مقدمة

لأسبابٍ كثيرة اخترتُ أن أترجم — ولأول مرة إلى العربية، بل لأول مرة في أي لغةٍ أجنبية تقريبًا — مختاراتٍ قصصيةً للكاتب الصيني الساخر «ليو هونغ».

أسبابٌ مهمة تتوسل بها هذه الترجمة لتجعلَ من عملية النقل أكثر من مجرد تفاعلٍ لغوي مع نصوصها المختارة، أو مجرد قراءة في ظروف إنتاجها واستقصاء لخصائصها النقدية، مما قد يُسفِر عن إدراكٍ لقيمةٍ ما تجعل منها اختيارًا مفيدًا في تتبُّع أحوال السرد الروائي في الصين الحديثة والمعاصرة، أو حتى مجرد تقديرٍ ناجزٍ لمحتوًى أدبي مترجَم من وجهةِ نظرٍ عملية تفرضُها جهودُ النشر بشكلٍ عام، بل هي — بالإضافة إلى هذا كله — محاولة، أرجو لها أن تكونَ استشرافًا لأفقٍ جديد في جهود الترجمة عن الصينية — في الإنتاج الروائي — ينفتح على ساحة الإبداع الأدبي، وَفْق خطةٍ أو رؤيةٍ تستهدف التعرُّف على الكتابة الروائية، وَفْق التصنيف الموضوعي (فهناك: الكتابة التاريخية، والعجائبية، والرومانسية الشعبية، والثورية، والتسجيلية، والريفية، والنِّسْوية الحديثة، بل ظهرَت حديثًا جدًّا: الرومانسية الذاتية [الفردانية، الانطوائية] … إلخ، والساخرة، التي نُفرِد لها اليوم مساحةً للترجمة؛ ولو أنه يجب أن نمايزَ بينها وبين رواية «الكوميديا السوداء»). لعلنا بذلك نتجاوز مأزق الارتجال والعفوية والطابع الانتقائي الذي يصبغ جهود الترجمة الفردية، ولو أن هذه الجهود — بطابعها التلقائي العَفْوي — تُثبِت كثيرًا أنها أقربُ إلى التقدير العملي الناجز لقيمة اختياراتها … وسنعود إلى هذه النقطة لاحقًا، لكن ما يهمُّنا الآن هو أن نشير إلى أهمية تقديم نصوصٍ تعبِّر عن ملامحَ نوعية لتياراتٍ إبداعية لها خصائصُها المعتبَرة في الكتابة الصينية. ومن هنا، تسعى هذه الترجمة — التي بين يديك — إلى أن تقدِّم للمكتبة العربية نصوصًا تتلمَّسُ الطريقَ إلى الوعي بالكتابة الصينية الساخرة … نصوصًا تتفرَّد بمزايا تجعل منها شواهدَ إبداعيةً مهمة، أو علامةً على طريق، أو مداخلَ تُعين على التماس المسالك الممهدة لساحة الإبداع الأدبي الصيني، وتحديد أبوابها … المهم أنها من تلك النصوص التي يمكن أن تحتلَّ موقعًا أعلى من هامة مبدعها. ولحُسْن الحظ، فإن «ليو هونغ» — مع تفرده ومزاياه — هو من التواضع بحيث يقبل أن يتوارى وراء المتون، لكن لماذا اخترتُه — هو بالذات — دون غيره من كُتاب السرد الساخر؟

أُجيبُ عليك بأن أهم عنصر في اختياره يتعلق بطبيعة إبداعه، وبوضعيته ككاتبٍ من جيل «الفترة الجديدة»، وبانتمائه إلى طائفة كُتاب ما سُمي — في الساحة الأدبية الصينية في منتصف ثمانينيات القرن العشرين — ﺑ «أدب الجراح»، وأهم من هذا كله، فثَمَّة سببٌ جوهري يتصل بكونه أحدَ أولئك الذين عاشوا تجربة الثورة الثقافية؛ أحد شهود عيانٍ من جيل المثقفين في منتصف ستينيات القرن الماضي، ممن شاركوا في الأحداث، وصاروا جزءًا من أهم حلقات التاريخ الحديث في بلادهم، واستطاعوا — فيما كتبوا من أجناسٍ أدبية مختلفة — أن يحفظوا للذاكرة الإنسانية (في بلدٍ اشتُهر بالتدوين من قديم، لكنه آثر أن يطويَ أوراق الثورة التي هزَّت أركانه) مدوَّناتٍ باقيةً تحتفظ بكثيرٍ من تفاصيل المشهد، الذي لن يجد أيُّ باحث أو مؤرِّخ أو مدقِّق أو مطَّلع أو أي قارئ — في أي ركنٍ من أركان العالم — مصادر «رسمية» موثَّقة تعطيه فكرةً صريحةً وواضحةً عما حدث في الصين إبَّان الفترة من ١٩٦٦م إلى ١٩٨٦م، على وجه التحديد. ولا أقصد من هذا غلبة الطابع التسجيلي على كتاباته، بل أقول إن لديه مادةً حكائيةً منخرطةً كيانيًّا في أجواء الثورة الثقافية الستينية؛ اندمجَت في سياقها، واستطاعت أن تُبلوِرَ منظورًا إنسانيًّا لمشاهداتها، عبْر كتابةٍ ساخرة. وهي — بهذا القَدْر — مؤهَّلة لمعالجاتٍ نقدية مركَّبة، وكاشفة.

ولأني أدركُ نقطة البداية في هذه الكلمة دون أن أعرفَ نهايتها، فليسمح لي القارئ بأن أسترسل في الحكي غير مقيَّد بعناصرِ تقديمٍ محدَّدة؛ تمامًا كما لو كنتُ أسردُ انطباعات، على طريقة أحد أصدقاء الروائي نفسه، ممن سأوافيك بعد قليل بكلمةٍ له تتضمَّن انطباعاته الشخصية هو الآخر، عن هذا المبدع الذي آثر أن يبقى في الظل طوال الوقت …

والرجل ما يزال على قيد الحياة، على الأقل حتى لحظة كتابة هذه الأسطر [في أكتوبر ٢٠١٥م]. ولحسن الحظ أنه ما يزال يتنسَّم هواء الدنيا منذ مولده في ١٩٣٣م؛ فقد عاش إذن عمرًا يكفي لأن يجعلَ منه واحدًا من حكماء الصين، لولا أنه اختار الكتابة الساخرة، وهي نمطٌ من الكتابة لم يكن مقدَّرًا له أن يحظى باحترامٍ عميق من جانب التقاليد الكونفوشية الأصيلة، بل إن هذه التقاليد تسببَت في إحداث نوعٍ من الإعاقة المزمنة لكل أنواع الكتابات الفكاهية، ولكل أشكال الإبداع التخيُّلي، سواء في القصة أو المسرح. ولم يسلَم من قبضة التعاليم المتزمِّتة سوى الشِّعر، باعتباره حاملَ القواعد الفنية، عميد الأوزان والقوافي، والأقرب بمزاياه إلى الالتزام الفني والانضباط وَفْق معاييرَ جماليةٍ صارمة، مما يؤهِّله لأن يكون تعبيرًا رمزيًّا راقيًا عن «قالب» القواعد الأخلاقية الصارمة، أيضًا، بطبيعتها. أما الرواية والمسرح وباقي الأجناس، فقد اعتُبرَت ضمن الانشغال الثقافي المنحَط والحقير، وما تزال تقريبًا آثارٌ من هذا المنظور المحافظ تتبدَّى في أوقاتٍ مختلفة، وإلى اليوم (!)، حتى إن كثيرًا من الصينيين [من الباحثين والمبدعين على حدٍّ سواء، وللغرابة!] يتصوَّرون أن الكتابة الفكاهية أو الساخرة جزءٌ من تأثيرٍ غربي وفَد إلى الصين، في رِكاب حركة الثقافة الجديدة، إبَّان العشرينيات من القرن الماضي؛ مع أن لهذا النمط من الكتابة قدمًا راسخةً في أدب الصين؛ فقد جرى توثيقُها نحو عام ٢٥٠٠ق.م. أي وقت ظهور أول كتابٍ فكاهي في تاريخ الصين الأدبي؛ كتاب «تشوانغ تسي»، وهو أحد المصادر المهمة في الفلسفة الطاوية، الفلسفة التي شجعَت ودعمَت كل أساليب الهجاء والسخرية والفكاهة القديمة (وهناك من يؤرِّخون لأقدم فكاهةٍ صينية بمدوَّنة اسمها «شياولين»؛ أي «حدائق الضحكات»، وقد ظهرَت في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد، تقريبًا). ورغم التشدُّد الكونفوشي العتيد، فقد ظل المبدعون الصينيون يمارسون ألوانًا من «السخرية الاستنكارية»، و«الفكاهة الناقدة»، بأكثر مما انشغلوا ﺑ «الإثارة الماجنة»، أو حتى «الفكاهة التأملية الخفيفة». واحتوت أعمالهم إشاراتٍ ناقمة مسَّت — في كثيرٍ من فترات التاريخ — هيبةَ وجلالَ الأباطرة، لدرجة دفعَت بأول إمبراطور للصين الموحَّدة (تشين شيهوانغ، القرن الثاني قبل الميلاد) إلى ممارسة أكبر قَدْرٍ عرفَتْه البلاد في تاريخها من الحَجْر على حرية الأدباء والمعارضين، حتى لقد أصدَر قرارَه بوأْد أربعمائة فرد بسبب كتاباتهم التحريضية، ولا غَرْو فقد كان أيضًا صاحبَ أكبر محرقة كُتب في تاريخ آسيا القديم.
وكانت صينُ الثورة الثقافية الكبرى (١٩٦٦–١٩٧٦م) مناسبةً مثيرة للكتابة الساخرة بعمق وبمرارة، خصوصًا بعد أن تطوَّرَت خصائصُ هذه الكتابة وأدواتها الفنية على يد روَّاد التجديد الكبار؛ إذ أضفَوا عليها مسحةً من التطور [أقول «مسحة» من التطور؛ لأن الأساس القاعدي للفكاهة الصينية بروحها التقليدي كان أعمق تجذُّرًا، فلم تُضِف إليه طفرة التجديد الوافدة منذ نهايات القرنِ التاسعَ عشرَ إلا هامشًا ضئيلًا، ولو أن تأثيره بدا متضخمًا، وسنفصِّل ذلك في حينه!]. هنا، وفي الفترة التي أعقبَت الثورة مباشرة، ظهر كاتبنا «ليو هونغ»، شأنه في ذلك شأن كل جيل «الفترة الجديدة»، مستفيدًا من طفرةٍ إبداعية أسَّسَها جيل الرُّواد. ولنا معه وقفتان؛ أولاهما حول تأثُّره بطرق المعالجة الواقعية (السائدة في زمنه)، وثانيتهما بشأن طبيعة منحاه الساخر في الكتابة؛ فالرجل ابن زمنه الذي شهد تطوراتٍ كبيرةً على الساحة السياسية (تأسيس جمهورية الصين الشعبية في ١٩٤٩م، بينما بدأ مشواره الإبداعي في ١٩٥٢م)، وفي المضمار الأدبي — حيث كان كبار الأدباء وقتئذٍ من أقدر الأجيال التي حصَّلَت تجاربَ واعية، بتفاعلها مع نتائج حركة التنوير في العشرينيات، وباطلاعها الواسع على مشهد الأدب العالمي، بفضل حركةِ ترجمةٍ نشطة منذ بواكير القرن العشرين؛ فقد وجد الرجل نفسه — كغيره ضمن أجيالٍ شابة يُراد لها أن تنخرط وسط جماهير تصنع تاريخًا جديدًا ﻟ «صين جديدة» — هنا وجد نفسه جنبًا إلى جنبِ عددٍ ممن سيلمعون في سماء الإبداع الروائي الصيني بعد سنواتٍ قليلة، بجوار جماعات من «شباب المثقفين» الذين سينزلون إلى المزارع الجماعية والمصانع ليكتبوا عن واقعٍ جديد يتشكل تحت أعينهم.

هنا يجب أن نتوقَّف لنُراجعَ مسألةً مهمةً جدًّا حول المنحى الواقعي الذي شغل كثيرًا من الباحثين والنقاد على مدى سنواتٍ طويلة. ولعلنا نحاول — في هذا الصدد — أن نتأمل صورةً ممكنةً للحقيقة، مع أنها قد تبدو غير معقولة!

