أنا البغل المشار إليه

انتابتني نوبةٌ مفاجئةٌ من السُّعال، وأنا في الطابق العلوي. وشعَرتُ كأن مجمرةً من النار تتَّقد في حلقي من شدة الألم الذي لازمني طوالَ كل تلك السنوات؛ فهذا هو طبع الأمراض المزمنة ومتاعبها على مَرِّ الأيام، وعلى عكس ما تبدو عليه في بَدء الإصابة بها، حين تظهر في هيئة اضطراباتٍ خفيفةٍ لا تلبثُ أن تتفاقم مع الوقت … تتفاقم بكل معنى الكلمة، فتحتشد وتتراص وتنزل على الجسد في موجاتٍ متلاحقة؛ فهذه موجةٌ تتفجَّر في تجويف الفم لهيبًا حارقًا، يعقبُها التهابٌ حادٌّ يسدُّ الحلق مصحوبًا بآلامٍ حادة، ثم يتلوه شعورٌ بتشقُّق في أنسجة مدخل الحلق؛ يعني باختصارٍ تتحالف كل الأعراض لتشلَّ تفكير المرء وهناءته. وكنتُ قد طلبتُ العلاج بكل وسيلة، فلم أدَعْ طريقةً أو وصفةً إلا جرَّبتُها؛ ذهبتُ إلى معالج بالطب الصيني، وإلى اختصاصي في الطب الغربي، ثم إلى متخصِّص في العلاج بالأعشاب وسمعتُ أن هناك مَن يُعالِج بالتدليك، فلم أبرَح حتى قصدتُه. حتى المعالجون الشعبيون من طائفة الدجَّالين الذين يدورون في الشوارع يبيعون وصفاتهم الرخيصة التي لا تزيد عن كونها أنواعًا رديئة من المسهِّلات — حتى هؤلاء — سألتُهم وسألتُ غيرهم وغيرهم، وكل من هبَّ ودبَّ في مهنة التطبيب والعلاج، سواء من المعالجين المُعترَف بهم مهنيًّا ورسميًّا، أو من المتكسِّبين رزقَهم في الأزقَّة وعلى الأرصفة والنواصي، دون أية فائدة! ولم أجد كلمةَ صدقٍ في كل ما سمعتُ إلا ما قالته امرأتي، بعد طول معاناةٍ ويأسٍ من إمكانية العلاج. قالت إن السيدة الوالدة هي السبب، من حيث إنها أورثَتْني حلقًا سريع العطب والهشاشة إلى هذا الحد، وأنا لم يعُد بيدي حيلة، ولا بيد أمي أن تُصلح العوار.

أردتُ أن أسعلَ بقوة كي أطردَ البلغم الذي يسُد قصبة الهواء، فوقفتُ مكاني عند أعلى السُّلم، وملأتُ صدري بالهواء، وأعدتُ رأسي إلى الوراء قليلًا وأنا أرفع كتفيَّ وقد تقبَّض وجهي. وفي اللحظة التي أوشكتُ فيها على البصاق، انفتح بابُ شقَّتنا بهدوء، وأطلَّت امرأتي برأسها ذي الشعر اللامع كذيل طاووس؛ أطلَّت عليَّ وأنا واقفٌ عند بسطة السُّلم في مستوًى منخفض عن نظراتها. ومن مكانها عند مدخل الشقة، قالت لي:

«منظرك يوحي بأنك ستسعل وتوسِّخ الأرض كالعادة، ألا تتماسك حتى تضع منديلًا فوق فمك، بدلًا من البصق فوق الأرض؟ تبقى هكذا تتمخَّط وتُثير جلبةً من حولك، مثل عربة قطار تُدمدِم وتملأ الجو ضجيجًا، حتى يسمعك كل سكان البناية.»

لم أملك إلا أن أُصرِّف الهواء المكتوم في صدري، وأهدِّئ تحفُّزي وتشنُّج كتفي ورقبتي، وأنا أدخل الشقة وراء امرأتي.

عُدتُ أنشغل بأشيائي، وأفتِّش عما أريدُ أن أفعلَه، لكن المرأة التي بدا أنها قد سكتَت طويلًا حتى فاضَ بها، انفجرَت فيَّ تسألني:

«لماذا لم تسعل حتى الآن؟»

«فماذا أفعل يعني؟ لم تعُد بي رغبةٌ في السعال.»

«يا لك من شخصٍ غريب! ولماذا تجيئك الرغبة في السُّعال وأنت في الخارج، على السلالم، كأنك تتعمَّد أن تعرِّف السكان جميعًا أنك وصَلْت، كأنك تخشى ألا يعرفوا بمجيئك، هه؟ ولماذا تريدهم أن يعرفوا بمجيئك؟ أتظن أنهم سيفتحون الأبواب ترحيبًا بمقدمك الجليل؟ كأنك سعادة رئيس الإدارة، أو المدير العام بجلالة قَدْره؟! ألا تنتبه إلى أن صوتك المتحشرج — وأنت تسعل — يمكن أن تتكدَّر منه أسماعُ الناس، ألا تخشى أن يشتموك في سِرِّهم قائلين إنك همجيٌّ غيرُ مهذَّب؟»

قلتُ: «ولكن الكُحَّة تأتيني بالرغم مني؛ فأنا غيرُ متعمِّد مضايقتهم. ومنذ قليل، كاد حلقي يتمزَّع من شدة الألم، فقلتُ إنني سأرتاح لو طردتُ ما في حلقي، ثم إنني لا أُصدِر أصواتًا متحشرجة، كما تزعمين.»

