أتحدَّث إليكم من صالون الحلاقة
وسط الخضرة اليانعة، قريبًا من مزرعة فريق الإنتاج، كان دكَّانُ الحِلاقة يفتح أبوابه في ذلك النهار. وفي الحال، جاء أحد الزبائن؛ كهلٌ ذو شعرٍ أشيب ووجهٍ متجهِّم، دخل المحل دون أن يُلقيَ بالتحية على الأسطى «تشوانغ»، الذي كان قد فتح للتوِّ مصراعَ الباب الكبير … دلف إلى الداخل، وجلس من فوره على كرسي الحِلاقة.
«منظره يوحي بأنه مختل عقليًّا»، فكَّر الأسطى تشوانغ، وهو يتطلع إليه ويرفع نحوه ذقَنه المدبَّب، بينما انهمك في كنس أرضية المدخل. وكان — منذ قليل — قد أشعل الموقد داخل المحل، حتى سرى الدفء في أنحاء المكان، مع قليلٍ من أطياف الدخان المتصاعد.
الدكان عبارة عن غرفةٍ صغيرةٍ مستطيلةٍ مسقوفةٍ بالطين، وعلى جدرانها أثر دهانٍ جيريٍّ قديم، وقريبًا من السقف كانت هناك كوةٌ ذات حاجزٍ زجاجي يسمح بنفاذ كميةٍ معقولةٍ من الضوء عبْر شفافيته الرائقة. وأمام المرآة الكبيرة، تجاورَت مقاعدُ ثلاثةٌ للحلاقة. والمصفِّفون الثلاثة الذين يحلقون للزبائن هنا من أعمارٍ مختلفة، أكبرهم سنًّا هو والد الأسطى «تشوانغ»، وتجده — طوال النهار — مرتديًا بنطلونه الكاكي ذا الحجْر الكبير الفَضْفَاض، مثل «الأوفرول»، والناس تناديه ﺑ «العم تشوانغ الكبير»، أما الثاني، فيصغره سنًّا بكثير؛ فهو شابٌّ في الرابعة والعشرين، ويُدعى «آمييه»، ولو أنهم ينادونه أحيانًا، على سبيل المزاح، ﺑ «كيتزي» [أبو قشرة]. وساعة أن أطلَّ الزبونُ القادم بوجهه المتجهِّم هذا، لم يكن كلٌّ من أبي قشرة والأسطى الوالد قد وصلا بعدُ. وحتى لو كان هذا الأخير قد وصل، لبقي في الخارج حتى ينتهيَ الاثنان الأصغر سنًّا من كنسِ الأرضية، ورشِّ الماء، وإعداد أدوات الشغل، وتوضيب كل شيء. وعندئذٍ فقط، يدخُل المحل متمهلًا بخُطًى وئيدة، بينما يفرغ الآخران مما في أيديهما من مهمات البدء في العمل. والاتفاقُ بينهم أخذ مجراه على أن الأسطى الثالث — الذي سيكون عليه الدور في المناوبة المسائية — هو فقط مَن مِن حقه أن يصل متأخرًا في النهار. وبشكلٍ عام، فقد كان هذا الثالث دائمًا «آمييه»، باعتبار أنه الوحيد الذي يمكنه أن يركب دراجته السريعة — ماركة فنهوانغ [العنقاء] ويصل في وقتٍ قياسي؛ وبالتالي، فلم يكن مطلوبًا منه التبكير بالحضور كزميلَيه! ومع أن بيته لم يكن يبعُد عن المحل بأكثر من رُبع الكيلومتر، فقد كان مُصرًّا على قطع المسافة بالدرَّاجة ذهابًا وإيابًا، حتى زجرَتْه أمه غير مرة: «لم يعُد ينقُص إلا أن تدخل إلى المرحاض بالدراجة، وظني أنك ستوفِّر المرحاض، وتبول وأنت قاعدٌ على درَّاجتك التعيسة هذه، ابقَ هكذا إلى أن تفعلَها مكانك، ويراك الناس ويعيِّروني بك!»
تقع المنطقة عند أطراف ضاحيةٍ بعيدة، ومعظم زبائن المحل من أبناء الكومونات المحلية، التي هي المزارع الجماعية، بالإضافة إلى عددٍ محدودٍ من عمال المصانع القريبة. وكانوا يتوزَّعون على الحلَّاقين الثلاثة حسب فئاتٍ محددة؛ فمثلًا المزارعون من كبار السن، الذين كانوا يحلقون رءوسهم تمامًا حتى تلمع مثل حدِّ الموسى، كانوا يجلسون إلى الكرسي الأيسر هذا؛ حيث يقعون ضمن اختصاص العم تشوانغ الكبير، أما شباب العاملين في المصانع والمناجم القريبة وبعض المزارعين الشبان، فقد كانوا يحبون أن يقصُّوا شعرهم عند «تشوانغ الابن»، ببراعته المشهودة في تلك النواحي، بل في دائرةٍ ممتدة يبلغ قطرها عشرات الكيلومترات؛ فكم قصدَه شُبَّان من أماكنَ نائية لتصفيف شعورهم وتجفيفها ﺑ «السيشوار» على يده الخبيرة الماهرة في الصنعة؛ حيث يجلسون إلى الكرسي الأوسط، كما اعتادوا دائمًا. وبالنسبة للآخر الأيمن، الذي قعد عليه الآن زائرنا الأشيب الكهل في مطلع نهارنا هذا، فهو محل اختصاص «أبي قشرة» … الملقَّب ﺑ «آمييه» وهو لقبُه الأكثر شهرة في هذه الناحية. والسبب في ذيوع اللقب على هذا النحو جاء من أنه كلما ضحك بصوتٍ مسموع، خرج صوتُه بنغمةٍ قريبة من مأمأة الماعز، فنال شُهرتَه بهذه التسمية من هامش القرابة الصوتية مع قطيع التيوس الجبلية، في حدها الأدنى من الخشونة. والحاصل أن اللقبَ من كثرة شيوعه طغى على اسمه الحقيقي الذي لم يكن معروفًا إلا لعددٍ قليلٍ من أقاربه. ومع خفة دمه، وضحكاته العنزية المُجلجِلة؛ فقد كان ابنَ أصلٍ كريم، وطيبة قلب مشهودة فتحَت له ينابيعَ القَبول في نفوس أكثر زبائن الدكان، لكن طريقته المتسرِّعة في العمل، وتواضُع مهارته الفنية، وعدم اكتراثه بالتدقيق المطلوب في بعض جوانب الصنعة، خصَم من رصيد زبائنه، ولم يحتفظ له بنسبةٍ محدَّدة منهم، وهي النسبة التي بقيَت — بعد الكتلة الرئيسية — من زبائن المصفِّف الكهل وابنه؛ فزبائن آمييه كانوا من بين تلك الفئة التي لا تهتم من الحلاقة سوى بقص الشعر فقط. يأتي الواحد منهم وهو في عَجلةٍ من أمره، فيجلس سريعًا على الكرسي الأيمن الذي كان يبقى فارغًا معظم الوقت، ويبقى آمييه هو الآخر خليَّ البال طيلةَ معظم الأوقات.