فمن العسير تمامًا القبول بما يُشاع أحيانًا من أن الإبداع الأدبي والفني في صين الثورة، على مختلف مراحله وتوجُّهاته، كان يخضع لإملاءاتٍ سياسية. ولا أظن أنه قد حدث — في أية فترة من فترات التاريخ الصيني الحديث أو القديم — أن أصدرَت الإدارة السياسية في الدولة الحديثة، أو في عصور الحكم الإمبراطوري في العصر القديم — سواء حتى مع تأسيس جمهورية الصين الشعبية أو قبل قيامها — توجيهًا «رسميًّا» يحدِّد مسارَ وشروطَ الإبداع الفني والأدبي في صوره وأشكاله كافة، مُلزمًا إياه بالامتثال لكتابةٍ من نمطٍ محدَّد، حتى لو كان هذا النمط هو «الواقعية الاشتراكية» مثلًا.

والصحيح، فيما هو مُتاحٌ للباحث المدقِّق من مصادر تسمح باستطلاع الحقائق، وباختصارٍ موجزٍ جدًّا (لعلَّه مُخِلٌّ أيضًا) أن التداخل بين السياسي والفني الجمالي في الصين له جذوره التاريخية، منذ الكونفوشية، وبعد أن تحوَّلَت إلى منهجٍ في الأخلاقيات الاجتماعية، وإلى مبدأ حاكم في السياسة، وأيضًا، إلى رؤية في الإبداع الأدبي والفني؛ فقد كانت ريشة الكتابة — التي دوَّنَت أصول الحكم والأخلاق — هي نفسها القلم والدواة الذي كتب شعرًا وتاريخًا، ومدوَّنات «واقعية» تصف وتشرح الأحوالَ الموضوعية للناس والمجمتع والأفراد والمشاعر والأفكار، بل تطوَّرَت لتصبح هي نفسها ريشة الرسم والإبداع بالصورة واللوحة والتصميم الجمالي. ولا يفوتُنا أن «كونفوشيوس» كان مُعلمًا وباحثًا وقارضًا للشعر ومثقفًا ومُنظرًا للسياسة والفن (بما في ذلك «فن الحرب»)، و… وزيرًا في بلاط الحكم، لأمدٍ غير قصير!

وإذا كانت الإشارة، تاريخيًّا، تذهب إلى مؤتمرٍ عُقد بإحدى القواعد الثورية الصينية (مؤتمر «يانآن» الأدبي الأول والثاني) برئاسة ماو تسي تونغ في ١٩٤٢م، باعتباره دليلًا على قيام السلطة السياسية بتقييد الإبداع الأدبي ضمنَ قوالبَ سياسيةٍ جامدة، فإن المصادر المتاحة في هذا الباب، وما أكثرها الآن تحت يد أي قارئ في أي مكان، تُفيد أيضًا أن تيار الفكر الماركسي والحزب الشيوعي نفسه كان أحد أهم وأروع إنجازات الحركة التنويرية الثقافية التي عرفَتْها الصين منذ آخر عصورها الإمبراطورية (عصر تشينغ، القرن اﻟ ١٧–١٩م)، وكانت ترمي، من بين أشياء كثيرة، إلى تحديث أشكال التعبير الأدبي والفني والتطوير الاجتماعي، وذهبَت — في ذلك — إلى حد المراجعة النقدية لقواعد الإبداع التقليدية، و«قوالب» النقد المتوارَثة. ولم يكن مؤتمر «يانآن» برئاسة ماو تسي تونغ بعيدًا عن هذا الاتجاه، الذي برزَ — أول الأمر — على يد مثقَّفي الاتجاه الليبرالي، ثم راح اليسار يُكمل المسيرة بدرجةٍ فائقة من الوعي، ولم يبلغ حد الشطط، بل أثبت — في كثيرٍ من الأحيان — أنه قادرٌ على التعامل نقديًّا مع مواريث الماضي، وكان له رأيه في الكتابة الواقعية؛ فقد كان أقرب إلى تمثُّل واستيعاب الذائقة الجمالية الشعبية في تلمُّس طرائق الإبداع، إنتاجًا ونقدًا، وكان وعيه حاضرًا وهو يرفض تشكيل المزاج الأدبي الصيني وَفقًا للنماذج الوافدة من الغرب (أي إنه كان من الأساس رافضًا لفكرة التشكُّل الكاذب، على غِرار القوالب الجاهزة!). وكانت الاعتبارات الماثلة في ذهن الصين الثورية (مع اليسار) أن الأدب أمضى سلاحٍ في قضية النضال الجماهيري (وفي ساحة الصراع الطبقي كذلك). وكان اليسار يرفض تيار الواقعية المشتقَّة من مفاهيم الغرب، على النحو الذي وفدَت به إلى الصين عبْر جهود التنوير في حركة الرابع من مايو ١٩١٩م (وهي أول حركةٍ ثقافية في العصر الحديث). وعندما جرت دعوة الكُتاب والمبدعين للانخراط مع جماهير العمال والفلاحين والجنود — في قضية النضال — جنبًا إلى جنبِ جهود التحديث، فقد كانت دعوة ماو تسي تونغ تتلخص، أساسًا، في اتخاذ أساليب الكتابة الشعبية (الصينية!) التقليدية نموذجًا، مما كان يعني عمليًّا: الدعوة إلى تيار «الرومانسية الصينية التقليدية» منهاجًا مثاليًّا في الإبداع.

لم تكن هناك، إذن، دعوة إلى تبنِّي «الواقعية الاشتراكية» كما قد يُقال! وحتى عندما كان للأدباء المتشبِّعين بتيار الواقعية رأيٌ مضاد، فقد جرت معالجة بالحلول الوسطى، على الطريقة الصينية؛ بحيث تم التوصل إلى صيغةٍ فنية تقوم على مبدأ «الدمج بين الواقعية والرومانسية الثورية» [كذا، ولمزيد من التوضيح، تلزم الإحالة إلى حقيقةٍ مهمة، وهي أن قادة الثورة الصينية، من وراء الراية الحمراء ذات الخمسة نجوم، بنَوا اتجاهَهم الثوريَّ باستلهام «رومانس الشرق»، حتى في اتخاذ شعارِهم الثوريِّ من السيف التقليدي ذي النصل العريض مُشْرعًا فوق جبل «جينكانغ»، بل بذلوا كل ما في وسعهم للمفارقة بينهم وبين الاتجاهات الستالينية، حتى إنهم رفضوا الامتثال لقواعد «الواقعية الاشتراكية» في الأدب والفن من هذه الوجهة، أيضًا].

فاجتماعات مؤتمر يانآن الأدبي كانت تتصوَّر للأدب الجديد اتجاهًا ثوريًّا، وكانت تفكِّر مع الجميع بصوتٍ عالٍ، مدفوعةً بوعي حركة تجديدٍ ثقافي أكثر منها بسلطة توجيهٍ سياسي. ثم عندما قرَّرَت القيادة الصينية — مع «دنغ شياو بنغ» — إجراء خطة الإصلاحات المؤدية إلى سياسات الانفتاح الصيني، في ثمانينيات القرن اﻟ ٢٠، فقد اتخذَت شعارَها من مبدأ فكري صاغته الكتلة المثقَّفة الصينية في مقولة «التحرر والانفتاح الفكري»، التي جرَت ترجمتُها عمليًّا بالابتعاد «المنظَّم» (!) عن الواقعية، وإن تمسَّك البعضُ بها كمبدأ وواجب اجتماعي، التزامًا بالخط الذي أرساه المثقَّف التنويري الكبير «ليانغ تشي تشاو»، في أول القرن.

وضروري، من هذه النقطة، أن نستطرد إلى تفاصيلَ مهمة بشأن الواقعية في الأدب الصيني، حتى نتصوَّر سياقَ تطوُّرها على نحوٍ مفهوم؛ فهي أكثر النقاط غموضًا في مسيرة الإبداع هناك. وربما كان الوعيُ بها وسيلةً لفهم كثيرٍ من مكامن الظلال وخبايا الغموض في تاريخ تطوُّر الكتابة الروائية، بصفةٍ خاصة.

مهمٌّ جدًّا أن نلحظ مكانة «الواقع» (تشن)  [Zhen]١ كقيمةٍ مركزيةٍ في الإبداع الأدبي والفني الجمالي في الصين؛ فبطبيعة الحال، وبالنسبة لبيئةٍ ثقافيةٍ أعطت اعتبارًا للتقاليد المتوارَثة في الكتابة الأدبية، فقد تكوَّنَت لديها معاييرُ ثابتةٌ في الإبداع، من منظورٍ يتوافق سرديًّا مع السمات الجمالية والأسلوبية ذات التاريخ العريق في تقاليد الكتابة الصينية؛ فمنذ عصر «هان» (حوالي القرن الثاني ق.م.)، لاحظ باحثو التاريخ والمثقَّفون والدارسون أن السرد المتضمَّن في كتاب «سجلات تاريخية» للمؤرِّخ القديم «صما تشيان» يقوم، أساسًا، على مبدأ التدوين الواقعي للأحداث «شيلو» [Shilu]. وفي زمن المجد القديم، أيام دولة «طانغ» (نحو القرن اﻟ ٧م إلى اﻟ ١٠م)، استقرَّت نهائيًّا أُسُس الإبداع الأدبي على مبدأ «كتابة الواقع والتدوين المتضمن عناصر الامتثال لموضوعية الأحداث» «شيلو، شيتشن، كيكوان» [Shilu, Xiezhen, Keguan]. ومفهومٌ أن يُعتبر مبدعو الواقعية الكلاسيكيون أعلامًا بارزةً في ميدانهم، وأن تترسَّخ بهم ومعهم دروبُ التعبير الفني، في الشعر خاصة (فالكتابة القصصية، كما أسلفنا، لم تكن تلقَى احترامًا كافيًا في ظل الميراث الكونفوشي). ومن هنا، مثلًا، نفهم اتجاه الشاعر القديم «دوفو» إلى الواقعية، بل جاء حينٌ من الدهر دعا فيه زميله الشاعر الكلاسيكي «باي جيوي» إلى الكتابة التسجيلية الحَرْفية للواقع. ثم لمَّا خرجَت الرواية من معطف الطاوية، ولقيَت مكانةً لائقة، سواء في ظل النصوص الفلسفية أو مع البوذية الواردة إلى الصين من المناطق الغربية في العالم القديم (الهند خصوصًا)، جاء «أوجينزي» — وهو مؤلف أهم روايةٍ ساخرةٍ في القرنِ الثامنَ عشر الميلادي — ليلتزم خطةً إبداعيةً تقوم على «وِن جيان تشِن شي» [Wen Jian Zhen Shi]؛ أي «حقائق الحياة ووقائع الأحداث». وفوق هذا أيضًا، فقد جاء مُجايلُه «تساو شوي تشين» — الذي ألَّف في نفس الفترة الزمنية أشهر رواية في تاريخ الصين كله (رواية «حُلم المقصورة الحمراء») — ليدعوَ جهرةً وصراحة، كل كُتاب القصة في البَر الصيني بالتزام مبدأ «كانيو رو شيمياو شي» [Gan Yu Ru Shi Miao Xie]؛ أي «الاجتراء على تصوير الواقع دون موارَبة». كان ذلك قبل أن تعرفَ الصينُ أن هناك عالمًا آخر يتخلق في رحم الغد، ودون أن تعرفَ أن هناك قواعدَ أرسطيةً للفنون تنحو إلى تقدير الواقع (ولو أن قَدْرًا هائلًا من جهود الغرب وتوجُّهاته إلى دراسة الصين، تاريخها وثقافتها وإبداعها، كان يجري التماسًا لأدلة تُثبِت السبقَ التاريخي له على الصين، وأحيانًا ما كان يَلْوي عنق الحقيقة ليُثبِت سوابقَ فضلِه على العالم القديم … إلخ. وحتى لو كان بعضُ ذلك مفهومًا، فقد انتهى إلى مغالطاتٍ كثيرة).

