديثة كان التل الأزلي الذي موضعه الأصلي في «عين شمس» مقرًّا للإله «رع»، أصبح القوم يعتقدون أنه في العرابة المدفونة.

وقد ترك «سيتي الأول» ضريحه الرمزي هذا دون أن يتم بناؤه بعد، ولم يهتم «رعمسيس الثاني» ابنه بإتمامه. وتدل الظواهر على أنه قد اغتصب بعض أحجاره الجرانيتية من السقف، واستعملها في بناء معبده الذي أقامه بالعرابة. أما «مرنبتاح» حفيد «سيتي»، وابن «رعمسيس الثاني» فإنه نقش باسمه الجدار الشرقي لهذا الضريح، وجزءًا من العقد الجنوبي، والممر المنحدر، وحجرة الاستراحة، وممر المدخل، وكذلك وضع صوره عليها.

وتدل شواهد الأحوال على أن هذا المبنى قد بقي بعد ذلك مهجورًا إلى أمد طويل، ويحتمل أن النهاية الشمالية من مدخل الممر الطويل قد استعملت مخبأ لأشياء ثمينة؛ إذ وجد في هذا المكان إناء جميل الصنع من البرنز طوله تسعة وثلاثون سنتيمترًا، وكذلك عثر على كنز من النقود من عهد البطالمة، وكذلك خيط جميل نُظمت فيه حبات من حجر الدم.

وقد زار «استرابون» العرابة في العهد الإغريقي الروماني، ووصف المعبد الذي أطلق عليه اسم (ممنوريم Mimnoruim) (راجع Strabo XVIII) أي في خلال القرن الأول من الميلاد، وبعد الوصف يقول: «وهناك بئر عميقة ينزل الإنسان إليها بوساطة قبو مقام من أحجار فائقة في الحجم والصنع، وتوجد قناة تؤدي إلى هذا المكان من النهر العظيم، وحول هذه القناة خميلة من شجر السنط المقدس للإله «أبوللو».» ولا شك في أن هذه القناة هي التي تحيط بالجزيرة في القاعة الوسطى العظمى، وهي التي تحدثنا عنها في هذا الضريح؛ وكان يستعملها أهل القرى المجاورة في عهد «استرابون» بمثابة بئر يمتاحون منه المياه، كما كانت مستعملة في الأزمان الحديثة منذ عام ١٩١٤، وهو التاريخ الذي ظهرت فيه القناة ثانية.

أما الخميلة التي ذكرها «إسترابون» فيحتمل أنها تشير إلى الأشجار التي زُرعت في حفر الأرض التي سبق ذكرها، والقناة التي توصل البئر بالنيل يمكن أن تكون مجرد موصل إلى القناة التي كانت موجودة وقتئذ كما هي الحال الآن، وتمتد من النيل حتى حافة الأرض المنزرعة بالضبط أمام المعبد.

ويمكن البرهنة على وجود هذه القناة في الزمن القديم بما جاء على قطعة «استراكون»٥٥ وجدت في مدخل الممر المؤدي للضريح، وقد كُتبت بالهيراطيقية، ويشير المتن إلى جر الأحجار وتفريغها، والعمل في الجسور. ويرجع عهد هذا النقش إلى حكم «سيتي الأول»، ومغزاه ترخيص بعمل تقوم به طائفة من العمل (؟) في أحد مباني الفرعون، وقد أرِّخ بالشهر الرابع من فصل الزرع في اليوم الثاني والعشرين.

متون هذا الضريح

والمتون التي وجدت على جدران هذا الضريح معظمها جنازية من النوع الذي نصادفه عادة في المقابر الملكية في عهد الدولة الحديثة، ويرجع الجزء الأعظم منها إلى عهد الفرعون «مرنبتاح»، وليس فيها ما يلفت النظر إلا متنان يستحقان التقدير والدرس. فعلى الجانب الغربي من سقف حجرة التابوت تشاهد صورة ضخمة تمثل الإلهة «توت» ربة السماء، يرفعها الإله «جب» رب الأرض، وقد ذُكر على رسم جسم هذه الإلهة أسماء نجوم الدكان وكل واحد منها يظهر مرة كل أسبوع (وهو عشرة أيام)، كما دون على بطنها وذراعيها وساقيها قائمة بأسماء الأيام والأشهر التي يحدث فيها ظهور البرج المقابل في الصباح، أو في منتصف الليل، أو في الغروب، ومن جهة أخرى يمكن الإنسان استعمال هذه القائمة الآن لتحديد اليوم والفصل من السنة، وساعة الليل عندما يلاحظ السماء ليلًا، ويتعرف على مواقع مجاميع النجوم أو الأبراج.

وتسهيلًا لذلك كان الظهور الحقيقي لكل مجموعة أو برج يرسم تحت اسمه على جسم الإلهة «توت»، أما التغييرات في مواقع النجوم التي كانت تبتدئ بطبيعة الحال تدريجًا من ليلة إلى ليلة، فقد قدرت هنا بمدة عشرة أيام؛ وبذلك تكون الفروق بين كل مدتين متتاليتين كافية لملاحظتها.٥٦

أما المتن الثاني الهام، فقد وُجد على نفس السقف، وفيه تُقرأ التعليمات التي كانت لازمة لعمل مزولة، أو ساعة شمسية، وكيفية استعمالها.

وأما المتن الأخير الهام، فيوجد في الجانب الغربي من سقف حجرة التابوت أيضًا، وهو متن التمثيلية التي أشرنا إليها آنفًا؛ حيث نجد الإله «جب» يتخاصم مع الإلهة «توت»، ومما يؤسف له جد الأسف أن جزءًا عظيمًا من هذا المتن قد وُجد مهشمًا.

(٥-٥) مرسوم «نوري» والمؤسسات الخيرية التي أقامها «سيتي» بالعرابة

نعود الآن بعد أن تحدثنا عن معظم آثار «سيتي الأول» الباقية في «العرابة المدفونة» وغيرها، فنفحص الموارد التي كان قد أعدها لتموين هذه المنشآت العظيمة، وغيرها من الأعمال التي قام بها في طول البلاد وعرضها.

كان من الصفات البارزة في أخلاق الفرعون «سيتي الأول» تحيزه الظاهر لمدينة العرابة، والآلهة الذين كانوا يُعبدون فيها، وقد حدثنا «مسبرو» عن مقدار هذا التحيز، فاستمع لما يقول: «إنَّا لا نعلم السبب الذي كان من أجله يميل «سيتي» إلى هذه البلدة ميلًا خاصًّا، فمن المحتمل أنه كان يملك فيها فيما مضى بعض الضياع، أو ربما كان يرغب في أن يظهر إجلاله الخاص لإلهها المحلي، وكان غرضه من إغداق الحمد له أن يجعل القوم ينسون أنه كان يحمل اسم الإله «ست» المتهم بقتل أخيه «أوزير» صاحب «العرابة»،٥٧ ومن ثم كان يعرف بإله الشر.»

وقد يوجد سبب آخر لذلك الحب الظاهر للعرابة، وﻟ «أوزير» أكبر آلهتها، فعلى الرغم من أن «سيتي» كان ثاني ملوك أسرته، فإنه — كما أثبتنا من قبل — لم يكن من دم ملكي، ولكن مع ذلك كان ملكًا وابن ملك، وإن كان هذا اللقب الأخير لم يطلق عليه إلا بعد أن صار رجلًا مكتمل الرجولة.

ومن المعلوم أن كل فرعون كان يتقمص صورة «حور» على الأرض، ولكن لما لم يكن موقف «رعمسيس الأول» من عرش الملك وطيدًا، ولم يكن من حقه أن يحمل هذا اللقب المقدس؛ فإن «سيتي» من جهة أخرى كان يعد نفسه «حور» بحق، وحاكم مصر الذي اعتلى مكانته الرفيعة على عرش والده، وربما كان غرض «سيتي الأول» الذي كان يحمل فيما مضى لقب الكاهن الأول للإله «ست» أن يبرز بجلاء علاقته السامية مع الإله «أوزير»، فترك إله أسرته وإلهه المحلي حبًّا في «أوزير» والد «حور»، ومن ثم عقد العزم بوصفه ابنًا بارًّا ﻟ «أوزير» على أن يمجد والده المحبوب؛ ولذلك كان من الطبعي أن يوجه عناية خاصة للعرابة المدفونة التي كانت تعد أقدس مكان لعبادته. والواقع أن الإنسان يشعر بروح الإخلاص الذي كان يسود كل نواحي معبد العرابة، ويلحظ أن الدافع الأول لإقامته هو وغيره من المباني الدقيقة كان الحب الطاهر المقدس لثالوث «أوزير».

ويدل ما لدينا من نقوش على أن «سيتي الأول» قد أصلح معبد «أوزير» القديم في العرابة، وكان قد تهدم في الأيام السود التي مرت على الآثار في عهد «إخناتون»؛٥٨ وكذلك أقام معبده الفاخر المسمى «بيت ملايين السنين من ماعت رع» للإله «أوزير» أولًا، وهو الذي كان يشمل محاريب لأهم آلهة البلاد الآخرين، كما فصلنا القول في ذلك. وكذلك أقام «الأوزيريون» أو ضريح «سيتي» كما أسلفنا. وقد جاء ذكر معبد أقامه على لوحة «نوري» يسمى: «بيت ملايين السنين من ماعت رع راحة القلب في العرابة»، وهو على ما نعتقد المعبد الكبير الذي تكلمنا عنه، هذا بالإضافة إلى المعبد الصغير الجميل الذي أقامه لوالده «رعمسيس الأول» في العرابة.

ولكن إقامة المعابد، وحبس الأوقاف عليها كان يتطلب أموالًا باهظة؛ حتى تبقى على مر الأيام، وكرِّ الدهور، وبخاصة عندما نعلم أن التماثيل الفردية التي كانت في المعابد أو المقابر كانت على حسب الشعائر الدينية، تحبس عليها الأوقاف ليقدم لها القربان من ريعها الخاص، ولا شك في أن معبد «أوزير» القديم في العرابة كان له أوقافه الخاصة، غير أنها قد ضاعت في عهد الانقلاب الديني، ولا بد أنها قد أعيدت إليه في حكم «توت عنخ آمون»، أو «حور محب»، ولكن البناء الجديد الذي أقامه «سيتي الأول» كان لا بد له من أوقاف خاصة لحفظ بقائه؛ ولذلك نرى الفرعون قد أعطى عناية خاصة لهذا الأمر بنفسه. وقد وصل إلينا مرسومان عن هذه الأوقاف؛ أولهما: مرسوم «نوري» المؤرخ بالسنة الرابعة من حكم هذا الفرعون، وقد كان المقصود منه المحافظة على حقوق مؤسسة ملكية تُعرف باسم: «بيت ملايين السنين للملك من ماعت رع راحة القلب في العرابة»، وكذلك المحافظة على كل عقار الأفراد الذين لهم علاقة بهذه المؤسسة. ونعلم من مضمون متن هذا المرسوم أن هذه الملكية أو الضيعة على الرغم من أنها تابعة للعرابة فإنها كانت في مكان ما بالقرب من «نوري»، أو على أية حال كانت في بلاد النوبة.

بلدة نوري

تقع بلدة «نوري» على مسافة خمسة وثلاثين كيلومترًا شمالي الشلال الثالث، وعلى بُعد خمسة وعشرين كيلومترًا غربي شلال «كاجيار»، وفي هذه البقعة تلان من الحجر الرملي ينحدران انحدارًا عظيمًا إلى سهل منبسط، ويبعد كل منهما عن الآخر حوالي خمسمائة متر تقريبًا، والتل الواقع غربًا أكبر التلين، ويبلغ ارتفاعه حوالي أربعمائة قدم، ويشاهد على جانبه الشمالي من جهة النهر بقايا قلعة، يرجع تاريخها إلى القرون الوسطى، والتل الشرقي يبلغ ارتفاعه قرابة ثلاثمائة قدم، وقد حفرت اللوحة على الواجهة الشمالية الغربية في نهاية الثلث الأول من ارتفاع هذا التل، وقد دون عليها «سيتي الأول» مرسومه٥٩ العظيم الخاص بمعبد العرابة المدفونة، واللوحة قمتها مستديرة، وجوانبها كالمعتاد مستقيمة، وتبلغ مساحتها ٢٫٨٠ × ١٫٥٠ من الأمتار؛ أي نحو خمسة أذرع في ثلاثة أذرع.
  • وصف اللوحة: يشاهد الملك «سيتي» في الجزء الأعلى من اللوحة واقفًا من جهة اليسار، وهو يقدم القربان للآلهة «آمون رع»، و«رع حور اختي»، ثم الإله «بتاح»، وهؤلاء هم آلهة «طيبة» و«هليوبوليس» و«منف» على التوالي، وكانوا يُقدَّسون وقتئذ بوصفهم الآلهة الرئيسية للدولة. ومما هو جدير بالذكر هنا أنه على الرغم من النقوش المدونة على اللوحة، وهي على ما يظهر وثيقة وُضعت من أجل معبد الإله «أوزير»، لم يظهر هذا الإله بين الآلهة الذين مثلوا في هذا المنظر.

    ويلاحظ أن الملك «سيتي» كان يرتدي هنا لباس الرأس الذي يتألف من قرني كبش عليهما ريشتا نعام، وقرص الشمس وصلان، كما كان يرتدي قبعة «نمس» المحلاة بصلٍّ، ويلبس قميصًا قصيرًا مثبتًا فيه ذيل من الخلف، ومنمقًا من الأمام، وينتعل خفين، وكان يقدم بإحدى يديه صورة الإلهة «ماعت» أي العدالة، ويحتمل أن ذلك كان رمزًا يدل على أنه كان سيحكم بالعدل ويعمل بالحق؛ لأن «ماعت» كانت الطعام الذي يعيش منه الآلهة، والنظام الذي يجب أن يسير عليه كل فرعون، وقد نُقش فوق رأسه طغراءان، وهما اسمه ولقبه: سيد الأرضين من «ماعت رع»، سيد المظاهر الفاخرة «سيتي مرنبتاح»، ثم يأتي بعد ذلك عبارة: «معطي الحياة مثل «رع».» وكذلك نقش أمامه: «تقديم العدالة لرب العدالة «آمون رع»، رب تيجان الأرضين، وإله السماء»، وكُتب خلفه: «كل الحماية والحياة حوله مثل «رع» سرمديًّا.»

    ويرى بين الملك و«آمون رع» أربع شجرات خس مغروسة رُسمت رسمًا مختصرًا، وبينها ثلاث قواعد لموائد قربان، مد عليها طبق كبير، وُضع عليه فطيرتان مستطيلتان، أو قطعتان من اللحم يحيط بهما خيارتان، وثلاثة رغفان مستديرة، ووُضع فوقهما موقدان متقدان، أو مصباحان، أو مبخرتان.

    وكُتب فوق المائدة ما يأتي: «يعيش الإله الطيب سيد الأرضين «من ماعت رع»، خطاب «آمون رع» رب تيجان الأرضين، لقد منحتك الأبدية بوصفك ملك الأرضين والخلود في حين قيامي بما يرغب فيه لبُّك مثل «رع» إلى الأبد السرمدي، أنت يا رب الأرضين.»

    ونقش أمام «آمون رع» ما يأتي: «لقد وضعت تحت موطئ قدميك الجنوب والشمال معًا.»

    أما الآلهة الآخرون فلم يقوموا بدور هام. وقد كُتب أمام الإله الثاني «رع حور اختي»: «الإله العظيم رب السماء.» وفي أسفل هذا كُتب: «لقد منحتك كل الحياة والقوة، والصحة مثل «رع».» وكُتب أمام الإله الثالث «بتاح»: «جميل الوجه، المشرف على المكان العظيم (أي المحراب).»

  • تاريخ المرسوم: السنة الرابعة، الشهر الأول، من فصل الشتاء، اليوم الأول، وهو بداية السرمدية لاستقبال السعادة لمئات آلاف سنين أمن وملايين الأعياد الثلاثينية على عرش إله الأفق، وأبدية حكم «آتون» مع جلالة حور، الثور القوي المضيء في طيبة، ومن يجعل الأرضين تحييان، والمنسوب للآلهتين، ومجدد الولادة، والقوي السيف، قاهر الأقواس التسعة، الصقر الذهبي، والمجددة مظاهره، ومن رماته عديدون في كل البلاد، ملك الوجه القبلي والوجه البحري «من ماعت رع» ابن الشمس، (٢) «سيتي مرنبتاح» العائش مخلدًا في الزمن السرمدي، محبوب «آمون» ملك الآلهة الظاهر على عرش حور الأحياء مثل والده «رع» يوميًّا.
  • التعليق: يدل ما تبقى من التاريخ على أن السنة المقصودة هنا من حكم هذا الفرعون هي الرابعة لا الرابعة عشرة، ويلاحظ كذلك هنا أنه قد ذكر بين التاريخ وألقاب الفرعون الكاملة بعض جمل تعبر عن رغبة الفرعون الصالحة، وأنه سيبتدئ هنا عهدًا سرمديًّا لهذا الفرعون ينطوي على أعمال الخير العظيمة، والواقع أن هذا الوضع الكلامي لم يُعرف له مثيل في النقوش الأخرى التي من هذا الطراز، وقد يعزى ذلك إلى طيبة هذا الفرعون، وكثرة إصلاحاته في مواطن كثيرة كما سنرى بعد.
  • الملك والآلهة: «تأمل! لقد كان جلالته في مدينة «حكبتاح» (منف) يقوم بأداء ما يرغب فيه والده «آمون» رب تيجان الأرضين في «الكرنك»، و«رع حور اختي»، و«آتوم» رب الأرضين صاحب «أيون» (عين شمس)؛ و«بتاح العظيم القاطن جنوبي جداره»، رب الحياة للأرضين، و«سخمت» العظيمة محبوبة «بتاح»، و«بتاح سكر أوزير» في شتيت، و«نفرتم»، والإله «نب كو»، والإله «حرحكن»، و«حور» (٣) … و«إزيس» والدة الإله، وسيدة السماء، والساحرة العظيمة؛ و«تحوت» رب كلمات الإله؛ وكل آلهة وإلهات مصر؛ لأنهم يمنحون ملايين السنين، وعشرات آلاف السنين من السلام، وكل البلاد وكل الممالك والأقواس التسعة تحت قدميه، ليته يكون فرحًا مع روحه مثل «رع» سرمديًّا.»

    ونلاحظ أن هذه الفقرة تبتدئ بقائمة تعدد لنا أسماء ثلاثة الآلهة الرئيسية في الدولة المصرية، وهم «آمون رع» رب «طيبة»، و«آتوم» صاحب «عين شمس»، و«بتاح» إله «منف»، وبعد ذلك يستمر المتن في ذكر الآلهة المحلية التابعين لهم. وتدل الظواهر على أن ذكر هؤلاء الآلهة ليس له علاقة مباشرة بالمرسوم الذي سيأتي بعد، وإنما قد جاء ذكرهم للدلالة على إرجاع عبادة الآلهة القدامى.

  • الآلهة توافق على شرعية الملك في اعتلاء العرش: «الإله الطيب ابن «أوزير»، والمنتقم للإله «وننفر» (أوزير بعد الموت)، والبذرة الصالحة لسيد الأرض المقدسة، وهو الذي قد هيأه والده عندما خرج من الفَرْج، وهو مقرر حكمه، وهو لم يزَل على يدي «إزيس» والدة الإله، وقد منحه عرش «جب»، وهي الوظيفة الصالحة لمن في السماء، وقد سوَّى جلالته «رع»، وكذلك سوى جماله، وعرَّفه بوصفه واحدًا يُنتخب من مليون ليكون ملك الوجه القبلي والوجه البحري في مكانه، وقد صوره بطلًا (٥) … شريف … وكل إله يفرح به، وأهل مصر العليا، ومصر السفلى يضعون جباههم سجودًا أمامه، والأشياء التي حوله قد صورت من أجله، وما يحيط به «آتون» تحت إشرافه، وقد اتحدت الآلهة لحمايته، ولإرضاء قلب «وننفر»، وقد قادوه إلى القصر الكريم، والتاسوع يمرح فرحًا، وقلوبهم في سرور، ويجدون في ذلك لذة قائلين: تعالَ أنت يا حور (؟) يابن «وننفر»، إنك سترث؛ أنت يا منتقمًا لوالده أوزير «خنتي أمنتي»، إنك مُمَكَّن على عرشه حتى نهاية حدود الأبدية، وإن قلب رب الجبانة لفرح عندما يراك على السدَّة مثل «رع»؛ لأنك على الأرض لتنظم الأرضين، ولتجعل المعابد في فرح.»

هذه الفقرة تتناول بحذق ومهارة ودهاء الانتقال الضروري من التحدث عن إصلاح الفرعون وتقاه وتعبده لآلهته، إلى خشوعه وقنوته وحبه الخالص للإله «أوزير»، وذلك بموافقة كل الآلهة. وقد مثل «سيتي» نفسه هنا كالإله «حور بن أوزير» الوارث الشرعي للفرعون، غير أنه لم يكن لوالده ولا للفرعون الذي سبقه على ما يظهر حق تولي عرش مصر، هذا بالإضافة إلى أنه كان يريد أن يقضي على اسمه «سيتي» الذي كان يُنسب إلى اسم هذا الإله البغيض «ست» إله الشر. وتدل شواهد الأحوال على أن هذين الاعتبارين قد دفعاه من وجوه عدة مختلفة للسعي في اكتساب حظوة الإله «أوزير» إله الشعب، ولبعث عبادته ثانية في أنحاء البلاد، وبخاصة بعد أن كان قد قضى عليها في عهد الانقلاب الديني الذي قام به «إخناتون»؛ وبذلك فقط رأى أنه قد يصبح في استطاعته أن يبعد عنه اتهام الكهنة بمحاباته لإلهه المحلي «ست» الذي كان يُعبد في مقاطعة «ستوريت» مسقط رأسه كما تحدثنا عن ذلك فيما سبق.

(٥-٦) تُقى الملك وبرُّه بأوزير رب «العرابة»، ومؤسسته العظيمة فيها

سيلاحظ في الجزء التالي من المتن أن الفاصل الذي اتخذ هنا بين هذه الفقرة والسابقة مصطنع بعض الشيء، كما سيلاحظ كذلك أن أجزاءه ليست منسجمة. ففي البداية يستمر كلام الآلهة مخاطبين الفرعون بضمير المتكلم، ولكن بعد بضع جمل تصف لنا مؤسسة الفرعون، نجد أنه يشار للفرعون بضمير الغائب، وأخيرًا يحدثنا الفرعون بضمير المتكلم وهاك المتن:

إنك قد ولدت لتجعل «العرابة» محمية (٧) ثانية، وتجعل من فيها ينعمون بما قررت، وإنك تبني بيته — أي بيت أوزير — مثل أفق السماء، وأشعته تسطع في الوجه، وصور أرباب «تاور» (الجزء المقدس في العرابة) قد صورت، والتماثيل المقدسة قد وضعت في مقاعدها وأشكالهم حقيقية كما كانت في زمن «رع»، ورصعت قواربهم بالأحجار الثمينة، وإنك تمنحهم كل يوم «ماعت»، ومنها يعيشون؛ وتضع لهم الهدايا المنعشة، وأعشابًا وأزهارًا على فطائر القربان، وإنك تجلب لهم ماء جاريًا في المكان الذي يرغب فيه — أي أوزير — لتمرِّن أرباب الأرض المقدسة؛ أما القصر الذي فيها — أي في العرابة — فقد حلي كثيرًا بالذهب الجميل الحقيقي الجديد من المصانع — أي الذهب الذي لم يُستعمل من قبل، وعندما يرى — أي البيت — تبتهج القلوب، وكل القوم يقدمون الطاعة، وإن وجهاءه هم الذين يسبغون عليه بهاءه مثل أفق رع عند إشراقه، أما الطوار الذي فيه فإنه كسهل من الفضة يسطع عندما يلقي الإنسان بصره عليه، وأبوابه المتناهية في الضخامة عملت من صنوبر الغابة، وأجسامها مغشاة بالذهب النضار، وملفوفة من الخلف بالشبه، وينتعش الإنسان عندما يرى صورتها. أما البوابات العظيمة ذات الأبراج، فقد أقيمت من حجر «عانو»، وقممها من الجرانيت، وجمالها يصل إلى أعلى عمد السماء؛ إذ تصل إلى «رع» في أفقه؛ والبحيرة التي أمامه — أي أمام المقر — تشبه الأخضر العظيم — البحر الأبيض المتوسط — الذي لا تعرف دائرته، وعندما يلقي الإنسان بصره عليها تظهر لامعة كاللازورد في زرقتها، أما وسطها فينبت فيه السقي (نبات البردي)، والغاب، ويزخر بالسوسن يوميًّا.

تأمل إن البجعة تنزل لتسبح في أرجائها، وتحيط بها الأشجار التي تصل إلى عنان السماء، وقد غرست كالصنوبر في موطنه الأصلي، وينزل في بحيرتها قارب «نشمت» العظيم ليحمل موحد أثره — يقصد هنا إما «أوزير»، وإما الملك بوصفه باني هذا المعبد — عندما يسبح عليه. تأمل إنه في بهجة ونواتيه في فرح، وكذلك ينادي أتباع «حور» قائلين: امنحه أبدية من الأعياد الثلاثينية لتضاعف سني حياته على الأرض، وليمكث أمد حكم «آتوم»، أما قاعات النطرون (للطهور أو التحنيط) فقد طهرت تطهيرًا عظيمًا، وأنها تصب الماء العذب من جديد، وهي مسورة بأحجار فائقة في صنعها، وأسرارها تصل إلى عنان السماء الأولى (؟)، ويكون الإنسان في داخلها وقلبه راضٍ. أما ماء الغسل الذي يصل إليها بمجارٍ كل يوم دون انقطاع على يد كهنة مرتلين مهرة، فأفواههم مختارة، تنطق بحديث وجمل تسر القلب ليمدوا العالم السفلي من أجل من يأوي إليه، وتاسوعه الذين يتمتعون بنفس الحياة. أما الخزائن فمفعمة بالطرائف، فالفضة والذهب مكدسة فيها على الأرض، والكتان الملكي والملابس بكميات منوَّعة (؟)، وكذلك وحدات الزيت، والبخور، والخمر، والشهد يخطئها العد، وبخور «بنت» فيها يحسب بالأكوام.

وقد عين له كهنة (خدام الآلهة)، وكهنة وضباط … وصوت يعلن الوظائف إلى أرباب كل الجبانة الذين يستيقظون كل صباح ليؤدوا شعيرة كشف وجه الأب — أي أوزير — عندما يرفعون الحجاب عن وجهه، ويقدم للأب الفاخر ملايين ومئات الآلاف من كل شيء نقي طيب لا يُحصى، مما يمنحه إياه ابنه نفسه، والوظائف … في هذا المعبد مفخمين إله الأفق في أفقه، وإنهم يقدمون المديح لمن في السماء ليقهر العدو الذي في طريقه، ويوجه النسيم العليل للإله «خبري»، ويضع سفينته على هذه البحيرة (؟)، ونواتي «رع» في عيد، وقلوبهم راضية بالإلهة «ماعت».

والمخازن هناك تحتوي على مواد دهنية، والأوقاف متكاثرة بالملايين، والعبيد فيه من أولاد الأمراء الذين أسرهم في بلادهم «رتنو» — أي من الحملة التي قام بها أول سنة من حكمه — وقد جعل كل فرد يعرف واجباته فيما يخص قواعد الطهارة كلها.

وقد قدم له مزرعة طيور في مستنقعاته، وكان عددها كعدد رمال الشاطئ، ويرى الإنسان بيته كأنه مستنقعات «خميس» (المكان الذي وُلد فيه حور) يعج بصياح الدواجن التي تسمن وتربى، وكل طير من طيور المزرعة، وتنتج له — أي لأوزير — طيور الشواء في بيته، أو ضيعته، والحظائر مفعمة بالفحول السمينة، والبقرات والثيران، والماعز والغزلان والعجول تُعد فيها بمئات الآلاف، ولا يمكن حصرها وعدها لكثرتها، وهي تجبى للقربان في تواريخها على حسب قاعدة الأشياء المقدسة … أوامر صانعها. وقد قدَّم — أي الملك — «ماعت» لروحه حتى يقرب له — أي الملك — ما يحيط به «آتون»، هذا فضلًا عن عبيد معبده — أي معبد أوزير.

وقد كثر له كل أنواع الحيوانات التي تسير على وجه الأرض، فالفحول تنزوِ، والقطعان يزداد عددها (؟)، والأعشاب تورق أضعافًا مضاعفة، وسيقان الأشجار تورق في مواقيتها المحددة، وتتضاعف ملايين المرات، فعددها يكثر من جديد بما وهبته حديثًا، والرعاة يتعهدون قطعانهم التي تحت يدهم من ابن لابن؛ حتى الأبد السرمدي، ويقدم لها الكلأ في حظائر الأوز (؟)، وفي المستنقعات، وكذلك الورق والأزهار. وهذه الأرض قد تُركت لها بمثابة حفل ترتع فيه، وليس لأحد قط أن يسيطر عليها، والفحول والثيران قد انتشرت في الأدغال وعلى الشواطئ، فالنتاج القديم يملؤها، والقطعان قد عمرت بطونها بالصغار لتلدها، والفحول التي تتبع أمهاتها هي من نتاجها. وبُنيت له — أي لأوزير — أساطيل من السفن لتكثير عقاقير الأعشاب في معبده، وقد غطى عددها «الأخضر العظيم» (البحر)، ومصبات النهر قد ازدحمت بالقوارب والسفن المجهزة بنواتيها، وكل سفينة منها طولها مائة ذراع، وحمولتها من أعشاب العقاقير الواردة من أرض الإله (بلاد العرب)؛ فترسو عند الميناء العظيمة لتمد تخوم صحراء «تاور» (مقاطعة العرابة المدفونة). وأعد له — لأوزير — الفرعون قوائم تحتوي مئات الآلاف من الأرض المنخفضة، والجزر والأرض العالية، وكل الأرض الصالحة لإنتاج المحاصيل لتصبح قربانًا لروحه، وبنى له سفن كرر لحمل كل محصول، وأصبحت مخازن الغلال طافحة بالقمح، وأكوامها وصلت إلى عنان السماء في ارتفاعها.

وقد صدر مرسوم بسنِّ قانون لأجل عبيده في كل مراكز الوجه القبلي والوجه البحري، وقد ميز كل أهله وحموا مثل الأوز (المقدس للإله آمون) على الشواطئ التي يرغبون فيها؛ وذلك لأن كل أعمالهم موقوفة لخدمة روحه، في المقاطعة العظيمة التي أحبها؛ ولذلك لن يتلقوا الأوامر من آخرين، ولن يتدخل في أمرهم من ابن لابن، كما هو مقرر، في أعمالهم حتى نهايات حدود الأبدية.

ولقد طهرت بيتي ملايين المرات، وقد ميزت أولئك الذين يسكنونه ثانية، ووضعت العبيد الذين حصلت عليهم في بيتي، ولن أنفصل عنهم. وقد بدأت هناك منذ طفولتي حتى تولي الحكم (؟) … ومنحته كل أراضي الوجه القبلي طعامًا لوحه (كا)، ولن أمَلَّ، ولن أنسى واحدًا من منشوراتي سواء أكان ذلك على الماء، أم على اليابسة، وهذا على وجه التأكيد إلى الأبد السرمدي.

  • المرسوم: وعلى الرغم من كثرة الفقرات المتآكلة والمهشمة في المرسوم التالي، فإن تكرار العبارات في المتن قد سهل علينا نقل هذه النقوش، وتكملة ما تهشم منها في جهة مما بقي في جهة أخرى، وعلى ذلك لم يغِب عنَّا من المتن كله إلا بعض جمل أو ألفاظ يمكن رؤية ما بقي منها أحيانًا، وتقدير أصلها هذا إلى أنه لم يكن في استطاعتنا حتى الآن فهم معاني بعض الألقاب والاصطلاحات الفنية المستعملة في هذا المتن على وجه التأكيد، وهاك نص المرسوم:
    • نص المرسوم: مرسوم موجه من جلالة البلاط الملكي — له الحياة والفلاح والصحة — في هذا اليوم إلى الوزير وكبار الموظفين، ورجال البلاط، ومجلس القضاة، ونائب الملك في «كوش»، ورؤساء الرماة، والمشرفين على الذهب، والعمد، ومراقبي المعسكرات في الوجه القبلي والوجه البحري، والسُّيَّاس، ورؤساء الإصطبل، وحاملي المروحة، وكل مدير بيت لأملاك الفرعون، وكل فرد بُعث في مأمورية لبلاد «كوش»، لكل هؤلاء يقول المرسوم: أمَر جلالته بسن قانون لبيت ملايين السنين ملك الوجه القبلي والوجه البحري «من ماعت رع» المسمى «القلب في راحة في العرابة» على الماء واليابسة، وفي كل أنحاء مقاطعات الوجه القبلي والوجه البحري لمنع أي تدخل في أمر أي شخص تابع للبيت المسمى «القلب في راحة في العرابة»؛ في كل البلاد سواء أكان رجلًا أم امرأة، ولتحريم الاستيلاء على أي أناس تابعين لهذه الضيعة بالقبض من صقع إلى صقع آخر للسخرة، وإكراههم على حرث الأرض، أو إجبارهم على الحصد عن طريق أي نائب فرعون، أو أي رئيس رماة، أو أي عمدة أو أي مدير بيت، أو أي شخص أرسل في مأمورية لبلاد «كوش»، وكذلك للتحريم على قواربهم الوقوف على الماء بأي دورية تفتيش.

      ولمنع التدخل في أمر أي أرض يملكها «بيت من ماعت رع» المسمى «القلب في راحة في العرابة» في الأرياف أجزاء … في سياحتهم؟ أو في عبورهم على يد أي نائب ملك، أو رئيس رماة، أو مدير بيت تابع لبيت تفتيش أملاك الفرعون، أو أي فرد في مأمورية بلاد «كوش».

      ولمنع البقرات والحمير والكلاب والماعز، أو أي حيوان واحد ملك (بيت من ماعات إلخ) من أن تؤخذ سرقة، أو بطريق الامتياز على يد أي نائب ملك، أو أي رئيس رماة، أو أي عمدة مدينة، أو أي رئيس جياد، أو أي رئيس إصطبل، أو أي حامل مروحة، أو أي ضابط جيش، أو أي فرد أرسل في مأمورية لبلاد «كوش».

      ولتحريم التدخل في شأن أي صائد طيور تابع لبيت (الاسم الكامل للمعبد) (٣٧) في مستنقعات صيده، وفي مياه صيد سمكه، وعلى اليابسة بقصد مضايقته (؟)، ولمنع الاقتراب من أي صائد سمك تابع لمقر الملك … إلخ (٣٨) على برك صيده للسمك التي على أي جزء من أرض «كوش» بوساطة أي نائب ملك، أو أي رئيس رماة، أو أي عمدة مدينة أو أي مدير بيت تابع لأي جزء من أرض «كوش».

      ولتحريم التدخل في أمر أي خدم تابعين لبيت (الاسم الكامل) الذين في أرض «كوش» سواء أكانوا رجالًا أم نساء، أم حراس أرض، أم مديري بيوت، أم نحالين، أم زراعًا، أم بستانيين، أم عاصري خمر (؟)، أم أصحاب قوارب، أم حزامين، أم تجارًا أجانب، أم عمال غسيل الذهب، أم بنائي سفن، أم أي فرد يقوم بعمله في بيت «من ماعت رع المسمى القلب في راحة في العرابة»، بل يجب أن يميزوا ويكونوا محميين، ويقوم كل واحد منهم بمباشرة حرفته التي تؤدي في «بيت من ماعت رع» إلخ، دون أن يزعجهم أي نائب ملك في «كوش»، أو أي رئيس رماة، أو أي موظفين كبار، أو أي رئيس خيل، أو أي رئيس إصطبل، أو أي حامل مروحة، أو أي ضابط جيش، أو أي فرد أرسل في مأمورية لبلاد «كوش».

      أما عن أي نائب ملك في كوش، أو أي رئيس رماة، أو عمدة مدينة، أو أي مدير بيت، أو أي فرد يستولي على شخص تابع «لبيت من ماعت» إلخ، بالقبض عليه من صقع إلى صقع آخر سخرة لتشغيله في الحرث أو الحصاد، وكذلك كل من يستولي على أية امرأة، أو أي شخص تابع «لبيت من ماعت رع» إلخ، وكذلك عبيدهم بالقبض عليهم للقيام بأي عمل مهما كان، وكذلك أي رئيس جياد، أو رئيس إصطبل، أو أي فرد تابع لضياع الفرعون من صقع إلى صقع آخر سخرة لتشغيله في الحرث أو الحصاد، وكذلك للقيام بأي عمل كان.

      فإنه يعاقَب بجلده ثمانين جلدة، وخمسة جروح دامية، هذا إلى إرغامه على القيام بالعمل الذي كان يقوم به التابع للمقر عن كل يوم سيمضيه معه، ويؤدي ذلك لبيت «من ماعت رع» إلخ.

      وأي نائب فرعون، أو رئيس رماة، أو عمدة مدينة، أو مدير بيت، أو أي موظف كبير، أو أي فرد أرسل في مأمورية لبلاد «كوش» يتعمد وقف أي قارب تابع لبيت «من ماعت رع» إلخ، أو أي قارب لمدير بيت تابع لضياعه، ويجعله يرسو إلى البر، ولو يومًا واحدًا قائلًا: «إني سأستولي عليه، كما فرض عليه لأجل عمل خاص بالفرعون له الحياة والفلاح والصحة.» فإنه سيعاقب بالجلد مائة جلدة، ويجرح خمسة جروح دامية، هذا فضلًا عن خصم ما يوازي عمل السفينة منه عن كل يوم تكون قد رسته، ويؤدي ذلك لبيت «من ماعت رع» إلخ.»

      وأي موظف أو أي مشرف على أرض تابعة لهذه الضيعة، أو أي حارس لثيران حرث، أو أي مدير بيت يتدخل في حدود الأراضي التابعة لبيت «من ماعت رع»، إلخ، بأن يزحزح حدودها سيعاقب بقطع أذنيه، ويكلف أن يكون زارعًا في المقر … إلخ.

      وأي فرد في البلاد قاطبة يهاجم أي صائد تابع لبيت «من ماعت رع» إلخ، في مستنقعات صيده، أو في بركة صيده سيعاقب بجلده مائتي جلدة، وجرحه خمسة جروح دامية.

      وأي فرد يوجد سارقًا متاعًا خاصًّا ببيت «من ماعت رع» إلخ، سيعاقب بجلده مائة جلدة، وينتزع منه المتاع الخاص «ببيت من ماعت رع» إلخ، بوصفه متاعًا مسروقًا (؟) بنسبة مائة لواحد.

      وكذلك قرر جلالته سن قانون خاص بالموجود من البقر، والماعز، والحمير، والكلاب، والأوز والموجود من … ملك بيت «من ماعت رع» إلخ على الماء (٥٧)، وعلى اليابسة ليمنع التدخل في أمر أي قطيع منها، ويمنع التدخل في شئون رعاتها، ويمنع الاستيلاء على ماشية، أو حمير، أو كلاب، أو ماعز، أو أي شيء من قطيع منها بالقهر أو الاستباحة، وكذلك يحرَّم على كل مشرف على ماشية، أو مشرف على كلاب، أو أي راعٍ تابع لبيت «من ماعت رع» إلخ الاستيلاء على ثور، أو حمار، أو كلب، أو ماعز من أملاك بيت «من ماعت رع» إلخ، أو إعطائها آخر خلسة، أو جعلها تقدم لإله آخر، وألا تقدم ﻟ «أوزير» سيدهم في بيته الكريم الذي أقامه جلالته.