انتهى تشوانغ الابن من كنسِ أرضية المحل بالداخل والواجهة، ومن بعيدٍ كان أبوه قادمًا ببنطلونه ذي الحجْر الفَضفاض، يباعد ما بين ساقَيه بخطًى وئيدة. ومن بعيدٍ جاء آمييه راكبًا دراجته اﻟ «فنهوانغ»، وهو يضغط على زرِّ الجرس الرنَّان. والكهل ذو الوجه المتجهِّم، في تلك الأثناء، يجلس إلى المقعد وهو يدخِّن سيجارته اليدوية؛ أي السيجارة المصنوعة من العشب الطبيعي، التي يلفُّها المدخِّن القروي بيدَيه إلى أن تصبح سيجارةً وسطًا بين السيجار الغليظ والحجم المتوسِّط للَفائف الدخان. كان جالسًا مكانه دون أن يلتفت، أو يعبأ بالنظر إلى أي إنسان، كأنه قاعدٌ في غرفةٍ خالية ومغلَقةٍ عليه وحده.
«تفضل، تعالَ هنا أيها العم، انتقِل إلى هذا المقعد لكي أحلق لك هنا.» كان تشوانغ الوالد يرفع قطعةً مربعةً من القماش الأبيض، وينفضُها جيدًا، وهو يقفُ وراء الكرسي ذي المسند العالي خلف الرأس، ويوجِّه كلامه إلى الكهل الجالس على الكرسي الأيمن، ويرفع صوته عاليًا على الرغم منه، ربما لأنه كان ثقيلَ السمع بدرجةٍ كبيرة.
وهو لم يكن يعرفُ أن هذا العم القاعد في دكَّانه أثقلُ منه سمعًا هو الآخر؛ وبالتالي فقد بقي على جلسته بغير حَراك، لا يكترث لشيءٍ سوى تدخين السيجارة العشبية، وبين حينٍ وآخر يلمَح صورتَه في المرآة المقابلة، فيتطلع إليها بُرهةً كأنه يستغربُ ملامحه، ثم يبدو عليه التبرُّم قليلًا وهو يشيح بعينَيه.
«وكأنه ينقصُنا أطرشُ مثلك!» فكَّر في نفسه تشوانغ الصغير، وهو يقتربُ من الزبون ويربِّت على كتفه خفيفًا، فيميل على رأسه ويزعق في أذنه:
«تفضَّل على الكرسي الآخر … تفضَّل هناك لكي نحلق لك!»
اضطرب الكهل قليلًا، وقال له: «ما لك تصرخ في أذني هكذا؟ هل قال لك أحدٌ إنني لا أسمع؟» فتح عينَيه على اتساعهما دهشة، وصوتُه القوي ينفي عنه البكم والصمم.
في هذه اللحظة، أقبل آمييه مرتديًا قميصًا زاهي الألوان وبنطلونًا من البوليستر الكاكي، حسب الموضة الشبابية الرائجة هذه الأيام، ووجهُه مشرقٌ بالسعادة على غير المعتاد. دخل ووقف وراء الكرسي القاعد عليه العم الكبير، وبادره قائلًا:
«هيا أيها العم الفاضل، تفضَّل إلى هذه الناحية؛ فهذا مقعدي.»
كلامٌ طبيعي، لا شيء فيه، وقد قاله بنبرةٍ هادئةٍ وطبيعيةٍ جدًّا، من دون أية عصبية، خصوصًا في هذا النهار؛ حيث كان قلبُه يرقصُ فرحًا للأمر الذي انطوَت عليه جوانحُه.
لكن العم التفت إليه بنظراتٍ محتقنة للغاية، وقال له: «ماذا تقصد أنه مقعدك؟ هل اشتريتَه يعني؟ هل ممنوعٌ عليَّ أن أجلس هنا؟ طيِّب، لعلمك … أنا لن أقومَ من مكاني!» انتهى من كلامه، وهو يفتح عينَيه على اتساعهما، ثم أشاح بوجهه إلى الناحية الأخرى.
«لا، هذا أكيد مختل عقليًّا»، قالها في نفسه تشوانغ الصغير بيقينٍ لا يقبل الشك هذه المرة، لكن لسانه الناطق قال ﻟ «آمييه» بنغمة فيها قَدْرٌ من المزاح «لا عليك، يا آمييه، الرجل جاء إلى هنا قاصدًا أن تَحلقَ له أنت بالذات.»