نقول إن صينَ العهود الإمبراطورية كانت تخضع لتقاليدها الراسخة، ولا تعرفُ غيرها، وحتى لو كانت قد عرفَت لأنكرَت؛ فلطالما اعتقدَت أن العالم لم يُدرِك حضارةً راقيةً سواها، ولم يؤلِّف أدبًا أو أنتج إبداعًا سوى ما خرج من مكنون جوهرها، وهي النظرة التي تواضعَت كثيرًا بعد أن دكَّت مدافعُ الأسطول الإنجليزي سواحلَها الجنوبية مع «حرب الأفيون»، بل حتى عندما كانت شمس الصين تميل إلى الغروب منذ أواخر القرنِ السابعَ عشر، وراحت تستقبل الوفود البريطانية القادمة للتفاوض بشأن طرق التجارة ومصالحها فيها (وذلك برئاسة «اللورد ماكارتني» في ١٧٩٢م، وكان وقتها برتبة «إيرل»، فيما أحسب!)؛ فقد ظلت حضارةُ الشرق البعيد تحتفظ بشيءٍ من شموخٍ عتيدٍ يتصوَّر أعناقَه قد طالت السماء مجدًا وتحضُّرًا. وأظن أن البعثة البريطانية قد صادفَت عقبةً كئودًا عندما طلب البلاط الإمبراطوري إلى اللورد ماكارتني نفسه، وهو المبعوث البريطاني الأفخم أن يركع عند أقدامِ جلالته، ويسجد بين يدَيه ضاربًا الأرض برأسه تسع مراتٍ على التوالي، باعتباره همجيًّا لائذًا بحمَى العرش الأمجد. وكل الأجانب في نظر الصينيين، وقتذاك، همجٌ غير متحضِّرين، ما داموا لا يخضعون لابن السماء، الذي هو الإمبراطور شخصيًّا. وكان أن صاح ماكارتني محتجًّا بمكانته الدبلوماسية الراقية، وكان صياحه في حضرة صاحب الجلالة ذنبًا آخر لا يُغتفَر. وتمتَّ تسوية الأمر بحلٍّ وسط؛ بحيث يتقدم اللورد فيَحْني رأسه ويقبِّل يد جلالته، على الطريقة المعتادة مع أصحاب الجلالة في بلده!

هكذا كانت تُفكِّر الصين. وبشيءٍ من نفس أرومة التشدُّد الصارم، لكن لدى زمرة النقَّاد والمنظِّرين الأدبيين هذه المرة، فقد تقرَّر مبدأ أن يكون تسجيلُ الواقع الموضوعي هو الطريق المهذَّب الفاضل إلى إنتاج أدبٍ جميل … كانت الساحة الأدبية تفرضُ شروطَها الكونفوشية، بطابعٍ إمبراطوري تقاليدي [سنلاحظ أنها بذاتها الساحة النقدية التي ستفرضُ شروطها الصارمة حتى اللحظة، وقد ندهَش عندما تتكشَّف حقائقُ صدامها مع مَن اختارَ النزالَ معها، في وقتٍ ما، فقط لكي ينتهي النزاع بهروب المبدع خارج البلاد لائذًا بمظلة الصدام السياسي مع السلطة الحاكمة! مع أن الصدام — في جوهره — لم يتجاوز حدودَ ساحة النقد الأدبي، التي رفضَت تعميدَه، ولم تعترف بقيمة إبداعه، فإذا بالقرار العنيد يتجه إلى هدم المعبد على رأس الجميع، والهرب إلى الغرب طلبًا للحرية … أو هكذا يبدو لي الأمر، حسب شواهدَ كثيرة، لكن تلك مسألةٌ أخرى ليس هنا مجال الخوض فيها].

وعمومًا، فقد كان «الواقع» — كقيمةٍ مركزيةٍ في الإبداع الصيني تقليديًّا — يمثِّل الأساس المعياري لكل كتابة تتوسل بمقوِّمات الأداء الفني الجمالي، في معناه الصحيح. وكانت تلك أسسًا إبداعيةً عاشت بقوة القصور الذاتي، وتلاءمَت مع مطالب الأدب الجديد في الصين الناهضة من سُباتها مع مطلع القرن العشرين؛ لذلك يرثها مبدعو العصر الحديث، مثل التقدُّمي «تشن دوشيو» (رائد الماركسية الصينية)، وهو يرفع راية «الأدب الواقعي». وقد ترسَّخ هذا الاتجاه إبَّان حركة ٤ مايو ١٩١٩م، عندما انفتحَت أبوابُ الصين — بكل طاقتها — على الثقافة الغربية [لم يكن ذلك أول لقاء مع الغرب]، ومرَّت بفترة تقلُّباتٍ هائلة. وقد وفدَت إليها تياراتٌ فكرية وإبداعية من كل مكان، فالتقت بتلك التيارات، وكان من بينها الاتجاه الواقعي، وأخذَت تيارات الكتابة بهذا المنحى؛ إما في نسخته الروسية، وإما في ثوبه الأوروبي، حتى كان أغلب ما يشُد انتباه الكُتاب الصينيين، إبَّان ذلك العهد، الموضوعات الاجتماعية وانعكاساتها على المشاعر العامة. ومن هنا، مثلًا، كتب «لوشون» رائعته «قصة أكيو الحقيقية»، وأبدع «تشيان جونشو» روايته «حصار مدينة» … إلخ.
فالرواية المطرودة من رحمة الكونفوشية وجدَت لها ملاذًا في حِمَى الطاوية، وهي النظام الفكري الأكثر ميلًا إلى تقدير الرؤى الجمالية غير التقليدية، التي شكلَت الشخصية الثقافية الصينية (والطاوية دائمًا ذات مكانةٍ أثيرةٍ لدى المثقَّف والفنان الصيني، باعتبارها أمَسَّ رحِمًا بالإبداع الأدبي المتمرد، الثائر، المنفلِت من قبضة القالب الكونفوشي الصارم، وبالذات في مادته الشعبية الأصيلة وخصائصه التلقائية، بعيدًا عن قالب المؤسَّسة النقدية، بتراثها المحافظ). المهم أن الطاوية احتضنَت الروحَ الثائرةَ في الرواية، ومنحَتْها أعظم هالات المجد، حتى صارت الرواية «التقليدية» تحمل — بشكلٍ أو بآخر — طابعًا ثوريًّا أصيلًا (وهو ما ستلتفُّ إليه الثورة الثقافية في ستينيات القرن اﻟ ٢٠). وهاك مثلًا رواية «على حافة البحيرة» التي كتبها «شي نايان» (زُهاء القرن اﻟ ١٣م)، وتحكي وقائعَ حقيقيةً لما حدث أثناء الانتفاضة الفلاحية الكبرى، التي قادها «سونجيان»، في زمن أسرة يوان الإمبراطورية، يوم أن تدافَع الريفيون البسطاء وهم يحملون فئوسَهم وعِصِيَّهم بوعيٍ ثوري ضد حكام المقاطعات.
وقد جاء كاتبنا «ليو هونغ» هو الآخر من خلفيةٍ ريفية (فهو من مواليد ١٩٣٣م ببلدة «تشونغ تشينغ»، بإقليم «سيتشوان»، غرب الصين)، وظهر إبداعُه في زمن ثورة (بدأ كتابة القصة في ١٩٥٢م؛ أي قبل تخرُّجه في قسم اللغة الصينية بجامعة سيتشوان بعدة سنوات). وشهدَت سنواتُ إبداعه الأول انتصارَ الثورة الاشتراكية بتأسيس الجمهورية، وهو الانتصارُ الذي شجَّع على المراجعة النقدية لمنجَزات حركة الثقافة الجديدة، وتطرَّقَت المناقشاتُ — في بعضٍ منها — إلى التنديد بمثالب الحركة، ومن بينها: انقطاعها عن الروح «الثورية» الأصيلة في تقاليد الإبداع الصيني. ويبدو أن أسبابًا للفوَران احتشدَت في تلك الأيام وهيَّأَت الأجواء للثورة الثقافية الكبرى، فانطلقَت في ١٩٦٦م، وعاش «ليو هونغ» سنواتها العشر كاملة، وتقريبًا، فقد كان شاهد عيان على كثيرٍ من التفاصيل التي تراكمَت — فيما بعدُ — لتكونَ ضمنَ فصول مجموعته القصصية الساخرة وروايتَيه الوحيدتَين (اخترتُ للترجمة خمسَ قصصٍ من مجموعته البالغ عددُها ١٣ ما بين القصة والرواية القصيرة). وللأسف، فليست هناك معالجاتٌ نقديةٌ وافية لأعماله، رغم فوز روايتَه الوحيدتَين بجوائزَ أدبيةٍ راقية (رواية بعنوان: «شقشقة البلابل» فازت بجائزة التميز في ١٩٨١م، وأخرى بعنوان «ابنة الحجَّار الذي يعاقر الخمر»، وفازت بجائزة الأدب الصيني في ١٩٨٨م)، لكن الواضح أنه تحمَّس لتيَّار ما سُمي ﺑ «أدب الجراح» الذي ازدهر مع نهاية السبعينيات، وكان عليه أن يكتب عن حياة جيل الثورة الثقافية، ويقول الكثير مما سكت عنه الصوتُ الرسمي، الذي اكتفَى بإدانة التجاوزات التي حدثَت أثناء الثورة الثقافية، وما أبشعَها! ثم كان على «ليو هونغ» — كغيره من الكُتاب أيضًا — أن ينكَئوا جرحًا بالغَ الألم في أعماق الصين الحديثة، بشجاعة ومسئولية، يوم أن كان على الإبداع أن يُخلِّصَ الوجدانَ الجمعي من آثار أيامٍ بغيضة … هنا، كان على الكتابة أن تصير أداة للنسيان … (وأداة صريحة وواضحة في مواجهة أخطاءٍ تاريخية، فاستحقَّت أن تمهِّد لانتقالٍ تاريخي، في الكتابة، بجانب حركة تَدافُعٍ كبرى على مستوياتٍ مختلفة … ومن هنا انطلقَت مرحلةٌ جديدة في الإبداع الروائي … واهتمامٌ عالمي متعاظم بترجمته … وحصول اثنَين من الروائيين على نوبل  [كاو شينغ جيان، ومويان]) … إلخ.

لكن هنا أيضًا، ومع ليو هونغ في أول الثمانينيات، كان للشفاهي أن يلعبَ دورَه بامتياز! لأن «أحاديث العامة» كانت مادة الشفاهي وخزانة الحكي التي لم تفرغ مادتها، على طول الزمان، ولأن معايير الكتابة الثورية كانت قد استقرَّت على استلهام نموذج «رومانس الأدب الشعبي» … حيث «يعتقد معظم الصينيين أن العمل الأدبي قصةٌ رومانسية ذات تفاصيلَ واقعية»، على حد قول الروائية «تشانغ آيلين».

وعلى أية حال، فقد بدا أن «ليو هونغ» قد استطاع — في أول الثمانينيات — أن يُدرك معنى ما حدث أثناء الثورة الثقافية، وأن يعرفَ ما يتوجَّب قوله، خصوصًا أن حياته الطويلة في الريف، وتأثُّره برُوَّاد القصة الحديثة، وتجربته الطويلة في الكتابة، قد هيَّأَت له القدرة على خلق سردياتٍ وصفية عميقة تستلهم تقنية الرومانس الشعبي ببراعةٍ فائقة استطاعت أن تنقل صورةً لمأساة. وبطبيعة ميله الشخصي إلى الفكاهة، وبالظروف التي أحاطت، موضوعيًّا، بتشكُّل الرواية الصينية الحديثة في نسختها الساخرة على يد: «لوشون»، «لا وشه»، «تشانغ داي»، «شن تسونغ ون» … إلخ، وبتوجُّه الساحة الأدبية — في أول الثمانينيات — إلى تيار «أدب الجراح»، فقد كانت الفرصة مهيَّأة لكي يُخرِجَ من جَعْبة الحكايا الكثير. وقد كان … لكنَّ وقفةً أخرى مع تلك العناصر يمكن أن تقرِّب لنا فهم الأجواء الفكرية التي أحاطت بإنتاج مجموعته القصصية التي نتكلم عنها، بل كتابته الروائية عمومًا.

فلا بد أنه — كغيره من مُجايليه — قد اطَّلع على الإنتاج الأدبي لكُتاب النصف الأول والثاني من القرن اﻟ ٢٠، واكتشف أيضًا — مثل كثيرين منهم — أن ثمَّة أحوالًا مستجدَّة تشبه كثيرًا ما كان قائمًا أيام حركة الثقافة الجديدة التي انطلقَت في ٤ مايو ١٩١٩م، وأن ظروف المجتمع الأدبي الصيني — في أول ثمانينيات القرن العشرين، وبعد ثورةٍ ثقافيةٍ كبرى — مهيَّأة نفسيًّا لكتابةٍ قصصيةٍ ساخرة، وبوعيٍ متجددٍ بالأزمات الاجتماعية … وعيٍ قادرٍ على استبطان وجدان الشقاء الجمعي!

