«فان آبينغ» والعنزة الحَلُوب

(١) الرجل وامرأته، والخناقة التي لم تخمد نارُها

قامت الخناقةُ الحامية بين «فان آبينغ» وبين امرأته، علمًا بأن الرجل لم يكن يسمع له أحدٌ حِسًّا، حتى قيل إن لسانه معقودٌ بكمَّاشة، فإذا بالشِّجار يدبُّ بينهما، والدنيا تقومُ قيامتُها … والسبب عنزة!

وعندما نقولُ إن فان آبينغ «تشاجر» مع زوجته، فلا بد من ملاحظة أن المرأة، هنا وفي هذا السياق، هي التي انفردَت بحقِّ الأداء العلَني في الساحة، وأنها استحوذَت على الدَّوْر كله تأليفًا ولحنًا وإخراجًا؛ فلم يكن ﻟ «فان آبينغ» ذي الوجه الطويل المسحوب أن يقفَ ندًّا لامرأته العريضة القسمات. ولم يكن له — في مثل تلك الأحوال — إلا أن ينزويَ في ركنِ المطبخ، تحت وابلِ الشتائمِ والسِّباب الذي كانت تأتي به المرأة من أطراف اليابسة إلى أقاصي البحار [من كل ناحية تحتوي على ألفاظٍ بذيئة!]، وهو قابعٌ مكانه صامتًا إلا من همهماتٍ مرتبكة، ذات دلالةٍ مهمةٍ على أنه حاضر في المشهد، وأنه معترضٌ ومحتجٌّ. وفي بعض الأحيان، النادرة جدًّا، كان يمكنُ له أن يُحدِّق فيها بعينَين جاحظتَين، ويكيل لها ردًّا متلعثمًا بصوتٍ مترددٍ خفيض. ويصبح الوضع حينئذٍ، وبلغة الكتابة، عبارةً عن مقالةٍ مطوَّلة من الملاسنة النسائية الفيَّاضة، اقتصر الدَّوْر الذكوري فيها على مجرد وضع الفواصل وعلامات الترقيم القليلة المتباعدة! مع ملاحظةٍ أخرى مهمة هنا، وهي أن وضع علامات الترقيم لم يكن حكرًا على الرجل وحده، بل كان يشارك فيه ابنهما «جياومو» البالغ من العمر تسعة أعوام. ولقب «جياو» في اللهجة الدارجة هنا تعني «دامع العينَين»، ويُشار بها إلى «الصبي الذي لا ينقطع عن البكاء». وعلاماتُ الترقيم التي كان يأتي بها الصغير كانت تختلف جذريًّا عن تلك المنسوبة إلى الوالد؛ حيث إنها لم تكن تتضمن معنى الاعتراض، بل كانت — في حقيقتها — مساندةً تامةً لموقف الأم، فجاءت كأنها تضع خطوطًا تحت العبارات اللامعة المتفرِّدة بأهميتها، خصوصًا عندما كان يبدو أبوه عاجزًا عن ملاحقة السيل المتدفِّق على لسان الوالدة، فينتهز الفرصة ليدعم هجومها بنغمةٍ متوافقةٍ من عنده، بخلاف ما كان يتطوع به من شتائمَ جانبية. ومثلًا، فعندما كانت أمه تُرغي وتُزبد، ساخطة:

«فلتذهب في داهية، يا آبينغ … ولتنقطع سيرتُك من الدنيا وما فيها!»

كان يردِّد العبارة وراءها، وبنفس لهجتها، وبما امتلأَت به من مرارة، قائلًا:

«فلتذهب في داهية، ولينقَصِف عمرك، كي أرتاح من منظرك … لقد سئمتُ منك ومن أفعالك!»

والكلمات هي نفسها التي كانت تشتمُه بها أمه، عندما يفيضُ بها الكيل منه؛ فالآن يكرِّرها حرفيًّا تجاه أبيه، بينما تُواصِل المرأة سِبابَها:

«انظر، حتى الولد الذي لم يخرج من البيضة يُبغِضُك! قل لي، هل أعجَبتَ أحدًا من الناس؟ ما الذي جرى لك؟»

ويفرح الصغير الذي لم يدلف من أبواب الدنيا الواسعة.

ثم كانت تأتي ساعةٌ تتعب فيها المرأة من كثرة الصياح، وتتوقف عن الشِّجار، ويصبح الأب منكمشًا على نفسه صامتًا صمتَ جُدران، لكن الولد العابث — الذي لم ينضَج عقله بما يكفي كي يلحظَ دقائقَ المشاعر والأحوال — يستمر في ترديد العبارات المستدعاة من مخزون السيدة الوالدة، فتنهره هذه المرة:

«أنت يا ملعون، أيها الشيطان الغبي، ما إن تراني ممسكةً بسكينٍ حتى تأتيني بمصفاة دماء! فالرجل مهما فعل فهو والدك، فلا تتنكَّر له مثل سُلَحفاة ابنة زنا، منذ متى كانت أمك زانية؟»

«أمدُّ لكِ يد المساعدة، يا أمي»، يجادلها الصبي، الذي أخذ عن أبيه شكل وجهه المسحوب.

«وهل كنتُ عاجزة حتى تساعدَني؟ أنا في لساني عافية قَدْر عشرة من أمثالك، أنت وأبيك.»

«هي أول وآخر مرة أساعدك في شيء، إذن»، يصيح حانقًا الولد المسحوب الوجه.

«وتجسر على مجادلتي كلمةً بكلمة؟ انتظِر حتى أمسحَ بك الأرض لتأديبك!» وتتهيأ لضربه.

وقتئذٍ، يجيء أخوه الصغير «شياوجيا» ابن سنوات عمره الخمس (ووجهه المسحوب أيضًا)، ويرى أخاه تحت غضبة الأم ووعيدها، فيصطاد في ماءٍ عكر. وبدلًا من أن يمُدَّ يدًا للساقط في بئر، إذا به ينهالُ عليه رجمًا، فيأتي ويرفع كفَّه عاليًا قَدْر ما يستطيع، ثم ينهالُ بها على وجه أخيه في صفعةٍ مدوِّية، صفعة حقيقية تتجاوز في عافيتها ما كان موعودًا به من جانب الأم.

ولم يكن جياومو، ابن التاسعة من العمر، ليتفادى الضربة المفاجئة، فانطلق يعوي ألما، وعواؤه ساعتئذٍ كان يمنحه شيئًا من التطابق مع اسمه [جياو: الصُّراخ]، فيتبدَّد سخط المرأة، وينقلب زعيقُها الغاضبُ نوبةً متقطعةً من الضحك، تواصل من خلالها شيئًا من الزجر الذي بدأَته:

«ما لك مستسلمًا هكذا للضرب، ولا ترفع يدًا تدافع عن نفسك؟ خائب طوالَ عمرك مثل الذي أنجبك؛ تقعُد وتمطُّ عُنقَك، والناسُ يذبحونك، وأنت ساكت!»

سالت دموعُ الولدِ الباكي على وجهه، وقد أخذَته الحَيْرة: هل تُبغِض أمُّه حقًّا الرجل؟ هل تكره المرأة أباه؟

وأيًّا ما كان الأمر، فقد كانت حكاية شراء العنزة الجبلية هي التي كشفَت الستار عن أشياءَ كثيرةٍ محيِّرة، وأهم هذه الأشياء التي اتضحَت — بغير مداراة — أن الأم والصبي جياومو وأخاه الصغير؛ أي الوجهَين الصغيرَين المسحوبَين والوجه الكبير المستدير، جميعهم، يكرهون السيد الوالد … كراهيةً حقيقيةً لا مِراء فيها، مع الإقرار بأنه هو نفسه كان أول من مهَّد طريقَ هذه الكراهية، منذ أن قرَّر شراء العنزة، وأوقع بيته في ديونٍ طائلة، فانقلبَت الأحوالُ بؤسًا.

(٢) فان آبينغ يشتري عنزة جبلية

في السنة الفائتة، وذات يومٍ من أيام الشهر الأخير فيها، عاد فان آبينغ من مشواره الطويل وقد احمرَّ طرفُ أنفه من شدة البرد، أطلَّ على امرأته بوجهه المسحوب وعينَيه الثوريتَين [كعينَي ثور، يعني!]، وقال لها بانفعال واضح:

«أنا كككتبتُ توكككيلًا … وقققعتُ على توكككيل لشراء عنزة جبلية.»

«هل جُنِنتَ؟» ابتدرَتْه في الحال، «نحن لا نجد ما نشتري به الزيت، فمِن أين لنا بشراء المعيز؟»

«وما المممانع أن نسستلف الثمن؛ فالعم «يانغ» قال لي إنني أسستطيع تتتدبير المبلغ على كل حال.» أجابها بصدقٍ يطفر من عينَين ساذجتَين، «ووعدَني بالمسسساعدة وقت الششراء، قال إنه سيبيعني أحسسن عنزة في السسوق، وبالضمان أيضًا، ضمان لمدددة ششهرَين، يعني نسستطيع رد النقود بعد ششهرين.»

صرخ الأخوان الصغيران جياومو وشياوجيا، في وقتٍ واحد، قائلَين: «أماه، نريد عنزة نلعبُ معها.»

تحرَّك قلب الأم، وإن لم يكن السبب المباشر صُراخ طفلَيها وتوسُّلاتهما، وإنما العُسر المالي الذي لا ينفَك يُلاحِق فان آبينغ على مدى سنواتٍ طويلة، ويعوقُه عن التكيُّف مع رغبات ولدَيه، ما دفعه إلى عدم التردُّد في قبول فكرة السيد أمين اللجنة الفرعية «يانغ يوان»، وهو بالمناسبة يشغل موقعًا قياديًّا في المزرعة الجماعية [المعروفة باسم: الكومونة] يُعتبر أهمَّ ثالثِ منصبٍ تنفيذي فيها، بالإضافة لإدارته لمكتب المؤتمرات. وطبعًا، فقد كانت للرجل مصداقيةٌ مؤثِّرة في موقف آبينغ، بالذات وقد وعدَه بمساعدته في شراء العنزة على ضمان شهرَين، يستطيع بعدهما استرداد فُلوسه، لو أراد.

والعم يانغ يوان يقيم بنفس منطقة الوحدة الإنتاجية التابع لها آبينغ، لا يفصل بينهما سوى تلٍّ صغير. وفي العام الماضي، ذهب برفقته إلى أسواق منطقة «شانشي» لشراء العنز الجبلي، وكانت تلك أول مرة يسافر فيها آبينغ إلى «شانشي» في حياته؛ حيث اشترى العم يانغ عنزةً حلوبًا بثمانين يُوانًا. وقال فليجرِّب حظَّه في تربية العنزة، واستبشَر بها خيرًا وسَحبَها عائدًا إلى بيته؛ فما كاد ينقضي الشهر حتى أنجبَت عنزتَين باعهما بنحو مائة يوان، واستفاد من حليب الأم بما بلغ نحو خمسة كيلوغرامات يوميًّا، عادت عليه حصيلةُ بيعها بستين يوانًا آخر كل شهر.

كانت الفائدة مثالية والربح كان حديث الناس، فحسدَه كثيرون، وتمنَّى الجميع أن يقتنوا المِعْزى الجبلي. ولمَّا واتَتْه الفرصة هذا العام — من خلال زيارةٍ ثانية إلى «شانشي» — كان عدد الذين وقَّعوا توكيلات، ودفعوا مبالغَ تحتَ الحساب، أضعافَ المشترين في العام الفائت.

لم تكُن امرأة آبينغ تجهل الفائدة من وراء هذا الموضوع، لولا ضيقُ ذات اليد، إضافةً إلى ما بلغ سمعَها من أن العنزات التي اشتراها الناسُ في العام الماضي لم تكُن تحلبُ أكثر من كيلوغرامٍ واحدٍ في اليوم؛ مما يعني أن العائد لم يكن يغطِّي ثمَن العلَف في أقل القليل، لكن، بغَضِّ النظر عن هذا كله، فما دام العم يانغ يوان قد وعد بالمساعدة، والرجل له مكانته ومنصبه المعروف، فلا بد أنه يعني ما يقول ويقدر عليه، بالذات في مسألةٍ صغيرة كهذه. ولا ينبغي للمرء أن يفوِّت فرصةَ مكسبٍ طيب، إلا لو كان غبيًّا.

هي ضخمة الحَجْم، مدوَّرة الوجه، نعم، لكن امرأة آبينغ كانت أيضًا ممن يتحرَّون الدقة الزائدة، بحُكْم قَدْرٍ من النباهة لم يكن يتمتَّع به زوجها. وعلى هذا، فقد راحت تتقصَّى الحال، وتسأله:

«أتظنُّ أن كلامَ العمِّ يانغ يُعتمد عليه؟»

«طططبعًا، يُعتمد عليه؛ فأنا أعععرفه منذ زمن … منذ زززمن الصصبا.» وطريقته في الكلام بفأفأة وتلعثُم كانت أكبرَ دليلٍ على صدقه. وكلما أمعَن في الصِّدق والإخلاص، تردَّدَت الكلماتُ في فمه هكذا، شأنه في ذلك شأن كل ثقيلي اللسان في الدنيا بأَسْرها.

ثُم، وباعتبارها ربَّة البيت أكثر مما هي زوجة الرجل فان آبينغ، فقد حسمَت الموقف بكلمة: «خلاص نشتريها، وليكن ما يكون!» ويكون الكلام قد انتهى عند هذا الحد.

ويكون أيضًا أنهما يطوفان بكل معارفهما لاقتراض المال المطلوب، فيتعلَّلان بكل الأسباب، ويقولان كلامًا طيبًا، ويعتذران بعُسر الحال، مع وعدٍ محدَّد بالساعة واللحظة التي يرُدَّان فيها الدَّيْن.

اجتمع لديهما المبلغ المتفق عليه (سبعون يوانًا)، وتجهَّز المسافر للسفر. وبعد شهرٍ من ذلك التاريخ، أصبحَت العنزة هي الموضوع الرئيسي للحديث بين أفراد أسرة آبينغ … على مائدة الطعام، وفي أحاديث المساء. وانهمكَت المرأة في حساباتٍ كثيرة، وهي ترسم صورةً طيبة لما ستأتي به الأيام، تقول: ثلاثة كيلوغرامات من الحليب في اليوم، لو بعناها فسيكون لدينا آخر الشهر أربعون أو خمسون يوانًا. وهذا معناه أننا نستطيع تسديدَ الديونِ كلها في شهرَين اثنَين فقط.

يقول آبينغ: «لا؛ فأنت تعملين حسابك على بيع الحليب كله، وهذا مستحيل؛ لأننا يجبُ أن نحتفظَ منه بكيلو واحد على الأقل، أعطي الأولاد قليلًا منه، ألا ترَيْن أجسامهم نحيفة، وجوههم ممصوصة مثل وجوه النسانيس؟»

«نصف كيلو فقط!» ردَّت الزوجة بحسمٍ قاطع، «عندك واحدٌ مثل العم «يانغ يوان» بكل الغنى والمال الذي عنده، ومع ذلك تجده يعطي كلَّ واحدٍ من أولاده الثلاثة نصف الكيلو من اللبن في اليوم، وتجدهم بكامل عافيتهم، كما ترى.»

سكت قليلًا على مضَض، ثم قال: «عمومًا، فالعنزات الوليدة ستأتي لنا بمكسبٍ لا بأس به.» ولم يكَد يُتِم كلامَه حتى انفتح حلقُ المرأة عن آخره، واندلع شدقاها بكثيرٍ مما في جَعْبتها من التقريع: «لا أنت فقير وساكت، ولا غني ومرتاح، وتجيئك أفكارٌ بائسة مثلك، فتُريد الثمر قبل أن يطرح الشجر! تعيش بأفكارك التعسة، عمرك ما خالفتَ طبيعتك البائسة، وكيف تُخالفها؟ ومن أين؟» … إلخ، إلخ. وهو منكمشٌ على نفسه، كما تدورُ وتنكمشُ على نفسها الفاصلةُ في علامات الترقيم.

على أية حال، وبرغم صياح المرأة ولسانها المُقذع، وانكماش الرجل وانزوائه، فلم تبخل التصورات الجامحة في خيالاتهما بالأمل العريض … الأمل في تسديد الديون المتراكمة، وفي شراء سريرٍ جديد (حيث لم يعُد يتسع السرير الحالي للأسرة كلها، وقد ازدادت عن ذي قبل، خصوصًا أنه تخلى عن صمته وثباته الوقور، وأمسى مخلخلًا مهتزًّا ﺑ «صرير» موسيقي رتيب، عند الاضطجاع والتقلب، بل حتى في الاضطجاع دون تقلُّب!). ثم اتسع الخيال لمطبخ وخزانة أطباق وملاعق (حيث تستقر حاليًّا في كومة فوق منضدة الطعام). واتسع أيضًا لحقيبةٍ مدرسيةٍ جديدة يحملها «جياومو»، وطاقيةٍ ملوَّنةٍ لأخيه يلهو بها مزهوًّا مع أترابه.

(٣) صداقة ضاربة بجذورها بين الموظف الكبير والفلاح البسيط

صحيحٌ فعلًا؛ فالصداقة بين العم يانغ يوان، أمين لجنة الحزب بالكومونة، وفان آبينغ، تمتد جذورها منذ أيام الصبا، منذ كانا يرعَيان الأبقار والثيران، إلى أن شقَّ كلٌّ منهما طريقَه في الحياة. ثم فتَرَت الصداقة حينًا من الدهر إلى أن جاءت المحنُ والتجاربُ التي عركَت الودَّ، واستصفت للرفقة أنقى ما في الروح من إخلاص، فتوثقَت عُرى الإخاء بينهما، وصار آبينغ شابًّا بقلبٍ طيب، يكاد لا يُتِم عبارةً من كلامه دون تلعثُم، وكان نصيبه أن بقي مزارعًا يفلح الأرض ويرعى البهائم، بينما استطاع يانغ يوان — بفطنته وذكائه — أن يجد وظيفةً (حكومية) مرموقة، مستفيدًا من مشروع «استصلاح المزارع». حتى قبل هذا المشروع، وقبل بدء الحملة التطهيرية الرباعية.١ كان يشغل الموقع الثاني في قيادة الكومونة، وكانت تلك هي الفترة التي «خملَت فيها مشاعر الود بين الصديقَين». وربما لم يكن هناك خمولٌ على الإطلاق، إلا بما رسخ في ذهن آبينغ، على اعتبار أنه كان يرى نفسه، وهو الفلاح البسيط، أضأل من أن يكون صديقًا للموظف الرسمي الكبير؛ وبالتالي، فقد كان يتحاشاه، ويتجنَّب كلَّ فرصةٍ للاقتراب منه، بينما الطرف الآخر مشغول بما تحت يده، دون أن يكونَ لديه أية مشاعر نفور أو ترفُّع تجاه صديقه، راعي الأبقار القديم، سوى أن المسافة بينهما أنبتَت فراغًا من الوحشة؛ مسافة أخذَت تُباعِد ما بين رفاق صبًا … مسافة كان يلوذ بها آبينغ، ويتطلع إلى صديق عمره من بعيد؛ يتطلع إليه وهو يخطب في اللقاءات الجماهيرية، يحدِّق فيه ويلاحظ الوجه المدوَّر والملابس الأنيقة لصاحبه الجالس على المنصة رئيسًا للمؤتمر، ممسكًا غَلْيونه بيد ومشيرًا — باليد الأخرى — مفنِّدًا حديثه بكل ثقة، متكلمًا بتلك اللهجة الرسمية المعهودة في رطانة كل المسئولين. ولو أن العم يانغ كان يُكثِر في كلامه من استخدام أداة الاستفهام «ماذا»، وأحيانًا أخرى يستفسر ﺑ «ما» و«ما الذي» … إلخ، فكان يكرِّرها بشكلٍ دائم، وبطريقةٍ غير معهودة في لهجة الفلاحين العاديين، ما دفعهم إلى السخرية منه بقولهم: «الواحد منا عنده «ما» واحدة، لكن العم يانغ عنده سبع وثلاثون «ماما».» يستمع آبينغ إلى تعليقاتهم، ويُبدي امتعاضه مستنكرًا أن يخوضَ الناس في السخرية من صديقه، مُنزهًا نفسه عن السير في رِكابهم، معتبرًا أن لكل شيء حدودًا، وأنه حتى لو لم يكن الرجل صديقًا قديمًا له، فالاحترام واجبٌ تجاه موظفٍ كبيرٍ له مكانته القيادية؛ فما بالك والموظف القيادي صديق، بينه وبين آبينغ أواصرُ ودٍّ قديم؟

ولنرجع خطوةً إلى الوراء، لنقول إن تعليقًا ساخرًا يَصِم أحد الناس بكونه ابن «سبع وثلاثين امرأة» لا يضير في شيء، ولا يعني الانتقاص من كرامة، كما لا يشير إلى أن الشخص المشار إليه سيِّئ أو فاسد أو شرِّير بأي معنًى. ورغم كل هذا، فقد اتُّهِم العم يانغ يوان بكل النقائص والمفاسد والشرور التي في العالم، واهتزَّت صورتُه ومكانتُه، وسقط متدحرجًا على قفاه إلى الحضيض، بعد أن كان في قمة المجد، وذلك بعد انتهاء «حملة التطهير الرباعية» إياها، فأُضيرَت سُمعتُه من جرَّاء ذلك، خاصةً أنهم ألصقوا به كل التهم والمفاسد التي يمكن أن تَصِم سيرةَ إنسانٍ على وجه الأرض. كان آبينغ على اقتناعٍ بأن الرجل بريء، وشيءٌ ما في نفسه كان يحدِّثه بأن كل ما يُثار حوله مجرد افتراءاتٍ كاذبة، إلى أن فوجئ بأعضاء فِرَق الإنتاج يدقُّون عليه باب بيته، ويقولون له إنهم بحثوا عنه في كل مكانٍ في أمرٍ مهمٍّ للغاية، وطلبوا إليه أن يذهبَ معهم، ويشهدَ بأن العم يانغ يوان رجلٌ مسكين، في حاله، وأنه طوالَ عمره كان ابن فقرٍ مُدْقع، لم يتكسَّب عيشه إلا التقاطًا للرزق، وحياته تمضي على الكفاف. على الفور قام الرجل (الذي لم يعش إلا على الكفاف حقًّا، ولم يكن له عملٌ دائم يتقوَّت منه!) غير عابئ بما قد تَجرُّه عليه هذه الشهادة من ضررٍ أو نفع، فوقف أمام المحقِّقين وحدَّق فيهم بعينَين ثوريتَين [شبه عينَي الثور] قائلًا بكلماتٍ واضحةٍ تمام الوضوح: «الرجل كككان راعي أبقققار … مثلي بالضبط، وكككم قاسَيْنا معًا، الششد … الششدائد والأيام الصصصعبة!»

