الشموع
صحيحٌ أن «جونكان» كان قد بلغ الآن الأربعين دون أن يتزوَّج، لكنه لم يحاول قط طوالَ عمره أن يكون موضعَ انتباه، أو أن يلفِتَ النظر إليه بأية وسيلة.
يبدو كأنه أحد تلك «الكراكيب» المبعثَرة في الزوايا المنسية … شخصيةٌ «مهلهَلة» في كل شيء: الوجه والملبس والأيام والعمر، من أوله إلى آخره، أشبه ما يكونُ بكتلةٍ مشعَّثة من الفوضى واللخبطة. ومع ذلك، فلم يكن يبخل على نفسه بالطعام الجيد، ولم يحدث، مرةً، أن أهمل في عمله، بل — على العكس — فقد ظل يؤدي دوره في الوحدة الإنتاجية، مشهودًا له بالكفاءة، والدأَب والجلَد على القيام بأشقِّ الأعمال.
وذات صباح، خرج أحدُ محاسبي الوحدة الإنتاجية — ممن حصَّلوا قدْرًا من المعرفة — على زملائه بنظريةٍ جديدةٍ في الوجود الإنساني، زعم فيها أن غرائز الطبيعة تدفع المرء إلى أن يملأ سجلَّ إنجازاته بأشياء باهرة، يفخر بتوريثها لأحفاده، وهو ما يفعله بالضبط أيُّ واحدٍ يؤلف كتابًا أو يبتكر نظرياتٍ مثله. وأبسط من هذا كله — والأرجح بالتأكيد — إنجاب أولاد يحملون اسمه وسيرته في الأيام، وإلا ضاع ذِكْر المرء وانقطعَت سيرته، كأنه لم يُوجَد في الحياة أصلًا. وطبقًا لهذه النظرية، فلم تكن لحياة «جونكان» أيةُ فائدةٍ تُرجى، برغم دأَبه وإخلاصه في عمله، فضلًا عن أنه لم يكن — من البداية — صاحبَ أقوالٍ مأثورة أو كتاباتٍ لامعة أو مؤلَّفاتٍ مرموقة تحفظ له في سجلِّ الزمان ذِكْرًا باقيًا، باستثناء شواهدَ عابرةٍ كانت تتردَّد على لسانه، خصوصًا في أوقات الشدة، عندما كان يتوجَّب عليه البياتُ في موقع العمل أيامًا متوالية، ضمن مشروع «العامل التقدمي»؛ واعتاد أثناءها ارتداء بنطلونٍ أزرق مكتوبٍ عليه اسم المشروع بكلماتٍ بيضاء اللون، مطبوعةٍ في الخلف، وفوق المؤخرة تمامًا؛ فكان يرتديه، ويمشي مزهوًّا بوجهٍ رائقٍ لم تنعقد عليه التكشيرة، التي صارت تغمُره مؤخرًا. ولمَّا تشاجر — ذات مرة — مع أحد زملائه، استدارَ فجأةً فوضَع كفَّيه المقلوبتَين على الكلمات المطبوعة، وصاح باعتزاز:
«تطلَّع هنا جيدًا يا بُني … وانظر المكتوب عندك، ولا تنسَ أن تقرأ الكلمات الصغيرة الموجودة تحت الاسم الكبير: «الدرجة العمالية الممتازة!»
ولم تكن الكلمات الثلاث تشير إلى أي شيءٍ له علاقةٌ بما قاله، وإنما كانت تُقرأ هكذا: «خاص لاستخدام العمال». لكنهم — في ذلك الزمان — كانوا يُحبُّون المباهاة بعبارة «الدرجة العمالية الممتازة»، ويقولونها وهم يضغطون على حروفها، لاستدعاء شعورٍ بالتقدير والإعجاب في نفوس الناس من حولهم. ثم إنه لما قالها انبرى له من بين زملائه واحدٌ اسمه «ياور سان»، وربَّت فوق مؤخِّرته، وقال له ساخرًا: «فأنت إذن الأخ «جونكان»، صاحب الدرجة العمالية الممتازة».
والنظرة المتفحِّصة في ملابس العمل الرسمية كانت ستكشف — في تلك اللحظة — عن بنطلون تهرَّأ في مواضعَ كثيرة، ولم يبقَ فيه سوى بضعة خيوطٍ واهيةٍ متشابكة في نسيجٍ شبه متماسك.
أما من ناحية الحالة الاجتماعية ﻟ جونكان، فلا بد من توضيح نقطة في غاية الأهمية، وهي أن الارتباط بامرأة وإنجاب أطفال والتمتُّع بذرية؛ كل ذلك كان من المسائل التي «لم تسخن لها عينه!»؛ أي الأشياء التي لم يكن يفكِّر أو يهتم بها، ولا بأي شيء ذي صلة بالعلاقة أصلًا بين الجنسَين. ولو أن الأمر لم يكن يخلو من استثناءاتٍ عابرة، منها مثلًا ما تردَّد عن وجود علاقةٍ مريبة بينه وبين جارته الأرملة، التي مات عنها زوجها الثري … الرجل الذي مات في ظروفٍ عصيبة، وترك وراءه امرأةً شابةً مليحة، لم يتجاوز عمرها الخامسة والعشرين وتُدعى «كوآرسو»، وهي في الأصل ابنة أسرةٍ فقيرة، بل مُدقِعة الفقر، اعتاد الناس رؤيتها بعد وفاة الزوج، وهي تُمسِك بيدٍ طفلتَين دامعتَين يحوم الذباب على وجهَيهما (ماتت إحداهما فيما بعدُ). وكثيرًا ما كان هذا اﻟ جونكان يخفُّ لمساعدة الأرملة وطفلتَيها، بدافع الشفقة لا أكثر، فيحمل لهن الماء في القِرَب، أو يحمل لهن أجولة الذرة إلى ماكينة الطحين، وربما شمَّر عن ساعدَيه ليرمِّم لهن جدارًا مائلًا، ومن وقتٍ لآخر، يجلس ويمدُّ يده في القِدْر، ويأكل معهن لقمةً بسيطة وهانئة؛ فمن ثَم تردَّدَت الهمسات، وطالت التلميحاتُ سمعة المرأة، رغم أن أحدًا لم يملك دليلًا على صحة ما تناقلَته الأفواه؛ سوى ما قيل من أن جونكان قد صرَّح جهارًا، وعلى مسمعٍ من كثيرين، بعزمه على أن ينقل متاعه ليقيم في غرفةٍ متصلةٍ بمنزل الأرملة وابنتَيها. ولم يسكُت أخوه الأكبر على هذا الكلام، وراح إليه وهدَّده، وقال له في وجهه: «إياك أن يكون ما سمعتُه صحيحًا، وحذارِ أن أسمعَ بأنكَ أنفذتَ ما في رأسك، وذهبتَ إلى هناك، وإلا قطعتُ لك رجليك!» فلما وصل الأمر إلى درجة قطع الأرجل، لم يعُد أمام المزارع المسكين جان جونكان إلا أن يصرفَ النظر عما عقَد عليه العزمَ بينه وبين نفسه، وخاصةً أن كلام أخيه كان واضحًا، بدون لبس … «أنتَ حرٌّ في نفسك، ما دمتَ تعيشُ في حالك، لكن هذا الكلام الشائع على لسان الناس لن يدعَ المرأة في حالها، وربما تأثَّر مستقبل بناتها بكل هذا اللغَط الذي لا فائدة منه. وقد عشنا في هذا المكان، أبًا عن جَد، وليس بيننا وبين أصحاب الأرض هنا إلا كل خير … فليكن هذا في علمك!» فلو قيل إن براعم الحب كانت قد بدأَت تبزغ في قلب جونكان، فلا بد من التأكيد بأنها سرعان ما ذبلَت أو انقصفَت في تلك الساعة.
من يومها، مضت أيامُه الرثَّة المبعثَرة من غير أن يُسمع له حِس، والصوتُ الوحيد الذي كان يصدر عنه هو صوتُه عندما يشرب حَسَاء «الباغو»، ثم يتجشَّأ مريئًا، أما فيما عدا ذلك، فلم يكن أحدٌ يشعُر بوجوده أصلًا. ولولا الشغل اليومي في مزرعة الإنتاج الجماعية، التي هي الكومونة الشعبية، وشُغلها الذي يتطلب جهدًا عضليًّا شاقًّا، مثل تبديل أحجار الطواحين، أو جَر جذوع الأشجار والفَحْت والرَّدْم، وما إلى ذلك … لولا هذا كله، ما كان لأحدٍ أن يشعُر به. إلى أن جاء اليوم الذي تبدَّد فيه الصمت، بكلمةٍ واحدة. كلمة قالها فكان لها وقع الزلازل لمَّا تردَّدَت في الأنحاء، وارتجَّت من وقعها الأركان؛ كلمة لا تُدانيها كل الكلمات على مدى السنوات التي عاشها. ولا تُدانيها حتى كلمة «الطبقة العاملة» التي كان لها دويٌّ هائل إبَّان تلك الأيام … كلمة جلجلَت ولمعَت وشاعت، فانتبهَت لها الآذان والأفئدة، ساعة أن نطَق بها، فخرج من إسار الصمت الطويل، إلى الدنيا الواسعة المُنصِتة بكل حواسِّها، المُلتقِطة حتى الهمس الخفيض على أطراف اللسان.
كلمة عفْوية بسيطة للغاية، قيلَت في مناسبةٍ عادية، لا تختلف عمَّا هو سائدٌ في معظم الأوقات.
وفي معظم الأوقات العادية، كان أفرادُ فرق الإنتاج يُشبِهون أسراب الطيور المحتشدة فوق الغصون، لكثرة ما يصدُر عنهم من جلبة وثرثرة يملَئون بها الأجواء، وهم يعملون في الغيطان دون اكتراثٍ لما تبثُّه الإذاعة المحلية عبْر ميكروفونها المثبت عند حافة التل، وذلك لانشغالهم الدائم بالعمل، بالإضافة إلى أن «ماكينة الصوت» (الميكروفون) لم تكن تفعل شيئًا، فيما يتصوَّرون، سوى أن تطنَّ وتبثَّ الضجيج طوالَ الوقت، عبْر أغنياتٍ وأحاديثَ مبهمةٍ غيرِ مستساغةٍ للسامعين. وعند بدء البث الإذاعي، يُطِل جانكون على المشهد، بعد أن يكون الآخرون قد سبقوه إلى مواقع العمل. وبالطبع، فقد كانت ظروفه تبرِّر تأخيره باعتباره شابًّا أعزب، يطبخ ويغسل ويتحمل أعباء حياته المنزلية، وحده، فيروح عليه الوقت وهو مشغول بتفاصيل حاجاته اليومية. وهذا الانشغال الدائم هو الذي صبَّ في عروقه احتمالَ المشاق، فكان خروجه من باب بيته معناه الدخول في معترك يومٍ حافل دون كلَل، سواء خرج في البكور أو الضحى، يمشي وقد تدلَّى من فمه غَلْيونُه المصنوع من البامبو، ينفثُ دخانه ويمرقُ بين أشجار الغابة قاصدًا حقل البطاطا. يُباعد ما بين ساقَيه ودخان الغَلْيون يملأ الأجواء من حوله، والناس يرونه ماشيًا هكذا، فيقولون: لقد جاء جانكون وهو «يشُق سحابات الدخان» ملء الأجواء!
