الشيخ والوقائع الفاضحة

إذا كان الناس قد اعتادوا تسمية العم «جاو لاو» ﺑ «الشيخ» أو «المعلم الفاضل»، فلأن ملامحه وأخلاقه ومظهره العام كان يحمل ما يستأهل هذه التسمية، وليس أي شيءٍ آخر؛ فهو لم يكن كبير السن إلى هذه الدرجة (لم يتجاوزِ الخمسينَ بعدُ)، لكن شكله كان أقرب إلى سَمْت الشيوخ؛ ظَهْر محدودب، وجسد يميل إلى النحافة، وعينان ضيقتان تُطِلَّان من وراء نظارةٍ سميكة، وملامح متجهِّمة مصبوبة في قالبٍ من الجِد الصارم. وساعد على هذا الانطباع تخصُّصه في تدريس اللغة ونحوها وآدابها في المرحلة الثانوية، وطريقته الغريبة وهو يقرأ النصوص القديمة (بشغفٍ غير عادي)، فيما رأسه يتطوَّح على وقع العبارات؛ حتى بلغ من شدة تعلقه بالقدماء ونصوصهم أنه بدا أمام الناس كأنه آتٍ من عصرٍ قديم، يفهم عباراته وأحواله بأكثر مما يفهم أجواء وقته الذي يعيش فيه؛ فهو مثلًا لم يكن يعرف بالضبط السعر الذي تُباع به اللحوم هذه الأيام، بينما كان باستطاعته أن يسردَ أسعارَ المشتروات كافةً إبَّان عصر أسرة هان، الذي انقضى منذ نحو ألفَي عام! وفوق هذا، فقد كان باستطاعته حساب الزمن بواسطة الساعة الرملية العتيقة، ويعتبرها أكثر دقةً ومنطقية — في تتبع الأوقات — بدرجاتها المختلفة؛ يحسبها بمهارة، كأنه يتابعها أمام عينَيه … وعلى مكتبه، في حين أنه كان يرتبك في قراءة الوقت بساعة اليد العادية. ويوم أن أهدَتْه امرأته، بمناسبة عيد ميلاده، ساعةً أنيقةً ذات مؤشراتٍ مذهبة — بدل العلامات الرقمية — كان ينظر في مينائها، ويرى العقربَين باتجاه الخطوط على استدارتها، ويُحاول العد فيخطئ، فيمد ساعده إلى الناس ليطالعوا له الوقت. وبعد أن وقعَت له الحادثتان اللتان نالتا من سمعته، وذاعتا بين الناس، وصارتا حديث القيل والقال، أخذ الجميع يقصُّون الأحداث تحت مسمَّى «حكاية النساء اللاتي أوقعن بالمعلم»! والمذهل في التسمية أنها تربط بين الرجل وبين ما لم يكن يخطر على بال أحدٍ من الناس، باعتبار أنه معروفٌ بين الجميع بالإخلاص التام لامرأته (ولو أن ظروف إقامةٍ اضطرارية باعدَت بينهما في المسكن)؛ فالزوجة — التي اختارت البقاء في المنطقة النائية للعمل بالمدرسة الابتدائية، بدلًا من الانتقال إلى المدينة (فضلًا عن أنها لم تكن تملك الحصول على الموافقة للنقل، أساسًا) — كانت لديها أسبابٌ قوية لكراهية المدن وزحامها وضجيجها … إلخ. ومن ناحيةٍ ثانية، فقد كانت تثق في زوجها تمامًا، وتعرف أنه لا بأس من سكناه بمفرده، لكن رجلها — الذي مرَّت عليه أيامٌ طويلة دون غُبار على أخلاقه وإخلاصه — جاءه اليوم الذي صارت أحواله فيه مُغبرة، بل موحولة ومنغرسة في قاع الدنايا، فكان كمن انقلبَت أحواله من الهدوء الساكن المطمئن إلى الاضطراب والفوران المفاجئ. كان — في حال السكون — يمضي في هدوء، فلما خرج عن وقاره، مزَّق الأستار دفعةً واحدة، بل دفعتَين، بحادثتَين، كلتاهما أدهى من الأخرى؛ أولاهما، ارتكبها بإرادته وجلبها على نفسه بيده، ولو أنه ظل بعدها يحاول التبرير والدفاع والتملص من جريرتها، لكن تطوُّر الحوادث جعل من الصعب عليه أن يفضَّ يده منها بسهولة. وثانيتُهما ظهرَت بعد أن تقدمَت إحدى النساء إلى الجهات الرسمية بشكوى ضده، وقد كتبَتْها بطريقةٍ متقنةٍ تجعله موضعَ اتهامٍ صريح، حتى إنه لما حاول أن يدفع عن نفسه التهمة ازداد تورطًا، كمن راح يعبث بكتلة خيط متشابكة أملًا في فضِّ عقدتها، فإذا به يزيدها تعقدًا، وكلما خلصَت محاولاته بطرف خيط اشتبكَت باقي الخيوط. والآن، سأسرد الوقائع حسب ترتيبها الزمني، وللقارئ الحكم على الأحداث بطبيعة الحال، ولنبدأ أولًا ﺑ…