راح آمييه يخلع بنطلونه الكاكي البوليستر، وهو يقول بمرح: «المهم يا جماعة … أنني في هذا النهار أشعُر أني أسعد إنسان على وجه الأرض، ويبدو أن الحظ سيلعب لعبته معي؛ فأنا على موعدٍ مع زائرٍ قادم من أجلي! إن الحظَّ السعيدَ أهداني العروسَ التي أريدها، والمشتري الذي كنتُ أبحث عنه.» كان وهو في غمرة السعادة قد كشفَ عن الأمر الذي ابتهج به قلبُه.
جاء عددٌ من الزبائن إلى المحل في تلك اللحظة، وسمعوه وهو يُفضي بأسباب فرحه، وتوزَّعوا على الكراسي الخشبية الصغيرة، وهم يضحكون.
«أصحيحٌ أنك وجدتَ عروسك التي تحلُم بها؟» سأله أحدُهم، والناسُ هنا يعرفونَ بعضهم بعضًا تمام المعرفة.
«أتصدِّقون يا جماعة … آمييه وجد عروسًا، للمرة الثانية؟!» لم يتمالك تشوانغ الصغير أن يعلِّق على الكلام بهذه الطريقة، وهو يضغط بشدة على كلمتَي: «للمرة الثانية»!
والزبونُ الكهل لم تنفرج قسماتُه بأية علامة على التجاوب المَرِح، بل أخذ يُحدِّق في آمييه بنظراتٍ ساخطة، ثم قال له: «إياك أن تظن أني جئتُ إلى هنا لكي تحلقَ لي أنت بالذات، أبدًا، بل وجدتُ الكرسي فارغًا فجلَستُ، ثم إنني رجلٌ عجوز بشعرٍ أشيب، يعني لا أريد تصفيفًا على الموضة، ولا دهانًا للشعر ولا تلميعًا. ثم ماذا أفعل بشعرٍ لامع؟ هل تظن أني من النوع الذي يجري وراء الفتيات الصغيرات ويخدعهن؟ هل أبدو لك من النوع الذي يعاكس هذه ويغمز لتلك، ويظل يلهث طولَ النهار وراءهن، ولا يعجبه أحد؟»
لم يتوقَّع الجميع أن ينطقَ هذا الشيخُ المقطِّب الوجه بهذه التلميحات الظريفة؛ فلم يكَدِ الحاضرون يسمعونه يتكلم هكذا حتى أغرقوا في الضحك، باستثناء العجوز نفسه والأسطى تشوانغ الثقيل السمع.
لم يفطن الشاب آمييه إلى أن كلمات الرجل كانت تومئ إليه هو بالذات، ومن هنا فلم يُبدِ أي انفعالٍ سلبي، بل — على العكس — أعجبه كلام الرجل، ووجده خفيفَ الظل بعضَ الشيء، فأقبل بمرحٍ على زبونه، وفرَدَ المنشفة البيضاء حول عنقه، وقال له: «أنت اليوم زبونٌ جديد عندنا، وأظنك لا تعرف نظام الحلاقة هنا … فنحن نحب المرح والقفشات والنِّكات من وقتٍ لآخر.» هنالك، انبسطَت أسارير العم، وأومأ إلى آمييه برأسه علامة الرضا. وواصل الشابُّ الفَكِه كلامه قائلًا: «بالمناسبة، لا بد أن تعرف أن مستواي في الحلاقة ليس جيدًا تمامًا. ومع ذلك، فلك أن تطمئن؛ فأنا — برغم كل شيء — لم أسلخ فروةَ رأسِ أي زبون وقع تحت يدي حتى الآن؛ فأنت وحظك معي!»
تعالَت الضحكاتُ مجلجلة.
انعقد الحاجبان الكثيفان بلونهما المُشبع بالبياض، وبدا أن العم لم يسترح إلى التلميح الظريف في دعابة سلخ فروة الرأس، وخصوصًا عندما يتعلق الأمر بفروة رأسه هو نفسه؛ فأخذ يتطلع بعمق إلى آمييه في المرآة الكبيرة، متفحصًا ملامحه بدقةٍ متناهية، وبطريقةٍ ملفتة للغاية، لدرجة أن الولد ظن أن وجهه ربما يكون ملوثًا بالأقذار أو ما شابه، فأسرع يتطلع في المرآة، ولم يجد أيَّ شيء غير عادي … ليس سوى الشعر الأسود المصفَّف والمفروق بعناية، وقد انسابت بعضُ ذؤاباته فوق جبينٍ فضي ووجهٍ أبيضَ ناصع البياض، وعينَين لامعتَين بكثيرٍ من نزق وخفة و«شقاوة» الشباب الدافقة؛ نفس العينَين اللامعتَين اللتَين تطلَّعتا بالأمس إلى فتاةٍ حلوة (لا يعرف اسمها بالضبط!) التقاها بمحض المصادفة، وبدا أنها شُغفَت به، وبدا أيضًا أن أمها هي الأخرى سعدَت به زوجًا (محتملًا) لابنتها، لكنه عندما تطلَّع إلى الأم (الحماة، بحكم المتوقع) اجتهد كثيرًا في أن يصفِّي نظراته من آثار النزق الشبابي العالق بهما، فاعتدل برأسه في صرامة، لدرجة أن رقبته تصلَّبَت بعض الشيء، وحاول أن يجعل ملامحه جادة بقَدْر الإمكان … ملامح شابٍّ ريفي مخلص، يقطر شهامةً ووفاءً وكرمَ أخلاق؛ فتلك هي الصورة المثالية المطلوب توافُرها في الأصهار، حسب مواصفات الحموات الريفيات، في أيامنا هذه؛ لذلك، بقيَت ملامحُ آميية متحجرةً لفترةٍ طويلةٍ بعدها. حتى بعد أن عاد إلى منزله كانت رقبتُه متصلِّبة، واستمرَّت تُوجِعه من التخشُّب الذي طال أمدُه أثناء اللقاء.