ينزل أرض البطاطا، فيتناول فأسه ويشرع في الشغل. ومن بعيد، يتهادى إلى سمعه صوتُ الإذاعة المحلية وهي تُذيع فِقراتها عبْر مكبِّر الصوت، فيُنصِت قليلًا، ثم ينصرف إلى ما في يده من عمل. لكنه — هذه المرة — أنصَت فلم يفهم كلمةً مما يُقال. والمشكلة لم تكن فقط في غموض العبارات المتراصَّة التي ينطق بها المتحدث، وإنما في أسلوب كلامه، وهو يمطُّ صوته بطريقةٍ غريبة. ويبدو أن جانكون استاء من المتكلم وطريقته، فعلَّق على ذلك تعليقًا عفْويًّا، ابن الحظته، من دون قصدٍ محدد أو غرضٍ في نفسه، أو أي شيءٍ من هذا القبيل؛ إذ وجد نفسه يقول تلقائيًّا:
«مَن، يا تُرى هذا الحمار الذي يتكلم بلسانٍ ثقيلٍ هكذا، وصوتُه متراخٍ وكسول، كأنه شاربُ قطعة أفيون في أول الصبح؟!»
والناس من حوله لم ينتبهوا إلى تعليقه، ولا أعاروه أدنى اهتمام؛ بل هو نفسه لم يعتبر أنه قال شيئًا جديرًا بالاهتمام؛ وبالتالي، فسرعان ما تبدَّدَت العبارة في الهواء. ورفع الشابُّ فأسَه مرةً ثانية. ولأنه كان يستجمع قوَّته للشغل، فقد بدا وجهه متقبِّضًا. وفي هذه اللحظة بعينها، باغته «ياورسان» بالسؤال:
«أنت، ماذا قلتَ بالضبط منذ لحظة؟»
لمَّا أدرك جونكان أنه قال شيئًا ملفتًا للانتباه، اهتم للأمر وأعاد عبارته:
«قلتُ: يا تُرى مَن هذا الحمار الذي يمطُّ صوته الكسلان، كأنه بلع قطعة أفيون في ساعة النهار؟»
وقتئذٍ، اخترقَت العبارة أسماع الحاضرين جميعًا، وسمعوها بوضوح. وهذه — بحد ذاتها — نقطةٌ بالغة الأهمية، من حيث إنها تفسِّر لنا امتلاء محضر إثبات الواقعة بعددٍ وافرٍ من البصمات والأختام، حتى كادت صفحاتُه تتفتَّت وتصبح مثل كَومة كرز انهرسَت تحت أقدام العابرين.
«هذا هو الكلام!» قال له ياورسان، وأضاف بثقة: «المهم الآن هو أن تظلَّ تتذكَّر قولك هذا من غير زيادة أو نقصان!» وكان أن وضع الفأس على كتفه، ومضى.
كان جونكان آخر واحد في الدنيا يمكن أن يهتم بالسياسة وشئونها؛ فالشيء الوحيد الذي يشغله دائمًا هو أن يجد طعامًا يسُد جوعه، أما غير ذلك من الأشياء، صغُرت أو كبِرت، فلا تستحوذ على انتباهه إلا عرَضًا؛ ولذلك، فلم يكن له أن يعرف مثلًا أن الأخ «ياورسان» هذا قد مضى عليه زمنٌ وهو يعمل ضمن فريق «تصفية الإقطاع»، وأنه صار — منذ أن انضم إلى ذلك الفريق — وهو يقضي يومه، من شروق الصبح حتى المغرب، وهو مشحونٌ بالوساوس، وقلبه واجسٌ بالظنون، محمومًا كأن بطنه معمَّر بالبارود، والبلد — في ذاك الوقت — كان مشغولًا ليله ونهاره، ﺑ «تصفية الإقطاع» بعزمٍ نافذ وإرادةٍ متَّقِدة، كأن بطنها هو الآخر مشحون عن آخره بالبارود، والجميع قد حمَل المشاعل ومشى في الدروب بحثًا عن «المناهضين للثورة» وأشباههم. وكان قد سمع — بالصدفة البحتة، ذات مرة — أن الفريق «التصفوي» هذا اعتقل بعضَ الأشخاص، وراح يُوسِعُهم ضربًا في كل يوم، بغير هوادة. وقال لنفسه — لمَّا سمع هذا الكلام — إن هؤلاء المقبوض عليهم ربما كانوا قلةً من أغنياء الريف أصحاب الأطيان، وقال أيضًا، بضميرٍ مشبع بالسذاجة، إنه ليس له شأنٌ بهذه الأشياء، ولتحترقِ الدنيا بمن فيها، ما دامت المرأة المسكينة «كوآرسو» بمأمن من هذه المشاكل.
وهو لم يَدرِ إلا وقد جاء إلى الغيط اثنان من أفراد «الحرس الشعبي»، ونادَوْه ليذهبَ معهم في أمرٍ عاجل ومهم. وبصحبتهم، مشى حتى بلغ مكتب الفِرَق الثورية، وهناك وجد نفسه وجهًا لوجه مع عددٍ من رؤساء تلك التشكيلات التنظيمية، وسألوه:
«ماذا قلتَ الساعةَ في غيط البطاطا، وأنت تعمل هناك؟»
والمسألة — بالنسبة له — كانت تبدو عادية، واعتبَر أن ما قاله شيءٌ عادي يُقال يوميًّا في ظروفٍ كثيرة؛ ولذلك، فسرعان ما أعاد على مسامعهم عبارته، سوى أنه أجرى عليها بعض التعديلات الطفيفة التي تُسوِّغ قبولها لديهم، هكذا:
«أنا قلتُ: يا تُرى من هذا الرفيقُ الذي يسحَب صوته هكذا، مثل شارب الأفيون في الزمن البعيد؟»
«لا، لا … أبدًا!» زعق فيه «ياورسان»، وهو يقول: «أنت قلتَ «من هذا الحمار؟» … ثم إنك قلتَ بعدها …«ذلك الذي صوتُه متراخٍ وكسلان» أما الكلمتان الأخيرتان «ما قبل الثورة»، فلم تقُلْهما أبدا، وأتحدَّاك أمام الجميع!»
لم يعرف تحديدًا من الذي ركلَه في مؤخِّرته بكل هذا العنف. ضربة موجعة تلقَّاها، فصرخ وقبض بكفِّه على إحدى أَليتَيه، وقدَّر أن الضربة جاءته من جهة المكتب الكائن خلفه، وكان قد قرأ اللافتة المعلَّقة فوقه بحروفٍ بارزة: «مكتب تأمينات العمال».
«يا بُنَي لازم أن تذكُر لنا هنا ما قلتَه بالضبط، فاهم؟ اذكُر كل كلمة قلتَها بالضبط، مثلما قلتها تمامًا» هكذا كلَّمه رئيس المجموعة القيادية للفريق الثوري.
«هو ذكَر لكم كلامي الذي قلتُه فعلًا، بكل الصدق». أقرَّ جونكان — الذي لم يُعهَد فيه الكذب — أمامهم بالحق، ولو أنه كان مرتبكًا بعض الشيء.
«لا، أَعِد ما قلتَه أمامنا مرةً ثانية!» جاءه الأمر من رئيس المجموعة.
لم يجد مفرًّا هذه المرة من الصراحة:
«قلتُ … يا تُرى، من هذا الحمار الذي يمطُّ صوتَه الكسلان، كأنه بالع قطعة أفيون في أول الصباح؟»
«عظيم جدًّا!» وكان رئيس المجموعة قد أنصَت إليه جيدًا وهو يُقر بالحقيقة، ثم التفَت بوجهه متسائلًا: «هل سجَّلتَ عندك هذا الإقرار؟»
هنالك، أدرك جونكان أن أحدهم كان يجلس إلى المكتب وراءه، ويدوِّن كلامه، بدليل أن الرجل عندما فرغ من ذلك، قال: «أنا سجَّلتُ المحضر كلمةً بكلمة». وشعر لأول مرة أن الموضوع على درجة من الخطورة.
«طيب … خُذ بصماتِه على المحضر!» قال الرئيس، ففتح الكاتب عُلبة الأختام، وأشار له على موضعٍ محدد في الورقة.
تردَّد قليلًا، فجاءته ضربةٌ أشد على الألية الأخرى، فمدَّ يده التي دبَّت فيها الرعشة وبصَم. وبقي يحاول مسح المادة الدهنية الحمراء العالقة بإبهامه دون جدوى، فقال في نفسه إنه الآن أشبه بالقط الذي علقَت بمخلبه عجينة الأرز؛ فلا هو طَعِم شيئًا ولا تحرَّرَت يده من الغِراء اللعين!
مساء اليوم نفسه، أخذوه إلى الكومونة الشعبية … التي هي المزرعة الجماعية، ووضعوه في غرفةٍ خالية. وجاء رئيس اللجنة الثورية بالكومونة مع عدد من الأشخاص، ووقف على الباب وسأله: «أنت، كيف قُلتَ العبارة بالضبط؟ نريدك أن تكرِّرها الآن مرةً ثانية!»
كان اعتقادُه يصوِّر له أن الناس تصدِّق مَن يتكلم بالصدق دون لفٍّ أو دوران. وعلى هذا الأساس، كرَّر على مسامعهم عبارته، كما قالها أول مرة، من غير تبديلٍ أو تحوير، وطبعًا، قالها بصوتٍ خفيض، وبشيءٍ من الخزي أيضًا.
«عظيم جدًّا!» قالها رئيس اللجنة الثورية بطريقةٍ ونغمةٍ مميزة من نفس طراز اﻟ «عظيم جدًّا» السابقة، كأنها مصبوبة في قالبٍ جاهز للتعليق على كل مرة يعترف لهم فيها. وجاءت التعليمات: «أولًا، يتم حجزُه هنا، ولا يُسمح له بالخروج مهما كانت الأسباب، منعًا لهروبه؛ ثانيًا، يجري استدعاء باحثٍ ميداني لجمع وترتيب المعلومات عنه، وفي نفس الوقت تبلَّغ الواقعة إلى مكتب التحقيقات بالمحافظة؛ ثالثًا، يُبلَّغ أهله وأقاربه لكي يبعثوا له بالطعام.» انتهى رئيس اللجنة الثورية بالكومونة من كلامه المقتضَب، الملخَّص المحدَّد، المختصَر بعُنجُهية الإيجاز السلطوي. وانصفق الباب فبقيَ وحده في خلاء الغرفة الفارغة. هنالك، تسربَت إلى أنفه رائحة بولٍ وصنان، فتطلَّع ولمَح كتلةَ حشائشَ ذابلة مطروحة في الركن القريب.
مشوَّش الذهن، حائرًا، أخذ يكلِّم نفسه وأنا ما الذي قلتُه؟ ما الذي قلتُه كي أستحقَّ كل هذا؟ ما الذي قلتُه حتى يجيئني اثنان من كبار الناس في الفرق الثورية للكومونة، اثنان من كبار الرؤساء يجيئان ويسألانني بنفسَيهما، وعندما أردُّ يعلقان كلاهما بتلك اﻟ «عظيم جدًّا». ثم بعد أخذٍ وردٍّ، يرميان بي في هذه الغرفة، ويغلقان عليَّ الباب ويمضيان، ويقولان إنهما لن يدَعاني أهرب. وسط هذه الألغاز تشتَّت خاطره.