الواقعة الأولى

وهو ما وقع بعد انتقال المعلم «جاو» إلى مسكنه الجديد بفترةٍ قصيرة؛ حيث قصد إلى عمله في الصباح. وقبل بدء التدريس بدقائق، دخل إلى مكتب المدرِّسين بوجهٍ تتزاحم فيه ملامح الغضب والسخط والاشمئزاز، ومن وراء نظارته بدت عيناه المستديرتان — من خلال العدسات السميكة — أكثر جحوظًا واستدارة. وبصوتٍ عالٍ، تكلَّم وهو ممسك بورقةٍ مفرودة، قائلًا: «شيء غريب … غريب جدًّا، هل هذا معقول يا ناس؟»

تناوَل الورقة من يده وطالَعها مدرِّسُ مادة التاريخ، ذو القامة الطويلة، الذي كان واقفًا بالقرب منه وهو داخل، ثم قال: «الكلام مكتوبٌ بلغةٍ أجنبية، وأنا عمري ما درستُ لغاتٍ أجنبية.» وبدوره، أسلَم الورقة إلى الأستاذة «لي هويليان» مدرِّسة اللغة الإنجليزية، فتناولَتْها الأستاذة الشابة المليحة من يده وزمَّت شفتَيها وهي تطالعها، ثم انفجرَت ضاحكة، وقالت للرجل وهي تحدِّق في وجهه:

«افرح، يا أستاذ جاو، يا بختك! أنت حظك من السماء، يا عم!»

بوجهٍ عابس سألها: «ملعونٌ الحظ وأصحابه! أنا أريد أن أفهم ما المكتوب هنا، بالضبط؟»

كان المكتب بكل مَن فيه يتطلع إلى المدرِّسة الشابة، بانتظار ردِّها.

وقد قرأَت الورقة بالإنجليزية أولًا، ثم قالت له: «انظر، يا سيدي، هذا الكلام هنا معناه: كم أشتاق إلى قُبلةٍ حلوةٍ من فمك!»

جلجلَت الضحكاتُ في جنبات المكتب.

هنالك، دقَّ جرس الحصة الأولى!

ارتبك المعلم جاو، قال متلعثمًا: «هل وصلت الأمور إلى حد التقبيل … وفي الفم أيضًا؟! واضح أن المسألة تحتاج إلى شرحٍ كثير!»

وهزَّ الأركانَ دويٌّ آخر من الضحكات. ولم يكن باستطاعة المدرِّسين أن يطلبوا منه التوضيح، لضيق الوقت. أخذ كلٌّ منهم كرَّاسة تحضيره، وعددًا من أصابع الطباشير، وقد انطوت صدورهم على سؤالٍ مهمٍّ جدًّا: تُرى مَن هي صاحبة هذه الرسالة؟ … مَن صاحبة هذه القُبلة الموعودة على فم المعلم جاو!»

لم ينتظر أحدٌ من المعلم جاو أن يقدِّم بنفسه التفسير المناسب لهذا اللغز؛ لأن التفسير الحيوي أخذ مجراه بين المدرِّسين، صال وجال في كل ركن، واتسع نطاقُ انتشاره، وأعطاه كلُّ واحدٍ رؤيةً وزاوية، وملامحَ وروحًا مختلفة، حتى إن البنت صاحبة الخطاب (التي لم يرَها أحدٌ أصلًا» أصبح لها شكل و«قوام» وعمر وصفاتٌ شكليةٌ محدَّدة، لدرجة أنه — لما جاء الوقت المناسب للمعلم لكي يقصَّ الحكاية من أولها — كان أول تعليقٍ سمعه ممن حوله، وببساطة شديدة، يقول له إن كلامه هذا … «مجرد وجهة نظر … لا أكثر!»

وفيما يلي كلام المعلم، أو — كما أُشيع فيما بعد — «وجهة نظره»:

من شدة الحرارة، كاد الجو يغلي، ظُهر ذاك اليوم. تناول المعلم غَداءه في مطعم المدرِّسين، وعاد إلى مسكنه الجديد (في الطابق الرابع). أشعل سيجارة، وجذب منها أنفاسًا قليلة (هو لا يدخِّن السجائر الملفوفة بالورق المصنوع آليًّا، بل ورق الدخان الطبيعي، تقليدًا للقدماء الذين لم يكونوا — في الزمن القديم — يستخدمون سجائر «الماكينة» هذه!)، ثم راح يسعل بشدة ليطرد البلغم. وقام وخلع القميص والبنطلون، واستلقى على السرير تمهيدًا لإغفاءةٍ قصيرة، مدة خمس أو عشر دقائق، حتى يستعيد طاقته ويواصل حصة الفترة المسائية. وفي الحال، سمع طرقًا خفيفًا على الباب … طَرقات مهذَّبة تتوالى بعد سكناتٍ قليلة. فلما انقضَت ثلاثٌ منها توقفَت تمامًا، ربما انتظارًا للباب كي يُفتح. وتساءل في نفسه، قال، تُرى مَن الطارق؟ فليس هناك مَن يعرف بانتقاله إلى مسكنه هذا إلا زملاؤه المدرِّسون. وهؤلاء لا يتوقَّع أبدًا أن يأتيه أحدهم في هذه الساعة، مهما كان الأمر، باستثناء الظروف الطارئة طبعًا. اعتدل من رقدته ومد يده إلى النظارة المطروحة فوق الوسادة. وقبل أن يلمسَها، عادت الطرقات من جديدٍ على الباب، بقوةٍ هذه المرة، كأنه طارقٌ آخر غير الأول؛ فداخلَه القلق من أن يكون ثمَّة أمرٌ استدعى كل هذه الجلبة، فقام يسعى بعينَين غائمتَين، وقد ارتدى قميصًا فضفاضًا وسروالًا واسعًا وقصد إلى الباب، مستعدًّا أن يواربه قليلًا ليرى من هناك، فإذا تأكَّد من أنه أحد المدرِّسين فتح له فورًا. وإذ جذب «سقاطة» المزلاج قليلًا، سمعَ صوتَ فتاة تسأل برقَّة:

«هل هذه شقة الأستاذ جاو؟»

في اللحظة عينها، انبعثَت من خلال الباب رائحة عطرٍ نفَّاذة، اندفقَت في فتحتَي أنفه.

