انطباعات شخصية عن «ليو هونغ»

للشاعر الصيني: سون جينشوان

صحيحٌ أنني شاعر، لكني لا أطالع الشعر بقَدْر ما أقرأ الرواية. قد تدهَش لهذا، وتضرب كفًّا بكفٍّ من العجب. ومع ذلك، فلي — فيما أختار من الروايات — مِزاجٌ غير عادي، ولي أيضًا هوًى خاصٌّ وتدقيقٌ وتمحيصٌ فيما أنتقي للاطلاع. ولا يستلفت نظري — في معظم المطروح من الروايات والأعمال القصصية، مما تُلقي به المطابع في أسواق البيع — إلا ما يكتبه «ليو هونغ» من أعمالٍ قصصية؛ فهو أكثر ما يأخذ بمجامع قلبي، وأشد ما يُغريني بالقراءة، ويظل محتفظًا بطزاجته لفترةٍ طويلة. وربما هُرِعتُ إلى شراء ما صدر له في سوق النشر، فور علمي بأن ثمَّة عملًا جديدًا قد وجَد طريقه إلى النور، ثم أجدني قد انكببتُ على قراءته حتى انتهيَ منه في طرفة عين!

اسم «ليو هونغ» غير مطروقٍ بين عامة القُراء؛ فقليلون جدًّا من يعرفونه روائيًّا وكاتبًا، في أنحاء البلاد؛ فلم يكن يومًا من «الكُتاب المتميِّزين». ومع ذلك، فلا تستهويني إلا كتاباته، لا لأنه صديقي، أبدًا، بل وإذا عرَّجْنا على باب الصداقة، فلم يكن الرجل أقربَ لي من آخرين، ولم يكن من بين مَن تربطني بهم علاقةٌ حميمية، وقد أؤكِّد بأن لقاءً واحدًا لم يضُمَّنا معًا على مائدة طعام، مثلًا، بيد أن تقديري وإعجابي به وبذكائه وفكاهته وروح المرح لديه، يصدُر عن أعماقٍ مشبعة بروح الودِّ تجاهه. هذا، وقد سعد أصدقاؤه به أيما سعادة؛ فلم يحضُر أحدٌ مجلسه إلا وطاف به طائفُ المرح وخفَّة الروح والدُّعابة.

لا أدعي أنني أعرفُ عنه الشيء الكثير، وهناك جوانبُ شتى من تجربة حياته، الشخصية والإبداعية، لا سبيل إلى سَبْر أغوارها. وربما حكيتُ شيئًا مما عاصرتُه معه …

كان ذلك أيام الثورة الثقافية الكبرى [كانت تلك، بالمناسبة، ثورة اليسار المتطرف، وكان الناس يكتبون آراءهم على صحف الحائط في الشوارع والميادين، انتقادًا لكل مَواطِن الخطأ في الحياة والعمل والسلوك … إلخ]. وجاء أحدُهم وكتب على إحدى الصحف المعلَّقة على الحائط هجومًا قاسيًا على صديقنا «ليو هونغ»، متهمًا إياه بأنه سليلُ عائلةٍ غنية ذات جذورٍ عريقة في الاستغلال، بمنطقة «بي» بمقاطعة «سيتشوان». ومن شواهد هذا الاستغلال أن عائلته احتكرَت زراعة فول الصويا. ثم تكشَّفَت الحقائق — فيما بعدُ — لتُظهِر مقدار الكذب وافتراء تلك المزاعم الباطلة. وكنتُ — منذ فترةٍ قريبة — قد طالعتُ مقالًا للكاتب «ليو شاهي» — في مجلة «الأدباء الشبان»، بعنوان «خواطر فكاهية بجوار نافذة …» — يتطرَّق في ثناياه إلى شهاداتٍ حية عن سيرة حياة «ليو هونغ»، فيقول مثلًا إنه بدأ مشواره الإبداعي أثناء سنوات دراسته الجامعية؛ حيث كتب عددًا غيرَ قليلٍ من القصص تأثَّر فيها كثيرًا بأسلوب الروائي الصيني الكبير «شيسيو».