نزلَت العتمة شيئًا فشيئًا. ولم يكن بالغرفة مصباح، لكنَّ أسرابًا متوحِّشة من الناموس لم تدَعْه في حاله. وكان يُقال إن الناموس — في فترات الانتقال الخريفي — يبدل خراطيمه «المستهلَكة» بأخرى معدَّلة تناسب الأجواء المتغيِّرة، فيصير لقرصته ألمٌ مبرِّح. ولأن الغرفة كانت مهجورةً لفترة، فلم يألف فيها الناموس مقيمًا إلا تلك الساعة، فهاجَت عليه الأسراب التي لم تنهَش مخلوقًا منذ زمان؛ فبقيَت تَشْفي منه غليلَها، وهو يهشُّها فلا ترعوي. ومع ذلك، فقد كان باستطاعته احتمال أية آلام، إلا ما حلَّ به من الجوع، خصوصًا أنه لم يكن قد أكل شيئًا منذ الصباح، حتى قَرقرَ بطنه من الخواء، وأصبح الجوع يفتكُ به بأفظع من إيغال إبَر الناموس في دمه. وتجاوزَت مكابدتُه هذا الألم بكثيرٍ محنة التحقيق على يد لجنة الكومونة، بما في ذلك توصياتها الخطيرة التي أنهت بها تقريرَها المرفوع إلى لجنة المحافظة، الذي حمل بنودًا تستدعي القلق، إلا بندًا واحدًا أخذ يفكِّر فيه ويعتبره مفتاحَ الرجاء، وهو المُشار إليه نصًّا ﺑ «التنبيه على أهله بضرورة إرسال الطعام إليه». ولم يكن لديه أهلٌ سوى أخوَيه. وعلى هذا، فقد توقَّع أن يتم الاتصال بهما، فيرسلا إليه بأيِّ قَدْرٍ من الطعام. وأيًّا ما كانت نوعية الطعام المُرسَل، أو كميَّته فسوف ينقضُّ عليها ولا يدَعُ منها أثرًا. وقد أنساه تفكيرُه المُنحصِر في الأزمة — من هذا الجانب — أصلَ الكارثة التي ألمَّت به تمامًا، ومسَح من ذهنه تلك العبارة التي تسبَّبَت في كل هذا الويل … فلم يعُد يفكِّر إلا في شيءٍ واحدٍ فقط … الطعام. حتى كانت أيةُ خطواتِ أقدامٍ تتناهى إلى سمعه تُصور له أنها خطواتُ أخيه الأكبر أو الأصغر، أو أحد أبنائهما يحمل إليه سلة طعام. وملكَت عليه رغبتُه الطاغية في الأكل إحساسَه، وتطوَّرَت من مجرد شعورٍ باطني بالتقلُّص من أثر الجوع إلى حالةٍ جسمانية وذهنية من القلق المحموم. ثم إن الخطوات عبرَت من وراء الجدار، ولم تتوقف. وبدلًا من أن تأتي عند الباب، إذا بها تبتعد وتبتعد، وتَذْوي في المدى حتى تتلاشى، والجوع حارق، والجوع يؤجِّج سُعار القلق، يدور به في الأركان بحثًا عن شقٍّ خفي في الحيطان يتلمَّس منه انفراجًا من كربٍ عاتٍ. وليس ثمَّة صدع في الجدار المُصمت. حتى مكان النافذة سُد بالطوب والملاط، فلما تأمَّل ذلك، وتأكَّد أن موضعَ الشباك مسدودٌ على هذا النحو، تملَّكه العجب وتساءل: تُرى من أية داهيةٍ دخلَت أسرابُ الناموس، إذن؟ أسراب تملأ بطنها فتحلِّق عائدةً من حيث جاءت، وأخرى تنتظر دورها وتستعدُّ للانقضاض، بينما المانحُ الكريمُ من دمه ولحمه يتضوَّر جوعًا. ومن شدة جزَعه، ألقى بنفسه على كَومة الحشائش المُنتِنة، واضطجع فوقها بغير حَراك. وساعتها، لم يكن يملكُ أي حَراك، بعد أن انهدَّت قُواه. ترك البعوضَ يمرح ويعبُّ من دمه كيفما شاء، من فَرْط إعيائه.
للحظات، أخذ يسترجع ما مرَّ به، منذ أن كان في غيط البطاطا، وكان كل هذا بسبب تلك الكلمة اللعينة التي صدرَت عنه وهو في الحقل، ملعونٌ مكبِّر الصوت، وما جاء منه في ذاك النهار الأغبر؛ فلولا ذلك الصوتُ الممطوط المتكاسل، الذي يشبه كثيرًا صوتَ متعاطي الأفيون لما طلعَت من فمه تلك العبارة، ولا جيء به إلى هنا. أحسَّ أنه سيرتاح لو أطلق ما احتشد في فمه من أحقر الشتائم، فرفَع صوتَه بالسباب:
«أيرُ الكلبِ يفعل بك، يا شارب الأفيون! جلبتَ على رأسي المشاكل!» كان صوتُه يُلعلِع في الليل والخلاء، حتى إنه أطبقَ فمَه سريعًا، وقد ساوره الظن خشية ردِّ الفعل من المجهول، لولا أن المجهول ابتدرَه في الحال، من وراء الباب؛ إذ سمع دقةً عنيفة تبعَها صوتٌ أعنفُ منها يصرخ فيه:
«بل سيفعل بك أنت، يا جونكان! لأنك ما تزال تبثُّ سمومك بلسانك الرديء!»
رَكِبه الخوف، فكتم أنفاسه، ولم ينطق بشيءٍ بعدها، وكذلك انكتَم الصوتُ الآخر.
لم يَدرِ كم من الوقت مرَّ عليه وهو مضطجعٌ مكانه. ثم تهادى إلى سمعه شبه خطواتٍ تقترب، خطوات لعدة أشخاص لا لشخصٍ واحد، فتكوَّم على نفسه، وفي ظنه أنهم سيقتحمون عليه المكان، لكن الخطوات توقفَت لدى الباب، وبعدها كان صوتُ قفلٍ يُعالَج بيدٍ خشنة ليفتح ويُوارب الباب. واكتشف أنه يُولِّي ظهره ناحية القادمين من الخارج، ولمح على الجدار قبالته ظلالًا تتمايل مع حركة السِّراج، الذي هو عبارةٌ عن مصباح كيروسين قديم، وإذا بصوتٍ جَهْوري يقول له:
«قُم، يا جونكان، فامرأتُك جاءتك بالطعام.»
استغرَب جدًّا، وتسانَد ليعتدل جالسًا، وتطلَّع فرآها واقفةً هناك … المرأة المسكينة «كوآرسو»، وبيدها سلةٌ كبيرة. تقدمَت نحوه بصحبة أحد شبان الحرس الشعبي، فلمَّا التقاها وجهًا لوجه خفضَت عينَيها، لشعورها بالحرج من الصفة التي أسماها بها الحارس منذ لحظة. ثم راح كلاهما يخفِّض عينَيه بالتبادل. وإذ لم تكن ثمَّة منضدة أو أي شيء على هذه الشاكلة، فقد أقعَت «كوآرسو» على الأرض، وأخرجَت من السلة كميةً من البطاطا المجفَّفة، وطبقًا مليئًا بالخضار. واقترب الحارس، فوضع المصباحَ الزيتي بجوار الطبق، فاتضح مَرأى الأشياء تحت وهج الضوء، فكان ينظر إليها وبقلبه شعورٌ بالأسى، ثم ابتدرَها قائلًا:
«الموضوع لم يكن يحتاج لكل هذه البهدلة، أنا لم أقُل سوى كلمة عادية.»
«كلمة عادية؟ … غير معقولٍ أن تكون تلك كلمةً عادية!» غلبَتْها الدموع، وغُصَّ حلقها وهي تكمل قائلة: «كلهم الآن يقولون إنهم ضبطوك متلبسًا بالتهمة، وإنك أصبحتَ عدو الثورة.»
«كذابون … كلهم كذابون؛ فأنا عمري ما كنتُ عدوًّا للثورة، وكل الناس يعرفون ذلك.» كان يردُّ عليها وفمه مليء بالطعام؛ لأنه لم يعُد يقوى على مغالبة الجوع أكثر من هذا.
كان الحارس الذي فتح الباب يتمشى بالخارج، وهو يردِّد صفيرًا بصوتٍ مسموع؛ وبالتالي، فقد جرى الحديث بينهما طوال الوقت مصحوبًا بخلفيةٍ لحنية على أنغام هذا الصفير الخشِن.
«هل ضربوك؟» سألَتْه بلهفة، وهي تتطلع إلى فمه المحشو بالأكل.
«أبدا، على ماذا يضربونني؟» ردَّ عليها، وهو يلتقط بيضةً مسلوقةً كانت منزويةً في جانب الطبق. وكانت الأرملة المسكينة قد تعمَّدَت أن تضع البيض في أخفَى جزءٍ من الأواني، لظنها بأنهم قد يحجزون الأكل ويصادرونه إذا وجدوه وافر الكمِّية. وشعر جونكان أنه قد وضعَها في أشد المواقف حرجًا، فتأثر لذلك. وزاد تأثُّره لما عرف أنها جاءت إليه بكل البيض الموجود ببيتها، بدلًا من أن تختزنَه لوقت الحاجة في مقايضة الملح والزيت. وكان طبيعيًّا أن تتحرَّك مشاعرُه لأجلها، رغم أنه — هو نفسه — لم يَعِشْ في كنف أسرة تمنحُه العطف أو الدفء، سواء وهو صغير في حداثة السن، أو وهو كبير، بل وهو تحت هذا الظرف العصيب؛ حيث لم يسأل عنه أخواه. وعمومًا، فقد أحسن صُنعًا عندما أكَّد لها أنهم لم يمسُّوه بأذًى، عسى أن يطمئن قلبها عليه … ثم إنه، وبصراحة، لم يكذب عليها في هذه النقطة؛ لأن ما تعرَّض له لم يَزِد عن بضع ركلاتٍ لا تُذكر. وأخذ الكلام بينهما مجراه، وتشعَّب في موضوعاتٍ كثيرة، علمًا بأنها هي التي أمسكَت بدفَّة الحديث وتكلَّمت أكثر منه … تكلَّمت ونظراتُها مفعمةٌ بالأسى لأجله … تنظر إليه، وتكادُ مشاعرها تغلبها فتفيضُ مآقيها، وهو يأكل طعامه بنهمٍ شديد. ثم بدا أنه تذكَّر شيئًا فجأةً، فقال:
«كنتُ أرجو منك، لو سمحتِ يعني، أن تذهبي إلى البيت عندي وتطعمي الخنازير.»
«أية خنازير؟» سألَتْه باستنكار، «أخوك الكبير سحب عددًا منها، وأخوك الثاني أخذ الباقين، وأنا سمعتُهم بنفسي وهم يقولون إن غيبتك ربما تطول … ثماني أو عشر سنوات؛ لذلك أخذوا الخنازير كلها.»
«معقول؟ … أمعقولٌ أن يقولوا هذا الكلام؟» ردَّد مرتبكًا ومحبطًا.
«الخنازير أمرها هيِّن، لكن أهم شيء هو الإنسان نفسه»، قالت له كوآرسو وفي صوتها شجن. ثم كلَّمَتْه وهي تحوِّل دفَّة الحديث وجهةً أخرى: «انسَ هذا الموضوع، وقُل لي … ما هي العبارة التي أغضبَتْهم منك؟ فالناس لم تعُد لهم حكاية إلا هذه العبارة، وقالوا كلامًا كثيرًا من كل لون، فماذا قلتَ بالضبط؟»
«أبدًا، هي كلمة لا تستحق كل هذه الضجة.» وبينما كان يفكِّر في أن يعيد على مسامعها عبارتَه التي سبَّبَت له المشاكل إذا بالحارس يدخل عليهما فجأةً، ويقول: «خلاص، اجمعوا الأطباق والحاجات، الوقت انتهى، وكل واحدٍ يجب أن يذهبَ إلى حال سبيله؛ فأنتما تعرفان جيدًا أن الكلام يتبعثر هنا وهناك، وربما رآكما أي عابرِ سبيل، وادَّعى أنه شهدكما وأنتما تتآمران وتدبِّران الخطط والدسائس.» ثم حمل مصباح الغاز، ومشى.