هجسَت به الظنون وارتبك للغاية، لكنه غالَب توتُّره. وما إن فتح الباب قليلًا، حتى احتشدَت في حلقه صرخةٌ مكتومة، لكنه لم يكن أول مَن جاهر بها، بل كانت هي التي أطلقَت صرختَها الأنثوية الخفيضة … صرخة بدت منفلتة، بَيْد أنها استطاعت أن تكبحَها في اللحظة الأخيرة.

«هاه! …»

كأن كلَيهما وجد نفسه قبالة كائنٍ مثير للفزع والقُشَعريرة.

وجد المعلم جاو نفسه، دون أن يشعر وبردِّ فعلٍ تلقائي، يدفع الباب بسرعة، ويغلقه في وجه الصوت الهادئ اللطيف. ثم اكتشف أن صاحبة الصوت الهادئ اللطيف، بلحمها وشحمها، قد أصبحَت داخل الشقة. واكتشف أيضًا أنه لم يكن يلبس النظارة وقتئذٍ؛ وبالتالي فلم يستطع تحديد ملامح الضيفة بوضوح. وكل ما استطاع أن يلمحه منها هو عبارة عن كتلةٍ كبيرة من اللون الوردي تحتوي على مساحةٍ بيضاء في المنتصف (حزَّر أنها قد تكون شنطة يدٍ حريمية). وفي الحال، عبقَ جو الشقة برائحة عطرٍ فوَّاح.

ارتبكَت أحواله وأصابه شيءٌ من الدُّوار. تبعثَرت قدرتُه على التركيز حتى شعَر كأن رأسه في ناحية وأطرافه في ناحيةٍ أخرى، وأن موصِّلات الأوامر الذهنية في رأسه لا تحمل إشاراتها الصحيحة إلى أطراف الحركة المنوط بها شعر التصرُّف، لكنه سمع الصوت الهادئ اللطيف مصحوبًا بطيف ابتسامةٍ خفيفةٍ يقول له في ودٍّ بالغ:

«معقول؟ لم أكن أتصوَّر أن المعلم جاو … بجلالة قَدْره، رجلٌ بسيطٌ إلى هذا الحد؛ فأنا بعد أن قرأتُ رسالتك عرفتُ أنك رجلٌ ناضج، كبيرٌ في السن، وقلتُ إنك ربما تكون في سنِّ واحدٍ مثل «وانشين كانغ».»

وجد المعلم نفسه كالتائه في جبل الضباب … تساءل: ما علاقته ﺑ «وانشين كانغ» هذا؟ وأية رسالة؟ وبخصوص ماذا؟ وأي «قدْر جليل» هذا الذي بلغه دون أن يدري؟ زادت حَيرتُه أضعافًا، ولم يَدرِ كيف يردُّ عليها. ثم سمعها تواصل كلامها، وكأنها تلتمس لنفسها عذرًا ما، قائلة: «عمومًا، لا بأس؛ فالواحد منا لا يستطيع أن يحكُم على أي إنسانٍ بمجرد النظر في ملامح وجهه. ويجب أن أقول لك إن مقالاتك فعلًا جديرةٌ بأن تكون مقالاتٍ عبقرية، لا تقلُّ قيمةً وإبداعًا عن مقالات «وانشين كانغ».»

كلُّ ما سبق له نشرُه من مقالات — في المطبوعات والدوريات التربوية — كان يقتصر على «طرق تدريس الأدب القديم ومناهجه»؛ فأية علاقة بالضبط بين هذا النوع من المقالات وبين المدعو «وانشين كانغ»؟ وسط هذه الحَيْرة التي سيطرَت على تفكيره بدا له أن الكتلة الوردية اللون صارت تتحرك داخل الغرفة جيئةً وذهابًا، ثم اقتربَت من المقعدِ الملاصقِ لحافة السرير، فجلسَت عليه. يا لَلسماء! لقد جلسَت فوق البنطلون الملقى هناك بلا مبالاة. وكان في نيته أن يأخذه وينتحي جانبًا ليرتديه، لكن تطوُّرات الأحداث توالت بسرعة على هذا النحو، ولم تُعطِه فرصةً لكي يهيِّئ نفسه لأية احتمالات.

«أستاذ جاو … تفضَّل اجلس، لماذا تقف هناك متصلبًا هكذا؟» كلَّمه الصوتُ الهادئ اللطيف.