«فلماذا إذن لا تسعل الآن، وتُريح نفسك؟ الباب وأغلقناه، فاسعل كما تشاء.»

«أخشى لو سعلتُ أن يخرجَ صوتي عاليًا»، قلتُ لها.

«طيِّب، حاول أن تخفِّض صوتك قليلًا …»

«خلاص … أنا الآن، فعلًا، لا تواتيني الرغبة في السُّعال.»

«أنت يا ذا الرجل غريبٌ حقًّا، ألم أقل لك هذا؟ منذ ساعة وأنا أقول لك اسعل كما تريد، فتحدِّق فيَّ ولا تفعل شيئًا، كأنك تعاندني، ولا تطرد الزفت الذي في صدرك إلا فوق السُّلم، وبالخصوص في الطابق الثالث؛ يعني تمضي على الطابق الأول والثاني، ولا تأتيك الرغبة في الكحَّة إلا عند طابقنا نحن بالذات أو الذي فوقنا، وأنت تعلمُ تمامَ العلمِ أن السكان في هذَين الطابقَين كلهم من زملائنا في الشغل، ومنهم موظفون كبار … تعرف هذا، ولا يهمك كيف يفكِّرون بنا، وأي انطباعٍ سيأخذونه عنا!»

لم أفتح فمي بكلمة، بل تناولتُ جريدة «التليفزيون»، وتظاهرتُ بمطالعتها.

«هيا … هل سأتحايل عليك كي تسعل! لماذا تتجاهل كلامي، وتتصنَّع أنك تقرأ الجريدة؟»

عاد الولد، في تلك اللحظة، من المدرسة، فتبدَّد آخر احتمال للسُّعال؛ لأن الولد هو ابن المرأة التي أنجبَتْه على مثالها، تمامًا مثلما خلق الله الإنسان على صورته ومثاله؛ ولذلك، فكان لا بد للابن من أن ينسج على منوال الوالدة [يشدو بأنغامها!]. ولو كنتُ قد علمتُ أن المرأة عادت من الشغل، لما طاوعتُ نفسي، وتهيَّأتُ للكُحَّة على درَج السُّلم، وأنا طالع إلى الشقة منذ حين. والآن تبدَّدَت تمامًا أية رغبة عندي في الاستجابة لنوبة السُّعال، وتقريبًا تبدَّدَت أيضًا الالتهاباتُ التي كنتُ أشعر بها في تجويف الحلق، وكل ما أثارته من آلام.

وامرأتي عمرها ما كانت لِتتهاونَ معي في مسألة الكُحَّة على السُّلم، بل أكثر من هذا؛ فلم تكن لتقبلَ حتى أن أتحدَّث بصوتٍ جَهْوري، سواء وأنا طالع إلى الشقة، أو أثناء جلوسي في الشرفة، فكان يكفي أن يعلوَ صوتي قليلًا، كي تستشيطَ غضبًا وتصرخ كطفلةٍ حانقة:

«ماذا تفعل باستعراضِك؟ هل تظُن أن سلوكك هذا يثير الإعجاب؟ يا لَلعار، ماذا يقول الناس عنا؟ هل نبدو في عيونهم مثل السِّفلة والرعاع؟»

هكذا، ونحن في الغرفة، غرفتنا التي نعيش بها، لم يكن مسموحًا لأصواتنا — ونحن نتكلم، أو ونحن نسعل — أن تعلُوَ ولو درجةً واحدة فوق المعقول؛ وإلا صرخَت في وجهك قائلة: ماذا تقصد من هذه الضجة الصوتية؟ ماذا تقصد أما دريتَ أن الحوائط هنا — في بنايتنا — ليست عازلةً تمامًا للصوت، وأن أية كلمةٍ تقولها بصوتٍ عالٍ سوف تصل حالًا إلى كل الآذان فوقنا أو تحتنا، على اليمين والشمال؟ ليتك تركِّب زرًّا مُنظِّمًا للصوت في حنجرتك، وتضبطه على أقل درجةٍ ممكنة!

كان حلقي يؤلمني بشدة، وكأن هناك شيئًا محشورًا في مقدم قصبة الهواء، شيئًا غليظا قَدْر مفتاح ضبط الأصوات، الذي تكلَّمَت عنه زوجتي، ولعله يفسِّر التضخم غير العادي في كتلة تفاحة آدم البارزة في رقبتي. وكان تضخُّمها اللافت هو ما أثار تعليقات زملائي ومعارفي، حتى صاروا ينادونني في العمل ﺑ «أبي غضروف»، وهي تسميةٌ لم تكن تروقُ لامرأتي كثيرًا، وكانت تستحثُّني على أن أشعُر بالفخر، رغم كل تعليقاتهم الساخرة، بزعم أن هذا الجسمَ الغضروفيَّ البارز علامةٌ على درجةٍ عالية من الذكورة. وقالت إن النساء يُعجَبن بالرجل الذي يحمل في رقبته غضروفًا بارزًا على هذا النحو، والرجال مهما حاولوا، فلن يمكنهم تضخيم حجم التفاحة الآدمية الطبيعية ليثبتوا ذكورةً خارقة للعادة. ومن ناحيتي، فلم أكن أعبأ بكل هذا، وظَلِلتُ أتمنى لو كانت تفاحتي أضأل مما هي عليه.