      ويحرَّم مهاجمة أي راعٍ تابع لبيت «من ماعت رع» إلخ، في كلئه الخاص بالماشية بوساطة أي موظف كبير، أو عمدة أي مدينة، أو أي مشرف على الماشية، أو أي وكيل، أو أي مشرف على كلاب الصيد، أو أي شخص مهما كان.

      ويحرَّم الاستيلاء على نسائهم، أو خدمهم الذين يقبض عليهم في أي عمل للفرعون — له الحياة والفلاح والصحة — وكل شخص سيتعدى حدود هذا القرار، ويستولي على «راعٍ» تابع لبيت «من ماعت رع» إلخ، بالقبض عليه، أو بنقله من صقع إلى صقع آخر للقيام بأي عمل يجعل الراعي يقول: «إنني منذ أن أخذت قد حاقت خسارة بقطيعي في رأس من الحيوان أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة، فإنه سيوقع عليه العقاب بجلده مائتي جلدة، وانتزاع رءوس حيوان بيت «من ماعت رع» منه بوصفها مسروقة، وذلك بنسبة مائة لواحد.

      وأي شخص يُضبط مستوليًا على رأس من حيوان بيت «من ماعت رع» إلخ، سيوقع عليه العقاب بجدع أنفه وأذنيه، وجعله زارعًا في بيت «من ماعت رع» إلخ، عقابًا له على جريمته، وكذلك يستخدم زوجه وأولاده عبيدًا لمدير بيت الضيعة.

      وأي حارس ماشية، وأي حارس كلاب صيد، أو أي صياد تابع لبيت «من ماعت رع» إلخ، يعطي آخر رأس؛ أي حيوان لبيت «من ماعت رع» إلخ، اختلاسًا؛ وكل من يسعى لإعطائها جهة أخرى، ولا تقدم ﻟ «أوزير» سيده في بيت «من ماعت رع» إلخ، فإنه سيعاقَب بطرحه أرضًا، ووضعه على خازوق، والاستيلاء على زوجه وأولاده، وكل متاعه لبيت «من ماعت رع» إلخ، واسترجاع رأس الحيوان من الذي قد أعطيها بوصفها مسروقة من بيت «من ماعت رع» إلخ، بنسبة مائة لواحد.

      وأي فرد في الأرض قاطبة يهاجم راعيًا تابعًا لبيت «من ماعت رع» إلخ، في مرعى (٨٢) ماشيته سيعاقَب بجلده مائة جلدة، وجرحه خمسة جروح دامية.

      وفضلًا على ذلك قرر جلالته سن قوانين لأسطول جزية بلاد «كوش» التابع لبيت «من ماعت رع» إلخ؛ لمنع أي مشرف حصن سيكون على حصن «سيتي مرنبتاح» التي في «سخمت» (مكان غير معروف موقعه) أن يستولي على ذهب، أو جلود، أو أي نوع من جزية حصن (؟)، أو أي بضاعة … بوصفها امتيازًا إلى أبد الآبدين.

      وكذلك يحرَّم الاستيلاء على أي بحَّار تابع لسفينة خاصة بجزية بيت «من ماعت رع» إلخ، وتكليفه بعمل في طريق آخر.

      وكذلك يحرَّم على أي نائب ملك، أو أي رئيس رماة، أو أي رئيس نوبيين تابع لأرض «كوش» أن يتدخل في شأن قارب تابع لبيت «من ماعت رع» إلخ، وكذلك نواتيهم (؟)، وأي مشرف على قلعة، أو أي كاتب فيها، أو أي مفتش تابع لها يصعد على ظهر قارب تابع لبيت «من ماعت رع»، ويستولي على ذهب، أو عاج، أو أبانوس (؟)، أو جلود فهود، أو جلود شواشتي (نوع من الحيوان)، أو ذيول زرافات، أو جلود زرافات … أعشاب، أو أي سلعة من بلاد «كوش» جُلبت جزية لبيت «من ماعت رع» إلخ، سيعاقَب بالجلد مائة جلدة، وتُنتزع منه الأشياء المغتصَبة؛ عقابًا له، وتُرد إلى بيت «من ماعت رع» إلخ، بنسبة ثمانين لواحد.

      وكل نائب ملك، وكل مشرف على كلاب، وكل مفتش، أو كاتب تابع الأرض «كوش» يستبيح سفينة تابعة لبيت «من ماعت رع» إلخ. و(٨٥) ويأخذ سلعًا منها، أو يستولي على ضابط أية سفينة تابعة لبيت «من ماعت رع»، ويرسله في عمل سيعاقب وتُنتزع منه السلع تعويضًا لبيت «من ماعت رع»، وكل يوم من أيام الضابط المستولي عليه يؤخذ بدله منه بنسبة … أيام من كل يوم سيصرفه عنده.

      وكذلك قرر جلالته سن قانون لأجل … الكهنة، والكهنة المرتلين، وعمال المعبد (٩٩) … وكل الموظفين … بأنواعهم، يحرَّم على أي فرد في البلاد التدخل في شئونهم، أو شئون أهلهم، أو في أمر أي متاع من أمتعتهم، أو أخذ أي واحد منهم، أو سبي نسائهم، وعبيدهم بالقبض من صقع إلى صقع آخر للعمل سخرة في حرث الأرض، أو في الحصاد بوساطة أي حاكم، أو أي عمدة، أو أي شخص في الأرض قاطبة.

      وأي شخص في البلاد قاطبة سيتدخل في شئونهم أو في شئون أي فرد من أهلهم أو في أي شيء من متاعهم سيعاقَب بالجلد مائة جلدة، وبخمسة جروح دامية.

      وإذا نتجت خسارة خاصة ببيت «من ماعت رع» إلخ، فإن الخسارة يجب أن تعوَّض؛ وإذا شكا فرد تابع لبيت «من ماعت رع» إلخ، لأي مجلس قضائي في أي مدينة قائلًا: «إن مفتشًا أو سائس خيل أو رئيس إصطبلات، أو ضابطًا، قد تدخل في شئوني وأخذ سلعي فعليهم أن ينتزعوا الأشياء الناقصة منه، وأن يسترجعوا السلع من الرجل الذي تدخل في شئونه.»

      ولقد تجنب جلالته طرح من ضايقهم أرضًا، ووضعهم على خازوق؛ رغبة منه في أن يترك لمجلس أي مدينة يذهبون إليها أن يُحكم عليهم، وإذا أتى رجل أي واحد من التابعين لبيت «من ماعت رع» آخر في أي بقعة قائلًا: «إن فلانًا … قد تدخل في شئوني، واغتصب ثوري، أو أنه أخذ الثور، أو أخذ ماعزي، أو أي شيء سُرق من الناس، أو أن واحدًا كالمفتش قد قبض على رجل ليقوم له ببعض العمل، ولا يطير لكلمته لإحضار خصمه بسرعة لمحاكمته، فإن «أوزير خنتي أمنتي» (أول أهل الغرب) صاحب هذا الشخص، ومالك السلع سيتعقبه، وزوجه، وأولاده ليمحو اسمه، ويقضي على روحه، ويحرَّم على جسمه البقاء في الجبانة.

      وأي عضو (؟) في أي محكمة (؟) في أي مدينة يذهب إليه فرد تابع لبيت «من ماعت رع» إلخ ليشكو إليه، ولم يلتفت إليه، ولم يسرع عند سماع صوته بالفصل في قضيته، سيعاقب بالجلد مائة جلدة، ويحرم وظيفته، ويسخر زارعًا في بيت «من ماعت رع» إلخ.»

    • خاتمة: إن جلالته قد قام بعمل هذه برًّا بوالده «أوزير» «خنتي أمنتي» رب «العرابة» رغبة منه في أن يميزه بها لأجل الأعمال المجيدة التي عملتها (؟) في (١٢١) … له لأن العرابة قد قدِّر لها أن تقوم باستعطافه، ولإرضاء روحه (كا) في أثناء كل يوم، ولتجعله … (١٢٣) … في الأرضين … هم الذين في محاريبهم (١٢٤) حتى يستريحوا في أماكنهم (١٢٥)، مبتهجين بكل ما فعل؛ حتى يهبوه بقاء «رع»، وحكم الأرضين باقيًا ضعفين، مخلدًا وسرمديًّا.
  • تعليق: كان الغرض من هذا المرسوم المحافظة على حقوق مؤسسة ملكية عظيمة حبسها الفرعون «سيتي الأول» على الإله «أوزير»، غير أن طبيعة هذه المؤسسة، وما جاء فيها من إبهام، أو بعبارة أخرى؛ عدم قدرتنا على فهم كنهها قد عاقنا عن إعطاء حكم واضح على أصلها؛ فنجد أولًا: أن اسمها وموقعها ليسا واضحين تمام الوضوح؛ فقد كُتب الاسم في المرسوم نفسه في عدة مواضع كاملًا، وفي مواضع أخرى كُتب باختصار، هذا فضلًا عن أنه حدث في كتابة الاسم بعض التغيير؛ ولذلك يمكن ترجمته على وجهين؛ فقد كُتب: بيت ملايين السنين للملك «من ماعت رع» راحة القلب في العرابة، وكذلك كُتب: بيت ملايين السنين قلب الملك «من ماعت رع» في راحة العرابة. يضاف إلى ذلك أن الاسم قد كُتب مختصرًا هكذا: بيت «من ماعت رع» راحة القلب في العرابة، أو البيت المسمى «قلب من ماعت رع في راحة في العرابة». ولدينا مرسوم مشابه لهذا المرسوم أصدره الفرعون «رعمسيس الثالث» في «إلفنتين» خاص بمعبد الإله «خنوم»؛٦٠ وتدل الإشارات المستمرة للصيادين والرعاة في متن «نوري» هذا إلى أن هذه الضيعة التي نتحدث عنها كان معظمها مكوَّنًا من مستنقعات ومراعٍ، وكانت منتجاتها ترسل إلى «العرابة»، ومن ثم كانت الحاجة ماسة لبناء أسطول من السفن لحملها إلى هناك، هذا فضلًا عما تكشفه لنا ما كانت عليه بلاد النوبة من رخاء وخصب، وأرزاق كثيرة لا يكاد يصدقها العقل إذا ما قرناها بالحالة الراهنة، وعلى الرغم من أن هذه القوانين كان قد سنها «سيتي» لمعاقبة كل من يتعدى على أملاك الإله «أوزير»، فإنها في الوقت نفسه تضع أمامنا مثالًا حيًّا عن نوع القوانين والعقوبات التي كانت تجري عليها البلاد في عهد «سيتي الأول». وإذا نظرنا إليها بعين فاحصة وجدنا أنها هي نفس القوانين التي كان قد سنها «حور محب» عندما قام بالإصلاح الشامل الذي كان يبغي من ورائه استتباب الأمن في البلاد، وسنرى فيما بعد أن «سيتي» كان يطبقها أو يسنها في أحوال أخرى. ويلاحظ أن «سيتي» بعد أن هدد بالعقاب الدنيوي لجأ في النهاية إلى العقاب الأخروي، وهو غضب «أوزير»، وسخطه على كل مذنب. أما ذكر الذهب في هذا المنشور، فلم يرد إلا ضمن مواد الجزية من بلاد النوبة، ومن ثم يظهر أن «سيتي الأول» قد رصد معظم جزية بلاد «كوش» من الذهب لمعبد «العرابة»، غير أنه لم يرتكن على هذا المصدر لإمداد المعبد، وغيره من الأعمال التي كان يقوم بها بالذهب، بل قرر أن يقوم بمشروع أساسه استغلال مناجم الذهب الواقعة في الصحراء الشرقية.

(٥-٧) الذهب واستخراجه من أرض الوادي

ولم يبتدع «سيتي الأول» جديدًا عندما وطد العزم على استغلال مناجم الذهب، بل كان في الواقع يترسم في هذا الشأن خُطى أسلافه الذين بحثوا عن الذهب منذ أقدم العهود، فقد كان الذهب منذ عصر ما قبل الأسرات يستعمل في زخرفة الحلي، وأدوات الزينة في مصر؛ فنجد في المتحف المصري خنجرًا من الظران الجميل الصنع، مقبضه من الذهب الخالص، كما توجد فيه كذلك سكين من الظران يرجع تاريخه إلى باكورة العهد العتيق في مصر، مقبضه مُزين بأشكال حيوان مموهة بالذهب، وقد كشف الأستاذ «ريزنر» عن أشياء مصنوعة من الذهب يرجع تاريخها لعصر الأسرة الأولى في بلدة «نجع الدير».٦١ يضاف إلى ذلك أن آثار الملكة «حتب حرس» والدة الملك «خوفو» تضع أمامنا صحيفة بليغة عن مهارة صياغ الذهب في عهد الأسرة الرابعة، كما تحدثنا عن وفرة الذهب، ومقدار الكمية التي كانت في متناول الأسرة المالكة. ومنذ عهد بناة الأهرام نجد أن الذهب كان يستعمل بنظام في مصر، ولا أدل على ذلك من مجوهرات الدولة الوسطى التي تمتاز بفخامة صنعها، ودقة إخراجها. ولا نعلم على وجه التأكيد من أي مكان جلب المصريون الذهب في العهود الأولى، فيقول الأستاذ «بتري»: إن الذهب الأسيوي كان بلا شك يُستعمل في مصر في عهد الأسرة الأولى؛ وذلك لأنه معلَّم بما خُلط فيه من الفضة التي كانت فيه بنحو السدس (راجع الجزء الثاني من تاريخ مصر٦٢ ص١٨٩–٢٠٠). ويظن كذلك أن بعض الذهب قد وصل إلى مصر عن طريق «ترانسلفانيا» منذ عهد الأسرة الثانية. وعلى أية حال فإن مستر «لوكاس» قد كذَّب ما ذكره «بتري» في كلتا الحالتين (راجع: Lucas, Ancient Egyptian Materials & Industry p. 183).
إذ الواقع أن الإقليم الذي فيه الذهب في مصر يقع بين وادي النيل والبحر الأحمر، وبخاصة في هذا الجزء من الصحراء الواقع على طريق «قنا» و«القصير»، وحدود السودان، وقد وجدت بعض مناجم قديمة مشغولة فيه في شمالي «قنا»، وكذلك وجدت مناجم ذهب خارج تخوم مصر وفي السودان حتى «دنقلة» جنوبًا. ولم يعثر على مناجم للذهب في شبه جزيرة سيناء، وإن كان لدينا بعض الوثائق القديمة التي ربما تشير إلى أن الذهب كان يأتي من هذه الجهة (راجع Lucas Ibid. p. 182)، ولدينا من عهد الأسرة الثانية عشرة وثائق مدونة تحدثنا عن جلب الذهب إلى مصر من الجهات الجنوبية، فعلى حسب رأي «لوكاس» لم تصلنا وثائق حتى الآن عن جلب الذهب من الشمال إلى مصر قبل الأسرة التاسعة عشرة (راجع Luca ibid p. 185)، ولكن تاريخ «تحتمس الثالث» يحدثنا عن جلب الذهب إلى مصر بمثابة غنيمة حرب وهدايا، أو جزية، وقد كان يَرد إلى مصر في «صور» تحف مصنوعة، أو في شكل حلقات (راجع الجزء الرابع من مصر القديمة) من البلاد المقهورة في آسيا؛ ولا شك إذن في أن الجزية التي كانت تجيبها مصر من إمبراطوريتها في آسيا من هذا المعدن بالإضافة إلى محصول المناجم المصرية، والإتاوة التي كانت مفروضة على بلاد النوبة تبرر التسمية الحرفية للأسرة الثامنة عشرة: «العصر الذهبي المصري» فقد كانت ثروتها من هذا المعدن الثمين مضرب الأمثال عند الممالك المجاورة لها، ولا أدل على ذلك من خطاب ملك بابل الذي أرسله للفرعون «أمنحتب الثالث» يلحُّ فيه على هذا الفرعون أن يرسل ذهبًا وصفه بأنه عادي في مصر مثل التراب (راجع الجزء الخامس).
ويعد استعمال الذهب بسخاء في مقبرة «توت عنخ آمون» — الملك الشاب الذي لم يكن بعد من عظماء ملوك مصر في تلك الفترة — برهانًا على مقدار ثروة مصر من النضار في هذا العهد، على أن الذهب لم يكن وقتئذ محبوسًا استعماله على الأسرة المالكة وحدها، بل نجد أن كل موظف حكومي كبير المكانة على وجه التقريب،٦٣ كان يجزل له العطاء من الحلي الذهبي الضخم علامة على رضاء الفرعون عليه، وبخاصة في العهد الأخير من الأسرة الثامنة عشرة، وكذلك في عهد الأسرة التاسعة عشرة.
وعلى أية حال فإن الكثير من هذه الذخائر الذهبية قد وُزع، ولم يعد يُجلب منه من الخارج إلا النزر اليسير، ومن أجل ذلك وجد ملوك الأسرة التاسعة عشرة أنهم في حاجة إلى استغلال مناجم الذهب استغلالًا واسع النطاق ليحصلوا على ثروة يمكنهم بها تنفيذ برامج إعادة تنظيم الإمبراطورية في الخارج، والقيام كذلك بحملة واسعة النطاق لإقامة العمائر، وبخاصة المعابد، والمؤسسات الدينية، وإصلاح ما أفسده «إخناتون» وشيعته في داخل البلاد، وفضلًا عما قام به «سيتي الأول» من نشاط في منطقة «وادي عباد» فإنه كان يقوم بأعمال لاستخراج الذهب من أماكن أخرى بعيدة عن هذا المكان في الجنوب، وبخاصة في «أكيتا»، وليس لدينا وثائق مدونة تحدثنا بأن «سيتي الأول» نفسه قد قام بهذا العمل، ولكنا نعلم من لوحة «كوبان» العظيمة أن ابنه «رعمسيس الثاني» يقول: إنه قد سمع عن وفرة الذهب في «أكيتا» akita، غير أن فقدان الماء في الطريق المؤدية إلى هذه البقعة قد سبب موت كثير من الرجال والعير، الذين كانوا يُستعملون في المناجم؛ مما أدى إلى وقف العمل هناك جملة.
عندما أمر «رعمسيس» بحفر بئر هناك أجابه نائب الملك في «كوش» هناك قائلًا: «إن كل ملك من قبل قد قام بحفر بئر هنا غير أنه لم يتفجر منها ماء»، وقد قام بمثل هذا العمل الملك «من ماعت رع» (سيتي الأول)، فأمر بحفر بئر عمقها نحو عشرين ومائة ذراع في عهده، ولكنها هُجرت على الطريق لأنه لم يخرج منها ماء (راجع Br. A. R., III, § 289)، ومن ثم نرى أن «سيتي الأول» قد حاول عبثًا استغلال مناجم «أكيتا»، وسنتكلم عن لوحة «كوبان» في مكانها.

(٥-٨) المصور الجغرافي لمناجم الذهب في عهد «سيتي»

وبهذه المناسبة يجب علينا أن نتحدث عن بردية اشتراها «درافوتي» من «طيبة»، وهي الآن محفوظة ضمن نفائس متحف «تورين»، وقد صُوِّر عليها على حسب ما وصلت إليه معلوماتنا أقدم مصور جغرافي في العالم، وهذا المصور قد مثل عليه الأصقاع التي يوجد فيها الذهب في وادي النيل، فنرى فيها الجبال، والطرق، والعمل، والمباني المختلفة، كما نشاهد لوحة نُقش عليها اسم «سيتي الأول»، وهي تقع بجوار بئر في قطعة أرض مزروعة، ومن هذه الإشارة عرفنا أن هذه البردية قد ترجع إلى عهد «سيتي الأول»، وقد قامت محاولات عدة للتعرُّف على البقعة التي تمثل هذا المصور على وجه التأكيد، ولكن الأمر لا يزال تكنفه بعض الشكوك، ويظنُّ «توماس» أن المناجم القديمة المسماة «داراهيب darahib» الواقعة في «وادي علاقي» هي المكان الذي يمثل هذا المصور،٦٤ وقد كشف «لينان دي بلفور» عن هذه المناجم ثانية، وعمل لها مصورًا، وبمضاهاة مصور «تورين» القديم بمصور «لينان» في عتبايه وجد «توماس» أوجه الشبه الآتية، وهي:
  • (١)

    أن المناجم المشغولة كانت في جنوب الوادي.

  • (٢)

    أن الوادي يحتوي كلأ وفيرًا، وفي المصور القديم نجد أن الجزء الأوسط المنزرع الذي رُسمت فيه اللوحة يشير بصفة تلفت النظر إلى الرواسب الخصبة الواقعة شمالي الوادي.

  • (٣)

    لاحظ «لينان» بعض الدلائل على وجود بئر قديمة بالقرب من جامع قرية المناجم، وكذلك لاحظ وجود قبر أو معبد محفور في الصخر في الشمال من المنجم الرئيسي، وهذه الظواهر نجدها كذلك ممثلة في المصور.

  • (٤)

    يظهر أن موضع الوديان أو الطرق الجبلية متشابهة في المصور القديم وفي مصور «لينان»، ويلاحظ في هذا المصور أن البحر يقع فيه على اليسار، ولولا وجود هذا الاتجاه لأصبح في وسع الإنسان أن يقول: إن منجم «براميا» الواقع شرقي «إدفو» هو الذي يمثل مكان المعبد، أو البئر، والمنجم القديم. ولم يعثَر حتى الآن على اللوحة التي نحتها الملك «سيتي» بالقرب من البئر الموجودة في «وادي مياه»، أو «وادي عباد»، وليس ببعيد أن تكون واحدة قد حُفرت هناك، وأنها لا تزال مطمورة تحت الرمال، وتنتظر الكشف عنها؛ لأن هذا المكان لم تعمل فيه حفريات علمية حتى الآن.

أما البردية التي رسم عليها هذا المصور (انظر الصورة ٣) فيبلغ عرضها نحو ثلاثة وثلاثين وخمسمائة مليمتر، وارتفاعها نحو سبعة وخمسين وأربعمائة مليمتر، ويظهر في المصور ترتيب خاص تُعرف منه الجبال، والطرق، وبعض تفاصيل أخرى، وإيضاحات كُتبت بالخط الهيراطيقي، فتُعرف فيه ست طرق، وسلسلة من التلال رُسمت بقمم مدببة، وقد رُسم واحد منها باللون الأحمر المائل للسمرة، وتظهر في وسط المصور تقريبًا بقعة ذات قمة مستديرة، وبئر بيضية الشكل لونها أخضر، وبالقرب من البئر مباشرة نشاهد أربعة بيوت للعمال، وإلى اليمين يوجد معبد، أما النقوش التي على هذا المصور فقد ترجمها الأستاذ «جاردنر»،٦٥ وهي كالآتي:
  • (١)

    الجبال التي يُستخرج منها الذهب، وهي بهذا اللون الأحمر.

  • (٢)

    نقشان موجودان تحت الطريق السفلية، إحداهما على الشمال، وفوق الطريق العلوية على اليسار، وهو «جبل ذهب»، وعلى الجهة اليمنى تحت أسفل الطريق «جبال من الفضة (؟) والذهب.»

  • (٣)

    ونقرأ بجانب تخطيط معبد، أو محراب ما يأتي: «محراب آمون صاحب الجبل النقي (الطاهر).»

  • (٤)

    وعلى الطريق المؤدية جنوبًا إلى أعلى طريق نقرأ: «طريق ثامتني».

  • (٥)

    وعلى التل الواقع فوق المحراب كتب: «جبل آمون (؟).»

  • (٦)

    ونجد أعلى من الطريق المؤدية لبيوت العمال، وعلى يمينها ما يأتي: «الجبل الذي يأوي إليه آمون.»

  • (٧)

    وبجانب بيوت العمال على الطريق كُتب: «بيوت مستعمرة مناجم الذهب.»

  • (٨)

    وبجانب اللوحة كُتب: «لوحة من «ماعت رع» (سيتي الأول) (له الحياة والصحة).»

  • (٩)

    وعلى الطريق الوسطي من اليسار كُتب: «طريق أخرى تؤدي إلى الصحراء.»

  • (١٠)

    وعلى أسفل طريق من اليسار دوِّن: «طريق تنت … بارمر … (؟).»

ولا شك في أن المطَّلع على هذا المصور لا يشك كثيرًا في أن المصري في ذلك العهد السحيق كانت له دراية لا بأس بها في علم تخطيط البلدان، والأماكن الطبعية.
fig5
شكل ٣: مصور لمناجم الذهب أقدم مصور جغرافي في العالم.

الأماكن التي كان يُجلب منها الذهب من الوثائق الأصلية

إن أول وثيقة أصلية مدونة وصلت إلينا عن بعثة منظمة أرسلت لاستحضار الذهب بخاصة يرجع عهدها للأسرة الثانية عشرة (١٩٨٠–١٩٣٥ق.م) فقد ذكر لنا «أمنمحات» الذي كان يُعد من أقوى حكام المقاطعات في «بني حسن» أنه اشترك في ثلاثة بعوث إلى الجنوب، وقد كان القصد من البعثين الأخيرين منها الحصول على الذهب. وقد قال عن حملته الثانية: «ثم سحت جنوبًا لإحضار ركائز ذهب لجلالة ملك الوجه القبلي والوجه البحري «خبر كارع» «سنوسرت الأول» عاش مخلدًا وسرمديًّا»، وقد صاحب الأمير الوراثي الذي أصبح فيما بعد «أمنمحات الثاني»، وقد أفلح في إحضار الذهب الذي فُرض عليه، وعندئذ دعا ابن الملك الإله «لي».٦٦
وحدثنا عن الحملة الثالثة فقال: «وعندئذ سحت جنوبًا لأحضر ركائز الذهب إلى مدينة «قفط»، وبصحبتي الأمير الوراثي «سنوسرت».» (راجع Br. A. R. I., 520-521). ولدينا نقش آخر على لوحة لمدير خزانة الفرعون «أمنمحات الثاني» المسمى «ساحتحور»، يقول فيها: «لقد عدت بالنتيجة — إذ اخترقت بلاد النوبة السود … هازمًا بالفزع من سيد الأرضين — ولقد سرت على الأقدام إلى أرض «حا» أيضًا»، وهذه اللوحة محفوظة بالمتحف البريطاني الآن (رقم ٥٦٩).٦٧

ونقوش «تحتمس الثالث» تشير إلى جلب الذهب من آسيا، ومن السودان كما ذكرنا ذلك من قبل، وقد جاء ذكر بلاد «آمو»، وبلاد «بنت»، والأرض العالية، و«كوش»، والأقاليم الجنوبية. وقد كان أحد ألقاب نائب الملك في بلاد «كوش»: المشرف على أرض الذهب، أو ذهب أرض «آمون» (راجع الجزء الخامس). هذا، ولدينا إشارة في نقوش «منخبر رع سنب» كاهن «آمون» الأكبر، والمشرف على الخزانة في عهد «تحتمس الثالث» إلى حاكم إقليم الذهب في «قفط». ويرى هذا الكاهن العظيم في إحدى صور قبره، وهو يتسلم حمولة سفن من الذهب من هذا الموظف، ومن ضابط الشرطة في «قفط»، وقد فُسر هذا المنظر بمتن: «تسلم ذهب الأراضي العالية في «قفط» بالإضافة إلى ذهب «كوش» الخاسئة، وهو الجزية السنوية» (راجع مصر القديمة الجزء الرابع).

ولما كانت «قفط» قد ذُكرت صراحة بأنها إقليم يوجد فيه الذهب كان الغريب أن نرى في قائمة معاصرة للأماكن التي تدفع جزية حكومية بالذهب أن هذه المدينة قد مر عليها واضع هذه القائمة، وذكر أنها لا تدفع إلا «دبنًا» واحدًا؛ أي ما يعادل نحو واحد وتسعين جرامًا من الفضة، ونصف دبن من الذهب، في حين نرى أن «إلفنتين» كانت قد أسهمت بدفع تسعة وأربعين دبنًا من الذهب، ودفعت «كوم أمبو» سبعة دبنات، «وإدفو» ثمانية دبنات، «وإسنا» عشرة دبنات، وكانت «أرمنت» تدفع على أقل تقدير تسعة دبنات. أما بلاد الوجه البحري فلم تكن تدفع جزية من الذهب أكثر من خمسة دبنات،٦٨ وقد جاء ذكر ذهب جبال «قفط» في عهد الأسرة العشرين؛ حيث نجد في ورقة «هارس» أنه كان جزءًا من دخل آمون، وأنه كان يُعرف بالذهب النضار، وقد قدر المحصول الكلي من الذهب بنحو تسعة وستين وخمسمائة دبن، وستة قدات، ونصف قدت، منها واحد وستون دبنًا، وثلاثة قدات من ذهب «قفط».
هذا، ونجد بالإضافة إلى المصادر الخاصة بنشاط «سيتي الأول» في استخراج الذهب التي نجدها في نقوش «وادي عباد»، ولوحة «كوبان» التي يرجع عهدها إلى حكم «رعمسيس الثاني» ذكر ذهب أرض الإله في نقوش «سيتي الأول» بالكرنك (راجع Br. Ibid. § 116)، وكذلك في نقوش الإهداء العظيمة التي دونها «رعمسيس الثاني» على جدران معبد «العرابة»، وفي كل حالة من هذه نلحظ أن الإشارة مبهمة؛ فلا نستطيع تحديد موضع أرض الإله بالضبط، غير أنه مما لا شك فيه أنها كانت بلاد «بنت» على وجه عام كما تحدثنا عن ذلك.

(٥-٩) معبد «وادي مياه» المعروف بمعبد «الردسية»

يقع معبد «وادي مياه»، أو «وادي عباد» — وهو المعروف عند علماء الآثار بمعبد «الردسية» — على مسيرة خمسة وثلاثين ميلًا شرقي «إدفو» على الطريق القاحلة المؤدية إلى مناجم الذهب القريبة من البحر الأحمر، وهذا المعبد قد نحته «سيتي الأول»، وأطلق عليه هذا الاسم «لبسيوس»؛ لأنه قد وصل إليه عن طريق بلدة «الرديسية» التي تبعد عنه حوالي أربعين ميلًا تقريبًا، والواقع أن هذا المعبد كان معروفًا قبل عهد «ليسيوس»، وقد وصل إليه بحاثون أثريون قبله، ووصفوه، واسمه الأصلي هو «وادي مياه»،٦٩ أو «الكنايس»، وهذا الاسم الأخير قد أطلق عليه من اسم المعبد الذي كان في نظر السكان هناك يشبه الكنيسة.
وتدل نقوش هذا المعبد على أنه نُقر في واجهة صخرية عالية في «وادي مياه»، أو «وادي عباد» الذي يمتد في الصحراء قبالة «إدفو». والواقع أن الظل الظليل الذي ترسله الصخور الشامخة على رقعة الصحراء هناك قد جعلت تلك البقعة محط رحال طبعيًّا للذين يخترقون هذه الطريق المجدبة؛ ومن المحتمل أنه كانت هناك مستعمرة منذ الأزمان السحيقة في القدم، يدل على ذلك ما نشاهده من صور القوارب المقدسة الجميلة المنقوشة في الصخور الواقعة شرقي المعبد، ويرجع تاريخها إلى عهد الأسر الأولى المصرية، ويلاحظ أن هذه القوارب قد نسبت للإله «مين» الذي كان يُعد من أهم المعبودات في الصحراء الشرقية، وكذلك نجد أن «منموسي» نائب الفرعون في «كوش»، والذي عاش في عهد «أمنحتب الثالث» قد نقش اسمه على هذه الصخور.٧٠
fig6
شكل ٤: معبد وادي مياه (الردسية).

وقد كانت الطريق في عهد «سيتي الأول» قد أصبحت عسيرة شاقة وعرة بسبب قلة الماء؛ من أجل ذلك قام هذا الفرعون بحفر بئر في هذه الجهة أطلق عليها بئر «سيتي مرنبتاح»، وخرائب هذه البئر لم تزَل ظاهرة حتى الآن، وسنجد في نقوش هذا المعبد وصفًا شيقًا لهذه البئر جاء على لسان الفرعون. فيحدثنا فيه عن عطفه الأبوي، ورعايته لمصالح مواطنيه، والسهر على ما فيه راحتهم وسلامتهم، إذ قد جاس خلال هذه الصحراء بنفسه — كما يقول المتن — باحثًا عن أحسن مكان ليحفر فيه بئر للسابلة، يستقون منه في أثناء ارتيادهم الصحراء إلى مناجم الذهب فيها، والواقع أن هذا الحادث على ما نظن لا يخرج عن صياغة واقعة عادية في قالب فصيح منمق بالألفاظ الخلابة، والتعابير الأخاذة؛ مما كان يصوغه لأولئك الفراعنة طائفة درِّبت عليه، ونُشئت على تسطير مثل هذه الحوادث، وإحاطتها بهالة من التزلف، والمبالغة، والإغراق في المديح؛ حتى إننا نفقد أحيانًا الحقائق التاريخية التي تكون قد غرقت في مثل هذه الألفاظ الجوفاء، ومن ثم تختلط الحقيقة بالخيال، وتغطي على التاريخ الخرافات اللفظية؛ فيصبح نسيًا منسيًّا.

والواقع أنه عندما كان يرغب الفرعون في إقامة أثر، أو الشروع في عمل كانت العادة أن الفرعون بعد الافتتاح الرسمي يمثل جالسًا يستشير قلبه الصالح الآلهة، أو الشعب، ثم يبتدئ بنفسه تنفيذ هذا العمل الصالح، وتقدَّم أمامه تفاصيله، ثم يتبع ذلك مدائح العظماء الذين يكونون قد التفوا حوله؛ ليعرض عليهم ما أوحى به قلبه إليه؛ فيشيدون بعظمته، وأصالة رأيه، ونشاطه بما لم يسمع به من قبل. ويلاحظ أن الدور الذي قام به «سيتي الأول» في «وادي مياه» شخصيًّا كان من هذا النوع من التمثيل، غير أنه لدينا وثائق رسمية تجعلنا في شكٍّ من أن «سيتي» كان يمثل هذا الحادث أيضًا، وهذه الوثيقة تحدثنا بأنه قد قام بزيارة هذا المنجم فعلًا. وهكذا يقف المؤرِّخ حائرًا بين التصديق والتكذيب، وإن كانت أفعال هؤلاء الملوك تجعل الإنسان يميل إلى الرأي الأخير.

وبعد هذه الزيارة المزعومة بزمن قصير استقرَّ الرأي على ما يظهر على إقامة معبد، ومساكن للعمال، وكانت البئر التي حُفرت هناك تعرف — كما قلنا — ببئر «سيتي مرنبتاح» (تاخنمت سيتي مرنبتاح).

المعبد

ومعبد «وادي مياه»، أو معبد «وادي عباد» طرازه بسيط جدًّا، فقد كانت واجهته المبنية من الأحجار والمستندة على واجهة الصخر مرتكزة على أربعة عمد بردية الشكل، وجدرانه الخارجية كانت في الأصل عارية عن كل زينة أو نقش، ولكن نُقش عليها بعد ذلك نقش أو نقشان، واحد منهما باسم «رعمسيس الرابع»، وقد زُينت الواجهة الداخلية بمناظر تمثل «سيتي الأول»، يدوس تحت قدميه رؤساء «كوش» الخاسئين، ورؤساء كل الممالك في حضرة الإلهين؛ «آمون رع»، و«حور بحدَّت» اللذين يقدمان له سيفًا، ويقبضان على حبال غُل فيها البلاد المغلوبة على أمرها بصورة رمزية.

ويشاهد على كل من عارضتي الباب المؤدي إلى القاعة الرئيسية صورة ضخمة للملك في صورة الإله «أوزير»، ويحتمل أن هذا كان رمزًا لعلاقة المعبد ببيت «من ماعت رع» في «العرابة»؛ حيث كان يعبد الفرعون في صورة «أوزير» هذا البلد المقدس. وأبعاد القاعة الكبرى تبلغ حوالي ثمانية عشر قدمًا في نحو عشرين قدمًا، وسقفها يرتكز على أربعة عمد مقطوعة في الصخر، ويشاهد على جدرانها وعمدها الفرعون «سيتي الأول» ممثلًا يقدم القربان للآلهة المحلية «مين-آمون» و«حور بحدت»، «ونخبت» وثالوث طيبة: «آمون رع» و«موت» و«خنسو»، والآلهة الشمسية: «آتوم»، و«حور اختي»، و«رع حور اختي»، والآلهة المنفية: «بتاح»، و«أوزير»، و«إزيس»، و«حتحور». وقد انفردت «إزيس» من بين كل هذه الآلهة بقولها للفرعون: «لقد منحتك بلاد الذهب والتلال تعطيك ما في جوفها الذهب النضار، واللازورد، والفيروزج». ويوجد ثلاث كوات في جدار هذه القاعة في نهايتها القصوى، في كل واحدة منها ثلاثة تماثيل جالسة مقطوعة في أصل الصخر، وتمثل التماثيل التي في الكوة الغربية: «سيتي الأول»، و«أوزير»، والإله «بتاح»، أما التي في الكوة الوسطى فتمثل: «آمون رع»، و«حور اختي»، و«سيتي الأول»، وتمثل التي في الكوة الأخيرة: «سيتي الأول»، و«إزيس»، و«حور بحدت». وهؤلاء الآلهة جميعًا يمثلون التاسوع الإلهي الذي أُهدي إليه المعبد بخاصة. والواقع أنه لا يوجد إلا سبعة آلهة؛ أما باقي التاسوع فقد كمل بتكرار الملك «سيتي» ثلاث مرات في ثلاثة المجاميع التي في الكوات. ولا يدهشنا وجود الملك «سيتي» بين أولئك الآلهة؛ لأنه قد ذكر صراحة في أحد النقوش الطويلة أن الفرعون قد عُد ضمن التاسوع الإلهي، وهؤلاء الآلهة قد وُصفوا — كما سنرى — في نقش آخر بأنهم تاسوع هذا المعبد. وسنجد في النقوش أن «آمون»، و«رع» قد ذكرا كل عن حدته في حين أن شكلي «حور»، وهما «حور بحدت»، و«حور اختي» لم يميزا في الرسم.