أيكون هذا كابوسًا ثقيلًا، ثقيلًا لدرجة أنه يراه بعينٍ مفتوحة، ولا يُفيق منه؟ لكنه — وبشكلٍ آلي — جلس وهو يضُم ساقَيه، ويمدُّ يده النحيلة ليداري بها ركبته التي برزَت منها نواتئ عظمية، فلما استقر تمامًا في جلسته، سمع الصوت الهادئ اللطيف يقول له ضاحكًا:

«أستاذ جاو، ربما أكون قد سببتُ لك حرجًا عندما طلبتُ إليك الجلوس وأنت في سروالك القصير! لكن، أرجوك أن تأخذ راحتك تمامًا، تصرَّف بكل بساطة، ولا يضايقك وجودي أمامك، وأنت بهذا المنظر!». بدا أن الكتلة الوردية اللون قامت من مكانها، أثناء الكلام، وتحركَت قليلًا، فقام المعلم واقفًا وقد لعبَت به الظنون عندما أحسَّ أن الكتلة المتوردة تحركَت تجاهه، في حين أن ما حدث حقًّا هو أن محدِّثته فردَت ثَنيات تنُّورتها وهي نصف واقفة، ثم جلسَت مرةً أخرى، فجلس هو الآخر بشيءٍ من التردُّد. ثم التفَت بحركةٍ لا شعورية ناحية الباب، الذي كان مُوصَدًا بكل تأكيد، لكنه، من خوفه، تصوَّر أن الظروف قد تسوقُ إليه مَن يقتحم عليه الشقة.

لاحظَت الكتلة الغائمة الوردية تصرفاته غير الطبيعية، ولم تتمالك نفسها من الضحك … ضحك مكتوم أول الأمر، ثم ضحك فوَّاح منطلق على راحته، لكي ينفلتَ سريعًا من زمام الاحتشام، ثم يصول ويجول فاجرًا مترعًا بقهقاتٍ رامحة من عقالها. سمعها وانتابه الغضب. ومع احتداد الغضب جاءته الإفاقة، وتساءل: مَن هذه؟ صوتُها لا يُنبئ عن سنِّها بوضوح؛ فهل هي فتاةٌ أم شابةٌ كبيرةٌ متزوجة، أم امرأةٌ كبيرة ذات صوتٍ ناعم، هادئ لطيف، على اعتبار أن الطب الحديث بلغ من التقدُّم درجةً تمكِّنه من أن يمنح العواجيز صوتًا ناعمًا لطيفًا. وفيما هو منشغلٌ بالتفكير في الطب والأصوات سمعها تتكلم وهي تغالب الضحك:

«أبدًا، أنا فقط اكتشفتُ أنكم، يا رجال، تنظرون إلى المرأة الحلوة نظرة الأمير في الحكاية الأسطورية إلى التنين … يعني أنتم تشعرون برهبةٍ تجاه المرأة الجميلة، لكنكم تحبُّونها في نفس الوقت.»

هنا، كان المعلم جاو قد سيطر تمامًا على ارتباكه وحَيْرته، تحت ضغط مشاعر الغضب؛ فقد كان للسخط العارم في طباعه قدرةٌ هائلة على تنحية أية اضطراباتٍ أخرى. وتساءل كيف يَسمح لفتاةٍ غريبةٍ أن تقتحم عليه شقته هكذا دون سبب، ثم يتركها تُثرثِر بكلامٍ فارغ على هذا النحو. سألها:

«عندي سؤال: أنتِ، لماذا جئتِ إلى هنا؟»

«آآ … جئتُ أسأل حضرتك»، قالت بمنتهى الهدوء، «إن كنتَ قد قرأتَ قصَّتي التي أرسلتُها إليك، هل تصلُح للنشر أم إنها دون المستوى؟»

«أية قصة؟» سألها مستغربًا.

«القصة التي أرسلتُها إليك، وتحكي قصة حبٍّ بين أخٍ وأخته»، أجابته الكتلة الضبابية الوردية اللون، بلهجةٍ تشي بالغموض، «فهدفي من كتابة القصة اقتحام تلك المنطقة المحرَّمة في العلاقات الإنسانية؛ حيث أحاول مساءلة قدرة الرجل على مواجهة كثيرٍ من الأمور الشائكة …»

هنا، لم يعُد المعلم يطيق صبرًا، فانتفَض واقفًا مقاطعًا كلامها:

«أنتِ أخطأتِ العنوان! ثم إني لم أقرأ قصصًا مليئة بهذا الكلام الفارغ!»

جاء الدور على الكيان الوردي الباهت لأن يستغرب، ويفقد جزءًا كبيرًا من رقَّة صوته ولطافته، ليقف بدَوره ويقول:

«ألستَ أنت الأستاذ الملقَّب ﺑ «جاو»؟»

«طبعًا لقبي «جاو»، وإخوتي كلهم، بل عائلتنا كلها تحمل هذا اللقب عن جدنا الأكبر «جاو».»

«أليست هذه هي الشقة رقم ٧، المدخل ٣، في البناية رقم ١٩؟»

«بالضبط هكذا، الشقة السابعة بالمدخل الثالث، في البناية التاسعة عشرة، عند الشارع الغربي.»