استغربتُ لما اكتشفتُ أن عددًا ممن كنتُ أتكلَّم معهم يعتبرون أن موقفَ زوجتي يستحقُّ التقدير، معلِّلين ذلك بأنه زيادة في الاهتمام بي وبأحوالي، على أساس أنها مسئولة بالأصل عن شئوني كلها. ومع هذا فقد بقِيتُ عند وجهة نظري من أن تدخُّلَها زاد عن حدِّه كثيرًا، خصوصًا وقد وصل الأمر، ولو بالفكاهة العابرة، إلى فكرة تركيب آلة هندسةٍ صوتية في مقدم الحنجرة.» وقد كان الطرف الثاني في معادلة التأذِّي من ارتفاع حدة السُّعال هو الولد الصغير، الذي كان يُسرع إلى أمه في معظم الأحيان شاكيًا:

«ماما، تعالي اسمعيه وقد انفجر صوتُه من جديد!»

أو يقول لها: «بابا يتكلم معي الآن، وهو يرفع صوته عن آخره!»

فتردُّ عليه قائلة: «سأجيء حالًا، وأضبط له مفتاح صوته.»

حينئذٍ، كانت تتفاقم آلام الحلق، وأشعر كما لو كان ثمَّة «خشخشة» أو «صرير» يتردَّد في أحبالي الصوتية، كأنها بقايا اهتزازاتِ ميكروفونٍ صدئ متعطل، لكثرة ما تناولَتْه الأيدي العابثة، فينحدر صوتي إلى الخفوت، ثم التلاشي تدريجيًّا إلى أن ينكتم تمامًا فلا تصدُر عنه نأمة، فينحبس من دون ضغطةٍ على زرِّ إغلاق؛ لأن الزرَّ ساعتها يكون قد خمدَت أنفاسُه من نفسه؛ لذلك، فقد كنتُ ألزم الصمت كثيرًا وأنا في بيتنا، ولا أحاول الكلام مع أيٍّ من الطرفين … المرأة وولدها، باعتبارهما معًا جناحَي حزبٍ سري على تواطؤٍ مستمر، طوالَ الوقت.

فقط، وفَور انعطافي بزاويةٍ حادةٍ عند أول الشارع، كنتُ أرفع القيدَ عن حنجرتي، وأجرِّب الصوت بدرجاته كما أشاء؛ فأطلق لنفسي العنان، متخيلًا أني في حوارٍ عابر مثلًا مع أحد المارَّة، أو في موقفٍ احتجاجي على كثرة الزحام وتعطُّل المرور. وفي كل هذا، كنتُ حريصًا على ألا ترتفع نبرة الكلام إلى حدها الأقصى، وإلا تصور الناس أني مختلٌّ عقليًّا، بل إنهم — ذات مرة — تصوَّروا فعلًا أني مجنونٌ مشرَّد بالشوارع، فأحاطوا بي يريدون مشاكستي، وسرعان ما تبيَّنوا أني شخصٌ طبيعيٌّ مثلهم، فلما خاب أملهم في اتخاذي مادةً للفُرجة والتسلي، انطلقوا في طريقهم ساخطين، وألسنتُهم تنال مني. وساعتها، انتابني الأسف الشديد لأجلهم؛ نعم، شعَرتُ بالأسف لأني أحبطتُ آمالهم في أن يسعدوا لبعض الوقت، بمعابثة شريدٍ هائمٍ في الطرقات، لكني بالطبع كنت أتحسَّب لكل العواقب، وأنا ماشٍ مجلجلًا بصوتي على هواي، فكنتُ أتلفَّت خلفي محاذرًا أن يكون ولدي ورائي؛ إذ كنا نقصدُ معًا نفس الطريق كل يوم؛ هو إلى مدرسته، وأنا إلى عملي؛ فكم خشيتُ لو سمعَني ووشَى بي عند أمه؛ أظنها ما كانت لتتوانى عن أن تصيحَ بي قائلة:

«ماذا دهاك كي تجعلَ من نفسك أضحوكة وسط المارَّة، اليوم؟ فيمَ كنتَ تُطلق لصوتك العِنان بهذا الصياح الرهيب وأنت ذاهبٌ إلى عملك؛ ألم تخشَ أن تقعَ في قبضة الشرطة وتسبِّب لنفسك المتاعب؟ قل لي، ماذا كنتَ تقصد من فعلتك هذه، هل كنت تُنافس السيارات في إثارة الضجيج؟ علمًا بأن السيارات نفسها أصبحَت ممنوعةً من إطلاق النفير كيفما يحلو لها!»

تكلَّمتُ مدافعًا عن نفسي، فأوضحتُ لها أني لم أُطلِق صوتي بالصياح، كما يُقال، بَيْد أن الولد حسم الموقف بشهادةٍ قاطعة:

«سمعتُه بأذنيَّ هاتَين يا ماما، وهو يهتفُ بأعلى صوته في الشارع، هكذا: وا، واواواوا.»

وتُسارِع الزوجة إلى التصديق، فتقول:

«هو ذاك، أنصِت … أنصِت جيدًا؛ فهذا هو صوتك، هذا هو الصوت الذي تظنه جميلًا فتُطلِقه في الأسماع من حولك، هذا هو الصوت الذي يُطلِقه رجلٌ مهذَّب مثلك … أتتصور ذلك؟ وأظن أنك لن ترفعَ عقيرتَك على هذا النحو بين زملائك في العمل.»

أهزُّ رأسي، مثلما يهزُّ كلبٌ مبلَّل بالماء جسده هزًّا عنيفًا متصلًا؛ فأنا أعرف معنى أن يكون المرء في عمله، ومقدار وكيفية التصرف اللائق بمثل هذه الأماكن العامة.