لكن، ماذا عن الرواية الساخرة في النصف الأول من القرن العشرين، أيام حركة ٤ مايو تلك، وكيف كان يمكن لها أن تؤثِّر في إبداع «ليو هونغ» وأبناء جيله، بعد انقضاء سنواتٍ منذ انطلاقها؟

لكي نتفهَّم السببَ الرئيسيَّ في ذلك، فلنُراجع معًا ما كتبه أحد أشهر نقَّاد الحركة الأدبية الجديدة (اسمه «لين يو تانغ») في ١٩٢٠م؛ إذ يقول: «كنتُ قد أسَّستُ منذ عشر سنواتٍ أول مجلةٍ فكاهيةٍ في الصين، بهدف خلق وعيٍ كبيرٍ بين الناس بأهمية ما يمكن أن يقومَ به هذا اللونُ الأدبي من دورٍ في مسيرة الأدب الحديث، فإذا بي أُواجَه بتعنُّت وجمود السلطة الحاكمة (يقصد سلطة اليمين الرجعي الحاكم وقتئذٍ)، وكل أولئك الرافضين لنشاط الشباب الماركسي، فلم أملك — وسط إحساسٍ عارمٍ بالإحباط — إلا أن أقول لهم إن الفكاهة أصبحَت شيئًا مقبولًا في بلاد العالم من حولنا، بل صارت موضع ترحيبٍ من الجميع، هكذا بلا مراء!» ولنتساءل: ما الذي جعل السلطة الحاكمة تأخذ هذا الموقفَ من الأدب الفكاهي؟ وهل كانت مدفوعةً في مواقفها بمنطقٍ محافظ له جذورُه في الأدب الصيني؟ والإجابة ببساطة … نعم، ولنستطلع المزيد مما كان يكمُن وراء هذا الموقف.

فرغم رسوخِ قدَم الفكاهة في الصين لم تكن لها مكانةٌ معتبرةٌ في الثقافة التقليدية، التي رأت في الكوميديا والسخرية والفكاهة نماذجَ وضيعةً من التعبير الفني (حسب التقدير الكونفوشي، كما يُقال!). وتردَّد أيضًا أن الكونفوشية هي التي أعاقت تطوُّر الكتابة الفكاهية الخفيفة وتوابعها الساخرة، بعد أن اعتبرَت أن القصة والمسرح عبارةٌ عن انشغالٍ ثقافي «حقير»؛ وبالتالي، فقد عجزَت الفكاهة عن أن تُوجِد لها مكانةً لائقة وتقاليدَ راسخة، رغم أن مؤرخًا محترمًا في العصر القديم، مثل «صما تشيان»، كان هو من صَكَّ المصطلح القدير للإبداع الفكاهي «هوايجي» بدلًا التسمية القديمة «بايو»، وبهذا، يكون قد منحَه محتوًى معتبرًا؛ بحيث صار يُطلَق على الأدوار الهامشية للمهرِّجين القدامى وهم يقدِّمون النصائح العابرة، خلال قفشاتهم المضحكة ونِكاتهم اللاذعة، في حضرة الأباطرة (حتى أمكن لأحدهم، ذات مرة، أن ينتقدَ مسلكَ صاحب الجلالة … يوم أن قرَّر إنفاقَ مبالغَ طائلة لإقامة جنازةٍ رسميةٍ لحصانه الميِّت! وقت أن صمتَت الأفواه عن التنديد بتصرُّف سفيه!) لكنَّ عددًا من النقاد يرَون أن المؤرِّخ النبيل صما تشيان لم يكن يستطيع أن يصطنع هذا التدقيق الاصطلاحي لولا أن الكونفوشية — تبعًا لتفسيراتٍ مغايرة — اتخذَت في الحقيقة موقفًا معتدلًا من الفكاهة، وذلك بعد أن راحت تُعيد الاعتبار للأشياء الجديرة بالضحك، من زاوية التفاؤل بالمستقبل … من زواية الاستبصار بحسٍّ مرهف يمنح الأمل في تجاوز الأزمات، إنعاشًا للنفوس، وابتعاثًا للإرادة الإيجابية تجاه ما يعترضُ تدفُّق الحياة، وهو موقفٌ يتساوق مع مبادئَ كونفوشيةٍ أصيلة.

لكن المؤكَّد أن الطاوية كانت هي التي منحتَ الأدبَ الفكاهي والكتابةَ الساخرة الأساسَ الأول والمكانةَ الرفيعة وضروراتِ البقاء، حتى لَيُقال إن أول وثيقةٍ أدبيةٍ ساخرة كانت هي المدوَّنة الطاوية «تشوانغ تسي»، وجرى تحريرها منذ نحو ٢٥٠٠ سنة (ولو أن رأيًا آخر يقرِّر أن أول مدوَّنة ساخرة في تاريخ الصين الأدبي هي المعروفة باسم «شياولين» Xiaolin، في عصر «مينغ»؛ أي نحو القرن اﻟ ١٤ إلى اﻟ ١٧م)، والتقدير الأقرب إلى الصواب عندي، أن الأدب الساخر قد وُجد طوالَ الوقت، وعلى مَرِّ العصور التاريخية في الصين، وقبل عصر «مينغ» تحديدًا، بطريقةٍ مبعثرةٍ وفي أشكالٍ فنيةٍ مختلفة، ومن هذه الأشكال، مثلًا:
  • شكلٌ فكاهيٌّ قديمٌ جدًّا، عُرف باسم «باي شو» Pai shuo وهو عبارة عن مونولوجٍ فكاهيٍّ قصير، أصبح نوعًا أدبيًّا، وهو الذي كُتبَت به المجموعة المشار إليها سابقًا باسم «شياولين» Xiaolin [حدائق الفكاهة]، وتم تأليفها زُهاء عام ٢٢١ق.م.
  • شكلٌ فكاهيٌّ بسيط يُطلَق عليه «أحاديث العامة».

  • شكلٌ فكاهيٌّ يتخذ من القصص الخرافي «يويان» Yuyan مادةً أساسيةً لمحتواه، وربما كان أقدمَ الأشكال جميعًا؛ إذ ظهر فيما قبل أسرة «تشين»؛ أي قبل سنة ٢٢١ق.م.
  • المسرحيات الفكاهية «هوا جي شيو» Hua ju xu.
  • النِّكات الشعبية «شياوهوا» Xiaohua.

فتلك إذن أهم الأنماط الفكاهية التي ظهرَت في العصر القديم، وإن كان هناك تصنيفٌ آخر للكتابات الفكاهية والساخرة تبعًا لمغزاها الفني؛ بحيث تنقسم إلى: فكاهات الهجاء، والسخرية الفاحشة، ونوادر التنوير الذهني، والنِّكات الساخرة، والفكاهات الظريفة، بل فرَّقَت الصينُ القديمة بين الفكاهة (أو التعبيرات الفنية المرِحة) الذكورية والأنثوية. ومثلًا، فقد تضمَّن كتاب «تشوانغ تسي» — وهو كما أسلفتُ أحد أقدم المدوَّنات الفكاهية في الفلسفة الطاوية — تعريفًا ينُص على الفَرْق بين النوعَين، من حيث إن الفكاهة الذكورية بطبيعتها تنقسم إلى: الفاحشة، والعنيفة، والماجنة، بينما الأخرى الأنثوية، تتدرَّج في: الناضجة، والراقية، والشاعرية.

كانت الفكاهة الصينية التقليدية، عبْر تاريخ تطوُّرها، تتبلوَر في قالبَين أساسيَّين:

  • الأول: يتمثل في الفكاهة التقليدية الشعبية، مثلما نجدها في الأزجال والأشعار الشعبية، والحكايات والنِّكات المرحة، وأشكال «البايو» المشار إليها فيما سبق، والمسرح الغنائي الشعبي، والسيَر التاريخية غير الرسمية.
  • الثاني: يتضح في الكتابات الأدبية الحديثة من شِعرٍ وقصةٍ تراثية ومسرح.

ولم يكن التطوُّر في كليهما واحدًا؛ فالأول كان أعرقَ تاريخًا، أما الثاني فأقل انتشارًا، وربما (فقط، ربما) كان أضأل قيمة، لمحدودية تأثيره وتقلُّص حدود انتشاره.

وبالتأكيد، فلم ينسَ النقادُ أن يضعوا التعريف الواضح والاصطلاح المعبِّر عن المحتوى الفكاهي في الأنماط السالفة الذكر. ولأن «القصة الصينية الفكاهية أو الساخرة» — سواء تقليديًّا أو حداثيًّا — هي التي تعنينا هنا في المقام الأول، فمن المهم أن نتتبَّع تعريفها. والمتاحُ بين أيدينا — في هذا الصدد — هو ما اتفقَت عليه معظم المصادر من أن القصة بهذا المعنى، هي: «الكتابة ذات المحتوى الفكري النقدي تجاه الواقع، وتتميَّز بخصائصَ متفردة.» والمصطلح القديم الذي اتُّخذ إشارةً إلى المحتوى الفكاهي كان يحاول من جانبه أن يزيدَ الأمر وضوحًا، بتعيين تلك «الخصائص المتفردة»، على النحو الذي يمكن رصده في لفظة «هواجي» Huaji، بمعنى «الفكاهة» أو «السخرية الناعمة»، أو، تحديدًا، «المنزلق الخادع». وقد فطِن النقَّاد القدامى، في فترةٍ مبكرةٍ جدًّا، إلى التباين الدقيق بين «الفكاهة» و«السخرية»، من حيث إن الأولى أكثر حكمةً ورقيًّا من مجرد «الهزْل» أو «التبذُّل» أو «التعريض» الفاضح، ولو أن لفظة «هواجي» — في دلالتها القديمة — كانت أوسعَ نطاقًا بما اشتملَت عليه من الإشارة إلى ظلالٍ متفاوتة، منها: «المرح المثير للضحك»، و«الحديث الساخر»، و«المُلَح والنوادر الطريفة». وعلى العموم فقد جاء اصطلاح «هواجي» في مرحلةٍ متطوِّرة عن سابقه «بايشو»، الذي كان يعني «الثرثرة المسلِّية»، وكان ألصقَ بما يؤدِّيه المهرِّجون بين يدَي الأباطرة، تفريجًا للكَربِ الملكي القديم.
[لمَّا جاء القرن العشرون بحركة لتجديد الأدب (كانت — في تقديري الشخصي — جزئيًّا، محاولةً للقطيعة مع التراث أكثر منها انفتاحًا على أفقٍ مغاير!) كان من فضائل فريقٍ من المجدِّدين أنهم استطاعوا صَكَّ مصطلحاتٍ جديدة تتفق مع مضامينَ مختلفة، ومن هنا، فالفضل يرجع إلى الناقد والمثقَّف الصيني الكبير «لين يو تانغ» في وضع تسمية «يومو» للأدب الساخر؛ بحيث تنسجم كثيرًا مع محتوًى إبداعيٍّ متجدد. ولعله استفاد من جيرانه اليابانيين عندما اشتقَّ اللفظ من الكتابة الصوتية لمفردة Humour في الإنكليزية].
والقيمة المضافة في التسمية التي جاء بها هذا اﻟ «لين يو تانغ» هي أنها نقلَت معنى الفكاهة من إسار اللفظ القديم «هواجي» — الذي كان يشي بمضمونٍ أقربَ إلى الثرثرة المفتعَلة المستجدية للضحك — إلى مغزًى جديد، دالٍّ على «طُرفةٍ مثيرةٍ للبهجة»، لكن من المهم أيضًا القول بأن الساحة النقدية كانت تعرف — قبل التسمية الجديدة المقتبَسة صوتيًّا من مفردةٍ إنجليزية — اصطلاحًا عامًّا في الصينية يشير إلى الكتابة الساخرة، في الأدب الصيني الحديث والقديم، تحت اسم «فنغ تسي» Feng ci، وكان يتلمَّس الإشارة إلى خصوصية السخرية في الثقافية الصينية، بالرجوع إلى جذورها القديمة في التقاليد التي كانت تهدف إلى تقديم النصح إلى الأباطرة، بطرقٍ غير مباشرة، وعبْر ثرثرة مهرِّجين. ولا شك أن التعريف الصيني — من هذه الوجهة — سيحتفظ لنفسه بخصوصية مفارقة عما يمكن أن نلحظه في تعريفاتٍ أكثر شهرة في الساحة النقدية العالمية، خصوصًا تلك التي نجدها عند أعلام النقد الغربي (على يد «روبرت إليوت» Robert Eliot الناقد الأمريكي الأشهر، بتعريفه الواضح للسخرية من أنها «تتخذ وسائل الاستهزاء، والحط من القَدْر، أو المحاكاة الساخرة، أو التقليد الكاريكاتوري، أو أية طريقةٍ أخرى، لانتقاد أية حماقاتٍ أو مآخذَ فردية أو إنسانية»)؛ فما يفرق السخرية في التداول الصيني عن سواها هو الغرضُ الخاص الذي يتوخَّاه الكُتاب الصينيون المُحدَثون من ورائها، مع الالتفات إلى أن الفكاهة أو السخرية الصينية — ومنذ البداية الأولى — كانت تحاول جاهدةً أن تسلك السبل الناقدة الاحتجاجية، في بعض اتجاهاتها، فيما حاولَت في اتجاهاتٍ مغايرةٍ أن تنحُوَ إلى أساليب التقريظ الساخر (بوقارٍ وأدب!)؛ ومن ثَم، فهي تختلفُ كثيرًا عن الفكاهة التي ترمي، في سياقها الغربي، إلى إثارة الضحك، في المقام الأول، حتى إن «لين يو تانغ» كان يقول، في تبيان هذا الفارق: «بينما الصينيون يمرَحون بجِدِّيةٍ تامة، فالغربيون جادُّون تمامًا في الإقبال على المرح!»