عادت الحجرة إلى السكون المُطبِق، وهو وحده بداخلها، وقد خيَّم الظلام عليه، ولم تعُد ثمَّة ثغرةٌ ينفذ منها الضوء الشحيح، لكن الجميل في الأمر أن البطن امتلأ وشَبِع، ويستطيع المرء الآن أن يستندَ إلى الحائط ويفكِّر على مهل … على أكثر من مهل، يتأمل الأحوال كلها، فيما جرى وكان، بكل هدوء ومن غير إزعاج. حتى الناموس شَبِع وارتاح على ما يبدو، ولم يعُد يطنُّ حوالَيه ويضايقه.
عرَّجت به أفكاره وطوَّفت، ثم توقفَت طويلًا عند منظر فتاته الطيبة. بقلبٍ مليء بكل مشاعر الحب تذكَّرها، واسترجع صورتَها في ذهنه. صحيحٌ أنها كانت تميل إلى البدانة التي منحَتْها قدْرًا من العافية على حساب قدْرٍ من الملاحة — ولولا ذلك لكان له معها شأنٌ آخر — بَيْد أنها كانت نشيطة وماهرة وطيبة القلب جدًّا جدًّا. وفي صميم أعماقه، كان يعتبرُها أعظم فتاة في الدنيا بأَسْرها؛ لذلك، توقَّف عندها في تفكيره، ثم انتقل بعد حينٍ ليتأمل حال أخوَيه معه، أخيه الأكبر بصلَفه وفظاظته والآخر بقسوة قلبه؛ كلاهما الآن أصبح ربَّ أسرة، وله بيتٌ وأولاد؛ لكنهما حتى قبل أن يكون لهما بيوتٌ مستقلة، فقد ألقَوا به في معترك الحياة وحدَه، لم يقفا معه ولم يأوياه تحت جناحهما، بحُجَّة أنه يأكل كثيرًا ولا يشبع، فيُحمِّلهما ما لا يطيقان. أطلقا له الحبل على الغارب، وتركاه يحملُ أثقالَ حياته أو ينوءُ بها، هو وشأنه؛ فالمهم أن يبقى بعيدًا بخيره وشره. وهو قد بقي بعيدًا بخيره وشره. وعندما فكَّر في هذا الموضوع، وفي كل ما لاقاه من جفاءٍ على أيديهما، هاجت كوامنُ قلبه وتقلَّبَت أشجانه.
وصل به التفكير إلى ما حدث في غيط البطاطا، وكَلِمَته تلك التي أقامت الدنيا ولم تُقعِدها. ولمَّا فكَّر جيدًا فيما حصل، وجد أن المسألة لم تكن تستحقُّ كل هذا الاهتمام؛ فهي كلمة لا راحت ولا جاءت، لم تنتهك قانونًا ولا عُرفًا ولا أصولًا مقرَّرة، حتى يُبعِدوه عن بيته طيلة ثماني أو تسع سنوات، ما لم يكن صاحب الصوت البطيء — المذاع عبْر المكبِّر — هو أحد كبار مسئولي المحافظة! وحتى لو كان، فأنا لم أقل إلا أنه يشبه صوت آكل الأفيون، من غير المتعاطين طبعًا؛ فقد قلت إنه «يشبه» صوت الآكل، دون التأكيد بأنه مدمنٌ ضليع … حاذق وابن مزاج؛ وفوق كل هذا، فأين هو هذا الأفيون الذي تكلَّمتُ عنه؟ هل يستطيع أحدٌ أن يدُلَّني عليه الآن؟ لم يعُد يُباع ولا الناس تشتريه، وحتى لو وجده الناس لما عرفوا أنه أفيون. على هذا النحو، أخذ يتنقَّل بين الأفكار، فرَكِبَتْه الحيرة، ولم يجد مخرجًا من تساؤلاته. ومن دون أن يشعر، غافلَه النوم وسحبه إلى قاع الأحلام. ولم يعرف رأسه من رجلَيه إلا بعد ظهيرة اليوم التالي.
أخذوه إلى غرفة مكتب ذات منضدة يجلس وراءها عدة أشخاص، شكلهم يوحي بأنهم محقِّقون تم استدعاؤهم للتحقيق مع مجرمٍ عتيد. على الباب، احتشَد عددٌ من الحراس الشعبيين الذين تناولوه بأيديهم وهو داخل، فأوسعوه ضربًا حتى وقع بينهم، فلما نهض واقفًا وتقدَّم إلى الداخل، وجد قبالته رجلًا بدا أنه فوق الأربعين من عمره، شعره أسودُ مرجَّل، وبشرتُه صافيةُ البياض؛ فهذا إذن هو اﻟ «شيوتساي» [الأفندي المتعلِّم] سكرتير الكومونة، والكل هنا يعرفه، وهو نفسه يعرفه تمام المعرفة. ومن خلال كلام الناس عنه، فقد اشتُهر بأنه أنشط سكرتير في المحافظة كلها، وقد أُضيفَت إلى مسئولياته عضوية اللجنة الثورية التابعة للكومونة، إلى جانب مهام عمله كنائبٍ للمدير العام للمزارع الجماعية. وجميعهم يشعُرون بشيء من الألفة تجاهه. ولمَّا التقى جونكان وجهًا لوجه، ابتدره صائحا: «ياه … أهو أنت؟»، قال له:
«أهو أنت يا رجل؟ ما الذي رمى بك في المشكلة؟ على كلِّ حال، فلا تتضايق، سيمُر كل شيء بهدوءٍ ما دمتَ ستتعاون معنا. ستمضي الأمور بسلاسة، صدِّقني، لكن الشرط واضح، لا بد من الصراحة.»
جلس الرجل بهدوء ووقار على المقعد الكائن وراء المنضدة، وفتح ملفَّ أوراقٍ أمامه، ثم أشعل سيجارة، وقال له بصوتٍ جادٍّ تمامًا: «افتح أذنيك الآن جيدًا، اسمعني وتأكَّد من أن المعلومات صحيحة.» كانت نبراتُ صوته واضحةً في شيء من الترفُّع، وراح يقرأ عليه:
«الاسم: «جونكان كان»؛ الجنس: ذكر؛ السن: ثلاثة وأربعون عامًا؛ مولود لأسرةٍ ريفيةٍ فقيرة، تم تسريحه من التجنيد باعتباره من «حُثالة المجنَّدين»، ثم جيء به للعمل في الكومونة …»
«لم أكن من حُثالة المجنَّدين، بل فلاحًا من أسرةٍ ريفيةٍ فقيرة. هذا ما في الأمر.» تصحيحه للبيانات أعطاه أملًا في الدفاع عن نفسه.
«البيانات هذه ليست من عندي، بل جاءتنا من إدارة الضمان الاجتماعي.» هزَّ رأسه صاحبُ الوجه الناصع البياض، وسأله: «ألم تدخل الخدمة في جيش «القوات الوطنية»، قل بصراحة، مع أنه الجيش غير الوطني بالمرة؟!»
«الحكاية أنهم كانوا قد أخذوا الأخ الأكبر في التجنيد القسري، وكان من الممكن وقتها التبديل بين الإخوة، فطلب مني أخي أن أذهب أنا للتجنيد بدلًا منه، وقد كان.» وواصل مدافعًا عن نفسه: «وبعد شهرٍ واحدٍ فقط لا غير، هربتُ من الخدمة؛ فلم أكن أجد طعامًا آكلُه.»
«يبدو أنك مهما قلتَ فلن تستطيع أن تنفي مسألة تجنيدك.» قال له السكرتير المتعلم، «فلنكتُبها هكذا من دون لفٍّ أو دوران.»
سكَت، ولم يَدرِ كيف يُجيبه … لا بأس، مجنَّد برتبة نفر، وعسى أن تأتي العواقب بخير!
قرأ عليه … «والمتهم اقترف سلوكًا رجعيًّا يؤاخذ عليه»، إلى آخر كل تلك الصياغات القانونية الرتيبة التي تنتهي دائمًا بتوجيه التهمة … والتهمة كانت على النحو التالي:
«أنه في الثالث عشر من الشهر الجاري، وبينما كان المذكور يعمل في حقل البطاطا، أعلن على مسمعٍ ومرأًى من الناس، في موقع العمل العام، ما نصه: «ومَن يكون [سيادة القائد] «لين بياو» هذا؟ إنه مجرد حمار، آكل الأفيون هذا.»
لم ينتظر حتى يُكمِلَ الرجل ذو البشرة البيضاء قراءته، فصرخ في وجهه:
«أنا لم أقُل مثل هذا الكلام، بل هو الكذب والافتراء بعينه!»
سأله السكرتير: «ألم تقُل — يا بني — كلمة «آكل الأفيون»؟»
أجابه جونكان قائلًا: «قلتُها، لكن لم يجئ اسم «لين بياو» على لساني.»
«لا يصحُّ أن تنطقَ باسم «لين بياو» مجردًا هكذا، قُل سيادة نائب القائد العام لين بياو!»
من الخلف، جاءته صيحةٌ هائلة، تبعَتْها ركلة زلزلَت عظامه.
منكسرًا قال: «نائب أو غير نائب، أنا لم أفتح فمي بشيءٍ مثلِ هذا؛ فكل كلامي كان مقصودًا به المتحدِّث في مكبِّر الصوت.»
لاحقَه السكرتير على الفور: «وهذا المتحدث في المكبِّر هو سيادة النائب لين بياو!» كان ينظر إليه بملامحَ جادَّةٍ تمامًا، وهو يقول له: «أظنُّ أنك فهمتَ الآن!»
«فهمتُ.» أجابه، وقد أفقده الخوف توازنه، وقلب كيانه؛ فصحيحٌ أنه بعيدٌ تمامًا عن المسائل السياسية، لكنه يعرفُ جيدًا مصير مَن تقع عليه تهمةٌ ذات صلة ﺑ «لين بياو». وقيل إن أحدهم قد أُعدِم رميًا بالرصاص في مركز المحافظة؛ لأنه علَّق لافتةً على أول الحارة المقيم بها، وقد كتب عليها «يسقط لين بياو!»
انتابَتْه رعدة، وهو يستمع إلى السكرتير مواصلًا قراءة الأوراق.
«… وكان المتهم وهو في طريقه إلى التحقيق يدأَب على التلفُّظ بالسَّب والشتم، قائلًا: لين بياو يا ابن … يا متعاطي الأفيون يا … لقد خربتَ بيتي، وضيعتَ حياتي!»
«يا للسماء! أنا لم أقُل هذا الكلام!» احتَج بكلِّ ما في طاقته.
جاءه الردُّ من ورائه بلكمةٍ وركلتَين متتابعتَين، مع صوتٍ زاعقٍ بشدة: «أنا سمعتُك بأذنيَّ هاتَين، يا للتبجُّح!»
«أنا لم أقصد لين بياو.» واصل احتجاجه مدافعًا عن نفسه.
جاءته لكمةٌ أخرى، وضربتان قويتان في مؤخرته.
«خلاص، قل لنا إذن، كنتَ تقصد مَن؟» سؤال ردَّده عدة أشخاص.
«كنتُ أقصد صوت المتكلم في مكبِّر الصوت.»
«قلنا لك إنه صوت سيادة النائب لين بياو!» جاءه الزئير الصارخ من عدة أصوات.
«وأنا لم أكن أعرف أنه صوت الرجل!» مستعطفًا أجابهم: «سيادته الآن هو الحاكم الكبير، الملك صاحب الحكم النافذ، يقول فلانٌ يموتُ في الحال فيموتُ فلانٌ في الحال، فكيف لي أن أغلطَ بحقِّه؟»
ظنَّ أن ألفاظًا مثل «الحاكم الكبير»، أو التسميات الفخمة من قبيل «الملك صاحب الحكم»، تحمل ما فيه الكفاية للتعبير عن خضوعه بالاحترام والتبجيل، لكنه فُوجئ بسيلٍ متلاحق من الشتائم، بعد أن تلفَّظ بتلك الألقاب … «ما يزال لسانك يقطر سمًّا!»، «أنت تُصِر أيضًا على وصف القادة الثوريين بصفات ملوك وأباطرة الإقطاع والاستبداد!»، «يا للجرأة والوقاحة!»، «فلنفتح ملفَّ تحقيقٍ آخر في هذه الواقعة!»