ظل العم يثبِّت نظرتَه الغريبة عليه، فكَّر إن كان قد التقى بهذا الرجل قبل الآن؟ ثم تذكَّر فجأةً أنه فعلًا تقابل معه، لكن أين بالضبط؟ نعم، سبق أن رآه قبل الآن فعلًا! لم يطُل الوقت بآمييه حتى استعاد تفاصيلَ كثيرةً مما جرى: أليس هذا هو الصياد الذي قابله عند مزرعة شيسان؟ بلى، هو بعينه! كان يمشي وقتئذٍ وقد تدلَّت من وسطه سلة من البامبو، وبيده صنارةٌ طويلة رُبطَت فيها شبكةٌ مربعةٌ مصنوعة من ستائر البلاستيك، المستخدمة أساسًا في تغطية النوافذ، متجهًا إلى شطآن الأنهار والجداول، ليصطاد ذلك النوع من السمك الصغير المستخدم لإطعام القطط، فيطهو لنفسه في البيت بعضًا منه، ويبيع البعضَ الآخر في سوق القرية … نعم، بالضبط! صار آمييه يتذكَّره الآن جيدًا، بل تذكَّر أنه ذاتَ مرة تشاجَر مع هذا العم نفسه. كان الرجل يصطاد عند حافة الجدول أمام بيت آمييه مباشرة، وكان أن ذهب إليه وطلب منه بضع سمكات (لأجل القطط التي في البيت)، بَيْد أن نبرة الطلب بدت كأنها نوعٌ من الجباية. وإذ ألحَّ آمييه في طلبه المبطَّن في طيَّاته بشيءٍ من التهديد، فقد استثار العم ودبَّ الشِّجارُ بينهما. ويبدو أن العجوز كان قد تذكَّر كل ذلك، فراح يحدِّق فيه بعينٍ متبرِّمة ساخطة. وبالطبع، فاستدعاء الواقعة من الذاكرة لم يكن شيئًا سارًّا بالمرة. ومشكلة آمييه أن فقدانَه طاقةَ الشعور بالبهجة في قلبه كان يستدعي طاقةَ الغضب في يدَيه مباشرة، فأكبَّ على رأسه، قبضَ عليه بيدَين قويتَين، ثم أماله ليغطِّسه في الحوض المليء بالماء فيما فوق المنتصف تقريبًا.
وإذا بالكهل أشد من الشاب قوة!
«ما لك تدفع برأسي هكذا؟» رفع رأسه معاندًا، وقد امتلأ وجهُه بالماء الذي سال على جانبَيه، وزعق في آمييه: «ما لك يا بني؟ أأنت جزَّار؟ هل تحلِق أم تذبح خنازير؟»
«الحلاقة هكذا، ما دمتَ تريدُ حلق الرأس بالموسى، فلا بد في الأول من أن يتبلَّل شعرُك بالماء جيدًا!» ردَّ عليه آمييه بلهجةٍ هادئةٍ وهو يُغالب الضحك، وهو يرى منظر العم على هذا النحو، فلما مال الرجل برأسه في الحوض ثانيةً، صبَّ عليه الماء برفقٍ هذه المرة، فيما كان يُشيح قليلًا ويقول ﻟ «تشوانغ الصغير» بصوتٍ مسموع: «ياااه! ما رائحة السمك هذه؟ رائحة سمكٍ من النوع الذي تُطعم به القطط!» بلهجة سخريةٍ واضحة.
أجابه تشوانغ مداعبًا:
«يبدو أنك أكلتَ بالأمس — عند «أختك الكبرى» — وجبةَ سمكٍ ضخمة … ضخمة لدرجة أنها لم تنهضم في بطنك إلى الآن.» كان الأسطى مشغولًا في تلك اللحظة بالحِلاقة لأحد زبائنه من عمال المحاجر. أما تعبير «الأخت الكبرى» فمعناه هنا، حسب استخدام البيئة المحلية في هذه المناطق، يشمل دلالة «الزوجة»، أو بمعنًى أدق «الخطيبة»، وهي تسميةٌ كانت في نظر آمييه سابقةً بكثيرٍ لأوانها؛ لأن اللقاء تمَّ بالأمسِ فقط عبْر طرفٍ ثالثٍ قال له إنه يعرف ناسًا طيبين عندهم فتاةٌ مناسبة للزواج، وشعَر آمييه بأنه لا بأس — على كل حال — أن يعتبر نفسه قد خطبها منذ الأمس؛ فعساها ستصبح فعلًا «أخته الكبرى»؛ أي زوجته، في مُستأنف الأيام؛ فاللقاء بالأمس كان مبشِّرًا بالخير، على غير ما تصوَّر، وليفرح من كل قلبه! ليفرح حتى يُغشى عليه من الفرحة، خاصة أن البنت، والحق يُقال، كانت جميلة جمالًا فائق الوصف، أجمل من كل اللاتي عرفَهن حتى الآن. وقد بقي معها طيلةَ نهار وشطرًا طويلًا من المساء، فلم يَدرِ إلا والوقتُ قد مَرَّ سريعًا. ولما قام صباح اليوم، أحسَّ بسعادة تغمر كيانه؛ سعادة بقيَت معه طوال الليل وإلى الساعة، حتى أحبَّ أن يحكي ويزيد ويقول كلامًا كثيرًا بأكثر مما قال طوالَ عمره. فقط، كان ينتظر من يتجاذب وإياه أطراف الحديث ليفتح معه هذا الموضوع. وهنالك فقد تصوَّر أنه وجد الفرصةَ المواتية، فأشاح عن اللِّجاج مع العم الجالس أمامه، وراح يتكلم بكل هدوء قائلًا:
«في الحقيقة، أنا قعدتُ معهم طوالَ النهار، لكني لم آكل السمك.» رفع ماكينة الحلاقة استعدادًا للشغل وواصل كلامه، متهلِّل الأسارير، قائلًا: «وإنما أكلتُ وجبة «هاباو» بالبيض.» مَصمَص بشفتَيه، كأنه ابتلع آخر قطعة من بيض «الهاباو» منذ قليل.