والنقوش الطويلة الهامة التي في القاعة الرئيسية مدونة على عارضتي الباب، وعلى جدرانها، وهذه النقوش لها أهمية خاصة، وأقدم متن بينها هو الذي نُقش على الجدار الشمالي، وقد أُرخ بالسنة التاسعة من حكم «سيتي»؛ أي حوالي عام ١٣٠٤ق.م وهو يقص علينا في أربعة عشر سطرًا عموديًّا حفر بئر، وبناء معبد، وينتهي بصلوات يدعو بها الفرعون للآلهة لتخليد اسمه، وأعماله العظيمة، ويشاهد بجانب هذا المتن صورة الفرعون واقفًا يواجه في خضوع وخشوع وتضرع النقش، وهاك المتن فاستمع لما جاء فيه:

السنة التاسعة من الشهر الثالث من فصل الصيف اليوم العشرين من الشهر في عهد جلالة حور الثور المنتصر، الظاهر في طيبة ومنعش الأرضين، والمنتسب للإلهتين، ومجدد الولادة، وصاحب السيف الجبار، قامع الأقواس التسعة، حور الذهبي مجدد المظاهر عظيم الأقواس في كل الأراضي، ملك الوجه القبلي والوجه البحري «من ماعت رع» ابن الشمس «سيتي مرنبتاح» معطي الحياة إلى الأبد السرمدي في هذا اليوم، كان جلالته يفحص الأراضي الصحراوية تجاه التلال؛ لأن لبه كان يرغب في رؤية المناجم التي يُجلب منها النضار. ولما كان جلالته يسير مصعدًا في هذه التلال، وهو عالم بالكثير من مجاري المياه وقف في الطريق ليتبادل المشورة مع قلبه، فقال: ما أيئس الطريق التي لا ماء فيها! وفي الحق ماذا يفعل المسافرون ليطفئوا حناجرهم الملتهبة، فمن ذا الذي يطفئ ظمأهم وأرض الوطن بعيدة، وهم في الصحراء الشاسعة، فما أتعسه من رجل يصيبه الظمأ في القفار الموحشة، تعال الآن، دعني أفكر في خير هؤلاء، سأعمل على ما يحفظ حياتهم حتى يترحموا على اسمي في السنين المقبلة، وحتى تفخر بي الأجيال التي ستأتي بعدي من أجل نشاطي؛ لأني في الحق رحيم، وممتلئ حزنًا من أجل السابلة.

وبعد أن نطق جلالته بهذه الكلمات لقلبه جال حول الصحراء باحثًا عن مكان يتخذه محطًّا للسقاية — وقد كان الإله وقتئذ يرشده حتى يمنحه طلبته التي كان يرغب فيها — وقد عين عمال قطع أحجار لحفر بئر على التلال ليستطيع الملك إغاثة من أضناه التعب، وينعش القلب الذي يتحرَّق عطشًا وقت القيظ. وقد أنجز العمل في هذا المكان، وسمي بالاسم العظيم «من ماعت رع»، وقد غمرته المياه بوفرة عظيمة، مثل: كهف منبعي النيل في «إلفنتين».

وقال جلالته: تأمل، لقد استجاب الآلهة لدعوتي، فجعلوا الماء ينبع لي من الصخور، وقد مهدت الطريق في حكمي، وكانت منذ زمن الآلهة مشئومة، وأصبحت أراضي المراعي مفيدة للرعاة، وكل البلاد تصبح سعيدة عندما يكون مليكها نشيطًا، فكل عمل عظيم مجهول أصبح معلومًا في زمني، وقد تملك لبي عمل صالح آخر بأمر الإله، وهو تأسيس بلدة يكون فيها مأوى، والمكان الذي يشتمل معبدًا لا شك يكون رفيع القدر، وسأقيم مأوى في هذا المكان يحمل اسم آبائي العظام (الآلهة)؛ وبذلك سيجعلون أعمالي تبقى، واسمي ينتشر ويُذاع في الخارج في الأراضي الأجنبية، وعندئذ أمر جلالته أن تُعْطَى التعليمات رؤساء العمال الذين كانوا معه بوصفهم قاطعي أحجار، وقد عملت حفائر في هذا التل لتكون معبدًا لهؤلاء الآلهة؛ فكان فيه «آمون». و«رع» كان في داخله كما كان «بتاح»، و«أوزير» في قاعته الرئيسية، و«حور»، و«إزيس»، و«من ماعت رع»، وهم جماعة الآلهة الذين كانوا يأوون إلى هذا المعبد، وبعد أن تم الأثر، وزُين، وعملت صوره ونقوشه أتى جلالته ليتعبد لآبائه كل الآلهة فقال: مرحبًا بكم يأيها الآلهة العظام، يا من أسستم السماء والأرض على حسب رغبتكم الطيبة! إنكم سترونني عطفكم مدى الأبدية، وستخلدون اسمي سرمديًّا، بقدر ما أنا خادم ونافع لكم، ويقظ للشئون التي ترغبون فيها.

ومن أجل ذلك ستخبرون أولئك الذين سيأتون، سواء أكانوا ملوكًا أم موظفين، أم أناسًا عاديين أن يثبتوا لي أعمالي تحت مراقبة بيتي في «العرابة»، وإن من يعمل على حسب كلمة الإله يكون سعيدًا لأن خططه لن تخيب، فتكلموا أنتم وكلمتكم ستنفذ لأنكم أنتم الأرباب، ولقد مضيت حياتي وأنا أمين لكم، أبحث عن تحسين حالي معكم، فاجعلوا آثاري تخلد لي، واسمي يبقى دائمًا عليها.

وتدل الأحوال على أنه لم يبقَ أي أثر من البلدة أو المستعمرة التي تكلم عنها «سيتي» في هذا النقش؛ إذ كان المنتظَر في مثل هذا المكان المهجور البعيد عن السكان أن يبقى بعض الدمن من المباني؛ ولذلك يحتمل أن هذا الجزء من المشروع الذي كان قد أخذ في تنفيذه لم يتم، وكذلك من الجائز أنه قد غُطي بالرمال، ولم يزل محفوظًا تحتها ينتظر معول الحفار للكشف عنه، ومكان البئر ليس معروفًا على وجه التأكيد، غير أن الأثري العظيم «جولنيشف» رأى مباني في عام ١٨٨٩ ميلادية في الوادي قريبة جدًّا مقابلة للمعبد، ويعتقد أن في هذه البقعة حُفرت البئر، ولكنا لسنا على يقين مع كل ما ذكرنا من أن «سيتي» قد عاش حتى افتتح هذا المعبد.

ولدينا متن مؤلف من خمسة أسطر نقش على عارضة الباب المؤدي إلى القاعة الرئيسية على الجهة اليسرى من المدخل، وهذا المتن في تركيبه العام غير عادي، حقًّا إنه يبتدئ بصيغة الإهداء العادية، ولكن مؤلفه ينتقل بعد ذلك إلى سرد قصيدة كلها مديح في الفرعون، وأعماله العظيمة، وينشدها الشعب المعترف له بالجميل، وهاك المتن فاستمع لما جاء فيه:

حور الثور المنتصر، الظاهر في طيبة، منعش الأرضين ملك الوجه القبلي والوجه البحري «من ماعت رع». لقد أقامه — يقصد المعبد — أثرًا لوالده «آمون رع» مع تاسوع الآلهة، فبنى لهم معبدًا جديدًا كله يرتاح فيه الآلهة، وقد حفرت بئرًا أمامه، ولم يعمل مثله قط على يد أي ملك غير الملك البار ابن «رع» «سيتي مرنبتاح»، الراعي الطيب الذي يحمي حياة جيشه، ووالد بني الإنسان وأمه. وأنهم يتناقلون من فم لفم:

أعطه يا آمون كل الأبدية
ضاعف له الأبدية ضعفين
وأنتم يأيها الآلهة الذين في البئر
امنحوه مدة حياتكم
لأنه فتح هذه الطريق أمامنا
بعد أن كانت مغلقة في وجوهنا
وعلى ذلك أصبحنا نسير عليها آمنين
ونصل إلى آخرها على قيد الحياة
والطريق التي كنا نحسبها في صدورنا وعرة
أصبحت الآن طريقًا معبدة
وقد صار نقل الذهب بسرعة نظر الصقر
وكل الأجيال الآتية سيصلون لينال الخلود
وليحتفل بأعياد ثلاثينية مثل «آتوم»
وليستطيع تجديد شبابه مثل «حور بحدت»
وذلك منذ أن أقام أثرًا في الأراضي الصحراوية لكل الآلهة
وجلب المياه على التلال التي كانت بعيدة عن الناس
فيا رجال كل حملة تطأ الصحاري نادوا بحياة وثبات وحظ
ملك الوجه القبلي والوجه البحري «من ماعت رع» محبوب «آمون رع» ملك الآلهة
النقش الثالث
ولدينا نقش ثالث في وادي مياه، أو وادي عباد،٧١ ويعد على الرغم مما فيه من غموض في بعض معانيه، وما أصابه من تهشيم أهم نقش في المعبد، وهاك الترجمة الحرفية:

ملك الوجه القبلي والوجه البحري «من ماعت رع»؛ ابن الشمس «سيتي مرنبتاح» يقول أمام آبائه كل ملوك الوجه القبلي وملوك الوجه البحري حكام الشعب:

أصغوا إلي يا ضباط مصر
وعلى ذلك سيعي لكلامكم آخرون
وستكونون في سرور كما أحب لكم
وستكافأ أعمالكم على حسب ذلك
وعلى ذلك ستكونون مثل الآلهة
وسيسعد الفرعون بين تاسوع الآلهة.

وقد قلت ذلك عندما عينت عمال تنظيف الذهب لمعبدي لأجعلهم يمدون بيتي … معبدي.

أما عن الذهب، وهو لحم الآلهة فإنه ليس من ضرورياتكم؛ فتجنبوا ذكر ما قاله «رع» عند بداية كلماته؛ إذ يقول: إن جلدي من خالص النضار؛ لأن «آمون» معبدي سوف … وعيناه على أشيائه، وإنهم لا يحبون سوء استعمال أمتعتهم، وعليكم ألا تضايقوا أناسيهم؛ لأنهم — أي الآلهة — مثل التماسيح (؟)، فلا تفرحوا … أما من يشين عمل إنسان آخر فسينال بالمثل في النهاية، وأن الله سيتلف آثار المتلف؛ وأن عمل الكذابين لا يمكث … الملك … وأجعلكم تعلمون أني قد عزمت من بعيد أن أخبركم (؟)، ولقد عينت طائفة من عمال الذهب، وقد قدمتهم كلهم إلى … لأجلي وحدي، وجعلتهم كلهم موظفين جددًا لأجل أن يستمروا معي، ولم آخذهم من موظفين آخرين لأضيفهم … وسيصيرون أولاد بيتي، وتابعين لمعبدي.

وأي ملك سيأتي بعدي، ويمتحن أعمالي ليجعلها باقية … مقدمًا ما ينتجونه — أي العمال — لبيت «من ماعت رع» لتمويه كل تماثيلهم بالذهب أي «آمون»، و«حور اختي»، و«بتاح تنن»، و«وننفر» … سيستيقظون … وسيجعلونهم سعداء، وليحكموا البلاد في نعيم، وليذبحوا الأرض الحمراء (الصحراء)، وأرض النوبة، وروحهم سيبقى وتستمر مؤنتهم الغزيرة، وسيشبع أولئك الذين على الأرض، وسيصغي «رع» لصلواتهم حتى لا يقول واحد: إني أحتاج.

وأي ملك سيأتي بعدي ويقلب خطتي، أو يقول: إن الأراضي تحت تصرفي، وإنها متاعي فذلك عمل آثم في قلوب الآلهة! ولا شك في أن أمثال هذا سيجاب عليه في «هليوبوليس»، وإن هم القضاة … وسيقدمون جوابًا على حسب متاعهم، وأنهم سيكونون حمرًا مثل لهيب النار، وسيطبخون لحوم أولئك الذين لا يصغون إلي، وسيمحون من يتلف خطتي، وسيلقى به في قاعة عذاب العالم السفلي، لقد قلت (؟) … دع إنسانًا بريئًا من إثمه يخلصك، ولماذا إذن؟ فإنه سيكون إنسانًا آخر ضال القلب يتهمه تاسوع الآلهة، وأي موظف يتطاول على سيده بإبداء هذه الرغبة، وهي أن يستولي على عمال، ويستخدمهم في ضيعة أخرى بشهادة زور، فإن مصيره نار تصلي لحمه، ولهيب يلتهم أعضاءه لأن جلالتي قد عمل كل هذه الأشياء لروح أرباب بيتي.

وإن الإله يمقت من يتدخل في شئون قومه، وإنه لن يتوانى عن خذلان المتلف، ولكن عمال تنظيف الذهب الذين ألفتهم لبيت «من ماعت رع» سيُستثنون ويُميزون، ولن يعتدي عليهم إنسان في الأرض قاطبة على يد أي ضابط من ضباط أي مراقب صحراء، وأي شخص يتدخل في شئونهم ينقلهم إلى مكان آخر يجعل الآلهة والإلهات أعداء له؛ لأن كل متاعي إرث لهم تحت أقدامهم أبد الآبدين، وضابط طائفة عمال غسل الذهب الخاص ببيت «من ماعت رع» سيكون مستقلًا في توريد ما ينتجونه من الذهب لبيت «من ماعت رع».

وأي شخص يتجاهل هذا المنشور فإن الإله «أوزير» سيتأثره، وسيحاسبه كذلك زوجه «إزيس»، وابنه «ماحور»، والآلهة العظام أرباب الأرض المقدسة.

تعليق على هذا المتن

إذا ألقينا نظرة فاحصة على هذا المتن وجدنا أنه خطاب من الفرعون «سيتي الأول» إلى الملوك الذين سيخلفونه؛ يحضهم فيه على احترام مؤسسات الذهب التي وضعها لبيته في «العرابة المدفونة»، وهذا الذهب كان مخصصًا لأولئك الآلهة الذين أُهديت لهم تلك المؤسسة، ونراه يعدهم، أنهم إذا حفظوا العهود احترم رغباتهم بالمثل، وكافأ أعمالهم العظيمة، والظاهر أنه كان يرمي إلى صرفهم عن عدم التفريط في الذهب الذي لا يحتاجون إليه، وأنه لا يصلح إلا للآلهة فقط. ويلمح إلى أن استعمال الملوك «لحم الآلهة» — أي الذهب — لأغراضهم الشخصية كفر وجحود وطغيان، ومن الطريف أن «سيتي الأول» قد اقتبس بعض قصة هلاك الإنسانية (راجع كتاب الأدب ج١ ص٧١)، وفيها يقص عن إله الشمس: «والآن قد أصبح جلالته متقدمًا في السن، وكانت عظامه من فضة، ولحمه من ذهب، وشعره من اللازورد.» وكأنه بذلك يحض ملوك المستقبل على أنه ينبغي ألا يتدخل إنسان مع عمال الذهب في المستقبل؛ لأنه لم يخرج على أي نظام كان قائمًا في عصره خاصًّا بتأليف طائفة عمال تنقية الذهب، بل أنشأ طائفة عمال جدد لم يؤخذوا من عمال طائفة أخرى. ثم يذكر لنا بتحفظ أن الذهب كان لازمًا لتمويه صور الآلهة؛ ومن أجل ذلك يطلب الرحمة لكل فرعون يحافظ على مؤسسته، ويستنزل النقمة على كل من أراد أن يستغلها لمنفعته الشخصية. وكذلك نراه يطلب الخير لكل وزير يجعله مليكه يسير في طريق الصلاح، كما يطلب لكل وزير يهيئ سبيل الشر لمليكه عقابًا وخسرانًا مبينًا، ويلاحظ هناك أن اللعنات التي وردت في المتن كانت على وجه خاص شنيعة وقاسية. والظاهر أن «سيتي» كان يهدد الآثم بأن آلهة المعبد هم الذين سيتولون حسابه، وقد كانوا ضمن أعضاء تاسوع «عين شمس»، وهم — كما نعرف — كانوا يؤلفون قضاة يوم الحساب، وبعد تحذيرات أخرى، وعرض حقوق طائفة عمال الذهب، وضباطهم يختتم الخطاب باللعنات الشنيعة، على كل من لا يرعوي لقوله.

على أنه ليس في طبيعة الشره البشرية أن يتعظ الإنسان بأصوات الموتى، وتحذيراتهم، وبخاصة عندما يكون الذهب هو الحافز على إيقاظها؛ إذ يظهر لنا من نقش الإهداء الذي صاغه «رعمسيس الثاني» بألفاظ بديعة منمقة في بيت «من ماعت رع» «بالعرابة» أنه عند موت «سيتي» هجر هذا المعبد الفخم الذي لم يكن قد أتمه بعد، واستولى على دخله؛ مما اضطر «رعمسيس» إلى إعادة نظام المؤسسة كلها، وحبس الأموال عليها من جديد، على أننا لا نُبرئ «رعمسيس الثاني» نفسه من أنه في أواخر أيامه قد استغل مؤسسة «وادي مياه»، أو «وادي عباد» لمنفعته الشخصية؛ إذ قد ترك لنا كاتب لم يهبه الله شيئًا من حُسن البصيرة الكلمات التالية على أحد عُمُد هذا المعبد: «إحضار الذهب للعيد الثلاثيني الحادي عشر للفرعون «وسر ماعت رع ستب أن رع» (رعمسيس الثاني).» وإذا تسامحنا في تفسير هذا المتن، فقد نفرض أنه يشير إلى الذهب الذي كان يقدمه الكهنة قرابين اختيارية لبيت «سيتي» في «العرابة» في مناسبة عيد «رعمسيس الثاني» الثلاثيني الحادي عشر.

وأخيرًا، نعود مرة أخرى إلى موضوع البئر التي حفرها «سيتي الأول» في وادي مياه، أو «وادي عباد»، فنذكر برهانًا قويًّا على إنجاز هذا العمل في عهد «سيتي الأول»، إذ يدل على ذلك إحدى اللوحات التي نُحتت في الصخر المجاور للمعبد، ومما يؤسف له أن اسم مقدم اللوحة قد مُحي، ولكن جاء في النقش ما يأتي: «عملها البحار … الذي كان مكلفًا بحفر بئر «سيتي مرنبتاح».» وهكذا أصبح لدينا وثيقة من أحد الرجال الذين اشتركوا فعلًا في إنجاز هذا العمل العظيم، ويدل تعبد هذا البحار للإله «بتاح»، والإلهة «سخمت» على أنه كان من أصل منفي.

(٥-١٠) معبد «القرنة»

يقع معبد «القرنة» الجنازي الذي أقامه «سيتي الأول» عند مدخل «وادي الملوك»، وما بقي منه إلى الآن لا يمثل إلا جزءًا صغيرًا مما كان عليه البناء الأصلي من بهاء وروعة، فقد اختفت منه «البوابة» الأولى والثانية، وكذلك ردهتاه الأولى والثانية، ولم يبقَ منها إلا آثار دارسة تدل على وجودها، وهذا المعبد كان قد أقامه «سيتي الأول» تكريمًا للإله «آمون» كما كان يقصد استخدامه معبدًا جنازيًّا لوالده «رعمسيس الأول» الذي لم تمكنه مدة حكمه القصيرة من إعداد معبد جنازي لنفسه، وهذا المعبد مثله كمثل معظم مباني «سيتي» العظيمة لم يكن قد تمَّ حتى حضره الموت، وقد كان على «رعمسيس الثاني» إنجاز بناء ما بقي من هذا المعبد، ويلاحظ في أيامنا أن واجهة المعبد الحالية تقابل ما كان في الأصل طريق العمد التي كانت في الطرف النهائي من الردهة الثانية.

وهذه الطريق لها خاصية غريبة بعض الشيء؛ إذ كانت تحتوي على عشرة عمد بردية الشكل لكل منها تاج في صورة برعوم زهرة، وقد تبقى منها حتى الآن سبعة أعمدة، ونشاهد بدلًا من (الكرنيش) الذي كان على هيئة سعف النخل، وهو الذي كان يحوط طريق العمد تشييد واجهة مستطيلة، وخلف هذه العمد جدار ذو ثلاثة أبواب، وعلى الجدار الأوسط الذي على اليسار رُسمت صور مقاطعات مصر ممثلة في هيئة رجال ونساء على التوالي، وكل منها يحمل قربانًا مما تنتجه المقاطعة ليقدمه للفرعون، وعلى يمين الباب نقوش مماثلة للأولى تصوِّر مقاطعات الوجه البحري، وبعد اختراق الإنسان الباب الأوسط يدخل قاعة العمد التي تحتوي على ستة أعمدة في هيئة برعوم زهرة البردي يكتنفها من كلا الجانبين ثلاث حجرات جانبية، وزخرف هذه القاعة بعضه من عمل «سيتي الأول»، والبعض الآخر من عمل «رعمسيس الثاني». ويمكن تمييز فن «سيتي» بسهولة لسموه، ودقة نقوشه البارزة، أما صناعة عهد «رعمسيس» فقد استعمل فيها النقوش الغائرة التي كانت على الرغم من أنها محببة إليه تزوَر عنها العين لسماجتها. وفي نهاية قاعة العمد المحرابُ الذي لا يزال محتفظًا بالحجر الذي كان مستعملًا قاعدة ليوضع عليها قارب الإله «آمون» المقدس، وعلى يسار قاعة العمد مقصورة «رعمسيس الأول»، وعلى اليمين حجرة عظيمة زخرفها «رعمسيس الثاني» بالنقوش الغائرة، وقد صُور فيها، وهو يقدم القربان للآلهة المختلفة. ولا نزاع في أن صناعة الزخرف فيها كانت أقل جودة بالنسبة لأجزاء المعبد الأخرى، وهذه القاعة قد استعملها المسيحيون كنيسة فيما بعد، ويعتقد الأستاذ «بتري» أن معبد «القرنة» كان قد وضع تخطيطه «سيتي» في الأصل ليكون معبدًا جنازيًّا لوالده «رعمسيس الأول»،٧٢ وأنه بدأ البناء المعروف باسم «الرمسيوم» ليكون معبده الجنازي، وعند وفاة «سيتي» كان معبد «القرنة» لم يزل ينقصه بعض الزخرف، وكان بناء «الرمسيوم» في بدايته فقط. ويلاحظ أن «رعمسيس الثاني» غيَّر الغرض الذي من أجله أقيم معبد «القرنة»، وأتم النقوش بطريقة جعلته يقوم مقام معبد جنازي لجده «رعمسيس الأول»، ولوالده «سيتي الأول»، وكذلك لنفسه، ولكن ما يقوله «بتري» من أن «رعمسيس» قد استولى على «معبد الرمسيوم» الذي وضع «سيتي الأول» تخطيطه لاستعماله لنفسه قول لا يدعَم ببراهين صحيحة كما سنفصل القول بعد.
وفي محاجر «جبلين» عثر على نقش يحدثنا عن البحث عن حجر مناسب لاستعماله في بناء معبد «سيتي» الجنازي «بالقرنة»، وقد قام بالإشراف على إنجاز هذه المهمة مدير أعمال «سيتي»، وهاك النص على الرغم مما به من تهشيم:
… البحث عن … «حتحور» لأجل قطع أحجار كثيرة من هناك؛ لأجل «بيت من ماعت رع» لملايين السنين غربي طيبة»، ثم جاء لجلالته — له الحياة والصحة والفلاح — قائلًا: «… فرصة لجعل اسمه ينتشر في الأرض كلها، وفي هذا اليوم جاء رئيس الخزانة تحتمس: … الذي … أعطى فضة وذهبًا مرة لإنجاز العمل … لقطع أحجار كثيرة لبيت «من ماعت رع» (سيتي الأول) عندما كان يعمل … قال: … تصميم … لملك يحمي … تنظيم الضرائب، وليعين المشرف عليهم الذي كان مكلفًا «بسيد الحياة» — اسم للتابوت، وكذلك لجبل غربي طيبة — الناس … العمل، وأنه والده «آمون» … مخبرك رغبات القلب منذ زمن الإله لأجل روح الكاتب، ومدير أعمال رب الأرضين، ورئيس الأعمال «حوي».٧٣
ويدل اسم معبد القرنة: معبد روح «سيتي مرنبتاح» في بيت «آمون» في غربي «طيبة» على أنه كان معبدًا جنازيًّا «لسيتي الأول»، ولا أدل على ذلك من وجود ستة متون باسمه، أو باسم «آمون»:
  • (١)

    «سيتي الأول» قد أقامه بمثابة أثر لوالده «آمون رع» رب «طيبة» … الكرنك، فعمل له قصرًا عظيمًا، وقدس أقداس فاخرًا للتاسوع المقدس، ومكان راحة لرب الآلهة في عيد واديه الجميل، وهو الذي أقامه له ابن «رع» «سيتي الأول» مثل «رع» أبديًّا.

  • (٢)

    «سيتي الأول» عمله بمثابة أثر لوالده «آمون رع» ملك الآلهة، فأقام له بيت ملايين السنين في غربي «طيبة» قبالة «الكرنك» من الحجر الرملي الأبيض الجميل، وقد أقيم عاليًّا جدًّا وعظيمًا، وهو الذي عمله ابن «رع» إلخ.

  • (٣)

    «سيتي الأول» أقامه بمثابة أثره لوالده «آمون رع» رب «طيبة» الساكن في معبد روح «سيتي مرنبتاح» في بيت «آمون» في «طيبة الغربية»، فصنع له بيت ملايين السنين من الحجر الرملي الأبيض الجميل، وهو مكان لظهور رب الآلهة ليشاهد جمال «طيبة»، وأبوابه من خشب الأرز الحقيقي المشغول بنحاس «آسيا»، وقد أقيم عاليًا شاسعًا.

  • (٤)

    عمله «سيتي» إلخ. فأقام له قاعة شاسعة، ويضيء في وسط بيته، مكان لظهور تمثاله الفاخر في عيده الجميل «عيد الوادي»، والتاسوع العظيم المقدس للآلهة الذين في «جبانته المقدسة» قلوبهم راضية.

  • (٥)

    لقد عمله بمثابة أثر لآبائه الآلهة والإلهات الذين يسكنون في المعبد المسمى «روح «سيتي مرنبتاح» في «بيت آمون» في غربي طيبة»، فأقام لهم قصرًا فاخرًا بمثابة بيت لقدس الأقداس للآلهة، وعندما يسكنون في قصره يكون «آمون رع» في المقدمة …

  • (٦)
    عمله بمثابة أثر … إلخ … فأقام له بيتًا لملايين السنين على الشاطئ الغربي لطيبة قبالة «الكرنك»، من الحجر الرملي، وقد بني عاليًا وشاسعًا.٧٤

(٥-١١) مقبرة سيتي الأول

يعد قبر٧٥ «سيتي الأول» الواقع في وادي الملوك بطيبة الغربية من أضخم المقابر التي نُحتت في صخور هذا الوادي، كما أنه من أحسنها زخرفًا ودقة نحت وتصوير، وأول من كشف عن هذا القبر الأثري «بلزوني» في أكتوبر عام ١٨١٧م، ومما يستدعي الأسف أنه قد وُجد منهوبًا نهبًا تامًّا في الأزمان القديمة.

وهذا القبر الواقع على مقربة من مقابر الأسرة الثامنة عشرة نُقر في الصخر لمسافة خمس وعشرين وثلثمائة قدم، وبابه الواسع الشامخ يؤدي إلى سلم ذي سبع وعشرين درجة، ينتهي إلى دهليز منحدر يليه درجات أخرى ومحاط، يتبع ذلك سلسلة حجرات استراحة، وأخرى عظيمة المساحة في الطريق إلى أن يصل الإنسان في النهاية إلى حجرة التابوت العظيمة بسقفها المقبب، وعمدها المربعة، ويوجد خلفها حجرات صغيرة ثانوية، وجدران هذا الضريح الشاسع مزينة بمتون وصور من الكتابين الجنازيين العظيمين الخاصين بالدولة الحديثة، وهما: «كتاب البوابات»، و«كتاب ما في العالم السفلي»، وهذان الكتابان كما ذكرنا آنفًا (راجع ج٣) يصفان السياحة الليلية لإله الشمس في العالم السفلي المظلم، وخروجه ثانية منه منتصرًا على عالم الظلام في الصباح التالي، وهكذا على التوالي، وهذه المناظر الجنازية قد حُفرت بنقوش بارزة ثم لُونت، ويظهر فيها نفس دقة الفن، والرسوم الممتازة التي شاهدناها في معبد «العرابة»، وغيره من مباني «سيتي» التي كانت ذات طابع خاص يميزها.

وبناء القبر وما يحتويه من دهاليز منحدرة إلى أسفل ودرج؛ يتمشى تمامًّا مع تلك الموضوعات التي صُورت على جدرانه، وبخاصة صور الثعابين الطويلة الملتوية، والشياطين الرجيمة، والجن، والآلهة العابسين الذين تزخرَف بصورهم الجدران؛ مما يجعل الإنسان يحس حقًّا أنه ينحدر إلى عالم سفلي حقيقي. وقد خُصصت مساحة كبيرة للصور الحية الناطقة التي تمثل العذاب الذي ينصب على المغضوب عليهم، والذين ضلوا سبيل الرشاد في الحياة الدنيا، كما تمثل الحرب التي لا ينطفئ لهيبها ولا يهدأ أوارها بين قوى الخير وقوى الشر، ويلفت النظر بين هذه المشاهد صورة الثعبان الهائل المسمى «أبوبي» — عدو إله الشمس — وذرِّيته الملعونة. ويلاحظ كذلك أن الزواحف المؤذية كلها قد غُلَّت، ثم خرجت من الأرض يدًا ضخمة عظيمة قابضة على الأغلال كلها دفعة واحدة مبعدة الثعابين الناهشة. وإنه لمن العسير أن يجد الإنسان مزيجًا له أثره في النفس أكثر مما نشاهده هنا بين قوى الخير وقوى الشر، وأن الخير يتغلب في النهاية على الشر ويصرعه.

وقاعة التابوت الشاسعة الشامخة الارتفاع لها تأثيرها الخاص على النفس عندما يمتد البصر في أرجائها، ويلقي نظرة على سقفها المقبب المزين بصور نجوم السماء الشمالية، وهنا كان يأوي الفرعون العظيم إلى تابوته المصنوع من المرمر الجميل، والمحلاة جوانبه بمتون هي رواية أخرى من متون الكتابين الجنازيين السابقين اللذين زُينت جدران القبر بنقوشهما، ولكن في هذه الحالة نجد أن المناظر قد صغرت، والنقوش منحوته بالحفر الدقيق في المرمر الشفيف، وملئت بعجينة زرقاء لتحاكي اللازورد في زرقته البهجة، أما غطاء هذا التابوت فقد نُحتت فيه صورة الفرعون «سيتي» مضطجعًا بوجه صبوح يسود تقاطيعه الهدوء، وهي صورة صادقة لمحياه الأصلي، وقد هشم أولئك المخرِّبون الذين لا روح ولا عاطفة عندهم ذلك الغطاء لينهبوا ما في تابوته، ولكن لحسن الحظ قد أخطأت عين هؤلاء الطغاة التابوت نفسه، وكانت موميته سليمة، ولم يصبها سوى الضرر الطفيف، وقد عثر «بلزوني» على التابوت، وقطع من الغطاء في مكانهما الأصلي، ونقلهما إلى إنجلترا، وهما يعدان الآن أحسن ذخيرة في متحف «جون ساون» في «لنكلنز-ان-فيلدس» (راجع Bonomi and Sharpe. The alabaster Sarcophagus of Oimenephtah; Budge The Egyptian Heaven and Hell II, p. 48–306).

ويلاحظ أن بعض حجرات المعبد الثانوية لم يتم نقشها بعد؛ مما يدل على أن «سيتي» قد توفي والعمل لا يزال جاريًا في القبر، وهذا هو نفس المصير الذي حاق بمعظم آثار «سيتي»؛ مما يوحي أن هذا الفرعون الطيب الذكر قد مات فجاءة وعلى غير انتظار، وعلى الرغم من جمال زينة هذا القبر، وما فيه من نقوش ومناظر هامة يسود نواحيه جو قاتم عابس، لم يفلح — حتى إله الشمس — في زحزحته عنه، مع انتصاره على الظلمة، وما تحتويه في جوفها من عوامل الشر. حقًّا إن الأيدي الماهرة التي أخرجت لنا ما نشاهده من التحف العجيبة في مناظر «العرابة المدفونة» هي التي أبدعت مناظر هذا القبر، ولكننا مع ذلك نرى أن الروح الوثاب المتقد هنا يختلف اختلافًا بينًا؛ إذ نجد أن اعتلال هذه المناظر، وما فيها من سقم أقل انتشارًا في مناظر معبد «العرابة»، أو في ضريح «سيتي» السالف الذكر، وفي استطاعتنا أن نتساءل عما إذا كانت المتون الجنازية، وما تحويه من إشارات مستمرة إلى تلك الشياطين القبيحة المنظر، وتلك الثعابين الهائلة الأجسام؛ تحدد لنا إلى حد ما، ما تصفه العقائد الدينية التي اعتنقها «سيتي الأول»، أو أنه لم يضمن هذه المناظر وتلك الصور قبره إلا جريًا على التقاليد الموروثة. أو كان يومئ بها عن قصد لمناهضة تعاليم «إخناتون» التي كانت قد حرَّمت كل هذه التصاوير والمتون في القبور عامة؟

وقد عثر على مومية «سيتي الأول» بين الموميات الملكية التي وجدت في خبيئة الدير البحري، وجسمه يدل على أنه كان رجلًا طويل القامة، نحيل القوام، ولم يكن على ما يظهر قد تخطى نضارة العمر، وإن كان قد وخط المشيب حاجبيه. وتدل تقاطيع وجهه المحفوظة تمامًا على ما بلغه فن التحنيط من الإتقان والمهارة، وتشابه محياه بصوره في نقوش معبد «العرابة»، تلفت النظر بوجه خاص إلى ما كان عليه فن النحت في ذلك الوقت من تقدم بالغ، ويلاحظ أن جسمه قد علاه السواد، وأن أنفه قد تفرطح بعض الشيء من أثر اللفائف التي زُمل بها، غير أن ذلك لم يُنقص من جمال محياه الهادئ الذي تنبعث من قسماته نضرة النعيم، ونبل المحتد، أما عيناه فمفتوحتان بعض الشيء، ويمكن الإنسان أن يشاهد بين الجفنين العينين الصناعيتين المتقنتين اللتين وضعهما المحنطون، وذراعاه مطويتان، ويداه النحيلتان الطويلتان مبسوطتان على صدره، وقد عبث اللصوص بلفائفه المصنوعة من الكتان الجميل عبثًا بالغًا إلى أن حولتها إلى طبقة بالية من الخرق، ومع ذلك فإن كل ما حاق بجسمه من عبث قد عجز عن تشويه الجلال الهادئ الذي أسبِغ على تلك المومية التي تعد أعظم الموميات المحنطة تأثيرًا وروعة، من بين كل موتى المصريين المحنطين.

(٥-١٢) آثار «سيتي» الأخرى في أنحاء إمبراطوريته

ذكرنا آنفًا آثار «سيتي» في آسيا عندما تحدثنا عن حروبه، وسنذكر هنا آثاره في الديار المصرية وبلاد السودان.

سيناء

تدل الآثار التي تحمل اسم هذا الفرعون في «سيناء» على أنه استغل فعلًا مناجم هذه البقعة، فقد عثر له على ثلاث لوحات في «سرابة الخادم»، وهي تدل على قيامه ببعض أعمال في هذه المنطقة التي كان قد سبقه فيها والده «رعمسيس الأول» لاستخراج الأحجار منها، وكانت هذه المناجم على ما يظهر قد هُجرت منذ عهد «أمنحتب الثالث».

وأولى هذه اللوحات المؤرَّخة كانت قد أقيمت في السنة السابعة من حكمه على يد موظف مُحي اسمه، وكان يحمل لقب «مبعوث الفرعون إلى الأرض كلها»، وكذلك لقب «رئيس الرماة». والمنظر العلوي من اللوحة يظهر فيه «سيتي الأول» يقدم إناءين من الخمر للإله «حور اختي»، ونجد في النقوش اسم «سيتي» وألقابه، ونعوت مدح كلها مَلَق، وقد شبه فيها بوالده «ست»، وهذه إشارة إلى أن أصله من مقاطعة «ستريت» (المقاطعة السابعة عشرة من مقاطعات الوجه البحري)، وقد كان مثل هذا التشبيه مباحًا في بلاد مثل «سينا»؛ وذلك لأن تشبهه بالإله «ست» كان مغفلًا تمامًا في مصر نفسها على وجه التقريب، وبخاصة في «العرابة» بلد «أوزير» عدو٧٦ «ست»، وفي السنة التالية للتاريخ السالف — أي في السنة الثامنة — أهدى «سيتي» نفسه لوحة للإلهة «حتحور» سيدة الفيروزج، وهي الإلهة المحلية لهذه الجهة، والمنظر الذي على اللوحة يشاهد فيه «سيتي» يقدم رغيفًا مخرطي الشكل للإلهة «حتحور»، وفي الجزء الأسفل نقش طويل مهشم، (Ibid p1. LXIX, No. 248).
ولدينا كذلك قطعتان من لوحة أخرى يُرى عليهما «سيتي الأول» يقدم إناءين من الخمر للإله «بتاح جنوبي جداره»، وكانت اللوحة مؤرَّخة، غير أن التاريخ قد مُحي (Ibid P1. LXIX No. 249).

آثاره في الدلتا

وله آثار عدة منتشرة في أنحاء الدلتا، ولكنها بكل أسف مهشمة، ويمكن الإنسان أن يفهم بسهولة أن هذا الفرعون لم تبقَ له آثار هامة حتى الآن في هذا الجزء من البلاد؛ لأنه يقع في الأصقاع الخصبة الآهلة بالسكان، ولأن كل الآثار القديمة التي لم تقضِ عليها الرطوبة أو تعلوها الرواسب النيلية قد عبث الأهلون بها، وأتلفوها، وبخاصة تلك الأماكن التي لم يكن بها محاجر كما هي الحال في وسط الدلتا.

القنطرة

تكلمنا فيما سبق عن الصقر الضخم المصنوع من الحجر الرملي الذي أقامه «سيتي» تعظيمًا لوالده «رعمسيس الأول»، وتدل ظواهر الأحوال على أن «القنطرة» كانت ذات يوم غنية بالآثار التي من عهد الأسرة التاسعة عشرة.

قنتير

قام الأستاذ «حمزة بك» بعمل حفائر في بلدة «قنتير» الواقعة في مركز «فاقوس»، وقد أسفرت هذه الحفائر عن وجود آثار من عهد «سيتي الأول»، وبخاصة القصر الذي أقامه هناك، ومعظمه بكل أسف واقع تحت الجبانة الحديثة،٧٧ وقد ظهر من خصائص هذا المبنى أنه كان مزينًا بالفخار المطلي الجميل، وكان بعضه يحلَّى في الأصل مدخلًا، وقد اشترى «متحف اللوفر» بقاياه، ثم وجد الأستاذ «حمزة» كثيرًا من قطع الفخار المطلي، ويعتقد أن هذه القوالب أو القطع قد جاءت من معمل خاص بها، وأن الذي أقام هذا المصنع هو «سيتي الأول»، ثم زاد عليه وحسنه «رعمسيس الثاني»، ولكن الأمر الهام الذي أسفر عنه هذا الكشف هو ما يعتقده الأستاذ «حمزة» بحق من أن بلدة «قنتير» هي الموقع الأصلي لعاصمة «رعمسيس الثاني» المسماة «بر رعمسيس»، وقد ناصره في هذا الرأي كثير من العلماء، ولم يعارضه على ما نعلم حتى الآن سوى الأستاذ «جاردنر»، وإن كان الآن أصبح لا يشك في أن «قنتير» هي «بر رعمسيس»؛ ونظريته هي أن مدينة «بر رعمسيس» هي نفس «تانيس».٧٨ وسنتناول الحديث عن هذا الموضوع تفصيلًا عند الكلام على عاصمة «رعمسيس الثاني» في الدلتا.