صحيح؛ فالحرصُ واجبٌ في مكان العمل؛ الحرصُ واجبٌ هناك؛ لأن امرأتي يمكن أن تصلَها أخباري، وماذا فعلتُ، وكيف تكلمتُ في مكتبي. وبالطبع، فلستُ أريد أن أتسبَّب لها في أي حرج بما يمكن أن يُشاع حول سلوكي هناك؛ بالذات وقد بذَلَتْ جهدًا خارقًا لكي تعملَ على نقلي من المصنع إلى قطاع الإدارة العامة، ولم يعُد معقولًا أن أرتكبَ حماقاتٍ تضطَرُّها إلى التوسط لنقلي مرةً أخرى؛ فمن هنا كان حرصي على أداء عملي بسلاسة، مع الانتباه الشديد إلى ضبط درجة صوتي أثناء حديثي مع الآخرين؛ بحيث تستقرُّ على أقل معدَّل يسمح للناس بأن يسمعوني بوضوح؛ لدرجة أني كنتُ أشعُر كأني الوحيد الذي يخفضُ صوته مقابل الجميع الذين كانوا يرفعون أصواتهم إلى درجة الصخَب الهادر الذي يتجاوز كل لياقة وتحضُّر. أصواتٌ منفِّرة تكاد تخترق طبلة الأذن من بشاعتها، ورغم هذا كله فلم يحدث مرةً أن خرجتُ عن سلوكي المهذَّب معهم، ولا تدخَّلتُ في شئونهم، ولا شكوتُ أحدًا منهم؛ فكلٌّ يتحمل مسئولية تصرُّفاته وسلوكه، ويعرف ما الذي ينبغي الالتزام به من عدمه، لكن المزعج في الموضوع (والمُقرف أيضًا!) هو أن سلوكهم يؤثِّر عليَّ بصورةٍ سلبيةٍ تمامًا، بمعنى أن طول بقائي معهم والأُلفة والساعات التي أقضيها بجوارهم قد شكَّلَت نوعًا من الغواية؛ بحيث أصبحتُ أخشى فقدان السيطرة على صوتي، بمرور الأيام، منساقًا إلى تيار الصخَب الصوتي الدائب، لكن الأمور لم تمضِ في هذا الاتجاه، لحسن الحظ، بعد أن أجرى رئيس القطاع تحقيقًا مع الجميع، واتخذ — على أثر ذلك — إجراءاتٍ تأديبية، سواي أنا وحدي، بل إنه أشاد بسلوكي المهذَّب أيما إشادة. وهنالك فقط، أدركتُ فجأةً قيمةَ نصائح امرأتي.

ثم نجيء إلى حكاية ما حدث بشأن مباراة كرة القدم. والموضوع هنا يتعلق بإحدى مباريات المنافسة الكبرى للحصول على كأس العالم. وأنا أجهلُ الناسِ فيما يتصل بكرة القدم، وكل ما أعرفه عنها لا يزيد عمَّا يتبادر إلى سمعي من بعض الكلمات الشائعة في اللعبة؛ كلمات متناثرة من قبيل: «التسلل»، «إصابة مرمًى» … إلخ. ولطالما وجدتُ عُسرًا في محاولة فهم مثل هذه المصطلحات البسيطة المتعلِّقة بها. وكنتُ — منذ يومَين — قد شاهدتُ في التليفزيون وبمحض المصادفة، إحدى تلك المباريات. وبعيدًا عما كان يجري فوق أرض الملعب بالذات، فقد كان أكثر ما شدَّ انتباهي، كالعادة في مشاهدة اللعبة على الشاشة الصغيرة، هو تلك الموجاتُ الهادرة المتلاحقة من صيحات جماهير المشجِّعين فوق المدرَّجات؛ جماهير بعدد الرمل، وكل واحدٍ فيهم قد فقد عقلَه من الجنون. ولعل السبب المشجِّع على هذا الفقدان هو عدم وجود الزوجات في الملاعب. نظرتُ وقلتُ يا لَحظ كل هؤلاء الناس، سواء أكانوا مكسيكيين أو من أية شعوبٍ أخرى! وبقيتُ طوالَ المباراة مُفعَم المشاعر، وقد بلغ بي التأثر مداه بما أراه أمامي على شاشة التلفاز. وكنتُ طيلة الوقت متلهفًا على إحراز هدفٍ ما، كي أسمع — مرةً تلو المرة — ذلك الصُّراخ المجنون المتصاعد من المدرجات. أي هدفٍ كان يكفي، ومن أي فريقٍ ضد الآخر، لا يهم؛ فلم أكن أعرف على وجه الدقة مَن يلعب ضد مَن؟ فما أزال أتابع وأُنصِت هكذا إلى أن تنبَّهَت في أعماقي جذورُ النزوات الدفينة (كذا تسمِّيها زوجتي، تتأملني وتقول إن أعماقي تنطوي على جذور نزواتٍ دفينة). حتى جاءت اللحظة التي وددتُ فيها أن أصيح مثلهم، وأزمجر وأصرخ بصيحاتٍ وحشيةٍ مجنونة، بَيْد أني لم أجرؤ، والمرأة قاعدة … قيد عِيَاني.

كان الشبان، صباح اليوم التالي في مكتب القطاع، يكادون أن يطيروا من الفرح بنتيجة المباراة. وكثيرًا ما اختلطَت نشوة الزهو في تعليقاتهم بزعقاتٍ هيستيريةٍ صاخبة، دون أن ينتبهوا إلى رئيس القطاع [قُل، رئيسة القطاع]، لدى دخولها بخطواتٍ متمهِّلة من الباب الموارَب.