أخذ السكرتير ذو البشرة البيضاء نفسًا عميقًا من الدخان، ثم دار بعينه مفكرًا، وهو يربِّت على جبينه بأطراف أصابعه، ومدَّ يده بالقلم، وراح يدورُ به فوق الأسطر دون أن يلامس الورقة، فلمَّا اتضحَت له العبارة راح يدوِّن تعديلًا في بعض الكلمات، وتهيَّأ للقراءة بعد التعديل:
«بل إن المتهم — وأثناء التحقيق معه — استمرَّ في بثِّ سمومه وبذاءاته، مردِّدًا أمام الحاضرين قوله: «لين بياو حاكمٌ إقطاعي، لا يتورَّع عن قتلِ مَن يتعرَّضون له بالقول والتجريح».»
«أنا لم أقُل هذا الكلام.» هبَّ سريعًا مدافعًا عن نفسه.
«يا لكذبك يا ولد؛ فالكلام الذي قُلتَه بلسانك منذ قليلٍ تُسرِع الآن وتنكره!» قال له الرجل الجالس بجوار السكرتير.
«ما دام يكذب فهو يستحقُّ التأديب!» زأر اثنان واقفان وراءه، وانهالَا عليه ضربًا في الحال.
صرَخ من الألم، ثم أقعى وهو يتأوَّه ويبكي. وتناولَه أحدُهم من ياقته فجمعها حتى اعتُصرَت رقبتُه، وجذَبه فأوقَفه بالرغم منه.
تدخَّل السكرتير ليفضَّ الأيدي الممسكة به، وأخذ يواصل القراءة.
هنالك صمَت جونكان تمامًا، ولم يعُد يُسمع له حِس، خصوصًا وقد بدا له أن الصمتَ هو عينُ العقل؛ فلا بُد أن يسكت، حتى لو قالوا إنه قتل وحرق وهدم مخازن الحبوب في طول البلاد وعرضها؛ فليس له أن يدافعَ أو ينطقَ بكلمةٍ مدافعًا بها عن نفسه؛ فالخرَس — في مثل هذه الظروف — هو الحل الأمثل، لكنه ما كاد يسمع العبارة التالية، حتى شعر كأن إبرةً طويلةً مسمَّمة انغرسَت في مسامِّ روحه؛ فرفع رأسه على الفور وقد اربدَّ وجهه، وتسمَّرت كل شعرة في جسمه.
«وقد دأب المذكور على السلوك الأخلاقي المنحط؛ إذ اختلط لفترةٍ طويلةٍ مع إحدى كريمات الأسر الريفية الغنية، وتُدعى «كوآرسو»، وأقام معها علاقةً مشينة، مما استفزَّ مشاعر الأهالي.»
فلم يصبر جونكان حتى جثا على ركبتَيه أمام المحقِّق، رافعًا يدَيه قائلًا له في ضراعة:
«قولوا عني ما شئتُم، اتَّهِموني بكل التهم، لا بأس! لكن لا تظلموا المرأة معي، لا تورِّطوها بغير ذنب، أتوسل إليكم!»
قال له السكرتير المتعلِّم ذو البشرة البيضاء: «طيب، إذا استثنَينا هذه النقطة، فهل تُقر بباقي الاعترافات؟»
ازدادت ملامحُ جونكان المتكدِّرة ووجهُه المتجهم بطبيعته تجهمًا تحت الظرف العصيب الذي يمُر به. وهنا، غرق في الصمت برهة، وتنهَّد بمرارة قائلًا: «اشطُب الكلام الأخير، وأنا مُوافقٌ على الباقي.»
«تمام»، أجاب السكرتير، «هذا هو الكلام، أنت الآن تتعاون معنا بجد».
أمَرَه أن يقتربَ من المنضدة، وأن يُمسك القلم، ويشطب بنفسه على السطرَين الأخيرَين تحت ملاحظته؛ بحيث يمحو أي أثرٍ باقٍ يمكن أن يُستدل منه على الكلمات. وبعدها، رفع رأسه قائلًا: «هاتِ يدك، وابصِم هنا … هنا بالضبط.»
بيدٍ مرتعشة، بصَم على الأوراق. شعر كأنه يضع بَصْمتَه على وثيقة استعباده في سوق نخاسة. لكن المرء بكلمته، ومن ألزم نفسه بكلمة فقد وجب عليه الوفاء، مهما كلَّفه الأمر؛ فهكذا جرت الأصول.
عزاؤه الوحيد كان أنهم لم يتطرَّقوا إلى سيرة «كوآرسو»، مما يعني أن السيد المحترم ذا البشرة البيضاء رجلٌ ملتزم بكلمته ووعده. ولا بد ﻟ «جونكان» أن يذكُر له موقفه هذا بكل العرفان. تمامًا، مثلما سيبقى مدينًا للسيدة كوآرسو التي راحت ترسل له الطعام، منذ عودته بعد انتهاء الاجتماع التنديدي، وكذلك في صباح اليوم التالي، وهو ما أدخل على قلبه فرحًا لا يُوصف. ومع أنهم لم يُخبروه بمصدر الطعام، لكنه أدرك أنها هي التي أرسلَتْه، بالنظر طبعًا إلى الكمِّية الوافرة والمذاق والرائحة الزكية؛ فما كاد يحل المساء حتى أرسلَت له دجاجةً مشوية، وقد حوطَتْها بالأرز والسمن؛ وسبَب كرمها البالغ في هذا العشاء بالذات كان يرجع إلى ما قيل لها من أنهم قد ينقلونه صباح اليوم التالي إلى «غرفة حجز» المحافظة. وبعد الانتهاء من وجبة العشاء هذه، انتحى جانبًا فأخفَى وجهَه بيدَيه، وأجهش طويلًا بالبكاء.
بعد انتقاله إلى مركز المحافظة، تم احتجازه إلى حين محاكمته. وكانت شهرتُه قد سبقَته إلى كل مكانٍ يحلُّ به، وصار معروفًا بين الجميع، أكثر حتى من نجوم المجتمع الأوسع شهرةً بين الناس؛ فهذا هو «جونكان» الذي وصف السيد «لين بياو» نائب رئيس الجمهورية بأنه متعاطٍ قديمٌ للأفيون، بالإضافة إلى كونه «رأس حُكمٍ إمبراطوري». وبناءً على ذلك، فقد تعاظمَت إدانته، وباتت تتضخَّم في كل حينٍ مثل كرة ثلجٍ متدحرجة في سفح جليدي … كرة تقلَّبت وتضخَّمت بازدياد الجريان حتى أصبحَت في حجم جمهورٍ يبلغ تعداده عشرة آلاف نسمة، جاءوا من كل حدبٍ وصوبٍ ليشهدوا وقائع المحاكمة العلنية، التي أصدرَت عليه حكمًا بالسجن مدة عشر سنواتٍ مع الأشغال الشاقة. وهو ما استوجب نقلَه إلى مناطق الغابات النائية لتنفيذ الحكم الصادر ضده.
ظل الناس يتناقلون سيرته لفترة من الوقت، لكن، مع جريان الأيام والسنين الطوال، خمَل ذِكرُه وانطوت حكايتُه، وتراكَم عليها غُبار النسيان.
في مزرعة السجن، ظل جونكان يقوم بنفس العمل الشاق الذي كان يؤدِّيه من قبلُ في الوحدة الإنتاجية، ولدأَبه وتفانيه، فقد استطاع أن يكسبَ ودَّ المشرفين، الذين كانوا في أعماقهم يتعاطفون مع محنته؛ وبالتالي، فقد مرَّت سنواتُ تنفيذ العقوبة في المزرعة على نحوٍ هادئ. ثم إنه كان يستطيع هنا أن يجد ما يأكل فيشبع، بعكس الفترة التي احتجزوه فيها؛ حيث لم يكن يتناول في اليوم كله إلا النزر القليل من الطعام. ولو أن الفلاحين في تلك الأيام كانوا — في التمسك بأسباب الحياة — أشبه شيء بمن يقبض بيدَيه على عصفورٍ ضئيل، إن بالَغ في الضغط عليه — من باب الحرص — فربما قتلَه، وإن حرَّر قبضتَه عنه أطاره. وعلى هذا، فقد كان مطلوبًا أن تمسك بما في يديك بحيث لا تموت ولا تحيا طليقًا. والحاصل أنهم كانوا يعطونك نصف وجبة طعام، ويكملون الباقي بالحساء، كمية كبيرة من الحساء؛ بحيث يمتلئ البطن عن آخره، فيشعر الآكل شعورًا وهميًّا بالشبع. وحتى بالنسبة لواحدٍ مثل جونكان، منهوم بالطعام، فقد كان بطنه يتكور من كثرة الحساء، فيشبع — للغرابة، يشبع — شبعًا حقيقيًّا، لا مراء فيه.
طبعًا، أتعس شيء في مثل هذه الظروف هو فقدان الحرية، لكن دوران الزمن يخلُق الاعتياد. وقد طال به الزمن حتى اعتاد أشياء كثيرة، سوى شيءٍ واحد، بقيَت مرارتُه تتجدَّد كلما طالت به الأيام، وهو الاشتياق الجارف إلى كوآرسو. كان الحنين إليها يتفاقم مع الزمن، حتى كان يراها كثيرًا في المنام، رآها ورأى نفسه في الحُلم يجلبُ لها الماء، ويأخذ الغِلال إلى ماكينة الطحين؛ بل كثيرًا ما كان يحلُم بأشياء لم تكن تطوفُ بخياله العابث، حتى وهو يقظان. وكان يجلس ويستعيد تفاصيل الحُلم طويلًا، إذا ما استيقظ منتبهًا في إفاقة.
لم يُطِق صبرًا، فدعا من كتب له خطابًا من من كلمتَين اثنتَين، لا أكثر، كتب لها يخبرها بمكانه الموجود فيه الآن، وقال لها إن الأحوال بخير. وسرعان ما جاءه منها الرد. قالت له في خطابها إن ولدها الوحيد فارقها، ولم تذكُر له السبب، مكتفيةً بالكلام عن شعورها بالتعاسة بغير حدود. وأكَّدَت له أنها ستعيش على الأمل والانتظار مهما طالت الأيام. ولم تحدِّد — في هذه العبارة الأخيرة — لمن هذا الانتظار الموعود: له أم لولدها؟ فلما عرف ما في الخطاب من أوله إلى آخره، طواه ووضعه في الجيب الداخلي. وكلما اختلى بنفسه أخرجَه لينظر في الأسطر والكلمات. ولكثرة ما فتَحه وطبَّقه، فقد تكرمشَ الورق، وبهتَ المِداد.
«أمنية عمري أن أراها بعينَيَّ هاتَين!» قال في نفسه، وقد أصبح على ثقةٍ أنه — هذه المرة — لن يعبأ بمن يوافق أو يعترض على علاقته بها. وقال لنفسه أيضًا إنهم لو اعترضوا من جهة أنها أرملة رجلٍ ثري، واعتادت الحياة في مستوًى معيَّن يعجز هو عن أن يُجاريَها فيه، بحالته الفقيرة هذه، فسيردُّ عليهم بأنه الآن من المفرج عنهم من إصلاحيةٍ تعاونية، والإصلاحية التعاونية ليست بالشيء الهيِّن؛ وبالتالي فهو أيضًا له «مؤهلاته الطيبة». وليس هناك أحدٌ أفضل من الآخر. وإن كان بيتُها له أبواب، فبيتُنا هو الآخر له أعتاب! هنا، فقد قرَّر أن يذهب إليها فور عودته إلى الوحدة الإنتاجية بالقرية، فإن وافقَت على بقائه معها بشكلٍ دائم، فسيبقى وليكُن ما يكون بعد ذلك. وطبعًا، فسيفكِّر في طريقةٍ مناسبةٍ لكي يُعيدَ ولدها إليها بأي شكل؛ فقلب الأم لا يحتمل مثل هذا الفِراق.