كوم الشيخ رازق

وفي «كوم الشيخ رازق»، وهو موقع قديم في مديرية الشرقية بين «أبو كبير» و«فاقوس» عثر الأثري «إدجار» على قطعتين من الحجر الجيري نُقش عليهما اسم «سيتي الأول»، ويقول: «إنهما يدلان على موقع مكان قديم أقامه هذا الفرعون، وقد نُقش عليهما المتن التالي: «ملك الوجه القبلي والوجه البحري، سيد الأرضين «من ماعت رع» بن «رع»، رب التيجان «سيتي مرنبتاح»، معطي الحياة، ثم الإله الطيب الذي يجعل الأرضين في عيد تام» (راجع A. S., XIII, (1913) p. 279).
وكذلك وجد «نافيل» بقايا مبانٍ «لسيتي الأول» في هذه البقعة، وتشمل قطعًا من الأحجار عليها طغراء هذا الفرعون المزدوجة.٧٩

تانيس

يوجد في متحف «فينا» مائدة قربان من حجر الكوارتس يُظن أنها من «تانيس»، ونقوش الإهداء التي عليها هي: «يعيش الإله الطيب حاكم «هليوبوليس»، رب الأرضين «من ماعت رع»، لقد أقام هذا أثرًا له لوالده … رب «حت وعرت» (تانيس)، فصنع له مائدة قربان من حجر الكوارتس الأحمر الجديد، وصانعه هو «ابن رع».» ويلاحظ أن اسم الإله الذي أهدي له هذا الأثر هو الإله «ست»، وقد مُحي اسمه قصدًا في كل مكان في النقش، كما مُحيت صورته أيضًا أينما وجدت في تركيب اسم الملك «سيتي»، فإذا كان هذا الزعم صحيحًا كان هذا الأثر هو الوحيد الذي عثر عليه مهدي من «سيتي الأول» لإله مسقط رأسه المحلي «ست».٨٠

تل اليهودية «نموذج معبد «هليوبوليس»»

وجد في «تل اليهودية» أثر غريب للملك «سيتي الأول» في عام ١٨٧٥م، وهو قطعة حجر كانت قاعدة لنموذج معبد، والظاهر أن هذا النموذج نُقل عن أصل معبد «عين شمس» الذي أقامه «سيتي الأول»، وهذه القاعدة من الحجر الرملي الخشن، وأبعادها هي ٣٤٫٥ × ٤٤٫٥ × ٩٫٥ بوصة، وقد نُقشت على جوانبها الثلاثة مناظر يظهر فيها «سيتي الأول» يقدم القرابين المختلفة لآلهة «هليوبوليس»، وعلى الجانب العلوي يمكن رؤية الحُفر التي كانت تثبت فيها أجزاء هذا المعبد وملحقاته، وهذه كانت مصنوعة من المواد الثمينة، وقد اختفت بطبيعة الحال، والنقوش التي على جانبي القاعدة من اليمين، ومن اليسار هي: لقد صنعه أثرًا لوالده «رع آتوم خبري»، فأقام قدس أقداس له فاخرًا يشبه أفق السماء، وهو مأوى الأفقين الذي يثوي فيه أرباب «هليوبوليس» مثل «آتوم» في السماء … الإله الطيب الذي يقيم الآثار لوالده «رع حور اختي»، فأقام له في المعبد المصنوع من الحجر الرملي الأحمر الجيد بوابتين من الحجر الأبيض الثمين، وأبوابًا من البرنز، وعمودين للأعلام من حجر «مسدت» لأجل العقب، ومسلتين من البازلت الأسود، وهو مؤسس في «هليوبوليس» أفق السماء، وقد ابتهج أرواح «هليوبوليس» عند رؤيته.»٨١ والمواد المذكورة في المتن تشير بطبيعة الحال إلى النموذج؛ لأنها لم تستعمل قط كلها على ما نعلم في إقامة معبد حقيقي، وهذا النموذج لم يكن في الواقع من عمل مهندس بناء قصد تنفيذه، بل يحتمل أنه كان يستخدم في أغراض دينية في معبد حقيقي، كما كانت تستعمل نماذج المعابد التي كانت تقدم للآلهة والملوك، أو كما كانت تعمل بيوت الأرواح للأفراد٨٢ لتنقلب إلى صورتها الحقيقية بقراءة تعويذة سحرية خاصة بذلك.

هليوبوليس

يظهر مما لدينا من الآثار الباقية أن «هليوبوليس» قد أعيد معظم مبانيها في عهد «سيتي الأول»،٨٣ ولكن مما يؤسف له جد الأسف أن هذه المدينة قد أصابها من التهديم والتخريب أكثر مما أصاب أي بلدة مصرية عظيمة؛ ولذلك لم يبقَ لنا إلا بعض دمن ضئيلة تدل على ما كانت عليه من عظمة وفخار في عصورها القديمة المختلفة، فنعلم مثلًا من ورقة «رولن» أن مدينة «هليوبوليس» كانت إحدى عواصم البلاد، وأن «سيتي الأول» كان له قصر فيها يسكنه هو وحاشيته أحيانًا (راجع Pleyte Rollin Papyrus 13).
  • مسلة «هليوبوليس»: قفا «سيتي الأول» تقاليد أجداده العظماء، فأقام — على ما وصلت إليه معلوماتنا — مسلة في «هليوبوليس»، والظاهر أنه أقام غيرها؛ لأن «رعمسيس الثاني» يحدثنا بأن والده قد ملأ «عين شمس» بالمسلات، وهذه المسلة نُقلت إلى «روما»، وهي منصوبة الآن في ميدان «بيازا-دل-بو بولو»، والظاهر أنها من أواخر الآثار التي أقامها؛ لأنه مات قبل أن يبدأ نقشها، وقد قام بهذا العمل ابنه «رعمسيس الثاني» الذي حفظ لنفسه إحدى واجهاتها، ودوَّن عليها ما فعله، أما النقوش فهي:
    • (١) الواجهة الشمالية: ألقاب الفرعون «سيتي الأول» صاحب الآثار الجميلة في «عين شمس» مكان الأبدية مثل عمد السماء الأربعة، مخلدة وباقية في ردهة «رع» الأمامية، وتاسوع الآلهة مرتاحون لأعماله لبيت «ابن رع سيتي مرنبتاح» محبوب آلهة «هليوبوليس»، ليته يعيش مثل «رع».
    • (٢) الواجهة الجنوبية: ألقاب الفرعون «سيتي الأول» الذي زين «هليوبوليس» لسكانها، والذي طهرها «لرع» ربها، وأرباب السماء والأرض يبتهجون، وحظوته قد تضاعفت بسبب أعماله العظيمة، ليت ابن الشمس «سيتي مرنبتاح» محبوب «حور اختي» يعيش بوساطته مثل «رع».
    • (٣) الواجهة الغربية: … «سيتي الأول» الذي ملأ «هليوبوليس» بمسلاته المضيئة بالأشعة، وبيت «رع» قد غمر بجماله، وآلهة البيت العظيم فرحون به، ليت «ابن رع» «سيتي مرنبتاح» محبوب التاسوع الذين في البيت العظيم، يعطي الحياة بوساطته (أي رع).
    • (٤) الواجهة الشرقية: ألقاب الفرعون «رعمسيس الثاني» الذي أقام آثاره مثل نجوم السماء، وأعماله تناطح القبة الزرقاء، مبتهجًا بما يشرق عليه «رع» في بيت ملايين السنين، وإن جلالته هو الذي جمَّل هذا الأثر بالنقوش لوالده؛ ليجعل اسمه يبقى في بيت «رع»، ليت «رعمسيس الثاني» محبوب «آمون»، ومحبوب «آتوم»، ورب «هليوبوليس» يعطي الحياة بوساطته (أي رع).٨٤
    ولدينا نقش في «أسوان» مؤرَّخ بالسنة التاسعة من عهد «سيتي الأول» دوَّن تذكارًا لحملة أرسلت للمحاجر هناك للحصول على جرانيت لعمل مسلات، وتماثيل ضخمة، والجزء الأعلى من هذه اللوحة المنقورة في الصخر يظهر فيه «سيتي الأول» مقدمًا قربانًا للآلهة «خنوم»، و«ساتت»، و«عنقت»، وفي الجزء الأسفل نقرأ المتن التالي: «السنة التاسعة في عهد جلالة «سيتي الأول»؛ هنا تأتي ألقابه العادية، وقد أمر جلالته — له الحياة والفلاح والصحة — بإنجاز أعمال عدة لصنع مسلات عظيمة جدًّا، وتماثيل ضخمة مدهشة باسم جلالته …»٨٥
    هذا بالإضافة إلى نقش آخر في نفس البقعة، ولكنه مهشم، والنسخة التي وصلتنا من «لبسيوس» محشوة بالأخطاء، ومؤرَّخة بالسنة التاسعة، وتبتدئ هكذا:٨٦

    إن جلالته — له الحياة والسعادة والصحة — قد أمر بعمل مسلات عظيمة لمصر، ثم وجد جلالته …

    وقد ضاع الجزء الباقي من هذا النقش بكل أسف، ويحتمل ألا نعرف ما كان عليه قط.
  • عارضة باب من «هليوبوليس»: يوجد الآن بمتحف «الإسكندرية» عارضة باب من الحجر الرملي الأصفر، وهي بلا شك من المباني التي أقامها «سيتي الأول» في «هليوبوليس»، كما تدل على ذلك النقوش التي عليها، فعلى أحد وجوهها أربعة مناظر وضعت في أربعة صفوف بعضها فوق بعض، فنشاهد في الصف الأعلى إلهًا ممسكًا بيده علامة الحياة، ومتجهًا نحو «سيتي» ويقول: «خذ لنفسك الحياة بأنفك.» وفوق هذا المنظر عقاب يُحلق، وفي الصف الثاني يرى الإله «آتوم» رب الأرضين في «هليوبوليس» ممسكًا بيده الفرعون، ومقدمًا علامة الحياة لخيشومه قائلًا: «خذ الحياة بأنفك.» وفي الصف الأسفل يشاهد تمثال «بولهول» برأس إنسان يجثم على قاعدة، ويحلق فوق رأسه عقاب ولم يبقَ من النقوش التي تصحبه إلا بعض كلمات لا تؤدي معنى مفهومًا.
    أما الوجه الثاني للعارضة، فمنقوش عليه المتن التالي في ثلاثة أسطر، وهو:
    • (١) «حور» الثور القوي، الظاهر في «طيبة»، ومنعش الأرضين، ملك الوجه القبلي والوجه البحري «من ماعت رع» محبوب «آتوم»، رب الأرضين في «هليوبوليس»، الإله العظيم، سيد البيت الكبير، معطي الحياة والثبات والسعادة مثل «رع» أبديًّا.
    • (٢) محبوب الإلهتين، مجدد التوالد، صاحب السيف البتار، وقامع الأقواس التسعة، ابن الشمس «سيتي مرنبتاح» محبوب الإله «شو»، والإلهة «تفنوت»، ولقد أقامه أثرًا لوالده «آتوم» رب «هليوبوليس».
    • (٣) أقام له بابًا من الحجر الرملي، وأبوابه من خشب الصنوبر المصفح ﺑ … ومؤسسًا بوصفه عملًا سرمديًّا، وهو الذي عمل لجلالته؛ لأنه كان يرغب كثيرًا … لأرواح «عين شمس».٨٧
  • مائدة قربان من «هليوبوليس»: عثر على مائدة قربان من الجرانيت مبنية في جدار أحد البيوت بعطفة «البرقدار» بالقرب من «بوابة الفتوح»، وتدل نقوشها على أنها من «عين شمس»، وقد مثل عليها منظران يظهر فيهما «سيتي الأول» يقدم إناءين للإله «آتوم خبر» الذي أوجد نفسه، هذا بالإضافة للنقش التالي:

    الإله الطيب البار بوالده عظيم الآثار … ابن «آتوم» عالي العرش (؟) ومن جماله صوَّر أرواح «هليوبوليس» (الملوك القدامى) ملك الوجه القبلي والوجه البحري «من ماعت رع» (إوعو رع) ابن الشمس، رب التيجان «سيتي مرنبتاح» محبوب «بتاح»، ومحبوب «آتوم خبري» خالق نفسه، معطي الحياة مثل «رع» مخلدًا.

    «الإله الطيب ابن آتوم صاحب التاجين، وجلالة «خبري»، والذي خرج من البذرة الفاخرة لثور «هليوبوليس»، ملك الوجه القبلي والوجه البحري، حاكم الأقواس التسعة، ورب الأرضين «من ماعت رع» (إوعو رع) ابن الشمس، رب التيجان «سيتي مرنبتاح»، محبوب «آتوم» (خالق نفسه)، معطي الحياة مثل «رع».».

    ويعتقد «كمال باشا» أن هذه المائدة قد جيء بها من مدينة «هليوبوليس» المقدسة، ومعها آثار أخرى في زمن «بهاء الدين يوسف» حوالي عام ١١٧٥م، وفي تلك المدة كانت الآثار المصرية مستعملة محاجر لبناء العمائر الجديدة التي زين «بهاء الدين» هذا بها عاصمة البلاد (القاهرة)،٨٨ وفي متحف «برلين» عمود مثمن الأضلاع من بناء في «هليوبوليس» أقامه «سيتي الأول»،٨٩ والنقوش التي عليه تحدثنا عن «سيتي» بأنه محبوب «آتوم» سيد «هليوبوليس»، ومحبوب «رع حور اختي» سيد السماء، وقد نُقش على جانبين منه صورة «بولهول»، ولكنها غريبة في بابها؛ إذ مثل جالسًا على مؤخرته، ورافعًا إحدى ذراعيه التي على هيئة ذراع الآدمي في صورة تضرع، والظاهر أنه يمثل الملك الذي ظهرت طغراؤه أسفل منه.

    ويلاحظ أن صورة الإله «ست» التي كانت في الطغراءات التي تحوي اسم «سيتي» قد مُحيت عمدًا.

    وفي متحف «بروكسل» قطعة حجر من الجرانيت الأزرق الرمادي، نُقش عليها مناظر الاحتفال بتتويج «سيتي الأول».٩٠
    ويشاهد حفل التتويج والتقديس بالإناء «حس»، يقوم به الإلهان «حور»، و«ست» على التوالي، والنقوش تحتوي على لقب «سيتي» المبكر، وهو «من ماعت رع إوعو رع»،٩١ ويظهر الفرعون على جانبي المجموعة الرئيسية مقدمًا إناءين للإله «آتوم»، وعطورًا للإله «حور».

الجيزة

سار «سيتي الأول» على نهج عظماء ملوك الأسرة الثامنة عشرة في الحج إلى معبد «بولهول»، فقام بزيارة رسمية لهذا التمثال العظيم الرابض في صحراء الجيزة حاجًّا بيته، وكذلك ليتمتع بصيد الأسود في الصحراء المجاورة، وكانت هذه عادة محببة لملوك هذه الدولة، وقد خلف لنا وراءه برهانًا محسًّا على انتجاعه تلك البقعة، فأقام هناك لوحة من الحجر الجيري الأبيض أهداها ﻟ «بولهول» في مقصورة صغيرة ضمن المعبد المُقام من اللبن الذي أسسه «أمنحتب الثاني»؛ وفاء لنذر نذره، وهو لا يزال يافعًا قبل تولي العرش للإله «بولهول». ومما يؤسف له أن اللوحة التي أقامها «سيتي الأول» قد تآكل جزؤها العلوي كثيرًا، غير أنه لم يزل بها بقايا صورة «بولهول» رابضًا تحت جناحي الإله «حور بحدتي» الخفاقين، أما الجزء الأوسط من اللوحة فلم يزل على حالة حفظ لا بأس بها. وقد مثل عليه منظر طراد يظهر فيه «سيتي الأول» واقفًا على قدميه على الأديم، ومفوقًا سهمه على قطيع من حيوان الصحراء المنوعة. ويُرى أسد ذو معرفة كثيفة، ووعل قد صُرِعَا أمامه، والسهام الدامية نافذة في جسميهما، ويرى في هذا المشهد لبؤة ملتفتة، ومولية الأدبار، ولكن سهام الفرعون القاتلة قد أصابتها في الكتف والبطن.

ويرتدي الفرعون هنا على رأسه شعرًا مستعارًا قصيرًا وقميصًا قصيرًا أيضًا، وكان يستعمل في طراده القوس الطويل، ويقف جانبًا مصوبًا سهامه نحو الهدف، شادًّا خيط قوسه إلى الخلف حتى الأذن، وهذه الوقفة تهيئ الإصابة لسهم أطول بكثير، وأعظم خطرًا عن المعتاد، غير أنها تستلزم قوسًا أقوى، وبأسًا أشد من جانب الرامي، ويشاهد خلف الملك علامة الحياة لها ذراعان وساقان بشرية، وتحمل صولجان فقد أعلاه بفعل التعرية في الحجر، ومن المحتمل أنه كان مروحة، ونُقش فوق الفرعون: «معطي الحياة مثل «رع» مخلدًا»، ووراءه «معطي كل الحياة، والثبات، والسعادة خلفه مخلدًا»، ودوَّن بين الملك والحيوانات سبعة أسطر أفقية، وهي:

يذهب جلالته ليضيء مثل «رع» عندما يشرق في السماء … والآن لمح أسدًا متوحشًا عظيمًا مثلما يلمح الصقر المقدس هدهدًا فامتحن القوس، ثم أخذ سهام «مونتو» — إله الحرب — وقوس «باستت» — إلهة القوة — فأردى الأسد في لحظة؛ لأنه «رع» محبوب والده «آمون». وقد عمل ذلك حقًّا أمام رجال القصر، وعندئذ هللوا لرب الأرضين، ووصلت أصواتهم إلى عنان السماء.

وفي الجزء الأسفل من اللوحة نقش مهشم بعض الشيء؛ إذ قد ضاع منها جزء كما فُقدت بداية الأسطر العمودية أيضًا، وهاك ما تبقى منها:

… معطي الحياة للأرضين، ملك الوجه القبلي والوجه البحري، مجدد التوالد، قوي السيف، وهازم الأقواس التسعة «حور» الذهبي، مجدد المظاهر، قوي الأقواس في كل الأرضين، ملك الوجه القبلي والوجه البحري «ابن رع»، رب التيجان «سيتي مرنبتاح» معطي الحياة مخلدًا مثل «رع»، لقد أقامها — أي اللوحة — أثرًا له ليقدمه لوالده «حول» (اسم بولهول الكبير الرابض في الجيزة، ومن ثم أخذ الاسم الحديث أبو الهول) «حورم اخت»، وقد عمل … وقد خرج ليعلي من شأن الأماكن التي يتعبد فيها الشعب للإله الطيب القوي الشجاع على الخيل عندما يحارب مئات الآلاف … وجنوده، ومن يفتح بسيفه، ويصبح في مقدمة الخيالة … كل الأراضي الأجنبية الآتي … القوي الشجاع القلب … في وسط الجنود، وجميل في مقدمتهم مثل «آمون رع» عندما يشرق في السماء … على رأس الموقعة في كل بلد أجنبي الثوار، والذي يقهر … جنود الماهر في شد قوسه، ومن يرغم الأسيويين على التقهقر بقوة والده «آمون» الذي يكتب له النصر.

وهذه اللوحة على وجه خاص لها أهمية ممتازة؛ لأنها الأثر الوحيد — الذي في متناولنا — يصف «سيتي» في صورة رجل رياضي، ويشير إلى طرحه أعباء الحكم جانبًا، والتفرُّغ لنفسه، وعلى الرغم من أن «سيتي» يقول: إنه أردى أسدًا فعلًا بسهامه — وليس لدينا سبب يدعو إلى الشك فيما قاله — فإن ما يدعو إلى الريبة هو أنه قام بهذا الطراد لا حبًّا في الصيد، بل تمسكًا على ما يظهر بالتقليد القديم الذي كان مرعيًّا في عهد أباطرة الأسرة الثامنة عشرة العظام كما أسلفنا. وقد قام «سيتي الأول» غير هذه اللوحة بإضافات أخرى في المعبد؛ إذ إنه أضاف بعض حجرات في الجزء الأمامي من هذا المبنى، وكذلك في المدخل الرئيسي مستعملًا نفس الطراز، أو نفس المادة التي استعملت في الأصل، أي إنه أقام الجدران من اللبن، أما الأبواب والعتب فمن الحجر الجيري الأبيض الجميل المزين بالمناظر والنصوص، وقد نقش على الباب المؤدي للقاعة الجنوبية الغربية من هذا المعبد ما يأتي: «… «من ماعت رع» معطي الحياة مخلدًا، وابن «رع» رب التيجان «سيتي مرنبتاح»، لقد صنعه أثرًا له ليقدمه لوالده «حول» حور الثور القوي الذي يبقي الحياة في الأرضين، ملك الوجه القبلي والوجه البحري، سيد الأرضين «من ماعت رع»، معطي الحياة»، ثم «يعيش الإله الطيب سيد الأسلحة، ومن يطأ مئات الآلاف، والأسد المحارب على قدميه، ملك الوجه القبلي والوجه البحري، رب الأرضين «من ماعت رع»، ولقد صنعه أثرًا ليقدمه لوالده «حور اختي».» وقد اغتصب «مرنبتاح» حفيد «سيتي» فيما بعد جزءًا من المدخل الرئيسي، ونقشه باسمه، وهو مصنوع من الحجر الجيري الأبيض الجميل النقش.

وقد مثل كل من «سيتي الأول»، والإله «حور اختي» سويًّا على سمك عارضة الباب الأيمن، ويلاحظ أن الملك يضم الإله بحب وحنان، والأخير يقدم بيده صورة الحياة لوجه «سيتي». ولما كان هذا الأثر واقعًا في الجزء الخارج من المبنى نحته المثال بالحفر الغائر الجميل الصنع كما هي العادة. وكذلك نرى أن صورة كل من الإله والفرعون قد نُحتت نحتًا جميلًا في وضع قوي يملأ العين والمشاعر، وفوق رأسيهما نقرأ بقية نقش ذُكر فيه اسم الملك الذي نُعت: بمحبوب «حور اختي».

ولدينا لوحة كذلك من عهد «سيتي الأول» لموظف قدمها لتمثال «بولهول» العظيم، ونشاهد عليها الفرعون يقدم الشراب ﻟ «بولهول» الذي يسمى هنا «حول حور ام أخت»، وأسفل هذا المنظر نشاهد مُهدي اللوحة المسمى «حات تي»، يحمل لقب رئيس وزراء رب الأرضين، وهو راكع تعبدًا. وهذا الأثر الذي كُشف عنه في الحفائر التي قمت بها في منطقة «بولهول» عام ١٩٣٦-١٩٣٧م يحتمل أنه عمل تذكارًا لمصاحبة «حات تي» وزير «سيتي» لسيده عندما قام برحلة الحج لتمثال «بولهول».

منف

على أن «سيتي الأول» لم يحرم مدينة «منف» العظيمة إقامة آثار له فيها، فقد عثر على لوحة في مجموعة «بوزنو»٩٢  (Tablet No. 8) نقش عليها اسم المحراب الذي أقامه «سيتي» هناك، وكذلك وجدت طغراءاته على لوحة من الحجر في «منف»،٩٣ كما نقرأ في نقوش «العرابة» الكبيرة أن «رعمسيس الثاني» يدَّعي أنه نحت تمثالًا لوالده «سيتي» في «طيبة»، وآخر في «منف»، وأهداهما إليه في المعبد الذي أقامه «سيتي» هناك.٩٤
ووجدت قطع٩٥ من ودائع أساس باسم «سيتي الأول» في معبد «بتاح»، وقد نقش عليها اسم المعبد، وقد نقش اسم المعبد على جعران عثر عليه في «ميت رهينة» كما يأتي: «البيت المقدس الفاخر، سيتي مرنبتاح في بيت بتاح.»٩٦

سقارة

وفي «سقارة» عُثر على مقصورة لأحد عجول «أبيس»، وأجزاء من معداتها نُقش عليها اسم «سيتي الأول»؛ مما يدل على أن هذا الفرعون كان يعظم ثور «منف» المقدس (راجع Porter and Moss III, p. 206).

الفيوم

ولدينا لوحة من «الفيوم» مؤرَّخة بالسنة الثانية من حكم «سيتي الأول»، وهي دليل على أنه وجه عنايته، أو ذهب إلى هذا الإقليم، ونعلم من ورقة «رولن» أن «سيتي الأول» أمضى جزءًا كبيرًا من سنته الثانية من سني حكمه في النزهة في الدلتا، ويظهر أنه لا بد من ضم الفيوم إلى الأماكن التي زارها في هذه السياحة أيضًا، واللوحة مستديرة من أعلى، ويشاهَد الفرعون مصورًا عليها لابسًا تاج الوجه القبلي، وأمامه النقش التالي: «الجنوب الغربي من بيت «سبك شدتي» شمالي شاطئ النهر، وشرقي البيت العظيم — له الحياة والفلاح والصحة — تأمل …» وفوق ذلك نقش: «السنة الثانية في عهد جلالة ملك الوجهين القبلي والبحري «من ماعت رع» ابن الشمس «سيتي مرنبتاح» معطي الحياة أبدًا، أمر جلالته أن تدوَّن هذه الكتابة.» والظاهر أن هذا النقش — كما تدل الشواهد — هو لوحة الحدود لتعيين حدود نقطة ما من الأرض (راجع Rec. Trav. XIV, p. 38).

نقوش «سيتي الأول» في «سبيوس أرتميدوس» (إصطبل عنتر)

يقع المعبد الصغير الذي أطلق عليه اليونان «سبيوس أرتميدوس» وسماه المصريون المحدثون «إصطبل عنتر» على مسافة ميل جنوبي مقابر «بني حسن» المنسوبة للدولة الوسطى (راجع ج٤)، وهذا المعبد أو المحراب منحوت في الصخر، وتاريخه لا يمكن القطع به على وجه التأكيد، ولكن يبدو أنه كان من الأصل من عمل الملكة «حتشبسوت»، وأن «سيتي الأول» قد أصلحه فيما بعد، وأضاف على جدرانه متونًا خاصة به، وليس في استطاعتنا أن نجزم إن كانت إصلاحاته مجرَّد اغتصاب مناظر نقشتها «حتشبسوت» بعد إصلاح ما أفسده الدهر، أو أن هناك ملوكًا سابقين قد غيروا أو أتلفوا هذا الأثر، إذ لم نعثر في الواقع على محو اسم «آمون». ومن المحتمل إذن أن معبد «سبيوس أرتميدوس» كان قد أُهمل كلية في عهد «إخناتون»، أو أخطأه نظر المكلفين بتخريب آثار «آمون». وكان من الطبعي أن نجد المتون الخاصة «بحتشبسوت» كلها قد غُيرت باسم «تحتمس الثالث»؛ لأن ذلك هو ما حدث في المعبد الصغير الذي نحته في «بطن البقرة»، حيث يشاهد اسم «تحتمس الثالث» على العمد، غير أنه لا يمكن البرهنة على صحة ذلك. والواقع أننا لا نجد لقب «تحتمس الثالث»، وهو «منخبر رع» في أي مكان على الجدار الجنوبي من الممر، فمن المحتمل إذن — وليس مؤكدًا — أن «تحتمس الثالث» لم يغير متون «حتشبسوت»، وأن «سيتي الأول» قد قام بإصلاحات أصلية كما يتضح من النقوش؛ فضلًا عن اغتصابه هذا الأثر؛ ولهذا يُعتقد أن هذا المعبد كان قد هُجر، وعفت الأيام على دمنه قبل توليه العرش.

واسم الوادي الذي يقع فيه هذا المعبد (إصطبل عنتر) يسمى «سرو» على حسب أحدث البحوث،٩٧ أما المعبد نفسه فكان يشار إليه في النقوش بالعبارة التالية: «معبدها — أي الإلهة «بخت» — في الوادي الوعر»، و«بخت» إلهة بجسم لبؤة، ورأس قطة.

والواقع أن المتون الأصلية التي نقشتها «حتشبسوت» قد أصلحها «سيتي الأول» في أماكن كثيرة، ولم يكتفِ بتجديد الأجزاء الناقصة من المتن وحسب، بل كذلك أعاد اسم الملكة على الرغم من أنها لم تكن ملكة شرعية في نظره، فقد رأينا أنه أسقط اسمها من قائمة الفراعنة التي نقشها على جدران «معبد العرابة» كما سلف. ولكن نشاهد من جهة أخرى أن «سيتي» قد استغل بعض جدران هذا المعبد لنقش المتون الخاصة به شخصيًّا، ولم يقُم مع ذلك بأي مجهود لاغتصاب أعمال «حتشبسوت» عندما كان يجد سبيلًا لإصلاحها. ومن الجائز إذن أن المساحات التي استعملها «سيتي» لنقش متونه الشخصية كانت نقوشها لا يرجى إصلاحها قط. ومتون «حتشبسوت» هي خطابات على لسان الإله «آمون» يؤكد فيها أن «حتشبسوت» كانت ابنته، والوارثة الشرعية لمُلك مصر.

وعلى الجدار الداخلي من الممر الجنوبي من المدخل الرئيسي نقرأ متن إهداء «لسيتي الأول»٩٨ وهو:
يعيش «حور» طويلًا الثور القوي الذي ينعش الأرضين، والمنسوب للسيدتين صاحبتي البأس العظيم جدًّا، ومن يقهر الأقواس التسعة، حور الذهبي، الكثير الرماة في الأراضي كلها، ملك الوجه القبلي والوجه البحري، نسل الآلهة، وصورة «رع»، وابن «آمون»، رب الأرضين «من ماعت رع» بن «رع»، والذي يهدئ الآلهة «سيتي مرنبتاح»، لقد أقام هذا بمثابة أثر منه لأمه «بخت» العظيمة سيدة «سرو» في معبدها في الوادي الوعر، الذي نحتته بنفسها، مثل «رع»،٩٩ وتستمر النقوش على يمين الباب: «يعيش «حور» طويلًا الثور القوي منعش الأرضين، والمنسوب للسيدتين صاحبتي البأس الشديد جدًّا، ومن يقهر الأقواس التسعة حور الذهبي الكثير الرماة في الأراضي كلها، ملك الوجه القبلي والوجه البحري، ومن يقبض على تاج الوجه القبلي وسيد الأرضين «من ماعت رع» ابن «رع»، ومن يهدئ الآلهة «سيتي مرنبتاح»، لقد أقام هذا بمثابة أثر منه لوالدته «بخت» العظيمة سيدة «سرو» في معبدها في الوادي الوعر، وهو الذي نحتته بنفسها، مثل رع مخلدًا وسرمديًّا.»
أما متن الإهداء الكبير فقد نقشه «سيتي» على الجدار الأيسر من الجزء الخارجي من الممر القصير المؤدي للمحراب، وهاك النص:
  • التاريخ: السنة الأولى: بداية الأبدية وفاتحة الخلود، والاحتفال بملايين الأعياد الثلاثينية، ومئات آلاف السنين التي يسودها السلام، وأبدية «رع» في السماء، وملكية «آتوم» على الأرض.
  • ألقاب «سيتي»: حور الثور القوي الذي يجعل الأرضين تنتعشان، والمنسوب للسيدتين صاحبتي البأس الشديد جدًّا، ومن يقهر الأقواس التسعة «حور» الذهبي الكثير الرماة في الأراضي كلها، ملك الوجه القبلي والوجه البحري، وسيد الأرضين «من ماعت رع» ابن «رع» «سيتي مرنبتاح» معطي الحياة مخلدًا وسرمديًّا، محبوب «آمون رع» ملك الآلهة … المشرق على عرش «حور» الأحياء مثل والده «رع» يوميًّا.
  • مقدمة: والآن كان جلالته في بلدة «حت كا بتاح» (منف) يعمل ما يرضي والده «آمون رع» رب عروش الأرضين، والمبرز في الكرنك (ابت إسوت)، و«آتوم» رب الأرضين في «هليوبوليس»، و«رع حور اختي»، و«بتاح» العظيم القاطن جنوبي جداره، وسيد «غنخ تاوي» (حي من أحياء «منف»)، والإلهة «بخت» العظيمة سيدة «سرو»، وسيدة السماء، والساحرة وكل آلهة، وإلهات مصر بقدر ما يقدمون له بقاء «رع»، وملك «آتوم»، وكل أرض منخفضة، وكل أرض جبلية قد سقطت تحت قدميه سرمديًّا.
  • إطراء الفرعون: الإله الطيب ابن «باستت»، وربيب الإلهة «سخمت» سيدة السماء، وبيضة «رع»، والذي ولدته «بخت»، ومن ربته الساحرة، والبذرة المقدسة الخارجة من «آتوم»، ومن هذبته «وازيت» … بعناية الملك اليقظ المحسن.

    وأسنُّ أولاد التاسوع كله.

    ومن أقام المعابد، ووسع المحاريب — التي غطيت بالتراب.

    ومن … المعابد.

    ومن جعل الصور المقدسة تسكن محاريبها.

    وماد مائدة القربان العظيمة بالقرب يوميًّا.

    … القربان المقدسة …

    والذي أعلى لهم الآثار طبقًا للقانون، وجعلها أكثر عددًا مما كانت عليه قبلًا، وأوانيها العدة صيغت من الذهب، والفضة، والنحاس.

    وقلائدهم (منت) مصوغة من الذهب، والفضة.

    ومخازنهم مملوءة بالحبوب.

    وخزاناتها تحتوي على الثراء.

    والعبيد قد تضاعفوا في المعابد.

    والمأجورون …

    والحقول والحدائق … في أماكنها اللائقة.

    … مزودة بالرجال الذين يضعون الأحجار في أماكنها (؟).

    والمعابد قد مونت بفخامة.

    دون أن يقال قط: «إذا كان لي فقط هناك.»١٠٠

    وذلك لأجل حياة وفلاح وصحة ملك الوجه القبلي والوجه البحري.

    «من ماعت رع» ابن الشمس «سيتي مرنبتاح» معطي الحياة مخلدًا وسرمديًّا.

    … … … … … … … … …

    والذي كافأته والدته بأعياد ثلاثينية، وأعوام يسودها السلام.

    وقد اتخذت مكانتها بين حاجبيه.

    ومكانها هناك مدى بقاء السماء.

    وعندما تمتد ذراعاها للمساعدة.

    تخضع له البلاد الأجنبية.

    وتستولي له على قلوب الأقواس التسعة.

    وإنه يضرب بدو السودان.

    ويهزم اللوبيين (تحنو).

    ويضع حدوده حيثما أراد.

    … … … … … … … …

    بطل شجاع القلب في ساحة القتال.

    ومخلاب الأسد الذي يقتل في لمح البصر أمام كل الناس.

    ولم يرَ مثله في كل سجلات الأجداد.

    والقصة لم تتناقل من فم إلى فم.

    إلا تشير إلى جلالته نفسه.

    … في لمح البصر.

    ملك الوجه القبلي والوجه البحري «من ماعت رع».

    ابن رع «سيتي مرنبتاح» محبوب «بخت» سيدة «سرو».

  • إصلاح «سبيوس» (المعبد): والآن بحث جلالته عما يفيد والدته «بخت» سيدة «سرو» لتجديد — … الخاص بالآلهة أسياد «سرو» — لأجل أن يجدد ما ينعشهم في داخل معبدها، فجدد جلالته معبدها، وأغلق أبوابه على غرار المأوى العظيم لأجل أرباب «سرو».
  • الإلهة «بخت» تتحدث للإله «تحوت»: وتحدثت «بخت» سيدة «سرو» إلى «تحوت» سيد الكلمات المقدسة: «تعال انظر إلى هذا الأثر العظيم جدًّا الخالد الذي أقامه لي ابني المحبوب سيد الأرضين «من ماعت رع» على حسب ما أمرت به في الأزل عندما قلت بفمك سيعتلي ابني العرش، وسيمكث على السدة مخلدًا ابن «رع» «سيتي مرنبتاح»، وإنه سيقيم آثارًا للآلهة على حسب ما أمر به ملك الأبدية، وسيشيد آثارًا للإلهة «بخت»، وسينحت تماثيل آلهة «سرو»، وليته يفعل ما أمرت به يا ملك الأبدية، امنحه كل الحياة والفلاح الذي ينبعث منك.

    امنحه الأبدية مثل جلالتك، وتلك السرمدية التي أنت فيها.

    امنحه النصر تلو النصر مثل «مين» … امنحه عظيم … حبي.

    امنحه عظيم … حتى يخدموه متحدين …؟

    امنحه قطعانًا عدة سليمة الجسم، وكلأ وفيرًا مثل وفرة الجراد.

    امنحه نيلًا عاليًا بهجًا بكل الخيرات.

    امنحه أراضي في سلام … وقلبه في كل مكان يرغب فيه.

    واجعل كل الآلهة يتمكنون من بسط حمايتهم حوله بالحياة والثبات والسعادة على حسب صلاة ابنتك العظيمة دون حذف أي شيء قلته.»

  • جواب «تحوت»: كلام «تحوت» رب الكلمات المقدسة، ما أطيب كلماتك يا «بخت»، يا سيدة «سرو»، إني سأمكن ابني رب الأرضين «من ماعت رع» ابن «رع» مُرضي الآلهة، رب التيجان «سيتي مرنبتاح» بوصفه ملك الخلود، في إقامة الآثار لأمه «بخت» العظيمة، وسيدة «سرو» أبديًّا، وإنه سيكون على رأس الأحياء كلهم مخلدًا.

وادي الحمامات

تدل النقوش التي عُثر عليها في إقليم «وادي الحمامات»، على أن الملك «سيتي الأول» كان صاحب نشاط في استغلال محاجر هذا الإقليم العظيمة لإقامة آثاره، وقد كان آخر ملك قبل «سيتي» وجد اسمه منقوشًا على صخور تلك الجهة، هو الملك «إخناتون» الذي كان بلا شك يقطع الأحجار منها لبناء عاصمته الجديدة، فنشاهد «سيتي» على لوحة منقوشة نقشًا بديعًا؛ راكعًا ومقدمًا إناء خمر للإله «آمون رع» الذي كان بدوره جالسًا على العرش أمامه، ويلاحظ أمام هذا الإله مائدة قربان صغيرة عليها طاقة أزهار، وفوق الإله قرص الشمس يتدلى منه صلَّان يخرج منهما أشعة تنتهي بأيد بشرية، وهذا الأثر بلا شك من أعمال «إخناتون» كما يوحي بذلك صراحة قرص «آتون»، وأشعته الخاصة. ولا نزاع في أن «سيتي» قد اغتصبه من «إخناتون» عمدًا انتقامًا، وتشفيًا منه، ومن معبوده، وأضاف الصلِّين لقرص «آتون»، كما أضاف نقشًا فوق المائدة وهو: ««آمون رع» حاكم «طيبة»، رب السماء وسيد الأرض.» أما طاقة الأزهار والمائدة فقد نُقشت على طغراءات «إخناتون» التي مُحيت قصدًا، وقد كان المعروف عن «سيتي الأول» أنه لم يخرِّب أو يغتصب آثار أسلافه، وهذا المثل الذي نحن بصدده يعد استثناء ارتكبه انتقامًا للإله «آمون» من الرجل الذي سعى في القضاء على ديانته ردحًا من الزمن،١٠١ وكذلك لدينا في نفس الجهة نقش كبير يمثل «سيتي الأول»، وهو يقدم صورة العدالة للإله «مين» حامي الطرق الصحراوية. أما طغراء «سيتي» فهي «سيتي مرنبتاح».١٠٢ هذا إلى نقش دقيق الصنع إلى حد بعيد يشاهد عليه صورة «سيتي الأول» يقدم طاقة أزهار للإله «آمون رع» رب السماء.١٠٣

قفط

الظاهر أنه لم يعثر ﻟ «سيتي الأول» على آثار في «قفط» حتى الآن إلا قاعدة تمثال «بولهول» منحوت في الحجر الرملي. وقد ذكر لنا «بتري» هذا الأثر دون أية تفاصيل.١٠٤

المدمود

تدل نتائج الحفائر التي قام بها «بيسون دي لاروك» في «المدمود» على وجود معبد في تلك الجهة كان قد بدأه «سيتي الأول»، وأتمه ابنه «رعمسيس الثاني»، وهذا المعبد — على ما يظهر — كانت مساحته عظيمة، وأقيم من الحجر الرملي، ولم يبقَ من البناء الأصلي إلا دمن ضئيلة تدل على آثاره، فقد عُثر على قطع ضخمة من الحجر عديدة، عليها نقوش ﻟ «سيتي الأول»، وقد وجدت مبنية في أصل بوابة الإمبراطور «تيبريوس» الروماني Tiberius، وقد عُثر كذلك في كومة من الأتربة، والمخلفات المحطمة الواقعة خارج سور المعبد المتأخر، وعلى عمق سبعين سنتيمترًا من مستوى رقعة المعبد البطليموسي على قاعدة تمثال من الجرانيت، عليها نقوش خاصة ﺑ «رعمسيس الأول»، و«سيتي الأول»، وكذلك عُثر على قطع أخرى عليها طغراء الفرعون «سيتي الأول» في داخل سور المعبد.