«يعني، قُل لنا كَم بيضةً أكلتَ آنذاك؟» سأله الزبون ذو الشعر الأشعث، وكان جالسًا على كرسي عند المدخل. ولمعرفته الوثيقة ﺑ «آمييه»، فلم يكن يترك فرصةً في الحديث معه دون استثارة مبالغاته المعتادة، التي لم تكن تنطلي بحالٍ على زبائنه؛ فكلما بالَغ واشتطَّ به الخيال في رواية أحاديثه، أدرَكَ المُنصِتون وَلَعَه بالإغراق في لعبة الإيهام بالواقع، لكنهم اعتادوها منه على كل حال!
«نعم، دعني أعدُّها لك يا سيدي.» ترك رأسَ العم نصفَ حليق، وراح يعُد على أصابعه، وهو يرفع رأسه محدِّقًا في الفراغ تنشيطًا للذاكرة، قائلًا كأنه يحادث نفسه: «يعني … انظر، أول ما دخلتُ عندهم، قعدتُ وتناولتُ أربع بيضات دفعةً واحدة. وبعدما تكلَّمنا وانهمكنا في الطعام أكلتُ أربعًا، بالضبط هكذا؛ فعددهم حتى الآن ثمانية، أليس كذلك؟ ثم لمَّا أخذتُ الأُهبة للذهاب مددتُ يدي وتناولتُ أربعًا أخريات، قل إني إجمالًا أكلتُ اثنتَي عشرةَ بيضةً بالتمام»، قالها مزهوًّا.
«لا بد أنك بعد هذه الأكلة قد انتفختَ مثل حُبلى في شهرها الأخير»، علَّق قائلًا تشوانغ الابن، وهو منهمك في حلاقة رأس الزبون الذي تحت يده.
ثار العم غضبًا، وقد انشغل عنه آمييه، وزعق فيه قائلًا: «هل ستكمل لي الحلاقة أم لا؟ ما لي أنا إن كنتَ أكلتَ بيضًا أو أكلتَ [ … ] ولو أن منظرك يؤكِّد أنك لم تَرَ البيض ولا رائحتَه!»
الكهل الملعون، صائد أسماك الترع والمصارف … مؤكَّد أنه ينتقم الآن، وقد وجد فرصةً سانحة! قال آمييه في نفسه، وقد عزم على أن يرُدَّ له الصاع صاعًا ونصفًا:
«أقول لك شيئًا، وأرجو أن تصدِّقَني فيما أقول، أنت آخرُ واحدٍ في الدنيا بأَسْرها يعرف شيئًا عن بيض اﻟ «هاباو»؛ لأن قصارى ما تفهمه هو صيدُ السمك للقطط الصغيرة.»
سكت الكهلُ مشدوهًا، نصفَ حليق الرأس، وكأن الولد ألقمه حجرًا، فظل يرمقه بعينَين جاحظتَين.
هنالك، عاد الزبون الجالس عند المدخل يقول له:
«أنت غلطان في العد، يا آمييه، المفروض أنك أكلتَ ستَّ بيضاتٍ فقط.»
«قلتُ لك إنها اثنتا عشرةَ بيضةً بالتمام، بل كانت إحداها تحتوي في جَوْفها على مُحَّين.» أجابه، وقد تهيَّأ لمواصلة الحلاقة، بينما استقرَّت في أعماقه حقيقةٌ تامةٌ لا تقبل الجدل، وهي أن أهل الفتاة، وبرغم ترحيبهم وحفاوتهم به، ودعوته إلى وجبة غداءٍ كريمة، لم يطبخوا له «هاباو» بالبيض على الإطلاق، على عكس ما كان يتكلم توًّا بكل تلك الثقة التي كادت أن تقنعه هو نفسه بأن حكايته حقيقةٌ لا مراء فيها.
«أهكذا، ومن أول لقاء، أقبلوا عليك بالودِّ والترحاب والبيض، هكذا؟» أراد تشوانغ الابن، وبطبيعته في تدقيق وتمحيص الحقائق، أن يتثبَّت من صحة الرواية.
«تستطيع أن تقول إن الودَّ بيننا أخذ مجراه من أول نظرة!» أجابه آمييه في خُيلاء، «وخصوصًا امرأة سيدي.» كانوا في تلك المناطق يقولون للحماة «امرأة سيدي».
«جرى الود بينك وبين حماتك من أول نظرة؟» داعبه أحد الزبائن، فثارت الضحكات تهزُّ جدران المحل.
ولم يكن لمثل هذه التعليقات أن تستثيرَ ردَّ الفعل من جانب آمييه بسهولة؛ فهو لم يعُد ذلك الصبي الصغير الساذج. وقد تعلَّم من تجارب أيامه ما يكفي لأن ينتقل به من عتبات المراهقة إلى سِني الرجولة؛ وبالتالي، فقد استمر في حلاقة الرأس «الكمثري» الهيئة للعم العجوز، وبقي يكشط بالموسى الحامية زوائد الشعر الصغير بثبات، وهو يغالب الضحك، ويقول لمحدِّثيه: «لا تتصوَّرا يا جماعة … لا تتصوَّروا كيف كانت المرأة ترحِّب بي كأنها يئسَت من مجيء العرسان إلى ابنتها؛ فلذلك رحَّبوا بي ترحيبًا غير عادي، خشية أن أعود من حيث جئتُ.»