«ألم تكتب لي رسالةً تقول فيها إنك استلمتَ القصة التي بعثتُ بها إليك، والمرفق بها صورةٌ فوتوغرافية لي، وقلتَ إنها أعجبَتْك جدًّا، وفوق هذا فقد أرفقتَ خطابك لي بورقةٍ مكتوبة «بالإنكليزية؟» ودسَّت الكتلة الوردية الغائمة يدها في تلك المساحة البيضاء عند منتصف جسدها تقريبًا، فأخرجَت ما يشبه قصاصةً ورقية ناولَتْها للمعلم جاو، قالت: «انظر هنا جيدًا، أليس هذا خطك الذي كتبته بيدك لي؟»

أخذ القصاصة منها بيدٍ مرتعشة. ولم يكن في حاجةٍ لقراءتها بالمرَّة، وأسرع يقول لها: «هذا الكلام لم يحدُث على الإطلاق! كيف يكون هذا قد صدَر عني؟ مستحيل، أقول لكِ مستحيل!»

«ألستَ الأستاذ جاو رئيس تحرير «مجلة الأدب؟» بدا أن الكيان الغائم الوردي قد استطاع — بدرجةٍ ما — أن يلتقط طرفَ خيطٍ من الفهم، وقد احتفظ صوتُه بحدِّ أدنى من الرقَّة والنعومة.

«ما شأني ورئيس التحرير الذي تتحدثين عنه؛ فأنا مدرِّس، ولا علاقة لي بالصحافة.» قالها بنبرة احتجاج، كأن رئاسة تحرير مجلة عملٌ مشين بطبيعته.

«ما دام الأمر هكذا، فمن المؤكَّد أني أخطأتُ العنوان حقًّا، وربما كان يجب عليَّ أن أسلك شارع «لودونغ» [الشارع الشرقي]» هكذا تساءلَت الكتلة الوردية الغائمة.

«لا أعرف!» كان المعلم جاو قد بلغ به السخطُ مداه.

العجيب، أنها — بعد سماع كلامه — انطلقَت ضاحكة بصوتٍ عالٍ، وقد استعادت كثيرًا جدًّا من أصالة الصوت الناعم اللطيف.

«واضح طبعًا أن الحكاية كلها عبارةٌ عن سوء تفاهمٍ حصل بيننا.» قالت ذلك، بينما كانت تتجه إلى الباب، وبيدها تلك المساحة من الشيء الأبيض الناصع. ومع انسحاب اللسان المعدني بصوتٍ مسموع، انفتح الباب.

«خذي الورقة» صاح بها المعلم جاو، وهو يُمسِك القصاصة الورقية بطرف إصبعه، كأنه التقط جمرةً من النار تكاد تحرقُ يده، فسعى إلى التخلص منها بأية طريقة.

«احتفظ بها للذكرى، يا عم الشيخ جاو!» وعلى غير توقُّع منه، واصل الصوت اللطيف كلامه قائلًا: «لا عليك» احتفظ بالورقة؛ فما تزال معي نسخةٌ أخرى … في حقيبتي.»

انغلق الباب جيدًا، وتبدَّدَت الكتلة الضبابية ذات المسحة الوردية.

بعدها، كان المعلِّم يهرول مبهور الأنفاس إلى المدرسة، فيسرع إلى معلمة اللغة الإنجليزية «لي هويليان»، ويسلِّمها الورقة إياها.

هذه هي حكاية المعلِّم من أولها إلى آخرها، أو قُل إنها «وجهة نظره»، كما رواها بنفسه.

والحكاية — مع ذلك — كانت موضع شك عند البعض، والسبب له وجاهته، باعتبار أنه إذا صحَّ أن الورقة لم تكن مكتوبة إلى المعلم جاو، فلم يكن مفهوما قط أن تتركها الفتاة معه وتذهب من دونها؛ فليس من المنطقي على الإطلاق أن تترك الورقة بيده، وتمضي بكل بساطة إلى حال سبيلها.

«لكن ما ذنبي أنها تركَتْها ومشت، ما الذي كان بيدي أن أفعله يعني؟!» حاول المعلم أن يُبرئ ساحته، لكنه لم يُفلح في أن يأتي بحجةٍ واضحة ومُقنِعة.

أحسَّ المتشكِّكون أنه ربما يكون قد أخفَى بعض «التفاصيل المهمة»، لكنه — من ناحيته — أحسَّ أنه تعرَّض لتشنيعٍ شديد وافتراءٍ جائر، بلا أي مبرِّر.

ورغم كل هذا، ففي رأيي الشخصي، وأيًّا ما كانت الحكايات أو وجهات النظر أو الملابسات التي أحاطت بالوقائع، فما كان ينبغي للمعلِّم أن يسعى بالورقة إلى الناس لكي يترجموها له. ولعل الدرس المفيد في الموضوع كله يتلخَّص في أنه لو عثَر المرء على ورقة مكتوبة، بأية لغة كانت على وجه الأرض، حتى لو كانت اليونانية القديمة، فلا أن يحملَها ويدورَ بها على كل من هبَّ ودبَّ ليقرأها له.