وتقرَّر أن يبقى بالقرية، ولا يغادرها لأي سبب؛ فلا سفر ولا ترقية ولا «صعود إلى الطوابق العليا»؛ أي لا تصعيد إلى أي منصبٍ أعلى من الوظيفة الحزبية بالكومونة. وذات يومٍ، عرَّج على بيت آبينغ، فرحَّب به وأخذ يحدِّق في وجهه، ويرى فيه ملامح الرجل الذي خبَر الدنيا وأحوالها، وحصَّل منها معرفة بطبائع الناس ونفوسهم. وبدا الوجه المدوَّر الممتلئ هادئًا عليمًا ببواطن الأمور، غير خائف ولا مضطرب، كأن شيئًا في هذا العالم لا يمكن أن يُفزِعَه. وبهذه الروح المطمئنة، مال على أذن آبينغ وهمس له قائلًا: «اسمع يا صاحبي، أنا لم يعُد يُقلقني شيءٌ في هذه الدنيا أكثر من أن يُفاجئني المفتِّشون بزيارة بيتي، ويُصادروا أجولة الحبوب التي أعيش عليها، فلا يجد أولادي ما يأكلونه.» وتم الاتفاق بينهما كالتالي: يذهب آبينغ إليه في منتصف الليل … «حيث الهدوء والظلام ساتر، ولم يعُد هناك رائحٌ ولا غادٍ»، فينقل أجولة الحبوب من عنده إلى بيته لبعض الوقت. لم يتوانَ آبينغ في الموافقة، حتى قبل أن يُشاوِر امرأته (وهي عندما علمَت بالأمر فيما بعدُ، لم تعاتبه، بل على العكس، شجعَتْه على مبادرته ومرونته في التعاون). وبالفعل؛ فما كاد الليل ينتصف يومئذٍ، حتى بادر إلى التنفيذ الذي استغرق ليلتَين كاملتَين، حمل فيهما ما يزيد عن ألف كيلوغرام من الحبوب، بقوة يده النحيلة وجسده المهزول، منتهيًا بها إلى منزله القابع في هذا الركن من التل الجبلي، بما يشبه المغامرة المحفوفة بالمخاطر، وبالذات في تلك الحِقْبة من الزمان، فلمَّا أرسل فريقُ الإنتاج عددًا من المفتِّشين الحكوميين لفحص محتويات بيت العم يانغ، ظهَر للجميع أن الرجل لا يملك حقًّا سوى جدرانٍ أربعة، يعيش وراءها بما يُقيم حياته بشِقِّ الأنفس، وبما يستر عُرْيَه بالكاد؛ لأنهم وجدوا الباب … باب البيت، مخلوعًا من مكانه (وهنا، فنحن أمام بصيرةٍ نافذة، أو معجزةٍ تنبؤية تمشي على قدمَين، فيا للرجل!).

أصبحَت العلاقة بين الصديقَين أكثر حميميةً منذ تلك الساعة. وليس معنى وصف العلاقة ﺑ «الحميمية» هنا أنها كانت تُشع دفئًا أو «حرارة» وسخونة لمجرد جريانها النشِط بين متآخيَين؛ فهذا معنًى غير واضح بصورته المثالية المقولبة عند واحدٍ طيبِ القلب ومخلصٍ جدًّا، مثل آبينغ، ولا هو نفسه كان بارعًا في التعبير عنه والتلبُّس به وسط دائرة أصدقائه ومعارفه، وإنما لأن زميله القديم يانغ يوان قد عاد الآن إلى الكومونة، في أعقاب حدثٍ سياسيٍّ كبير، وأصبح مثل كل الفلاحين هنا يعمل بالزراعة من أول النهار إلى آخره، ويلتقي بالجميع ويتحدث إلى هذا وذاك، ويرتاح كثيرًا إلى زميل عمره ويخصُّه بالودِّ دون الآخرين. يكفي أنه كان الوحيد الذي يبتدره بالسلام والتحية كلما التقاه، وقد فاضت ملامحُ السرور على وجهه، الذي لم يعُد مُدوَّرًا ولا ممتلئًا، مثلما كان في أيامه الفائتة، ولو أنه امتلأ بقدْرٍ وافرٍ من «الحميمية» (مصحوبة بشيء من «التملق»، ولو بشكلٍ عابرٍ في بعض الأحيان). وآبينغ رجلٌ سريع التأثر بمشاعر الود «الحارَّة» هذه؛ ولذلك، فقد أنفذَت أثرها في أعماقه. وفي أعماقه أيضًا، انطبعَت صورة يانغ يوان كموظفٍ مرموقٍ له كيانه واحترامه … كرجلٍ يُكِن له ما يليق به من تقدير. وهو سعيدٌ حقًّا بأن يكون له صديقٌ محترم مثله، رغم أنه لم يكن يُجاريه في الكلام كثيرًا عندما يلتقيان، ربما بسبب حُبْسة لسانه وتلعثُمه. كان يجلس إليه مُنصِتًا، وفي قلبه شعورٌ بالفخر بأن يكون هذا الجالسُ أمامه صديقًا له، على خلاف البعض ممن راحوا يشمتون أو يزدرون العم يانغ، بعد فقدانه منصبه، ونزوله عن عرش السلطة في لجنة الكومونة؛ فلم يكن آبينغ على استعدادٍ لأن يزدريَ أو يشمتَ بأحد، بل كان أكثر شيء يُقلِقه أن يصبح هو نفسه موضوعًا للسخرية والازدراء.

بعد سقوط «عصابة الأربعة»؛ أي سقوط القيادات المتسبِّبة في كثيرٍ من المشاكل التي عمَّت البلاد لفترةٍ طويلةٍ من الزمن، ومع بدء التطبيق العملي لسياسات الحزب، أُعيد العم يانغ مرةً أخرى إلى منصبه أمينًا للجنة الحزب بالكومونة، وهو ما جلَب السعادة إلى قلب صاحبه فان آبينغ، وكاد يطير فرحًا، لكنه اجتهد في كتمان مشاعره لئلا يُشاع بين الجميع أنه لمَّا علم بعودة صديقه للسلطة فقد سارع إلى «لعق الكف المليئة بالسمن والزيت»، فبادر — من تلقاء نفسه — إلى الابتعاد عن الرجل، والحرص على مسافةٍ فاصلةٍ يراها ويلمسُها كل الناس … «الرجل الآن قد عاد إلى مسئولياته الكثيرة، ولم يعُد لائقًا اقتحام وقته ومشاغله؛ هكذا وبكل بساطة. أما بالنسبة لموضوع شراء العنزة، فالعم يانغ هو صاحب الفكرة من البداية. وعندما التقاه عرَضًا على قارعة الطريق، وقال له في معرضِ كلامه إنه مسافر إلى «شانشي» لشراء المعيز الجبلية، فرح آبينغ لمَّا لاحظ أن الرجل ما يزال كعهده متباسطًا معه، كغيره من آحاد الناس، وأنه ما يزال يذكُره ويعرفُ له أفضاله. وبالطبع، فقد كغيره من كان العم يذكُره، وهل كان يُعقل أن ينساه؟ كيف له أن ينسى؟

(٤) فان آبينغ والمعيز التي وصلَت إلى الكومونة

كان يُلقي بالطعام إلى الخنزير عندما جاء إليه من قال له: «تعالَ، يا عم آبينغ، المعيز وصلَت إلى السوق اليوم، رُح بسرعة اسحَب لك واحدةً وعُد بها إلى بيتك!»

«أحقًّا؟ أتتكلم بجِد؟» سأله متلهفًا.

«ماذا جرى لك؟ ألم تسمع الإذاعة الريفية صباح اليوم؟ منذ الصبح وهم يُذيعون هذا الخبر، كيف لم تسمع به حتى الآن؟» قال له محدِّثه، وهو يمشي في طريقه مبتعدًا.

كان ميكروفون الإذاعة المحلية (الداخلي، المركَّب في منزله) معطَّلًا منذ يومَين، والعامل الفني لم يأتِ لإصلاحه، مع أنهم أبلَغوه، والخبر لم يسمعه في حينه، فانتابه شعورٌ بالضيق والفرح معًا. لم يتمالك إلا أن يقلب الجردل فيُفرغ ما فيه كله أمام الخنازير، ثم رفعَه ثانيةً وأمسكَه من حافَته، فدلف من الباب إلى داخل البيت، وقال لامرأته:

المعيز وصصلَت، وصصلَت اليوم إلى السسو … السسوق، أنا ذذاهب الآن ﻟﻠﻠ… لأسحب واحدةً منها.»

كانت المرأة تغسل الأطباق لمَّا جاء وكلَّمها، والخبر جعلها تكاد تصفِّق فرحًا، وكادت تقول شيئًا، لولا أن أسرع الصغيران فهتفا في وقتٍ واحد:

«نريد أن نذهب ونسحبها معك.»

صاح في ولده الأكبر: «وماذا تفعل بذهابك معي؟ أليس مممن … مممن الأجدى لك أن ﺗﺘﺘ … تذهب إلى المدددرسة؟»

«اليوم إجازة، وليس هناك مدرسة.»

«إذا ككنت سستأتي معي، فليبقَ أخوك الصصغير لأنه يتعبُ سسريعًا … ويضططط … ويضطَرُّني إلى حمله على كككتفي.» وفي الحقيقة، فقد تمنَّى لو استطاع اصطحابهما معه، لولا تدخُّل الزوجة وزجرُها للجميع.

صاح شياوجيا باكيًا، متعلقًا بأخيه، قال إن بإمكانه المشي دون تعب، ذهابًا وإيابًا.

«لا تُتتعبني معك، ثم كككيف لرررجل مثلك أن يبكي هككذا؟» خرجَت امرأتُه من المطبخ وهي تمسح يدها في المنشفة، ثم صاحت في الجميع: «كلكم ستبقَون هنا، وأنا وحدي سأذهب وآتيكم بالعنزة؛ فمن الأفضل أن أذهبَ أنا بدلًا من أي واحد هنا.»

ارتبك آبينغ، واستغرب أن يكونَ ذهابه هو نفسه غير نافع، أسرع يقول لها:

لكككن العم يييانغ لا يعرفك ججيدًا … فما فائدة ذذهابك؟»

«حتى لو لم يكن يعرفني، فسأتصرف، وأنا أعرف كيف أتصرف في هذه الأمور»، ردَّت عليه، «لكني لا أعرف حقًّا ماذا ستفعل أنت لو ذهبت؟»

«ماذا تقققصدين بككلامك هذا؟» سألها متلعثمًا، «الرجل ﺻﺼ… صصاحبي من زمنٍ طويل، وليس بيني وبينه إلا كككل خير، فهل معقول أن يبخسسسني حقي؟»

«لكن موضوع شراء المعيز جديدٌ علينا، ولا ندري ماذا سيحدث!»

«لا عليكِ … لللن يحدث إلا الخخير، وعلى مسسئوليتي هذه المرة … اطمئني، وسسسأرجع لك بالععنزة.»

ملامحه الجادة، وإصراره وشكله وهو يتكلم بثقة، جعلها تبتسم وتقول: «طيب، رُح واعمل حسابك أن تنتقي معزى سليمة، واعرف أنك لو جئتَني بعرجاء راكبها عفريت، فستكون لي الكلمة في أي بيع أو شراء بعد ذلك.»

لم ينتظر زوجته حتى تُكملَ كلامها، فدلف إلى حجرة النوم ومعه ولداه، يلتصقان به كأنهما يخشيان أن يذهب دونهما، لكنه غابَ وقتًا طويلًا بالداخل.

وضعَت المرأة كَومة الغسيل في الحوض، وصاحت متسائلة:

«فيمَ كل هذا الاختفاء بالداخل؟ بقي لك مدة هناك، لماذا لم تخرج حتى الآن؟»

«أغغير ﻣﻤ مملابسي»، أجابها من وراء الباب.

«أية ملابس هذه التي ستغيِّرها، إذا كانت أمامي الآن كل كَومة الملابس التي عندنا؟ ثم لماذا كل هذا التأنق؟ هل ستتزين لعروس تدخل بها اليوم؟!»

واحتشدت نوبةٌ جديدة من السخط والشتائم على لسان زوجته.

لم تكَد تنتهي من نوبتها حتى انفتح الباب، ليخرج منه ثلاثة أفراد؛ رجل كبير، وطفلان، كلهم في زيٍّ واحد عبارة عن بذلة من طراز «العمال والفلاحين»، لونها أزرقُ فاتح، والبنطلونات بهتَ لونها قليلًا، لكنها نظيفة ومنشَّاة بأثر الكي الواضح فيها، بينما أمسك آبينغ بحبلٍ متين، لزوم سحب المعزى.

تطلَّعَت المرأة إلى ثلاثتهم؛ الكبير التام الخِلقة، والصغيران اللذان لم يخرجا من البيضة، وضحكَت بصوتٍ مجروش من قوارح الحنك، فجاء أقرب إلى النخر منه إلى القهقهة، قالت:

«المهرِّجون الثلاثة».

(٥) مهرجون ثلاثة على الطريق

قال آبينغ لطفله الأصغر بكل وضوح: «إن لم تقدر على المشي، فقل لي، وأنا أحملُك على كتفي»، لكنه ما كاد يبتعد عن البيت قليلًا، حتى بادر — مِن تلقاء نفسه — فرفَع الولد، وأجلسَه على كتفه جلوسَ اﻟ «ماماجيان»؛ أي امتطاء الكتف بهيئة ركوب الحصان؛ فالناس — لفَرْط عطفهم على الأطفال — يحملونهم هكذا، والرجل يحدبُ على ولدَيه كأي أبٍ في الدنيا، ثم إنه اليوم بالذات فرحان، ومنشرح على غير العادة.

بمحاذاة الوادي، مشَوا قريبًا من الميلَين، ثم صَعِدوا قمة التل، فأشرَفوا على الطريق المسفلَت. كان اليوم عطلة، وسوق البلدة الأسبوعي يُقام في هذا اليوم، فامتلأ الطريق بالرائحين والغادين، وكثيرٌ منهم معروفٌ بالنسبة له، فسار بينهم يحمل طفله الصغير على كتفه، والآخر بجواره يمشي. وكلما التقى بوجهٍ مألوف، ابتدرَه بالتحية والسؤال عن الصحة والعافية، وأحيانًا يُبادر بحكاية شئونه قبل أن يسأله الآخر عن الأحوال، فيُجيب على سؤال لم يُوجَّه إليه: «أنا الحقيقة ذاهبٌ إلى السوق لإحضار العنزة التي دفعتُ فلوسها مقدمًا …» وللعجب، فقد زالَ عن لسانه الثقل المعهود، لكن المؤسف أن من بين العشرات الذين حيَّاهم وحيَّوه لم يكن سوى فردٍ واحدٍ فقط أنكر معرفته به، وزاد الطينَ بَلَّةً ما لقيه من بذاءة لسانه. وكان أثناء الطريق قد حاول اللحاقَ بامرأةٍ مسرعة، ظنًّا منه بأنها من جيرانه، فناداها من ورائها:

«إلى أين يا امرأة أخي؟ هل أنتِ معنا في الطريق إلى السوق؟»

التفتَت نحوه، فإذا هي امرأةٌ غريبةٌ ليست من أهل البلدة، وقد علَت وجهَها علائمُ الاستنكار، فحدَّقَت فيه لحظةً، ثم تقبَّضَت ملامحُها غضبًا وشتمَتْه: «وسخ، ابن …!»

احمرَّ وجه آبينغ من الحرج لمَّا شتمَتْه، شعَر بلهبٍ حارق قد تسلَّط على جسده، واشتعلَت الدماء بعروقه، فسحب ابنه من يده، وأسرع الخطى وهو يسلِّط عينَيه الثوريتَين؛ أي المسحوبتَين انسحابَ عينَي ثور، على الأرض، من شدة الخجل؛ فمضى منكَّس الوجه. ولشدة تصديقه للخُرافة، اقتنع بأن ما حدث كان نذير شؤمٍ من ساعته، وخاصةً وقد شتمَتْه امرأةٌ فاحشة اللسان؛ فهذا وحده كفيلٌ بخراب جبالٍ راسخةٍ رسوخَ الدهر!

(٦) بعد طول انتظار، آبينغ يعود ساحبًا عنزة جبلية

وصل واكتشف أن المعيز وصلَت قبله. وإذ لم يجدوا لها مكانًا بالسوق، سحبوها ووضعوها في فصول المدرسة الابتدائية، باعتبار أن اليوم إجازة، والمكان غير مستعمل. غصَّت الحجرات عن آخرها (عددها زُهاء سبعين حجرةً بالمعيز من أحجامٍ مختلفة، بينما امتلأَت الساحة بأصواتٍ صاخبة، تصدُر عن عشرات الأهالي المتجمِّعين في الخلاء الكبير.

كانت أول مرة يرى فيها الصغيران أعدادًا هائلة من المعيز على هذا النحو، فأخذوا يصيحون بنَزقٍ طفولي، بينما كاد الصغير شياوجيا يرمي بنفسه من فوق كتف أبيه نازلًا، ليندسَّ مع أخيه الأكبر وسط القطعان وحلقات اليافع المشترين.

التقى آبينغ بكثيرٍ ممن يعرفهم، وقالوا له إن القطعان قد وصلَت بالقطار أول أمس … في منتصف الليل بالضبط، وتم نقلُها بعربات النقل، فلم تَصِل إلا فجر اليوم. ولأنه لم يكن يرغب في الإنصات إلى اللجاج من حوله، فقد أخذ يبحث وهو جالس وسطهم عن العم يانغ؛ فمن الضروري أن يجده الآن، بعدما بدا أنهم على وشك التوزيع. وهي ساعةٌ حرجة تتطلب سرعة الوصول إلى صاحبه يانغ، وإلا تم توزيع البضاعة، حتى إذا بقي منها معطوبُ الرأس والذيل كانت من نصيبه، بعد كل هذا العناء. قام ودار عدة دوراتٍ هنا وهناك، فلم يعثُر للرجل على أثر، فتوجَّس خيفة. ثم إذا به يلمح العم يانغ جالسًا في «مكتب المدرِّسين»، وكان يميل برأسه على الجالسين، ويهمس لهم بشيء في آذانهم، بينما انهمك أحدهم، وهو أصغرهم سنًّا، بوجهٍ وسيم وملامحَ تفيض ذكاءً، بكتابة شيء على ورقٍ مفرود أمامه. وحشدٌ من الناس قد التمَّ عند باب المكتب يتطلَّعون إلى الداخل، عيونهم فاحصة ورءوسهم تكاد تتلاصق. تقدَّم منهم وسمع أحدَهم يقول: «الكلام ما يزال دائرًا بين الجميع، حتى الآن.»

وقف عند الباب وهو يتطلع إلى داخل الحجرة، وينظر في وجوه الجالسين ويُحاول أن يستشفَّ فحوى «الكلام الدائر بينهم». ورأى عيونهم المنتفخة، وملامحهم المرهقة، والرءوس الثقيلة المائلة كأن السُّهاد أعياها، ولم يعلَق النوم بجفونها طيلة أيام. حتى وجه العم يانغ، الذي كان مدوَّرًا وممتلئًا، بدا الآن مهزولًا، من أثر رحلة سفرٍ طويلة … ربما، لكنه شعَر بالتعاطف معه، على نحوٍ عفوي. وفكَّر أن يدخُل المكتب، ويسلِّم عليه، لكنه تردَّد قليلًا. في تلك اللحظة، رآه وهو يقوم واقفًا ويتجه ناحية باب المكتب، فأراد أن ينتهزَ الفرصة ويكلِّمه. وبالفعل تقدَّم، بخطوةٍ واحدة، منتظرًا لحظةَ عبوره فوق عتبة الباب بالضبط، وتكلَّف ابتسامةً متخشِّبة، وقال له: «ها قققد عُدت … عُععدت أخيرًا، أيها العععم يانغ!»