طيبة

ومن بين الآثار الصغيرة التي عُثر عليها في «طيبة» لوحة من الحجر الرملي مؤرَّخة بالسنة الأولى، وكان قد أهداها لمعبد «بتاح»، ويشاهَد في أعلاها منظران: على الشمال نشاهد «سيتي» يقدم خمرًا ﻟ «آمون»، و«موت»، وعلى اليمين يقدم صورة العدالة للإله «بتاح»، وخلف الفرعون تقف الإلهة «حتحور» تَعِده ملايين السنين، ومئات آلاف الأعياد الثلاثينية، ثم يأتي بعد ذلك متن طويل تُذكر فيه ألقاب الفرعون، وصفاته، وبطشه، وجبروته على البلاد الأجنبية التي يأتي إليه أهلها محملين بجزيتهم على ظهورهم، وكذلك الأسرى الأحياء، فيقودهم الملك بدوره إلى والده «آمون»، وتاسوعه ليملئوا مخازنهم بالعبيد والإماء من كل بلد أجنبي، وبعد ذلك يذهب جلالته إلى المدينة الجنوبية (طيبة) ليقدم شكره لوالده الإله «آمون» رب تيجان الأرضين جميعًا، والإله «بتاح» رب العدالة، القاطن في «طيبة»، و«حتحور»، وكل الآلهة والإلهات إلخ.١٠٥
وقد وجد بين كنوز خبيئة الكرنك تمثاله الضخم الغريب المنحوت في المرمر، وهو الآن بالمتحف المصري، وقد رُكب هذا التمثال من قطع متفرقة ألصق بعضها ببعض بملاط ذي ألوان مناسبة لقطعه، وقد يكون السبب في تعدد أجزائه عدم استطاعة الحصول على قطعة واحدة من المرمر سليمة كبيرة الحجم، وافية بالغرض، وعينا التمثال كانتا مرصعتين في محجريهما، غير أنهما فُقدتا الآن، وقد كان يحيط به إطار من الذهب قد نُهب أيضًا، والتمثال بديع الصنع، ونوع الحجر — وبخاصة الجزء الذي يتألف منه الجسم — من أحسن أنواع المرمر، وقد نُقش بالقرب من ساقه الأيسر المتن التالي على القاعدة:
الإله الطيب والروح العظيم للإله «آمون رع»، وتمثاله اليقظ … الخارج من صلبه ليعطيه النصر، والذي يقتل الأعداء بقوة «حور»، «وست»، وقد عمل الآثار بقلب محب مثل الابن الذي يعمل كل صالح لمبانيه … وجدد … الآلهة في مساكنهم، وضاعف تماثيلهم على الأرض، وزاد ما كان أمامهم، ملك الوجه القبلي والوجه البحري، رب الأرضين «من ماعت رع» ابن الشمس من صلبه «سيتي مرنبتاح» من المرمر النقي ليخلد اسمه في بيت والده «آمون» الذي وهبه الأرض جميعًا، وإنه الملك رب الأرضين «من ماعت رع» الجالس على عرش «حور الأحياء» … والأرض كلها، والأراضي الأجنبية، وفرح القلب كله، والقوة كلها، والنصر كله … وتجديد شباب الملك.١٠٦
fig7
شكل ٥: تمثال «سيتي الأول» من المرمر (بالمتحف المصري).

جبل سلسلة

إن أهم أثر للفرعون «سيتي الأول» في «سلسلة» هو لوحة مؤرَّخة بالسنة السادسة، وقد دوِّن عليها متن خاص بقطع الأحجار، ويرى «سيتي» على الجزء الأعلى منها يقدم خمرًا للإله «آمون رع»، والإله «بتاح»، ثم إلى إلهه، وأسفل هذا المنظر المتن التالي:

السنة السادسة، الشهر الرابع من الفصل الأول، اليوم الأول من الشهر في عهد جلالة «سيتي الأول» — تأتي بعد ذلك الألقاب الفرعونية مهشمة — في هذا اليوم كان جلالته — له الحياة والسعادة والصحة — في المدينة الجنوبية، يقوم بالأحفال البهجة لوالده «آمون رع» ملك الآلهة، وممضيًا الليل يقظًا طلبًا في عمل الخيرات للآلهة أرباب مصر، وعندما أضاءت الأرض، وطلع النهار أمر جلالته — له الحياة والفلاح والصحة — بإرسال مبعوث ملكي من قبل جلالته مع طائفة من الموظفين من رجال الجيش عددهم ألف نفس … في طوائف لنقل آثار والده «آمون رع أوزير»، وتاسوعه المقدس من الحجر الرملي الجميل.

  • جرايات الجنود: وقد زاد جلالته — له الحياة والسعادة والصحة — ما كان يمون به الجيش من عطور، ولحم بقر، وسمك، وكذلك الخضر الوفيرة التي لا حصر لها، وكان نصيب كل رجل منهم عشرين دبنًا (أربعة أرطال) من الخبز يوميًّا، وحزمتين من الخضر، وشواء من اللحم، وثوبين من الكتان شهريًّا؛ ولذلك كانوا يشتغلون بقلب ملؤه الحب لجلالة الملك — له الحياة والفلاح والصحة — وكانت خططه سارة في أفواه الناس الذين كانوا برفقة المبعوث الملكي لجلالته.
  • جراية رسول الملك وحاملي أعلامه: كان ما لديه: الخبز الجيد، ولحم البقر، والخمر، والزيت الحلو، وزيت الزيتون، والشحم، والشهد والتين، والسمك، والخضر يوميًّا، وكذلك إكليل الفرعون الذي كان يُدفع له من بيت الإله «سبك»، رب «السلسلة» يوميًّا، وكان يورِّد عشرين ثوبًا إلى مخزن حاملي أعلام جيشه أيضًا١٠٧

ومما يلفت النظر أن النقوش تنتهي عادة بالجمل الاصطلاحية التقليدية التي تتبع اسم الفرعون، غير أن هذا النقش كان من نوع آخر يدل على طبيعة الفرعون الطيبة التي رأيناها فيما سبق في نقوش «وادي مياه»، أو «وادي عباد». ولسنا في حاجة للتنويه عما جاء في هذا المتن من حسن معاملة العمال، وإطعامهم وكسائهم.

ولدينا أثر آخر في «جبل سلسلة» من عهد «سيتي الأول»، وهو نقش في محراب مقطوع في الصخر، ومما يؤسف له أن ماء النهر أتلفه تقريبًا، وفيه نشاهد الفرعون يقدم بخورًا وقربانًا للآلهة «منتو»، و«آتوم»، و«أنحور»، و«تفنوت»، و«جب»، و«تحوت»، و«نوت».١٠٨

الكاب

وفي «معبد الكاب» الكبير عُثر على بعض قطع من الحجر عليها طغراء «سيتي الأول»؛ مما يدل على أنه أقام بعض مبانٍ هناك (راجع J. E. A., VIII, p. 37)، وفي سنة ١٩٣٧م عثرت البعثة البلجيكية على صورة أسد ضخمة قدمه «سيتي الأول» للإله «حور» الذي يطرد الشر، وقد عثر على مثل هذه الصورة في معبد «أمنحتب الثالث» الصغير في مدينة «الكاب»،١٠٩ ووجدت قطع منقوش عليها اسم «سيتي الأول» مبنية في أساس معبد داخل سور، أو قلعة «الكاب».١١٠

إلفنتين

أقام «سيتي الأول» لوحة في ركن من أركان أحد المعابد في «إلفنتين»، وقد نقل نقوشها «شامبليون»، والظاهر أنها غطيت ثانية بالأتربة؛ لأنها لم تكن ضمن اللوحات التي نسختها بعثة «دي مرجان»،١١١ والمنظر الذي في أعلاها يظهر فيه «سيتي الأول» يتعبد للإلهين «خنوم»، و«آمون رع»، وفي الجزء الأسفل متن مؤلف من ثمانية عشر سطرًا جاء فيه صلاة الفرعون للإله «خنوم»، والمتن مهشم جدًّا، وأهم ما بقي منه الجمل التالية: «… لقد غمرت معبدك بقربانهم من المأكولات … من الفضة والذهب واللازورد والنوتية، وقد ملأت مخزنك … ومنحتني الجنوب، وكذلك الشمال والغرب والشرق تحت موطئ قدمي.» ويعتقد الأستاذ «برستد» أن هذه الجمل لا تعبر عن شيء حقيقي، بل مجرد جمل اصطلاحية،١١٢ ويقول «بتري»: إن هذه اللوحة مقامة في معبد «خنوم».١١٣

أسوان

لقد ذكرنا فيما سبق النقوش التي في «أسوان» الخاصة بقطع المسلات والتماثيل، من حجر الجرانيت، وكذلك لدينا نقش آخر مهشم مؤرخ بالسنة التاسعة، ويقع على الطريق القديمة بالقرب من «أسوان»، والمنظر الذي عليه يظهر فيه «سيتي» أمام الإله «آمون».١١٤

كلبشه

وفي بلدة «كلبشه» نقش يظهر فيه الملك «سيتي الأول» بين الإلهين «حور»، و«ست» كما هي الحالة في مناظر «هليوبوليس»، و«الكرنك».١١٥

دكة

عثر «أيزن لور» على بعض أحجار نقش عليها طغراء «سيتي الأول» في معبد «دكة»، وهي الآن بمتحف مدينة «هيدلبرج» بألمانيا، وذلك يبرهن على أنه أقام بعض المباني في هذه البلدة نفسها.١١٦

أمدا

أقام «سيتي الأول» معبدًا صغيرًا في «أمدا» متصلًا بالمعبد الكبير المُهدى ﻟ «آمون رع»، و«حور اختي»، وقد جاء عليه النقش التالي:
لقد جدد آثار والده ملك الوجه القبلي وملك الوجه البحري «من ماعت رع» ابن الشمس «سيتي مرنبتاح» المحبوب من «حور اختي»، و«آتوم» رب الأرضين في «عين شمس».١١٧
وكذلك أقام «سيتي الأول» في معبد «أمدا» الكبير بوابة بين قاعة العمد والاستراحة،١١٨ كما أنجز إصلاحات في المناظر القديمة، والنقوش الخاصة بالإله «آمون رع» التي شوهتها يد شيعة «إخناتون».١١٩

كوبان (قوبان)

عثر على لوحة من عهد «رعمسيس الثاني» في خرائب «كوبان»، جاء فيها كيف أن «سيتي الأول» قد حفر بئرًا في الطريق الصحراوية المؤدية من النيل إلى «كوبان»؛ فمناجم الذهب في «وادي علاقي»، وهذه البئر كانت لسقاية العمال الذين كانوا يعملون في المناجم، وسنتكلم عن هذه اللوحة فيما بعد.١٢٠

دوشه

توجد في صخور «دوشه» لوحة جميلة منحوتة في الصخر يظهر فيها «سيتي الأول» يقدم قربانًا وبخورًا وشرابًا للآلهة «خنوم»، و«ساتت»، و«عنقت»، وفي أسفل هذا المنظر صورة صغيرة لنائب الملك في «كوش» المسمى «أمنمأبت»، غير أن النقوش الأفقية التابعة له قد هُشمت.١٢١

قصر أبريم

يوجد في «قصر أبريم» لوحة مقطوعة في واجهة الصخرة المطلة على النهر، ويظهر فيها «سيتي الأول» يذبح عدوًّا أمام إله لم تحقق شخصيته، وبالقرب منه تقف العربة الملكية، والجزء الأعلى من اللوحة قد اختفى، وفي الجزء الأسفل الباقي نقش أحد عشر سطرًا، وصورة نائب الفرعون في بلاد «كوش» «أمنمأبت» السالف الذكر، وقد رأى هذه اللوحة الأثري «سايس» ونقلها،١٢٢ وهاك النص الذي نقله:

يعيش «حور» الثور القوي الظاهر في «طيبة» منعش الأرضين، والمنسوب للسيدتين، ومجدد التوالد، صاحب السيف البتار، وقار الأقواس التسعة «حور الذهبي» قوي القوس في كل الأرضين، ملك الوجه القبلي والوجه البحري «من ماعت رع» «ستبن رع» ابن الشمس «سيتي مرنبتاح»، معطي الحياة مخلدًا وسرمديًّا، الملك الطيب ضارب الأقواس التسعة، قوي القلب، ومجدل أعدائه وذابحهم، وهازم أهل «رتنو»، وحاملو جزيتهم يأتون أسرى أحياء أمامك … مثل ابن «نوت» — أي الإله ست — الملك القوي الذي يمد حدوده حتى نهاية قرن الأرض …

جبل بركل

زاد الملك «سيتي» وابنه «رعمسيس الثاني» في معبد «آمون رع» الذي أسسه الفرعون «توت عنخ آمون» في جبل «بركل» المقدس، ومن هذا المكان جاءتنا كذلك اللوحة التي سجل عليها «سيتي الأول» إعادة بناء معبد «آمون»، ومتن هذه اللوحة مؤرَّخ بالسنة الحادية عشرة، وهو على ما نعلم حتى الآن أرفع تاريخ في حكم «سيتي» وصلنا، ومتن هذه اللوحة مهشم جدًّا.١٢٣

سيسبي

كان المؤسس الأول لمعبد «سيسبي» الذي وجدت على جدرانه نقوش للفرعون «سيتي الأول» هو الملك «إخناتون»، ويعتقد أنه هو المعبد المسمى في النقوش «جم آتون» في بلاد النوبة، ويقع في الركن الشمالي الغربي من قلعة «جم آتون» قبالة «دنقلة»، ويعد المعبد الوحيد الباقي حتى الآن للإله «آتون» في هذه الجهات، ويلاحظ أن كل النقوش الأصلية التي نقشها «إخناتون» قد مُحيت، ونُقش مكانها متون باسم «سيتي الأول»، وهذا مثل آخر نجد فيه «سيتي» قد اغتصب عن قصد وروية آثار سلفه الزائغ في نظره،١٢٤ ففي أحد المناظر يظهر «سيتي» مقدمًا قربانًا للإله «آمون رع»، وأمامه مائدة قربان عليها إناء وأزهار بشنين، وخلف «آمون رع» نرى يدًا مرفوعة لشخص مُحيت صورته، وتدل النقوش على أنه صورة الإلهة «موت»، وفوق رأس «سيتي» يحلق قرص شمس يتدلى منه صلان، والمحو ظاهر في كل أرجاء المناظر والنقوش في هذا المعبد.١٢٥

آثار أخرى لسيتي الأول

يوجد بالمتحف البريطاني لوحة باسم «سيتي الأول»، فُقد منها جزء كبير، والمتن المهشم الباقي عليها يشير إلى شجاعة «سيتي» الحربية، وقد شبه في انقضاضه على العدو بالصقر، غير أن الغرض الأصلي من اللوحة على ما يظهر، كان إعادة تأسيس عيد من الأعياد، إذ يقول المتن: «وقد أمر جلالته أن يقام من جديد العيد الذي كان يحفل به في اليوم العاشر من الشهر الرابع من فصل الزرع في «طيبة».» وليس في استطاعتنا تعيين اسم هذا العيد بالضبط،١٢٦ وهذا مثل آخر يدل على غيرة «سيتي الأول» لإحياء العادات، والأحفال القديمة التي كانت سائدة في البلاد قبل عهد «إخناتون». ويعتقد الأستاذ «شورتر» أن ما ذُكر هنا عن أعمال الحرب، وما أحرزه «سيتي» فيها لا يشير إلى حملة معينة، بل مجرد جمل فرعونية الصيغة.
وفي متحف «تورين» لوحة يظهر فيها «سيتي» يقدم القربان للملك «أمنحتب الأول»، وهذا دليل على استمرار وتشجيع عبادة هذا الفرعون المؤله الذي أصبح كما ذكرنا آنفًا الإله الحامي للجبانة في «طيبة» الغربية١٢٧ (راجع ج٤)، وسنرى أن ملوك الأسرة التاسعة عشرة وعظماءها كانوا مغرمين بعبادة الملوك الأقدمين، وبخاصة ملوك الأسرة الثامنة عشرة الذين أسسوا مجد مصر الإمبراطوري.

(٥-١٣) إصلاحات سيتي البنائية

أشرنا فيما سبق إلى الإصلاحات والترميمات التي قام بها «سيتي الأول» في الآثار القديمة التي عدا عليها الدهر أو خربت عمدًا، وتمتاز كل هذه الإصلاحات بحسن صنعها، والنقوش جمة التواضع التي كان يُنوه فيها «سيتي» بإصلاحاته، إذ كانت توضع على الآثار في الأماكن التي أصلحت بحيث لا تتدخل قط في النقوش الأصلية التي دوَّنها صاحب الأثر الأصلي، وهذه الإصلاحات نجدها في طول البلاد وعرضها، وهاك بعض الأمثلة التي تدل على صدق ما قررناه هنا:
  • بوصير: نقش «سيتي»١٢٨ متنًا في المعبد القديم الذي أقامه الفرعون «سحورع» أحد ملوك الأسرة الخامسة، أشار فيه إلى معبد الإلهة «موت سخمت» (باستت) الذي أقامه الملك «سحورع».
  • الكرنك: أصلح «سيتي الأول» منظرًا على البوابة التاسعة، فيقول في المتن الخاص بذلك: «تجديد الآثار التي عملها ملك الوجه القبلي والوجه البحري «من ماعت رع» في بيت والده «آمون».»١٢٩ وكذلك نشاهد على البوابة العاشرة منظرًا ظهر فيه الملك «سيتي» واقفًا أمام الإله «آمون رع»، وخلفه يقف الإله «منتو»، وتاسوع «هليوبوليس»، وهم: «آتوم»، و«شو»، و«تفنوت»، و«جب»، و«نوت»، و«أوزير»، و«ست»، وصورته ممحوَّة، ثم «إزيس»، و«نفتيس»، والمتن الذي يتكلم عن الإصلاح هو: «يقول الابن المحبوب رب الأرضين «من ماعت رع» لقد أقمت المعبد من جديد حتى وصل إلى عنان أفق «نوت» (السماء)، وقلبي ممتلئ بحبك، وفرح بجمالك، وأعطيت الحياة والسعادة.»١٣٠
    وكذلك أصلح «سيتي الأول» اسم «آمون» على لوحة الفرعون «تحتمس الثالث»، وكان قد هشمه «إخناتون»،١٣١ وقد جاء في النقش الذي كتبه «سيتي» أنه عمله لوالده «آمون رع» رب تيجان الأرضين، وقد عمل إصلاحًا مشابهًا لذلك في لوحة ﻟ «تحتمس الثالث» في معبد «بتاح القاطن جنوبي جداره.»١٣٢ هذا بالإضافة إلى إصلاحات أخرى نشاهدها في مسلة «حتشبسوت»،١٣٣ ولوحة «أمنحتب الثاني».١٣٤
    وفي «القرنة» ﺑ «طيبة» الغربية نشاهد إصلاحاته في لوحات «أمنحتب الثالث».١٣٥
  • الدير البحري: وقد قام «سيتي» بإصلاحات في معبد الدير البحري،١٣٦ وكذلك في معبد «تحتمس الثالث» في مدينة «هابو» (راجع L. D., III, pl. 202 d.)، وفي معبد «أمنحتب الثالث» في «الكاب» نجد كذلك أن الإصلاحات التي قام بها كانت تعظيمًا لوالدته الإلهة «نخبت».١٣٧
    وفي «إلفنتين» أصلح «سيتي الأول» معبد «أمنحتب الثاني الصغير» الواقع جنوبي مقياس النيل،١٣٨ وقد ذكرنا من قبل إصلاحاته في «أمدا».

(٦) الأسرة المالكة

(٦-١) الملكة «تويا»

لم تسجل لنا الآثار زوجًا للفرعون «سيتي الأول» إلا الملكة «تويا»، ويقول «مسبرو»: إن هذه الملكة كان لها حق الملك أكثر من أي عضو آخر من الأسرة المالكة،١٣٩ وألقابها التي تنحصر فيما يأتي: «الأميرة الوراثية، والمربية العظيمة، والتي ترى «حور» و«ست» وزوج الإله، وزوج الملك العظيمة، ومحبوبته، والحظية العظيمة، والمنضمة ﻟ «حور»، وأم الملك التي حملت الثور القوي «رعمسيس الثاني» والممدوحة، وصاحبة الحظوة عند سيد القصر، والأم الملكية، ورئيسة نساء «آمون»، وسيدة النساء.» لا يوجد من بينها لقب ابنة الفرعون، أو لقب أخت الفرعون؛ من أجل ذلك يصعب أن نعرف الأساس الذي استحقت من أجله الملك أكثر من غيرها، اللهم إلا إذا فهمنا معنى لقب الأميرة الوراثية بمدلوله الحقيقي لا بمعناه التقليدي، إذ كان لقب شرف فقط، ولم تكن «تويا» تحمل ألقابًا أعلى من ألقاب الملكة «تي» زوج «أمنحتب الثالث» التي لم تكن من أسرة مالكة، والظاهر أن «تويا» قد عاشت مدة بعد وفاة زوجها، ويقول «مسبرو»: إنها كانت وصية على عرش ابنها «رعمسيس الثاني» في أثناء غيابه في الحروب التي شنها على «خيتا»،١٤٠ غير أننا لا نعرف الأسباب التي بنى عليها هذا الرأي.
والآثار التي خلفتها «تويا»، أو ذُكر اسمها عليها هي ما يأتي:
  • (١)
    تمثال من الجرانيت الأسود لملكة من الأسرة الثانية عشرة اغتصبه «رعمسيس الثاني» كعادته، ونقش عليه اسم والدته، ويلاحظ أن الوجه قد نُحت من جديد؛ ولذلك نجد الأذنين الكبيرتين لهذا التمثال قد صغرتا، كما أن الشعر المستعار الكثيف الذي كان طرازًا محببًا في عهد الدولة الوسطى قد حوِّل إلى شعر مستعار يتفق مع زي الأسرة التاسعة عشرة، ولباس الأسرة الثانية عشرة البسيط الذي كانت ترتديه هذه الملكة قد أعيد تفصيله إلى جلباب «مكشكش» على غرار طراز الأسرة التاسعة عشرة، وهذه التغيرات قد حتمت أن تكون الذراعان نحيلتين، وكذلك الفخذان. وقد حاول المثال أن يسبغ على اليدين نحافة أنيقة في منظرهما، وذلك بتضييق الإبهامين، غير أن محاولته أخطأت التوفيق، وهذا التمثال عثر عليه في «تانيس»، وهو الآن «بالمتحف المصري».١٤١
  • (٢)
    ولهذه الملكة تمثال «بمتحف الفاتيكان»، وقد رُسم عليه صورة ابنتها «حنت مي رع».١٤٢
  • (٣)
    ولها تمثال آخر عثر عليه في مدينة «هابو» نقش عليه ألقابها، واسمها، فكانت تلقَّب عليه بأم الملك، وقد أضيف إلى ذلك أنها … ﻟ «حور» حملت ابنها للإله «رع»،١٤٣ ويظهر أن هذا اللقب جعل «رعمسيس الثاني» يدَّعي أنه من أصل إلهي.
  • (٤)
    ولها تمثال نُحت على يسار تمثال «رعمسيس الثاني» الضخم القائم أمام معبد «أبو سمبل» العظيم.١٤٤
  • (٥)
    وجد اسمها في نقوش «معبد الرمسيوم».١٤٥
  • (٦)
    وتظهر مع ابنها «رعمسيس الثاني» في مجموعة «مريمار».١٤٦
  • (٧)
    وُجد طغراؤها في نقش في «تانيس» مع اسم «رعمسيس الثاني».١٤٧
ونُقش اسمها على لوحة ألوان كاتب محفوظة «بالمتحف البريطاني»، ومن صورتها نفهم أنها كانت رشيقة القوام، قوية الإرادة، ولكنها لم تكن على شيء من وداعة الخلق وسهولته (راجع L. D., III, p. 297).

(٦-٢) أولاد «سيتي الأول»

رعمسسو

لقد ذكرنا فيما سبق أن «رعمسسو» أكبر أولاد «سيتي الأول» يحيط باسمه وبوجوده على ما يظهر شيء من الغموض والإبهام، وقد كان يحمل الألقاب التالية: ابن الملك، والأمير الوراثي، وعمدة المدينة، والوزير، والأمير الوراثي لكل الأرض قاطبة، والمشرف على جياد رب الأرضين، ورئيس القضاة، وكاهن «ماعت»، والأمير الوراثي ابن رب الأرضين (راجع A. S. XLIII, p. 133).
وفي لوحة في «متحف بروكسل» نشاهد «سيتي الأول» واقفًا أمام ثالوث «العرابة»، وبصحبته أسن أولاد الملك من صلبه «رعمسيس»، وقد ظهر «رعمسيس» هذا ممثلًا في صورة شاب صغير السن جدًّا يحمل الرمز الذي يدل على لقب حامل المروحة على يمين الملك، غير أن هذا اللقب لم يُذكر في النقوش، فهل هو نفس الشخص المسمى «رعمسسو» الذي ذُكر في نقوش تابوت مدينة «هابو»، وعلى تابوت بلدة «غراب»؟ والمرجح أنه يمثل «رعمسيس الثاني» قبل اشتراكه مع والده في الملك؛ لأن «رعمسسو» الذي ذُكر على التابوتين كان وزيرًا في عهد والده؛ مما يدل على أنه كان قد بلغ مبلغ الرجال في تلك الفترة، ولم يكن طفلًا حدث السن، يضاف إلى ذلك أن الصورة التي على اللوحة السالفة الذكر تشبه كثيرًا صورة «رعمسيس الثاني» في معبد «سيتي الأول» في «العرابة».١٤٨
وكان له ابن آخر يُدعى «آمون نفر نبف» ابن الملك الأكبر من جلالته، وقد عثر على اسم هذا الأمير في لوحة في جزيرة «سهل» «بأسوان».١٤٩

ابنته

وكان ﻟ «سيتي» ابنة تُدعى «حنت مي رع» ظهرت على تمثال والدتها «تويا» كما ذكرنا من قبل، وكذلك في مجموعة «رعمسيس الثاني» التي عثر عليها في «أبو كبير»،١٥٠ وقد تزوجت من «رعمسيس الثاني» شقيقها، وكانت تحمل الألقاب التالية: … بنت الملك، وزوج الملك، وبنت الملك من صلبه، وزوج الملك العظيمة. وقد ذكر موضوع إعادة دفنها في ورقة «صولت» (راجع Salt, Pap. 124 Verso i-11)، وقد عثر على تابوتها المصنوع من الجرانيت الوردي في مدينة «هابو»، وهو الآن «بالمتحف المصري».١٥١

(٧) الموظفون والحياة الاجتماعية في عهد «سيتي الأول»

تدل الوثائق التي في متناولنا حتى الآن على أن الوظائف الكبرى سواء أكانت إدارية أم سياسية أم دينية في عهد الأسرة التاسعة عشرة كانت في أغلب الأحيان في يد أسر خاصة وفروعها، وبخاصة منذ أن استقرت الأحوال في البلاد في عهد «سيتي الأول»، حتى إنه لما جاء عهد «رعمسيس الثاني» برز نفوذ إحدى هذه الأسر بدرجة عظيمة جدًّا تسترعي النظر، فجمعت معظم وظائف الدولة العالية في أيدي أفرادها؛ ويرجع السبب في ذلك إلى تسلط رجال الدين في هذا العهد، وما كان لهم من سلطان ونفوذ، وبخاصة في «العرابة المدفونة» التي كانت تُعد كعبة المصريين، ومحط أنظار الملوك، وموضع رعايتهم، فقد كان الإله «أوزير» هو الإله الذي وجه إليه «سيتي» معظم عنايته؛ وبذلك كان كهنته وكهنة الآلهة الآخرين في «العرابة» هم أصحاب النفوذ والسيطرة على مشاعر الفرعون وعواطفه؛ ولذلك نجد أن طائفة الكهنة هناك قد عملوا على جعل كل الوظائف الدينية منحصرة في دائرة أسرتهم، ثم أخذوا بعد ذلك يعملون بما لهم من نفوذ حتى جعلوا الفرعون ينصب أفراد أسرتهم في كل مناصب الدولة الكبيرة، فكان منهم رئيس الوزارة، ورئيس كهنة معبد آمون، وقواد الجيش، ورؤساء المالية، ورئيس الشرطة، ونائب الملك في بلاد «كوش» وغير ذلك من الوظائف العالية، ولم يقف الأمر عند تولي رجال هذه الأسرة الوظائف الدينية والإدارية الكبرى، بل وجدنا نساءهم يشغلن أهم الوظائف الكبرى الدينية، فكان ينتخب من بينهن رئيسات الحريم للمعابد، وكبيرات المغنيات للإله «آمون»، و«أوزير»، و«أنحور»، وغيرهم. وسنرى أن دائرة الوظائف في عهد «رعمسيس الثاني» كانت محصورة معظمها — كما قلنا — في أسرة واحدة، وهي أسرة الكاهن «وننفر» بوجه عام؛ وذلك بفضل ما كان لكهنتها من نفوذ ديني، ولا نزاع في أن ذلك النفوذ هو الذي أخذ يتزايد ويعظم خطره شيئًا فشيئًا من الوجهتين المادية والدينية، حتى انتهى الأمر في عهد الأسرة الحادية والعشرين، إلى أن قفز الكاهن الأكبر ﻟ «آمون» إلى عرش ملك البلاد، وأسس أسرة من الكهنة.

وسنحاول هنا أن نتحدث أولًا عن كبار رجال الدولة في عهد «سيتي الأول»، وما خلفوه لنا من آثار تميط اللثام عن حياة البلاد في هذه الفترة، وكذلك سنتكلم عن صلة هؤلاء الموظفين بعضهم ببعض كلما وجدنا لذلك سبيلًا، بادئين بالكلام عن الكهنة الأول ﻟ «أوزير» الذين سيكون لأسرهم شأن عظيم في تسيير أمور الدولة في عهد «رعمسيس الثاني».

(٧-١) وننفر وأسرته

«مري» الكاهن الأول للإله «أوزير»

وجدت لهذا الكاهن مجموعة تمثله هو وابنه «وننفر» الذي خلفه في وظيفته هذه في «العرابة المدفونة»، وهي الآن في «متحف القاهرة». والمجموعة مصنوعة من الجرانيت الرمادي، وقد مثل «مري» جالسًا بجانب ابنه «وننفر»، وقد عاش «مري» في عهد «سيتي الأول»؛ إذ نجد طغراء هذا الفرعون على كتفه الأيسر، وقد كتب على الشريط الذي وُضع في وسط جلد الفهد الذي يرتديه هذا الكاهن: «الإله الطيب رب الأرضين «من ماعت رع» محبوب «أوزير».» وكتب على الجزء الأمامي من قميصه: «الكاهن الأول للإله «أوزير» المسمى «مري» المرحوم، وابنه الذي يحيي ذِكر والده الكاهن الأول للإله «أوزير»، و«وننفر» الذي وضعته «معياني».» وقد صوِّرت زوجة «مري» هذه على جانب كرسي من هذه المجموعة، وكتب عنها: «ربة بيته «ميعاني»، ووالدها هو الكاهن الأول للإله «أوزير» المسمى «تا» المرحوم الذي وضعته «بويا» المرحومة.»

أما تمثال «وننفر» فقد نُقش على كتفه الأيمن اسم «رعمسيس الثاني» ولقبه؛ مما يدل على أن والده كان كاهنًا — أولًا — ﻟ «أوزير» في عهد «سيتي» كما ذكرنا، وقد خلفه في هذه الوظيفة في عهد «رعمسيس الثاني» ابنه «وننفر»، هذا وقد كتب على «مريلة» تمثاله: «الكاهن الأول للإله «أوزير»، و«وننفر» المرحوم ابن الكاهن الأول ﻟ «أوزير»، والمشرف على كهنة «العرابة» «مري» المرحوم، الذي وضعته «معياني» المرحومة».

ويقف أمام الكرسي شخص صغير رافعًا يده اليمنى نحو «وننفر»، وقد كتب عليه: «أخوه الكاهن المطهر الذي يعلم ما يحدث في بيت الحياة للأرضين «مري».»

وعلى الجهة اليمنى من الكرسي رُسمت امرأة جالسة على كرسي تشم زهرة البشنين، وقد كتب عنها المتن التالي: «أخته ربة البيت، ورئيسة حريم «أوزير» المسماة «تي»، ووالدها المشرف على مخازن الغلال «قني» الذي وضعته «ويا» المرحومة.»

أما ظهر الكرسي فقد كتب عليه متن مؤلف من سبعة أسطر جاء فيها: «حامل الخاتم الإلهي، والذي في المقدمة، والكاهن الثاني ﻟ «حور» الحامي لوالده، والكاهن الأول لأوزير المسمى «وننفر» المرحوم كاتم الأسرار، وكاهن «ماعت»، والذي يصب لها الماء في «العرابة»، الكاهن الأول للإله «أوزير» المسمى «وننفر» المرحوم، كاهن الساحرة العظيمة، وكاهن «وازيت»، والكاهن الأول ﻟ «أوزير» المسمى «وننفر».

والد الكاهن الأول ﻟ «أوزير» «مري» المرحوم الذي ابنه الكاهن الأول ﻟ «أوزير» المسمى «حات» الذي ولدته «أوي» المرحومة، ووالدتها «معياني» المرحومة، ووالدها الكاهن الأول لأوزير «تا» المرحوم، وقد وضعته «بويا»، وربة بيته تُدعى «تي» رئيسة حريم الإله «أوزير» الذي يدعى والدها «قني»، المشرف على خزائن الغلال، والذي تُدعى أمه «ويا».» وسنتحدث عن سلسلة هذا النسب عند الكلام على الموظفين في عهد «رعمسيس الثاني» (راجع: Rec. Trav. XXXI, p. 206 ff.).

(٧-٢) الوزراء في عهد سيتي الأول

الوزير «نب آمون»

لم نعثر حتى الآن على قبر هذا الوزير، وكل ما نعرفه عنه هو ما جاء على تمثال له محفوظ الآن «بمتحف القاهرة»، وهو مصنوع من الحجر الجيري الأبيض، وقد عثر عليه «مريت باشا» في «العرابة المدفونة» (راجع Borchardt Statuen und Statuetten pp. 76–78 & Mariette Abydos II, 56 d-f)، وكذلك ما جاء عنه على تمثال أخيه «وننفر» الذي كان يشغل وظيفة الكاهن الأول للإله «أوزير»، هذا بالإضافة إلى ما كُتب عنه في ورقة حسابات من عهد «سيتي الأول» (راجع Spiegelberg; Rechnunurg aus der zeit Sethos I b/a (= Pap. Rollin (1882,) 2/4. 2)، وألقابه ونعوته التي نستخلصها من هذه الآثار هي: الأمير الوراثي، والحاكم، وحامل المروحة على يمين الفرعون، وعمدة المدينة، ورئيس القضاة، ومدير كل أعمال بيت الأبدية (الجبانة)، ومدير كل الأعمال الممتازة في الأرض المقدسة (الجبانة)، ومن في قلب حور — أي الملك — في بيته — يقصد الذي يطلعه على كل أسرار بيته، والمشرف على قصر الملك، ومن ينعطف له القلب كثيرًا، ومن يجعل كل رجل يعرف خطواته، صادق القلب، ونائب «نخن»، وكاهن العدالة، وحاجب جلالته، والعظيم الوحيد في الأماكن العشرة (؟)، ومن يقوم بالمعجزة لحمايته؛ أي الملك، ومن تظهر مهارته في إدارة مكانه (؟)، ورئيس القصر، ومن يدير قوانين سيده، والقاضي في محكمة المحكِّمين الثلاثين، ومن يميل إليه الشعب بسبب جوابه، ورسول الفرعون في الريح الرخاء (؟)، ومن تهتم كل الأراضي لسماع كلامه.

ومن هذه الوظائف والنعوت نستطيع أن نفهم مقدار مكانة الوزير في هذا العصر، وبخاصة في حرصه على إقامة العدالة، وإرضاء الفرعون.

الوزير «حات تي»

(؟) عثر لصاحب هذا الاسم على لوحة ضمن اللوحات التي كشفنا عنها بجوار معبد «بولهول»، وهو يحمل لقب رئيس الوزراء، ويشاهد على هذه اللوحة الفرعون «سيتي الأول» يقدم قربانًا من النبيذ، أو الماء لتمثال «بولهول» الذي يُرى جاثمًا أمامه، وقد نُعت التمثال على اللوحة باسم «حول»، ويحتمل أن هذا الوزير قد أقام هذه اللوحة تذكارًا لمصاحبته للفرعون «سيتي الأول» عندما جاء لأداء فريضة الحج لتمثال «بولهول»، كما كانت العادة المتبعة منذ عهد الأسرة الثامنة عشرة على ما نعلم، ويشاهد هذا الوزير في الجزء الأسفل من اللوحة راكعًا يتعبد برأس عارٍ، ويَديْن مرفوعتين، ويقرأ الأنشودة التالية: «تقديم الحمد للإله» «حول»، وتقبيل الأرض ﻟ «حور ام أخت» ليهب الحياة والسعادة والصحة لروح رئيس (؟) الوزراء لرب الأرضين المسمى «حات تي»، ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن «حات تي» هذا قد عد «حول»، و«حور ام أخت» بمثابة إله واحد، وهذان هما الاسمان اللذان كانا متداولين لتمثال «بولهول» في هذه الفترة من التاريخ على ما نعلم.

الوزير «باسر»

كان «باسر» الوزير الأول في عهدي «سيتي الأول»، وابنه «رعمسيس الثاني»، وسنفصل القول عن حياته، وأعماله في عهد «رعمسيس الثاني».