«لكن يبدو أنك قد قرَّرتَ الزواج حقًّا هذه المرة.» داعبه تشوانغ الابن، وهو منهمكٌ في الحلاقة دون أن ينشغلَ عن رأس الزبون، على العكس من آمييه الذي كان يتجاوب مع محدِّثيه بين حين وآخر، فيدَع رأس العم حتى ينتهي من محاوراته، وهو نفس ما فعله توًّا؛ إذ أشاح بعيدًا عن رأس الرجل الصائد أسماك الترع والمصارف، ورفع يده الممسكة بالموسى عاليًا، وظل يشير بها وهو يتكلم قائلًا: «طبعًا، من غير أدنى شك، فأنا على استعدادٍ للزواج ليس فقط من الفتاة وحدها، بل من أختها الثانية أيضًا لو أمكن، ويصبح لدى المرء فتاتان، يداعب هذه ويُعابث تلك.»
كان الكلام بهذه الطريقة زائدًا عن الحد المعقول، حتى إن عددًا من الزبائن الجالسين في انتظار دورهم في الحلاقة أبدَوا علامات الاستنكار في وقتٍ واحد: «انظر ماذا تقول! ما قصدك من هذا الكلام؟»
بل إن تشوانغ الصغير زجره قائلًا: «أَمسِك لسانك، وتكلَّم من غير تخريف!»
والعم، صائد الأسماك على حواف الترع، بحكم كهولته وكونه أكبرَ الزبائن سنًّا، كان أكثر الجميع استهجانًا لتلك الطريقة في الكلام المُخِل باللياقة وأصول الآداب العامة. وبنظراتٍ يتطاير منها شرَر الغضب، زعق فيه وقال له: «أنت يا بُني، هل ستنتهي من هذا الكلام الفارغ، وتَحلق لي رأسي، أم لا؟»
والأسطى تشوانغ الكبير، ذو البنطال الفَضْفاض، المتسع الحجْر، ورغم ثقل سمعه الذي حجب عنه كل ما كان يدور في المحل من حوارات، التقطَت أُذناه العبارةَ الأخيرةَ المشحونة بالسخطِ العارم، فتطلَّع جهة آمييه بنظرةٍ ذاتِ مغزًى، وقال له في تجهُّم شديد: «انتبِه لشُغلك، ولا تُضايق الزبائن.»
عاد بالموسى الحامية إلى الرأس الشبيه بالكمثرى، لكنه لم يكن لِيسكُتَ عما صار على طرف لسانه من كلماتٍ يردُّ بها على الزجر العنيف الذي ناله منذ قليل، فقال كالمحدِّث نفسه:
«لكن، ماذا أفعل إذا كانت تلك هي الحقيقة، من دون مبالغة، ماذا أفعل، وأنتم تظنُّون أني أُبالغ بقولي إن حماتي تعتزُّ بي كثيرًا؟» هذه المرة كان ينطقُ كلمة «حماتي» كأن الزواج صار في حكم المؤكَّد، مثل عمودٍ من النحاس انصبَّ في قالبٍ حديدي! ثم إنه لم يكن يتجاوز الحقيقة في كلامه عن اعتزاز حماته به، حتى إنه — هو نفسه — لم يكن ليتصوَّر أن تستقبله بكل هذا الترحاب، وقال لنفسه: إذا كان أهل «دونشان» بطبيعتهم على هذه الدرجة من الدماثة ولين الجانب، فما المانع من أن «يلمِّع» و«يشذِّب» صورتهم في كل مناسبة؟!
«ظلِلْتَ تتكلم طوالَ الوقت، ولم تقُل لنا شيئًا حتى الآن عن فتاتك … ماذا؟ هل هي جميلة، أم تخشى أن تقولَ لنا إنها دميمةُ الخِلْقة؟ ثم ما الفرقُ بينها وبين مَن عرفتَهن قبلها؟» سأله تشوانغ الصغير.
«هه! جميلة؟» بنبرةٍ تهكميةٍ قالها، ثم واصل كلامه، «لو قلتُ لكم إنها أجمل مما تتخيلون، فربما ظننتم أني أتغنَّى وأطبِّل بالكذب! وعمومًا، ولكي أقرِّب لكم الصورة بطريقةٍ واضحةٍ في عقولكم، فهي أجمل حتى من البنت التي تعمل في إذاعة الكومونة عندنا، تلك التي اسمها «يوامي».» إلى هنا، كان آمييه قد بلغ ذروةَ الخيالِ المحلِّق في آفاقِ الوهمِ الخلَّاب. ولم يكن — مع ذلك — ينوي في قرارة نفسه أن يخدع أحدًا، لكن الكلام كان يجيء على لسانه من تلقاء نفسه … يجيء من جَعْبة الخيالات الجامحة، فيحكي لمستمعيه على هواه، وعلى هواهم أيضًا، ما داموا قد منحوه آذانًا مُصغِية. وبدا — في أحيانٍ كثيرة — أن بعضَ ما يقوله يلقى منهم شغفًا؛ فكلما طالعوه بوجوهٍ مشدوهةٍ اغترف لهم أكثر وأكثر من جَعْبة الحكايا.