كان صوتُه خفيضًا جدًّا، وحتى لم يتأكَّد إن كان قد سمع العم يانغ يردُّ عليه بهمهمةٍ أكثر خفونًا، ثم استدار سريعًا كأنه تذكَّر شيئًا فجأةً، وعاد يانغ إلى الجالسين بالداخل، يقول لهم بصوت نافد الصبر: «طيب، إذا كان الأمر على هذا النحو، فما العمل، في رأيكم؟»

«اجلس نتفاهم!» أشار له ذو البشرة السمراء، الجالس وسطهم.

مرةً أخرى، قعَد بينهم، وتلاصقَت رءوسهم معًا، وتشاوروا همسًا.

«مؤكَّد أنه لم يَرَني جيدًا، لعله كان مشغولًا بما في رأسه فلم يرُدَّ عليَّ»، قال آبينغ لنفسه.

«خلاص، اتفقنا!» قال العم يانغ بصوتٍ جَهْوري، فالتفَت إليه آبينغ، ورآه يقوم عن كرسيه، ويتجه صوب الباب سريعًا.

شعَر من جديدٍ بالحرج. ولم يكن قد استعدَّ جيدًا هذه المرة بابتسامته اليابسة. كان العم يانغ قد مشى وتجاوَز الباب فأسرع وراءه ليلحق به، قائلًا:

«عُععدتَ بخير … يا عم يانغ، أهلًا بعودددتك سسسالمًا.»

فقط، بصوتٍ أعلى قليلًا عن ذي قبل.

«آه، شكرًا، شكرًا!» أجابه العم متعجلًا، لسانٌ ناطق وذهنٌ شارد، واتجه صوب إحدى غرف الدرس.

مشى وراءه آبينغ مضطربًا، مندسًّا وسط حشد اللاهثين في إثره.

جاء أحد الموظفين البسطاء، ممن كانوا يقفون وسط الزحام، ووقف في طريق العم يانغ، وحدَّثه بشيءٍ ما، ثم أخرج سيجارةً من جيبه العلوي وقدَّمها له، فتردَّد العم قليلًا ثم أزاحها بعيدًا، باليد المرفوعة إليه، وقال بصوتٍ مسموعٍ للواقفين جميعًا: «طبعًا كل واحد من الواقفين هنا يريد لنفسه أفضل عنزة، فقولوا لي ماذا أفعل لكي ألبِّي طلب الجميع؟ كلكم يريد شيئًا مستحيلًا، ولا أجد سوى حلٍّ واحدٍ مريح: توزيع القطعان بنظام السَّحب بالقُرعة؛ حيث يَسحَب كل واحدٍ ورقة فيها رقمٌ محدَّد، ثم ينادَى عليه ليستلم العنزة التي تخصُّه بالعدل والمساواة، دون تمييزٍ بين الإمبراطور وخادمه!»

كلمتان، قالهما فاحمرَّ وجه الموظف البسيط، لكن حشد الواقفين هتفوا بالموافقة والاستحسان، قالوا: «بالضبط هكذا، معك حق في قولك، كل الحق معك!»

اعتبر آبينغ نفسه محظوظًا بعدم إلحاحه على العم يانغ منذ قليل؛ فلربما تسبَّب في مضايقته، ووقوعه — هو نفسه — في أشد المواقف حرجًا، وشعَر في أعماقه أن صاحبه أثبت فعلًا أنه نزيه، بتصرُّفه المحترم أمام الجميع.

طلب منهم العم مغادرة المكتب، والتجمُّع في فناء المدرسة الكبير، والاستعداد لما سيطلبُه منهم، فانصاعوا لرأيه بكل ارتياح، وخرجوا جميعهم دون الموظفين العاملين معه. ثم وقف عند حافة الدرَج يكلمهم عن فائدة التوزيع بنظام السحب، وهم منصتون له، يهزُّون رءوسهم بالموافقة قائلين — بين حين وآخر — إن هذا هو عينُ الصواب. وبعد لحظة، كان الشاب الوسيم الملامح يأتي من داخل المكتب بكمية من الأوراق الصغيرة المربعة في صندوق، بينما انهمك زملاؤه في سَحْب منضدةٍ كبيرة وصفَّين من المقاعد الطلابية المزدوجة، ونصَبوا فوقَهم شمسيةً كبيرة.

كل شيءٍ أصبح جاهزًا الآن. وأشار العم يانغ إلى ذي البشرة السمراء الجالس إلى جواره، موجهًا كلامه إلى جمهور الواقفين، قال: «والآن، فإن الرفيق «مو»، نائب مدير مكتب الخدمات المتنوِّعة، سيُنادي على أسمائكم، واحدًا واحدًا، وكل مَن يسمَع اسمه يتقدم ليلتقط من هنا ورقةً صغيرة مربَّعة عليها أحد الأرقام، وبهذا الرقم يستلم العنزة.»

ما كاد الرفيق «مو» يتنحنح، تمهيدًا للمناداة على الأسماء، حتى صاح أحدهم فجأةً قائلًا:

«قبل كل شيء، لا بد من حصر قِطَع الورق ذات الأرقام، ومطابقتها بعدد الأغنام؛ فلا بد أن يكون العدد متساويًا بالضبط، دون زيادة أو نقصان.»

لم يفهم، آبينغ، بطبيعته التي تَغلِب عليها الطيبة والإخلاص، المغزى من كلام الرجل. وعندما حاول أن يستوعب ما قيل، على مهل، إذا به يسمع هتافَ وصياحَ الواقفين، في صوتٍ واحد: «تمامًا هكذا، هذا هو، لا بد من العَد أولًا، بالضبط، نعم!»

قبع مكانه الرفيق مو، نائب المدير، بسحنته السمراء وجسده النحيل، وهو يتطلع إلى صاحب الاقتراح بنظرةٍ متفحصة، فلاحظ أنه أسمر البشرة، وإنْ بصحةٍ وافرة وبنيانٍ متين، ربما كان في الرابعة أو الخامسة والثلاثين من عمره. أما الرفيق مو نفسه، فكان قد تجاوز الأربعين بقليل. المهم أنه أشاح عن الرجل صاحب الاقتراح، فاستدار وراح يرمق العم يانغ الجالس على مقعدٍ صغير عند الحائط القريب، ويضيِّق عينَيه كأنه يُوشِك على النعاس من كثرة الإرهاق. وتقريبًا، فلم يكن قد سمع شيئًا مما دار توًّا.

أراد الرفيق مو، باعتباره نائب مدير الخدمات المتنوِّعة، أن يحسم الأمر في الحال: «أنا أرى أنه لا داعي للعَد الآن؛ فهذه مسألةٌ بسيطة، وأي واحدٍ منكم يستطيع أن يحسبَ بنفسه، وهو واقفٌ مكانه. وأنا متفق معكم أنه لا بد أن تتطابق أرقام الكوبونات مع عدد الأغنام؛ هذا صحيح. ولن تكون هناك زيادة، أؤكِّد لكم.»

«المشكلة ليست في الزيادة، بل في النقصان»، أجابه الأسمر المتين البِنية.

كل هذا وآبينغ لم يكن يرى أية ضرورة للأخذ والرد بين هذا وذاك … وحتى لو كانت هناك زيادة، فما العيب؟ أو حتى لو اتضح أن ثمَّة نقصانًا، فما المشكلة في ذلك؟ … راح يلعن الرجل الأسمر، بينه وبين نفسه، ويعتقد أنه من النوع الذي يحب الانشغال بتوافه الأمور. ثم إنه ليس من قبيل الاحترام أن يناكف موظفًا كبيرًا ومسئولًا محترمًا كالعم يانغ؛ فما الذي يجنيه المرء من التناطح مع كبار المسئولين؟ فالمثل السائر يقول: مناكفة الطبَّاخ تجلب السُّم في الأكل! فما بالك بالرجل، وقد أتعب نفسه وسافر كل هذا المشوار من البلد البعيد «شانشي» إلى هنا لينقل إلينا قطعان المعيز، أيستحق منا الآن هذه المضايقة؟

صدق مَن قال … المشاكل مثل موج البحر، تأتي كل واحدة إثر أخرى؛ فبعد لحظة صاح شابٌّ يجلس عند حافة السُّلم المؤدي إلى الطابق الثاني، متسائلًا عن شيء بدا مهمًّا، لكن — قبل أن يتم كلامه — قام إليه آخر أكبر منه سنًّا، وحاول مقاطعته، لكن يبدو أنه كان قد صرَّح بأهم ما عنده، ولا مفَر من مواصلته:

«فماذا نفعل في العنزات التي أودعناها بحجرة الرياضة الواسعة بالداخل، هل يا تُرى سنُضيفها كلها إلى إجمالي العدد، أم بعضها فقط؟»

سرت همهمةٌ عالية بين جمهور المحتشدين، بعدما ظهر أن حجرة التربية الرياضية (المغلقة جيدًا، سوى من نوافذَ صغيرة في الجدار) تحتوي على عددٍ من المعيز. وأسرع البعضُ لينظر من النوافذ المُطلَّة على الساحة، استجلاءً لحقيقة الأمر.

«طبعًا، ستُضاف إلى إجمالي العدد!» بعد لحظة قصيرة من التردُّد، أجابه الرفيق مو، ذو البشرة السمراء والجسد النحيل، وسمع الكل صوته العالي وهو يرد عليه.

وكان الشاب الجالس عند حافة السُّلم صاحب السؤال المزعج، يحاول التفلُّت من قبضة زميله، الموظف الآخر، الذي هجم عليه يريد منعه من الكلام، وقال بنفس اللهجة والابتسامة الساخرة على وجهه: «معنى هذا الكلام أن الكوبونات التي عندك لن تزيد عن مائة وثمانية بالضبط. هذا طبعًا باستثناء عدد العنزات الصغيرة، المولودة منذ يومَين؛ فليس معقولًا أن نضيفَ إلى الكوبونات معيزًا ما تزال ترضع لبن أمها.»

«لا، لن نضيفها إلى العدد بالطبع!» ردَّ عليه الرفيق مو، وقد تكدَّر وجهه سخطًا، وفي سرِّه كان يلعن «هذا الكلب ابن … الذي لم يدَعْ للحساب أسرارًا.»

عندئذٍ، تكلَّم الرجل ذو البشرة السمراء، ابن الرابعة والثلاثين من العمر، قائلًا: «أقترح عليكم قراءة الكوبونات، بدءًا من آخر رقم، لتتأكَّدوا من أن مجموعها يبلغ مائة وثمانية.»

«نعم، هذا هو!» تردَّدَت الصيحات المتحمسة لرأيه، بينما لزم أكثر المحتشدين الصمت، خاصةً وقد اتضحَت جليًّا للعيان مظاهرُ الارتباك في وجوه الموظفين، فاكتفَى الكل بمراقبةٍ صامتة للملامح والتصرفات، عن كثب.

شيئًا فشيئًا، كانت عَيْنَا الرفيق مو، نائب مكتب الخدمات المتنوعة، تزداد جحوظًا، بالذات وهو يرمق الرجل ذا البشرة الداكنة التي تُماثل لون بشرته، هو أيضًا؛ كان لا بد أن يكبح جماح غضبه الذي أوشك أن ينفلت، وآه … آه، لو كان هذا الموقف قد حدث منذ سنواتٍ قليلةٍ ماضية؛ إذن لكان قد «سحق» هذا الكلب سحقًا، لكن الأيام تغيَّرت، واليوم غير ما قبله، فلا أن يملك زمام نفسه. ثم إن الطرق «اللاذعة» في التعامل لم تعُد محل قبولٍ أو رضًا من الناس في هذه الآونة.

عند هذا الحد، كان العم يانغ قد أفاق من غَفْوته، فانتبه وفتح عينَيه، وقام واقفًا يتمطَّى كمن صحا من رقادٍ طويل. ابتسم وتدخَّل في الكلام بلطف، قال:

«طيِّب، تعالَوا نتكلم جميعًا بوضوح أكثر؛ فنحن سافرنا كل هذه المشوار الطويل إلى «شانشي» لشراء المعيز. ولازم نعترف أن كل واحد من الرفاق الذين كانوا في السفر استبقى لنفسه عنزة. وهنا قد يأتي واحدٌ من حضراتكم ويقول إن هذه محسوبية وكذا وكذا، أليس كذلك؟» ابتسم في كل الوجوه وتوقَّف برهة. ثم كان هو الذي أجاب على سؤاله بنفسه، قائلًا: «أقول لكم بكل صراحة، الأمر ليس فيه محسوبية من قريبٍ أو بعيد، على الإطلاق؛ فالرفاق تعبوا كما تتعبون كلكم، وهؤلاء ناسٌ مثلي ومثلكم، وهذه طبيعة الناس، ومن حق الذين تعبوا أن ينالوا شيئًا على سبيل المكافأة، وإلا فلن يتحمس أحدٌ لأن يترك بيته وأولاده ويسافر ويتعب، وسيقول كل واحدٍ منهم لنفسه: لماذا أسافر؟ ألم يكن من الأجدى توفير الجهد والعناء؟»

«كلام معقول جدًّا، ولنأخذ بهذا المنطق، أنا معك»، قال الرجل ذو البشرة الداكنة، مبديًا التفهم التام، دون الدخول في جدل وتفاصيل، وواصل قوله: «بهذا الحساب، أيها العم يانغ، فلنخصم من العدد خمس عنزات. وانظر إن كان لديك الآن مائة وثلاثة كوبونات.»

في تلك اللحظة، جاء من ناحية الحجرة الكبيرة — التي جُمعَت فيها المعيز، وبطول الممر الجانبي — جاء رجلٌ قصير في نحو الأربعين من عمره، وقف قريبًا من الحشد ورفع يده اليمنى، فاردًا أصابعه الخمس، كأقلام مُشرعة، وتكلم بصوتٍ أجش، قال:

«ليسمعني الجميع هنا، أنا اسمي «تيو». وكنتُ مع الفريق المسافر لشراء الغنم من شانشي، وأعلن أمامكم جميعًا أني متنازلٌ عن حقي في الحصول على أية عنزة!»

«جميل جدًّا. وما دام الأمر كذلك، فاخصموا أربعَ عنزاتٍ فقط من إجمالي العدد.» قال الرجل الأسمر: «يعني المفروض أن يكون معكم الآن مائة وأربعة كوبونات.»

عند حافة الدرَج، اعتدل الشاب واقفًا، فرفع يده هو الآخر وأراد أن يقول شيئًا، لكن القاعد إلى جواره جذبه بعنفٍ فأجلسه، ثم صفَعه على وجهه، دون أي رد فعل من جانبه، كأن بينهما درجةً من التعارف أو التفاهم تسمح بقبول سلوكٍ غليظ من هذا النوع، وربما كانوا أقرباء!

«أنصِت، أيها المحترم «تشانغ»، أنا لم أنتَهِ من كلامي بعد»، واصل العم يانغ حديثه إلى الرجل ذي اللون القاتم، وإلى جمهور المشترين في نفس الوقت، وقد امتلأ الوجه المدوَّر بابتسامةٍ خالصة الود، ابتسامة توحي بالفهم التام لكل تلك الأشياء التي ترتسم فوق الملامح، من دون أن تعبِّر عن نفسها بلسان المتكلم، قال: «الأمور الآن أصبحَت أكثر تعقيدًا عما مضى، وربما كان البعضُ منكم يعرف الظروف. ونحن اليوم قد اشترينا المعيز، لكن كل موظف ورفيق في الكومونة يريد شراء إحدى العنزات. ومن ناحيةٍ ثانية، فهناك حاجةٌ مهمة لزيادة الثروة الحيوانية بالمناطق الجبلية النائية، مثل منطقتنا، ولا بد من تشجيع الموظفين على المبادرات المثمرة، فقل لي أنت، هل نعطيهم من الغنم أم نمنعهم؟»

هنا، عاد العم «تيو»، الواقف عند مدخل الممر المؤدي إلى محبس الغنم، يرفع يده اليمنى مجددًا، بأصابعه المفرودة على استطالتها. ولعلَّها عادةٌ راسخة فيه من قديم، قال:

«للمرة الثانية، أيها العم يانغ، أؤكد للجميع أن معظم موظفي الكومونة هنا متنازلون عن حقهم في الغنم المجلوب من شانشي. وحسب معلوماتي الشخصية، فهناك أيضًا بعضٌ من أهالي الكومونة رفضوا شراء المعيز.» انتهى كلمته، وأطبق شفتَيه مبتسمًا، وهو يخفضُ ذراعه جانبًا. ذلك هو العم «تيو» بقامته القصيرة؛ وليس قِصَر قامته هو الذي يشد انتباه مَن لا يعرفه جيدًا، بل ما يتولد من انطباعٍ سريعٍ عنه كشخصٍ محبٍّ جدًّا للظهور. لكن مَن يعرفونه عن قُرب يحبونه؛ لأنه طيب ونزيه، وأكثر الناس قدرةً على المصارحة، دون تردُّد.

«صحيح، فعلًا؛ ليس كل الرفاق من موظفي الكومونة يريدون شراء الغنم.» بمزاجٍ متعكرٍ قليلًا، حاول العم يانغ الاستطراد في تأكيد حُجته، من زاويةٍ أخرى: «لكنَّ هناك آخرين، مثل موظفي قسم الماكينات الزراعية الذين نقلوا المعيز على المقطورات، ورئيس قسم الجرَّارات والسائقين وآخرين مثلهم، طلبوا نصيبهم من العنزات، فهل تتجاهل كل هؤلاء؟»

«بنفس هذا المنطق، فلا بد أن تُعطوا نصيبًا لناظر المدرسة هو الآخر، وللمدرِّسين أيضًا.» التقط الرجل الأسمر خيط الكلام، واستنتج على منواله.

«لا، ليس إلى هذه الدرجة؛ فليس عندنا ما يكفي لكل هؤلاء، لكن ما أردتُ التأكيد عليه هو أن هناك الكثيرين ممن يريدون لأنفسهم نصيبًا من البضاعة.» هنا توقَّف العم يانغ ريثما يلتقط أنفاسه، هز رأسه وعلاماتُ الحَيْرة والإرهاق باديةٌ على ملامحه، بدرجة تحركَت لها مشاعر آبينغ؛ فسرعان ما تعاطَف مع يانغ … «هذا المسكين الذي تنهال فوق رأسه المشاكل، ووجع الرأس!»

لم يكن للرجل الأسمر قلبٌ عطوف كهذا، بل كان قلبُه جلمودَ صخر؛ إذ إنه صاح بكلِّ جحودٍ قائلًا: «لا يهمُّنا إن كان هناك كثيرون أو قليلون، اعمل حسابك أن تُكرم الناس أولًا، وأنت حرٌّ فيما تُبقيه للموظفين؛ فأهم شيء أن يتبقى للناس النصيب الأكبر من الغنم.

فاض الكيل بالرفيق «مو»، واكفهرَّت ملامحه، واستولَت عليه سَورةُ غضبٍ هائل، تشوَّشَت منها أفكاره؛ فلم يعُد يدري ماذا يقول. انتزع الصندوق المليء بالكوبونات من يد الشاب الوسيم، فألقى به بعنفٍ فوق المنضدة، مُحْدثًا صخبًا مُدوِّيًا على أثر الارتطام ارتجَّت له جنباتُ المكان، وفزعَت الطيور الجائمة في الطيقان وأسطح المباني وولَّت هاربة، وتناثرَت الكوبونات في أنحاءٍ متفرقة فوق الأرض والمنضدة.

«إذن، فتعالَ … تعالَ واشتغل أنت بدلًا منا!» زعق غاضبًا، «الواحد منا كاد يموتُ من التعب، وأنت تصدع رءوسنا وتتكلم على هواك، كأن الأمور سهلة إلى هذا الحد!»

نظر الرجل إليه مرتبكًا، اختلج جفنُه مراتٍ متوالية، وقال له:

«وهل ممنوعٌ أن أتكلَّم وأقول لكم رأيي؟» كانت لهجتُه هادئة، لا تنمُّ عن رغبة في التصعيد أو الشِّجار.

جاء دَورُ العم يانغ لكي يزجر الجميع ويهدِّئ الموقف: «خلاص، خلاص، يا حضرات.» اتجه صوب الرجل الأسمر، فقال له: «كفى، إلى هذا الحد، يا أستاذ «تشانغ». وليوفِّر كل واحدٍ منكم كلامه، وأنا سأشرح لكم كل شيء بوضوح، بعد أن نفرغ من الشغل الآن. ولا بد أن يعلم الجميع مدى الإرهاق الذي أصابنا على مدى الأيام القليلة الماضية؛ فعذرًا إذا توتَّرَت أعصابُنا … هيا تعالَوا اجمعوا هذه الأشياء المتناثرة، هيا بسرعة، فيمَ تقفون هكذا؟» واستغل فرصة انشغال الموظفين مع الشاب ذي الملامح المهذبة — في جمع الأوراق والكوبونات المتطايرة — واتجه صوب الرجل الأسمر، وجذَبه من ذراعه فانتحى به جانبًا، ليشرح له الموضوع … بوضوحٍ تام!