وقد تعرَّفتُ إلى «ليو هونغ» في ١٩٥٦م، وكان قد تخرَّج توًّا في جامعة «سيشوان»، واستلم عملَه محررًا في جريدة «الأدب والفن». وبعد فترة من الوقت، أحسستُ أن عملَه بالصحافة يظلم موهبته القصصية، ويكبِّله بضغوط التخصُّص الوظيفي. ولمَّا كنتُ وقتئذٍ في طور النرجسية الشبابية، المفتونة بنفسها وبقدراتها الأسطورية على مغالبة تيار الحياة، فلم أكن مهتمًّا بتوطيد العلاقة الشخصية مع زملائي؛ ومن ثَم فعندما قيل لي إن روائيًّا شابًّا حديث التخرج قد التحق معنا محررًا بالصحيفة … ويُدعى «ليو هونغ» لم أكترث للأمر، إلى أن جاء خريف العام ١٩٥٨م، وتم تصنيفي ضمن «الخط اليميني» [الرجعي!]. ساعتئذٍ، عرفتُ أننا سنصبح أصدقاء، وأني سأحتفظ له بالمودَّة والتقدير إلى أيامٍ طويلةٍ قادمة.

أذكُر أنني — يوم اتهامي بالميول اليمينية في اجتماعٍ عاصف — كنتُ خارجًا من القاعة التي احتشدَت فيها الجموع الساخطة تكاد تفتك بي، وهي تكيل لي النقدَ والاتهامات، كنتُ خارجًا برأسٍ منكَّس ونفسٍ مكتئبة، وإذا بي وجهًا لوجه أمام ليو هونغ، فتسمَّر مكانه صامتًا وهو ينظر في وجهي؛ لم يقُل كلمة واحدة، ولو أني لاحظتُ إيماءةً يسيرةً جدًّا برأسه، والتمعَت في عينَيه نظرةٌ غريبةٌ لثوانٍ؛ وتحيَّرتُ في مغزى هذه الإيماءة والنظرة، ثم سرعان ما أدركتُ ما وراءهما من تعاطفٍ ومؤازرةٍ وتشجيعٍ في ساعة المحنة. تُرى، ما الذي كان يُريد قولَه وقتها؟ لا يهم؛ فقد كانت تلك ساعة تسمح للمشاعر أن تتواصل من دون كلماتٍ تُقال. فإن سألتَني، متى عرفتَ «ليو هونغ» بالضبط؟ لأجبتُك بأني عرفتُه في تلك الساعة! عرفتُ فيه القلب النقي والإخلاص العريق في طبعه. استدرتُ في طريقي، وأنا ماشٍ وملء وجهي دموع.

لقائي الثاني به كان بعد مرور أربع سنوات، منذ ذلك الحين، وبدا لي — حين التقيتُه — كأنه قد هَرِم فجأة، مع أنه لم يكن تجاوز الثلاثين، سوى أن جبهته كانت قد تغضَّنَت، وذبلَت صحته كثيرًا، وربما كانت أيامُه تمضي في ذلك الوقت بمشقة وعُسر، رغم أن ملامحه بدت كالعهد بها، وضَّاءة مشرقة تتدفَّق بالبِشر والسرور، وظلَّت روحُه مفعمةً بالفكاهة والمرح، فلم تفتُر الابتسامة على وجهه، ولا انقطع عن القفشات الظريفة والمُلَح والنِّكات وخفَّة الروح؛ ذلك طبعًا مع اختلافٍ يسيرٍ عما أَلِفتُه منه في سنواتٍ سابقة. وكان في تلك الفترة قد نشر قصصه، وراجت جدًّا، وذاع صيتُه بين جمهور القُراء كروائي له قلمه وأسلوبه المميز. وبالرغم من هذا، فلم يحاول وقتئذٍ أن يتفرَّغ للإبداع، واستمرَّ يعمل محررًا في المجلة الأدبية.