لمَّا جاء على ذِكْر المذيعة العاملة بمحطة الكومونة، وكانت شابةً مليحةً معروفةً عند جميعهم بأناقتها، فقد استحضر في الأذهان صورتَها على سبيل المقارنة، عندما قال لهم إن فتاتَه أجملُ منها كثيرًا، فأبت نفوسهم التصديق. «أمعقولٌ أنك قابلتَ بالأمسِ فتاةً حلوةً بهذا الشكل؟» سأله تشوانغ الصغير، متشككًا في كلامه.
«لعلك قد ذهبتَ قريبًا من بيتها، وأخذتَ تتسكَّع في الشوارع، ثم عُدتَ لتخترع لنا حكايتك هذه»، قال له الزبون الجالس قريبًا من الباب، بشَعَره المشعَّث المليء بالغُبار.
أسرع آمييه بالرد دفاعًا عن نفسه قائلًا: «مزحة سخيفة طبعًا!» ثم تذكَّر على الفور شيئًا ذا صلة بالموقف الذي وضع نفسه فيه، وتصوَّر أنه لو استغلَّه الآن أحسنَ استغلالٍ لانخرسَت ألسنة كل هؤلاء الزبائن، فتكلم في الحال قائلًا: «سأريكم الآن شيئًا يُقنِعكم بأن تسكتوا إلى الأبد، انظروا معي …» ترك رأسَ الزبون مرةً أخرى، وتناول الجاكيت المعلَّق على الحائط، ثم أخرج من جيبه «الدليل الدامغ» … صورة فوتوغرافية. واقترب الرجل ذو الشَّعر الأشعث مع باقي الزبائن، وتحلَّقوا حوله وتطلَّعوا إلى الصورة، قال أحدهم: «البنت جميلةٌ حقًّا»، «بل أجمل فعلًا من المذيعة «يوامي»!» ونزل الكلامُ على قلب آمييه لذيذًا مُبهِجًا، مثل قطعة آيس كريم مثلَّجة في نهار صيفٍ أُوقدَت فيه الأرض نارًا من شدة القيظ.
انتهى من حلاقة رأس الرجل، وبدأ في حلاقة ذقَنه. وبينما كان الآخرون منهمكين في تأمل ملامح فتاة الصورة الفوتوغرافية، التقط آمييه فوطةً بيضاء ساخنة، ووضعَها على فم الكهل وضغط عليها بأصابعه. وسواء بتأثير السخونة الشديدة أو بغيرها، فقد كادت عيونُ العم تخرج من مآقيها، وهو يحدِّق بما يشبه الغيظ في وجه آمييه، الذي لم يعبأ ساعتَها بما إذا كانت تلك النظراتُ مليئةً بضغائنَ مكبوتةٍ ضده، أو بأي شيءٍ آخر؛ فهو — من الأساس، ومنذ أن وقعَت عيناه على الكهل — نفرَت نفسُه منه؛ فماذا يعني أن تكون الفوطة شديدة السخونة على وجهه؟ لا بأس … فليحتمل قليلًا، أو ليحترق في داهية. وهل يمكن لفوطةٍ ساخنةٍ أن تحرقه؟ هل يعني ستكون في سخونة اللهب الذي يَشْوي عليه صيدَه الوفير من أسماك الشطوط؟
هنالك، تكلم تشوانغ الصغير. ولأنه كان مشغولًا بما في يده من حلاقة، فلم يتمكَّن من الفُرجة على الصورة، لكنه راح يمازحه قائلًا:
«قل لي، يا آمييه، أين عثَرتَ على هذه الصورة؟ أنا، يا بني، أستطيع أن أقولَ لك إن فتاتك لو كانت حلوةً بهذا الشكل لما فكَّرَتْ في الارتباط بك.»
«على أي أساس، يعني؟ وما الذي يجعلك متأكدًا هكذا؟» ردَّ عليه آمييه محتجًّا، وقد آلمَه الكلام.
«والدتُك بنفسها هي التي قالت لي بالأمس إن الفتاة لو أبدت الموافقة على الارتباط، فستأتي لزيارتكم اليوم، فلما رأيتُك جئتَ إلى المحل كالمعتاد، فهمتُ أن الزيارة لن تتم، و… طبعًا، فالموضوع في حكم المنقضي.»
«هذا في رأيك الخائب!» عاجَلَه غاضبًا، «الزيارة لم تتم اليوم لأنهم قالوا إن أقاربَ البنت يريدون أن يجيئوا معها؛ فهناك أخوها الكبير وعمها، لكنَّ أخاها عنده شغلٌ مهم جدًّا في المدينة، أما عمُّها فقد ذهب لشراء العُجول من المزارع.»
«الكلام بهذه الطريقة معناه أن البنت غير موافقة!» قال له تشوانغ، وهو ينفُذ بعقله النابه إلى قلب الأمور.
«انظر … أنت أصلك لا تعرفُ شيئًا عما تتكلم عنه، وأنا سأوضِّح لك المسألة على حقيقتها»، أصبح آمييه يتكلم بلهجة العارف ببواطن الأمور، وقد أدرك أنها الطريقة الوحيدة التي يُخرِس بها مجادليه، «الموضوع وما فيه أن أخاها رجلٌ أناني بطبعه، ولا يلتفِت إلا إلى مصالحه، ولا يهمُّه أي شيءٍ من أمر أخته. أما بالنسبة إلى عمها … ذلك الكهل المخرِّف، فأسوأ حالًا. ورغم هذا، فحماتي تُصِر على أن تجعل الرجل مطلعًا على ما يجري.»
«اسمع، يا آمييه.» قال له تشوانغ الصغير، وقد غلبه الضحك، دون أن يتنازلَ عن الشك الذي يملأ قلبه فيما يحكيه الولد، «أنت نسيتَ الزبون … حتى كاد يحترقُ منك!»