فالأدب الشعبي، أو قُل «الأدب غير الرسمي»، كان الأكثر احتفاءً بالكتابات الساخرة، بالذات منذ عصر «مينغ»، عندما انكبَّ المبدعون على إنتاج أعمالٍ فذة في هذا الباب، سواء في الرواية، أو أدب الرحلات، أو الدراما الشعبية. وكانت الصينُ قد تحرَّرَت من ربقة الحكم المغولي، وشهدَت توسعًا اقتصاديًّا وحَراكًا اجتماعيًّا، دفعَا بالمبدعين إلى مصافِّ الإنجاز الفني الجمالي، برغم بقاء الإبداع الساخر على حاله من الإقصاء خارج دائرة التقدير الرسمي «الكونفوشي» المعتبَر، حتى اضطُر بعضُ المؤلِّفين العظام إلى الكتابة تحت أسماءٍ مستعارة، وبقيَت معظمُ الأعمال الساخرة حرفةً في يد البسطاء الذين برَعوا في هذا اللون من التأليف، فازدهَر هذا المنحى على المستوى الشعبي، بعيدًا عن اﻟ «بيوريتانية» الكونفوشية، وظهرَت منه كتاباتٌ متنوِّعة قبل مجيء العصر الحديث بحمولته من النصوص والتعريفات بزمانٍ طويل.

وعلى سبيل المثال، فقد ألَّف «أو تشنغين» — في القرنِ السادسَ عشرَ الميلادي — رائعته «الرحلة إلى الغرب»، فكانت أهم سيرةٍ شعبيةٍ روائية تفضح مثالبَ عصر «مينغ»، بكل مظاهر الفساد الذي اكتنف تاريخه. ومن مزايا السرد فيها أنه احتفَظ بتقليدٍ أرساه مهرِّجو القصور في السخرية من البلاط الحاكم، رغم ما في هذا من خروجٍ عن التقليد التاريخي في الكتابة الروائية الصينية (ذات الأنماط الثابتة، بأغراضها في استقصاء الجوانب النسبية من الحكي)، لكنها استطاعت توظيفَ الشخصياتِ لأداء دورٍ ساخرٍ دون خرقٍ للأصول الأخلاقية المقرَّرة. ثم تجلَّت روعة السرد الساخر في روايةٍ تراثيةٍ أخرى بعنوان «مرآة الورد»؛ حيث رُسمَت صورةٌ هزلية لنساءٍ ورجالٍ يتبادلون الأدوار الاجتماعية (في قلب البيئة الكونفوشية، بتشدُّدها الذكوري الصارم!)، فيقوم الرجال بشئون البيت ويضَعون المساحيق على الوجوه، بينما تعتلي النساءُ الوظائفَ الرسمية العليا، ويدخُلن في زمرة الجيوش ويصطَفِفن في الجندية … وقد طالت شواربهن وتشعَّثَت لِحاهُن … إلخ.

كانت تلك طريقةَ الفكاهة الشعبية البسيطة في تناول اﻟ «هواجي»؛ حيث التصوير الشفَّاف الصريح لحقائق حياةٍ يوميةٍ نسبية. وطبيعيٌّ أن يكون المصطلح «هواجي» أقربَ تعبيرًا عن خصائص الفكاهة الصينية، بمراعاة طابعها القائم أساسًا على السمات الوعظية التربوية، على الفارق بينها وبين جذور اﻟ «يومو»؛ أي الفكاهة بسِمَاتها الغربية، ذات الجذور العميقة في التراث اللاتيني، بدلالته القريبة من مظاهر الاحتفالات الغنائية الصاخبة، وعربَدتها الديونيزية الماجنة؛ حيث الكوميديا أكثر ميلًا إلى المرح وخفة الروح والتأمل النافذ إلى طبائع الأشياء واستجلاء كوامن النفس، في شجونها ودوافعها الأصيلة إلى الضحك.

[وهنا، لعلنا نلحظ فروقًا مقرَّرة بين الثقافات المختلفة، مما قد يميِّز مذاقًا قوميًّا ما عن نظائره في ثقافةٍ أخرى بخصائصَ ناتجة عن طبيعة تفرُّده وظروف تشكُّله التاريخي، تتحدَّد سلفًا كمعطًى أو سمةٍ مبدئية وأصيلة، تمنح الشخصية الثقافية طابعها المميز. والتماسًا لبراهينَ ذات دلالة في الفارق بين مزاج الفكاهة بين الصين والغرب، نُحيل إلى دراسةٍ أُجريَت في ٢٠٠٣م على طلبة الجامعات في هونغ كونغ وتايوان، خرجَت بنتائجَ تشير إلى أن معظم الطلبة الصينيين — في هذه الجامعات — لا يَعدُّون الفكاهة عنصرًا مفيدًا في الإبداع. وفضلًا عن ذلك، فطلبة الجامعات في «سنغافورة» يستخدمون نكاتًا جنسية أقل من نظرائهم الأمريكيين؛ حيث يفضِّل الدارسون من أصل صيني — في تايوان، هونغ كونغ، سنغافورة — النِّكات ذات المحتوى المحافظ، بينما يميل أقرانهم الأمريكيون إلى «القفشات» ذات المضمون الجنسي بعامة. وقد استُكملَت أبحاثٌ أخرى على الطلبة الصينيين في «منغوليا»، فخرجَت بنتائجَ تكاد تكون متماثلةً مع سابقتها، مما يُبرِز اتجاهًا صينيًّا عامًّا ذا طابعٍ مُحافظٍ تجاه الفكاهة، ولو أنه يقدِّر لها دورًا إيجابيًّا ما، سوى أن الخلاصة انتهت إلى استنتاجٍ يُبرِز تعاظُم الانطباع السلبي عن الموضوعات الفكاهية والساخرة، بوصفها «ذوقًا منحطًّا، وسلوكًا لفظيًّا مذمومًا، وانحرافًا عن القيم الاجتماعية السليمة، ونكوصًا عن التقديرات الناضجة»؛ فنحن هنا إزاء سماتٍ تنحو، كطابعٍ عام، إلى التزمُّت الخلُقي والانطوائية المرهَفة الحكيمة، والتقدير البالغ للشروط الثقافية المحددة للاندراج ضمن البيئة الاجتماعية محل العيش المشترك، بافتراضِ موضوعية الدراسة وصحة تقديراتها وسلامة نتائجها].٢
ونرجع إلى الكتابات الصينية الساخرة، في صيغتها الشعبية، قُبيل العصر الحديث، فنجد منها الشيء الكثير، حيث: اﻟ «بينهوا» Pinghua [لأحاديث العامية] وقد ازدهرت في زمن «سونغ»؛ أي نحو القرن اﻟ ١٣م، وبعدها نعرِّج على دراما عصر «يوان»؛ أي القرن اﻟ ١٤م، وصولًا إلى اﻟ «تشوانتشي» Chuanqi [الخرافيات] إبَّان عهد «مينغ»، في القرن اﻟ ١٤-١٥م، وأخيرًا إلى اﻟ «شياوشو» Xiaoshuo [القصة] أيام أسرة «تشينغ»، في الفترة من القرن اﻟ ١٥–١٩م.
ومفيدٌ أن نستكمل التعليق على هذه الفترة بالعودة إلى كتابات عميد الأدب الصيني «لوشون»، خاصةً وهو يحلِّل (باستفاضة لا نملك مبرِّراتها في هذه المقدِّمة العاجلة) كتاباتها الشعبية الساخرة، منذ عصر «جين»، و«طانغ» (أي منذ بداية الكتابة القصصية الصينية، أصلًا)، وذلك في نحو القرن اﻟ ١٠م، فيلاحظ تطورًا في تقنيات ومضامين القصة الساخرة تصل بها إلى الذروة في عصر «مينغ»، ثم تكتمل لها شروط تطوُّرها على النحو الذي ظهرَت به في أهم روايةٍ ساخرة في تاريخ الصين الأدبي كله، وهي رواية «على هامش تاريخ السادة المهذَّبين» Ru Lin Wai Shi (١٧٥٠م)، ثم تليها مباشرةً في الأهمية والقيمة رواية «فضائح حضرات الموظفين» Guan Chang Xian Xing Ji (١٩٠٥م)، إلى جانب رواية «زهرة في نهر الخطيئة» Nie Hai Hua (١٩٠٥م)، ورابعًا نخلص إلى الرواية الساخرة «رحلات «لاو تسان»» Lao Can Youji (١٩٠٧م)، فتلكم هي الروايات الساخرة الأربع الأكثر شهرةً في تاريخ الكتابات الشعبية الصينية. وبعدها، وأقل منها قيمةً وتفرُّدًا، جاءت كتاباتُ ما سُمي ﺑ «قصص الستائر السوداء» Hei Mu Xiao Shuo وتتجلَّى سماتها الفنية في كونها الأكثر انتقادًا لمثالب زمانها، لولا أنها افتقدَت الخصائصَ الفنية الجمالية ككتابةٍ روائيةٍ ساخرةٍ في المقام الأول … وهو تقدير «لوشون» نفسه. ولنا أن نتحفَّظ عليه؛ لأنه كان ينطلق — في أحكامه — من قاعدةٍ تقول بأن الكتابةَ الساخرةَ ينبغي لها أن تعمل في خدمة «قضية التقدم الاجتماعي»، فلنفطن إلى هذا، ونأخذ أحكامه بحذَر!

وأول من أخذ الأحكام بحذَر، كان هو الناقد «لين يو تانغ»، عندما اعتبر أن الفكاهة أصلًا تنبع من التجاوز والملاحظة الجانبية للوقائع؛ حيث يهتم الكاتب بالرؤية النافذة إلى دفائن النفس، استجلاءً لكوامنِها، عسى أن يستبصر المرء بما هو ناجع لتجاوز مشاعر الاكتئاب والأسى؛ ذلك أن الفكاهة — في تقدير «لين» — أهم كثيرًا من السخرية، حتى لو استهدفَت قضية التحديث المجتمعي … وقد ثار جدلٌ كبير بين وجهتَي النظر، وتطوَّر ليصبح سجالًا بين «مدرستَين» في النقد الأدبي الصيني طوال الفترة من ١٩٣١م إلى ١٩٤١م (لم يكن الوقت الذي تمُر به الصين وقتئذٍ يملك ترفَ التفكُّه والضحك — في رأي لو شون — ولم يكن الشعب ينتظر من مبدعيه ومثقَّفيه أن يُغرِقوه في النِّكات الهزْلية، كذا قال!). وكان هذا أطولَ سجالٍ أدبي منذ تأسيس الجمهورية في ١٩١٢م، ومعظم مَن شاركوا فيه كانوا من نُقاد وكُتاب اليسار، وكان معسكرهم يدعو إلى استخدام السخرية سلاحًا إبداعيًّا ومناقشة خصائصها في علاقتها بالواقع … وأخيرًا تبلور رأيٌ أدبيٌّ عامٌّ يرى الالتفات إلى هدف إنقاذ الأمة الصينية، وليكُن للسخرية دورٌ مهمٌّ في الهجوم على «الجوانب المظلمة» من الأوضاع الاجتماعية المتردِّية.

عندئذٍ، بدا أن هناك فارقًا بين الاتجاه الحديث في الكتابة الروائية والاتجاه التقليدي في الأدب الشعبي، من حيث التفاعل مع قضية التقدم الاجتماعي. وربما استخلَص النقاد والدارسون أن هذا الأخير لم يُبدِ تجاوبًا ضروريًّا مع قضايا التحديث [هذا ما خلصَت إليه نتائجُ بحثية على يد صينيين وغربيين، Perry Link, Rey Chow, Denise Gimpel, Michel Hockx, Nicole Huang, Fan Boqun, Chen Jian Hua، لكن مشكلة مثل هذه الجهود البحثية، ككثيرٍ غيرها، تكمُن في افتقارها إلى رؤيةٍ منهجيةٍ كلية؛ حيث افترضَت تصورًا بؤريًّا يصلُح للتعميم، بينما اقتصرت الدراسة وعيِّناتها على شرائح ميدانية في «مدينة شنغهاي» وحدها].