فرغ صبرُ كثيرٍ من المحتشدين، وانطلقَت صيحاتهم واحدًا بعد آخر: «متى تنادون على الأسماء؟ لِمَ كلُّ هذا التلكؤ حتى الآن؟ نحن أيضًا لدينا أشغالنا ومصالحنا!» وقال أحد المزارعين بصوتٍ خفيض: «أنتم تضيِّعون الوقتَ في الكلام، والمهم أن تُنجِزوا شيئًا.»

ما هي إلا دقائق، حتى أخذ العمل مساره بكل سلاسة. أسرع العم يانغ فأخذ الصندوق من يد الموظف الشاب، وأخرج الكوبونات ووضعها أمامه، بينما انهمك الرفيق مو في المناداة على الأسماء المسجَّلة في القائمة. وتم سَحْب المعيز من المخزن على الترتيب. وطبعًا، فقد استغرقَت هذه العملية وقتًا طويلًا بعض الشيء، فسارت الأمور ببطءٍ ملحوظ، لا سيما وقد تطلَّب الأمرُ فرزَ العنزات حسب الأرقام المعلَّقة في أعناقها؛ فلم يكن الموضوع سهلًا بأية حال.

كان الصبي جياومو وأخوه، منذ وصولهما، قد قفزَا بين حشود المشترين حتى انتهَيَا إلى أول الصفوف، ليتفرَّجَا على الساحة والموظفين والمكتب والصخب الدائر في هذه الناحية، بينما انتحى آبينغ جانبًا وجلس تحت ظلال شجرة اﻟ «كويهوا»، بعيدًا عن الضوضاء الجارية من حوله. بَيْد أنه أدرك — على نحوٍ ما - شيئًا من فحوى الجدل الدائر؛ فالموضوع كله ينحصر في أن إحجام الموظفين عن عد الكوبونات ومقارنتها بالكشوف يرجع إلى أنهم تواطَئوا خفيةً على انتقاء عددٍ من العنزات وإخفائها لتكونَ تحت تصرُّفهم. ومع ذلك، فلم يكن ليلومَهُم على شيءٍ مثل هذا. لماذا؟ لأن هؤلاء الناس يتعبون ويشقَون أكثر مما نتخيل، ثم إنهم أيضًا يُحبُّون أن «يأكلوا هنيئًا من يد الطباخ، دون أن يضع لهم السُّم في طعامهم!» وفوق ذلك، فهم أيضًا مثل كل الناس، لهم معارفهم وأقرباؤهم الذين يتوقَّعون المجاملة. وعند هذه النقطة بالذات، انتعَش في قلبه طيفٌ من الأمل: تُرى هل يكون مِن بين المعيز التي استأثر بها الموظفون ثمَّة عنزة اختصَّه بها العم يانغ؟

خطرَت الفكرة على باله، وتأمَّلَها قليلًا، وقال إنه ليس بعيدًا حقًّا أن يكونَ هذا هو ما يجري الآن؛ وبالتالي، فلا داعي لأن يُتعب نفسه بمتابعة عملية الشراء، وليجلس هادئًا في الركن القريب. فربما ناداه العم يانغ ليستلم عنزته، بعد أن ينفض كل هذا الصخب مع الآخرين.

بالصدفة، ترامى إلى سمعه حوارٌ دائر بين اثنَين من الواقفين، غير بعيد عنه، قال أحدهما للثاني: «ليتَني أحصُل على العنزة المسجَّلة تحت رقم ٣٧»، رد عليه الآخر قائلًا: «بل العنزة رقم ٩٩ هي الأفضل بين القطيع كله، هكذا كما أقول لك.»

عاد مُحاوِره يقول: «أيًّا ما كان الأمر، فلست أحب أن يكون الرقم ٣٣ من نصيبي.» قال له الثاني: «أعجف المعيز جميعًا هي تلك المسجَّلة برقم ٦٦؛ فمنظرها يوحي بأنها مريضة؛ فهي نحيفةٌ ومهزولةٌ للغاية، مثل هذا الجالس هناك تحت شجرة اﻟ «كويهوا».

لمَّا أدرك آبينغ أن الكلام يشير إليه هو بالذات، تضايق وقال في نفسه: لماذا يجب أن تكون هناك عنزةٌ عجفاء ونحيفة مثلي؟

خيَّم الهدوء، فجأةً، على الساحة، عندما نُودي على اسم الرجل الأسمر. ولأنه كان صاحبَ الجلَبة التي دبَّت بين الجميع، فقد تركَّزَت عليه الأنظار لترى أية نعجة سيحصل عليها بعد كل الضجَّة التي تسبَّب فيها، منذ الصباح. قام واقفًا آبينغ في شيءٍ من الفضول، وأخذ يتابع الرجل وهو يتقدَّم خطوات، ويمُد يده تجاه الصندوق، ويلتقط أحد الكوبونات ليقدِّمه مباشرةً إلى العم يانغ الجالس أمامه، وعلى وجهه أمارات الضيق، فتسلَّمه منه وقرأ الرقم بصوتٍ جَهْوري:

«الرقم ٩٩.»

بصوتٍ خفيض جدًّا، واصلَ كلامه للرجل الأسمر، قال: «من حظك؛ فهذه عنزةٌ جيدة.»

سرَت همهماتٌ بين جمهور المشترين؛ فمِن قائل: «يا له من محظوظ!»، ومِن متشكِّك يرى أنه سيِّئ الحظ تمامًا، وأن في الأمر خُدعةً ما.

مشى الرجل خارجًا، وهو يسحب العنزة رقم ٩٩، ونظراتُ الإعجاب تُلاحقه، وتُشيد بمزايا المعزى … انظروا كم هي طويلة العنق! قوية مكتنزة ودقيقة الحافر! والبعض امتدح ضخامة الجسد، قائلًا إن: «بطنها مدوَّر وظهرها عالٍ، حتى ليمتطيها المرء مثل حمارة!» وفي ناحيةٍ أخرى من الصفوف ردَّد البعض كلامًا بصوتٍ خفيض، قالوا: أحسن المعيز على ما يبدو هي تلك المُودَعة بقاعة التربية الرياضية.»

مشى الرجل الأسمر أمام الصفوف متهلِّل الأسارير، فمضى خارجًا، وهو ساحبٌ عنزته في تُؤدة.

عاود آبينغ الجلوس تحت ظلال «الكويهوا» هادئ النفس؛ فما دامت العنزات الموجودة في القاعة الداخلية للمدرسة أفضلَ من تلك التي سحبها الرجل، والمسجَّلة برقم ٩٩، فلا عليه إن جلس مطمئنًّا دون أن يشغل ذهنه بالتفكير في أية منغِّصات؛ فليبقَ مكانه هانئ البال، ومثله لا ينبغي لخاطره أن تهجسَ به الظنون؛ لأنه من بين الذين يملكون مسالك ودروبًا «غير منظورة»، ومتحقِّقة النوال، من دون أدنى شك. شطح تفكيرُه إلى لحظة خروجه من الفِناء الرَّحْب ساحبًا عنزته عائدًا بها إلى البيت؛ حيث تَلْقاه المرأة بفيضٍ من الثناء.

في تلك اللحظة بالضبط، جاءه ولده الكبير يختلس الخُطَى بين الصفوف، فأعطاه ورقةً صغيرةً مطوية، حسبها رسالةً من طرف العم يانغ، لكن الولد أسرع يقول له: «لقيتُ هذه الورقة ملقاةً قريبًا تحت قدمِ العم يانغ، فلما حرَّك رجلَه قليلًا جريتُ وأخذتُها فجئتُ بها إليك، والعنزة التي خرج بها العم الآن ليست ذات الرقم ٩٩، بل ٣٣».

لم يلبث آبينغ أن زجر ابنه كي يخفِّض صوته، وتلفَّت حوله خشية أن يكون أحدهم قد أنصَت لما قيل توًّا. أدرك الولد على الفور مقصدَ أبيه، فجرى مخترقًا الصفوف من حيث جاء. تذكَّر آبينغ أنه سمع — منذ قليل — مَن راح يؤكِّد لجمعٍ من المشترين أن العنزة التي تحمل رقم ٣٣ ليست جيدة، والأسوأ منها هي التي تحمل رقم ٦٦.

تهادى إلى سمعه صوتُ مناداة، وحاول أن يُنصت؛ حيث بدا له أنهم ينادونه:

«فااان آآبينغ!»

تلفَّت حوله مُرهفًا السمع.

«فاان آبينغ!» كان الصوتُ واضحًا هذه المرة، لكنه كذَّب أذنَيه.

«هل فان آبينغ موجود؟» تردَّد النداء بصوت الرفيق «مو» دقيقَ النبرات مُشبعَ الرنين.

«بابا … تعالَ بسرعة!» كان جياومو ينبِّهه ويستحثُّه.

«نعم، أنا ققا… قادم إليكم!» قام مرتبكًا وهو يردُّ متلعثمًا، فتجاوبَت ضحكاتٌ خفيضة بين الواقفين.

اضطَربَ قليلًا واحمرَّ وجهه المسحوب، ولم تكن عيناه الثوريتان لتجرؤا — في تلك اللحظة — على التطلُّع إلى الصف الطويل، فمضى في طريقه مخترقًا الحشد تجاه العم يانغ. ثم اكتشف أن الصندوق المليء بالكوبونات لم يعُد في يد صاحبه.

«تعالَ إلى هنا، مُد يدك واختَرْ كوبونًا»، قال له الشاب ذو الوسامة والملبس الأنيق، وهو يقرِّب إليه الصندوق، فمضى إليه من فوره، ووضع يديه كلتَيْهما بداخله، وراح يقلِّب الكوبونات حتى التقط واحدًا منها بيد، بينما التقطَت يده الأخرى كوبونًا آخر، فآثر أن يتقدَّم بهذا الأخير إلى الموظف الشاب، وراح يتطلع إليه بكل الثقة وهو يقرأ الرقمَ المدوَّن.

«كيف هذا؟ كيف يتكرر نفس الرقم … نفس الرقم ٩٩؟» صاح الشاب في دهشة، متطلعًا إلى رئيسيه، وقد امتلأ الوجه الوسيم بالحَيْرة.

«كيف؟ هات الكوبون، أرِني كيف حدث هذا؟» مدَّ العم يانغ يده فأمسك بالكارت، وراح يتفحَّصه ثم قلبه بيده، وقال بهدوء: «أنت قرأتَ الرقم مقلوبًا، الصحيح أن تقرأه هكذا ٦٦».

تردَّدَت الهمهمات وسط الصف، ولم يستطع آبينغ أن يميِّز منها شيئًا؛ لأنه شعر بطنين في أذنَيه. وكل ما استطاع أن يدركه مما قيل حوله لا يزيد عن عبارةٍ قصيرة … «العنزة رقم ٦٦ أسوأ واحدة في القطيع كله، ليس هناك حظٌّ أنكد من هذا!».

هنالك، سمع الموظف الآخر، الواقف عند الممر، ينادي:

«الرقم ٦٦، فان آبينغ.»

مذهولًا، راح يتطلع بعينَيه المسحوبتَين، كعينَي ثور، تجاه الممَر.

جيء إليه بالعنزة المسجَّلة بالرقم ٦٦، فإذا بمنظرها يبعث على الرثاء؛ كانت مهزولةً عجفاءَ لم يكَد يبقَى من جسدها إلا هيكلٌ عَظْمي يتحرك، في رأسها قرنان معوجَّان ناتئان بشكلٍ غير عادي، والوجه مسحوبٌ يكاد يطابق وجه فان آبينغ نفسه، كأنهما قُدَّا من طينةٍ واحدة، وتشكَّلا على نفس القالب، حتى عيناه المسحوبتان كعينَي ثور كان للعنزة أيضًا مثلهما. وقد لاحظ ذلك عندما رآها تحدِّق فيه بثبات. تبادَر إلى سمعه ضحكٌ مكتوم من بعض الواقفين في الصف. ضحكاتٌ لم يَملِكوا كِتْمانها.

أدار الحبل حول رقبتها، وأحكم وثاقه بيدٍ مرتعشة، دون مراعاة للتعليمات التي كانت تقضي بعدم التضييق على رقاب الدوابِّ عند سحبها، خصوصًا هذه العنزة التي كان يمكن لحبلٍ مربوطٍ بإحكام أن يُزهقَ أنفاسها قبل أن تخطوَ خطوتَين … يا لَلعبة الأقدار معه! هكذا قال لنفسه، وهو يمضي محزونًا، بلا حيلة.

صاح الولد جيامو باكيًا:

«بابا، دَعْك من هذه العنزة، لا نريدها، ألا تنظر إلى وجهها؟ مثل وجه الشيطان هي.»

قال له: «خلاص، نحن اخخخترنا … اخخترنا الرقم، ولا … لا يمكن أن نننرفضها.»

لمَّا سمعهما الصغير شياوجيا يتكلمان هكذا، ظن أنه سيخسر العنزة، فصاح بأبيه أن يمضي بها عائدًا إلى البيت، ليتفرَّج مع أقرانه عليها.

رفع آبينغ وجهه إلى العم يانغ، متطلعًا إليه في توسُّل، قال:

«قققل لي بببأمانة، هل العنزة سسسليمة أم بببها عيب؟»

تأمَّلَها الرجل قليلًا، وأجابه بكلامٍ محدَّد، قال: «أؤكِّد لك أنها سليمة تمامًا، ربما أتعبها المشوار الطويل … يومان من السفر الشاق، كل ما عليك أن تعلفَها جيدًا، وستجدُها مليئة بالعافية، في مدة بسيطة.»

سحب وراءه العنزة رقم ٦٦ ومشى في طريقه، وبجواره الولد الكبير الذي يشبهه في استطالة وجهه. وجهان طويلان مسحوبان يغشاهما الانكسار. فقط الولد الأصغر، وحده، بوجهه العريض، يتقافز لاهيًا يكاد يطير فرحًا. ووحده أيضًا الذي اقترب من مؤخِّرة المعزى، فضربَها وهو في غمرة شقاوته، بَيْد أنها أدارت نحوه وجهًا ساخطًا وقرنَين مُشرعَين بالتهديد، فتبدَّدَت ضحكاته العابثة، في الحال.

مشى آبينغ ساحبًا عنزته المرقَّمة بالعدد ٦٦، ولم يكن له أن يدري بما كان يجري في الممَر الداخلي بالمدرسة؛ حيث جاء الدور على أحدهم في الاستلام، ولما نظر الموظف الشاب الرائق الملامح في الكوبون الذي أمامه صاح مرتبكًا: «غير معقول، هذا رقمٌ متكرر أيضًا. ألم نكن منذ قليلٍ قد سحبنا الرقم ٦٦؟» ومَدَّ العم يانغ يده، فأخذ الورقة متمعنًا فيها، ثم قلبها وهو يقول: «يا بني، الرقم هنا ٢٢، أنت قرأته بالمقلوب.»

في طريقه إلى البيت، كان آبينغ يستعيد تفاصيل الأشياء في ذهنه، والصورة تتكشَّف له بالتدريج. فكَّر وقال لا يهم، ليس مُهِمًّا إن كانت العنزة سمينة أو هزيلة، والجميع سيعودون آخر المطاف إلى بيوتهم بواحدة من هذه أو تلك، وكل بضاعة لها مشتريها. فإن لم تكن أنت المشتري فغيرك آخذها، ولا يبقى في حوزة الموظفين إلا أجود الأشياء؛ لأنهم لن ينالوا إلا ما طاب. وعلى منوالهم، يشتهي كبار مسئولي الكومونة أحسن المعيز. ولئن كان الجميع محتفظين لأنفسهم بالأطيب، فمَن إذن سيأخذ سقط المتاع؟ العم يانغ معذور، وليس في يده حيلة لهذا الأمر؛ لذلك، فلا يجب أن يشكو المرء مما وقع في نصيبه. وإذا كان هناك مَن يستحق اللوم في جلب المتاعب فهو آبينغ نفسه، ساعة أن تعرَّض للمرأة — وهو في الطريق لشراء المعزى صباح اليوم — فكان هذا سببًا للنحس الذي جلبه على نفسه من حيث لا يدري. ولو كان في قلبه ذرة عتاب على العم يانغ، فقد تبدَّدَت الآن تمامًا.

(٧) سيل من الشتائم في استقبال العائد بعنزة

التمس آبينغ العذر للعم يانغ، لكن امرأته لم يكن عندها استعدادٌ لشيء من هذا القبيل. وكانت قد دخلَت من الباب المؤدِّي إلى الفِناء لحظةَ دخول آبينغ ساحبًا العنزة، فانقلبَت سحنتُها البيضاء المستديرة إلى الانقباض على الفور. تراجعَت خطوةً إلى الوراء، ثم دارت حولها تتفحَّصها وتقلِّب فيها النظر. ولم يلبث سيل الشتائم أن انهمَر مِدرارًا على لسانها الحاد. وصل عددًا من الجيران خبرُ شراء آبينغ للمعزى، فجاءوا يستطلعون الأمر، وأثاروا بمجيئهم جلبةً هائلة، لكنهم فوجئوا عند الوصول بصياح امرأته:

«بحق أجداد أهلك، يا آبينغ، هل هذا ما جئتَني به؟ هل هذا منظر عنزة؟ لماذا انتقيتَها شاحبةً مهزولة، جِلدًا على عظام، يكاد جِلدها يتهشَّم بمجرد لمسة! هذه عنزةٌ عجوز … كلَّا، بل هي أسنُّ مخلوقٍ رأيتُه في حياتي. هي حتى أسنُّ مني أنا بعشر سنواتٍ على الأقل، فهل سأجد لبنًا في ضرعها؟ وكم تُدر عليَّ في اليوم؟ لا أظنُّني سأجد قطرة حليب في هذا الضرع اليابس مثل ثمرة باذنجان ذابلة. تبدو مُسِنَّة حقًّا، لدرجة أنها قد تعجز حتى عن التبول. كم أخشى أن تموت وقد حُصر البول في بطنها؛ فما بالك إذا حاولنا استدرار لبنها؟ هل أنتِ عنزة مثل كل المعيز، يا أم الشيطان؟ أكلمك كأني أكلم شيئًا يسمعني … شيء بعيونٍ خضراء يحدِّق فيَّ دون أن تطرفَ عيناه مثل شيطان، أنت أيها العفريت الغبي … أكلمك الآن أيها الغبي، فاسمع ملء أذنَيك القذرتَين!»

هاتان العبارتان الأخيرتان كانتا ضمن كلام المرأة للعنزة الجبلية.

وقتئذٍ، أراد شابٌّ من الجيران أن يبدِّد مشاعر المرأة بالخسارة، فألقى بقفشاته الظريفة:

«لا تنسي، يا خالة، أنها عنزةٌ من «شانشي»، يعني من أهل الجنوب؛ ولذلك، فهي لا تفهم لهجتَنا هنا، ولا أظنها تعرفُ إن كنتِ تمدحينها أم تسُبِّينها. كان عليكِ أن تحدِّثيها بلهجة الجنوبيين.»

«وأين لي برطانة أهل «شانشي»؟» ردَّت سريعًا، وواصلَت بلسانها الحاد، «ثم إني لستُ بهيمة كي تعلِّمني أحاديث الحمير والخرفان، فإن كنتَ جئتَ لتتسلى بمصيبتنا، فلتُمسِك لسانك عناء هذه الساعة!»

وقع الحرج عليه مثل موقد مُسعر بالنار، وأدرك أنه ليس كفئًا لمحاورةٍ حامية، فسكَت.

كل هذا والعنزة واقفةٌ مكانها. ثم دبَّت الحركة في أوصالها. ربما بعد كل ما دار حولها، أرادت أن يكون لها «حضورها» الخاص، أو عساها أرادت أن تقدِّم تحيتَها بطريقتها للمرأة صاحبة الدار، خصوصًا بعد هذا السيل الغامر من الترحيب العاطر بمجيئها؛ فالسكوت في وجه كرم الضيافة عارٌ وسوءُ أدب! باعدَت ما بين رجلَيها الخلفيتَين (الهزيلتَين كحبلٍ رفيعٍ من كتَّان)، ثم أناخت النصف الثاني من الظهر بالمؤخرة، كأنها توشك على طقس الركوع أمام سيدتها.

لكنه الركوع الذي لم يرُقْ لامرأة آبينغ، لأنها عرفَت ما وراءه، فاستشاطت غضبًا، وزعقَت: «آآآييوو، جئنا على ذِكر البول فبالت! كأنها تقول لي إنها بصحة وعافية، هيا إذن بُولي لأجل خاطر أمك! هيا، أريني كيف تبولين يا امرأة العفريت!» راحت زوجة آبينغ هي الأخرى تُوسع ما بين ساقيها، وتُراقب العجفاء المصرِّفة لبولتها، تقول لها: «ماذا؟ هل هذا كل ما عندك؟ أليس لديكِ شيءٌ آخر غير تلك القطرات الضئيلة؟ وهل يُعَد هذا تبوُّلًا طبيعيًّا علَّمَتكِ إياه أمك العجوز؟»

ارتجَّ الحوشُ بضحكات الجيران على كلامها للمعزى.

لكن المرأة نفسها كانت أتعسَ من أن تشاركهم الضحك.

واتجه آبينغ إلى صخرةٍ مربعةٍ عند الباب، فقعد عليها متجهمًا.