كنتُ قد أنهيتُ فترة «التأهيل للعمل الزراعي»، وخرجتُ من «المزرعة الإصلاحية» في سنة ١٩٦٢م، عائدًا إلى عملي في اتحاد الكتاب والفنانين بمقاطعة سيتشوان. وطبعًا، فلم يكن يتسنَّى لي العودة إلى العمل إلا بعد «خلع القبَّعة اليمينية»؛ أي تصحيح مواقفي الفكرية، وتعديل وجهات نظري بشكلٍ مغاير. وبالطبع، فلم يكن لي أن أعود إلى الإبداع مرةً أخرى. وبناءً على ذلك، فقد أُسندَت إليَّ مهمةٌ جديدة ألعب فيها دور الوساطة بين المبدعين والقيادات المحلية؛ بحيث أنقل آراء ووجهات نظر وأفكار هؤلاء إلى المسئولين، بالإضافة إلى مطالعة إنتاجهم الإبداعي، وتقديم عروضٍ موجَزة عنها؛ وهو ما استدعى قراءةً ومتابعةً متصلةً لكل ما يصدُر عن دُور النشر. وكان «ليو هونغ» أحد المبدعين الذين قمتُ بدراسة حالتهم. وكان أول ما قرأتُه من أعماله قصة قصيرة بعنوان «قصف الرعد»؛ فما كِدتُ أنتهي منها حتى كانت قد استلبَت كياني كله، وطغت على كل مكامن الحسِّ في وجودي. ولا أظنُّني أتذكَّر شيئًا منها الآن، خاصةً بعد مرور أكثر من عشرينَ سنةً على صدورها، سوى أسلوبها الساخر، وطابعها الفريد في توظيف الكوميديا السوداء لطرح مضمونها الروائي، حتى إنني لم أتمالك نفسي من الضحك أثناء مطالعتها. ومنذ ذلك الوقت، وأنا أعرف للكاتب قدْرَه وموهبتَه المتميزة.

إن شخصيةَ أي إنسانٍ تتضمَّن قدْرًا هائلًا من التعقيد، وتنوعًا كبيرًا في نقاط ومراكز الثقل والقوة فيها. ومثلًا، فبقَدْر ما يتسم كاتبنا «ليو هونغ» بالمرح والفكاهة، والتفتح الذهني، والطابع الانبساطي العام في شخصيته، فهو يتميَّز كذلك بالحذَر، والتقوقع، وشيء من الانعزال، مع شعورٍ بالحرج المُفرِط في علاقاته مع الناس، بالدرجة التي تعكس إلى الناس انطباعًا بأنه أسيرُ عزلةٍ ذاتيةٍ يرتاح إليها، ويسعى إلى الكمون وراء جدرانها، التماسًا للعيش وحده في عالمه الروحي الفريد. ولفترةٍ ما، كنا نقيم معًا في مسكنٍ واحد، لا يفصل بيننا سوى عشرة أمتار فقط. ومع ذلك، فلم أكن أدري من أَمرِ حياته شيئًا! لم أَدرِ إن كان فرِحًا أو محزونًا، إلى أن فوجئتُ ذات يومٍ بخبر زواجه. ثم لم تمضِ فترة حتى عرفتُ بنبأ انفصاله عن امرأته التي لم أرَها، فكيف تم زواجه، وكيف طلَّق امرأته، وما الذي حدث بالضبط؟ كل ذلك وتفاصيله لا علم لي به، ربما كان الآخرون يُدرِكون من أمره ما لم أُدرِكه في حينه، لكنهم بالتأكيد قليلون جدًّا، أقل مما يتوقع أحد! وعن نفسي، فقد كنتُ أتابع أحوالَه من بعيد، وأتسقَّط أخباره من أصدقاء يعرفونه جيدًا، وكنتُ أراه يجلس إلى جمعٍ منهم، يتكلم ويقصُّ الحكايا ويضحك، وأحيانًا أخرى أراه صامتًا متجهِّمًا، دون أن أنفذَ إلى معرفة السبب وراء ضحكه أو اكتئابه.