انطلقَت قهقهاتُ الزبائن.
عاد آمييه إلى شغله، وحانت منه التفاتةٌ إلى الضاحكين من حوله، وبدا أنه يريد أن يواصل ما عنده لكي «يُفحِم» كل تلك الشكوك المثارة حول حكايته، فانتظر حتى انتهَوا من نوبة الضحك الهيستيري، ثم زعق فيهم بانفعال:
«ما كل هذا الانشراح الذي نزل عليكم دفعةً واحدة؟ وهل في كلامي ما يستحق كل هذا الضحك؟ ثم إنكم سمعتُم بعضَ ما عندي، فماذا لو عرفتُم أني بالأمس قد أنهيتُ كل شيء تمامًا، كما أقول لكم … أنهيتُ كل الأشياء، أخذتُ البنت وخرجنا، وعَمِلْنا مراسم الزفاف بطريقتنا الخاصة، وفي آخر اليوم كنا على فراش الزوجية معًا؛ حتى هذا انتهَينا منه بالأمس أيضًا!» وهنالك، أزاح الفوطةَ البيضاءَ الساخنةَ التي كانت تغطِّي فمَ العم ووجنتَيه، وما كاد يقترب من وجهه لحلاقة ذقَنه حتى فوجئ به يقفز واقفًا، ويصيح بأعلى صوتٍ من الفم الذي حوَّطَتْه دائرةٌ من السخونة المفرِطة:
«أنتَ ولدٌ كذاب وقليل الأدب!»
مشدوهًا، نظر إليه آمييه. وبإحدى يدَيه موسى الحلاقة، وبالأخرى الفوطة البيضاء الصغيرة. لم يجد ما يقوله سوى أن تَمتَم مستغربًا:
«ما لك، أيها العم؟»
«أعطِني صورةَ الفتاة التي معك!» قالها وهو يمُد يده لانتزاعها من دون جدال.
نصفَ ذاهل، حاول آمييه أن يُنحِّيَ يد الرجل عن الصورة، وقد بادر بمحاولة أخذها عَنْوة.
«أعطني إياها … قلتُ لك!» هذه المرة كان يأمره محتدًّا.
«وما شأنك بها؟» سأله مستفهمًا، وقد واتَتْه الفرصة لأن يقول شيئًا ما، «ما شأنك أنت بالموضوع كله؟» كان يحاول أن يُعيدَ الصورة إلى جيبه.
دون نقاش، مدَّ يده واستولى على الصورة عَنْوة من جيب الولد، وصاح فيه، وقد تملَّكَته سَوْرةُ غضبٍ هائلة:
«اسمعني جيدًا، أنا عم الفتاة … أنا الرجل الذي وصفتَه توًّا بالخرَف وكل تلك الصفات. وكان هدفي من المجيء إلى هنا اليوم أن أتعرَّف إليك، أيها المهرِّج. وقد ظننتُ أني سأتعرَّف إلى «جوهرٍ مكنون»، فإذا بك ولدٌ عبيط، ليس فيك من صفات الجواهر شيءٌ بالمرَّة، ليس فيك مزايا الشباب ولا حتى عيوبهم العادية المقبولة … ولحُسن الحظ أني جئتُ اليوم، وإلا لكُنا خُدعنا بك … آه؛ فلو كان أمثالك يملَئون الدروب، لكان من العار أن يمشيَ المرء في الشوارع، كي لا يرى وجوهَكم. وخيرٌ للواحد أن يمضيَ عُمره دون أن يجد عريسًا لابنته من أن يزوِّجَها لمثلك!»
انتهى من كلامه، فاستدار ومشى مبتعدًا، دون أن يحلقَ ذقَنه أو يغسلَ رأسَه. خرج مسرعًا، وهو يكاد ينفثُ من أنفه لهيب الغضب الذي يغلي داخله، بينما آمييه واقفٌ يتطلع واجمًا كأنه فرخُ طيرٍ من خشب، انحط مكانه فجَمدَ بلا حَراك.
أصاب الزبائنَ الذهول، وراحوا يتبادلون النظرات وقد خرسَت ألسنتُهم. كل هذا والأسطى تشوانغ الأب ينظر حوله ولا يدري ما الذي حدث بالضبط.
دام الحالُ هكذا طيلةَ نحوِ عشرين ثانية. وكان آمييه أول من أفاق من الذهول؛ حيث تأمَّل وجه تشوانغ الابن قليلًا، ثم قال له معاتبًا، بلهجةٍ أسيفة:
«أنت السببُ في كل ما حدث، لماذا جعَلتَني أتكلم في هذه الأشياء من البداية؟»
عندئذٍ فقط، ترك تشوانغ الصغير ما بيده من شغل، وانفجر زاعقًا في وجه آمييه:
«يا للتبجُّح! وكأنك لم تتعمَّد أن تُضايقَ الرجلَ من أول ما جاء إلينا، وكأنك لم تحاول كسر دماغه لحظة رؤيتك له هنا، وكأنك لم تلمِّح إلى رائحته الزنخة في كلامك عن صيد الأسماك عند حواف الأنهار! ثم إنك — من البداية — قد أطلقتَ العِنانَ للسانك، وفتحتَ شدقَيك على اتساعهما للكلام يمينًا ويسارًا … ثم تأتي أخيرًا وتُلقي باللوم عليَّ أنا!»
«وقع في ظني أنه ذلك الصيادُ الذي تشاجرتُ معه من قبلُ.» قال بصوتٍ ذابلٍ وقد خمدَ عُنفوانُه مثل قِربةٍ منتفخة انقطعَت فجأة، تبدَّد مكنونها وترهَّل منها الجِلد، وصار مطروحًا لا يمتلئ بالهواء.