أما العجفاء الجبلية ذات الرقم ٦٦، فدارت بعنقها وثبتَت أنظارها على الواقفين في الفناء، وقد لبثَت مكانها دون حَراك، كأن ثمَّة شعورًا بالخزي قد حطَّ عليها. وجاء إليها الصغير شياوجيا بحزمة حشيش ليُطعمَها، لكنها لم تقرَبْها. تكلَّم أخوه الأكبر ليكشفَ اللثام عن خبيئة أبيه، ويقدِّم للجميع شهادةَ توريطٍ واضحة: «ماما، لم أكن أريد هذه العنزة بالذات، لكنه أبي الذي أصرَّ بشدة على انتقائها!»

«حتى الولد الصغير كان أكثر وعيًا منك، ما الذي دهاك هكذا؟ ألستَ كبيرًا بما فيه الكفاية؟» انهالت امرأته عليه: «أنت ستقضي عليَّ، ستُهلكني بتصرفاتك الخرقاء، لا أدري أين أضعتَ حذقك وعقلك؟ وتجلس أمامي — بعد كل هذا — فلا تنتفض وتقوم تسحب هذا الشيء، عائدًا به من حيث جئت، وتُعيد لنا السبعين يوانًا، فنرتاح من الديون الثقيلة.»

أخذ آبينغ، ذو القلب الطيب، يحدِّق فيها شزرًا بعينَين جاحظتَين كعينَي ثورٍ حانق، وازداد تلعثُمه وهو يقول لها: «الكككلام سسهل، ما أسسهل أن تتتطلبي إرججاعها، طططيب، اذذذهبي وقولي لهم لا نننريدها، قققولي لهم خخذوها ولا نننريدها، سساعتها لن يعططوكِ نننقودك!»

«يا لَلعجب، لماذا لا أستعيد نقودي؟ ألم ترجع إليهم بضاعتُهم سليمة؟ هل قطعتُ لحمها وشويتُه؟ هل تنقُص رقبةً أو ذراعًا؟ هل كسرتُ لها قرنَيها؟ لماذا لا يعيدون النقود إذن؟»

«إذا ككنت لا تريدينها فهذذذه مشككلتك … ثم إن أحددًا لن يأخذذها ما دددامت بضضاعةً راجعة.»

ما إن نطق بعبارته الأخيرة حتى استعرَت نارُ غضبها، فانفجرَت فيه:

«أهكذا؟ وهل لأن أحدًا لن يرضى بها غيري، أُضطَر أنا إلى أن أقبلَها رغم أنفي؟ وهل أنا سيدة القناعة المثالية، هل أنا إذن «العمة المتسامحة»؟ أي كلامٍ هذا؟ ومَن يقبل هذا الظلم؟»

وجد الولد جياومو الفرصة تسنح للمرة الثانية، كي يكشفَ مستورًا ثانيًا، فصاح قائلًا: «أتعرفين يا أمي، أني كنتُ التقطتُ ورقةً رقمها ٩٩، وقالوا لي إنه رقم أفضل عنزة عندهم، فأخذها منا الرجل المدعو «تشانغ» — الذي يأتي بالمعيز من المخزن — وأعطانا بدلًا منها رقم ٣٣، لكن العم يانغ قال إن رقمنا الصحيح يجب أن يكون ٦٦، وأصرَّ على إعطائنا هذه المعزى اللعينة.»

«أنت ولد ككذاب، مماذا تتتفهم أنت؟ هل ععندك عقلٌ تتتفهم به مثل الننناس؟» صاح آبينغ زاجرًا ولده.

«أبدًا، يا بابا، هذا حصل فعلًا، أنا لم أكذب!» دافع جياومو عن نفسه بإصرار.

انبجسَت التأوهاتُ المتحسِّرة من صَدْر المرأة، وتدفقَت كلماتُها الغاضبة مثل سهامٍ متأجِّجة باللهب، اندفعَت سيلًا متتابعًا حتى كادت تتحشرج وتنكتم أنفاسها من اللهاث الحانق: «ولماذا يتصرَّف العم يانغ معك بهذه الطريقة؟ هه؟ الرجل ذو الضمير الأسود! يا لك من رجلٍ قاتم السحنة أسود القلب! كانت تنعتُه بأخسِّ الصفات، وكأنها تحدِّثه وجهًا لوجه) … أهذا هو الذي قال بأنه سوف يساعدك في شراء أحسن الغنم؟ كم نصحتُك ألا تصدِّقه، وألا تأخذ كلامه على محمل الجد، لكنك جادلتَ بأن كلامه محل ثقة وأنكم أصدقاء من زمنٍ بعيد، لكن الرجل الآن تولى منصبًا كبيرًا في الكومونة، يروح ويجيء هنا وهناك، والناس تعظِّم شأنه لأنه مسئولٌ كبير، وأنت تعرف عنه الكثير، وتُغلق فمك، لكنه لا يغلق فم الجشع، أليس كذلك؟ إنه حتى لم يكلِّف خاطره بأن يفعل شيئًا بسيطًا من أجلك. لديه كل شيء، ومع ذلك فلم يكلِّف نفسه بأن يضع في فمك قطعةً من الكَرز! والغريب أنك ما تزال تثق به حتى الآن، تثق به ولا تحاول أن تسحب العنزة المعطوبة، وتذهبَ إليه فتقول له أن يُسَوِّيَ الأمر بلا ضوضاء، هذا هو الحل!»

دارت به الأرض. لم يَدرِ ماذا يفعل … «لكن كيف؟ وما ذذذنب العم يانغ إذذا كككنت أنا الذي سحححبت الورقة؟» استاء مما قالته امرأتُه على ملأ من الناس؛ فلم يكن يحق لها أن تتكلم بهذا الشكل أمام الجيران. لم يكن يحق لها أن تتناولَ العم يانغ بهذه الأسلوب، هل هذا معقول؟ عمومًا، فقد كان يعرف — في قرارة نفسه — أن كلامها تعبيرٌ عن قلَّة حيلتها، وهو لن يستطيع أن يفعل شيئًا حيال ذلك، لم يبقَ في جَعْبته سوى الارتباك، وكلما ارتبك استفحل تلعثُمه.

«الورقة، إذن، كانت من اختيارك ويا لَسوء ما اخترت!» واصلَتْ تقريعه، «اذهب الآن إلى الرجل، وحاول أن تجد حلًّا وتسوِّي الأمر معه، بأية طريقة، حتى لو اضطُررتَ لأن تطأطئ رأسك له، راكعًا متوسلًا؛ فالعم يانغ ذو سلطةٍ نافذة (أظفاره حامية، وإذا أنشَبها في جسد فسيؤلمه بحق، بل ويدميه).» التقطَت أنفاسها سريعًا، ودارت بجسدها نصف دائرة، وقصدَت أن توجِّه كلامها إلى آبينغ من جانب، والجيران من جانبٍ آخر، استكمالًا لنفس لهجة التأنيب التي ابتدرَتْه بها، حين جاء من السوق: «ألم أقل لك بأن أذهب أنا، عندما جاءنا الخبر صباح اليوم؟ قلتُ أذهب أنا بدلًا منك، لأنك طيِّب القلب، ولا تدقِّق كثيرًا، إذا أعطَوك بضاعة تالفة، لكنك رفضتَ ذهابي بدعوى أن العم يانغ صاحبك، صديق عمرك، ولن يبخسك حقًّا؛ لأنه هو نفسه الذي وعدك بذلك، حتى تصوَّرت أنه سينتقي لك عنزةً مصنوعة من ذهب. وها هي طيبة قلبك! انظر نتيجة ما جاءنا من طيبة قلبك: عنزة مهزولة سحنتها كوجه عفريت! كنت تبدو صباح اليوم، وأنت تتأنق وترتدي أحسن هدومك، كأنك ذاهبٌ لحفل عُرسك. كنتَ تبدو كأنك ستعود بأحسن غنيمة، فانظر الغنيمة التي فُزت بها!»

هنالك تحوَّلَت أنظار الجميع إلى آبينغ، يتفحَّصون شكله وهيئته. ولوحظَت ملابسُه النظيفة، وإن بهتَت ألوانها. تضايق آبينغ من تحديقهم فيه ونظراتهم التي تسلَّطَت عليه طولًا وعرضًا؛ فانكمش على نفسه من شدة الشعور بالحرج.

والواقفون عند باب الحوش من الجيران كانوا يتفرَّجون ويتابعون ما يجري، بشيء من المتعة. نعم؛ فقد قال قائلهم — ذات مرة — إن سماعَ صُراخ وشتائم امرأة آبينغ، في هذه الناحية، يُعَد «أرفع» مجالات الاستمتاع في أجواء فِرَق الإنتاج الجماعية؛ لأن المرأة لم تكن تكرِّر المعتاد من عبارات الزجر والتأنيب أو حتى الشتم والسب المقذع، بل كانت تنتقي أساليب مبتكرة وتعبيرات جديدة، لدرجة أنها قد تقضي اليوم من صُبحه إلى عشيَّته وهي تعيبه وتلاسنه، بشتى الكلمات التي لم يسبق لها مثيل، دون أن تكرِّر شيئًا معتادا، ودون أن تقول كلامًا فارغًا أيضًا. ويعرفُ جيرانها أنها نشيطة وماهرة وخدومة جدًّا، بالإضافة إلى قَدْرٍ هائل من «الشهامة» في تعاملاتها مع الجميع. وللحقيقة، فلم تكن «تجرِّد» لسانها وتسلِّطه على أحدٍ إلا دفاعًا عن النفس فقط. وذات مرة قالت على مرأًى ومسمعٍ من كثيرين: «لا بد للمرء أن «يتشيطن» أحيانًا، حتى لا يفتك به الناس!» والكلمة أصبحت ذات معقولية في مناسباتٍ وأماكنَ كثيرة هذه الأيام. وعن زوجها آبينغ، فقد لها أن عن سبق النفس تكلَّمت أيضًا، تحت سمع وبصر الناس، فقالت: «كم تمنَّيتُ أن يكونَ أصلبَ مما هو عليه (كم تمنَّيتُ للحديد أن يجمدَ ويقوى). صحيحٌ أن لساني يؤذيه أحيانًا، لكنهم كانوا يقولون في الأمثال: «إذا كان الضرب عداوة، فالشتم محبة» فقولوا لي، ماذا أفعل مع رجلٍ يجلب لنا المتاعب بسبب إخلاصه وطيبة قلبه؟» ومن وجهة نظر الزوج نفسه، فالحياة كان يمكن أن تكون أجمل والبال أهدأ، لو لم تكن هناك الملاسنات والمشاحنات والكلام الذي لا يأتي إلا بوجع الرأس. ومثلًا، فكم كان يمكن أن تمضي الحياة في هدوء، من دون مشهد الخناقة التي حدثَت اليوم وأوقعَتْه في حرج بالغ، لدرجة أنه لم يكن يعرف أين يُداري وجهه من الناس!

وبدافع التعاطف معه، حاول بعضُهم إصلاح الأمور بينه وبين امرأته؛ فجاء إليها مَن كلَّمها في الموضوع، وهو يناديها باسمها: «اسمعي يا «مدام» سوفن، أنتِ أيضًا يجب أن تعذري آبينغ. وكما تعرفين، فكل الناس يحبون أن يدخلوا بيوتهم بأحسن غنيمة، ولا بد أن الرجل أراد أن يأتي لك بأحسن ما في طاقته. وبالمناسبة، فهي عمومًا تبدو عنزةً متوسطة الحال، ليست سيئةً تمامًا. فقط، لو اعتنيتِ بها مدة يومَين فستجدينها استردَّت عافيتَها، وحلبَت لك أغزر اللبن. ولا تنسي أن تأتي لها بأطيب الطعام.»

«كيف، وأنا نفسي لا أجد أطيب الطعام؟» أجابت بمزاجٍ متعكِّر، «هل يعني أقطع لها من لحمي كي تأكل هي وتملأ بطنها وتشبع؟»

اقترب أحد المزارعين وقال: «أظن أن سبب هُزالها السفر البعيد، وعدم العلَف لمدةٍ طويلة، فهيِّئوا لها الراحة لفترة، وبعدها تتحسن كثيرًا.»

تكلَّم آبينغ، قال: «أظظظن هذا فعلًا، وكان العم يييانغ قد قال لي نفس الكككلام.»

«حذارِ من أن تلفظ اسم هذا الرجل أمامي! كلما سمعتُ اسمه أحسستُ بأني سأنفجر غيظًا.» قاطعَتْه المرأة المغتاظة، ولبثَت برهةً ثم قالت: «ما لك تجلس عندك متخشبًا كالموتى هكذا، قُم … تحرَّك، واسحب العنزة إلى الداخل. فهل ستعمل لها معرضًا للفُرجة هنا؟»

ثم كانت هي التي تحرَّكَت صوب العنزة لتسحبها، إلا أن هذه أناخت مؤخرة ظهرها ثانيةً، وتصلَّبَت رجلاها وحرنَت، حتى انغرس منها الحافر، فنهرَتْها المرأة وضربَتْها بكفٍّ أكثر صلابة، لكثرة ما مهرَت بها في أعمال البيت. ولم تكَد المعزى تنثر بولًا عارضًا فاجأها، وهي في هذه الوضعية، حتى اندفعَت راضخةً لصاحبتها التي جرَّتها من حبلٍ مطوِّق بالعنق، فأدخلَتها من الباب الكبير.

(٨) هناك أشياء تُوجع الرأس فعلًا

المثل السائر يقول: «العمل بالنصيحة يُساوي نصف إنجاز.» والناس نصحَت وقالت ما عندها، ولم يعُد أمام المرء إلا أن ينصاع لقول الناصحين. والنتيجة أنه صار ينبغي على الواحد أن «يمضغ» لسانه ساكتًا، بينما يقدِّم العلف للدابة المكسوَّة جِلدًا على عظام، على أمل أن تتعافَى وتسمن؛ وبالتالي، بكل ما تستطيبه الدواب؛ العشب الأخضر الطازج، ونخالة القمح، ثم وصل الأمر إلى إطعامها مما يأكل الإنسان، كالذرة الصفراء مثلًا، بل ومما لا غنى عنه للآدمي نفسه في طعامه، مثل فول الصويا وغيره، فراحت تزدردُه جميعًا. وبقيَت على هذا الحال عشرة أيام، دون أن تنشط ويمتلئ جسدها وضرعها، وتظهر عليها بوادر التحسن … دون أي تغييرٍ يُذكر، سوى التغيير إلى الأسوأ، وذلك بحكم ما ظهر عليها مؤخرًا من تصرُّفاتٍ غير طبيعية؛ إذ أصبحت تلتهم كل ما يُلقى أمامها من أجود العلف، سواء كان ذرة صفراء أم فول صويا، تأتي عليه في ثوانٍ معدودات، وتظل تأكل مما يُلقى إليها من الزيادة دون شبع. أما بالنسبة للعلف العادي، مثل التبن أو قشر البطاطا والأعشاب البرية وقشر القصب، فقد كانت تأنف منه جميعًا، إليها من وتتشمَّمه ثم تنتقي من ثناياه ما يروق لها، وتدَع الباقي منثورًا تحت قدمَيها، تروح عليه وتجيء وهي تنظر إليه باشمئزاز. ومسكن آبينغ ضيِّق على قَدْر حاله، فلم يأمن على العنزة أن يُبيتها في حظيرة الخنازير، واضطُر إلى ربطها في باب حجرة النوم، فتتناءى عن يد السارق، لكن اللعينة لم تدَعْ أحدًا في حاله؛ فكلما مرَّت بها سيدة البيت، داخلةً إلى الغرفة لبعض شئونها، نهضَت الدابة واقفة، ومدَّت عنقها لتُطلَّ من الباب الموارب، متلصِّصة بنظراتٍ فضولية، ربما توقعًا لأن ترميَ إليها المرأة بشيءٍ من العلف المعتبر الذي اعتادته مؤخرًا. وذات مرة دخلَت امرأة آبينغ لتغيِّر هدومها، وتحرَّزَت كأنثى تخلع عنها أشياءها فتوارت في ستر الخفاء، بيد أن العنزة — بسحنتها المسحوبة كوجه شيطان وزلمتَيها المتورمتَين وقد تدلَّتا من رقبتها — لم تكن لتُراعي اللياقة، خصوصًا على مشارف غرف النوم، من ذلك أنها مدت عنقها خلال ستارة البامبو المُدلاة فوق المدخل، وأطلَّت برأس متسلِّل — لا يُضمِر خيرًا، فيما يبدو — إلى الداخل، فأجفلَت منها المرأة العارية، وقفزَت مكانها، من الفزع، صائحة:

«يا لوقاحة هذا الشيء القبيح! ألا تخجل من نفسك، وأنت تُطِلُّ بهذه اللحية الطويلة على امرأة تُبدِّل ثيابها في مخدع؟» وقد نسيَت، في غمرة الموقف، أنها تُخاطِب رأس عنزة … أنثى!

بكل هذا وغيره، أصبحَت العنزة الجبلية — المسجَّلة برقم ٦٦ — صُداعًا في رأس المرأة يُربِك أعصابها، ويزيد في توتُّرها، فتظل تشتمُ وتسبُّ طوال اليوم؛ تشتم آبينغ والعم يانغ والمعيز الجبلية، وكل ما يَرِد في بالها مما له علاقةٌ مؤكَّدة بهؤلاء جميعًا. لكن أكثر شيء ضايقَها فعلًا، وجعلها تُبغِض الدنيا بأَسْرها، هو ضآلة كمِّية الحليب التي جادت بها المعزى، مقابل كمِّيات البول التي تزايدَت في الآونة الأخيرة. والمشكلة أن عملية حلب الدابة كانت — من فرط الإجهاد والصعوبة والمشقة على أفراد الأسرة جميعًا — أقرب شيء إلى اصطياد نمرٍ وذبحه، بل ربما أصعب وأدق كثيرًا؛ إذ لم تكن تدَع أحدًا يلمسُ ضَرعَها، مجرد اللمس فقط؛ فكيف بمن أراد الحلب! ولا تتورع ساعتئذٍ عن المدافعة بقرنَيها، تشرعُهما تهديدًا لكل عابثٍ بضَرْع. والنتيجة أن عملية الحلب تحوَّلَت إلى حالة استنفارٍ عائلي لإنجاز مشروع الحلب الطازج؛ يفرج آبينغ ساقَيه ويعتلي رقبتها، ثم يقبض جيدًا على قرنيها ويُديرهما، بينما يكون قد أحكم الوثاقَ على عنقها بين ساقَيه المضمومتَين، والولد الكبير جياومو يركع على الأرض بجوارها ممسكًا بقدمَيها الخلفيتَين جيدًا، أما الصغير شياوجيا فيقبضُ على الذيل، وتكون سيدة البيت قد شرعَت في اعتصار الضَّرع وهيئتها في تلك اللحظة تعطيك شعورًا بأن ثمَّة عمليةً خطيرة تجري على قدم وساق … وذراع أيضًا، ذراع مكشوفة تهدَّلَت أكمامُها، وثمَّة كفَّان قويتان تعتصران الكيس اللحمي المدلَّى، تتحسَّسانه بادئ الأمر، ثم تدوران حوله قليلًا فتعتصرانه خفيفًا، وتتناوبان حلبه، الكف وراء الأخرى؛ فلحظة أن تبلغ الكفُّ اليمني أسفل الضَّرع تكون اليسرى قد دارت حول أعلاه، ونزلَت قابضةً على استدارته. وإذ يتعذَّر نزول الحليب بهذه المناوبة تشتغل الكفَّان معًا بقوَّتهما الضاغطة عسى أن يستقطرا فضالةً تعثَّرَت بها المسالك. وكل مَن تصادَف مرورُه وقتها، وشاهد الأسرة بكامل أفرادها في حالة التعبئة الماعزية هذه، لا يملكُ إلا أن يشكُر السماء على أنها لم تخلُقه عنزةً جبلية، بل يرجو في سريرته ألا يتحوَّل في الحياة الآخرة [حسب معتقَده البوذي] إلى معزى جافَّة الضَّرع.

كانت الأسرة قد عملَت حسابَها أن تحلبَ من العنزة في اليوم ثلاثة كيلوغرامات حليبًا، على الأقل. أما الآن، فقد صارت تتمنى ألا يقلَّ الصافي عن كيلوغرامٍ واحدٍ فقط، يوميًّا، بل تعذَّرَت هذه النسبة فيما بعدُ لدرجة أنها لم تعُد تبلغ ثمانية «ليانغ» [أي سبعمائة غرام، تقريبًا] إلا بشِقِّ الأنفس. وفي أحيانٍ قليلة، فلم تكن تزيد عن ثلث الكيلوغرام، بأية حال، وبذلك، تباعدَت الهُوَّة بين المصروف على غذائها والناتج من لبنها. وراحوا وسألوا المجرِّبين والخبراء العارفين، فعرَفوا منهم أساليبَ وطرقًا متطوِّرة. وفي بعض الأحيان القليلة جدًّا، جاءوا بالمربِّين المتخصِّصين أنفسهم ليُباشروا الحلب بأيديهم. ولم تختلف النتيجة بعد كل هذا عن الحد المقرَّر سلفًا؛ سبعمائة غرام، لا تزيد ولا تنقص قطرةً واحدة.