«نبنترو» الكاهن الأكبر للإله «آمون» «بالكرنك»١٥٢

لم تصارحنا الآثار التي كُشفت حتى يومنا هذا عن الشخص الذي كان يشغل وظيفة الكاهن الأول للإله «آمون» في «الكرنك»، ولكن من المحتمل جدًّا أن «نبنترو» كان يشغل هذا المنصب في عهد الفرعون «حور محب»، أو في عهد «رعمسيس الأول»، وكذلك في عهد خلفه وابنه «سيتي الأول»، والواقع أن هؤلاء الملوك الثلاثة قد أظهروا برَّهم وغيرتهم على عبادة الإله «آمون»؛ وذلك بما أقاموا له من مبانٍ ضخمة في «الكرنك»، وبخاصة قاعة العمد التي تعد فريدة في ضخامتها بين كل مباني العالم الدينية، والظاهر أن نفوذ هذا الكاهن كان عظيمًا؛ لأن ابنه «باسر» كان هو الجالس على كرسي الوزارة في عهد «سيتي الأول»، وقد انتقلت إليه أوقاف الإله آمون في «أرمنت» على ما يظن، غير أنه لم يتقلد قط وظيفة رئيس كهنة «آمون» في «الكرنك» كما يظن البعض، وسنتحدث عن ذلك فيما بعد. وقد كانت أسرة «نبنترو» على ما يظهر مسيطرة على الوظائف الدينية، فكانت زوجه «مريت رع» تحمل لقب رئيسة حريم «آمون» بالكرنك كما كانت ابنته «تي» تلقب رئيسة حريم «آمون»، وكان «نبنترو» يتقلد الوظائف والألقاب التالية: الكاهن الأول للإله آمون، وكاهن «آمون» في «أرمنت»، والكاهن «سم» في معبد «بتاح» ﺑ «طيبة»، ورئيس كهنة الوجهين القبلي والبحري، أو وزير الأوقاف، ورئيس الأسرار في المعابد، والوجيه، والأمير الوراثي، والحاكم، وحامل خاتم ملك الوجه البحري، والسمير الوحيد. والألقاب الخمسة الأخيرة كلها ألقاب فخرية. ومما سبق نفهم أن الكاهن الأكبر للإله «آمون» لم تكن وظائفه دينية وحسب، بل كان كذلك يقوم بمهام دنيوية محضة كما كانت العادة في عهد الأسرة الثامنة عشرة (راجع مصر القديمة ج٤).

«أمنمأبت» المسمى «إبي»

المدير العظيم لبيت «آمون» في المدينة الجنوبية «طيبة»، وقبر هذا الموظف الكبير يقع في جبانة «شيخ عبد القرنة» (رقم ٤١)، وتدل نقوشه على أنه عاصر كلا من «رعمسيس الأول»، و«سيتي الأول» (؟)، وعلى أن صاحبه قد عُني بنقشه وزخرفته عناية بالغة لما فيه — على الرغم مما أصابه من تهشيم — من صور وزخرف رائع، وقاعته الرئيسية ترتكز على عمد في صورة الإله «أوزير» المزمل، وقد نُقش عليها اسمه واسم زوجه «نزم»، ويرى على جدران هذه القاعة منظر الحفل بفتح الفم، ومعه نائحات يندبن المتوفى (راجع Wresz. I, 166)، كما نشاهد المتوفى في محراب (Ibid. 163)، ويلفت النظر مشهد محاسبة المتوفى في عالم الآخرة، إذ نشاهد على غير المعتاد في مثل هذا المنظر أن الإله «تحوت» قد جلس في محرابه، وفتح نافذته، ويشير إلى الميزان الذي كان يوزن فيه المتوفى نفسه — لا قلبه — في كفة، وفي الأخرى إلهة العدالة، يحلي رأسها الريشة الدالة على العدالة نفسها باللغة المصرية (راجع Champ. Notices I, P. 527, 849).
ومن المناظر الطريفة كذلك الخاصة بالشعائر الدينية؛ صورة طريفة للقبر الخاص في هذا العصر، ويحتوي على هرم صغير، وبوابة ضخمة، وطريق ذي عمد على هيئة نبات البشنين المزهر، ومن الجائز أن هذه الصورة هي المقصورة التي بداخل القبر، ونشاهد على يسار هذه الصورة لوحة رسم عليها علامة الغرب بذراعين ممتدتين لاستقبال المومية، وبجانبها الكهنة الذين يؤدون شعائر الاحتفال بفتح الفم على المومية نفسها التي كان أقارب المتوفى يقبلون قدميها، ويصحبهم بعض رجال قد ظهر على محياهم الحزن الصامت، في حين كانت النسوة يصحن ويلطمن، وفي أسفل هذا المنظر نشاهد تمثال المتوفى في محراب، وأمامه كاهن يحرق البخور، ويصب الماء، وآخر كان يرتل من إضمامة بردي في يده، وقد أبدع المثَّال هنا في تصوير جماعات المشتركين في تشييع المتوفى إلى مقرِّه الأخير. حقًّا قد رُسمت صورهم دون تفاصيل دقيقة التمثيل، بل كانت خشنة وقبيحة، إلا أنها قد مثلت في أوضاع مختلفة، فنرى الحزن قد استولى على بعضهم؛ فغلبهم البكاء، وقاموا بحركات عصبية عنيفة، ملقين بأنفسهم فوق الأديم، وناثرين التراب على رءوسهم، وشادِّين شعورهم، على حين نرى آخرين قد غمرهم الحزن؛ فكمم أفواههم، وحبس دموعهم، ووضعوا رءوسهم بين أيديهم ووجوههم واجمة، ونفوسهم مفعمة بالحزن العميق (راجع Wresz I, pl. 167).

أمنمأبت

حامل المروحة على يمين الفرعون، ونائب بلاد «كوش» (راجع مصر القديمة ج٥)، وقبر هذا العظيم لم يُعثر عليه حتى الآن، غير أنه عُثر له على لوحات منحوتة في الصخور القريبة من مقر حكمه، ففي الصخور المجاورة ﻟ «أسوان» نقش مثِّل فيه حاملًا على ظهره المروحة رمز وظيفته، وهو راكع أمام «سيتي الأول» الذي كان يضرب أسيرًا بسيفه (راجع L. D., III, 141 n & De Morgan. Cat. Mon. I, 28 (5)). وله نقش آخر في الصخور التي على الطريق القديمة بالقرب من «أسوان»، وقد ظهر فيه «سيتي» واقفًا خلف عربته، وبيده أسير سوري راكعًا، وكان «أمنمأبت» راكعًا كذلك أمامه، وقد نقش أمامه سائق عربة الفرعون، وابن الملك حاكم «كوش» (De Morgan. Cat. Ibid I, 20). وتوجد في «دوشه» لوحة مثل عليها «سيتي» يحرق البخور، ويقدم القربان والماء لثالوث منطقة الشلال، وهم الإله «خنوم»، والإلهتان «عنقت» و«ساتت»، وفي أسفل اللوحة صورة صغيرة لابن الملك «أمنمأبت»، وبيده مروحة، وهو راكع يتعبد، وقد لُقب هنا ابن الملك، أما النقش الكبير فقد هُشم (راجع L. D., III, pl. 141 k).
وقد نُحت في قصر «إبريم» لوحة نقش عليها اثنا عشر سطرًا، ثلاثة منها خاصة ﺑ «سيتي الأول»، وثلاثة أخرى خاصة ﺑ «أمنمأبت»، والمنظر في هذه اللوحة مهشم، ومع ذلك نستطيع أن نشاهد فيه «سيتي» يقتل أسيرًا، وخلفه عربة وخيل، وفي أسفل اللوحة يرى «أمنمأبت» قابضًا بيده على المروحة رمز وظيفته (راجع Rec. Trav. XVI, p. 169–172).

«أمنمس» الكاهن الأول للفرعون أمنحتب الأول صاحب «الردهة الأمامية»١٥٣

حفر هذا الكاهن قبره في «جبانة ذراع أبو النجا» (رقم ١٩) (راجع G. W. Cat. No 19; & Porter & Moss I, p. 61). ويحتوي هذا القبر على مناظر هامة تكشف لنا عن بعض نواحي الحياة الاجتماعية والدينية، وأهمها ما يأتي:
  • (١)

    منظر سفينة «آمون رع» المقدسة التي كانت تنقل تمثال «آمون» من المعبد إلى الشاطئ الأيمن في احتفال «عيد الوادي»، وقد تحدثنا عنه (راجع مصر القديمة ج٣).

  • (٢)

    منظر للألعاب الرياضية، وبخاصة اللعب بالعصا — الذي لا يزال موجودًا حتى الآن في ريف مصر وصعيدها، والمصارعة أمام محراب الفرعون المؤله «أمنحتب الأول». ولما كان موضوع الألعاب الرياضية من الموضوعات الهامة على ما يظهر في عهد الدولة الحديثة، فقد آثرنا أن نشير إليه هنا؛ وبخاصة لأنها ألعاب شعبية لا تزال باقية حتى الآن في جميع أنحاء القطر، فنشاهد اللعب بالعصا في الأفراح التي تقوم في حفلات الزواج، ويتقدم للعب بها مهرة من القرى المجاورة للقرية التي أقيم فيها الفرح. أما المصارعة فعلى الرغم من أنها معروفة بين الألعاب الرياضية عند كل الأمم، كان لها طابع خاص بقيت آثاره في مصر حتى اليوم بين أفراد الشعب لا سيما في الأرياف، ويعبر عنه «بالملابطة»، وفيها يظهر كلا المتلابطين قوته الجسمية على قرينه، وهو ما نشاهده في الصور المصرية القديمة.

وقد بحث هذا الموضوع الأستاذ «جون ولسن» فجمع كل ما عثر عليه من مناظر خاصة بهذا الموضوع في الدولة الحديثة، وشرحها شرحًا لا بأس به (J E A., XVII, p. 211 ff.)، وأهم هذه المناظر ما يأتي:
  • (١)
    منظر على جدران معبد مدينة «هابو» (راجع wresz Atias II, 158 15, 8 a & Meyer Darstellung Der Fermd. 335 ff.).
  • (٢)

    منظر باسم «رعمسيس الثاني» بمدينة «هابو» نقل من مكانه الأصلي «بالرمسيوم».

  • (٣)

    منظر قبر «أمنمسو» الذي نحن بصدده الآن.

  • (٤)

    منظر في مقبرة «مري رع الثاني» من عهد «إخناتون» (راجع مصر القديمة ج٥).

  • (٥)
    منظر على قطعة استراكا محفوظة الآن «بالمتحف المصري» تحت رقم ٢٥١٣٢ من معبد «رعمسيس السادس» (راجع Daressy Ostraca. pl. xxv, p. 26).

ففي مناظر «تل العمارنة» يظهر الفرعون أمام الشعب على عرشه ليتقبل جزية الجنوب؛ فيعبر أفراد الشعب عن فرحهم بهذ الحادث بالمصارعة، والملاكمة، واللعب بالعصيِّ، أما في المنظر الذي على الاستراكا المحفوظة «بالمتحف المصري» فنشاهد عليها مصريين يبدءان بشوط مصارعة — كما يدل المتن المفسر — أمام الفرعون أيضًا.

وفي مقبرة «أمنمسو» رقم ١٩ نشاهد الصراع يعقد أمام محراب الملك المؤله «تحتمس الثالث» الذي كان يعد من أكبر الملوك الرياضيين في عهد الأسرة الثامنة عشرة كما ذكرنا (راجع مصر القديمة ج٤)، فنشاهد في المنظر رجلين يتنازلان بعصاوين (راجع J. E. A. Vol. XVI, pl. XXXVII, 8)، وفي أسفل هذا المنظر نجد اثنين يتصارعان (Ibid 9)، ويحاور واحد منهما قرنه قائلًا: «وا أسفاه عليك يأيها الجندي التعس الذي يتشدق بفمه.» والقرن هنا مصري ويُدعى «التعس». إني سأجعلك تقول: «من الجنون أن يقبض الإنسان على يد جندي من جنود جلالته.» وفي الأسفل منهما على اليمين نشاهد اثنين قد فرغا من شوط مصارعة (Ibid. pl. XXXVII, fig. 10)، ويلاحظ أن الظافر يواجه المحراب في هيئة المنتصر، وهو يقول: «إن «آمون» هو الإله الذي يقرِّر الحماية من كل أرض للحاكم أنتم يا جنود «وسر ماعت رع» حاكم الأرضين يأيها القائد.» وإنه لمن المهم أن ننوِّه هنا بأن هذه الألعاب كانت تقام تكريمًا لملك متوفى في أعيادهم، كما نشاهد الآن في مصر الحديثة.
وفي أسفل منظر المصارعة في هذا القبر نشاهد قاربًا فيه محراب صغير يحتوي على تمثال الملكة «أحمس نفرتاري» المؤلهة، وأمام المحراب كاهن يحرق البخور للتمثال، ونلحظ أن القارب يجر قاربًا آخر أصغر منه، وهو على وشك الرسو في الميناء بجوار المعبد؛ حيث يوجد منحدر يكنفه سُلمان يؤديان إلى حافة الماء، ويظهر أنه كان هناك كهنة قد أتوا لاستقبال التمثال وحاشيته (راجع Wresz I, pl. 118)، وفي منظر آخر نشاهد تمثال الفرعون المؤله «أمنحتب الأول» محمولًا على أعناق كهنة من المعبد، ويلحظ أنه قد جلس على عرش مزخرف، ويصحبه كهنة يحملون في أيديهم المراوح والمظلات، وهذا مظهر من المظاهر الكثيرة التي نشاهد فيها «أمنحتب» وأمه «أحمس نفرتاري» مؤلهين (راجع مصر القديمة الجزء ٤).

«باشدو» رسام آمون

قبر هذا الرسام في جبانة «دير المدينة» (رقم ٣٢٣) (راجع Bruyere Fouilles des Dier el Medineh (1923-4) p. 80). ويمتاز هذا القبر بأن صاحبه قد ذكر لنا أنساب أسرته حتى الجيل الثالث، وزوجه تُسمى «موت نفرت»، وأمه تسمى «موت مويا» وولده يدعى «إرو نفر» وجده «مان نختوف» كان رسامًا ﻟ «آمون» أيضًا، وجدته الأولى تدعى «تنت أمنت»، وتلقب ربة البيت. وجده الثاني يسمى «باشدو»، ويحمل نفس اللقب الذي كان يحمله والده، وهو رسام «آمون» في بيت الإله «سكر» إله الآخرة. أما جدته الثانية فكانت تسمى «نفرتاري»، وتلقب ربة البيت ومغنية «آمون». وجده الثالث يحمل لقب رسام «آمون» في معبد «سكر» أيضًا، وجدته الثالثة تُدعى «موت نفرت»، وتلقب ربة البيت، أو سيدة البيت كما هو الشائع عندنا الآن «ست بيت». ومما سبق نرى أن وظيفة رسام «آمون» كانت وراثية في هذا البيت، يتعلمها الابن عن والده، ووجد على جدران هذا القبر لوحة مثل فيها «سيتي الأول» يقدم زهرة البشنين للإله «أوزير»، وهو لابس شعرًا مستعارًا بسيطًا يحليه الصل على جبينه، ويرتدي جلبابًا طويلًا ومجعدًا، ويلبس في قدميه حذاء، وخلف الفرعون يشاهَد الرسام «باشدو» واقفًا بصورة تقرب من صورة الفرعون في الارتفاع، ورأسه حليق، ويلبس قميصًا طويلًا، ولكنه عاري القدمين، ويلفت النظر في هذه الصورة أن «باشدو» قد مثل بصورة تماثل صورة الفرعون في الحجم؛ إذ يلحظ أن قمة رأسه تصل إلى صل الفرعون الذي على جبينه، وقد انحنى «باشدو» بعض الشيء؛ ولذلك فإنه إذا وقف منتصبًا تمامًا في الصورة كان حجمه مثل حجم الفرعون في الطول، وهذا منظر غير مألوف في الرسوم التي يظهر فيها الفرعون؛ إذ قد جرت العادة في كل المناظر أن الملك يُرسم بصورة ضخمة بالنسبة لمن حوله الذين يظهرون كالأقزام.
وفي أسفل اللوحة يشاهَد «باشدو» راكعًا أمام الإله «أنوبيس» موجهًا أنشودة للإله «خنتا منتي».١٥٤ هذا، ويشاهَد في حجرة الدفن عدد عظيم من الأشخاص يتعبدون لآلهة مختلفة.

«وسرحات» كاتب حرس «منماعت رع» الذي يحمي «آمون» وجنوده

نحت هذا الكاتب بالاشتراك مع بعض الموظفين لوحة أقيمت في «العرابة المدفونة» تبركًا، وحبًّا في الإله «أوزير» سيد هذه البلدة، وبخاصة في هذا العهد الذي أُحييت فيه عبادة «أوزير» على يد الفرعون «سيتي الأول»، أما الموظفون الذين اشتركوا في إقامة هذه اللوحة فهم:
  • (١)

    «واز رمبت» رئيسة حريم ومغنيات «آمون»، وابنها الذي أقام اللوحة هو الكاتب «وسرحات».

  • (٢)
    حامل العلم المُسمى «حوي».١٥٥
  • (٣)

    «خعي»، وكان يحمل لقب ضابط.

  • (٤)
    «باكا» ويحمل لقب مقدم الأعمال في مكان الصدق (جبانة دير المدينة)، ويوجد لهذا الموظف لوحة في «متحف تورين»،١٥٦ وقد ذكر معه ابنه، وبعض أشخاص لا نعرف نسبتهم وهم:
    • (أ)

      ابنه «حورمويا»: الخادم في «مكان الصدق على الجبل الغربي».

    • (ب)

      «باشدو»: رئيس الصناع في «مكان الصدق».

    • (جـ)
      «أمنمس»: الخادم في «مكان الصدق».١٥٧

ومن ذلك نفهم أنه يجوز اشتراك عدة أشخاص في إقامة لوحة في هذا المكان المقدس، وإن لم تربطهم ببعضهم صلة نسب.

معي

كاتب القربان المقدس لثالوث العرابة؛ أي «أوزير»، و«حور»، و«إزيس»، وكل الآلهة الذين في معبد «من ماعت رع» (معبد «سيتي الأول» بالعرابة).

وجد لهذا الكاتب لوحة عثر عليها في «االعرابة المدفونة»، وهي الآن «بمتحف بروكسل» ببلجيكا، وقد كشف عنها «جارستانج» في «العرابة المدفونة» بين عامي ١٩٠٦، ١٩٠٩م، وتُعد من أهم اللوحات الجنازية من حيث مادتها، كما أنها في الوقت نفسه نُحتت نحتًا جميلًا. والواقع أن هذه اللوحة تحتوي على أنشودة للإله «أوزير» بوصفه إله الآخرة؛ فتُعدد لنا ما كان له من نفوذ وسلطان في نفوس الشعب، وهي في الأصل رواية لأنشودة قديمة كُتبت في عهد الدولة الوسطى عندما كان نفوذ هذا الإله قد بلغ شأوًا بعيدًا في التسلط على أذهان الشعب، وبخاصة بعد أن تحرر من القيود والامتيازات التي كانت خاصة بالملوك بعد الثورة الاجتماعية التي أشعل نارها أهل الطبقة الدنيا المظلومة المكبوتة من أصحاب الإقطاع، وقد كان من جرائها أن نال عامة الشعب بعض حقوقهم الدنيوية، ولكنهم قد تساووا مع الملوك في حقوقهم في عالم الآخرة، فأصبح في مقدور كل من الملك، والفلاح البسيط، والعامل الصغير أن يكون «أوزير» في عالم الآخرة إذا كان تقيًّا ورعًا مؤديًا ما عليه من حقوق لله والناس، والأنشودة التي نحن بصددها تعد تجديدًا لهذا العهد الغابر بعد أن كان قد طغى على ديانة أهله «إخناتون». وقد جُمعت إحدى عشرة رواية لهذه الأنشودة الهامة في كتاب «الأناشيد الدينية لعهد الدولة الوسطى».١٥٨ وقبل أن نورد هنا ترجمة هذه الأنشودة نصف اللوحة، وما عليها من نقوش ومناظر أخرى: يشاهَد على الجزء الأعلى المستدير من هذه اللوحة قرص الشمس المجنح محلى بصلِّين، أحدهما يلبس تاج الوجه القبلي، والآخر يلبس تاج الوجه البحري. وعلى يمين هذا الجزء من اللوحة نشاهد الفرعون «سيتي مرنبتاح» لابسًا قبعة يزينها الصل الملكي، ويرتدي ثوبًا طويلًا مزركشًا، وهو يقدم للإله «أوزير» الجالس أمامه على عرشه علامات الحياة والثبات والعافية، وخلف «سيتي» نرى صبيًّا صغيرًا يتبعه، تتدلى من رأسه خصلة شعر غزيرة، ويرتدي قميصًا بسيطًا، ويحلِّي رقبته قلادة، وقد نُقش فوقه المتن التالي: «ابن الملك الأكبر من صلبه «رعمسيس».» وخلف «أوزير» نشاهد الإلهة «إزيس» واقفة، وتلقب «إزيس العظيمة، والأم المقدسة»، وخلفها الإله «حور» ابنها، وبيده علامة الحياة، ويلقب «حور المنتقم لوالده».
وقد عُرف صاحب هذه اللوحة في خمسة أسطر عمودية كتبت فوق صورته، وهي:

المنفرد في كماله، والمستقيم، والصادق، والذي يرضي سيده، ومنفذ تعاليم جلالته، كاتب القربان المقدس ﻟ «أوزير»، و«وحور»، و«إزيس»، وكل آلهة معبد «سيتي»، «معي» صادق القول الذي يثوى في سلام في «مكان الصدق» (الجبانة)، ابن رئيس الرماة «بس»، صادق القول في أمان في الغرب، وهو الذي وضعته ربة البيت «ورنور» صادقة القول في سلام.

وفي أسفل هذا المتن يرى «معي» واقفًا رافعًا يده يشير إلى الأنشودة التي نُقشت أمامه في أربعة عشر سطرًا عموديًّا كأنه يقرؤها. ويرى أمامه مباشرة مائدة قربان صُف عليها ألوان من الطعام، ويلاحظ أن «معي» كان يرتدي شعرًا مستعارًا طويلًا كما كان يلبس ثوبًا طويلًا مجعدًا.

وهاك نص الأنشودة:

الدعاء لك يا «أوزير» من كاتب القربات المقدسة لكل الآلهة في بيت «من ماعت رع» على لسان «معي» صادق القول يقول: السلام عليك يا «أوزير وننفر»، يابن «نوت» (ربة السماء)، ويا سيد القرابين، ويا رفيع التاج، ويا سيد القوة، وعظيم الاحترام، ويا من أعطى التاج المزدوج، والفرح على رأس «هرا كليوبوليس» (أهناسيا المدينة التي كان يُعظَّم فيها «أوزير»)، ومن الإله «رع» قد أذاع الخوف منه، ومن أوجد «آتوم» الرعب منه في قلوب الناس، والآلهة والمنعمين والموتى، ومن أعطى روحه في «منديس»، ومن يخاف في «هرا كليوبوليس»، ومن قواه قد اتخذت مكانتها في «هليوبوليس»، ومن صوره عظيمة في «بوصير»، وسيد الخوف في المكانين المقدسين (أي المعبدين)، ومن الفزع منه عظيم في «روستاو» (عالم الآخرة)، وسيد القوة في «تنين» (قبر أوزير)، ومن حبه عظيم على الأرض، وصاحب الذكرى الحسنة في القصر، والعظيم الظهور في العرابة (خلال أعياده)، ومن أعطى صدق القول؛ أي برئ أمام الإله «جب»؛ إله الأرض وتاسوع الآلهة مجتمعين، ومن لأجله ذُبحت الذبائح في القاعة العظمى الشاسعة التي في «حرور»؛ أي بلدة «قصر هور» في الشمال الشرقي من «الأشمونين»، ومن يخافه الأقوياء والعظماء؛ لأنه قد وُهب الخوف، ومن يقف العظماء له على حصرهم، ومن نشر الإله «شو» — أي إله الفضاء — الذعر منه، ومن الإلهة «تفنوت» قد أوجدت سلطانه، وإنه ملك الآلهة وصاحب القوة المطلقة في السماء، وحاكم الأحياء — يقصد الأموات — وملك من هم هنالك؛ أي الأموات، ومن تقوم له الملايين بالأحفال في «بابليون» (مصر عتيقة إشارة إلى أن «أوزير» هنا يمثل النيل)، ومن تبتهل له الإنسانية بصياح الفرح في «هليوبوليس»، وصاحب القطع المنتخبة من اللحم في البيوت العالية؛ أي المكان الذي تُذبح فيه الذبائح، ومن جُزرت له الذبائح في «منف»، ومن احتفل له بعيد اليوم السادس من الشهر، وعيد اليوم السابع في «هليوبوليس» عندما ينادَى في محط «بنو» (قصر في عين شمس)، ومن عملت له الوجبات الليلية في «ليتوبوليس» (أوسيم الحالية)، ومن أعطي السيف والنصر في «هليوبوليس»، وعندما تراه الآلهة يقدمون له الخضوع، وعندما يراه المنعمون (الأموات) يهللون له. هذا هو «أوزير» بن «نوت» عظيم الرهبة، وعظيم السطوة، ومن يأتي إليه الرجال والآلهة والمنعمون والأموات خاشعين.

وكذلك تهرول نحوه الجماهير في «جحستي» (المكان الذي قُتل فيه أوزير)، مهللين ومعهم من في العالم السفلي. وإني ابنك «حور» وقد أتيت وضربت لك أعداءك، وضحيت بهم لك مثل حيوانات الأضاحي، وأهلكتهم مثل الثيران، وقد سقطوا على وجوههم من أجلك، وإني أرضيك لأنك محبَّب، فلتكن راضيًا عني رضاء طيبًا في هذا اليوم (يوم الحساب)، وتقصي عني شري، وتسمع عندما أدعوك، وتخرج لتبعد عني الشر بسبب ما قلته من خير في هذا اليوم.

وهذه الأنشودة على الرغم مما فيها من إشارات بعيدة لشعائر دينية خاصة، وأساطير عتيقة، وصفات خاصة بالإله «أوزير» المهيمن على عالم الآخرة، والحاكم الأول على الأرض؛ تضع أمامنا صورة صادقة عن هذا الإله، ومقدار نفوذه على عقول عامة الشعب، وبخاصة إذا علمنا أن كل إنسان كان يرجو بعد الحياة الدنيا أن يصير «أوزير» في عالم الآخرة؛ ولذلك نجد كل فرد كان يعمل لآخرته، ويعد لها العدة بشتى الطرق، وبالتقرب إليه بخاصة، وإقامة أثر بجوار ضريحه المقدس الذي كان في «العرابة المدفونة». ولذلك نرى «معي» — كاتب هذه الأنشودة — يرجو من هذا الإله بعد أن عدَّد كل مناقبه، وكل ما عمل له من خير أن يبعد عنه الشر، ويجعله من المقبولين في «هذا اليوم»؛ أي يوم تُجزى كل نفس بما عملت، ومن ثم نرى أن الفرد أخذ يناجي ربه.

والأمر الهام الثاني الذي نلحظه في صور هذه اللوحة هو صورة الأمير الصغير «رعمسيس» بِكر أولاد «سيتي الأول»، غير أننا لا نعلم إذا كان «مِعِي» قد كتب هذه اللوحة في أول عهد «سيتي الأول» عندما كان ابنه «رعمسيس» الذي توفي فيما بعد، وهو الذي كشف قبره في «سد منت»، وتابوته في مدينة «هابو» هو «رعمسيس» هذا أم هو «رعمسيس» الذي أصبح فيما بعد «رعمسيس الثاني»، والأرجح أن الذي صُور على هذه اللوحة هو «رعمسيس الثاني» فيما بعد؛ إذ قد محا «سيتي الأول» اسم «رعمسيس» المتوفى من نقوش معبد الكرنك على حسب قول «كيث سيلي»، ووضع مكانه صورة «رعمسيس» الذي أصبح وارثه في الملك، هذا فضلًا عن أننا لا نجد آثار محوٍ هنا.

حوي

الكاتب الذي يدير آثار رب الأرضين، ورئيس الأعمال. عثر لهذا الموظف على لوحة في محاجر «الدبابية» في جبلين.١٥٩ واللوحة تشير إلى أن «سيتي الأول» قد استخرج أحجارًا من هذا المكان لإقامة معبده الجنازي «بالقرنة» في «طيبة الغربية»، وهو المُسمى ببيت «من ماعت رع لملايين السنين في غربي طيبة». ومما يؤسف له أن المتن الذي نقله «دارسي» من هذه اللوحة مهشم جدًّا، ولكن مع ذلك يفهم منه أن الفرعون قد أرسل بعثًا إلى هذه المحاجر بما يلزم من المال، والعتاد لقطع الأحجار من هناك.

حوي شرا

حاسب الفضة والذهب لرب الأرضين في مصر السفلى ومصر العليا، وقد وُجدت له لوحة محفوظة الآن بمتحف «استوكهلم».١٦٠

حور مين

كاتب الملك الحقيقي ومحبوبه.١٦١ عثر على قبر هذا الكاتب في «سقارة» بالقرب من هرم الفرعون «وناس» أحد ملوك الأسرة الخامسة. ومن ألقابه: حامل الخاتم، والمشرف على حريم الفرعون في بيت … في «منف»، وما تبقى من نقوش قبره هي صيغ قربان عادية للآلهة «أوزير»، و«حور»، و«إزيس»، و«نفتيس». وزوجته تُدعى أخته، محبوبته، ربة البيت، مغنية إزيس: «مِعِي»، هذا بالإضافة إلى أننا نشاهد فيه صورة رجل يضرب حمارًا (راجع Porter and Moss III, p. 177).

وتوجد له لوحة عثر عليها «مريت» في «السربيوم» تُدعى أحيانًا باسم لوحة الأطواق، أو القلائد؛ وذلك لأن الفرعون «سيتي الأول» يظهر فيها واقفًا في شرفة قصره، مانحًا «حور مين» الذي كان يحمل لقب المشرف على حريم الفرعون القلائد الذهبية، وفي الصورة خادمان قد شُغلا بتحلية جِيد «حور مين» هذا بالقلادات الذهبية، في حين أن المنعم عليه كان يرفع ذراعيه فرحًا واعترافًا بالجميل. والواقع أن منح القلائد كان إنعامًا ملكيًّا كما هي الحال الآن، كما تكلمنا عن ذلك من قبل.

والمتن في هذه اللوحة يشمل خطاب الفرعون، وجواب المنعم عليه، وصلاة مؤلفة من أربعة أسطر موجهة للإله «بتاح» رب منف (راجع Boreux Guide Tom. I, p. 80).

حعبي

رئيس أتباع جلالته ومحبوبه. وجد لهذا العظيم لوحة في جبل «السلسلة»، وقد مثل فيها متعبدًا لطغراء الفرعون «سيتي الأول»، وكان يحمل غير اللقب السالف؛ لقب المشرف على جنود قلعة سيد الأرضين.١٦٢

سايمبترف

رئيس١٦٣ صُياغ ملك الأرضين، أو رئيس صياغ بلاط «سيتي الأول»، تدل الشواهد على أن قبر هذا الصائغ كان في «سقارة»، وتوجد منه الآن خمس قطع في «متحف لاهاي»، وقطعة واحدة في «متحف القاهرة»، ويقول التاجر الذي اشتريت منه القطعة الأخيرة إنه ابتاعها من «سقارة»، وهذه القطع عليها منظر غريب في بابه؛ إذ نشاهد عليها صورة من صور الآلهة التي تخرج من شجرة الجميز.

والمدهش أن الإنسان عندما يفحص الآلهة لأول وهلة يخيل إليه أن لها أربع أذرع بدلًا من اثنتين، ويلحظ أن اثنتين تحمل كل منهما إناء ماء، أما الذراعان الأخريان فتحملان مائدة قربان عليها خبز، وطاقة أزهار، وخيارة. ولكن نشاهد أن ورق شجرة الجميز تعلوه نخلة، وأمام الآلهة نرى المتوفى راكعًا ورافعًا يده ليتقبل الماء الذي تصبه له الآلهة، وتحت المتوفى زوجه المسماة «ناشايت» راكعة، وتحت الشجرة طائران برأس آدميين، وهما يمثلان روحا الرجل وزوجه، وأمام هذين الروحين وضعت مائدة قربان تشبه التي أمام الرجل وزوجه. والحوض المستطيل الذي نبتت فيه الجميزة هو حوض مقدس.

وعلى حسب الاعتقاد المصري كان المتوفى في أثناء سياحته في عالم الآخرة تستقبله إلهة «طيبة» فتطعمه وتسقيه، وكان اسمها بوجه عام الإلهة «نوت»، أو «حتحور»، أو «إزيس»، ولكن في غالب الأحيان كانت تسمى «سيدة الجميزة» فحسب. والواقع أن شجرة الجميزة كانت تلعب دورًا هامًّا في المتون المصرية، غير أن رسم هذه الآلهة الخارجة من شجرة الجميزة لم يظهر إلا منذ الأسرة الثامنة عشرة.

والآن يتساءل الإنسان عن السبب في أن لهذه الإلهة أربع أذرع، ولماذا نجد نخلة تعلوها؟ والجواب على ذلك: أنه لا بد أن تفصل هذه الصورة على الوجه الآتي: نرى في الصورة أولًا المنظر المعروف الذي يمثل الآلهة في شجرة الجميز، وأن جذع الجميزة هذه كان يغطي جذع النخلة، ولا نرى من الأخيرة إلا جزءها الأعلى الذي يفوق الجميزة في ارتفاعها، وكذلك نشاهد أن إلهة الجميزة كانت تغطي إلهة النخلة التي لا نرى منها إلا ذراعيها، وهذا هو السبب الذي من أجله نرى في الرسم إلهة بأربع أذرع. والمنظر كما يقول الدكتور «كيمر» منقطع القرين في كل المناظر المصرية التي عرفها حتى الآن من هذا النوع: ولكن يجب أن تكون هناك مناظر أخرى مماثلة. على أنه من جهة أخرى توجد بعض مناظر من الدولة الحديثة نشاهد فيها إلهة الجميزة وإلهة النخلة مجتمعتين معًا في صورة واحدة.

أما المتن الذي على هذا الحجر فهو: كلام الجميزة البارة بسيدها: «إني أقدم لك الخبز والماء العذب إلى «أوزير» — أي لك — يا رئيس صياغ ملك الأرضين «سايمبترف».»

والواقع أن كلا شجرة الجميزة والنخلة لم تزالا موضع تقديس عند العامة حتى الآن، وأنه محرَّم عند العامة قطع شجرة الجميز، وبخاصة ما كان منها في الجبانة؛ لأن العامة يعتقدون أنها تروي الموتى، وتظلهم بظلالها.

وكذلك تعد النخلة شجرة مقدسة لا يستحسن قطعها أبدًا، حتى إن بعض القرى، وبعض المدن قد غير نظام تخطيط بعض البيوت فيها لوجود شجرة نخيل في مكان البناء، هذا بالإضافة إلى أن سعف النخل لا يزال يوضع على قبور الموتى عند زيارتهم، وبخاصة في الأعياد، وهذه العادة منتشرة كثيرًا في ريف مصر وصعيدها، ولا أظن ذلك إلا من بقايا الاعتقاد القديم.

«ستي»١٦٤ حامل المروحة على يمين الفرعون

يقع قبر هذا الموظف الكبير في جبانة قرية «الخوالد» الحالية عند سفح الجبل الشرقي المواجه لبلدة «أبو تيج»، وقد عثر عليه أحد الأهالي عندما كان يحفر قبرًا لأسرته. وقد نحت «ستي» قبره في مكان أحجاره هشة، ويظهر أنه أقام سقفه من الحجر الجيري الأبيض، ويصل الإنسان إلى الضريح بوساطة بئر يبلغ عمقها نحو ثلاثة أمتار وسبعين سنتيمترًا، وفي الجدار الشرقي باب يوصل إلى قاعة تستند على ستة عمد من الحجر الجيري، وقد نُقشت جدرانها بصيغ دينية للإله «أوزير»، وألقاب المتوفى. فعلى الجدار الأيسر لهذه القاعة نقرأ الألقاب التالية: «حامل المروحة على يمين الملك، والكاتب الملكي، وقائد الجيش الأعظم لجلالته … رب الأرضين، والمشرف على بيت المال لمعبد «ستي» المقدس في بيت «آمون ستي».» وعلى جانبي الباب مثل المتوفى يقدم قربانًا للإله «أوزير»، وعلى العتب صورة سفينة «رع» المقدسة التي كان يقوم فيها المتوفى بسياحته من الشرق إلى الغرب، ومن الغرب إلى الشرق مع الإله «رع»، وفوق صورة «أوزير» نقرأ: ««أوزير» رب الغرب، الإله العظيم، حاكم الأبدية.» وفوق صورة المتوفى نُقشت صيغة قربان ﻟ «أوزير»، وكذلك ألقاب «ستي»، وقد جاء فيها غير ما ذكرنا أنه: «المشرف على بيت مال الفرعون في كلا الأرضين»، وكذلك نقش على العتب صيغ قربان للآلهة «أوزير» و«بتاح» و«أنوبيس» ثم الإله «آمون رع» رب تيجان الأرضين، ورئيس الكرنك، ورب السماء، وحاكم الأبدية، وكذلك للإله «حور اختي». وقد وجد في هذه القاعة بعض التماثيل الصغيرة المصنوعة من الجرانيت تمثل المتوفى، وعلى يمين هذه القاعة حجرة خالية من النقوش، وتؤدي قاعة العمد من الشرق إلى حجرة مقسمة ثلاثة أقسام، ففي الجزء الأوسط الذي تبلغ مساحته ٤٫٦٥ + ٢٫٣٥ مترًا نجد عند المدخل بئرًا مكسوة بالحجر الجيري الأبيض، وقد دفن فيها «ستي»، ووضعت جثته في تابوت من الجرانيت له غطاء من نفس المادة، غير أن التابوت وُجد مهشمًا، وقد نُقش كل منهما بالمتون والصور التي تشمل ألقاب المتوفى، والصيغ الدينية، وبخاصة أسماء الآلهة الذين يحرسون المتوفى أمثال «حابي»، و«دواموتف»، و«أنوبيس»، و«أوزير». أما الجزء الثاني: فهو حجرة وجد فيها بعض عظام، وفي الجهة الشرقية نجد سلمًا يؤدي للتابوت. أما الجزء الثالث: فيقع على اليسار، ويحتوي على ممر يؤدي إلى حجرة أخرى توصل إلى حجرة تحتوي على بقايا مومية، وعلى قطع من أواني الأحشاء المصنوعة من المرمر.

وقد تكلمنا عن هذه المقبرة ببعض التفصيل؛ لأنها كانت لرجل من كبار رجال الدولة في عهد الأسرة التاسعة عشرة، وهذا العظيم لم يدفن بجوار مليكه في «طيبة»، بل فضَّل — على ما يظهر — أن يدفن في مسقط رأسه؛ وبذلك قدم لنا نموذجًا للمقبرة التي كانت تقام في الأقاليم في هذا العصر، وهي قليلة لدينا، ويلاحظ أن «ستي» كان يتعبد جريًا على التقاليد المتبعة للآلهة العظام في الدولة وقتئذ، وهم: «آمون رع»، و«بتاح»، و«حور اختي»، و«أوزير»، وكان آمون يلقب «آمون رع» رب تيجان الأرضين، ورب السماء، وحاكم الأبدية؛ مما يدل على مكانته في العاصمة والأقاليم.

ومحتويات هذا القبر التي بقيت لنا حتى الآن تدل دلالة واضحة على أن صاحبه كان من عظماء القوم، كما تدل على ذلك ألقابه، فقد صنع تابوته من الجرانيت، وكذلك تماثيله المجيبة من نفس المادة، كما نُحتت أواني أحشائه من المرمر، ولا بد أن التابوت كان يحوي بعض المجوهرات، وبخاصة أن صاحبه كان يحمل لقب المشرف على بيت مال رب الأرضين.