قلنا إن رئيس القطاع الإداري امرأة، اعتاد جميع موظفي المكتب، فيما بينهم، الإشارة إليها بلقب «الشمطاء»، مع أنها لم تكن عجوزًا إلى هذه الدرجة؛ فهي لم تكن قد جاوزَت الستة والخمسين عامًا بعدُ. والمشكلة أن صحَّتَها المعتلَّة كثيرًا كانت تعوقُها عن المجيء إلى المكتب معظم الأوقات. ورغم ذلك، فقد كانت تحرصُ على متابعة سير العمل، وأحوال الموظفين، من خلال السيد الوكيل، فلما أطلَّت علينا، كانت تلك — بالنسبة لي — أول مرة أراها فيها، منذ أن تمَّ تحويلي إلى القطاع.

«ما كل هذا المرح؟ تُرى أي حدثٍ سعيدٍ تصخبون له هكذا؟» توقَّفَت رئيسة القطاع عند الباب، وهي تسأل الجميع بصوتها الحنون الهادئ، وعلى وجهها أطيبُ ابتسامةٍ وادعةٍ في الدنيا كلها. مع أن كل موظفي القطاع هنا يقولون إنها تتحوَّل إلى أشرسِ مسئولٍ حكومي عندما تغضب، وربما تطاير من عينها شررُ الانفعال، فصادف رئيس القسم فصَعقَه، أو نزل على أم رأس وكيل الشعبة فأرداه قتيلًا في ساعته، لكني — وطوال مدة عملي معها — لم يحدث مرةً واحدة أن لاحظتُ عليها أثرًا من ذلك؛ فظَلِلتُ — حتى هذه اللحظة — أقرِّر دومًا أنها طيِّبةُ الخُلُق وادعتُه، أما أولئك المروِّجون للكذب، فقد كانت تحملُهم على ذلك طوايا صدورههم.

لمَّا ابتدرَتْهم رئيسة القطاع بالسؤال أجابها أحد الشبان قائلًا: «الكلام كله عن «مارادونا» ومباراته.»

«ومن يكون «مارادونيا» هذا أو «نيولادونا»،١ وما علاقتُه بشغلنا هنا بالضبط؟» تساءلَت مستفسرةً في دهشةٍ حقيقية. وبدا أنها فهمَت ما فهمتُه أنا أول الأمر، من أن الاسم خاصٌّ بأحد الخيول المشهورة.

من خلال ابتسامتها، قالت: «طيِّب خفِّضوا أصواتكم قليلًا، نحن في مكتبٍ حكومي. وعلى الأقل، فالمفروض أن تتَّسم تصرُّفاتنا بشيءٍ من الجِد … ليتَكُم كنتم تجيئون وتشوفوننا ونحن شبابٌ مثلكم في مكاتبنا. كنا بالأعداد الكبيرة داخل الحجرة الواحدة، وإذا دخل علينا زائرٌ لا يسمع حِسًّا، ولا حتى الهمس الضئيل، لكن صوتكم هذا غير معقول. ثم إن الكلام عن الكرة محظورٌ أثناء العمل أساسًا، فما بالكم وأنتم تصيحون هكذا؟! ليتكم تتصرَّفون مثل زميلكم الكبير هذا … موظفٌ مهذبٌ وصامت دائمًا، لا نسمع له صوتًا.»

وعلى الفور، هتف وكيل الإدارة باسمي، قائلًا إن من حقِّي أن أتشرَّف بما ذكَرَتْه رئيسة القطاع عني من كلماتٍ مشجِّعة. هنالك أدركتُ أنها فعلًا كانت تقصدُني أنا بكلامها، لكنها أشارت بما معناه أني متقدِّم في السن، بينما عمري لم يتجاوز السابعة والثلاثين؛ فهل أكون بهذا السن قد كبرتُ كثيرًا إلى هذا الحد! وفوق هذا أيضًا، فمن غير المعقول أن أكونَ هذا الصامتَ الخَرِس المقطوع دابر اللسان؛ فليس سوى الشيطان وحده هو الذي لا يصوِّت له صائت.

فيما بيني وبين نفسي، فكَّرتُ هكذا، لكن لساني — على الرغم مني — انطلَق يقول: سعادة رئيسة القطاع، كلام سيادتك يشرِّفني كل الشرف ويُحرجني أيضًا؛ لأني لا أتميَّز بشيء فوق الواجب والأصول!

هي العبارة التي لقَّنَتها لي امرأتي، فبقيتُ أكرِّرها على مسامعها مرارًا حتى حفظتها عن ظهر قلب، فاجتررتُها ساعتئذٍ. ولو أني لم أكن أرى في صياغتها شيئًا عبقريًّا؛ وبالتالي، فقد أحسستُ — لما قلتُها — بأني أنا الآخر لستُ العبقرية في شيء. وحزنتُ على عكس ما بدا في وجه السيدة الرئيسة من رضًى بما قلتُ، فانفرجَت تقطيبةٌ باقية في جبينها مثلما تنفرج براعم أقحوان، فخطر ببالي حينئذٍ فجأةً أن أقول لها: «وأنا أيضًا أحلُم بأن أصرخ … واواواوالالا لا بأقوى ما في حنجرتي من عزم.»