انتقل لسان المرأة من السب المقذع إلى الشتم الفاحش، وأصبحَت مغتاظةً تهدِّد بالذهاب إلى العم يانغ في عمله، وتأخذ حقَّها منه. فزع آبينغ واجتهد في طرد الفكرة من ذهنها، بل منعها بالقوة إذا تطلَّب الأمر. في المساء، ذهب إليهم مَن يطلب القسط النهائي من سعر العنزة؛ قال: إجمالي المبلغ بعد مصاريف الشحن والنقل والمخازن، بعد زيادة مبلغ سبع يوانات وثلاث «فنات» [التي هي مِن أقسام اليوان]، يصل إلى سبعة وسبعين يوانًا، بالضبط.

استشاطت المرأة غضبًا، وتوالت الشتائم واللعنات على لسانها. لبثَت ساكتةً لحظة، وقالت: أين الرجل الذي اسمه يانغ؟ أنا من باكرٍ سأذهب إليه بنفسي، وأسحب المعزى معي وأعيدها إليه! ثم واصلَت سلسلة الشتائم من كل نوع؛ مقذعة، وطاعنة، وقبيحة، وفاحشة، وبقيَت هكذا إلى أن غلَبها النُّعاس.

بات آبينغ يساوره القلق، تترامى إليه شتائم المرأة الغاضبة سيلًا جارفًا، لا يملك لها دفعًا سوى همهماتٍ ساخطة متفرِّقة، تقوم مقام علامات الترقيم في تلك المقالة المطوَّلة من الملاسنات البشعة. وكان ابنه الكبير ينام بجواره في الطرف الآخر من الفِراش، يغفو لكن — باعتباره المساعد الأول للأم في ملاسناتها اللفظية — كان يردِّد من وقت إلى آخر عباراتٍ جانبيةً مساعدة، تعمل عمل علامات الترقيم المغلَّظة؛ أي تلك المكتوبة بالخط الغليظ. وحده، كان الولد الصغير هو الذي سبقَ جميعَهم إلى النوم؛ وبالتالي، فقد أضاع على نفسه فرصة الاستمتاع بذلك العرض المطوَّل من المطاعن اللسانية والتخريق والسباب، بالإضافة إلى الهوامش الجانبية التي أضافها الوالد، بهمهماته المتقطِّعة، وردَّدها أخوه على سبيل التآزر مع الوالدة، جبرًا للخاطر.

(٩) آبينغ يسعى للقاء صاحب عُمره

صحا آبينغ من نومه، صباح اليوم التالي، قبل أن ينبلج نور النهار. سألَتْه زوجتُه:

«ما الذي أيقظك مبكرًا، على غير العادة؟»

مرتبكًا، قال: «لا عليكِ، أنا ذذذاهب للقققائه … بدلًا مممنك.»

لوهلة، لم تستوعب شيئًا: «بدلًا مني أنا؟ لقاء مَن بالضبط؟»

«ييانغ … يييانغ يوان.» أجابها، وهو عند الباب، مستعجلًا الخروج لئلَّا تصُدَّه عن الذهاب.

الآن فقط، تذكَّرَت ما قالَتْه الليلة الفائتة، فصاحت به: «خُذ معك العنزة، رُدَّها إليهم مثلما جئتَ بها.»

قال: «سأحاول أن أكككلمه أولًا، أفففتح معه الموضوع قبل أي شششيء»، وقبل أن يُتمَّ كلامه، كان قد خرج وصَفقَ الباب وراءه.

نهرَت ولدَها الأكبر فأيقظَتْه: «جياومو، قُم الحق بأبيك، انظر ماذا سيقول للناس.»

نهض قائمًا وهو يفرُك عينَيه، انتبه إلى كلام الوالدة، فصدَع بأمرها وانسلَّ خارجًا من الباب.

مشى آبينغ في الدرب الجبلي قاصدًا بيت العم يانغ، الذي يقع على جانب هذا الدرب الضيق في الناحية الأخرى من التل، وهو المسكن الذي يقطنه العم من زمانٍ بعيد، ولا يبعُد كثيرًا عن محل عمله في الكومونة؛ حيث يذهب إلى هناك كل صباح، قاطعًا المسافة القريبة إما ماشيًا وإما راكبًا درَّاجة. وقبل أن يعبُر آبينغ قمة التل إلى الجهة الأخرى، لحق به ولدُه على الطريق.

«ما الأمر؟ ما الذي جاء بك؟» سأله.

«أمي هي التي بعثَت بي وراءك.»

أدرك الرجل ما وراء مجيئه، فلم يشأ أن يردَّه، وتجاورَت خُطاهما على الدروب.

بعد قمة التل، منطقةٌ سهليةٌ متسعة، تخلَّلَتها فروعُ أنهار ومزارع وغابات عند الحافة، وحقولٌ خضراء إلى ما وراء المدى، بدت مُغبَّشة تحت ضوء الفجر الباهت. في بقعةٍ ما عند أطراف السهل، يقيم العم يانغ بمنزلٍ ذي فِناءٍ واسع يطوِّقه جدارٌ من الطوب الحجَري في جوانبه الثلاثة، أما الرابع، فمنزلٌ مشيَّد من الطوب الأحمر بغرفه الخمس؛ اثنتان منهما تقعان في المنتصف ومعروشتان بالحطب. وصَلَا إلى هناك والباب مُقفَلٌ بعدُ، وثمَّة رجلٌ في أواسط العمر يُقعي على الأرض قبالته، ابتدرهما قائلًا: «اجلسا؛ فالرجل لم ينهض من نومه حتى الآن.»

أَقعَيَا بجواره؛ حيث لم يكن أمامهما حلٌّ آخر. هنالك، طلعَت تباشيرُ الصبح، وزقزقَ عصفور الدوري.

«تتتبحث عن العععم يانغ، أنت أيضًا، فما مشكككلتك معه؟» سأله آبينغ بصوتٍ خافت.

«أبدًا، ليست هناك مشاكل، أنا جئتُ اليوم كي أطلبَ إليه أن يعطيَني عنزةً صغيرة … عنزةً وليدةً يعني» ردَّ عليه الرجل. وبمزيدٍ من تفاصيلَ أوضح قائلًا: «الحكاية أني كنتُ قد اتفقتُ معهم على شراء عنزةٍ جبلية، ثم لمَّا قاموا بشحنها ولدَت عنزتَين أخريَين في عربة القطار. وبعد وصولهم، قال لنا العم «تيو» القصير إن الإدارة في الكومونة قرَّرَت أن تُعطيَ العنزة إلى صاحبها، بالإضافة إلى أولادها جميعًا، على أساس أن هذا من حق المشتري، من غير جدال، لكن لا أحد يدري كيف تغيَّر الكلام بعد هذا؛ إذ فوجئنا بأنهم باعوا المواليد بسعرٍ مخفَّض، العنزة الواحدة بقيمة اﻟ «يوان ونصف اليوان». وطبعًا، فقد سارع كثيرٌ من الموظفين واشترَوا عددًا منها، حتى إن الواحد منهم صار يشتري العنزتَين والثلاث.» كان يتكلم بصوتٍ مرتفع، دون تحرُّز، وهو ما أثار القلق في نفس آبينغ، فأمسك عن محاورته، لكنه فوجئ به يسأله: «وأنت؟ هل اشتريتَ مثلنا عنزةً جبلية؟»

«اشترَيْت». أجابه بصوتٍ خافت، وأشاح عنه سريعًا، منعًا للاسترسال.

«ما دُمتَ قد اشتريتَ فعليك بالذهاب سريعًا إلى الريس «تيو» القصير، كي تسألَه إن كانت هناك عنزاتٌ وليدة أم لا؛ فمن حقك الحصول على واحدة … يا لَهؤلاء الناس وتدابيرهم الشيطانية!»

لم يفتح فمَه بكلمة. وقد لعبَت بصدره الهواجس.

بقُوا مكانهم نحوًا من ثلث الساعة حتى فُتح الباب، فنهضوا واقفين.

نظروا، فإذا هي ابنة العم يانغ، ابنته الصغرى، فتحَت الباب وأطلَّت عليهم. وكان العم قد تزوَّج مبكرًا جدًّا عن آبينغ وأنجب بنتَين، وصار له الآن أحفادٌ من ابنته الكبرى المتزوجة، ثم ها هي الصغرى قد أتمَّت الثامنة عشرة، وتعمل حاليًّا مُدرِّسة بالصف الابتدائي التابع للإدارة المحلية بالكومونة.

«أتنتطرون أبي؟ في مثل هذه الساعة المبكرة!» قالت ابنة الثامنة عشرة، وقد أطلَّت من الداخل وبيدها آنيةٌ معدنية، من الفضَّة اللامعة.

«هل صحا أبوكِ من نومه؟» سألها آبينغ.

«آآآها، صباح الخير، يا عم آبينغ، تفضَّل تعالَ، تعالَ، أبي لم ينهض من السرير بعدُ، وأنا ذاهبةٌ كي آتيَ له بالحليب؛ فهو يُحب أن يشربَه فور استيقاظه من النوم، ويقول إن شُرب حليب المعيز على معدةٍ خالية مفيدٌ للصحة غايةَ الفائدة.»

كان كلامها هادئًا ولهجتها صافية، وهي تشُق طريقها عبْر الحوش، ممسكةً بالآنية الفضية، وتمضي بين أشجار البرتقال المتقاربة، فتصل إلى إحدى الغرف المعروشة بالحطب، ووراءها العم آبينغ وولده والرجل المتوسط العمر، الذي لا يُعرف اسمه. كان آبينغ أحد الذين جاءوا لمساعدة العم يانغ في بناء هذه الغرفة المعروشة بالحطب، وبقي يحمل معه الطوبَ وعروقَ الخشب لعدة أيامٍ متوالية. وفي أول أمرها، استخدمها يانغ كمخزنٍ للحطب، ثم حوَّلها الآن إلى حظيرة للغنم، يضع فيها — من بين مقتنياتٍ أخرى — عنزتَين جبليتَين (من النوع الجيد حقًّا!) وثلاثَ عنزاتٍ وليدة. أمام الحظيرة، وقف ثلاثة الضيوف يتطلَّعون إلى مدرِّسة الفصل وهي تحلب المعيز بيدٍ ماهرة، كأنها تبرَع في حلب الغنم وهي في بطن أمها، وقبل أن تأتيَ إلى هذه الدنيا. والحليب يتقطَّر طازجًا كثيفًا في زخَّاتٍ متوالية تبعًا لحركة يدها؛ يندفع في خيطٍ مستقيمٍ فيفترش قاع الإناء، بصوتٍ مميز، متوالٍ، بإيقاعٍ رشيق … إيقاع يتجاوب مع رنينٍ معدني أخَّاذ. والعنزة مستسلمة ليدها تُدير رأسها تجاهها، تكاد تلمسُ كتف الفتاة التي أقعَت بجوارها، وثلاثة الذكور يتطلَّعون بصمتٍ مطبق وفي نفوسهم تتردَّد فكرة، ربما واحدة، عن هذا المنظر؛ يقول قائلهم، هي ذي حقًّا العنزة الجبلية، كما ينبغي أن تكون!

فما هي إلا برهة حتى كان الإناء قد امتلأ حتى حافَته، وما يزال الضَّرع ممتلئًا. قامت الفتاة واقفة، فمضت نحو الغرفة الرئيسية المشيَّدة بالطوب الأحمر، قالت: «تعالَ يا عم فان، سأنظر إن كان أبي قد استيقظ فأناديك حالًا.» كانت نبرتُها رائقة وصافية جدًّا، بالطبع؛ فليس ثمَّة ما يعكِّر صفو حياتها! فعندما حصلَت على الشهادة الثانوية — في العام الماضي — اشتغلَت بالتدريس فورًا، بكلمةٍ من أبيها، دون حاجةٍ حتى للالتحاق بالجامعة، دون أن تُتعِبَ نفسها، ذاهبةً وعائدةً من الجامعة، تحت وقدة الشمس.

صاروا يغبطونها وهي تمضي أمامهم، ممسكةً بالآنية الفضية الممتلئة بالحليب.

امتلأَت الدنيا بضوء النهار، وقام يانغ من فراشه، فقال للرجل المتوسط العمر المُطالِب بالحَمَل الوليد: «آه، نعم أنا أذكر جيدًا أنك أخذتَ الدابة رقم ٧٨؛ أليس كذلك؟ بالمناسبة أنا ذاكرتي ممتازة، ولا بد أن تعرفَ أن عنزتك لم تلد — وهي في الشحن — إلا مولودًا واحدًا فقط، وضعَت ذكرًا وليس أنثى، لكنه للأسف ضاع منا، ولم نعثُر عليه وسط العدد الهائل من الغنم.»

جادله الرجل: «لكني سمعتُ أنها وضعَت مولودَين، ذكرًا وأنثى.»

«أنت تُكذِّبني، إذن؟ طيب ما دمتَ لا تصدِّق، فاذهب واسأل الآخرين كي تعرفَ أني لم أكذب عليك.»

«أهكذا؟ حاضر. ولعلمك، فسأكلِّم الموظفين فعلًا، وأسألهم، ثم أجيء إليك.» وغادر ساخطًا.

وهو قاعدٌ مكانه، استطاع آبينغ أن يسمعَ صوتَ الأطباق في المطبخ، وأحسَّ بالحرج من أن يكونَ العم يانغ قد فكَّر في أن يُكرِمَ وفادتَه فيدعوه إلى الإفطار هو وولده. ثم سمع الفتاة، مدرِّسة الصف الابتدائي، تسأل أباها: «هل أجيء لك الآن بالحليب؟»

هزَّ يانغ رأسه بالرفض، قال: «لحظة، ليس الآن، ليس قبل أن أغسلَ فمي.»

رحَّب بمقدم صديقه القديم آبينغ، واتسعَت الابتسامة فوق وجهه العريض، وأخذه فأجلسه على الكرسي البامبو الفخم في الصالة الخارجية، وجلس قبالته منصتًا لشكواه المتقطِّعة عبْر التأتأة والفأفأة فوق لسانه الثقيل أصلًا. وكان الرجل معتدلًا للغاية في شكواه؛ فلم يذكُر كثيرًا من التفاصيل المُرهِقة بل المحبِطة في الحكاية من أولها، لدرجة أن ولده صار يجحظ بعينَيه ناظرًا إليه، مُلْمِحًا إلى استكمال التفاصيل الضرورية. وكادت عيناه تخرجان من مقلتَيْهما من كثرة التحديق، حتى أصبحتا كعينَي ثورٍ غاضب، لكنه أشاح عنه وعن نظراته الثورية هذه إلى أن انتهى من كلامه، فأجابه العم قائلًا:

«وكيف لم تأتِني قبل هذا؟ هل ظلِلْتَ ساكتًا طَوالَ هذه المدة، ثم تجيئني اليوم؟ لو أتيتَ لي قبل يومٍ واحدٍ فقط كنتُ وجدتُ لك حلًّا، أو — على الأقل — كنتُ أعطيتُك عنزَتي بدلًا منها، لولا أن خال البنت زارنا بالأمس وطلب شراء الدابة الثانية، ولم أستطع أن أردَّه؛ لأنه دفَع النقودَ في الحال، وسيُرسل لي ابنه اليوم كي يأخذها.»

سأله آبينغ محاذرًا: «هههل يمكن أن آتيَكَ بببها كككي تتتعطيني بددلًا منها؟»

«مستحيل، للأسف.» قالها وعلاماتُ الضيق في وجهه، «لو أعدتها الآن إلى الكومونة، فمن الصعب عليهم التصرُّف فيها.»

«طططيب، ما ددام الأممر هكككذا فلا معنى للكلام إذذذن.» أجابه آبينغ ذو القلب الطيب، لكن ولده أخذ يحدِّق فيه بعينَيه الجاحظتَين عن آخرهما، جحوظًا ثوريًّا.

«قلتَ لي إن عنزتَك رقمها …»

«رقمها ٦٦.»

«آآه …» كأنه تذكَّر شيئًا مهمًّا تردَّد في قوله، ثم آثر السكوت عنه، فغيَّر كلامه في اللحظة الأخيرة، كي يقول: «طيِّب، سأزورك غدًا أو ربما بعد غدٍ، لكي أتفحَّصَها وأرى إن كنتم تقدِّمون لها غذاءً جيدًا.»

قام آبينغ يريد الانصراف، فطلب إليه أن يبقى هو وولده قليلًا، ليشربا الحليب معه، فأجابه بأن رائحة الحليب تسبِّب له الشعور بالغثيان … «ولا يستقر في معدتي بعد ذلك أي طعام آكله.» أما الولد، فقد رفض قطعيًّا أن يشربَ أيَّ شيء، حليبًا أو غيره. عند الباب التفت إليه معتذرًا، قال: «صحيح، أنا هذه المرة لم أستطع مساعدتك كما تقضي الأصول، لكني سأعوِّضها لك في مناسباتٍ أخرى» [حرفيًّا، قال له: سأعوِّضها لك في «واجبات» أخرى]. ولم يفهم آبينغ مغزى العبارة بالضبط، لكنه شعَر — في أعماقه — أن الرجل لم يدرك تمامًا سبب الزيارة، ويبدو أنه رآها محاولةً لاستجداء الإحسان أو التمسُّح به طلبًا لمغنم.

غني عن القول ما لاقاه آبينغ من امرأته، بعد عودته، لدرجة أنه لم يستطع مجرَّد الدفاع عن نفسه بكلمتَين اثنتَين. حتى عندما حاول ذلك، فقد رأت زوجتُه في المحاولة دفاعًا عن العم يانغ، فاستعَر غضبُها، وانفتح شدقاها عن آخرهما، ليُفرغا سيلًا من المطاعن التي تفزَع منها الأسماع، سيلًا من سبابٍ مقرف، وابنها الكبير بجوارها يملأ الفراغات والثنايا ﺑ «علامات ترقيم» تضع الكلام، بالتركيز، بين أقواس. ثم راح يكشف خبايا الوقائع مما حصل في زيارة الوالد للعم يانغ، قائلًا إن أباه كان على وشك أن يشارك العم يانغ في شرب أكوابٍ من الحليب، فانطلقَت عقيرة المرأة لتنعتَه بأبشعِ الصفات: «وتجرؤ على أن تجلسَ إليه، وتشربَ معه حليب الماعز؟ طيِّب، ما دمتَ تُحب المعيز، فتعالَ أسقِكَ من بولها، وعندنا منه الآن الكثير! ما أجمل شكلَك، وأنت قاعدٌ وسط بِركة من بول وخراء الغنم، تتأمل ملامحك في الماء العكِر، وتتخيَّل نفسك شاربًا الحليب الطازج! لا تتعجِّب من نفسك ساعتها؛ لأنك ستعرف كم أنت منهومٌ وأناني! أكثر واحدٍ في الدنيا شراهة، هو أنت!»

متخمًا بمشاعر الظلم، طوى جوانحه على مراراته ساكتًا، لكنَّ ثمَّة عينَين ثوريتَين جحظَتا غضبًا، ثم اكتشف أن ولده الأكبر يُطالِعه بذات العينَين، فانزوى في ركن المطبخ، يُطلِق — من آنٍ لآخر — زفراتٍ ساخطة، تصنع فواصلَ متراصةً بين الملاسنات المطوَّلة، مثل علامات الترقيم التي تتخلَّل العبارات، لتصنع لنفسها وجودًا — ولو ضئيلًا — في جنبات السياق.

(١٠) فان آبينغ والدروب المسدودة

طال الانتظار ﺑ «آبينغ» ولم يأتِ العم يانغ، سوى أنه أرسل إليه — ذات يومٍ — من يُبلغه بأنه لا داعي لدفع المبلغ المقرَّر على سبيل الزيادة؛ حيث اكتشف الموظفون أنهم — بسبب السهو والغفلة — زادوا المبلغ دونَ وجه حق، على أن «قيمة المبلغ الفعلي المستحق للعنزة المسجَّلة برقم ٦٦ لا يتجاوز السبعين يُوانًا، فقط ليس غير!» وبالتالي، فقد تم إسقاط الطلب الذي كان مقررًا بدفع زيادة مقدارها سبعة يوانات وثلاثة «جياو». ورغم أن رجلًا طيبًا مثل آبينغ لم يأخذ الأمر إلا باعتباره تصرفًا كريمًا من العم يانغ — الرجل صاحب النفوذ في المزرعة الجماعية، الذي يستطيع تسوية مثل هذه الثغرات بدُربة واقتدار — فقد تصوَّر أنهم في الكومونة يمكن أن يحصِّلوا مبلغ الزيادة بطريقتهم الخاصة من أي فردٍ آخر.