«لا، أنا أريد أن أرجع»، قال له جونكان وهما عند الباب، وقد استدار بجسمه مستعدًّا للخروج.
«ترجع؟ ترجع إلى أين؟»
«إلى الوحدة الإنتاجية.»
ضحك السكرتير، وتقدَّم ناحيته وجذَبه برفق قائلًا له: «خلاص يا ابني، أنتَ منذ اليوم لن يكون لك علاقةٌ بالوحدة الإنتاجية. يبدو أنك لم تعرف أن قرارًا صدر بشأنك فعلًا من لجنة الحزب، والقرار يقول بأنك ستتسلَّم عملًا مناسبًا في إحدى المؤسَّسات الكبرى، ويقول أيضًا إنه لا بد من توفير كل احتياجاتك الضرورية، وحل مشاكلك الشخصية. وأهم شيءٍ الآن هو أننا … أنا وأنت يعني، لا بد أن نرتِّب معًا الأوراقَ المطلوبة، ومن باكرٍ ستُرسِل إلينا المزارع الجماعية عددًا من المساعدين لكي يتقابلوا معك ويكلموك.»
لمَّا سمع كلمة «الأوراق المطلوبة»، اصفرَّ لونُه وانكمَش على نفسه مثل قشرة برتقال جافَّة ومكرمشة. وبقلبٍ واجف ولسانٍ متلعثم تساءل: «أوراق؟ وما الداعي للأوراق الآن؟»
أجلسَه سيادة السكرتير، بكل هدوء، على السرير بجواره، وقال له:
«أنت الآن شخصٌ مهم جدًّا! هل تفهم معنى أن يكون المرء شخصيةً مهمة؟ شخصية غير عادية يعني … فأنت أول من شتم «لين بياو» صراحة، وهو في عزِّ سطوته، واستطعتَ أن تتحدَّى جبروت «القيادات الكبرى» [عصابة الأربعة!]، وأن «تلاعبهم» و«تعزف لهم تقاسيم من نفس النغم» [كذا]. ومع أنني قرأتُ أشياء كثيرة منشورة في الجرائد والتقارير، لكن ليس فيها ما يكافئ «وخزة إبرتك»؛ فلذلك، قرَّرَت الوحدة المحلية أن أتعاونَ معك في جمع هذه الأوراق كلها، لكي نذهب وننشُرها في إحدى الجرائد الكبرى. هذا هو الموضوع!»
سمعه جونكان، ودارت الدنيا به من التشوُّش والارتباك، وقال له:
«لكن ما لي أنا وكل هذا؟ أنا لم أقُل سوى كلمة واحدة.»
«آه، صحيح، هي كلمةٌ واحدة، لكنها اليوم تساوي ذهبًا، يا بني!» قال له بمنتهى الاعتداد: «أنا معك، إنها كلمة لا راحت ولا جاءت، وربما يستطيع أي صبيٍّ صغيرٍ اليوم أن يقولها على ملأ، دون أن يخشى شيئًا. لكنك أنتَ الذي قُلتَها أولًا، وقُلتَها في وقتها! فاهم؟ يعني هي كلمةٌ تساوي الذبح في زمانها! هل تفهم؟ ومن هنا، فنحن نريد لهذه الكلمة أن تلمع وتتلألأ وتكبر وتتضخَّم، ويسمعها كل الناس في المحافظة، وكل النواحي البعيدة والقريبة.»
«لكني لم أكن أقصد «لين بياو» بهذه الكلمة، بأمانة؛ فأنا لم أكن أعرفُ أنه المتكلم في مكبِّر الصوت.» راح جونكان يكرِّر نفس التبرير القديم للعبارة إياها.
«حذارِ من أن تقول هذا الكلام الآن. ولعلمك، فحتى لو قُلتَه، فلن يصدِّقك أحد، فهل تظن أن الناس سيصدِّقون قولَ واحدٍ يزعم أنه لا يعرف صوت «لين بياو»؟ هل هذا معقول؟» واصل السكرتير نصيحته له، «ثم إن بعضًا من الناس الآن يحاولون اختلاق مواقفَ شجاعة واعتراضاتٍ قديمة، زاعمين أنهم قالوا واحتجُّوا … إلخ، بينما أنتَ قلتَ بالفعل، من غير تصنُّع، فلِمَ كل هذا التواضع؟ هه؟»
«يا للسماء! لماذا لا يفهمُني أحد؟» كان جونكان في قلب دوَّامةٍ من الحَيْرة.
«اسمع، لا تشغل بالك بموضوع الأوراق؛ فأنا عندي نسخةٌ منها، سأسهر عليها ليلةً كاملة، وأجهِّز الملفَّ المطلوب بنفسي»، قال له السكرتير في ودٍّ وثقة.
«طيب، أستأذن سيادتك الآن؛ فأنا أريد أن أرجع إلى البيت على أن أجيء إليك فيما بعدُ.» بطريقةٍ مهذبة، حاول جانكون الاستئذانَ في الانصراف وهدفُه الإفلات بأية طريقةٍ من هذا الموقف الخانق.
«مستحيل، هذا لا يمكن أبدًا!» كان رفضه قاطعًا، «لأنك المفروض أن تكون معنا غدًا بعد الظهر، لكي تُلقيَ تقريرًا على الجمهور، والموعد مقرَّر ولا مجال لتغييره.»
ازداد جانكون فزعًا من مسألة «التقرير» هذه، وأجابه:
«كيف أعمل تقريرًا يعني؟ أنا فلاح، أعمل في الطين والزرع، ولا أفهم تلك الأشياء.»
«لا تشغل نفسك بذلك. استرِح أنتَ تمامًا من هذا الموضوع، وكل المطلوب منك أن تأتي معي، وتجلس إلى المنضدة أمام الناس، فقط لا أكثر هذا، وسأقوم أنا بإلقاء التقرير بدلًا منك. وطبعًا، فاللجنة الحزبية من بالكومونة سبق أن فكَّرَت في هذه النقطة، وعملنا حسابَ كل شيء؛ لأنهم يعرفون أن مستواك في القراءة والكتابة محدود.»
«ومتى بالضبط نستطيع أن ننتهي من هذه المهمة ونرجع؟» سأله في قلق.
«إذا تعاونتَ معي بشكلٍ جيد، فسننتهي في أسرع وقت، لكن إذا لم نتفق معًا، فمن الصعب أن أتصور من الآن أي شيء.»
انحصرَت كل آمال جونكان في هذا «التعاون الجيد». ولم تكن هذه هي المرة الأولى في تجربة التعاون المشترك، بل كانت الثانية على الترتيب.
مساء اليوم نفسه، نزل القريةَ عددٌ من كبار الزوار القادمين من المحافظة، وأوحى منظرهم بأنهم من القيادات الكبرى على مستوى الأقاليم، وليس المحافظة فقط، جاءوا ومعهم هدايا وكمِّياتٌ هائلة من السكر والكعك والتفاح، وتسلَّمها منهم سيادة السكرتير العام، نيابةً عن المكتب المحلي. وبجانب ذلك، فقد تولَّى بنفسه الرد على أسئلة الضيوف، فلما انتهت الزيارة، قام وتناول تفاحةً كبيرة وقضَم منها قطعة، ثم تهيَّأ لإعداد الملف. ومن داخل حقيبةٍ جلدية، سحب رزمةَ أوراقٍ تحمل — في بعضٍ منها — بصمة جونكان. وفكَّر — أول الأمر — في أن يراجعها معه، باعتباره صاحب القضية الأصلي، والتفاصيل كلها تخصُّه بكل عبارة وحرف وكلمة، لكنه تراجع عن الفكرة؛ لأن جونكان ما يزال يُصر على موقفه الأول في التحقيقات غيرَ عازمٍ على تغيير حرفٍ مما قال، متشبثًا بموقفه من أنه لم يشتم «لين بياو». وعلى هذا، فلم تكن ثمَّة جدوى من مراجعة الملف معه. وبالطبع، فقد كان قال عليه هو أن يجد حلًّا، فانكَبَّ على الأوراق يتأملها وهو يُغمغِم ويفكِّر بصوتٍ نصف مسموع، ويقلِّب عينَيه في الأركان، ويمسح على رأسه، ثم يسحب نفسًا عميقًا من الدخان وذهنُه مشغولٌ بالتفكير. وبعد حين، أخرج القلم من جيبه، وراح يشطُب شيئًا هنا ويضيف عبارةً هناك، حتى بدا أنه أنجز ما كان يتصوره على النحو التام. وجونكان جالسٌ في ناحية قريبًا منه، يدخِّن سيجارته هو الآخر، معقود الجبين مهموم النفس، منشغلًا قلبه بالمرأة كوآرسو.
صباح اليوم التالي مباشرة، توافَد الزوَّار أفرادًا وجماعات، وانتشر الخبر في البلد بأزقَّتها وشوارعها وكل ركن فيها؛ تم إطلاق سراح البطل، الذي وقف في وجه النائب السابق لرئيس الجمهورية «لين بياو»، وقد نزل الآن ضيفًا على المقَر الرسمي للمجلس المحلي. وفي الحال، توافَد على المكان عددٌ كبير من المعجَبين بالشاب وموقفه، ومندوبي الندوات العامة ومنسِّقي اللقاءات الجماهيرية. وبلغ من كثرة المتردِّدين أن موظَّفي دار الضيافة المحلية اضطُروا إلى إغلاق البوابة الرئيسية، بعد أن اشترطوا للدخول إبرازَ بطاقاتِ الدعوة؛ فما كان من الشبان الذين لم يُسمح لهم بالدخول إلا أن احتشَدوا قبالة البوابة، ورفَعوا أصواتَهم في هتافٍ إيقاعيٍّ متكرر، يطالبون فيه بمقابلة جونكان من دون حواجز أو قيود.
من الخارج، وصل السكرتير ذو البشرة البيضاء وهو يكاد يطير فرحًا. قال: «الدنيا انقلبَت رأسًا على عقب في المحافظة، وقد وصلتُ من هناك توًّا، ولك أن تتخيل — يا صديقي العزيز — مدى الضجَّة الهائلة التي انتشرَت في كل مكان. أنت فعلًا بطلٌ غير عادي!»
ظهيرةَ اليومِ ذاته، جاء عددٌ من كبار قيادات المزارع الجماعية لمقابلته، وفُوجئ أن من بينهم سيادة رئيس اللجنة الثورية، ذلك الذي كان يُباهي بمقدرته الفذَّة على الإيجاز واختصار الكلام إلى حدِّه الأدنى، من دون ثرثرةٍ فارغة. ورغم ذلك، فيبدو أن ترتيبه في الترقِّي تراجع كثيرًا؛ لأنه لم يظهر في أول الصفوف التي جاءت لمصافحة جونكان، مع ملاحظة أن مسيرة تطوُّر المجتمع البشري منذ عصوره السحيقة حتى اللحظة الراهنة لم تختلف حول ما يمكن أن تُظهِره مجاملة المصافحة باليد من خفايا، وما يمكن أن تفسِّره من ألغاز. ومرةً أخرى، ألحَّ جونكان في طلب العودة إلى بيته، فقيل له: «دَعْ عنك التفكير في هذا الموضوع الآن؛ فالعودة إلى بيتك مستحيلة مؤقتًا، ثم إن البتَّ في هذه النقطة أصبح في يد مسئولي المحافظة.»