ومما يلحظ هنا أن هذا الموظف الكبير قد تسمى باسم مليكه، غير أنه لم يستعمل في كتابة اسمه صورة الحيوان الدال على الإله «ست»؛ مما يبرهن على أن هذا الإله، على الرغم من انتشار عبادته في هذا الوقت، كانت صورة الحيوان الدال عليه مكروهة، وقد تحاشى كتابتها الملك «سيتي» في اسمه في كثير من الأحيان، كما شرحنا ذلك من قبل، ومع ذلك نجد أن «ستي» صاحب المقبرة، قد نقش اسم سيده «سيتي الأول» بصورة الحيوان «ست»، ولعله فعل ذلك في داخل قبره؛ لأنه بعيد عن أعين النظارة بخلاف المعابد التي كانت تحت نظر القوم في كل وقت.

رِر

المشرف على جياد رب الأرضين، والمدير العظيم لبيت الملك: توجد بمتحف «اللوفر» لوحة جميلة الصنع لهذا الموظف الكبير، وزوجه ربة البيت مغنية «آمون»، و«سخمت»، وقد نقشت هذه اللوحة نقشًا بديعًا من طراز نقش «سيتي الأول» الدقيق، وكان «رِر» هذا يحمل ألقابًا أخرى، وهي: «كاتب الفرعون، والمدير العظيم، والكاهن «سم» في معبد «من ماعت رع» راحة القلب، والذي يملأ قلب سيد رب الأرضين.»

ونشاهد صاحب اللوحة وزوجه في الجزء الأعلى يتعبدان أمام «أوزير» الذي كان يتبعه «إزيس»، و«حور»، والإله «وبوات». وفي الجزء الأوسط من اللوحة نرى صاحب اللوحة يتقبل القربان والبخور من كاهن يصحبه خمس من بنات المتوفى. وفي الجزء الأسفل من اللوحة نجد خمسة آخرين من أفراد الأسرة يقدمون الأزهار لوالد المتوفى المسمى «باكا»، ولزوجه مغنية «آمون»، وتُدعى «حنت إبون».

وهذه اللوحة تقدم لنا صورة صادقة عن ارتباط أفراد الأسرة بعضهم ببعض حتى في عالم الآخرة؛ إذ نجد الرجل وزوجه يتعبدان لثالوث العرابة، وهم: «أوزير»، و«إزيس»، و«حور»، ثم إلى الإله الحارس «وبوات» الذي يحرس الموتى من عبث الحيوان المفترس، ثم نرى بعد ذلك الكاهن — ولا بد أن يكون ابن المتوفى — يقدم له القربان هو وأخواته. وأخيرًا، نجد في الصف الأخير خمسة أفراد من الأسرة يقدمون لجدهم وجدتهم الأزهار ترحمًا عليهما، وعلى الرغم من أننا لا نعرف مصدر هذه اللوحة، فإننا نكاد نقطع بأنها كانت منصوبة في «العرابة المدفونة»، وبخاصة أنها كانت لكاهن معبد «سيتي» في «العرابة المدفونة».١٦٥

نياني

في متحف «اللوفر» لوحة باسم رجل يُدعى «نياني»، والظاهر أنه كان مدير الحريم في معبد «سيتي»، وتدل النقوش التي عليها على أنه قد أقامها تذكارًا لذكرى والده المسمى «خعمواست»، وكان يحمل لقب مدير بيت «العيد» (؟)، ووالدته تسمى «كام»، وزوجه تدعى «حنت نفر»، وله أخ يحمل لقب صف ضابط، ويدعى «نب ور».١٦٦

نب زفا

رئيس فرقة عمال؛ عثر على قبر هذا الموظف في جبانة «دير المدينة»،١٦٧ وقد وجد فيه بعض آثار مهشمة منها قطعة من لوحة نُقش عليها صورة «أمنحتب الأول»، والملكة «أحمس نفرتاري» باللون الأسود، وكذلك بعض قطع من موائد قربان، وأشياء أخرى باسم «نب زفا»، وقد نُقش عليها صيغ دينية، وتقديم القربان لآلهة مختلفة، منها الإله «سكر»، والإله «حور اختي»، والإله «آتوم»، و«أمنحتب الأول»، و«نفرتاري» المؤلهان، وقد لقب «نب زفا» على بعض هذه الآثار خادم مكان الصدق. وقد عثر على قطع آثار كثيرة باسمه في المنطقة المجاورة لقبره.

ولهذا الموظف كذلك لوحتان في «المتحف البريطاني» وحوض، وله لوحة في «متحف فلورنس» بإيطاليا مهداة للإله «بتاح»، وزوجه «سخمت»، وكذلك باب محراب من الحجر الجيري الأبيض مهدى للإلهة «نوت»، وهو محفوظ الآن «بالمتحف المصري» (رقم ٦٣٦٤٤). وعلى كل هذه الآثار نجد أن «نب زفا» يعدد لنا أفراد أسرته، ومن مجموعها نعلم أنه عاش في أوائل الأسرة التاسعة عشرة، وأنه أضاف إلى لقب زملائه الذين كانوا يعملون في هذه الجبانة — وهو لقب خادم مكان الصدق — لقبًا آخر يظهر أن أسرته كانت أول من حمله، وأنه خلعه على ابنيه «حور نفر»، و«تحوت حر مكتف»، وهذا اللقب يظهر أنه يعني رئيس فرقة أو إدارة عمل. وكان حامله تحت إدارة رئيس العمال في الجبانة مباشرة، والظاهر أنه كان لقبًا مدنيًّا خاصًّا بالمعامل والمصانع في الجبانة الملكية، وليس له دخل بالأمور الدينية، والظاهر أن هذه الوظيفة قد أوجدها «سيتي الأول» لضرورة وقتية خاصة بالأعمال العظيمة التي قام بها في أوائل حكمه، وعين فيها كلًّا من «نب زفا»، وموظف آخر يُدعى «عم كت» وحسب.

وقد خلعها كل منهما بدوره على ابنه، غير أنه — على ما يظهر — قد بدا لأولي الأمر أن هذه الوظيفة كانت منبع شقاق ومخاصمات بين كبار رجال جبانة «دير المدينة» فألغيت. وهذا هو التفسير الوحيد لعدم وجود هذا اللقب قبل هذا العهد وبعده.

تحوت حر مكتف

وهو ابن «نب زفا» السالف الذكر، وقد عثر على قبره في «دير المدينة» أيضًا (رقم ٣٥٧)، ويحمل لقب خادم مكان الصدق، ولقب رئيس فرقة، وهو الذي ورثه عن والده، وقد وجدت في قبره أدوات وتماثيل مجيبة، وكذلك عثر له على آثار عدة موجودة الآن في مختلف متاحف أوروبا،١٦٨ ومن كل آثاره أمكن وضع سلسلة نسب هذه الأسرة، وهو:

«نب زفا»: تزوج من «حتحور حنرا»، وأنجب منها «تحوت حر مكتف» الذي تزوج من «تاورت» (ورنرا)، وأنجب منها «نخت تحوتي».

كما أنجب «نب زفا» ولدًا آخر هو «حور نفر» الذي تزوج من «حمت نتر»، ولكل هؤلاء آثار عثر عليها في جبانة «دير المدينة».١٦٩

مقبرة الكاهن «وسرحات»

من أهم المقابر التي تسترعي النظر بصفة خاصة في عهد الأسرة التاسعة عشرة؛ مقبرة الكاهن الأول لروح الفرعون «تحتمس الأول»، وهو الذي وكل إليه أمر القيام بأداء الشعائر الدينية في معبد هذا الملك الجنازي الذي أقامه لنفسه في الجهة الغربية من «طيبة»، والظاهر من نقوش قبر هذا الكاهن أن وظيفته هذه كانت وراثية في أسرته التي يدِّعي أنها كانت عريقة في المجد، وأنه كان منها الوزراء، ورؤساء كهنة «آمون»، وما إلى ذلك مما كان يفخر به المصري عادة على جدران مقبرته التي كانت تُعد في نظره بمثابة سجل لأعماله، وتاريخ عصره، غير أننا نجد في هذه النقوش المبالغة الصارخة، والافتراء على التاريخ؛ ولذلك يشعر الأثري الحديث الذي خبر مقابر هذا العصر ودرس نقوشها، أن صاحب هذه المقبرة إما أنه كان يكتب لشعب لا يعرف التاريخ؛ فيزور فيه ويخترع كيف يشاء، وإما أننا لم نصل إلى حقيقة الأمر في فهم كنه ادعاءات «وسرحات» كما سنبين بعد. وتمتاز نقوش هذا الكاهن بميزات نذكرها فيما يأتي:
  • (١)

    تقدم لنا مناظر هذه المقبرة صورة واضحة عن حالة فن التصوير، وما طرأ عليه من تغير وبخاصة التلوين، وإدخال التظليل في التصوير المصري مما لم يسبق له مثيل من قبل.

  • (٢)

    وكذلك نفهم من النقوش مقدار ما كانت عليه البلاد من رخاء، ونستنتج ذلك من الهدايا التي كانت تُقدم للمتوفى من مليكه، وما فيها من صناعات وفنون دقيقة تستحق الإعجاب. وكذلك تضع أمامنا صورة ناطقة عن زي هذا العصر، والتأنق في الملبس، وحب الأزهار، ومباهج الطبيعة.

  • (٣)

    نشاهد فيها التغييرات التي حدثت في هذا القبر ونقوشه من محو وإثبات؛ مما يدل على محاولة اغتصابه من صاحبه، والدور الذي كان يلعبه كل من الكاهن والمرأة، وكذلك المنافسات التي كانت تقوم بين نساء الرجل الواحد.

  • (٤)
    تقدم لنا مناظر هذا القبر صورة واضحة عن الشعائر الدينية التي كانت تؤدَّى للمتوفى عند دفنه، وصورة عن محاسبته في عالم الآخرة، وما طرأ على ذلك من تغير، وبخاصة الميزان، والدور الذي كان يلعبه في حساب المتوفى، وقد ظهرت أمامنا ظاهرة غريبة في هذا الصدد، وذلك أن المتوفى وقت حسابه في عالم الآخرة كان يوضع قلبه في كفة، والعدالة توضع في كفة أخرى، أما الآن فقد وجدنا مقبرة «وسرحات» أن جسم الرجل نفسه كان يوضع في كفة، وقلبه في كفة أخرى، وفي مقبرة أخرى وجدنا أن جسم المتوفى نفسه كان يوضع في كفة، والعدالة في كفة أخرى. ومن ذلك يمكن أن نستخلص أن الإنسان في هذا العهد قد بدأ يشعر بمحاسبة ضميره له؛ ولذلك كان يوضع ضميره الذي عبر عنه بالقلب في كفة، وجسمه في كفة أخرى، وهذا بالطبع أعلى ما وصل إليه الخلق الإنساني من الرقي، ولا غرابة في ذلك؛ فقد كان لتأثير ديانة «إخناتون» التي كانت تدعو للوحدانية، والعدالة المطلقة أثر قوي حتى بعد التغلب على مبادئها، والعودة إلى الديانة القديمة، يضاف إلى ذلك أننا نجد أن محاسبة الإنسان لنفسه ولضميره ومناجاته لربه والتنسك، كل ذلك قد ظهر بصفة بارزة في هذا العهد، وبخاصة بين أفراد الشعب، كما سنبين ذلك بعد. وسنحاول هنا أن نصف مناظر هذا القبر الذي يعد من أجمل المقابر الباقية لنا من هذا العهد على حسب الرسوم التي نقلها المستر «ديفز»١٧٠ الأثري، والمفتن العظيم.

نحت الكاهن «وسرحات» قبره في الجزء الأسفل من واجهة علوة «شيخ عبد القرنة» بالقلعة التي تسمى «الكوم الأحمر»، وقد عاصر الكاهن «وسرحات» كلًّا من الفرعونين «رعمسيس الأول»، و«سيتي الأول»، كما يستدل على ذلك من نقوش هذا القبر.

ويحتوي القبر على ردهة صغيرة تمدُّنا بتاريخ الفن في النصف الأول من الأسرة التاسعة عشرة، ويصل إليها الإنسان من الشرق، وقد نحت في ركنها الشمالي الغربي لوحة جنازية، وتوصل هذه الردهة إلى قاعة مستطيلة بوساطة مرقاة مرتفعة بعض الشيء، وهذه القاعة تمتد على يمين الداخل ويساره، وقد نقشت جدرانها بالرسوم، والأشكال الزاهية الألوان، ومنها يصل الإنسان إلى حجرة أخرى بابها في المحور، غير أنها عارية من النقوش، ويرتكز سقفها على أربعة عمد مقطوعة في أصل الصخر، والظاهر أن إطار مدخل هذه الحجرة كان مغطى بملاط من الجبس، كما أن عمدها وسقفها قد غُطيت بطبقة من الطين، وفي نهايتها باب يؤدي إلى حجرة صغيرة بمثابة استراحة، وهذه الحجرة توصل إلى الحجرة التي دفن فيها الكاهن «وسرحات»، وبابها صغير جدًّا.

هذا، وفي قاعة العمد مكانان أُعدَّا للدفن، ويلحظ كذلك أن سقف القاعة الأولى مقبب، وقد نُقش عليه اسم صاحب المقبرة.

والمناظر التي على جدران هذه القاعة تنحصر فيما يأتي:
  • (١)

    مناظر خاصة بخدمة الكاهن «وسرحات» للآلهة، والملك «تحتمس الأول»، ومكافأته على هذه الخدمات.

  • (٢)

    مناظر تصف لنا محاكمة المتوفى، وبراءته في عالم الآخرة، وكذلك ما ناله من مكافآت في الحياة الدنيا على يد الفرعون، وما كسبه في الحياة الآخرة أيضًا.

  • (٣)

    منظر مثل فيه تمتع «وسرحات» بحديقته الجنازية.

وصف المقبرة

  • المناظر التي على الجدار الشمالي الخاصة بعبادة «أوزير»: يشاهد على هذا الجدار محراب للإله «أوزير» وضع تحت جوسق، وهو محلى بالأزهار والأكاليل، ويلفت النظر أن حب المفتن للزخرفة قد حوَّل قاعدة المحراب الذي يجلس فيه الإله «أوزير» إلى بحيرة نبتت فيها سيقان السقي المزهرة، وقد وقف على أربعة من أزهارها أولاد الإله «حور» الأربعة الذين كانوا يحمون أواني الأحشاء كما هو معلوم في الشعائر الدينية، وقد التفت حولها أعشاب نضرة. أما الآلهة الذين كانوا بصحبة «أوزير» في هذا المنظر فهم: الإلهة «حتحور سميت»، والإلهة «ماعت»، والإله «أنوبيس» (راجع p1. V)، ويلحظ هنا أن الإله «أوزير» قد لون جسمه كله باللون الأخضر علامة على أنه إله الخضرة النضرة، وإله النيل الذي يبعث الخضرة،١٧١ وقد جلس على عرش مزخرف بالألوان الزاهية، وقد حَلي جيده ويداه بالقلائد الفخمة، والأساور الثمينة، وقد وضعت أمام المحراب كومة من الطعام على أربع قواعد فيها من اللحوم قلوب حيوانات، وضلوعها، ورءوسها، وشحم، وأفخاذ لحم، هذا بالإضافة إلى خيار قد شُق ليرى ما في داخله، وقد حليت كل هذه الأطعمة بالأكاليل، وكذلك نُشرت عليها الأعشاب النضرة، وطاقات الأزهار. ويسترعي النظر ما نشاهده من قطع فحم أسود قد وضعت بين القرابين؛ ليستمر حرق الزيت العطر (راجع p1. VI a).
    ويقف أمام الإله «أوزير» صاحب المقبرة «وسرحات»، ويقوم بدور الكاهن فيصب البخور على كومة الطعام السالفة الذكر، وقد مثل هنا «وسرحات» برأس عارٍ، ويحلي جيده قلائد من أقراص الذهب، وغيره من الأحجار الثمينة، ويرتدي قميصًا قصيرًا، ويتدلى من خلفه شريط، ويرتدي فوق القميص جلبابًا فضفاضًا، وفوق كل هذا يرتدي فراء فهد، وهو رمز لوظيفة الكاهن، وهذا الفراء قد نُمق بتفاصيل مدهشة لا تتفق مع ما يشاهد في الطبيعة، وهو يختلف عما كان يُلبس من قبل في عهد الأسرة الثامنة عشرة، إذا كان الفراء يُنقش بنقوش طبعية، وقد سُجل على كتف فراء «وسرحات» طغراءان خاليتان من النقوش، ويجب أن تكونا للفرعون «رعمسيس الأول»، وهو الملك الذي عاش في عهده «وسرحات»، وكذلك وُجد على «مريلته» نقوش خاصة بهذا الفرعون، وهي: «الإله الطيب رب الأرضين وسيد الشعائر، عظيم القوة، ومن عدالته جميلة أمام «آمون» ملك الوجه القبلي والوجه البحري، رب الأرضين «من بحتي رع» ابن «رع»، رب التيجان «رعمسيس الأول» معطي الحياة مثل «رع».» ويظهر أمامنا جليًّا الغرض المادي الأصلي الذي من أجله كُتب هذا النقش عندما نرى أن كاتبه قد نقش فوق صورة «وسرحات» الجملة التالية:

    لأجل روح «وسرحات» الكاهن الأول لروح الملك «عاخبر كارع».

    تحتمس الأول

    وتقف خلف «وسرحات» زوجه «شبسوت» برشاقة، وقد زاد في جمال وقفتها ساق البردي المزهر الطويل المنحني بعض الشيء الذي تحمله في يدها، وهنا نلحظ أن المفتن قد رسمه بالوضع الطبعي لا حسب التقاليد الدينية العتيقة التي نشاهده فيها يرسم بصورة جافة مستقيمة لا عوج فيها كأنه خُلق في صورة خط مستقيم.

    ويسترعي النظر في ملابس هذه الزوجة أنها تلبس شعرًا ضخمًا غزيرًا، ولكنه كان مستعارًا؛ إذ قد ظهر من تحته بعض خصل من شعرها الحقيقي، وقد استعمل المثَّال هنا — في تمثيل بشرة الجلد — ألوانًا مختلفة، فرسم بشرة الرجل باللون الأسمر الزاهي وكذلك باللون الأحمر اللامع، أما بشرة المرأة فقد مثلت باللون البرتقالي أو اللون الأسمر الخفيف، وقد استعمل اللونان الكميت والأصفر لكل من الجنسين، وقد كان هذان اللونان لا يستعملهما المفتن من قبل بهذه الكيفية. وقد نُقش بجوار زوجة «وسرحات» المتن التالي: «زوجه (أخته) وربة البيت، ومغنية آمون «شبسوت»، (وهذا الاسم هو مصغر اسم «حتشبسوت»).» ويشاهد بجوار «شبسوت» ولد صغير في يده طاقة أزهار وأوزة، ويلقب ابن الكاهن الأول للملك «عا خبر كا رع» «تحتمس»، أما السيدة التي تأتي بعده في المنظر فتُدعى زوجه (أخته) ربة البيت، ومغنية «آمون» …» والظاهر أن اسمها قد مُحي هنا عمدًا.

    والواقع أن تاريخ العلاقات بين أفراد هذه الأسرة يحيطه الغموض، كما سنرى بعد.

  • عبادة تحتمس الأول (المنظر السفلي): يشاهد في هذا المنظر «تحتمس الأول» جالسًا في جوسق، وقد وقفت خلفه الملكة «أحمس نفرتاري»، ويسترعي النظر هنا أن تاج عمود الجوسق الذي جلس فيه هذا الفرعون قد جمع بين زهرتي السوسن والبردي، اللهم إلا إذا كان يمثل عمودين معًا.
  • «وسرحات» كاهن شعائر هذا الفرعون: والظاهر أن ما تقدمه أسرة «وسرحات» من احترام ﻟ «تحتمس الأول» لا يرجع إلى ما لهذا الفرعون من شهرة تاريخية، بل إلى ما كان يجنيه أفراد هذه الأسرة من فوائد مادية من الأوقاف التي حبسها هذا الفرعون على معبده الجنازي، وبخاصة إذا علمنا أن وظيفة الكاهن الأول لروح هذا الفرعون كانت وراثية في أسرة «وسرحات» منذ وفاته.

    والقربان الذي وضع أمام هذا الفرعون وأمه المؤلهين قد كُدس في إناء جميل من الذهب، هذا فضلًا عن أن «وسرحات» كان يقدم أوزة تُشوى على موقد، وقد مثل لابسًا شعرًا مستعارًا، ولحية قصيرة، وفراء نُقش على كتفه اسم «سيتي الأول»، كما نُقش كذلك على مريلته. وهاك النص: «الإله الطيب، رب الأرضين، وسيد الشعائر لعظماء الأبدية، وﻟ «رع»، والآلهة الآخرين، ملك الوجه القبلي والوجه البحري، رب الأرضين «من ماعت رع»، ابن الملك من صلبه، ابن الشمس ومحبوب «سيتي»، معطي الحياة مثل «رع» أبديًّا.»

  • أقارب «وسرحات» من النساء: وهنا تتبع «وسرحات» والدته الملقبة «والدته ربة البيت، ومغنية «آمون رع»، ملك الآلهة «حنت تاوي».١٧٢ وتحمل هذه السيدة في إحدى يديها ثلاث بطات، وصاجات، وعقد منات من الطراز الجديد، يظهر فيه الرأس الملكي، وكذلك يتدلى من ذراعها طاقة أزهار شكلت على هيئة رمز يدل على الحياة ، وعلى طاقة أزهار في آن واحد، ويأتي بعد ذلك صورة امرأة كتب عليها: «زوجه ربة البيت ومغنية …» ويلفت النظر هنا أنها لم تلون باللون الزاهر، وصاجاتها غير ظاهرة، وملابسها ليست منمقة مثل سالفتها.
    وبعد ذلك نصل إلى أربعة مناظر صغيرة ذات طابع مختلف، في كل منها المتوفى وزوجه قد جلسا إلى مائدة قربان على اليمين، وعلى اليسار كاهن يطهر القربان بالبخور والماء، وكذلك نرى أربع نسوة كن يقمن بدور النائحات على المتوفى؛ مما لا يتفق مع العقيدة الصحيحة، وفي ثلاثة من هذه المناظر نعرف أن الرجل وزوجه هما «وسرحات»، و«شبسوت»، ولكن نجد أن القربان في الصف الأسفل مقدم لروح موظف آخر يُدعى «نب محيت»، وزوجه التي لم يذكر اسمها. هذا إلى أن الكاهن الذي يقوم بخدمتهما قد كتب فوقه: «طهور لأوزير «تا» المرحوم»؛ وذلك يدل على ظهور أشخاص آخرين في القبر؛ مما يبرهن على أن نقشه قد تم بعد موت «وسرحات» على يد أشخاص معادين له، وهذا ما يفسر لنا انحطاط التلوين في الجزء الغربي من المقبرة (راجع p1. XVII)، هذا بالإضافة إلى المحو والإثبات الذين نشاهدهما كثيرًا في أجزاء مختلفة من القبر؛ مما يدل على أن النية كانت متجهة لحرمان «وسرحات» من قبره. ويظن الأثري «ديفز» أن الذين قاموا بهذه المؤامرة هم: أمه «توازرت»، وأولاد أخيها؛ وذلك لأنها قد تزوجت من «نب محيت» بعد موت والد «وسرحات».

    ونشاهد في المنظر الأعلى من هذه المناظر الأربعة أن الشعيرة التي كانت تؤدى هي تقديم المياه والقربان، وتقديم حزمة بصل أخضر هُيئت على شكل إكليل، ويرى الدخان يتصاعد من القربان كأنما قد وضع عليه بخور.

  • تقديم البصل: ويلاحظ في هذا العصر تقديم البصل قربانًا في حالات كثيرة؛ وذلك لما له من مفعول قوي في إنعاش جسم المتوفى، وإعادة حواسه.١٧٣ أما المنظر الثاني فقد نُقش عليه صيغة القربان المعروفة التي كانت تُتلى عند تقديم كل أنواع الطعام للمتوفى.
  • المنظر الثالث: والمنظر الثالث له أهمية كبرى؛ إذ يمثل لنا عملية الإضاءة للمتوفى، وهي تختلف هنا عن عملية الإضاءة المعتادة التي كانت تنحصر في وضع الشريط على الدهن الذي يشعل فيه النار، فإنها كانت توضع على الأرض، ولا تُحمل على اليد، وتتألف من ثلاثة أشرطة ملفوفة كالحبل، ومربوطة من الوسط. والظاهر أن كل خيط من هذه الخيوط الثلاثة قد أُشعل على حدة، وبين هذه المشاعل شموع من نوع مختلف جدًّا، وهي التي تصور كثيرًا في مقابر هذا العصر، ويخرج اللهيب من قمتها، وتشبه المشاعل ذات الخيوط الثلاثة التي ذكرناها الآن المشاعل التي تستعمل في الأرياف الآن في الأفراح.
  • الجدار الجنوبي للجهة الشرقية PL. XL: وعلى الجدار المقابل نشاهد عبادة «أوزير»، وقضاة محكمته، وكذلك عبادة الإله «منتو»، وهو الذي كانت والدة «وسرحات» ضمن موظفي معبده، والصورة السفلى تؤلف جزءًا من مناظر المحافل المرسومة التي على الجدار الذي بحثنا مناظره الآن. والإله الذي يتقبل القربان الآن هو الإله «منتو»، ويمثل هنا برأس صقر وجسم إنسان، وهذا الإله القديم الذي أخرج من «طيبة» قد اتخذ مقره في بلدة «أرمنت»، وأخذ يناهض الإله «آمون» من مقره هذا، والإلهة التي تتبعه هي الإلهة «مرت سجر» سيدة الغرب، و… بيت التحنيط، وهذه الإلهة بوصفها رفيقة آلهة الموتى — واسمها يعني محبوبة القاهر — كان عامة الشعب يقدرونها كثيرًا في «طيبة». وفي المنظر نشاهد «وسرحات» يطهر الطعام الذي أمام الإله «منتو» يصب زيت بخور أحمر بين القرابين، ويتبعه كاهنان يلبسان نفس الملابس التي كان يرتديها، ويحملان نفس الوظيفة التي كان يحملها، ثم يأتي بعد ذلك ثلاث سيدات يحتمل أنهن زوجاتهم، وأحد هؤلاء الكهنة يسمى «عاخبر كارع سنب»، وسنصادفه فيما بعد. والظاهر أنه كان ضمن الكهنة المرصودين لخدمة «تحتمس الأول». أما الكاهن الثاني فهو «نب محيت» الذي شاهدنا أنه قد حشر نفسه في المناظر السالفة الخاصة ﺑ «وسرحات» على غير استحياء، والكتابة التي عليه، وكذلك التي على «شبسوت» زوجة «وسرحات»: «ربة البيت ومحبوبة «حتحور» سيدة السماء وربة الأرض» أصلية. والسيدة التي تأتي بعد ذلك في الصورة قد كتب عليها: «زوجه وموضع حبه.» وعلى الرغم من أن المنظر هنا يدل على ذلك، فإن اسمها قد محي؛ والسيدة الأخيرة في المنظر قد محي اسمها ولقبها معًا (راجع Pl. XII)، ولا يسع الإنسان أمام كل هذه الألغاز، وهذا المحو والإثبات إلا الحيرة والدهشة من أمر هذه الأسرة.
  • الصف الأعلى «أوزير القاضي»: نشاهد في هذا المنظر الإله «أوزير» جالسًا في جوسقه، ومعه قضاة محكمته، فمنهم «تحوت» سيد «الأشمونين»، والكاتب العادل لجماعة الآلهة، «وأنوبيس» الذي يشرف في المحراب المقدس على خدمة الإله الأكبر رب الأبدية، وبارئ السموات والأرض، ويتقمص «تحوت» صورة القمر في تمامه، وفي بدوره معًا، وهو الذي ينظم بعلمه حركاتها، ويدونها بالدواة التي يحملها، ثم يشاهد «وسرحات» جالسًا في النهاية الأخرى من المنظر كأنه لم يجسر أن يجلس بجوار الآلهة إلا بعد أن يطهر.
  • تطهير «وسرحات»: بعد ذلك نشاهد «وسرحات» راكعًا على قاعدة ضامًّا إلى صدره جُعل القلب، وهو الذي كانت تُنقش عليه صيغة سحرية حتى لا يشهد على صاحبه يوم القيامة، بل يكون في جانبه، وحول «وسرحات» ثمانية من الكهنة في يد كل منهم إبريق لتطهيره. ويدل المتن التابع لهذا المشهد على أن أصدقاءه قد خانوه؛ ذلك لأن المتن الذي كان يتلوه الكهنة في أثناء التطهير لم يكن ﻟ «أوزير وسرحات»، بل نجد اسمه قد مُحي ووُضع مكانه اسمان آخران وهما: ««عاخبر كارع سنب»، وابنه …» على طبقة من الملاط وُضعت فوق اسم «وسرحات». ومتن الطهور هو: «طهر طهر لأجل أوزير «وسرحات» المبرأ، والضامن لعزلة شريفة في سلام.»
  • صلوات «وسرحات» لقضاته: وبعد أن أتم «وسرحات» طهوره جلس أمام «أوزير»، وأمامه مائدة قربان، وكان قرير العين مطمئنًا، والظاهر أن تقاه كان أحسن حالًا من كلامه؛ لأن لغة صلاته كانت ركيكة؛ إذ يقول ما قاله «أوزير» لأجل روح الكاهن الأول لروح الملك «تحتمس الأول» «وسرحات» والمنتصر، يقول: «الخضوع لك يا رب الأبدية وللأمراء أصحاب الأبدية السرمدية ليمنحوا حياة سعيدة في مصاحبة روحك بعد شيخوخة، ودفن حسن في غربي «طيبة» في مكان العدل (الجبانة) لروح الكاهن الأول «وسرحات».» وقد كان الأجدر به ألا ينطق بالجملة الافتتاحية إذ ليس لها معنى هنا.
    وليس من الغريب أن يتلعثم في كلماته؛ فقد كان يجلس بين ثلاث مجاميع من الآلهة كل منها يتألف من ثمانية آلهة، وبإضافة اسم «أوزير» لمجموعتين منها يتألف تاسوعان، فالبيت الذي كان فيه التاسوع الأول في المنظر يحتوي على «أوزير» رئيس آلهة السماء الشرقية، ورب الأبدية وكل الآلهة الذين يأوون إلى الجبانة، وكل أرباب الأبدية في حضرة «وننفر»، وفي المجموعة الثانية نجد «أوزير» يشرف على مجاميع آلهة جنوبي وشمالي وغربي السماء. أما مجموعة الآلهة الثمانية الأخرى فلم يعرف منها «وسرحات» إلا الآلهة الأربعة الذين يحرسون أحشاء المتوفى (راجع p1. XVII a).
  • الجدار الشرقي: كرم الإلهة «نوت» راجع P. LIX: يعد تلوين هذا المنظر ورسمه على ما يظن أحسن ما أخرجته يد «المفتن» في عهد الرعامسة. حقًّا إن الاستقبال الكريم الذي استقبلت به الإلهة «نوت» إلهة الجميزة، موضوع عادي جدًّا في مناظر الأسرة الثامنة عشرة، غير أنه كان يُرسم عادة بصورة مصغرة؛ حيث نشاهد الإلهة تطلع علينا من شجرة الجميزة، غير أن المفتن في المنظر الذي أمامنا قد رسم الصورة بحجم كبير؛ لما في ذلك من ذوق حسن، يضاف إلى ذلك أنه راعى أن الفائدة البشرية لا بد أن تتغلب على شخصية هذه الإلهة الخاملة الذكر؛ ولذلك رأى أن الشجرة التي يجلس تحت ظلالها ضيفانها لا بد أن تكون ظلًّا ظليلًا لهم لا مأوى لها، هذا فضلًا عن أنه قد استعمل في الرقعة التي رسم عليها صورته اللون الأصفر؛ وبذلك أضفى على ورق الشجرة الخفيف متانة وبهجة.

    وتحت ظل هذه الشجرة جلس «وسرحات» في ثوب عيد، وعلى رأسه تاج يجوز أنه صُنع من ورق النضار على شريط أحمر وعريض مشغول بالخرز، وفوق ذلك لبس مخروط العيد، وهو عبارة عن كتلة من العطور توضع فوق قمة الرأس لتضوع منها الرائحة الذكية، والظاهر أنه في هذا الوقت كان هذا المخروط يوضع لمجرد الرمز لذلك وحسب. ويتقبل «وسرحات» الماء في قدح مزخرف تصبه له الإلهة «نوت»، كما أنه كان يقطف بيده الأخرى ثمرة الجميز من الشجرة بنفسه، وقد جلست بجانبه كل من والدته وزوجه على كرسي، وكانتا تتقبلان كذلك الماء السماوي من الإلهة «نوت».

    وقد كُتب اسم كل منهما على ساعدها «زوجه ربة البيت، ومغنية آمون «حتشبسوت»؛ وأمه مغنية الإله «منتو توازرت».» والواقع أن جمال وجهيهما الطبعي قد أضفى على المنظر بهاء ورونقًا؛ إذ نشاهد «حتشبسوت» بلونها الأسمر الجذاب «وتوازرت» أمه بلونها الأسمر الفاتح يظهران بمظهر أنيق. وبجانب هذا نشاهد كلًّا من روحي «وسرحات» وزوجه قد رسم بصورة طائر وجسم إنسان، وهو يشرب بحفنته من بركة، في حين أن الإلهة «نوت» نفسها قد رُسمت خارج الشجرة على غير المألوف واقفة، وعلى رأسها شجرة، وتحمل في يدها إناء.

  • إدخال التظليل في التصوير: أما الظاهرة الغريبة الأخرى التي نشاهدها في هذه الصورة للمرة الأولى في تاريخ الفن المصري فهي استعمال التظليل، مع أن الأدلة على ذلك قليلة؛ إذ قد مثل هنا التظليل بتغميق لون خدود زوجتي «وسرحات»، وكذلك تحت الذقن، وبين الشفتين، وتحت كعب «حتشبسوت»، ثم بدرجة خفيفة تحت الحاجب. وقد يعد البعض ذلك مجرد إبراز موضعي اللون لا تظليلًا؛ وبذلك يُحرم الرسام المصري كشفه كيفية تصوير الأشياء بالنور والظل. غير أن ما نشاهده في مقبرة الملكة «نفرتاري» (زوج «رعمسيس الثاني») من تقدم في استعمال الظلال، كما يشاهَد ذلك على بشرة الملكة الوردية لدليل ناطق على أنه فن مقصود، وإن كان ذلك لم يستعمل على بشرة الآلهة والإلهات. ولا نزاع في أن المفتن قد لحظ الدور الذي يلعبه كل من النور والظل على هذه الصور التي كان يرسمها، ثم استعمله ثانية بدوره إلى حد ما، وإن لم يكن بدرجة شيقة.
  • خطاب الإلهة نوت: والنقوش التي نُقشت فوق رأس الإلهة «نوت» قد هُشمت، ولكن يمكن إصلاحها من نقوش أخرى مماثلة، وهي: «خطاب «نوت» الواحدة العظيمة التي تقوم بالمعجزات باسمها الجميزة، لقد منحتك هذا الماء السائغ لأجل أن ينعش قلبك به، هذا الماء الذي يأتي من البركة في الجبانة التي في غربي «طيبة»، وأنك تسلمتِ طعامًا لذيذًا يخرج من أعضائي، وطائر روحك يجثم في ظلي، ويشرب ماء بقدر ما يحب قلبه.»
  • المنظر الثانوي: أما المنظر الثانوي في هذه الصورة فيمثل رحلة المتوفى إلى «العرابة»، والعودة منها (راجع الجزء الثالث).
  • مناظر الجدار الغربي: «منظر تنزهه»: لقد لاحظنا أن فائدة «وسرحات» الشخصية في قصته ومصيره كانت ظاهرة في الصورة العظيمة التي في الجزء الشرقي من المقبرة، والظاهر أن نفس الدافع نجده في الصور التي على الجزء الأسفل من الجدار المقابل (راجع p1. XV)، غير أنه مما يؤسف له قد وجد في حالة خربة، فعلى الجهة اليسرى نشاهد «وسرحات» وزوجه جالسين معًا تحت تكعيبة كرمة، وقد نشرت شجرة عنب ظلالها اللطيفة على عمدها، وتجلس «حتشبسوت» على كرسي خلف زوجها الذي يجلس على كرسي بدون ظهر، ويشاهَد وهو يقدم قضيبًا لصيد السمك لزوجه، فتتسلمه منه محبوبة «حتحور»، وفي الوقت نفسه كانت تقدم شيئًا لزوجها. ويلحظ هنا أن المفتن كان حرًّا في رسم شجر العنب، ولكنه قد بالغ في زخرفتها، فنشاهد أن ورق العنب كان حقيقيًّا، يضاف إلى ذلك أن المثَّال كان يُظهر ورقة العنب الملفوفة عندما يرى ذلك ضروريًّا لإبراز صورته في هيئة طبعية».

    ويشاهَد كلب صيد «وسرحات» جالسًا تحت كرسيه، ومما يؤسف له أن باقي المنظر مهشم، ولكن كان بالقرب من الكرمة (التكعيبة) بِركة حُليت شواطئها بالأعشاب المزهرة.