أعرف أن تلك هي مشكلتي، ذلك هو دائي اللعين منذ الطفولة؛ فكلما مُنعتُ من سلوكٍ أو تصرفٍ معيَّن، جمحَت بي الرغبة لإتيانه. يُحظر عليَّ، مثلًا، أن أفتح فمي بكلمة، فإذا كل همي أن أتكلم لأقول أي شيء … المهم أن أخرقَ الحظر على أي نحو. كان يُقال لي اجلس مكانك ولا تتحرك، فإذا النشاطُ يستبدُّ بي كي أقوم من مكاني، وأقفز هنا وهناك، أو يتوجَّه إليَّ التنبيه بألا أحاول العطس والتمخُّط وسط الضيوف، فينحصر اهتمامي كله في أن يرتجَّ جسدي بالعطس. ثم كبرتُ ولازمَتْني الخصلة. ولو أن المناسبَ هنا القول بأني ما أزالُ رهنَ مزاجِ طفولةٍ متصل، دون أن يدركني النضج بعدُ. فقط، وللتأكيد، أشير، هنا، إلى أن أمي كانت مصدر محظورات الطفولة (علمًا بأنها لم تحظر عليَّ الصياح بأعلى صوت)، وانتقل الدَّور الآن إلى الزوجة. ألم يزعم أحد علماء النفس بأن الزوجة بديل الأم؟! فمَن يا تُرى البديل الذي تمثِّله رئيسة القطاع؟

يلزم التأكيد هنا بأن الرغبة في العصيان باطنيةٌ فقط، وليست اجتراءً حقيقيًّا على اقتحام دائرة المنع؛ فهي لم تدخل إلى حيز الفعل في أي وقتٍ من الأوقات؛ لأني — وفي السياق نفسه — كنتُ رهنَ داءٍ آخر لازمني منذ كنتُ حدَثًا، ألا وهو خشية الكبار؛ ففي بيتنا، كنتُ أخشى الوالدين، فلما دخلتُ المدرسة صرتُ أتهيَّب المدرسين والناظر والطلاب الأكبر سنًّا، وبعد التحاقي بالمصنع، كنتُ أعملُ ألفَ حسابٍ للسيد المدير ورئيس الورش الفنية؛ وإذ تم تحويلي إلى القطاع الإداري، فقد انتقل مصدر التهديد بالخوف ليتجسَّد في شخص رئيس القطاع، ووكيل المكتب الفني، ورئيس القسم، وكبار الموظَّفين، بل وزملائي الأقدم تعيينًا، وكل من أظنُّهم أقوى نفوذًا. وأعود إلى البيت، فأخاف الزوجة وولدها، بل وضيوفهما، حتى اكتشفتُ أن مَن يمثِّلون لي موضوعًا للخوف أكثر من أن يُحصيَهم عدٌّ، وليس من بينهم جميعًا واحدٌ يخشاني؛ لذلك، فرغم تفكيري الباطني الدائم في العصيان، لم يحدُث قَط أن عصيتُ أحدًا، فكابدتُ شقاء لا يوصف؛ إذ وجدتُني بين شقَّي رحًى، بين جموح التوثب باتجاه الرفض وخذلان النكوص عن الاجتراء … النكوص عن الاجتراء.

والآن، فقد تملَّكتُ مقدرةً تامةً على ضبط الصوت بإرادةٍ ووعي، في أي مكان وزمان؛ بحيث لا يصدُر عني أثناء الكلام إلا نأمة صوتٍ لا تزيد كثيرًا عن طنين جناح بعوضة، حتى صار محدِّثي يسألني أن أرفعَ صوتي قليلًا … هه؟ ماذا تقول؟ … من فضلك، تكلَّم بصوتٍ أعلى كي أسمعك! وتنبسط أسارير زوجتي، تقول: نعم، هكذا بالضبط! لكن من ناحيةٍ أخرى ما يزال ثمَّة شيءٌ في أعماقي يحرِّضني، يسوقني إلى أن أجأر بالصوت العالي، العالي، العالي!

في مساء نفس اليوم الذي شرَّفَتني فيه رئيسة القطاع بالثناء عليَّ، قالت لي زوجتي — التي كانت قد عادت لتوِّها من النوبتجية — قالت بسرورٍ واضح:

«جاءني الخبر، قالوا لي إن رئيسة القطاع امتدحَت سلوكك اليوم في المكتب.»

قبل أن يأتي رد الفعل المعقول على كلامها هذا، زاحمَني ذلك الشيء الباطني الذي كان يعتمل في تفكيري، واندفع خارجًا بالرغم مني، قلت: «وماذا يعني أن تُثنيَ عليَّ؟ الفُساء على رئيسة القطاع وعلى تقديرها … ملعونٌ مثل هذا التقدير، ملعون، ملعون، ملعون!» حاولتُ جاهدًا أن أكتُم هذا الشيء بكل وسيلة، وأن أمنعَه من الانطلاق على لساني.

وهي استغربَت الأحوالَ المتبدلة، سألَت:

«ما لك؟ هل جرى لك شيء؟»

أجبتُها في الحال: «لا، لم يحدث شيء، أنا بخير، أنا لم أتميَّز بشيء فوق الواجب والأصول؛ فأنا لم أفعل غير اللائق والواجب، لا أكثر!» قلتُ نفس العبارة التي لقَّنَتْني إياها، ثم استدرتُ ومشَيتُ مبتعدًا؛ مشيتُ بسرعة لأني لو بقيتُ ساعتَها لقلتُ كلامًا من نتاج قريحتي، كلامًا لم يسبق لها أن ألقَتْه على مسامعي.

نعم، كان لا بد أن أزعق صائحًا بأعلى صوت؛ فقد نَفِد الصبر ولم يعُد في طاقتي أن أكتُم الصياح، خصوصًا وقد جمحَت بي الرغبة في أن أصرُخَ بكل طاقتي، وصارت تتزايد يومًا بعد يوم، تتزايد وتكبر مثل بطنِ بغلةٍ حُبلى، يتكوَّر ويتضخَّم بمرور الأيام.