ويهمُّنا، في هذا المجال، الإشارة إلى تعدُّد ألوان وأساليب السرد الفكاهي والساخر في الفترة من بداية زمن «تشينغ» إلى منتصف القرن اﻟ ٢٠، فانشغل بعضُه بكشف الوقائع الاجتماعية المتردِّية، فتألَّق حينًا وتردَّى حينًا آخر في هُوَّة التراكيب الجامدة، وعجز عن التأثير في أجيالٍ متشوقة إلى التحديث، مع العلم أن السماتِ القوميةَ التقليدية في الكتابة الساخرة كانت تقوم على الاستنكار وليس الغضب الجامح، الاستنفار والسخرية التنديدية القادحة دون التجريسية الفاضحة، والرمز دون اللمز، وفي الفكاهة كانت أقرب إلى استثارة الضحكات العارضة دون الهذر الماجن، لكن أشكال الأدب الرسمي بدت — هي نفسها — موضوعًا للتندُّر والسخرية والتفكُّه على ما آلت إليه أحوالها في زمنٍ صار يتطلَّب التطوُّر مع ظروفٍ مختلفة أطلَّت على الصين، وصارت تفرضُ عليها التحديثَ فرضًا.

فالكتابة الساخرة — التي سعت إليها أجيال زمن التحديث في الصين الجديدة، مطلع القرن العشرين — كانت جزءًا من تصوُّر الخلاص للأمة الصينية، وهذا الخلاص هو الهدف الأسمى لمن دافَعوا عن ضرورة تطوير الكتابة الأدبية الصينية. وقد اعترض البعضُ بحُجَّة أن الكتابة الساخرة — باتجاهاتها السلبية — لن تخدمَ أغراضًا بنَّاءة، لكن شبان ذلك الزمان تصوَّروا أن بيدهم آلةً جبَّارة قادرة على التغيير الاجتماعي، من خلال الأدب … هنالك، عادت القيمة المركزية لإبداعٍ يتسلح برؤيةٍ موضوعية تضع في اعتبارها «الواقع» الاجتماعي، بهدف تطويره. وهنالك أيضًا تصوُّر اليسار الصيني أن الكتابات الشعبية — برصيدها الثوري — تستطيع أن تُجابه الواقع المتردِّي بسلاحها الساخر، وبرومانس الثورة الكامن في أعماقها، من قديم.
[قد أُجازِف، هنا، بتأمُّل شيءٍ من التناظر بين الكتابات الشعبية الصينية الساخرة وأحوال الفكاهة الأدبية في مصر (ولو بأشكالٍ سابقة على تطوُّر جنس الرواية)، وانشغالها المتواتر بالتنديد بالواقع الاجتماعي، وانتقاد مثالبه، بتعرية مكامنه المرذولة، أو بالإشارة المبطَّنة إلى دفائنه البغيضة المستترة وراء أزماته، بمختلف جوانبها، بدءًا من محاولات «سيبويه المصري» في هجائه السياسي للإخشيد، وفي أشكال الفكاهة الاجتماعية زمن الحكم الفاطمي، أيامَ أن كثُرت المطارحات الفكاهية على يد «الجهجهان»، و«ابن مكنسة»، و«ابن قادوس الدمياطي»، و«الجليس بن الحبحاب»، ثم في العصر الأيوبي مع «ابن مماتي» وكتابه «الفاشوش في حكم قراقوش». ولا بد أن الكتابة الساخرة بالعامية المصرية كانت تستطيع أن تُنجِزَ أروعَ تجلِّياتها على يد «السراج الوراق»، و«الحمامي»، و«ابن الصائغ»، و«إبراهيم المعمار»، و«ابن نباتة»، و«ابن سودون» بديوانه الأشهر «نزهة النفوس ومضحك العبوس» (لعله كان أول شاعر مصري يكتب شعرًا فكاهيًّا في الأدب الشعبي!)، وذلك في العصر المملوكي. وإذا كان يوسف الشربيني قد حظي — إبَّان العثمانيين — بشهرةٍ ذائعةٍ بقصيدته المعروفة ﺑ «أبي شادوف»، فقد سبقه — في المضمار نفسه، وربما بأبرعَ منه — «عامر الأنبوطي»، لكن العصر العثماني لم يكن ليمنح مبدعًا حقَّه (هو أصلًا لم يكن زمنَ تقديرِ المواهب والمبدعين). وربما كان يعقوب صنوع — في بعض تعليقاته المنشورة في صحيفته — أقرب إلى منطق الفكاهة، كما أبدعها يوسف الشربيني بتناولاته اللاذعة لأحوال الريف المصري البائس، لكنه كان يوظف ذلك لسخريةٍ سياسيةٍ حادة من عهد إسماعيل، عندما انتقلَت الكتابة الفكاهية الساخرة انتقالًا حاسمًا إلى العصر الحديث، على يد الشيخ «حسن الآلاتي» بمؤلَّفه «ترويح النفوس»، أو «المضحكخانة»، دون أن نُغفِلَ عبد الله النديم ودوره في «التنكيت والتبكيت»، بينما شهدَت الفكاهةُ الزجلية تطوُّرها الفذ مع الشيخ «محمد النجار» وصحيفته «مجلة الأرغول»، ليغلبَ على فكاهته طابعُ النقد الخلُقي الاجتماعي. ثم يبدأ القرنُ العشرين بمجلة «حمارة منيتي» التي أخرجها (الضابط، سابقًا) «محمد توفيق». وينشأ التنافس (قُل، التدافع) الحاد في إصدار مجلات الفكاهة، مع تطور الأحوال الاجتماعية؛ فيصدر «أحمد حافظ عوض» مجلة «خيال الظل»، ويتلوه «حسين علي» بمجلة «البعكوكة». وتدخل دار الهلال ساحة المنافسة، فتصدر «مجلة الفكاهة» في ١٩٢٦م، التي تتحوَّل إلى «مجلة الاثنين»، وينتابها شعور ساحة الأدب الصيني (ربما بالتزامن!) بأن الأحوال العامة، وتطور القضية الوطنية، يُحيلان الفكاهة إلى ترفٍ ثقافيٍّ ثقيل الظل، فتجمع في مواد المجلة بين الجاد والفكاهي الساخر، خصوصًا أن رفيقتها في الساحة، مجلة «الكشكول»، كانت تدخُل معترك النقد السياسي، وتُلاحِق الوفديين بالسخرية المريرة. ولم يعُق دخول المطبعة تطوُّر الفكاهة الشعبية بأشكالها الأصيلة، فانتشرَت المجالس والمقاهي الفكاهية أوائل القرن اﻟ ٢٠، وارتادها أساطينُ السخرية، وقتئذٍ: محمد البابلي، عبد العزيز البشري، حافظ إبراهيم. وشاعت الأزجال على يد: الشيخ النجار، أحمد القوصي، عزت صقر، الشيخ يونس القاضي، حسين الحلبي، حسين مظلوم، محمود رمزي، نظيم وبديع خيري، وبالطبع ومن دون أدنى شك: بيرم التونسي. وبالانتقال إلى أجيال وظروف تطوُّر اجتماعي تشهد تزايدًا في معدَّل الاطلاع، مع تصاعد حركة التعليم، تبرُز الكتابات الصحفية الساخرة، بالخصم من الارتجال الشعبي. ولو أن واحدًا مثل «أحمد رجب» — في الثلث الأخير من القرن اﻟ ٢٠ — حاول من خلال التعليقات الكاريكاتورية، أن يُعيدَ شيئًا من التوازن والاعتبار إلى الكتابة العامية المصرية، بشفافية وروعة أدائها البسيط، لقد ارتفع بمستوى العبارة الريفية الساخرة إلى مصافِّ الإنجاز اللغوي العبقري، برشاقة وإيجاز المعنى، كما أوصت به الفصحى في مجاز القول (انظر «نصف كلمة»)، لكن يبقى أن الفكاهة الساخرة «الطارئة على الكتابة الأدبية الحديثة» لم تخلُق لنفسها، بعدُ، مصداقية الحس الشعبي التلقائي … والأمر كذلك في ساحة الأدب الصيني، من دون مغالاة].
ويُفيد الصينَ أنها نقلَت الأداء اللغوي إلى العامية مباشرة، وبحسم، منذ ٤ مايو ١٩١٩م؛ فمنذ ذلك التاريخ، توقَّف الجميع عن استخدام الفصحى التقليدية، وصارت العامية الدارجة «بوتونهوا» Putonghua لغة الخطاب الرسمي والأدبي والثقافي دفعةً واحدة. وكانت صين العشرينيات تحوِّل دفَّة تياراتها الأدبية من الغرب الأوروبي (عبْر الوسيط الياباني) إلى الغرب السلافي … أي إلى روسيا تحديدًا [الصين الأدبية الآن، ومنذ ثمانينيات القرن اﻟ ٢٠ حتى اللحظة، تنقل وجهة اهتماماتها تارةً أخرى صوبَ الغرب، دون وسطاء، هذه المرة!]. وفي الثلث الأول من القرن اﻟ ٢٠، كانت القصة الصينية الساخرة تبدأ مشوارها على طريق الحداثة مع «لوشون». وكان الواقع الاجتماعي ومشكلاتُه وانعكاساتُ أزماته على المشاعر العامة يفرضُ التركيز على التناول الواقعي في القصة الساخرة، فكتب عميد الأدب الصيني الحديث رائعته «مذكرات مجنون»، ثم لم يلبث أن أتبعَها ﺑ «قصة آكيو الحقيقية». كانت ظروف الصين في اﻟ ٣٠، واﻟ ٤٠ من القرن العشرين، قد بلغَت درجةً من الحساسية والدقَّة لدرجة أن الكاتب الساخر «تشانغ داي» كان يردِّد مقولةً مفادها: «الفكاهة عندنا الآن جادَّة للغاية!» نعم، كانت الكتابة الساخرة عند لوشون تعني دمج الواقعي بالموضوعي النضالي، فكان الساخر عنده يلتقي بالفكاهي، لكنَّ آخرين غيره، وتحت تأثير الأحوال العامة لمجتمع الثلاثينيات، أعلَوا من شأن الواقعي مثل «تشانغ داي»، الذي تلقَّى عن لوشون خصائصَه الحداثية، ولو أنه تفرَّد بطريقته من دون كثير ميلٍ إلى التأمل، على نحوِ ما كان يفعل أستاذه، واستطاع أن يخلقَ عناصرَ سخريته من المواقف السياسية والاجتماعية ببراعة.

وبعد كلٍّ من لوشون وتشانغ داي، شهدَت القصة الساخرة تطوُّرها اللاحق على يد مجموعةٍ متميزةٍ من الروائيين، جميعُهم من كُتاب اليسار، مثل: «شا دينغ» (١٩٠٤–١٩٩٢م)، «تشو ون»، «جيانغ موليانغ»، «وانغ رنشو»، «شيدو» (١٩١٠–١٩٩٨م)، «شياو هونغ» [كاتبة] (١٩١١–١٩٤٢م). وتأثَّروا كلهم بطريقة لوشون في السخرية الهادئة عبْر الحكي المتمهِّل بتضميناته المشحونة — رغم هذا — بالعنفوان، سوى كلٍّ من «شياو هونغ»، و«شيدو» وحدَهما، اللذَين كتبا قصصًا ساخرةً ذات طابعٍ ثوريٍّ رومانسي.