الواقعة الثانية

صدق من قال إن المصائب يوم تترصَّد أحدًا لا تدَعه في حاله، وتظل تتوالى عليه واحدةً وراء الأخرى حتى تكاد تطيح بعقله؛ ذلك أن المعلِّم جاو لم يكَدْ يخرج من ورطته الأولى دون أن يجد سببًا منطقيًّا يُبرئ ساحته حتى وقع في نكبةٍ أشد. وذلك يوم أن وصلَت إلى المدرسة شكوى ضد المعلم، صادرة عن إحدى ساكنات العقار المجاور، وتقول فيها إن شرفة شقَّتها تُطِل على شرفة سيادته من مسافة ليست بعيدة تمامًا. وقالت — في شكواها — إنها «فتاة في ريعان شبابها، ذات سمعة طيبة»، وإنها تتهم «رجلًا، المفترَض فيه أنه مدرسٌ محترمٌ مسئولٌ عن تربية النشء في المرحلة الثانوية، وهو المدعو «جاو لاو فو»، بَيْد أن ما ظهر من سلوكه ينم عن قصدٍ مبيَّت في انتهاك الأعراف الاجتماعية القويمة!» ذلك أنها لاحظَت، وفي أكثر من مناسبة، وكلما اضطرَّتْها الحاجة للذهاب إلى الشُّرفة، أن ذلك المدعو … يبرُز أمامها على الفور، في اجتراءٍ صفيق، عند شُرفته المقابلة، وكأنه يترصَّدها بشكلٍ غير عادي؛ إذ سرعان ما يظهر أمامها مثل «الغراب الجائع»، ثم ينثني بجذعه فوق الحاجز الحديدي للشُّرفة، وهو يغمز لها بعينَين منتفختَين أشبه ما تكونان ﺑ «برميلَين متكورَين!» مُثبِّتًا نظراته الوقحة على «وجهها وقوامها الرشيق». وفوق ذلك، فقد كان يتعمد أن يتلفظ بكلماتٍ ذات مدلولٍ غير مهذب، بأسلوبٍ رقيع، حتى إن الفتاة أُصيبَت — من جرَّاء ذلك — بالإغماء عدة مرات … لولا أن شعَر بها أخوها فأسرع إلى إنقاذها، وأعاد إليها الوعي، بفضل الإسعافات الأولية … إلخ، إلخ.

ربما كان «التكتُّم» هو العبء الأكبر الذي لم يكن في مقدور المدرسة الثانوية احتماله؛ فقد ذاع الخبر بين المدرِّسين … «ذاع» حقًّا، كأنه صدر عن نشرةٍ إخبارية بالراديو، أنصت لها الجميع بآذانٍ مُصغِية. وصارت هذه الواقعة جنبًا إلى جنبِ سابقتها تشكِّلان معًا سندًا قويًّا لتفنيد أية حُجج من جانب المعلم؛ بل إنها وضعَت أنصاره والمدافعين عنه في موقفٍ حرجٍ جدًّا. ومع ذلك، فلم ييأسوا في استجلاء الحقائق، حتى خرج أحدُهم باكتشافٍ مذهل، حينما ظلَّ يروحُ ويستقصي ويسأل هنا وهناك، إلى أن عرفَ ما أسفرَتْ عنه نتيجةُ التحقيقات من أن تلك الفتاة — «ذات السمعة الطيبة والصبا والعمر … إلخ» — عبارة عن شابةٍ على درجةٍ من الجمال، في الثامنة والعشرين من عمرها، وقد اعتادت اتهامَ الجيران وتقديمَ الشكاوى بحقهم؛ حيث صوَّرت لها هواجسُها أن حُسْنها الفتَّان يُثير إعجابَ كل الذكور من حولها، ويدفعهم لملاحقتها بكل وسيلة، فيظل الواحد منهم يُحملِق في وجهها، كلما وقعَت عينُه عليها، وتعدَّدَت اتهاماتُها للجميع، دون تَفرِقة، وأرسلَت للكل تقريبا نفس الشكوى إلى محالِّ أعمالهم، بطريقةٍ ملفتةٍ أفضت إلى استخلاص حقيقةٍ شبه مؤكَّدة بأنها تستمدُّ من اتهامها للجميع لونًا من المتعة والتسلي وتزجية وقت فراغ! ألَمْ يقُل القائل — الذي عرك الحياة والناس — إنه لو كانت أجسامُ الفتيات مزودةً بقصبات صيد ذات شصوصٍ مسلَّطة على المارَّة في الشوارع، لكان أكثر صيدها عيون الرجال؛ فهذا دليلٌ لا يقبل الجدل على ما للجمال والفتنة من تأثيرٍ مشهود! وبالتالي، فالشابة ابنة الثامنة والعشرين تيقَّنَت — مثل كل بنات جنسها — من أن صنَّارتها الأنثوية الصيَّادة قادرة، في كل وقت، على اجتذاب عين أي رجل، وتعليقها مشرعةً بالبلاهة والاستمتاع بكل تلك العيون، وهي والهةٌ مُدلاةٌ فوق شجرتها الغضَّة الواعدة بالقطاف.