وعلى ذِكْر البغلة، فقد كان جَدِّي يسوق بغلته، ذات شتاء، إلى الجبل ليجلبَ لنا حمولةً من الفحم، فظل يسوق البغلة وهي تمشي بجانبه، وإذا بها تسبقه فجأةً ثم تعدو وترمح، ولم يكن جدِّي قد رآها ترمح قبل ذلك قَط، حتى عندما كان يستحثُّها بالسوط، لكنها — ذلك اليوم، وكمن أدرك أمرًا مفاجئًا، أو نفذ إلى وعيٍ كان غائبًا عنه في لمحة من الزمن — فقد رمحَت منه. وكلما جذَب مقودَها ازدادت جموحًا وخرجَت عن سيطرته، فذهِل وقال لنفسه إن الدابة أصابها الخبال، ولم يملك إلا أن يتبعَها وهي تجري على هواها، وتمرقُ من بين الناس والدواب، وتفِرُّ منه فلا يلحقها، وكل ماشٍ يتَّقي صولتها فيُخلي لها الطريق، فتمضي مارقةً مثل نازلة حطَّت على رءوس الناس من حيث لا يعلمون، والرجل وراءها يكاد يُجن هو الآخر، وقد تقطَّعَت أنفاسه وهو يجِدُّ في إثرها، إلى أن تنحَّت عن السبيل المألوف، وبلغَت أشجار اﻟ «تشيمو» عند حافَة النهر، فمرقَت بين أشجار الغابة، وألقت بنفسها عند جذع شجرة، ووضعَت مولودها. وضعَت بغلًا صغيرًا وسط الغاب.

فأنا البغل المشار إليه! أنا البغل طبعًا، وإلا فكيف لواحدٍ من الأسوياء أن تتسلَّط عليه رغبةٌ شيطانية في الصياح الوحشي! كيف، وأنا لستُ أحدَ تلك السباع الهائمة في البرِّية، لا أنا نمر ولا فهد ولا ذئب ولا حتى غوريلَّا أو خنزير بري … إلخ؛ يعني — باختصار — هي فكرةٌ غريبة على عقل آدميٍّ حصل على قدْرٍ من التعليم والتربية، لكن ماذا يفعل هذا الذي تعلَّم وتربَّى مع فكرةٍ عنيدة تتأبى على الانقياد! فأنا — حيال ذلك الأمر — مفتقدٌ للاتزان العقلاني … والسبب هو جذور الغرائز الدفينة؛ ففي كل مصيبة، تكمن دائمًا جذور نزوية لعينة، فلأجرِّب مرةً العيش مع جذوري الغريزية الخبيثة، عسى أن تنصلح الأحوال، وتأخذ الأمور مسارها السليم، بشرط أن أعثر على مكانٍ يلائم تلك المواجهة الحاسمة؛ مكانٍ يناسب ميلاد ذلك البغل الحشوي الغريزي الضئيل. وبالطبع، فلن يكون المنزل مكانًا مناسبًا، ولا المكتب الإداري في القطاع، ولا الشارع العام بالتأكيد.

فكَّرتُ في الذهاب إلى الحدائق العامة. وأنا — منذ زمانٍ بعيد — لم أذهب إلى حديقة. ولو أني كنتُ — في شبابي — أذهب صباح كل يوم إلى الأماكن الخلوية، فأجد أعضاء الفِرَق المسرحية منهمكين في تدريباتهم، بما فيها التدريبات الصوتية؛ حيث يرفعون عقيرتهم بالغناء عند أقصى درجة، فما المانع من أن أذهبَ أنا الآخر إلى هناك، وأرفع عقيرتي بأصخبِ صياحٍ على وجه الأرض، ويراني الناس، ويظنُّون أني أحد أعضاء تلك الفِرق التمثيلية. بكَّرتُ ذات صباح ومشيتُ إلى أقرب حديقة، فاستغربَت زوجتي وقالت إنني مجنون لكي أتركها ساعة دفءٍ حميمي، وأمضي خارجًا لا تدري إلى أين. قلتُ إنني ذاهبٌ إلى التمارين الصباحية، فتساءلَت وما الداعي لهذه التمارين الآن بالذات؟ قالت إنهم في الشغل لن يخصموا راتبي لأني غيرُ لائقٍ رياضيًّا … يعني، فما الحاجة المُلِحَّة للتمرين؟ لم أكترث لكلامها، ومشيتُ وأنا مندهش؛ فهي امرأة … أنثى، يعني، والمفروض أن تُدرِك تمامًا ما يصاحب حالة الوضع من تلهُّف وارتباك.

ذهبتُ ركضًا. ولما وصلتُ إلى هناك، اكتشفتُ أن المكان ليس في هدوء شجرة «تشيمو» على حافة نهر، بل هو بركان يغلي ويفور بكل الجالسين والشاربين قهوة الصباح، والراكضين والمصطفِّين صفوفًا في تمارين أول النهار … مِرجَلٌ مليء بالفوَران حتى حافَته. وليس ثمَّة فِرقٌ مسرحية تمارس تمارينها الصوتية، فهل بادت الفِرقُ المسرحية من الوجود، أم تفرَّقَت، أم إنها لم تعُد تمرِّن أصواتها، أو ربما مُنعَت من التدريب الصوتي بالمرة؟ يا لَلسماء! كيف لي أن أجأر بصوتي ها هنا، وسط كل هؤلاء الناس من قُدامي وخلفي وحولي في كل بقعة من هذا المكان، مثل قِطَع اﻟ «يوتياو» [الزلابية] المحتشدة فوق سطح زيتٍ يغلي؟

لثلاثة أيامٍ متتالية، ظَلِلتُ أذهب في البكور، والحال لا يتبدل.