ثم جاء «لاو شي» (١٨٩٩–١٩٦٦م) ليمنح القصة الصينية الساخرة، في ثوبها الحديث، طابعها الفريد، الذي فاقت به كل ما كان متخيلًا من إمكانات تطورٍ هائل؛ فقد استطاع أن يرسمَ لها طريقَ إبداعٍ متجدد حقًّا عبْر إنتاجه الغزير والمتميز، في قصصه الكثيرة، مثل: «فلسفة المعلم تشانغ»، و«هكذا تكلَّم السيد تشاو»، فكان لنشرهما تأثيرٌ هائل وسط القُراء والساحة النقدية. وكان هو أول مَن كتب روايةً طويلةً ساخرة في العصر الحديث، بأسلوبٍ حَظِي بترحيبٍ كبير، لما تميَّز به من بساطة وروعة، خصوصًا على النحو الذي يجده القارئ في رواية «مذكرات مدينة القطط»، و«الطلاق»، و«الدكتور «ون»». ولئن كان قد بدأ مشواره باتخاذ أسلوب لوشون نموذجًا، فقد استطاع أن يشتقَّ لنفسه أدواتٍ متطورة، ويمضي في طريقٍ متفرد بذائقةٍ مختلفة (في الفارق بينهما، كان لوشون يهتم بالمحتوى التفصيلي، بينما انصرف لاو شي إلى الإطار والأداء اللغوي البسيط، فاستحق عن جدارةٍ أن يصبح أستاذ فن الرواية الصينية الساخرة). لكن مشكلته أنه تعرَّض بالنقد الصارخ لبيروقراطية الكوادر الحزبية، عندما كتب مسرحيته «التطلُّع غربًا صوبَ «تشانغ آن»». والعنوان اقتباسٌ جزئي من قصيدة لشاعرٍ قديم اسمه «لي بو»، كان يقول فيها … «أتطلَّع غربًا صوبَ «تشانغ آن» فلا أرى بيتي ولا أرى أحدًا …» والجناسُ الصوتي بين لفظة «منزل» وكلمة «شيء ذو جدوى» مفهومٌ للدارسين؛ بحيث يسهُل استنتاج المعنى ضمنًا … «أتطلَّع غربًا فلا أجد شيئًا ذا قيمة». وكانت «تشانغ آن» المشار إليها هنا هي عاصمة أسرة «طانغ» في العصر القديم، وهي أيضًا الموقع الذي اتخذه الحزبُ الشيوعي الصيني قاعدةً له أثناء حرب الصمود. والرمز واضحٌ بما يكفي للحط من قَدْر العاصمة القديمة والمقَر الحديث … و«من فيهما». واستدعت السخريةُ المريرة بدورها انتقاداتٍ من الحزب … إلخ؛ لكن كان من السهل أن يُزج به ضمن الاتجاهات اليمينية في أول الستينيات (وبصراحة، فقد تجنَّى على مسيرة نضال شعبٍ ووطنٍ بأفدحَ مما جنَت عليه آراؤه. ولولا أني أريد لنفسي حياد الباحث، لاستطردتُ طويلًا، باستفاضة)، خصوصًا أن صيحته الشهيرة في مسرحية «المقهى» كانت تقول من دون مُوارَبةٍ ما يفيد بأن: «الحاضر ليس أفضل من الماضي في شيء …» وعمومًا، فإبداع «لاو شي» علامةٌ فارقة في تاريخ تطوُّر «الرواية» الساخرة في الأدب الصيني الحديث، تستحقُّ الانتباه والدرس.

وصحيح جدًّا القول بأن القصة الساخرة الصينية الحديثة قد بدأَت على يد لوشون، وتطوَّرَت مع «تشانغ داي»، ثم بلغَت تمام النضج وروعة الأداء عند «لاو شي» و«شا دينغ»، وصحيح — بنفس القَدْر — أن يُقال بأنها وصلَت إلى مصاف التطور عند «تشيان جونشو»؛٣ فذاك هو الروائي الذي (ربما) يستحق أن يُقال بأنه أعظم من كتب روايةً ساخرةً في الأدب الصيني، على مدى تاريخه كله، قديمه وحديثه، والتقدير هنا منقول عن آراءٍ نقديةٍ معتبرة، مع تحفُّظنا على صيغته الذاهبة في المطلَق)؛ فقيمة إنتاج هذا اﻟ «تشيان جونشو» أنه جعل المحددات الأخلاقية والاجتماعية، وتفاعلاتها مع حياة الناس اليومية، خلفيةً عامة يتكئ عليها ابتداءً، ثم يمضي ليبلورها في قضيةٍ عامة ذات طابعٍ إنساني؛ بحيث تكشف عن مكامن الضعف لدى الإنسان العادي، وتجعل من هذا الكشف جرسَ إنذارٍ يتردَّد مشحونًا بأصداءٍ رمزية، عسى أن تتكشَّف للناس أسوار عزلتهم … من هنا، فقد كتب رائعتَيه «حصار مدينة»، و«إنسي، حيواني، وحشي». ويكمن تميُّزه عن الآخرين جميعًا في أنه يكاد يكون الوحيد من أجيال الكُتاب الصينيين الذي أجرى على القصة الساخرة تحولًا حاسمًا من المسار التقليدي إلى الحداثي؛ فقد رفع من وتيرة التحديث عاليًا، وتحوَّل من الإقليمية الضيقة إلى الإنسانية، وهو ما عجز عنه مجايلوه، حتى لاو شي، الذي لم يبلغ بواقعيته الجامدة مرتبة تفوقه، ولا استطاع الآخرون — بأغراضهم النقدية الأخلاقية، أو انحيازاتهم الواقعية — أن يتجاوزوا التناول الساخر المقيَّد بحدود قضاياه المحلية. ولا جدال أن العصر قد خلَق للكتابة الساخرة طابعها الواقعي وسماتها المتطورة، لكن الخصائص الحداثية الحقَّة، وأجواءها الفلسفية، لم تتضح بشكلٍ كافٍ إلا مع «تشيان جونشو».

هؤلاء كانوا أشهر الروائيين الساخرين: لوشون، لاو شي، تشيان جونشو، يي شاوجون، تشانغ داي، شن تسونغ ون، شا دينغ، شيدو، شياو هونغ … إلخ. وكان هناك كُتابٌ آخرون لم يحظَوا باهتمامٍ نقدي إلا بالكاد، منهم: «وانغ رنشو»، و«بارن» (١٩٠١–١٩٧٢م)، و«وانغ لوين» (١٩٠١–١٩٤٤م)، و«شيو تشين ون» (١٨٩٧–١٩٨٤م)، وجيان شياناي (١٩٠٦–١٩٩٤م)، و«شيوجي» (١٩٠١–١٩٩٣م) و«بنغ جيا هوان» (١٨٩٨–١٩٣٣م)، و«فيمينغ» (١٩٠١–١٩٦٧م) و«جيانغ موليانغ» (١٩٠١–١٩٧٣م)، و«وانغ شيان» (١٩١٤–١٩٩٩م)، و«لي هانشيو» (١٨٧٣–١٩٢٣م) و«شيانغ كاران» (١٨٩٠–١٩٥٧م)، وآخرون كثيرون.

و… أيضًا كاتبنا «ليو هونغ» (١٩٣٣– ؟م). وتكمُن قيمة هذا الروائي، في تقديري، في أنه أحد أهم مبدعي الكتابة الساخرة في صين النصف الثاني من القرن اﻟ ٢٠؛ فمولده شهد تمام النضج للحركة الوطنية، واكتمال عافية النضال الصيني، وانتصاره في حرب المقاومة ضد اليابان، باشتداد عضُد اليسار، وتعاظُم الدفع باتجاه التحديث، ثم انتصار الثورة الاشتراكية، بتأسيس الصين الشعبية، وتلاحُق المد الثوري مع الثورة الثقافية الكبرى التي شهد أحداثها بنفسه. وفي وعيه تجربة إبداع جيل الحداثيين العظام (المشار إليهم آنفًا)، وبجواره جيل الشباب «وانغ آني» [كاتبة]، و«تي نينغ» [رئيسة اتحاد الكتاب، حتى لحظة كتابة هذه المقدمة]، و«تشن تسون» و«كونغ جيه تشنغ»، وآخرون كثيرون جدًّا، وكلهم يتطلَّع إلى الجيل الأنضج روائيَّا، مثل «وانغ منغ» [وزير الثقافة الأسبق]، و«تشانغ شيان ليانغ»، و«كاو شياوشنغ» و«لو وِن فو». ولا بد أنه تابع كغيره حجم التناقضات بين هؤلاء وبين مراحل تطوُّر الثورة الاشتراكية وجدلهم معها. وباختصار، فقد شهد وعاش ورأى ما يكفي لأن يصنع أسطورة بقاء بعينَين مفتوحتَين أمام كل الظروف الصعبة. وأظن أنه يستحق أكثر من اهتمام، صحيحٌ أنه عاش مع الجيل الصاخب، دون صخب — ولما جاء زمان الجيل اللامع، آثر أن يبقى في الظل — لكنه استطاع بكتابته الساخرة أن يُعيد للواقع — الذي ابتذلَتْه القصة الساخرة — مسحةً من الرومانسية الصينية الشعبية. وهو ابن إقليمٍ قروي، برصيد من مواريث الحكايا يكفي لخلق أسطورة في الكتابة. ثم إنه انخرط في تجربةٍ واقعيةٍ مع شباب المثقَّفين، وعاش معهم قصةَ نضالٍ واقعية، ولا بد أنه تلقَّى معرفةً ما حول الدور النضالي للقصة وفعالية نتائجها الاجتماعية، وتلك نقطةٌ مفصليةٌ أخرى أتاحت له عبورًا آمنًا بين شاطئَين؛ رومانس الأدب الشعبي، وواقعية الكتابة الحديثة (من ثَم ربما نفهم سرَّ إخلاصه لمهنة التدريس في قريةٍ نائية، ودأَبه على الكتابة القصصية، كقضيةٍ محوريةٍ بالنسبة له، حتى عندما أُتيح له أن يقتربَ من النشاط المسرحي!).
بهذا، أكونُ قد حاولتُ رصد أهمية ترجمة قصص «ليو هونغ»، من خلال نقطتَين، أو وقفتَين، أشرتُ إليهما في أول المقدمة. وعلى أية حال، فقد كنتُ أنطلق في اختياري لترجمة موضوع الكتابة الساخرة في الصين، عبْر إبداع ليو هونغ القصصي، من تقدير يراعي قيمةً أدبيةً وتاريخيةً لاتجاهٍ استطاع أن يتجاوزَ أزمةَ زمن الحداثة الأول، بما أوصل من جسورٍ بين ميراث الكتابة الساخرة في اتجاه الرومانس الشعبي، وبين تقنيات السرد الواقعي، وببراعةٍ غيرِ متكرِّرة في كثيرٍ من كتابات أجيالٍ ناضجة (بعضها حصل على جوائزَ دوليةٍ مرموقة!). هذا السبب الأول، كما أراه من منظور باحثٍ عربي مهتم بالثقافة الصينية في إبداعها الأدبي وأحوال تطوُّرها التاريخي، وهو منظورٌ مُغايرٌ تمامًا لحسابات عصرٍ جديدٍ أطلَّت عليه الصينُ مع سياسات الانفتاح، ولا بد أن ظروف الإبداع والنقد وما يتصل بها من سياسات نشرٍ وأحوال مجتمعٍ متغير في الداخل الصيني وفي العالم الذي انفتحَت عليه البلاد … لا بد أن كل ذلك وغيره يصُب في مصلحة كتابةٍ إبداعية من نوعٍ مختلف؛ فالآن، وفي فترة الربع الأول من القرن اﻟ ٢١، تشهد الساحة الأدبية جيلًا آخر وُلِد في ستينيات القرن، وبدأ إنتاجه مع التسعينيات، وربما كان يعيشُ في أسوار عزلة عن تاريخه القريب غيرَ مكترثٍ حتى بما يدور حوله من تياراتٍ فكرية (لو كانت هناك تياراتٌ من هذا النوع!) مع درايته التامة بأحوال الأدب الغربي، وانشغاله الدائم بالعيش داخل دائرة وجوده الذاتي (الأناني؟)، مع إنكارٍ تامٍّ للدور الاجتماعي للأدب؛ حيث الكتابة — بالنسبة له — مجرد أدواتٍ تقنيةٍ جمالية لإنتاج سردٍ للتسلي، ليس أكثر! جيل ينتج نصوصًا قريبة مما برع فيه الغرب أيام القرن اﻟ ١٩، وفوق ذلك، فهو هارب دومًا من رومانس التقاليد الأدبية إلى رومانسية الذات الفردانية، على ما يبدو في نصوصه الروائية المونولوغية … ومن ثَم تتجلى أهمية كتابة «ليو هونغ»، بموقعها المفصلي بين تياراتٍ أدبيةٍ كبرى متباينة في خصائصها، وأحيانًا متناقضة في توجهاتها.