والمتمعن في قراءة شكوى الفتاة يلحظ نبرةَ سخطٍ عارمةً في عموم المعنى، ليس فقط لأنها اكتشفت بأن صنَّارتها تصيَّدَت، هذه المرة، عينَين منتفختَين كبرميل مُخللات، وإنما أيضًا لأن العينَين كانتا مصابتَين بضعفٍ حادٍّ في النظر، وهو ما لَم يكن ليُغتفرَ من جانبِ أنثى ذات صنارةٍ لاقطة؛ فمن ثَم امتلأَت شكواها بتلميحاتٍ هدفُها السخريةُ منه، بتعرية أستاره على نحوٍ فاضح، مما لاقى آذانًا مُصغِية وسط زملائه في المدرسة. وقد كشفَت الأحداثُ اللاحقة أن الفتاة نفسها كانت تتعمَّد إثارة اللغط وتلفيق الوقائع؛ بحيث تلقَى شيوعًا كبيرًا بين جمهرة المدرِّسين، كأنها شعرَت أن اقتصار الشكوى على التنديد العابر بسلوكٍ غيرِ لائقٍ لا يكفي ثأرا لأنوثتها/صنَّارتها المحبطة. وعلى هذا، فقد صاغت الكلمات بحيث تبدو كأنها رسالةٌ موجَّهة إلى هيئة التدريس والموظفين والعمال كي … «يفطنوا إلى حقيقة زميلهم المعلِّم جاو، وألاعيبه المشينة في الشرفة، وكيف كان يقف هناك ويمطُّ عنقه مثل غرابٍ أسود … إلخ.» وهو ما سيتناثر في ثنايا القيل والقال، ويعُم الدنيا بأَسْرها، لكن الفتاة، لحسن الحظ لم تتناول في شكواها ما هو أكثر من ذلك، وإلا لكانت سمعة المعلم قد تهاوت فعلًا إلى الحضيض.

والحكاية أنه بعد واقعة الشكوى بعدة أيام، وذات ظهيرة، راح المعلم جاو — الذي لم يكن أحدٌ حتى ذاك الوقت قد أبلغه بأمر الشكوى — راح يتلمس طريقه إلى الدور الرابع بالبناية رقم ١٨ المجاورة، وتجرَّأ فدقَّ باب تلك الشابة، في موقفٍ شبيه بما حدث مع فتاة الكتلة الوردية الغائمة، التي دقَّت عليه بابه ذات مرة. وبالفعل، كانت الفتاة نفسها «ذات الشباب الربيعي والسمعة الطيبة» هي التي جاءت وفتحَت الباب. وتمامًا، مثلما كان الحال مع الكتلة الوردية؛ فما إن رأته من خلال الشق الموارب حتى صرخَت فزعًا، لكن الصوت — هذه المرة — لم يكن رقيقًا لطيفًا ناعمًا، بل كان هيستيريًّا صارحًا بأعلى ما في طاقته، انطلق مع انغلاق الباب في وجهه بكل قوة … «بنغغغ». بعدها لم يُعرف إن كان قد أُغمي عليها أم لا، ولم يُعرف ما إذا كان أخوها سيحاول إفاقتها أم لا، لكنه — رغم الباب المغلَق بهذه الطريقة الهيستيرية — لم يتخاذل عما في نيَّته، بل أخرج من جيبه الخطاب الذي كان قد أعدَّه جيدًا، فأدخله من تحت الباب، واعتدل واقفًا، وقد أحسَّ كأنه أراح ضميره ونفَض عن نفسه الهمومَ التي شغلَت باله. وراح — من بعدها — يترقَّب ما سيسفر عنه إرساله الخطاب؛ إما بخبر وإما بنتيجة أو رد فعلٍ ما. وأصبح يُطِل يوميًّا من الشرفة، ويتطلع تجاه الشقة المقابلة، دون أن يجد للفتاة أي أثرٍ هناك. ومع ذلك، فلم يملَّ من تكرار المحاولة، حتى لفت إليه نظر أحد مدرِّسي مادة الأحياء من زملائه، وكان يقيم في نفس البناية. وأسرع الرجل ليُبلغ الجهات المسئولة في عمله بما رآه، عسى أن يجدوا حلًّا للموضوع، دون ضجَّة! وتصادَفَ — في الوقت نفسه — أن موظف مكتب البريد التابع للمدرسة، ويُدعى العم «تسنغ»، قد تكلَّم في حضور عددٍ من أعضاء هيئة التدريس قائلًا إنه أصبح يستغرب جدًّا أن يزوره المعلم جاو يوميًّا، ليسأله إن كانت هناك خطاباتٌ واردة باسمه، خصوصًا أنه لم يكن يهتم قبل ذلك بهذه المسألة. وبالطبع، فإن إضافة هذه الحكاية إلى جملة الأقاويل الذائعة في المدرسة تصبح أشبه ما تكون بإضافة جناحَي الصقر إلى بدن عصفور الثرثرات الهامسة. والنتيجة هي الطيران والتحليق، بقوة واقتدار. وكلما زاد الكلام، اتسع نطاقُ الطيران في كل ناحية، حتى أصبح الكلام على كل لسان، هنا وهناك، مما فرض على إدارة المدرسة أن تُجريَ تحقيقًا مع المعلِّم جاو. ثم قرَّر السيد المدير أن يذهب أولًا بنفسه، ويتكلم في هذا الأمر مع المعلِّم.

ومدير المدرسة زميلُ المعلم منذ زمانٍ بعيد، وهو خرِّيج نفس دفعته؛ حيث كانا يدرُسان معًا في نفس المعهد؛ لذلك، فقد كانت بينهما لغةٌ وروحٌ وودٌّ مشترك، بشكلٍ يضمن استجلاء الحقائق بصراحةٍ تامة. ولو أن مثل هذا الموقف كان يتطلَّب الحرصَ والحذرَ عند تناول النقاط المثيرة للحساسية. ومن هنا، فقد تعمَّد سيادة المدير — أثناء زيارته للمعلِّم — أن يفتعل سببًا للخروج إلى الشُّرفة. ومن هناك راح يستطلع المكان جيدًا، والأجواء من حوله، وهو يقول لزميله القديم: «آآ، الشُّرفة هذه رائعة فعلًا!» وراح يتأمل الشققَ المطلَّة على المكان، واستطرد متسائلًا: «قل لي، هل تستمتع حقًّا بشرفةٍ جميلة، مثل هذه؟ هل تجيء وتقف هنا دائمًا، يا لك من محظوظ!»