  • الأسرة تتعبد للإله «منتو»: والمنظر الذي فوق السالف مهم لأهمية المتن المفسر له؛ لأن رسمه رخيص جدًّا لا يدل على أي فن، وهو يمثل عبادة إله برأس صقر، ويحتمل أنه الإله «منتو»، ويتعبد إليه ثلاثة رجال، أولهم يلبس حول رقبته خاتم الوزير، والاثنان الآخران يلبس كل منهما فراء الكهانة، وقد كتب اسماهما على طبقة من الطين خشنة الصنع، كان تحتها المتن الأصلي الذي أصبح مغطى، والأسماء هي: «الأمير الوراثي، وعمدة المدينة، والوزير «أمنحتب» ابنه، ومحبوبه الكاهن الأكبر لآمون «حبو سنب»، ووالده — أي والد «وسرحات» — كاهن «آمون الأول» «خنسمحب» (؟)، وابنه — أي نسله — الذي يخلد أسماءهم الكاهن الأكبر لزوج «عاخبر كارع» «وسرحات» الذي يسمى كذلك «نفر حبف».»
    وقد فُسر هذا الاقتباس من تاريخ أسرة «وسرحات» بأنه قلب للحقائق مقصود، وأن الغرض منه أن يعطى الكاهن «وسرحات» أهمية لا يستحقها (راجع A. S., VIII, p. 258). ولكن التاريخ الشخصي للوزراء والكهنة الأول للإله آمون في مصر لا بد كان قد استعمل هنا فعلًا، ويمكن مراجعة هذا الموضوع والوقوف على كنهه من تاريخهم، ومما دون على قبر «حبو سنب» القريب من قبر «وسرحات» هذا. والغرض هنا ليس وضع تاريخ سلالة «وسرحات» أمامنا، ولكن إظهار ارتباط أسرته بالملك «عاخبر كارع» في أثناء حياته قبل خدمته وبعد مماته عندما أصبح إلهًا، وأن أفرادها كانوا يشغلون وظائف مدنية ودينية سامية خلال حكم أخلاف هذا الفرعون، والظاهر أن الحاجة كانت ملحة لإظهار ذلك في هذه الفترة لضمان تسلسل وراثة وظيفة «وسرحات» في أخلافه من بعده لإلهه هو، ويخيل إليَّ كثيرًا أن كتابة بعض عظماء رجال الأسرة هنا هو من عمل نفس اليد التي وضعت أسماء الأفراد الذين لا صلة لهم بالأسرة في أماكن أخرى من المقبرة؛ وذلك بقصد إظهار أن هذه الأسرة كانت منذ الأزمان القديمة هي مصدر الكهنة الأول للشعائر، وأنه كان منها الكهنة الأول ﻟ «آمون» والوزراء، وعلى حسب المصادر التاريخية نجد أن كل هؤلاء الأشخاص لهم وجود في التاريخ المصري، فنعلم أن «أمحتب» كان وزيرًا في عهد «تحتمس الأول»، و«حبوسنب» كان كذلك الوزير الأول، والكاهن الأول ﻟ «آمون» في عهد «حتشبسوت» (راجع مصر القديمة الجزء الرابع)، وقد ذكر لنا «حبو سنب» في نقوش قبره أن والده «حبو» كان يشغل وظيفة مرتل ثالث للإله «آمون»، غير أنه ليس لدينا أي برهان على أن «حبو» كان حتى ابن «أمحتب». وإذا فرضنا أن «ابن» هنا يعني «ابن ابنه»، فان العلاقة على أية حال تكون ممكنة، فقد وجد فعلًا وزير اسمه «حبو» (راجع Tomb. 66 & Daressy, Recueil de Cones funeraires No. 270). وقد دفن بالقرب من «حبو سنب»، غير أنه لا يمكننا أن نقدر أنه هو والد «حبو سنب»، هذا إذا فرضنا أن هذا اللقب كان قد اعترض عليه، وأنه مات بسرعة، وترك الوظيفة لابنه الذي لم يشغلها بدوره إلا مدة قصيرة؛ وذلك لأن الأخير لم يدَّعِ هذه الوظيفة لا لنفسه، ولا لوالده في قبره. ومن المحتمل إذن أن «حبو»، وابنه كانا قد تقلدا الوزارة في عهد «حتشبسوت» على غير إرادة الحزب المعارض لها في اعتلاء العرش؛ وأن كلًّا منهما قد دفع بحياته ثمنًا لذلك (راجع ما كُتب عن الوزير «وسر»، ووالده «عمثو» في مصر القديمة الجزء ٤)، وأنه لم يُعترف بواحد منهما وزيرًا بالحزب المنتصر فيما بعد.

    وعلى أية حال، فالمرجح أن هذه القائمة قد بُنيت على تقاليد أسرية، وليس لها قيمة تاريخية على الأقل في نظرنا حتى الآن إلا إذا كشف ما يؤكدها.

  • والد «وسرحات»: كان «أمحتب» — والد «وسرحات» كما يدَّعي النقش — مربي أولاد «تحتمس الأول»، وليس من المؤكد أنه كان «خنسم» … الكاهن الأول ﻟ «آمون»، وعلى ذلك فيكون هذا الرجل والد «وسرحات» الذي بوساطته يتصل بهؤلاء العظماء الغابرين، وعلى ذلك يكون زوج «توازرت»، وليس لدينا وثيقة تدل على حامل هذه الوظيفة في عهد «حور محب» (؟)، والواقع أن «وسرحات» قد أحيى أسماء أجداده ثانية بصورة ناقصة، وغير مرضية من الوجهة التاريخية كما ذكرنا.
  • الجدار الشمالي، الحفل السنوي لدفن «تحتمس الأول»: والمنظر الذي على الجهة الغربية من الخلف «الشمال» (راجع p1. XVI) مقسم ثلاثة أقسام في ثلاثة صفوف، وليس من السهل علينا أن نحكم إذا كانت كلها تتحدث عن موضوع واحد، فالمناظر العلوية يحتمل أنها تمثل أمامنا الاحتفال بعيد ودفن الملك «تحتمس الأول» الذي كانت تمثل فيه الشعائر ثانية على الماء والأرض. وقد كان التمثال في هذه الحالة يحل محل المومية الموضوعة في تابوتها. فالمنظر السفلي خاص بعرض الأثاث الجنازي، غير أن دلائل الأحوال تُشعر بأنه كان أثاث «وسرحات»، وأن هذا العرض لا بد أن يكون متصلًا بما جاء على الجدار الجنوبي من الجهة الغربية (راجع p1. XIII).
  • السفينة الجنازية: في وسط المنظر الأعلى نشاهد باب المعبد الذي دخل منه «وسرحات» توًّا إلى الردهة الداخلية أو المحراب ليتعبد للملك الذي أُخفي عن الأنظار بستائر مسبلة داخل المقصورة التي في سفينته، ويلبس الفرعون على رأسه الذي يحلي مقدمة السفينة ومؤخرتها التاج «آتف»، ويُحرق البخور أمامه في أطباق موضوعة على قواعد للقربان، ونشاهد من بينها طاقة يقدمها كاهن ﻟ «وسرحات» علامة على رضاء الملك المؤله، وكذلك يشاهَد صف من الخدم خارج الردهة يحضرون مؤنًا أخرى لأجل إقامة الشعائر.
  • تمشية التمثال: وفي وسط الصف نجد تمثال الإله قد كُشف عنه غطاؤه، وأُلبس ملابس العيد الكاملة، ويجرُّه رجال على قاعدة تشبه الزحافة ليظهر للملأ كأنه يمشي فعلًا. وحبكًا لهذه الحيلة كان يمشي على جانبي التمثال مرتلان يظللان وجه الملك من أشعة الشمس، غير أن استعمال البخور يظهر الحقيقة. والتمثال لونه أسود؛ وذلك لأن تمثال الشعائر بلا شك في بادئ الأمر كان من الأبنوس. وكان في الحفل كذلك خمس نسوة يستقبلن ظهور الملك بعلامات الحزن، كما كن يفعلن لو كان المتوفى جديدًا، وكذلك نجد خمسة رجال يقودون الموكب، ويؤلفون جماعة من الموظفين لم يرتَّبوا على حسب مراكزهم، ويظهر أن أولهم — الذي كان يقف على حدة — أمير يُدعى على ما يظن «أحمس»، ويتبعه مشرف على الخزانة يسمى «نب محيت» (؟)، ومشرف … «أمنحتب»، ونائب الجيش (؟) «مام حكا»، وفرد آخر يُدعى «أمحتب» (؟)، وأمام الموكب بحيرة تحيطها حديقة. وهنا يبتدئ الجزء الثاني من منهج الاحتفال، فقد أنزل التمثال الملكي في قارب، ويقوم بخدمته كهنة فيه، على حين نشاهد ثلاثة رجال على الشاطئ يجرون القارب حول البحيرة، وفي خلال ذلك يقوم عوَّام بتطهير الطريق للقارب من الأعشاب التي تعترضه. وتشاهد جواسق بسيطة محاطة بعصي لراحة المتوفى في يوم دفنه، ونجدها منتشرة بين أشجار الحديقة.
  • جهاز «وسرحات» الجنازي: وليس من الغريب أن نجد «وسرحات» — الذي كان يقرأ الصلاة مرارًا وتكرارًا لروح «تحتمس الأول» في معبده الجنازي — يعلق آماله على أن يُدفن دفنًا يتناسب مع دفن سيده الملك، ويمكننا أن نتصور «وسرحات» — الكاهن الأول للفرعون «تحتمس الأول» في معبد «خنمت عنخ» — جالسًا؛ لأن يده قد ظهرت ممتدة لتلمس أنواع الهدايا التي منها صدرية، ووجه مستعار من النسيج المقوى، وهما اللذان قد أهداهما إياه ابنه … الذي يخلد اسمه. ويشاهَد خلف هذا الابن مهدون آخرون يحملون قربانًا من الطعام وصفًا من الأثاث، ويشمل أطواقًا وأدوات جنازية، ومبخرة، وموقدًا، وإناء ماء القربان، وثلاثة وجوه مستعارة، وعدة أغطية مومية، وتوابيت، وتماثيل صغيرة، ومواد طعام أخرى.
  • الجدار الجنوبي، الجانب الغربي: آمال المتوفى في الحياة الآخرة: والواقع أن المناظر التي على الجانب الغربي من الجدار الجنوبي (p1. XIII.) يمكن وصفها بأنها لوحة قبر مصورة تلخص في الجمل الثلاثة التالية: «كرَّمه الملك في الحياة الدنيا، وبكاه أصدقاؤه عند موته، ورحب به الآلهة في السماء.» ولا نزاع في أن المصري كان بعيدًا كل البعد عن النظر إلى الحياة بأنها وصمة ذات ألوان متعددة على ضياء الآخرة الأبيض، بل على العكس كان ينظر للحياة بأنها صورة من عالم الآخرة إلى حد ما، ذلك العالم الذي كان يرجو أن يكون وجه الخلاف بينه وبين عالم الدنيا هو أنه أقوى وأكثر تنوعًا، وإن كان بعض الأحيان ينساق للمخاوف التي كانت تمثل له الآخرة بأنها ليست إلا ظلًّا من الأرض أشد كآبة، وأكثر حلوكة. وليس من الغريب أن نجده ينتظر معاملة كريمة من ملك الأبدية لما أسداه من خدمات لمليكه؛ ولذلك نجد «وسرحات» يضع الهبات التي أعطاها إياه الفرعون عند طلبه للظهور أمام «أوزير» لتكون شاهدًا عدلًا على إخلاصه، ورضاء الملك الذي كان يعد ابن الإله عنه.
  • مكافآته في الحياة: والهبات الملكية نجدها ممثلة في أسفل صف، وقد مثلت على وجه عام بصور الأشكال التي كانت في «تل العمارنة». وقد حُذف في المنظر هنا استقبال الملك الفعلي، وقد مثل بصورة مختصرة برسم القصر الذي يحتل وسط المنظر فحسب، والصورة تمثل واجهة قصر لا معبد، ومع ذلك نجد خلف هذه الواجهة تمثالين كل منهما في هيئة «أوزير»، يمثلان ملك مصر العليا، كما نشاهد لوحين للقربان بجانبيهما، وعلى مسافة بعيدة على اليمين مائدة قربان، والخدم يحضرون الطعام، أو يحضرون المؤن، وعلى اليسار «وسرحات» المقدم في القصر — أو الكاهن الأول في معبد الملك — يغادر المبنى الذي احتفل به فيه، وحوله الخدم، وطاقات الأزهار، وقد أثقل نحره بالقلائد من الذهب، كما حليت ذراعاه اللتان كان يرفعهما ليظهر ما أنعم به عليه من أساور أمام أصحابه. أما المجوهرات التي لم يمكنه لبسها فقد وُضعت على منضدة. وقد جاءت نساؤه ليرحبن به بالموسيقا والغناء؛ ولم ينسَ الفرعون زوجه «حتشبسوت»، فقد كان ضمن الهدايا التي نالها «وسرحات» أقراط، وكذلك كان الخادم يحمل إليها شيئًا في يديه. وقد غنت النساء مديحًا لكرم الفرعون، وهاك النص: «إن ثروته عظيمة، ذلك الذي يعرف الهدايا التي أعطاها «آمون» ليسر قلبه، الفرعون، سيد مصر، وإنك ستمنح ثروة لأجيال لم تأتِ بعد يأيها الفرعون، يا سيد كل واحد منا.» وكانت عربة «وسرحات» في انتظاره، وكان سائسه يقف عند رأس خيله، أما السائق فكان يتحدث مع «البواب»، هذا إلى أن الاستعداد للوليمة كان قد تم؛ إذ نشاهد ثانية هدايا، ويحتمل أنها من مائدة الفرعون قد صُفت على الموائد.
  • تكريمه في الممات: والصف الثاني يمثل أمامنا الموكب الجنازي، وهو ذاهب نحو مقر المتوفى الأخير في الغرب؛ فيأتي أولًا القارب النموذجي، وفيه المحراب المزخرف الذي وُضع فيه التابوت، ويجر القارب على زحافة ثلاث بقرات، ويشاهد طاقات عظيمة من الأزهار على هيئة عمد — مما يذكرنا أن العمود المصري لا يخرج عن كونه طاقة أزهار بسيطة أو مركبة — منصوبة في أركان القارب الأربعة، ومتصل بعضها ببعض بأكاليل نضرة، وبجانب الطريق التي يسير فيها الموكب أواني ماء محلاة بأزهار، وقد حلت محل الجواسق التي تكلمنا عنها فيما سبق (p1. XVI.)، ويسير خلف التابوت مشيعون ثلاثة، وقد وضعوا أيديهم على أفواههم رمزًا للسكوت الرهيب، أو خوفًا من إزعاج قداسة الاحتفال بالمتوفى. والأشخاص الثلاثة الأوَل قد عُرفت شخصياتهم؛ وهم: الكاهنان المطهران، و«وسربحتي»، و«أمنحتب»، ثم المشرف على مصانع «آمون» «نب موسى». والثلاثة الباقون هم: الكاهنان المطهران «نفر حبف»، و«نبسني»، وكاتب خزانة الإله «تحوت». أما الثلاثة الأخيرون فقد وُضعوا سويًّا، ولكن لم يمكن قراءة لقبهم. والأنشودة الجنازية المحزنة التي كانوا يرتلونها هي: «يا «وسرحات» يا رئيس الكهنة في معبد «خنمت عنخ» الذي تجدد حياته، يا «وسرحات» يأيها الكاهن الأكبر لروح «تحتمس الأول».» ويشاهد رجلان يمشيان بجانب البقرات، حاملين صناديق فيها جهاز الدفن ومراوح. والواقع أن هذه الهبات كانت قليلة بالنسبة للعطايا التي كانت تقدَّم عادة في العصور السالفة، ولكن يجب أن نضيف إلى هذه الهدايا التي ذكرناها من قبل (p1. XVI).
  • شعيرة الدفن: وقد قابل الموكب طائفة من النساء النائحات، عددهن سبع، كن ينثرن التراب على رءوسهن بسخاء، حتى أن أثره الأخير كان يُرى عليهن من الرأس إلى الكعب، وقد رُسمن بصورة قبيحة، ويشاهد كذلك امرأتان — هما بلا شك أم «وسرحات» وزوجه، وقد التفتتا إلى التابوتين المنصوبين أمام القبر — التابوت الثاني لزوجه باعتبار ما سيكون — في حين أن كاهنًا مرتلًا كان يقرأ صيغة القربان، وآخر يقوم بأداء الشعيرة، وأمامهم مائدة تحتوي طعامًا، وستة عشر إناء لصب الماء المطلوب، والستة عشر هذه كانت لعملية التطهير أربع مرات.
  • الترحاب بالكاهن «وسرحات» في الغرب: ويشاهد في الصورة أنه كان لا يفصل بين الحياة وبين الموت إلا طاقة أزهار وضعت خلف التابوتين؛ وذلك لأنه يوجد على الجانب الآخر المتوفى، وقد مُنح قوة الحياة المجددة، ترحب به «حتحور» ربة الغرب، وهي واقفة أمام بناء غريب الشكل لا بد أنه يمثل القبر، وإن كان على النقيض من الضريح الذي يوجد فيه المتوفى. وعلى أية حال، فإنه يشبه كثيرًا منظرًا جانبيًّا لهرم مقابر عهد الرعامسة في «ذراع أبو النجا»، وتتمثل فيه الخصائص البارزة لمعبد «منتوحتب»١٧٤ في الدير البحري الذي كان يحتوي على محراب «حتحور»، وكان النموذج على ما أعتقد للقبر الهرمي الشكل. ومن الجائز أنه لم يكن واضحًا لمصممه، وكذلك لنا، إذا كان هذا البناء يمثل المعبد الذي تسكن فيه «حتحور»، أو إذا كان القبر المثالي الذي لا يوجد بينه وبين قبر «وسرحات»، ولا الأغلبية العظمى من مقابر «طيبة» أي شبه قط، وقمة الهرم هنا قد لونت بالأسود كأنه مصنوع من البازلت، ومنحدراته قد كُللت بأكاليل على حسب خيال المفتن.
  • سعادة «وسرحات» الأبدية قد عُرضت للخطر على يد مغتصب: تدل شواهد الأحوال على أن رجال الكهانة قد نمت في نفوسهم هبة النفاق إلى درجة عظيمة؛ إذ نجد أن ما بذله «وسرحات» للحصول على سعادة أبدية لروحه في عالم الآخرة قد مُحي خيانة في آخر لحظة؛ وذلك لأن اسم الرجل الذي قبلته الآلهة في عالم الغرب قد تغير بالحيلة المألوفة في كل عهد من عهود التاريخ المصري، وتنحصر في تغطية الاسم الأصلي بملاط من الجص، وكتابة اسم الشخص المراد إحلاله محله بالمداد، وهنا نجد أنه قد كُتب بدلًا من «وسرحات» اسم كاهن آخر يُدعى «أمنموسي» (وهو الخامس في عداد الكهنة الأول لعبادة «تحتمس الأول»، وقد أراد بذلك أن يغتصب ما للكاهن «وسرحات» من حقوق في عالم الآخرة أمام الإله «أوزير» المنتقم من الظالم، وهذا الكاهن معروف لدينا (راجع Daressy Cones Funeraires No. 93).

    والواقع أن عمل «أمنموسي» لا يدل على الحقد، بل على الدناءة، ومع ذلك لم تكن حالة «وسرحات» موئسة؛ لأنه كان عليه أن يحصل كذلك على جواز مرور لأجل أن يدخل في مملكة «أوزير» الواقعة فيما وراء القبر.

  • الحساب الأخير: والصورة العلوية (p1. XI.) يظهر فيها «أنوبيس» يقود «وسرحات» وزوجه إلى قاعة الحساب، وهنا نجد كاتب الإلهة «تحوت»، والإلهة «ماعت» ربة العدالة يشرفان على الميزان الذي كان على خلاف المعتاد يوزن فيه المتوفى في كفة والقلب في الكفة الأخرى؛ وذلك بدلًا من وزن القلب قبالة العدالة كالمعتاد، وقد ظن البعض أن الفكرة المليئة بالمعاني التي تتجلى في محاسبة الإنسان بضميره هي فكرة لم تنضج بعد في الأخلاق البدائية، وأنه لا بد من وجود خطأ هنا من الرسام (راجع Davies. Ibid. p. 28. & Note. 1). وقد فاتهم أن هذا المنظر ليس الوحيد في بابه، بل وجد له ما يشابهه، والواقع إذن هو أن هذا العصر كان عصر التنسك الشخصي، ومحاسبة الإنسان ضميره، كما فصلنا القول في ذلك في مكانه، وقد جاء ذلك عن طريق تأثير عبادة «إخناتون».

    وبجانب الميزان يُرى مارد ملتهم برأس تمساح، ومقدمتي كلب، ومؤخرتي فرس البحر رابض ينتظر نتيجة الميزان، ولكن كما جرت العادة تتعادل الكفتان؛ وبذلك ينجو «وسرحات» من فكي هذا الوحش المفترس، ومن ثم نراه غير مكترث بمصير زوجه راكعًا بوصفه روحًا مبرأة أمام عرش «أوزير»، وهذا الإله في محرابه تحيطه إلهة الغرب بذراعيها وجناحيها ذوي الريش، وهذه طريقة جديدة لتحل مكان الأيدي التي كانت تتدلى من قرص الشمس في عهد «إخناتون».

    وبعد أن اجتاز «وسرحات» عقبة الميزان الإلهي أصبح ضمن أهل الغرب (راجع P1. XIV)، وقد رحب به إلهة أهل الغرب عندما ركع باحترام أمام التلال المقدسة؛ لأنه يعلم أنها هي المدخل الذي تمر منه الشمس المغربة في مملكتها الليلية، وهذه التلال قد مثلت ببساطة في أشكال بدائية، وقد لُونت بلون قرنفلي مائل للصفرة، ومن المدهش أن هذا هو نفس اللون الذي تُصبغ به التلال المصرية عند الغروب، وتشترك في هذا التعبد أرواح «نخن»، وأرواح «بوتو» (الملوك الذين تُوفوا)، وكذلك كانت تشترك١٧٥ القردة التي قد لُونت بلون باهت لدرجة أنها تظهر كعفاريت الجن، في حين أن صورة أرواح «نخن»، و«بوتو» كانت ألوانها ظاهرة، وتتقبل إلهة الغرب الطارق الجديد بعلامة الترحاب المعروفة.
  • اللوحة الجنازية: ويلحظ أن آخر شعائر لدفن المتوفى قد كررت على اللوحة التي أقيمت في الردهة (راجع p1. XIX)، ونشاهد عليها تابوت «وسرحات» منفردًا، وتتبعه زوجه «حتشبسوت» وابناه، وكان يقوم بالشعائر كاهنان، ويبكيه واحد أو اثنان من أقاربه، والمتن التابع لذلك هو: «قربان يقدم ﻟ «آمون»، و«آتوم»، و«حور اختي» و«جب»، و«أوزير» و«إزيس» سيدة الغرب، و«حتحور» المشرفة على الجبانة، و«أنوبيس» المشرف على قاعة الإله وجماعة الآلهة … وللآلهة والإلهات هناك، ولعظماء الجبانة، ولمعبد الجنوب، ومعبد الشمال، ولسفينة الليل، ولسفينة النهار، وللآلهة الذين في السماء والأرض؛ لأجل أن يمنحوا مياهًا باردة (؟)، وعبير النسيم، وحتى لا تصد الروح أبدًا، وحتى يُنادى اسمك، ويخرج في كل عيد على الدوام، وحتى تستطيع أن ترى «رع» عند الفجر، وتتبع «سكار» رب «روستاو»، ولتستطيع رؤية الإله على العرش، ولأجل أن يمنحك «رع» السفر في سفينة الليل، ويستقبلك الغرب، وتصب ماء الطهور على القربان، وتتسلم قربان الإله، ويعطيك «حعبي» (النيل) من كل أنواع الطعام ألفًا، من الخبز، والجعة، والثيران، والطيور، والخيط، والكتان، والشحم، والبخور، والخمر، واللبن، والخضر، والأزهار العطرة … لأجل روح الكاهن الأول للملك «تحتمس الأول»، «وسرحات» المنتصر. يقول: إن وظيفتي كانت كاهنًا مطهرًا (؟) … محراب الإله الكاهن الأول … الذي وضعته ربة البيت مغنية «منتو» رب «أرمنت» توازرت، وزوجه ربة البيت «حتشبسوت»، وابنه «رع مويا»، وابنه «حوي» وابنه …»

    والنقوش التي على السقف تحتوي على صيغ دينية من الطراز المعتاد، وليس فيها من جديد.

    هذه لمحة عن قبر هذا الكاهن ومحتوياته، وهي في الواقع تضع أمامنا صورة عن حياة القوم الدينية، وعقائدهم بالنسبة للآخرة، كما تمثل لنا صفحة من الأحقاد الشخصية، وبخاصة بين الكهنة أنفسهم، بل الكهنة الذين من أسرة واحدة، ومقدار عبثهم وغشهم، بل افترائهم، ونفاقهم حتى أمام الآلهة، هذا فضلًا عن افترائهم على التاريخ لبلوغ مآربهم الشخصية، على الرغم من إيقاظ الضمير في ذلك الوقت الذي مثل أمامنا في أجلِّ مظاهره وأرقاها؛ فقد انتزع الإنسان من نفسه في هذا العهد ضميره، وهو قلبه، وجعله في كفة، وهو في يوم الحساب ليلقى عقابه أو ثوابه.

١  راجع: Br. A. R., III, § 80–156.
٢  راجع: De Rouge Inscrip Hierog p. 108.
٣  راجع: Davies Anc. Egypt. Paintings pl. 78.
٤  راجع: Davies & Gardiner Tomb of Huy pl. 19.
٥  راجع: Simons. Egyptian Topographical lists pp. 50–52.
٦  راجع: Br. A. R., III, 10, 11.
٧  راجع: Ibid. III, § 101.
٨  تقع ينعم في الجنوب الغربي من بحيرة طبرية على مسافة خمسة أميال ونصف (راجع Gardiner Onomastica I, p. 146).
٩  راجع: Gardiner. The Military Road Between Egypt & Palestine. J. E. A., Vol. VI, (1920) pp. 99 ff..
١٠  راجع: J. E. A., VI, pl. XII.
١١  راجع: Br. A. R., III, § 88.
١٢  راجع: Moret: Revue de l’Egypte Ancienne (1928) pp. 20 ff..
١٣  راجع: L. D., III, 131 a, Br. A. R., III, § 114.
١٤  راجع: Hall Ancient Hist. of the Near East 6th. P. 356.
١٥  راجع: Wresz Atlas II, pls. 34 ff..
١٦  راجع: Br. A. R., III, § 94.
١٧  راجع: Capart Thebes p. 46. Fig. 26.
١٨  راجع: L. D., III, pl. 13 a; Muller. Asien Und Europa p. 191–195.
١٩  راجع: Br. A. R., II, §§ 891-892.
٢٠  راجع: Br. A. R., IV, § 137.
٢١  راجع: Wresz op. cit. II, Pl. 53.
٢٢  راجع: Syria III, p. 108 ff..
٢٣  راجع: Br. A R. III, p. 71; Ed. Meyer Gesch III, p. 451; Gardiner Onomastica I, p. 141.
٢٤  راجع: Br. A. R. III, § 8, J. E. A. VI, p. 99.
٢٥  راجع: Hall. Anc. Hist. 346.
٢٦  راجع: Br. A. R., III, § 82.
٢٧  راجع: Helck Militarfuhrer 74. Note. 4.
٢٨  راجع: J. E. A., Vol. 33. p. 37 ff..
٢٩  راجع: Urk. IV, p. 722. No. 282.
راجع: Wresz Atlas II, pl. 47; Sander Hansen. Hist. Insch. Der. 19. Dy. I, p. II, 6 ff..
٣٠  راجع: Keith Seele The Coregency of Ramses II, & Sety I, p. 24.
٣١  راجع: A. S., XLIII, p. 133 ff..
٣٢  راجع: Ibid. p. 139.
٣٣  راجع: Pezard, Une Nouvelle Stele de Sety I, Monuments & Memoires p. 387 ff..
٣٤  راجع: Karnak List L. D., III, pls. 45 ff..
٣٥  راجع: Delaporte Les Hittites p. 129.
٣٦  راجع: De Rouge Inscrip. Hierog. pp. 165–167.
٣٧  راجع: Br. A. R., III, § 204, & Champ. Notices I, p. 223-4.
٣٨  راجع: L. D., III, pl. 141 n. & De Morgan. Cat. Mon. 28, 5.
٣٩  راجع: Br. Ibid. 89. Note a.
٤٠  راجع: A. Z., LXIX, p. 77.
٤١  راجع: J. E. A., XXXIII, p. 24.
٤٢  راجع: J. E. A., XIII, p. 196-7.
٤٣  راجع: Br. A. R., III, § 377.
٤٤  راجع: Keith, Seele Coregency Par. 33–38.
٤٥  راجع: Gauthier Dic. Geog. IV, p. 72.
٤٦  راجع: J. E. A., XIII, pl. XLI.
٤٧  راجع: Mariette Abydos II, pl. 51.
٤٨  راجع: Brugsch Dic. Geog. p. 1169.
٤٩  راجع: Gauthier A. Z., 48. P. 53. L. 45 ff..
٥٠  راجع: Petrie Arts & Crafts of Anc Egypt p. 53.
٥١  راجع: Frankfort. The Cenotaph of Seti I, at Abydos, Vol. I, p. 9 ff; Vol. II, pl. II.
٥٢  راجع ما كتبه «فرنكفورت» حديثًا عن هذا الموضوع في كتابه عن ديانة قدماء المصريين Frankfort. Ancient Egyptian Religion (1948) p. 153 ff..
٥٣  راجع: Kristensen Het Leven Uit de Dood (Life after death) p. 88.
٥٤  راجع: Frankfort Ibid. p. 30. Krestinsen Ibid. p. 93; Book of the Dead Chap. XVII, 24. (Naville).
٥٥  راجع: The Cenotaph of Seti I, at Abydos Vol. I, Text p. 92–4.
٥٦  راجع: Frankfort Ibid. I, p. 71.
٥٧  راجع: Maspero. The Struggle of the Nations pp. 379-380.
٥٨  راجع: Griffith the Abydos Decree of Seti I, at Nuri; J. E. A., Vol. XIII, p. 206 ff..
٥٩  عثر على جزء من مرسوم يشبه مرسوم «نوري» على قطعة حجر من لوحة، وقد قال عنه بائعه: إنه وجده في الشمال من معبد «سيتي الثاني» في هرموبوليس (راجع: Mitteilung der Deutschen Instit. Fur Agyptische Altertumkunde Kairo Band 8. pp. 160–164).
٦٠  راجع: J. E. A., Vol. XIII, p. 207 ff..
٦١  راجع: Reisner Naga-ad Dier. I, p. 30-1, 143-4. Fig. 54 pl. 5–9.
٦٢  راجع: Petrie. The Arts & Crafts In Anc. Egypt. p. 83.
٦٣  راجع: Petrie Descriptive Sociology Ancient Egypt. p. 57.
٦٤  راجع: E. S., Thomas. The Ancient Mine Plan of Turin Papyrus Caire Scientific Journal Vol. VIII, (1913) pp. 158–160.
٦٥  راجع: Cairo Sceintific Journal VIII, (1914) p. 41–46.
٦٦  راجع: A. Z., IX–XII, Act. P. 74.
٦٧  راجع: Br. A. R., II, § 265, 273, 502, 514, 526 & 652., 279–282.
٦٨  راجع: Hume Geology of Egypt II, Part. III, p. 699.
٦٩  راجع ما كتب عن اسم هذا الوادي وموقعه في مجلة B. L. F. A. O., Tome. XVII, p. 1–38 & J. E. A., Vol. IV, 241–251.
٧٠  راجع: Rec. Trav. XIII, pl. 4. Fig. I.
٧١  راجع: Rec. Trav. XIII, pl. 2.
٧٢  راجع: Petrie History of Egypt III, p. 43.
٧٣  راجع: Br. A. R., III, § 210.
٧٤  راجع: Br. A. R., III, §§ 211–221.
٧٥  راجع: Baedeker’s, Egypt. P. 308 ff..
٧٦  راجع: Gardiner and Peet Inscrip. Of Sinai pl. LXVIII, No. 247.
٧٧  راجع: A. S., XXX, p. 31.
٧٨  راجع: Gardiner Onomastica II, 173 & 278.
٧٩  راجع: Naville, Goshen pl. 9. d.
٨٠  راجع: Rec. Trav. XII, p. 4–6.
٨١  راجع: Br. A. R., III, § 246.
٨٢  راجع: Br. A. R., Ibid.
٨٣  راجع: Petrie History III, p. 118.
٨٤  راجع: Br. A. R. III § 545 ff..
٨٥  راجع: Br. A. R. III 201.
٨٦  راجع: L. D. III, pl. 141, i.
٨٧  راجع: A. S. V., p. 120-1; Br. A. R., III, § 245.
٨٨  راجع: A. S., II, p. 95.
٨٩  راجع: Inschrift. Mus. Berlin II, p. 322.
٩٠  راجع: Speelers Inscrip Egyp. Musée Bruxcelles p. 46.
٩١  راجع: Seele. The Coregency of Ramses II, with Seti I, p. 29.
٩٢  راجع: Petrie History of Egypt III, p. 7.
٩٣  راجع: Prokesch Von Osten Nil Fahrt p. 272.
٩٤  راجع: Br. A. R. III § 261.
٩٥  راجع: Brugsch Thesaurus p. 1223.
٩٦  راجع: Gauth. Dic. Géogr. IV, 92.
٩٧  راجع: J. E. A. Vol. 33. P. 13.
٩٨  راجع: J. E. A., Vol. 33. P. 21.
٩٩  ولا بد أن هذه العبارة تشير إلى أسطورة عزى فيها لهذه الإلهة أنها نحتت المعبد أو الوادي، ومن الجائز أن هذه الخرافة لها علاقة باسم الوادي الذي كُتب بعلامة التل والسكين دلالة على حفر المعبد بالسكين (راجع J. E. A., Ibid. p. 15).
١٠٠  معنى هذه العبارة: أن المعابد كانت مجهزة تمامًا حتى أصبح كل إنسان لا يشعر أنه في حاجة إلى أي شيء فلا يقول: «إذا كان لي كذا وكذا رضيت.»
١٠١  راجع: Couyat & Montet Les Inscrip. Hierog et Hierat. Du Ouadi Hammamat p. 69. No. 94. Pl. XXIII.
١٠٢  راجع: Ibid. p. 105. No. 213. Pl. XLI.
١٠٣  راجع: Ibid. p. 105. No. 214. Pl. XL Petrie, Koptos p. 15.
١٠٤  راجع: Petrie, Koptos p. 15.
١٠٥  راجع: Bisson De La Roque Fouilles de Medamoud (1925) p. 4. fig.4, 45. 46; Ibid (1930) p. 28, 68, 69 fig. 46.
Legrain.Le Temple de Ptah Ris Anbou f dans Thebes A.s; III, p. 112,113.
١٠٦  راجع: Legrain Stat. et Statuettes II, p. 1, pl. I.
١٠٧  راجع: Br. A. R., III, §§ 205 ff..
١٠٨  راجع: Porter & Moss V, p. 218.
١٠٩  راجع: A. S., XXXIII, p. 639.
١١٠  راجع: Petrie Hist., III, p. 22; Neu Entdeckte Denkmaler Von Nubien an den Ufer des Nil (Stuttgart 1921–28) p. 13.
١١١  راجع: Champ. Notices Desc. I, 223-4.
١١٢  راجع: Br. A. R., III §, 204, Note 6.
١١٣  راجع: Petrie Hist., III, p. 8.
١١٤  راجع: L. D. Text IV.
١١٥  راجع: L. D. III, 124.
١١٦  راجع: Weigall. Description of the Antiquities of Lower Nubia p. 85.
١١٧  راجع: Gauthier Le Temple d’Amada p. 183.
١١٨  راجع: Ibid p. 183.
١١٩  راجع: Weigall, Ibid. p. 103.
١٢٠  راجع: Br. A. R. III § 283.
١٢١  راجع: L. D. III, pl. 141. K.
١٢٢  راجع: Rec. Trav. XVI, p, 170.
١٢٣  راجع: Reisner A. Z., LXIX p. 73.
١٢٤  راجع: Baedeker’s Egypt (1929) p. 447.
١٢٥  راجع: L. D., III, pl. 41 n.
١٢٦  راجع: J. E. A., Vol. XIX, p. 60-1.
١٢٧  راجع: Lanzone Catalogue of Turin. 1466.
١٢٨  راجع: Brochardt Grab denkmal des Konig Sahura I, p. 104.
١٢٩  راجع: Champ. Notices. Desc. II, p. 191-2.
١٣٠  راجع: Ibid. II, p. 188.
١٣١  راجع: Legrain. A. S., V, p. 17.
١٣٢  راجع: A. S., III, p. 107.
١٣٣  راجع: L. D., III, pl. 23, 24.
١٣٤  راجع: Rec. Trav. XIII, p. 160.
١٣٥  راجع: Petrie Six Temples pl. X, XI.
١٣٦  راجع: Ebres Oberagypten p, 237.
١٣٧  راجع: Taylor El Kab. Amenhotep III, p. I, III.
١٣٨  راجع: Nestor. L’Hote. Mss. 20402, 2.
١٣٩  راجع: Maspero, The Shruggle of the Nations p. 369.
١٤٠  راجع: P. S. B. A. Vol. XI, p. 194.
١٤١  راجع: Petrie. Tanis I, pp. 6, 7, pl. II, 11-12, pl. XIV, I & A. S., II, p. 195.
١٤٢  راجع: Petrie Hist. III p. 22.
١٤٣  راجع: L. D. Text III, p. 148.
١٤٤  راجع: Baeder Egypte (1929) p. 432; L. D., III, 291, 55.
١٤٥  راجع: Quibell. The Ramesseum pl. XXIX.
١٤٦  راجع: Petrie Hist. III, 9.
١٤٧  راجع: Rec. Trav. IX, p. 18.
١٤٨  راجع: Engelbach Gurob pp. 19–25 pl. XXXII; Speelers. Rec. Trav. XXXIX, pl. IV.
١٤٩  راجع: Wiedemann. Rec. Trav. XVIII, p. 121 & Gauth L. R. III, pp. 30–32.
١٥٠  راجع: Rec. Trav. XII, p. 211.
١٥١  راجع سجل (No. 6252).
١٥٢  راجع: Histoire des Grands Pretres D’Amon de Karnak P. 246.
١٥٣  كان هذا لقبًا يطلق على تمثال خاص يتعبد إليه العمال في جبانة «طيبة» التي كان فيها «أمنحتب الأول» مؤلهًا.
١٥٤  راجع: Bruyère Ibid. p. 86 fig. 5.
١٥٥  راجع: Lieblein Dic Noms. No. 2062.
١٥٦  راجع: Lanzone, Cat. Turin 1549.
١٥٧  راجع: Speelers. Rec. Trav. XXXIX p. 113–144 pl. IV.
١٥٨  راجع: S. Hassan, Les Hymnes Religieux du Moyen Empire p. 5 ff..
١٥٩  راجع: Br. A. R. III, § 210; Rec. Trav. XI, p. 134.
١٦٠  راجع: Lieblein Dic. Noms. No. 882.
١٦١  راجع: Roeder. Agyptische Insch Berlin II, pp. 153–6, 236–9.
١٦٢  راجع: L. D. texte. IV, p. 97 (6).
١٦٣  راجع: A. S. XXIX, pp. 81–88.
١٦٤  راجع: A. S., II, p. 137–140.
١٦٥  راجع: Boreux: Guide-Catalogue I, p. 82.
١٦٦  راجع: Boreux Ibid. I, p. 88.
١٦٧  راجع: Bruyère. Fouilles de Dier El Medineh (1933-4) p. 45 ff..
١٦٨  راجع: Bulletin de L’Inst Franc XXIV, p. 178.
١٦٩  راجع: Bruyere Ibid. (1929) p. 80.
١٧٠  راجع: Two Ramasside Tombs at Thebes. By Davies, Oxford 1927 نلفت النظر هنا إلى أن أرقام اللوحات التي أوردناها في الكلام عن هذا الموظف تشير إلى كتاب الأثري «ديفز» هذا.
١٧١  ومن الطريف أن الموتى في مصر الآن على وجه خاص يكفنون في لفافة خضراء، وهذه عادة شائعة في مصر، ولا شك أنها ترجع في أصلها إلى الفكرة المصرية القديمة، وبخاصة أن العامة يقولون: إن الأخضر هو لون الجنة.
١٧٢  يلحظ هنا أن اسم هذه المرأة قد كُتب على طبقة من الجص وُضعت فيما بعد، وإذا كانت هذه الكتابة أصلية فإن «حنت تاوي» تكون زوج والد «وسرحات»؛ لأن أمه الحقيقية هي «توازرت».
١٧٣  ولا يزال البصل من الأطعمة المحببة إلى عامة الشعب، ويستحب أكله في عيد شم النسيم، وقد كان له عبادة خاصة عند المصريين (راجع Keimer in Egyptian Religion Vol. I, July. 1933. No. 2 p. 52 ff.).
١٧٤  راجع مصر القديمة الجزء الثالث.
١٧٥  كان المصري يعتقد أن القردة تُسبح للشمس عند شروقها وعند غروبها، وهذه الظاهرة نجدها حتى الآن في أواسط أفريقية؛ حيث تتجمع القردة، وتصيح عند الشروق، وعند الغروب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