مُهمٌّ جدًّا ما سأقوله هنا، وهي أن صلتي «غير العميقة» ﺑ «ليو هونغ» قد تأكدَت بعد انتهاء «الثورة الثقافية» [أي بدءًا من العام ١٩٧٧م]؛ حيث كنا نعمل في معهد إعداد الكوادر الحزبية، على الحدود بين مقاطعتَي «سيتشوان»، و«يونْنَان». وقتئذٍ، كنتُ هدفًا للطغيان السياسي القائم، باعتباري من «حَفْنة اليمينيين الأشرار». وعلى ذلك، فقد استُلبَت حريتي الشخصية، وعشتُ أيامًا صعبةً بحق. أما بالنسبة ﻟ «ليون هونغ»، فكانت أحواله أفضل مني «إلى حدٍّ ما». صحيحٌ أنه كان عضوًا حزبيًّا، لكن الوشايات والتشنيعات لم تدَعْه في حاله، وكان أن أودَت به أيضًا في وقتٍ من الأوقات، وألقت به معنا في المحنة، والمثل السائر يقول … «المنكوبون تجمعُهم أواصر المحنة! والنكبة العاتية تجعل الأشقياء أشقَّاء!» نعم، فقد وحَّدَت المحنة بين مشاعرنا، وخلقَت نوعًا من التآخي بيننا، ولو أن العيون المترصِّدة كانت تحوم حولنا في كل مكان، تُحاول أن تستطلعَ الخفايا، وتنفُذَ إلى مكنون الصدور، فاكتفَينا من مشاعر التآخي بمجرد تبادل النظرات في كثيرٍ من الأحيان، إحالةً إلى اجتهاد السرائر، وقدرة كل واحدٍ منا على اكتناه الخواطر. ثم جاء حينٌ من الدهر على السياسات الرسمية شهدَت فيه شيئًا من «الانفراجة» والتوسعة علينا بعضَ الشيء، وعاد البعضُ إلى وظائفهم، وجرى إلحاقُ البعضِ الآخر بوظائفَ حكومية، وفاز بالإقامة في المدينة والعمل بها أولئك الذين نالوا حُظْوةً عند القيادات العليا. أما الذين بقُوا محلَّ شكٍّ كبير، فيما يتعلق بتوجُّهاتهم السياسية، فلم يكن أمامهم إلا استلامُ أعمالٍ متواضعة في المناطق النائية. ومن هذا الصنف الأخير كان «ليو هونغ»؛ فقد تم توزيعُه للعمل بالتدريس في مدرسةٍ ابتدائية بمنطقةٍ جبلية نائية. وأستطيع القول الآن إنه كان أكثر الجميع حظًّا، خصوصًا بالمقارنة بنا، نحن «الأفراد محل المتابعة المشدَّدة»؛ ذلك أنه قد تقرَّر تجميع كلِّ مَن هم على شاكلتنا للانخراط في نظام «الأعمال الشاقة الإصلاحية»، في أقصى المناطق الجبلية وعورة.

أذكُر تمامًا يوم أن أنهى «ليو هونغ» مُدَّته المقرَّرة في التدريس بمعهد إعداد الكوادر الحزبية، وحمَل أمتعتَه واستعدَّ للسفر … كنتُ معه وقتها، وحملتُ حقائبه على عربة يدٍ، وأوصلتُه إلى محطة القطار التي كانت تبعُد عن موقع العمل بنحو عشرة كيلومترات. على الطريق، بكيتُ تأثُّرًا بكل ما احتشد ساعتئذٍ في روحي من ألم … المذلَّة والمهانة والعذاب النفسي والبدني. وكنتُ قد صارحتُه بما عزمتُ عليه من الانتحار، فضغَط على يدي بكل قوَّته صارخًا فيَّ: «حذارِ أن تفعل، بل يجب أن تعيش مهما كانت الأحوال. ثم إن الانتحار مجرد تصرفٍ غبي وجبان، يجب أن تتذكَّر دائمًا أن هناك مَن ينتظر موتك على أحرَّ من الجمر … هناك مَن يتطلعون إلى ذلك طوالَ الوقت، فلا تحقِّق لهم بغيتَهم، بيدك أنت!» ساعة أن تحرَّك القطار، دفَع بيده من النافذة تجاهي، مُلوِّحًا بقبضة يده، وفهمت الإشارة … فهمتُ معنَى أن يستجمعَ المرء شجاعته، ويتحدَّى بإرادة.

بعد سنوات، كنتُ أعيش حياةً هانئة، لكنه هو الذي قاسى شدائدَ مهولة، لا سيما وقد انتقل إلى العمل بالتدريس في منطقةٍ جبليةٍ وَعْرة، تعرَّض فيها لكل أنواع المهانة التي يمكن أن تخطُر على البال، فضلًا عن إصابته بمرضٍ عُضال. ولمَّا التقيتُه ذات مرة في تلك الأيام كانت ضحكاتُه وقفشاتُه تسبقه، كأنه لم يجرِّب مشقةً، أو يكابد معاناةً في حياته، صافحتُه وكان يضحك … بمرارة!

وفهمتُ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