«طبعًا، وتندهش لو قلتُ لك إنني أقضي هنا وقتًا طويلًا في العادة.»

«لا، ليس هناك مجال للدهشة، خصوصًا أن جيرانك جاءوا وأبلغوني بوقوفك هنا … والأصوات الغريبة التي تُطلِقها من وقتٍ لآخر.» قالها المدير بطريقةٍ تُوحي بالدعابة، بينما كان يراقب انفعالاته بحرص.

«جيران ماذا؟ وأصوات ماذا؟ يا رجل، أنت تعرف أنني — منذ إصابتي بالمرض الأخير — وأنا أسعل كثيرًا»، أجابه المعلم متجهمًا.

«يا سيدي من حقك أن تسعل كيف تشاء، لكن لماذا تُصر على أن تُحدِّق طويلًا في شرفة الجيران؟ أيها الثعلب العجوز؟» قالها على نفس وتيرة الدعابة التي بدأ بها.

«ماذا تقصد؟» سأله المعلم مستفسرًا، وقد استوقفَتْه في كلماته تلميحاتٌ غير مريحة.

«اسمع يا جاو؛ فمعي ورقةٌ مهمةٌ جدًّا لا بد أن تقرأَها بنفسك.» وقرَّر المدير أن يُفاتحه في الموضوع بلا مواربة. ثم ربَّت على كتفه قائلًا: «لكن، أرجوك أن تتمالك أعصابك. وتوضِّح لي بكل هدوء ما الحكاية، بالضبط؟»

عادا إلى الغرفة المُطِلة على الشرفة؛ حيث كان يمكنهما رؤية الشقة المقابلة. وأخذ المعلم جاو يقرأ الشكوى، بينما كان المدير يراقب ملامحه جيدًا، فلما انتهى من قراءتها، تلوَّن وجهُه من الانفعال بشتى الألوان، وسكت حينًا، ثم قال:

«كنتُ طوال الوقت أتطلع إلى زهرية الورد في شُرفتهم، بالذات تلك الزهرية الموجودة في منتصف الصف؛ فهي أجمل واحدةٍ بين الجميع، وبسبب ضعف بصري، فلم أتبيَّن بوضوحٍ نوع الورد الذي فيها، هل هي «زهور الميجوي» أم هي اﻟ «يوتشي»؟ وظَلِلْتُ أتطلع إليها طويلًا، محاولًا التعرف على نوعها. وقلتُ لنفسي إنني لو عرفتُ النوع، فسيمكنني أن أذهب وأشتريه. وكنتُ قد قرَّرتُ أن أشتري لشرفتي أيضًا عدة زهرياتٍ مثل هذه، على أن تكون كلها من نفس النوع. وقلتُ إنها فرصة لتجميل الشرفة على كل حال، لكني — طوال الوقت — لم ألحظ إن كانت هناك فتاة أو غير فتاة؛ فما شأني بذلك؟ ولك أن تذهبَ إليهم وتستقصيَ حقيقة كلامي، لو أحببتَ، بل إنني أرسلتُ إليهم خطابًا أسألهم فيه عن عنوان محل الورود الذي اشترَوا منه الزهريات. وكنتُ قد قرَّرت الذهاب إلى شقتهم لأسألهم بنفسي عن العنوان، ثم قلتُ لنفسي إنه من باب الاحتياط يُستحسن أن أكتبَ ورقة بهذا المعنى، وأضعها تحت الباب، إذا لم يكن سكان الشقة موجودين. تلك هي المسألة كلها. وأنا حقًّا لا أفهم لماذا تُلاحقني المتاعب أينما ذهبتُ! لماذا تتشبَّث بعنقي كل تلك المضايقات، كأني موعود بالفضائح!

أوصاه المدير بأن يهدأ، ولا يدَع الأمر يعكِّر مزاجه أكثر من هذا، ووعدَه بأن يوضِّح المسألة للمدرِّسين، على أمل أن يبدِّد ما لَحِق بسمعته من تشنيع. ولو أن واقع الحال كان يشهد دائمًا بأن الشائعات أبقى عمرًا من كل محاولات تبديدها، أو استجلاء حقائقها؛ فلهذا ظلَّ كثيرون حتى اليوم يُعيدون ويزيدون في حكاية ألاعيب المعلم جاو في الشرفة، واستراقه النظر على فتيات الجيران.

ثم إنني انتهيتُ من كل ذلك إلى خلاصةٍ أخيرة، مفادُها أنه بالنسبة لمن يُعانون قِصَر النظر (وخصوصًا في حالاته الحادة!)، فلا داعي أبدًا لأن يُرغِموا أنفسهم على التدقيق في ملاحظة الأشياء البعيدة، حتى لو قيل لهم إن الديوك التي على مَرمَى البصر تضع بيضًا في عز النهار، فليتجاهلوا تلك العجيبة، وليَدَعوا الأمر يمُر مَرَّ الكرام.

(تمَّت)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