مِن هذه الساعة، بدأ جونكان ينخرط جديًّا في التعاون مع السكرتير في تجهيز الملف. وكانت الأجواء الاحتفالية تعمر بكل أسباب البهجة والبشر؛ فأينما ولَّيتَ وجهَك رأيتَ ملامحَ مشرقةً وورودًا معطرة. وبالنسبة للتقرير، فقد تولى السكرتير قراءته مثلما سبق له أن قرأ — في ظرفٍ سابق — عريضة الاتهام، في مؤتمرٍ نضالي للتنديد بإجرام نفس الشخص الجالس إلى جواره اليوم. نفس الشخص الجالس إلى جواره مُقطب الجبين، مُنصتًا بكل اهتمامٍ نفسَ الإنصاتِ الذي بذلَه من قبلُ. ومن شدة الإنصات، أصابه ما يشبه التشتُّت الذهني، فظن أن الناس تتكلم عن «جونكان» آخر غيره، وخاصةً وهم يقصُّون مآثر بطولية لا علاقة له بها، بل إنه من بلاغة ما رُوي على أسماعه من بطولاتٍ ومواقفَ نضالية فذَّة، أُعجِب بذلك اﻟ «جونكان»، وتأثر كثيرًا بسيرته المجيدة، وقال في نفسه: هذا بحقٍّ رجلٌ جديرٌ بالإجلال! وبعد بُرهة صار الناس يهتفون: «المجد للرفيق جونكان!»، «يعيش المناضل المثالي!» لكن الأمر تداخل عليه لما سمع الهتاف العالي، والتبسَت عليه صورة الموقف، وتسرَّب إلى وعيه إحساسٌ بأن الجماهير المحتشدة تقول: «الخزي والعار للخائن جونكان!»، «ليسقط عدو الثورة!» فتفصَّد جبينُه بالعرق، وأخذَته رعدةٌ هائلة.
وسط أجواءٍ عامرة بالفرح مشرِقة بالألوان، كان يرتجف فزعًا، وتمتلئ نفسه بكل الهواجس المرعبة. وبقي على هذه الحال مدة أسبوع، حتى كاد أن يموتَ من القلق، فلعن نفسه ولعن الساعة التي قيلَت فيها هذه الكلمة على لسانه، وتساءل، ما الذي دعاه إلى أن يقولها ويوقع بنفسه في ورطةٍ ممسكةٍ بخناقه حتى هذه اللحظة؟
جاءه أخواه لزيارته ذاتَ ظهيرة، فقصَّ على أخيه الأكبر ما وقع له، وصارحه بما ينتابه من القلق، فردَّ عليه بقوله: «أنت شخصٌ غريبٌ فعلًا!» أما تعرفُ أني تمنيتُ في أعماقي لو كنتُ أنا نفسي قائل تلك الجملة التي تشتكي بسببها، وتقول إنها سببَت لك المتاعب، يا أخي، ليتني كنتُ قائلَها، حتى لو سُجنتُ أطولَ من سجنك. ولو كنتُ مكانك، لأضفتُ إلى تلك العبارة بعض المقبِّلات، لأنك كلما أضفتَ إلى بضاعتك مزيدًا من الملح والمشهِّيات صارت النكهةُ أطيبَ مذاقًا. أما مسألة التدقيق فيما قيل بالضبط — من ناحية الصدق والكذب — فهذه لن يكترثَ لها أحد … صدِّقني.» وهذا الرد من أخيه الأكبر لم يفرِّج عنه الكرب، ففكَّر في أن يستقصيَ منه أحوالَ «كوآرسو»، لكنه تردَّد قليلًا، ثم قرَّر ألَّا يفاتحه بأيِّ كلامٍ عنها. وكان أن باغتَه أخوه الأصغر بسؤاله:
«تُرى، أما تزال بحاجة إلى تلك الغرفة؟»
بدا له أن الأخ الأصغر قد اطَّلع من طرفٍ خفيٍّ على خباياه، فردَّ عليه بما يشبه الاستنكار:
«ولِم لا أحتاجها؟»
قال له: «سمعتُ أن الكومونة سوف تنقلك إلى وظيفةٍ جديدة، ومسكنٍ آخر، بل سيجيئون لك بزوجة، وتستقر في بيتٍ جديد.»
«من قال هذا؟» سأله مأخوذًا.
«الكومونة كلها تردِّد هذا الكلام. اسأل أي واحدٍ من الناس، وسيؤكِّد لك قولي.»
أخيرًا، لم يتمالك إلا أن يسأله، كاشفًا عن طواياه: «هل رأيتم كوآرسو؟»
قال أخوه الأكبر: «آه، تلك المرأة، دَعْك منها؛ فكلٌّ منكما له طريقه. ثم إنها الآن تجني ما زرعَت يداها.»
في تلك اللحظة بالضبط، دخل السكرتير، فأقبل عليه يستعجله: «تعالَ، قُم معي بسرعة! تعالَ لنركب سيارة القسم التجاري بالكومونة؛ فكل شيءٍ جاهزٌ للتحرك الآن.»
عصفَت به الأفكار، وانقلَب كيانه لمَّا سمع أخاه يقول إنها … «تَجْني ما زرعَت يداها»، وتساءل في نفسه، تُرى ما قصدُه من هذه الكلمة؟ ركب السيارة، وأسرع يسأل السكرتير: «متى ننتهي من هذا المشوار بالضبط؟»
أخذ الرجل يقلِّب أوراق المفكِّرة في يده وهو يردُّ عليه بقوله: «في لمح البصر؛ فقد أبلغتُ الوحدة المحلية التي سنزورها الآن بأن يعملوا حساب كل شيء، وأن يسجِّلوا لنا كل ما سنقوله، كلمةً بكلمة، وهذا ما سنفعله في أية زيارة بعد ذلك.»
لعنَ نفسه، وقال لو أن لسانه كان قد خَرِس في تلك الساعة، لاستراح من كل هذه الأشياء.
مضت عليه عدة أيام وهو على هذا الحال من التبرُّم، ضاقت نفسُه بالدنيا وما فيها، ولم يعُد يُقبِل على الطعام بشهيةٍ مفتوحة، فهزلَ جسمه حتى قال له السكرتير: «لا، عليك أن تلتفتَ إلى صحتك، اعمل حسابك أنك غير مسموحٍ لك لك بأن تمرضَ طويلًا، بالذات بعد أن وصلنا إلى وقت الجِد. وقد سمعتُ أنهم سيُقيمون عددًا من الاجتماعات في الإدارة المحلية طوالَ الأيام القادمة، وطبعًا فلا بد أن تتوقَّع مجيءَ عددٍ من الزوار للقائك. ولستُ متأكدا إن كانوا سيطلبون تجهيزَ عَشاء للضيوف من عدمه!» قال له هذا بينما كان في قرارة نفسه راضيًا عن هذه المشاغل التي صعدَت بنجمه في السماء، وجعلَته معروفًا بين المسئولين؛ لأنه كان يُمسِك بدفَّة الحديث في اللقاءات الرسمية، ويردُّ على التساؤلات، ويُدير الحوار بين الجميع تقريبًا، مستفيدًا من موقعه هذا في تحقيق مكاسبَ هائلة، بل إنه — هو نفسه — اعترف بذلك صراحةً ذات مرة ﻟ «جونكان»؛ إذ قال له: «أنا الآن مستضيءٌ بلمعان نجمك، ماشٍ وراء كعبك، أقول لك بصراحة.» بيد أن جونكان أجابه على الفور، بلهجةٍ مشحونةٍ بالغضب: «وأنا أيضًا، يا سيدي، ماشٍ في أنوارك.» على الفور، التقَط الرجل العبارة الأخيرة، وأجابه بقوله: «هذا كلامٌ جميل، والحقُّ أننا كلانا نستضيء بأنوارنا، ويستفيد كلٌّ من زميله؛ فأنا أستفيد من موقفك لأنك قائل العبارة إياها، وأنت تستفيدُ مني لأني أتولى عنك إعداد الملفات والأوراق والتقارير. يعني بالتشبيه البليغ، أستطيع أن أقول لك إن الأمر بيننا مثل الزيت والشمعة، بمعنى أنك مثل فتيل الشمعة، وأنا مثل الشحم الذي يبلِّل الفتيل ويجعله قابلًا للاشتعال. وأحيانًا ما تتلوَّن الشمعة بلون الزيت المستخدَم للاشتعال؛ فإن كان لونه أبيض صارت الشمعة ضاربةً إلى البياض، وإن كان أحمر رأيتَ الشمعة قد مالت إلى الاحمرار؛ فأنا بغير فتيلة شمعتك لا أساوي شيئًا، وأنت بغير زيتي لا قيمة لك؛ فالمسألة كلها على هذا النحو، ومع كل الناس، وفي كل المستويات، وكل المواقف.»
أفاضَ في شرح نظريته المبتكَرة، واعتدلَ في جلسته بكل ثقة، وقد أُشرِب وجهُه الأبيض بحُمرةٍ طافحة كأنه منقوعٌ في زيت شموعٍ من الأحمر القاني، بينما كان جانكون يغالب شعورًا جارفًا بالبكاء، وفكَّر بينه وبين نفسه قائلًا: بسبب زيتكم المرير هذا اضطُرِرتُ لأن أعملَ بالأشغال الشاقة طيلة سنواتٍ من العمر! وبالطبع، فقد استطاع أن يتجاوز لحظة الضعف، لكن يده المرفوعة بمبسم السيجارة انتابَتْها رعشةٌ خفيفة … خفيفة، بدرجةٍ يكاد لا يلحظها أحد.
فاضَ به الكيل، وقرَّر أن يتقدَّم بشكوى ضد السكرتير، كي يتخلَّص من حصاره، لكنه لم يكن يعرفُ إلى مَن وأين وكيف يتقدَّم بهذه الشكوى! فهو لا يعرف أحدًا في هذه المدينة الواسعة، بل لا يعرف كيف يمشي فيها، وإلى أي طريقٍ يتجه، ومن أية ناحيةٍ يعود. ثم إن الرجل المشكو في حقه لا يفارقه لحظة؛ فهو حاضرٌ إلى يمينه أو شماله أينما حلَّ؛ حتى الضيوف … كل الضيوف يبدو أنهم من معارفه؛ فمع مَن يتكلم؟ وإلى مَن يلجأ؟ وكيف يتصرَّف، وهو لا يعرفُ أحدًا هنا؟
سمع، ذات يوم، أن أحد نُزلاء دار الضيافة له باعٌ في التنجيم وقراءة الطالع، فذهَب إليه وكلَّمه؛ لكن الرجل كان من النوع الذي يقول كلامًا نِصفَ مفهوم، فكان أن قال له: «مشكلتك لن تُحل إلا عندما تتفاقم إلى أقصى درجة، وربما تجد الحل بعد تسعة وأربعين يومًا.» ولمَّا سأله عن حظه في الزواج، ابتسم وتأمَّلَه برهة، ثم أجابه: «انظر، مسألة الزواج هذه … بالنسبة لك، فيها النحسُ والخطرُ معًا، لكن لو كان أغلبها نحسًا، فالمخاطر بعيدة، والعكس صحيح! وعمومًا، فمن الأفضل أن تعمل كل ما في طاقتك للحفاظ على زواجك من التقلُّبات الخطيرة.» حاول أن يفهمَ كلامَ العرَّاف، فاكتشفَ أنه إزاء طلاسمَ غامضة، تحتاج بدَورها إلى مزيدٍ من التوضيح. واقتنع بأنه لو كان قد تجاهل موضوع الطالع من الأول، لكان أجدى له الوقت الذي ضاع سُدًى.