لكن امرأته لم تنظر إلى الأمر من هذه الزاوية. بالعكس، فقد انتابتها الظنون، واسشاط غضبُها الذي لم يكن لينطفئَ على أية حال، وأخذَت منجل الحصاد في يدها، وصاحت قائلة:

«حقًّا، الأمر لا يجب السكوت عليه ولا بد من الذهاب إلى أمين اللجنة، كي أسألَه عن الطريقة التي يحسبُ بها ثمَن الدواب! غير معقولٍ ما يحدث، هؤلاء الناس يضحكون علينا ويخدعوننا، ونحن لسنا بهذه السذاجة! هل من المعقول أن تتغيَّر الأسعار لنفس الدواب بهذه السرعة؟ بالأمس، يطالبون بسعرٍ محدَّد، وبعد يومَين يقرِّرون سعرًا آخر، يا للعَجَب! عمومًا، ومهما قالوا، فلن أقتنع بأن سعر العنزة العجفاء هذه يزيد عن عشرين يُوانًا، نعم، ربما كان هذا هو سعرها الحقيقي؛ خصوصًا وهي عبارة عن عظامٍ جوفاء بذيلٍ وقرنَين، لا تجود على أحدٍ بنقطة حليب، حتى لو عصرتها بمعصرة، أو طحنتها في ماكينة طحين. افعل بها ما شئت، اذبحها لو أردت، ولن تُعطيَكَ شريحة لحم تؤكل … كل هذا، ويطلبون سبعين يُوانًا!»

وهو قال: «مالك تكككررين كككلامك وتعيدينه! أما انتتتهينا من الموضوع؟»

قالت: «ومهما تكلمتُ فلن تفهمني! أنا ذاهبة إلى الكومونة لأتفاهم مع ذلك الرجل.» وضعَت المنجل جانبًا، وقامت واقفة.

ارتبك وقال لها: «اسسسسمعي، لا ددداعي لذذذهابك أنت، بل الواجب أن أذذذهب أنا.»

صاحت به: «خلاص، اذهب أنت، لكن خُذِ العنزة معك. ولعلمك، فأنا لم أعُد أحتمل أن أرى منظرها؛ فهي تبدو لي كشبحٍ مخيف كلما وقعَت عيني عليها، لا أريدها في البيت، تلك الدابة المنحوسة التي تستكثر علينا الحَلْب. لا تتركها هنا، وإلا شققتُ بطنها بسكين! هل ستأخذها بعيدًا، أم لا؟ إن لم تكن ستُبعدها عني، فاقعُد ودَعْني أنا أسحبها.»

والمعهود عنها، أنها لو قالت شيئًا لنفَّذَته في الحال؛ لذلك حزم آبينغ أمره: «سأسحبها وأذهب.»

وعادت إلى مقعدها القصير، وتناولَت المنجل وأفهمَتْه جيدًا: «لو رأيتُك راجعًا بها إلى هنا، فسأضع السكين في رأسها؛ سأقطعها إرْبًا إرْبًا. وعلى الأقل سنتغدَّى لحمًا.»

محنة ووقعَت على رأس رجلٍ طيب مثل آبينغ، لكن، ماذا يفعل سوى أن يسحب العنزة، ويمشي بها محاذيًا الشق الجبلي، وقلبه مليء بالهموم، وقد ضاقت الدنيا به، وليس ثمَّة مخرج للمشكلة التي انغرس فيها بقدمَيه؛ فصاحبه هو المسئول الكبير في الكومونة، وله مشاغله، والمفروض عليه تقدير ظروفه. هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى، فهناك الزوجة التي أخرجها الغضبُ عن أطوارها، إن كان لها أطوار. وهو بينهما كمن سقط بين شقَّي الرَّحى، فما العمل؟ وإلى أي طريقٍ يمشي؟ هل يمضي في طريقه إلى الكومونة ويُعيدها إليهم هناك؟ هل يتصرف على نحوِ ما كانت زوجته تريدُ أن تفعل؟ لكن قرار شراء العنزة هو قرارك أنت، وأنت المسئول عنه. حتى الكوبون المسجَّل عليه الرقم كان من اختيارك. صحيحٌ أن ظروف هذا الاختيار اكتنفَتها ملابساتٌ مريبة، لكن الحقائق المكشوفة تقول إن العنزة المسجَّلة برقم ٦٦ لا بد أن تكون من نصيب أحد المشترين من أهل المزرعة الجماعية، وعلى المستلم أن يقتنيها ما دامت صحيحة البدن، ليس بها عيب. أما إن ثبت غير ذلك، فلا بد من إعادتها إلى المسئول، لكن نرجع فنقول إن الكومونة — التي هي ملكنا جميعًا — ليس لها بنكٌ ولا صناديقُ ماليةٌ كبيرة؛ بحيث تتحمل الخسارة في رءوس الأموال. وإذ قلنا إن المسئولية يجب أن تقعَ على عاتق الموظفين، فمن إذن سيجرؤ على الذهاب إلى إقليم شانشي البعيد لشراء وشحن الغنم؟ أخذ يفكِّر على هذا النحو، وقد اقتنع بأن امرأته قد تجاوزَت المعقولَ في تفكيرها، وأية محاولة لشرح الأمر لها، وتوضيح جوانبه، لن تلقى منها إلا الإعراض، بل التنكُّر والمزيد من الغضب والحماقة والشتم والسب، الذي ينال الآباء والأجداد في خطٍّ طويلٍ متسلسل، قد يبلغ الأجداد الأقدمين في الزمن البعيد، وأحيانًا ما تصل بشاعة الطعن والتجريس حدًّا يُقلِق الأموات في رقادهم العميق تحت الثرى.

دارت الأفكار برأسه وهو يمشي، إلى أن اكتشف أنه يعود إلى منحدر التل؛ حيث السهول الواسعة الممتدة أمام بيته. قال إن زوجته لا يمكن أن تراه من هذه المسافة، فأبطأ الخطو وهو متحيِّر، والعنزة المسجَّلة برقم ٦٦ المهزولة الشاحبة، في مثل ملامحه تمامًا، ترفع رأسها إليه بنظراتٍ تتفقَّده وتُشاركه الأسى. قال إنه لم يحاول — طوال كل تلك الفترة الماضية، وتحت أي ظرف — أن يسخر أو يشتم هذه الدابة، حتى في الأوقات التي كانت زوجتُه تُعايره بجلبها إلى البيت، وتُطلِق العِنان للسانها الفاحش بالسخرية منها، بل العكس، كان يشعُر بالتعاطف معها، وقال إنها جزءٌ من هذا العالم … جزء يغتذي على حشائش، ينغرس في الطين والوحل، يلفُّ ويدور بطول وعرض السهول والمراعي، ثم يعود آخر النهار، يعتصرُ الناس أضراعه ليشربوا آخر قطرة حليبٍ بقيَت في جَعْبته، والويل له لو اعتصروه ولم يجدوا لديه طلبتَهم، فيصير ملعونًا ومذنبًا، سفَّاحًا ومنتهكًا لحرمة حياة البشر. وسيكون ثمَّة رباتُ بيوت يكِلن له الشتائم، يسحَقن كرامة الحياة في لحمه ودمه، ما أتعسه! وهو نفسه … آبينغ نفسه، لا يملك أن يساعد بائسًا مثلَها، ليتَه كان يملك ضَرعًا مليئًا بحليب، إذن لأزاح عنها المحنة، وخفَّف عنها ثقل مَسْرى الزمن الذي يتباطأ كثيرًا، فيزداد وقع المحن رسوخًا ومعاندة. ربما — فقط ربما — كانت العنزة الجبلية هذه تفهم أفكار قلبه. وحتى لو لم تكن تفهم مشاعره، فلا بد أنها اكتشفَت منذ وقتٍ مبكر أن الظروف واحدة، وأنهما كلَيهما يعيشان مأساةً واحدة، هناك وراء جدران نفس البيت، يتعرَّضان لنفس الإهانات واللعنات؛ إذ لم يَكُفَّ لسانُ المرأة عن ملاحقة الجميع … «آبينغ»، «المعيز الجربانة»، «العم يانغ».

وعلى سبيل التعاطف معه، لا أكثر، أطلقَت الدابة عقيرتَها بصوت عجوز مكدود، وسط خلاء التل والصمت العريق القابع في جنباته.

«آآآآآآآ.»

«صمتًا، وتدبَّري معي حلًّا، تُرى ما العمل الآن؟» تحسَّس قرنَيها برفق، ولأنه لم يكن يتحدث إلى إنسانٍ فقد زال عنه ثقل لسانه.

خطرَت له الفكرة، فمشى ساحبًا الدابة حتى انتهَيَا إلى مرعًى قريبٍ من غابة أشجار اﻟ «تنوب»؛ حيث ربطَها في جذع الشجرة، وقال:

«ارعي هنا؛ فالعشب وافر، وسأعود إليك حالًا … حالًا سأعود.»

(١١) السادة المعيز … «أمناء اللجان العامة»

وصل آبينغ إلى الكومونة، وراح يبحث عن صاحبه يانغ، لا ليحاسبه على الغش في بيع الدواب، ولا لإجباره على إعادة البضاعة التالفة، ووضعه في موقفٍ حرجٍ أمام الناس، أبدًا؛ فلم يكن آبينغ ليتصرَّف على نحو ما قصدَت زوجتُه وأوعزَت إليه، واستحثَّته بكل وسيلة. وإنما أراد أن يتكلم مع صاحبه في الأزمة التي يُعانيها الآن، وتكاد تقلبُ بيته رأسًا على عقب وتُغضِب منه امرأته والأولاد؛ يفتح له صدره ويحكي له معاناته، ويقول له كيف أن المرأة، زوجته، تصرَّفَت بطريقةٍ منافية للمنطق، وجعلَت حياته جحيمًا، ووضعَتْه — آخر المطاف — أمام طريقٍ مسدود، فلم يجد سوى أن يقصدَ إليه، باعتباره صديقَه القديم، والرجل المتنفِّذ، صاحب السطوة، ليساعدَه في الخروج من الأزمة؛ بأن يفكِّر معه، مثلًا، في طريقة لبيع العنزة، حتى لو بالخسارة (طبعًا، مع التكتُّم والحرص، لئلا تعرف الزوجة)، على أن يحاولَ تسديدَ الفَرْق بأية طريقة. قال، لعل في هذا مخرجًا مما هو فيه.

لكنه لم يجد صديقَ عمره في الكومونة. والتقى — وهو خارج — بأمين اللجنة المساعد «آيجي يون» (كان أحد المضارِّين من حملة «التطهير الرباعية» ثم أُعيد إليه اعتباره، ورجع إلى وظيفته منذ سنتَين، مع بدء سرَيان السياسات الحزبية الجديدة). وقيل إن العم يانغ كان قد هاجم السيد «آيجي»، مع مطلع حملة التطهير، كاشفًا عن مفاسده؛ مما صَعِد بنجمه في السماء، وكاد أن يصلَ إلى أعلى منصب في المزرعة الجماعية؛ فلم تكَد تمضي سنواتٌ قلائل حتى تم طردُه هو الآخر، فلحق بزميله المطرود قبله. والآن، فإن هذا اﻟ «آيجي» يشغل نائب أمين لجنة الكومونة، ولم يعُد يحمل ضغائن تجاه العم يانغ؛ فهو بطبيعته نقيُّ السريرة طيبُ النفس، لم يحمل على أحدٍ نتيجةَ دفائن قديمة، هذا بشهادة الجميع، حسب ما وصل إلى أسماع آبينغ الذي لم يكن يحب التنصُّت على أسرار العلاقات الشخصية التي تربط كبار الموظفين بعضهم ببعض، لكنها أقاويلُ سمعها بمحض المصادفة، ولأنه خشي أن يُساء فهم مقصده في كلامه مع آيجي، فقد آثر المُضي في طريقه دون أن يُفاتحه في أي شيء. وكان الرجل نفسه هو الذي ابتدره، بابتسامة الود والسؤال عن الأحوال … و«خيرًا، فيمَ تريد لقاء العم يانغ، هل من خدمةٍ أقدِّمها لك؟ هو غير موجود الآن، وتستطيع أن تكلِّمني أيضًا، إن كانت عندك مشكلة.»

اعتذر له، «أبدًا، ليست هناك أية مشاكل.» ومشى في طريقه.

خارجًا من باب المزرعة الكبير، وجد نفسه وجهًا لوجه مع السيد «تيو» القصير. ولمَّا سأله عما جاء به، حكى له الموضوع، من خامسه إلى عاشره [من أوله إلى آخره!]، وقال في نفسه، لا بأس أن يعرفَ القصير تيو بالتفاصيل؛ فهذا لن يُغضِبَ العم يانغ، ولن يؤخذ باعتباره شكوى رسمية، وهذا هو الأهم!

سمع منه القصير «تيو» حتى آخر كلمة، ثم رفع ذراعه القصيرة الممتلئة، فاردًا أصابعه الخمسة على استقامتها، قال:

«الدابة المسجَّلة برقم ٦٦ تُعتبر من. شحنة «المعيز أمناء اللجان». وكان مفروضًا أن يقلَّ سعرها عن ذلك بكثير، خصوصًا وأنها مصابةٌ بمرضٍ عضال.»

دارت الدنيا ﺑ «آبينغ»، وارتبك عقله، لدرجة أنه لم يستوعب مغزى الاسم، توًّا … «المعيز أمناء اللجان»؛ فالمفهوم عنده أن البشر وحدهم هم الذين يشغلون منصب «أمناء اللجان الحزبية» في فروعها المختلفة، لكن أن تكون هناك فصائلُ من الدوابِّ تتسمَّى بنفس الكادر الوظيفي، فهذا شيءٌ عجيب، ثم — وفي هذه الحالة — لماذا ينبغي أن يكون سعرُها العنزي أقلَّ المعتاد؟ فالمنطق العادي يستوجب أن تكون هذه الفصائل أغلى سعرًا بكثير جدًّا عما سوها؛ فهذا هو المفهوم، سواء من وجهة نظره هو كفلاحٍ بسيط، أو من وجهة نظر أي إنسانٍ طبيعي، يستخدم عقله وَفْق المنطق والأصول.

لمَّا لاحظ السيد «تيو» حَيْرته واستغرابه، قرَّر أن يشرح له المسألة بوضوح، وهو يرفع بين الحين والآخر ذراعه اليمنى بأصابعها المفرودة على استطالتها، كعادته، بالذات كلما احتاج إلى التأكيد على معنًى محدَّد من كلامه، يريد أن يُوصلَه بوضوحٍ إلى مَن يحاوره.

«انظر … «المعيز أمناء اللجان»، أو «المعيز الموظفون»، أو «المعيز العلاقات العامة»، كلهم تقريبًا شيء واحد من دون أي فرق!» لاحظ أن الدهشة على وجه آبينغ ازدادت رسوخًا وتوحشًا، فأكمل موضحًا: «سأشرح لك، وستفهم الأمر كله من دون عناء؛ فهذا النوع من الماعز الذي نجلبه من إقليم «شانشي» ليس مجرد ماعزٍ جبلي تمَّت تربيته في مزارع، كلا، بل هو نتاجُ مزارع خاصة بالسادة أعضاء اللجان الكبار، وأحيانًا يكون مما يربِّيه الموظفون في المزارع الجماعية، أو أمثالهم من العاملين في الوحدات الزراعية. وفي حالاتٍ خاصة جدًّا، تكون الفصائل قد تمَّت تربيتُها في المحطات البيطرية، أو المراكز المتخصِّصة في حفظ الفصائل الحيوانية. وفي العادة، فهم يبيعون لنا بضاعةً رديئة، يعني إن لم تكن الدابة مريضة فهي — على الأقل — عجوزٌ مُسِنَّة. وإن سألتَ عن سبب بيعها يُقال لك بأنه نوعٌ من … «التصفية الرحيمة». وعندما نبعث بموظفينا لاستلامها، فإن البائعين يطلبون ثمنًا فاحشًا، ويشترطون عدم المساومة. وطبعًا، فلو فكَّرتَ جيدًا، فستجد أنك مضطرٌّ للنزول على طلبهم؛ لأنهم المصدر الوحيد للبضاعة. وأنا — عن نفسي — لا أعرف آخرين في شانشي غيرهم. وعمومًا، فالأحوال كلها واحدة عند الجميع، وكل منطقة لها «عنزاتها»؛ لذلك، نذهب ونقول إننا بصدد استلام «المعيز أمناء اللجان» مثلًا، وفي منطقة الموظفين نقول إننا سنشتري «المعيز الموظفين»؛ أي ذلك النوع الذي نستجلبه من الوحدات الزراعية، وهكذا. وكنا — في المرة الأخيرة، وبينما نحن في طريق العودة — قد قلنا بعضنا لبعض، لا بد من تخفيض السعر مع ضمان مكسبٍ معقول، خصوصًا عند بيع بعض الدواب، مثل عنزتك رقم ٦٦ المُنهَكة مرضيًّا، وهناك معيزٌ أخرى مُسِنَّة، لكني لا أعرف لماذا تم تغيير الاتفاق بعد وصولنا، مثلما تغيَّر الاتفاق أيضًا بخصوص صغار الدوابِّ التي وُلدَت أثناء الرحلة! ويبدو أن كل واحدٍ صار له رأيه الذي يفرضه على مزاجه في هذه الكومونة!» بشيء من الغيظ الواضح، نطق السيد «تيو» العبارتَين الأخيرتَين. رفع يدَه اليمنى ثانية، بينما عرض اقتراحه على آبينغ، قائلًا: «اذهب فورًا إلى السيد «آيجي» الأمين المساعد وتكلم معه؛ فهو رجلٌ طيبٌ بحق، ولا يتأخر عن خدمة الناس، وحل مشاكلهم.»

حرَّك الاقتراح مخاوفه؛ فقد بدا له نوعًا من التحريض ضد صديقه القديم؛ فمن يدري، لعل الأمر يتفاقم ويتحول إلى شكوى ضده، وهو ما لا ينبغي له الوقوع فيه مهما حصل. تحيَّر وقال: «لا، لا داعي، أنا ذاهبٌ الآن في مشوارٍ آخر، عندي شغلٌ آخر مهم.» قام مغادرًا المكان، وقلبه مليء بخواطرَ شتَّى تتنازعه على الطريق، كان يتذكَّر الوجه المدوَّر الكبير، وجه صديقه يانغ، وبالذات أيام المحنة التي ألمَّت به؛ حيث كان يلقاه وقتئذٍ بكل بشاشة، بل وبابتساماتٍ اختلطَت بطيفٍ من التملق. كان يستطيع أيامها أن يطلبه فيجده، ويجلس إليه في أي وقتٍ يشاء، على عكس الحال الآن. وليت الأمر اقتصر على مشاغله المتزايدة، بل وصل إلى حد نسيان وعوده السابقة. وعلى كل حال، فالسؤال الذي يطرح نفسه في هذه اللحظة بالذات هو: لماذا أصرَّ العم يانغ أن يُعطيَه العنزة المسجَّلة برقم ٦٦ بدلًا من الأخرى رقم ٩٩؟ هل كان يقصد بيعه العنزة المريضة عمدًا؟ أكان يُضمِر له كل هذه الكراهية؟ منذ متى؟ عاد الرجل الذي لم يُضمِر في نفسه شرًّا لأحد، عاد يُجيب على سؤاله الذي طرحه بنفسه … قال مستحيل؛ فالأمر يومها حتى لو كان منطويًا على نية التخلص من بضاعةٍ معطوبة، فقد نزل على رأس الجميع بغير قصدٍ مُبيَّتٍ تجاه أحدٍ بعينه. وربما لو كان العم يانغ قد أدرك أنه سيؤذي صديق عُمره بهذا البيع لتدبَّر للمسألة وجهًا آخر.

اقترب من أشجار التنوب حيث ربط العنزة، وتذكَّر كلمات امرأته:

«لو رأيتُك راجعًا ومعك العنزة، فسأغرسُ السكين في رأسها!» هنالك، تجمَّدَت الأفكار في رأسه، ولم يَدْرِ ماذا يفعل مع المرأة ذات الدماغ الناشف مثل حبة فاصوليا متصلبة، لا تلين بالماء ولا الزيت.

أزِف المساء، وليس ثمَّة مخرجٌ من الأزمة، فليمضِ إلى البيت، ساحبًا الدابة، وقد انعقدَت على سحنته أمارات التجهُّم، كوجه عنزةٍ ساخطة، ولتنغرسِ السكين في رأسه!

(١٢) المرأة التي أمسكَت بيدها زمام الأمور

مساء أمس، رجع آبينغ إلى بيته، دون أن تستقبله الزوجة بعاصفة من الغضب، كما توقع؛ فقد اكتفت بالنظر إلى ملامحه الحزينة، ثم تنهَّدَت قائلة: «ألا تشعر بالخجل من نفسك، وأنت راجعٌ إليَّ بهذا الوجه؟ كيف يُكتب لي أن أكون امرأة رجلٍ مثلك، كيف تكون الرجل الذي يُقسم لي العيش معه؟»

بعد إفطار اليوم، قامت واقفةً فجأة، قالت: «هذه المرة لن تمنعَني، لن تقفَ في طريقي، لا تحاول … لأني قررتُ أن أذهبَ إلى الكومونة باحثةً عن ذلك المدعو يانغ، لن تصُدَّني عن الذهاب إليه؛ لأني سأنفجر لو لم أصرِّف طاقة الغضب المكتومة في صدري!» وخرجتُ على الفور، دون أن تُدير رأسها تجاهه، دون أن تعبأ بردِّ فعله.

بقي يعمل في الحقل طوالَ فترة الصبح وقلبُه واجسٌ بالظنون، لا يدري كيف تكون العواقب، بعد ذهاب المرأة في مشوارها الغاضب. لقيه أحدُهم في الغيط، شارد الذهن فمازحه:

«ما لك تجلس ساهمًا هكذا؟ هل طارت امرأتك «من العش»، بعد كل هذه السنوات؟»

بماذا يردُّ عليه؟ وهل هذا وقتُ مزاح؟

في الظهيرة، عادت المرأة بوجهٍ مليء بالبهجة.