في هذا السياق، نطالع كتابة «ليو هونغ» كمدخلٍ لفهم جانبٍ من أحوال تطوُّر الكتابة الساخرة في صين الستينيات. وتتجلى أهمية المادة التي بين أيدينا أكثر عندما ندرك ندرة الدراسات المتعلقة بهذا المضمار، سواء في دوائر البحث الأكاديمي الصيني أو العالمي. لماذا؟ لأن الباحثين الصينيين، عندما تناولوا الرواية الساخرة في الأدب الحديث، صبُّوا جُلَّ اهتمامهم على النشاط الإبداعي الفردي، فانقطعوا عن الاهتمام بمتابعة تطوُّر أحوالها في سياقٍ تاريخي لفتراتِ أو لمناطقَ محددة، هذا من ناحية …

ثم إن بعضًا من الدراسات الغربية (أقول «بعضًا» احترامًا لأصول الاحتراز العلمي … لكن الواقع أبشعُ كثيرًا) يقدِّم رؤًى غير ناضجة، واستنتاجاتٍ متعجلة، فيما يتعلق بأحوال الأدب الصيني الحديث والمعاصر، ربما لأن المداخل المنهجية — التجزيئية بطبيعتها — تحتوي خللًا بنيويًّا يستتبع التضليل؛ فأنت تقرأ مثلًا دراسة أو بحثًا عن الواقعية في الرواية الصينية الحديثة، في مصدرٍ معتبَر،٤ فتجد استخلاصًا مثل هذا، في بدء الفقرة … «إن الواقعية تم تقديمها إلى الصين في نهاية عصر «تشينغ»؛ لأن المثقفين الصينيين افترضوا أن الواقعية يمكن أن تشجِّع القُراء على الانخراط الإيجابي في القضايا السياسية والاجتماعية … لكن سرعان ما فقد المثقَّفون حماستهم لها وطالبوا ﺑ … إلخ.» ولا يمكنك إلا أن تغُضَّ الطرف؛ لأن الفقرة — من أولها — تنطلق من حُكم اعتباطي؛ لذلك انتهت إلى نتيجةٍ خيالية.

فالحقيقة الناطقة بألفِ لسانٍ تشهد بأن الواقعية لها القدم الراسخة في عند عصور الأدب المتلاحقة [واقعية المواريث الأدبية الصينية، بجذرها القديم عند «صما تشيان»، لا واقعية المحاكاة الأرسطية في كلاسيكيات قواعد الفن الأوروبي]، وذلك منذ أن دوَّن الصينيون تاريخًا لبلدهم! لكنها مناهج البحث التي تعجز (حتمًا) عن رؤية الواقع الموضوعي في ترابطاته الكلية وتطوره التاريخي … تعجز، حتمًا؛ لأنها — أي الدراسات الأكاديمية الغربية — حديثة عهد في استقصاء موضوعات الأدب الصيني الحديث، ولم تكن لها غالبًا صلةٌ طبيعية بما يجري، منذ خمسينيات القرن اﻟ ٢٠ ولنحو أربعين عامًا بعدها؛ ولذلك، فهي إما تكون قد تأثَّرَت بمصادرَ تمَّت صياغتُها وَفْق خلفيةٍ مؤدلجة، وإما أن تكون قد انطلقَت من فرضياتها الجاهزة سلفًا، بما تقرَّر ضمن أحكام قيمة لا تبحث عن حقائق، بقَدْر انشغالها بخلق صورٍ فكرية تتكيَّف مع مظهرٍ للحقيقة.

أيضًا، وفي سياق تبيان أهمية ترجمة أعمال «ليو هونغ» … فهي شهادة كاتب وأجيال «شباب المثقفين» ممن عاصروا وشاركوا في تجربة «الثورة الثقافية الكبرى»؛ وبالتالي فهي مصدرٌ خصبٌ للاقتراب من فهم «الحالة الاجتماعية» الصينية إبَّان ذلك الوقت. وهذا قُصارى ما يمكن تتبُّعه، ما دامت الحقائق الدامغة ستغيب طويلًا بالصمت الرسمي. وبالطبع، فكتاباته لن تُجيب عن الأسئلة الحائرة: هل الثورة الثقافية الصينية قامت بسبب تعنُّت الثقافة التقليدية، أم بسبب تفتُّت تلك الثقافة وتخريبها؟ هل نجحَت في أن تشُدَّ تطلعات الصين إلى الأمام، متجاوزةً الوراء الرجعي المتخلف، الذي أثقل خَطْوها عن المضي قُدمًا؟ … إلخ. لكن، وعلى أية حال، فإطلالة «ليو هونغ» الساخرة أتاحت مدخلًا إنسانيًّا لفهم الأجواء النفسية للثورة الثقافية. وتبقى لكتابته قيمة الشاهد الحي على أحداثٍ يطالها الصمت الرهيب … [الصمت الذي حاول «ليو هونغ» — خلال سرده القصصي — أن يميط عنه اللثام، في رمزية الرجل الذي أصابه العجز عن الكلام، فاستبدَّ به السُّعال، وراح يتلمَّس كل الوسائل الممكنة لاستعادة الصوت الحبيس في أعماقه، متوسلًا في ذلك بأحدوثةٍ شعبيةٍ تمنحُه الأمل في صوتٍ يخرج من أعماقه، يُزيح عنه الشقاء؛ فحتى الدواب المجهَدة تنوء بعبء الصمت، وتلتمس في أطراف الغابات «نتاجًا مكتمل العافية» … ثم لما جاء الصوت مدوِّيًا، كان بدوره بدايةً لشقاءٍ جديدٍ يجلب على الشاب الريفي الساذج كل ألوان المحن … ومن زاوية أخرى، يجيء الصمت برفقة الانزواء؛ فالانكماش فضيلةٌ مُثلى للمدرس الضعيف البصر، الذي يجد نفسه مطالبًا حتى بألَّا يحاول مجرد التطلع إلى الشُّرفات البعيدة المليئة بأصص الورود … وحتى عندما يعرف الريفي الثقيل اللسان مزايا السكوت عن كل الخبايا ويرضى لنفسه النصيبَ الأحطَّ قدْرًا، ويشتري عنزةً عجفاء، إذا بامرأته تجلب على البيت المتاعب، بثرثرتها «وصوتها» المتمرد، فقط لتكتشف أن «الصوت الرسمي» أعلى وأقوى مما يظن أي أحد … هي جدلية الصوت والصمت، الرسمي والشعبي، تتقاطع مع ثنائية السرد الشفاهي الساخر مقابل المتن الحكائي الرسمي الغائب وراء ستائر أسدلها السكوت فوق الحكايا، إلا من كلماتٍ بقيَت على هامش السيَر، تتشبَّث بميراث الحكي الفكاهي المتداول، كثرثرةٍ جالبةٍ للضحك، كمهرِّجٍ يرتدي أسمالًا على عتبات قصرٍ ملكي، يقول كل ما في جعبته، هازلًا، ماجنًا، وقلبه يقطر أسًى دفينًا].

واليوم، إذ أقدِّم إلى القارئ مختاراتٍ قصصيةً للكاتب الصيني الساخر «ليو هونغ»، وهي أول ترجمةٍ له على الإطلاق، مما يُتيح للقارئ العربي مطالعة مادة لم تُنشر للقارئ العالمي في أية لغةٍ أخرى، فالباعث على تقدير أهميتها وجدارتها للترجمة، يتلخَّص في أنها:

  • استوعبَت مراحل تطوُّر الكتابة الساخرة عند أجيال التحديث واستفادت منها.

  • أدركَت ضرورة التواصل مع طابع الرومانس الشعبي الأصيل في مواريث الرواية الصينية.

  • تفاعلَت، ميدانيًّا، مع تجاربَ (أو بالأحرى، تجربة …) التلاحم الثوري وسط البيئة الثقافية المحلية، مما أتاح لها فرصة رؤية واقعها الاجتماعي، والجدل معه، إبَّان فترةٍ مهمة من تطوُّر الصين.

  • أتاحت مادةً قصصيةً معبِّرة عن جوانبَ متخيَّلة مما ترسَّب في الوجدان، فرديًّا أو جماعيا، عبْر كتابةٍ إبداعيةٍ حاضرةٍ في مشهد الثورة الثقافية الصينية.

  • برغم ضآلة كتابات «ليو هونغ» الإبداعية، كميًّا، فقد لخصَت سماتِ الكتابة القصصية الساخرة نوعيًّا؛ مما كان يستوجب قراءةً نقديةً واعيةً في خصائص السرد عنده بالذات، وقد جاءت كتابتُه في نقطةٍ مفصلية من تاريخ الإبداع (بين جيل الكتابة الملتحمة بالشأن الاجتماعي، وجيل الإبداع المنغمس في دائرة وجوده الفردي).

بهذا التقدير، قمتُ بترجمة كاتبٍ صيني ساخر، وأنا أضع موضوع الكتابة قبل المبدع، ربما لأني كنتُ أتصور أن التعريف بأحوال الأدب الصيني وتقديمه إلى المكتبة العربية، يحتاج إلى تأصيل رؤيةٍ أو خطةٍ أو منهجٍ محدد، يحدُّ من غُلَواء الانتقاء الفردي، وأن تناول المنتج الأدبي — وَفْق تصنيف بالموضوعات أو أنساق موضوعية في الكتابة — يمكن أن يقود إلى إنجاز بالتراكم؛ ومن ثمَ يرسِّخ مساراتٍ منهجيةً تقود إلى وعيٍ بأصالة منجَزٍ ترجَمي، خصوصًا أن مدرسةً عربيةً في الترجمة عن الصينية لن تكون قد امتازت بالشيء الكثير إذا ما اقتصرَت على أفضلية النقل المباشر عن لغة الأصل وثقافته، ما دامت لم تؤسِّس أنساقًا أو رؤًى أو أطرًا موضوعيةً لجهودها. من هنا، أبادر بهذه الترجمة، وعمليًّا، إلى رؤيةٍ فرديةٍ تعوِّض عن غياب الخطة المؤسَّسية في الترجمة، بتقديم الأعمال الأدبية الصينية الحديثة والمعاصرة، وَفْق تصنيف بموضوعات الكتابة، أو أنساق الموضوعات الإبداعية في الرواية. ولئن كنتُ قد بدأت بأعمال «ليو هونغ»، للأسباب المذكورة آنفًا، فالمفروض أن أتقدَّم بعده خطوةً أخرى — وفقًا لسياقٍ تاريخي — فأُترجِم من الرواية الكلاسيكية رائدة الكتابة الساخرة فيها، «على هامش حكاية السادة المهذَّبين»، ومن الأدب الحديث أقدِّم ترجمات ﻟ لاو شي، وتشيان جونشو، وتشانغ داي، على الترتيب، أو أن يقوم غيري من المترجمين بهذا الجهد؛ فالمهم أن تكون ثمَّة خطةٌ واضحةٌ تُعطي اعتبارًا لإنجاز ترجمة الأنساق الكلية لموضوعات الكتابة في سياقها التاريخي، وذلك بالتمايز عن منحًى آخر معاصر، يركِّز على تفوُّق الخصائص الفردية عند آحاد الكُتاب.

يبقى أن أشكُر كلَّ من أسهَموا بجهدٍ في إخراج هذه الترجمة؛ فبفضلهم أمكن لهذا التقدير الفردي في اختيار مادة الترجمة أن يحظى بتشجيعٍ مؤسَّسي، بل بأعظم دعمٍ معنوي كان يجب أن أذكُر فضلَه، ابتداءً، بموقفه ودوره ليس فقط المشجِّع، بل الواعز إلى مقاربةٍ مغايرةٍ في تقديم الآداب العالمية والتعريف بها، خصوصًا تلك التي تخصُّ مناطقَ ثقافيةً مختلفةً عما ألِفْناه طوالَ عهود؛ بحيث تحقِّق للتناول الترجمي، في مصر، تمايزًا إيجابيًّا عن المطروح للقارئ عبْر اختياراتٍ تمَّت صياغتُها بعيدًا عن المنظور الغربي، فكان موقفها مؤسِّسًا لهذا النتاج الذي بين يدَي القارئ، بإلحاحها على تقديم مادةٍ مترجَمةٍ تحظى بحضورٍ فكريٍّ مستقل، ومداخلِ عرضٍ غير مسبوقة، إلى جانب الجديد الذي تتفرَّد به ساحة النشر العربية، دون غيرها؛ فها هي مجموعةٌ قصصيةٌ نُهديها إلى القارئ في العربية، نرجو أن تكونَ لها فعلًا مِيزَةُ السبق، على أكثر من مستوًى.

محسن فرجاني
١  لجأتُ، هنا، إلى تمثيل اللفظ الصيني بكتابة صوتية، بدلًا من رسمه مباشرةً بالرموز الصينية، تحسبًا لتعذُّر إخراج ذلك فنيًّا. (المترجم)
٢  Rudowicz, Elisabeth & Xiao Dong Yue, Compatibility of Chinese and Creative Personalities. Creativity Research Journal 14. 2003, 387–394.
٣  تشيان جونشو (١٩١٠–١٩٩٨م): أكاديمي، استقال من الجامعة ليتفرغ للإبداع الروائي، كتب رائعته «حصار مدينة» في ١٩٤٧م.
٤  Marston Anderson. The Limits of Realism: Chinese Fiction in the Revolutionary Period. University of California Press, 1990.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