لمَّا استعاد كلام العرَّاف، اكتشف أنه أيضًا قال له، وسط الألغاز الكثيرة، بعضَ أشياء مفهومة، أضاءت له بريقًا من الأمل. وساعة أن دخل إلى غرفته، ووجد السكرتير منهمكًا في كتابة مقالٍ لإحدى الصحف، تقدَّم منه مترددًا وطلب منه نقودًا ليشتريَ عُلبة دخان من الدكان القريب، فأعطاه ثلاثة يوانات، وحذَّره من التلكؤ بالخارج، فخرج من عنده، بعد أن سحب مِخلاتَه البيضاء الصغيرة بمنتهى الخفة، وسار حتى وجد نفسه عند البوابة، ولمح العرَّاف الطيب، فرافقَه وسط الزقاق الصغير المتفرِّع من الشارع متجهًا إلى أقصى الطرف الجنوبي من دار الضيافة؛ حيث لمح محطة الأتوبيس.
مثل مجرمٍ هارب، تسلَّل داخل الأتوبيس بنظراتٍ زائغة، وقلبُه ينتفضُ خشية أن يتم القبض عليه، ويُسلَّم إلى العدالة كي تأخذ مجراها. جلس على أحد المقاعد مرتبكًا، وهو يخفضُ رأسه لئلا يرى الناسُ وجهَه المتغضِّن. لمَّا تحرَّك الأتوبيس، هدأ وتنفَّس الصُّعَداء، بمشاعر المُنعتِق من مصيدةٍ مفزعة. وكلما أوغلَ الأتوبيس على الطريق مبتعدًا، ازداد طمأنينةً وثقةً في أن يتطلَّع بحريةٍ إلى وجوه الركَّاب الذين لم يكن بينه وبينهم أدنى معرفة. ولحظةَ أن أدرك سيادة السكرتير أن فتيلة الشمعة قد انسلَّت هاربةً من بين يدَيه، كان هو على مسافة تبعدُ عشرات الكيلومترات عن مركز المحافظة، وقد تخلَّص من زيت شموعٍ التصق به لصق غراء. هنالك تراقَص القلبُ طربًا ومسرة.
لم يكن يعرف أن ثمَّة أتوبيسًا يصل مباشرةً إلى الكومونة، هذه الأيام، من غير داعٍ إلى المشي عدة ساعاتٍ حتى يصل إلى غرفته. لكنه الآن — وعلى مقعده في الأتوبيس المسافر — راح يتطلع إلى المناظر على الجانبَين، مناظر الغابات والجبال والقمم العالية وأسطح البيوت والمزارع، وهي تتلاحق بعضها في إثر بعض، وبقلبه ما لا يُوصَف من السعادة، والوجه العَبُوس تهلَّلَت أساريره.
والأتوبيس في الأرياف يُعتبر منتدًى لتبادل الأخبار والتعرُّف على الأحوال؛ فكل الحوادث والغرائب والنوادر التي تحدُث في أركان العالم الأربعة واتجاهاته الثمانية تجد لها سوقًا رائجةً في أتوبيسٍ ريفي. ولأن الفلاحين مولَعون بالقيل والقال، وزبائنهم في هذا النشاط بغير حصر، فالأخبار المذاعة بينهم تؤتي أثرها، وتجد مرتعًا وافرَ الخِصْب. وكانت تلك الساعة في الأتوبيس هي ساعة بث الأخبار، ومتابعة الأحداث، واصطياد الأنباء من مُختلِف المصادر. وكان جمعٌ من الركَّاب يُنصِت مليًّا إلى وكيل مبيعاتٍ في إحدى المؤسَّسات التابعة للكومونة، وهو يقصُّ عليهم وقائعَ ما حدث منذ وقتٍ قريب جدًّا. وكان الأتوبيس يصعد مرتفعًا جبليًّا في تلك اللحظة، ويصدُر عن محرِّكه دَويٌّ صاخب، اضطر الركاب من شدَّته إلى أن يميلوا بآذانهم، ويقتربوا من محدِّثهم، في حين صاح بعضُ الكهول، ممن ثقلَت أسماعهم، يسألون سيادة الوكيل أن يُعيدَ كلامَه بصوتٍ عالٍ. ولم يكن جانكون يكترثُ بما يُقال، أول الأمر، خاصةً وقد شردَ ذهنُه بعيدًا بعيدًا، في إثر خياله المنشغل بلحظة لقائه مع كوآرسو، وكلامه الذي سيقوله لها ساعتئذٍ. ثم إذا هو ينتبه إلى قول أحد الركَّاب:
«يعني، هل تقصدُ بكلامك هذا، سيرةَ الأرملة؟»
«نعم، أقول لك؛ فأنا أتكلَّم عنها تحديدًا.» أجاب الوكيل مؤكدًا قوله، «لقد ترمَّلَت وهي شابةٌ صغيرة، وبقيَت دون زواج، حتى بعد أن بلغَت الأربعين. وظلَّت ترفض كل مَن تقدَّموا لها … لأنها كانت تحبُّ شابًّا أعزب.»
أفاق منتبهًا انتباهةَ مَن اندقَّت رأسُه بمِثقَب وهو غافل. فأرهف السمع.
«أعرفُه … هو ذاك الذي اسمه «جونكان».» أجابه أحد الفلاحين.
«بالضبط، هو ذاك الرجل بعينه»، ردَّ عليه الوكيل، «ذلك الذي حكَموا عليه بالأشغال الشاقة لما شتم «لين بياو»، وقال عليه إنه متعاطٍ للأفيون.»
«آه … عرفتُه»، صاح راكبٌ آخر.
سمعهم، وأسرع يخفِّض رأسه متواريًا عن الأنظار.
«لكنهم أفرجوا عنه»، واصل الوكيل كلامه، «وهو الآن في مقَر المحافظة يستعد لعمل تقريرٍ جماهيريٍّ كبير. وسمعتُهم يقولون إنهم يَدْعونه كلَّ يوم ليُلقيَ الخطب وسط الناس.»
«يعني هو مفرَجٌ عنه الآن إذن!» قالت إحدى الراكبات، «طيب، ما داموا قد أفرجوا عنه، فما الداعي لأن تُحاول المرأة الانتحار وتشرب السم؟»
رفع رأسه منتبهًا وقد بهتَ لونُه، حتى لفَت إليه انتباه الراكب إلى جواره، وبدا له مثلَ معتوه.
«أقول لكم لماذا شربَت السم، يا حضرات»، أجابهم الوكيل متعمدًا أن يقفَ في منتصف الكلام وقفةَ تشويقٍ حكائية، ثم واصل موضحًا، حاولَت تنتحر لأنه تم الإفراج عنه، وهذا هو الغريب في الأمر.»
أحس كأن قَدومًا انهالت بضربة مُصمِية على رأسه.
«كيف يعني تنتحر بسبب الإفراج عنه؟ ما الحكاية بالضبط؟» تساءل أحد الركَّاب على المقعد المجاور.
«هي أصلًا كانت تنتظره بفارغ الصبر، وكانت مخلصةً له في غيابه. ولعِلمِكم، فهذه مسألةٌ ليس فيها أدنى شك من أية جهة.» قال لهم الوكيل مفسرًا ألغازه، «لكن، فكِّروا بعقولكم؛ فالشاب مسجون، وعليه حكم أشغالٍ شاقة، والمرأة الوفية وحدها تُواجِه القيلَ والقال، والناسُ أشاعوا أنها كانت على علاقةٍ معه؛ لدرجة أن ولدها تأثر بهذا الكلام فحزن جدًّا، وتركَها ليعيشَ مع خاله. وبالتأكيد، فقد اعتصرَتْها الحسرة على ما حدث. وإذا سألني أحدُكُم لماذا تنتحر؟ فالسبب لا لأن جونكان قد خرج من السجن، ليس هكذا بالضبط! وإنما لأنه بعد خروجه أصبح شخصًا غيرَ عادي، والناسُ تتحدث عنه هنا وهناك، والكومونة التي يعمل بها قرَّرَت أن تعيِّنه في وظيفةٍ جيدة. ليس هذا فقط، بل قرَّروا أن يزوِّجوه امرأة فاضلة، جميلة وبيضاء. وطبعًا، فالرجل قرَّر أن ينسى الماضي، ويمزِّق الأوراق التي تعهَّد فيها على الزواج من الأرملة. فما بالك عندما يصلُها هذا الخبر، كيف تتصوَّر ردَّ فعلها إزاء هذا؟!»
«رجال … معدومو الحس والضمير!» صاحت المرأة بانفعال. وككل النساء في حساسيتهنَّ إزاء هذه المواقف، فقد صبَّت جام غضبها على الذكور، وراحت تنعتُهم بأرذل الصفات.
واصل الوكيل كلامه: «ولحسن الحظ أنهم اكتشفوا ما حدث قبل فوات الأوان. وربما لو تأخَّروا دقيقةً واحدةً لانقطَع جذرُها [لفقدَت عمرها]!»
سمع بالكاد هذه العبارة الأخيرة الواعدة بالنجاة، بَيْد أن العرقَ سال من جبهته، وتفصَّد حبَّات احتشدَت في ثنايا تغضُّنات جبهته.
«تُرى، هل يستطيعون إنقاذها في مستشفى الكومونة؟» سأله أحدُهم.
«مستشفيات الكومونة ليست مجهَّزة بإمكانياتٍ كبيرة؛ لذلك نقلوها إلى المركز الطبي الكبير.»
عندئذٍ، تأكَّد الراكبُ الجالسُ إلى جواره أنه معتوه، بكل تأكيد. وإذ همَّ بسؤاله عما يضايقه، فُوجئ به ينتفضُ واقفًا، ويصيح بأعلى صوته مناديًا السائق:
«أَوقِف السيارة هنا، يا أسطى! توقَّف عندك!»
هذا النداء الأخير، القصير الحاسم لم يكن ليعطي فرصة للأخذ والرد من جانب السائق.
والأسطى السائق أوقف السيارة في الحال، بينما الركَّاب يتطلعون بعيونٍ جاحظةٍ تجاه الراكب الغريب الذي أراد النزول في مكانٍ لا تُوجد به محطة للأتوبيسات، بل ليس به أساسًا أية محلات أو مكاتب أو بيوت مأهولة بالناس.
انفتح باب الأتوبيس، فنزل ممسكًا بمخلاته البيضاء، ثم استدار جاريًا عكس اتجاه الطريق، وهو يلعن قدَره، والتقارير، والخُطَب، واللقاءات، والسكرتير وشموعه.
«من هذا الأهوج، العابث؟!» صاح الركَّاب في استنكار.
جاء صوت أحد الراكبين في الخلف يقول للجميع: «أنتم لم تنتَبهوا جيدًا؛ فذلك هو جونكان نفسه، جلس وسطكم دون أن تتعرَّفوا عليه. وبالتأكيد، فهو ذاهبٌ إلى المستشفَى لزيارة امرأته.»
همهم الجميع والدهشة تملأ عيونهم. الدهشة التي تُزيلها مباشرة لحظة إدراك مرمى الأشياء.
واصل الأتوبيس مشواره على الطريق. ومن النوافذ على الجانبَين، برزَت رءوس الركَّاب الذين أخذهم الفضول، فراحوا يتطلعون إلى الخلف، وقد نسُوا تمامًا أن هناك لافتةً تحذيريةً مكتوبة بكلماتٍ واضحة تحت عنوان «تنبيه على الركَّاب» تضمنَت بندًا مفاده: «ممنوع إبراز الرأس أو الذراعَين من النافذة المفتوحة أثناء سير الأتوبيس»، لكن الرءوس لم تأبه بالمحظور، وظلَّت بارزة ومتراصة خارج النوافذ، حتى كاد المتطلع إلى السيارة — من بعيد — يظن أنها محتشدة، عن آخرها، برءوسٍ كثيرة تزاحمَت فطلعَت من الشبابيك.