«هل قققابلتِ السسسيد «آييجي»؟» سألها متحيرًا.

«ولماذا ينبغي أن أقابله؟ ثم إنه كان مسافرًا، وقالوا سيرجع نهار الغد؛ فأنا لم أكن أريد غير أمين اللجنة … يانغ نفسه؛ فالمثل السائر يقول: ابحث عن رأس الشر، مثلما يبحث الدائن عن المدين! وفعلًا قابلتُه اليوم، أمسكتُه من رقبته وظَلِلتُ أنفثُ المكبوتَ من غضبي، بقيتُ أشتمُه حتى أفرغتُ كل ما بجَعْبتي من الغيظ وارتحتُ تمامًا. وظل ينظر إليَّ طوال الوقت دون أن يجد فرصةً للرد عليَّ؛ تجمَّع الناس من كل صوبٍ على أثر الصياح والسباب، وغصَّ المكان بهم، حتى كاد الباب ينخلع من كثرة الزحام.

تضايق آبينغ وصاح بها:

«ما هذا؟ كككيف تتتصرفين بهذذذه الططريقة؟ كككلام غير معقققول!»

«كلامي أنا غير المعقول، أم كلامه هو؟ في أول الأمر، دخلتُ وسلمتُ عليه وكلَّمتُه بكل احترام، وسألتُه هكذا بكل وضوح، قلتُ له: ألم تقل ﻟ «آبينغ» إنك تريد أن تختار له عنزةً جيدة، على أن تُعيدَ له رأسَ المال بعد شهرَين؟ ردَّ وقال، إن هذا لم يحدث، وإنه مستحيلٌ أن يقبل آبينغ باسترداد النقود؛ لأن هذا نوعٌ من الفساد والسرقة … إلخ. وعند هذا الحد، كِدتُ أتمزَّق غيظًا؛ فلم أشعُر إلا وقد فاضَ بي الكيل.» عند هذا الحد من الحكي، توقفَت امرأة آبينغ، فقط، لكي تشمِّر عن أكمامها قبل أن ترجعَ إلى روايتها، ربما لتستحضر في ذهنها المنظر وصورة الأحداث، حيةً نابضةً بالعنفوان، «سألتُه ساعتَها، قلتُ له: ألم تحجز أفضل المعيز لك، بينما أعطيتَ أسوأ القطعان فيها لأهل الكومونة؟ ألم تحتجز لنفسك ولأقاربك أحسن البضاعة، هه؟ أليس هذا فسادًا وسرقة؟ حتى المعيز الصغار قمتُم باحتجازها وتقسيمها فيما بينكم، وحرَمتُم منها أهل المزرعة، أليس هذا فسادًا وسرقة؟ قل لي! ثم إن آبينغ عندما اختار العنزة وقع اختياره على الرقم ٩٩، لكنك أصرَرْتَ على أن تُعطيَه الدابة ذات الرقم ٦٦، طبعًا لكي تتخلص من أسوأ بضاعة لديك، أليس هذا غمًّا وفسادًا وسرقة؟ …»

وكلما أوغلَت في الحكي ابتهجَت وأشرق وجهها صحة وعافية، كأنها كسبَت معركة وعادت برايات النصر، مزهوةً آخذةً بحقها من معتدٍ أثيم.

ورغم شعوره بأن كلام امرأته لم يتجاوز المعقول في عمومه، فقد بقي يتوجَّس شرًّا مما قالته؛ لأنها — حتى لو كان معها الحق — فلم يكن يبغي أن تدخل في مناقشاتٍ حامية مع كوادر اللجان الحزبية، بل مع أمين اللجنة العام نفسه. ولا بد أنها تجاوزَت نطاق الشجاعة إلى تخوم الاجتراء.

«قلتُ له: اسمع يا سعادة أمين اللجنة، يا عم يانغ يوان»، أضافت بإسهابٍ قائلة: «أنت طبعًا لم تنسَ ما حصل أيام «حملة التطهير»، لمَّا كادوا أن يفتكوا بك، هل نسيتَ ذلك؟»

لم يتمالك آبينغ إلا أن صاح بها: «كككيف تتتقولين ذذذلك؟»

«ولماذا لا أقول؟ لماذا لا أدوس على الإصبع الأكثر إيلامًا؟» زعقَت بأقصى طاقتها، «فما دام لا يتورَّع عن إيذاء الناس وإيقاع الألم بهم، على الرغم من أنه هو نفسه قد ذاق مرارة الألم والمحنة … لماذا — عندما تصبح في يده السلطة — يُوقِع بالناس مزيدًا من الشقاء؟»

«يعني … هو لم يقققصد إيذذذاءك أنت بالذذذات.» عند هذا الحد، بدأَت حُجج آبينغ تفقد قوة الإقناع.

«وهل من المفروض — ما دام لن يؤذيني — أن يؤذي كل الناس؟» واصلَت قائلة: «ثم إني لن أشغل منصبًا في حياتي، ولن أنافسَ أحدًا في منصبه؛ وبالتالي فلستُ أخشى أن يطالَني الأذى … إن أبي وأمي لم يُورثاني سوى فمٍ ولسانٍ أعتمد عليهما في قضاء مصالحي، دون حاجة لأحد.» شاعت البهجة في ملامحها، وأخذَت تتسع دائرة الابتسامة مع الوقت.

سرت في البيت كله عدوى البهجة، باستثناء آبينغ؛ وحده بقي صامتًا، في حين دبَّ الفرحُ في جنبات المنزل، وملأ قلب المرأة وأولادها سرورًا بعد طول كدَر. والمرأة نظرَت بعينٍ ملؤها الصفاء، وصاحت بمرح: «المهم أني اليومَ قلتُ له ما عندي، وارتحتُ من ثقل ما كان يرزح على صدري. وليس مهمًّا ما يحصُل بعد ذلك. أعرف جيدًا أننا سنشقى وندبِّر حياتنا بحيث نسدِّد السبعين يوانًا. لقد فكَّرتُ في تلك المسألة جيدًا.» جمعَتْهم حول مائدة الطعام، وجاءت بورقة وقلم، ووضعَت خطة للأيام القادمة؛ سنبيع الخنزيرَين في الوقت المناسب؛ بحيث يغلَّان مكسبًا وفيرًا … نسدِّد بثمنهما الدَّين، ثم نبيع الخنزير الصغير. وبالنسبة لنقود العلف، فلنبحث عن طريقةٍ لتدبيرها. مثلًا، فلنَبِع العددَ الأكبر من الدواجن، ونستغنِ عن نصف البيض، ونُلغِ كل المصاريف التي عملنا حسابها في وقتٍ سابق، نُلغِها مؤقتًا. أما عن السرير «المتراقص على نغم الموسيقى»، باهتزازاته وصريره عند النوم، فلندَعْه يُصدر كل الأنغام الممكنة في هذا العالم، ندَعْه مؤقتًا أيضًا، إلى أن نعبُر من الأزمة الخانقة، وبعد ذلك نقعد ونتكلم … لن ندَعَ الظروف الصعبة تقصم ظهورنا، ولا بد أن الأحوال ستتحسَّن … سيتحسَّن كل شيء بمرور الأيام!

في المساء، بقي الجو مشرقًا بعبق الانتشاء. التفَّت الأسرة حول الراديو [حول ميكروفون الراديو المثبَّت في الجدار؛ لأن الإذاعة وقتذاك محلية تُبثُّ من الكومونة ]، وقد تم إصلاحه منذ عدة أيام. ومع ذلك، فلم تكن برامجه تجذب أحدًا لمتابعتها، بسبب كثرة الضوضاء والأصوات الزاعقة التي كانت تصدُر عنها طوالَ الوقت. لكن الإذاعة — في تلك الليلة — بثَّت برنامجًا للأوبرا المحلية، بعنوان «أنهار الخريف». وساعة أن بدأَت الموسيقى الافتتاحية، التفتَت المرأة إلى الجميع، قالت: «أنصِتوا، لا نريد أن يفوتَنا شيءٌ منها، ولا عبارةٌ واحدة من الحوار أو الأغاني، لنعرفَ ما الذي ستفعله البنت (الراهبة البوذية) مع الولد الذي نذَر نفسه للعلم والدراسة. المفروض أنها ستلاحقه حتى تُوقِعَه في غرامها … هذا الجزء أمتعُ ما في القصة، فانتبهوا جيدًا إلى الأحداث من بدايتها.»

«لكن لماذا تريد الراهبة أن تُوقِعَ بالولد، يا أمي؟» سألها الولد الصغير.

«لأنها تريد أن تتزوَّج منه، تُصبِح امرأته يعني.» وإجابتها بهذا الشكل هي أقصى ما كانت تستطيعه من توضيحٍ لولدٍ في سنه، خصمًا لتفاصيل كانت أعمق.

«ولماذا تريد أن تتزوج منه، وتصبح امرأته؟» واصل الولد، وقد استبدَّت به نوبة لجاجة تساؤلية.

تجاهلَته. ولكي تحوِّل انتباهه، أشارت له بالالتفات إلى تفاصيل الأحداث التي ترويها الأوبرا الغنائية، قالت: «انظر، هذا هو الملَّاح، الماسك الدفَّة في الحكاية العجيبة، قد جاء دوره الآن …»

في تلك اللحظةِ عَينِها، انقطع الصوتُ في الميكروفون، وتوقَّف الحوار والعزف الموسيقي المصاحب وصوتُ المغنية الأوبرالية. حتى صوت الملَّاح في التمثيلية وهو قادم، انقطع كل ذلك فجأة. سادت لحظةُ سكوت تخلَّلَتها أصواتُ خشخشة، ثم جاء صوت المذيعة واضحًا: «أيها الرفاق من أعضاء الكومونة! مساء الخير، إليكم الآن كلمةً مهمة يُلقيها على حضراتكم السيد يانغ يوان، أمين اللجنة الفرعية بالكومونة، يتحدث فيها عن بعض المسائل المتصلة بتربية الأغنام.»

«الأغنام … مرةً أخرى»، قالت المرأة، وقد تجمَّدَت ملامحها.

تنحنح العم يانغ، وببطءٍ شديدٍ تكلم: «أيها الرفاق، أتكلم معكم اليوم في موضوعٍ مهمٍّ بشأن تربية المعيز.»

من لهجته وهو يتكلم بهدوء، ظهر وكأنه قد نسي تمامًا ما حدث له صباح اليوم من سبٍّ علني أمام حشدٍ من الناس.

بدأ كلامه بقوله إن الكومونة شرعَت في خطة تطوير تربية الأغنام منذ السنة قبل الماضية، ونجحَت حتى الآن في إنتاج مائة وواحد وخمسين رأسًا منها، «… والنتيجة العامة — بحسب هذا الإحصاء — تشير إلى تطورٍ جيد في الأداء»، وقد بلغ إنتاج الألبان لكل رأس في المتوسط، مقدار الكيلوغرام، «… وهو ما يُعد إنجازا رائعًا، من الناحية المبدئية.» وبعد أن سرد عدة أرقام وإحصاءات، إذا به يتحول فجأةً إلى موضوعٍ آخر مختلف عما كان يتحدث فيه، قال: «ولكن، ورغم كل هذا، فلا يجب أن يأخذنا العُجْب بأنفسنا وبما أنجزناه، ولا يجب أيضًا أن نغفُل عما يُدبَّر من محاولاتٍ هدَّامة، ولا يصح أن تأخذَنا الغفلة ونقول إن السموم التي أفرزَتها «عصابة الأربعة»٢ قد زالت تمامًا! فهل يمكن أن نركنَ إلى هذا الوهم، ونقول إن الساحة قد خلت ممن يُناوئون محاولتنا في تطوير الثروة الحيوانية؟ مستحيلٌ طبعًا؛ فصباح اليوم، كانت عندي في مكتبي واحدةٌ من هؤلاء. إذن!»

و«إذن»، فكلامه كله كان يلفُّ ويدورُ حول هذه النقطة، أول ما بدأ حديثه. كلامه كله كان مقصودًا به ما حصل صباح اليوم، وبالطبع فلم يكن لينسى شيئًا مما حدث! ولا بد الآن من الإنصات جيدًا لما يقول. حتى آبينغ، نهض من فوق المقعد الخشبي القصير وقام واقفًا، يُنصِت بانتباه، وقد ضرب التوتُّر العنيف بأوتاره في كل خلايا جسده.

«هي امرأة، إذن، وأنا لا أقول إنها سيئة إلى هذا الحد، ولا أتهمها بشيء!» كذا قال.

«وما الذي يمنعك من القول بأني سيئة؟ قُل على راحتك؛ فالمرأة هذه لا تخافك، مهما قلت.» صاحت امرأة آبينغ، وهي تتطلع إلى الميكروفون المعلَّق في الجدار.

«بل أقول فقط إنها أرادت إثارة المشاكل في الكومونة. وإذن، فقد جاءت وليس في جَعْبتها سوى افتراءاتٍ واتهاماتٍ بالباطل للمسئولين، ولم تستطع إلا أن تصيحَ وتسلِّط علينا لسانها، إذن! لكي تشيع بين الناس تصورات مختلَقة، إذن! لم تكن تريد سوى أن تحدث البلبلة، إذن!» ظل العم يانغ يضع هذه اﻟ «إذن» في ذيل كل عبارة، وهو يتكئ على الحرف الصائت بقوة، كاد يقترب في نطقه من اﻟ «زن» المتصل، الذي يشير إلى معنى الطنين الأجوف. وبعد هذه السلسلة المتصلة الحلقات من اﻟ «طنين»، شحبَت ملامح المرأة وتبدَّل صفاؤها كدرًا.

«أؤكد لكم أني لا أقصد من كلامي الآن أن ألصقَ بها التُّهم جزافًا، بل أتساءل معكم جميعًا، ألا يمكن أن تكون هذه المرأة إحدى النفثات المسمومة الباقية من زمن «عصابة الأربعة»؟ وعلى هذا، أفلا يكون سلوكُها مقصودًا به تخريب الاستقرار والتضامن فيما بيننا؟ …»

«تخريب ﻓ… أمك!» صاحت وهي تقفز من فوق المقعد، وتُنادي ولدها الصغير صارخة: «جياومو، اقطع سلك الميكروفون حالًا.»

ومكبِّر الصوت في منزل آبينغ مثل معظم مكبِّرات الصوت في باقي منازل القرية، لا يعمل بمفتاحٍ مستقل؛ أي لا يمكن التحكُّم في فتحه أو إغلاقه بزِرٍّ مخصَّص لذلك؛ فهو متصلٌ بمحطة الإذاعة القروية، ويعمل من تلقاء نفسه، ويُذيع برامجه على الجميع في أوقات البث. وعلى من يُعرض عن سماعه أن يمُدَّ يدَه فقط، فيسحب السلك المثبَّت في الأرض عند زاوية الحائط؛ عندئذٍ ينقطع الصوت عن المكبِّر، ولو أنه لا ينقطع تمامًا، بل يظل يصدر أزيزًا خافتًا جدًّا … مثل صوت الذباب. وهو لم ينقطع بالكلية هذه المرة أيضًا، عندما مدَّ الولد جياومو يده وجذَبه بقوة، بأمر الوالدة.

جاء الدور عليها كي تبدأ نوبةً طويلة من السباب والطعن ولعن آباء يانغ وأهله، والذين أنجبوا أجداده. أصبح عندها شبه اعتقاد بأنه رجلٌ منحطٌّ فعلًا، وأن دناءته مختلطة ببذورٍ شيطانية من الأصل. وأكثر ما سبَّب لها الغيظ، هو أنه كان يبثُّ تشنيعه عليها في الراديو، بينما لا تملكُ الردَّ عليه. وحتى لو ردَّت بأعلى صوتها، فلن يسمعها. صحيحٌ أنها انتقمَت بفصل الأسلاك، لكن كل بيوت القرية ستواصل الاستماع إلى بقية كلامه؛ كل بيت سيُنصِت مليًّا، ولن تملك أن تقطع أسلاك المكبِّر في كل واحدٍ منها. وحتى لو قلنا إنه لم يذكرها صراحةً بالاسم واللقب، فلن يمضيَ يومان اثنان فقط حتى يعرفَ الجميع أنها هي المقصودة، سيُدرك الكل أنها هي التي تعمل على «تخريب الاستقرار والتضامن بين أهل المزرعة الجماعية»، أنها المرأة السليطة اللسان التي تبثُّ التشنيع والاختلاقات ضد المسئولين العاملين على تطوير ونجاح المشروعات في الكومونة، أنها المدعوة «سوفن» التابعة لفريق الإنتاج رقم xx من المنطقة رقم xx، ذات اللسان الحاد كشفرةٍ حامية. بات الميكروفون المصنوع من الورق المقوَّى، الداكن اللون، هو الطرف الوحيد الذي راحت تصُبُّ عليه وابلَا من أقذع ما لديها من رصيد الملاسنات الشنيعة، كأنه يقوم الآن مقامَ السيد أمين اللجنة، يانغ يوان. هنالك، لم يكن ﻟ «آبينغ» أن ينطق بشيء؛ لأن أية كلمة سيُلقيها الآن على مسامعها ستكون بمثابة نقطة ماء تُلقى في قِدْرٍ مليء بالزيت المغلي، فتسوء الأمور بدرجةٍ يصعُب معها التنبؤ بما ستئول إليه؛ ومن ثَم، فقد بقيَت تتدفق مع تيارها العاتي، إلى أن توقَّف التيار من تلقاء نفسه (وهو الطبيعي، بما أن الطرف الآخر لم يكن حاضرًا يستدعي لديها طاقة الرد بالمزيد). فكَّرَت أنه من الأفضل لها أن تُواصلَ الاستماع إلى ما يقوله الرجل عنها، فصرخَت مرةً أخرى في الصبي: «جياومو، قُم ضَعِ السلك مكانه مثلما كان.»

لكن الصوت الذي ردَّده المكبِّر الآن كان لمغنيةٍ شابة:

«ياحبيبي، متى تعرف أن قلبًا يتحرَّق شوقًا … إليك؟!»

لم يكن الولد، هذه المرة، بانتظار صيحةٍ أخرى من أمه، خصوصًا وقد رأى على وجهها سُم الغضب الناقع، فأسرع من تلقائه وسحب السلك من ثقب الجدار، دون أن يعرفَ مصيرَ قلب الفتاة المتحرِّق … شوقًا.

ولو أن كتلةً أخرى من النار المُستعِرة في قلب امرأة آبينغ كادت تنفجر كبركان … كادت تعصف بكيانها كله. كان الغضب ينهشُها من الداخل، دون القدرة على تصريف هذا الوحش المكتوم في أعماقها. لطالما كانت تعتمد على لسانها طوالَ الوقت، ولم يخذلها على الإطلاق؛ كم شرعَتْه في وجه مُبغِضيها ولم تنهزم مرة، لم تُخفِق في النَّيل من خصومها بهذا السلاح البتَّار، كانت تكسبُ به كل الجولات، كمحارب لا ينثلم له سيف، لكنها الآن لا تجد مفرًّا من الاعتراف بأن حربها — هذه المرة — كانت خاسرة، ولن تقدرَ أن تُهرعَ إلى مكتبه صباح كل يوم لتلقي على مسامعه ما لم يُقل حتى لكلابٍ ضالة في الدروب. ولنفترِض أنها استطاعت، فماذا تفعل مع تلك المكبِّرات في البيوت؟ هل ستُهرع إليها جميعًا — في وقتٍ واحد — وترُد عليه بأعلى صوتها، وتقُص على الناس حقيقةَ ما حدث، وتجأر أمامهم بالشكوى، وتُقنعهم بأن الحق في جانبها؟

ربما كانت تلك هي المرة الأولى التي تشعُر فيها امرأة آبينغ بذلِّ الهزيمة وتعاستها.

أخيرًا … أخيرًا جدًّا، كانت تميل صوبَ زوجها وتقول له، والنعاس يغالب أجفانها:

«اذهب من باكر إلى السوق، واسحب العنزة معك، اعرضها للبيع بأي ثمن، حتى لو جاءت بأربعين يوانًا! خلِّصنا من وجهها المشئوم، لا أريد أن أراها هنا … وجه النحس هذه!»

لم يُجِبها بشيء، بيد أنه كان يغرف بيده حفنةً من الذرة الشامية ويُلقيها، خفية، لوجه النحس. يقول لها همسًا: هاكِ، اقضمي من دون صوت!

كان الأمر يأخذ مجراه على هذا النحو.

تمَّت في مايو ١٩٨٠م
١  «حملة التطهير الرباعية»: مبادرةٌ سياسية أُعلنَت في الفترة (١٩٦٣–١٩٦٦م)، لمحاربة الفساد في أربعة مجالات؛ السياسة، الاقتصاد، الإدارة، الفكر.
٢  «عصابة الأربعة» مصطلحٌ سياسي واجتماعي، يُشير إلى مجموعة القادة الصينيين الذين تم إبعادهم عن السلطة ومحاكمتهم، عقب انتهاء الثورة الثقافية، بتُهمٍ متعددة أبرزها إساءة استخدام السلطة السياسية أثناء توليهم الحكم، وعلى رأسهم زوجة الرئيس ماو تسي تونغ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