تدبَّرتُ الذهاب إلى أبعد حديقة في البلدة. قصدتُ إليها بعد ظهيرة أحد الأيام، متوقعًا أن تخلُوَ ساحاتُها من المتريضين والراكضين والمهرولين ضمن تمارين اللياقة البدنية، لكني مُنيتُ بخيبة أمل؛ إذ رأيتُ أعداد مرتاديها — في ذلك الوقت — أكثر من زبائن أول النهار، وحركتهم أنشط من قِطَع اﻟ «يوتياو» إياها في قدور الزيت الصباحية، وقد احتشدَت في كل زاوية، فبقيتُ أتمشَّى وأبحث عن ركنٍ هادئ يخلو من الناس، حتى بدا لي أني عثَرتُ عليه أخيرًا. وما كِدتُ أقتربُ مطمئنًّا، حتى فوجئتُ بولد وبنت يتسحَّبان خارجَين من وراء الشجيرة المنعقدة الأوراق، فطارت روحي من ذُعر المفاجأة. بقيتُ ساكنًا لحظةً أستردُّ فيها أنفاسي. وما كِدتُ أفعل حتى لمحتُ عاشقَين آخرَين يكمُنان وراء شُجيرةٍ مجاورة، ثم لم ألبث حتى اكتشفتُ أن وراء كل الشجيرات — في هذه الناحية — ولدًا وبنتًا تحت كنف الأغصان الكثيفة، يتحركان معًا بأجمل ما يتحرك به اثنان في هذا العالم، ويندُّ عنهما صوتٌ شديد الفوَران شبيهٌ بما يصدر عن مياه في مرجل، تغلي وتتقلَّب، فصرتُ أحسُد القوم على سَعَة حيلتهم، ونبوغهم في العثور على أماكنَ نائيةٍ غير مأهولةٍ حقًّا، لكني عُدتُ وفكَّرتُ فيما أنا مُقدِمٌ عليه من حالي، وقلتُ لنفسي: كيف — يا تُرى — يتسنَّى لي الصياح الآن، وسط هذا الحشد المحيط بي من كل جانبٍ رائق؟ ثم لم أملك إلا أن أغادر المكان خائبَ المسعى، بينما الرغبة في الصراخ مشتعلة في أعماقي تتأجَّج فيضًا حارقًا، تجتاحُني اجتياحَ نارٍ تتلظَّى، لا طاقة لي على احتمالها.

فكَّرتُ في الذهاب إلى الضاحية القريبة؛ حيث الأرض الفسيحة، وغابات البامبو المترامية الأطراف، وجداول الماء المنسابة، والبِرَك المتفرقة هنا وهناك، وعلى حوافها أسرابُ الإِوَز تستحم وتنثر أجنحتها، والجو كله يُتيح فرصةً مناسبة لما عقدتُ عليه العزم من صياحٍ تنعتق به طوايا النفس منذ سنين. ركبتُ خط الأتوبيس الذاهب إلى أبعد محطة في الضواحي، وطالعتُ أسماء المحطَّات على اللوحة المعدنية، فوجدتُها تشير — في معظمها — إلى أماكن يغلب عليها الطابع القروي، أو الغابي النهري، في بعض الأحيان؛ فهذه «عزبة» كذا، وتلك «بحر» كذا، والأخرى «أحراش» منطقة كَيْت. قرأتُها جميعًا بتمعُّن، وأثار انتباهي اسمُ المحطة الأخيرة «ترعة لانساو» [«شَق» أو بالأحرى، «غدير الورد»!]، فتعلَّقتُ بالاسم، وقرَّرتُ الذهاب إلى هناك. وفي الطريق، اكتشفتُ أن المحطات المشار إليها باسم «عزبة»، و«زاوية» كلها عبارة عن أحياءٍ سكنيةٍ أكثر عمرانًا وازدحامًا وازدهارًا عن وسط المدينة نفسه، وقد امتلأَت شوارعُها الكبيرة بعددٍ هائل من السيارات التي أعاقت الحركة المرورية في خط سير الأتوبيس لمدة ساعةٍ كاملة. أما المحطَّات التي تحمل أسماء «خان» و«حدائق»، فهي عبارة عن ورشٍ للمصانع الإنتاجية، وقد قامت من وسطها المداخن العالية النافثة للدخان. وبالنسبة لمحطة «ترعة لانساو» [غدير الورد]، فلم يكن بها غدران ولا ورود، بل كانت عبارة عن بيوتٍ سكنيةٍ متجاورة، منها العالي وكثيرها المنخفض أو المتوسط الارتفاع، ومعظم المساكن كانت شبه متلاصقة حتى بدت البناياتُ العالية — في أماكنَ متفرقةٍ منها — كأنها اشمأزَّت من الجوار الواطئ الفقير، فانتحَت جانبًا وشمخَت بطرف أنفها في السماء. وبالطبع، فلم يكن لي أن أقفَ في تلك المساحة الفاصلة بين البيوت الواطئة وجاراتها العالية، كي أُطلِقَ العِنان لحنجرتي، وأجأر بالصوت الحبيس. ولم يكن بمقدوري تجاوز تلك البيوت كلها إلى ما وراءها، عند حافة العمران، كي أمارس الصُّراخ على هواي، لسببٍ بسيط، وهو أنه لم يكن ثمَّة «ما وراء» حافة عمران؛ إذ امتلأ الأفق المترامي ببيوتٍ أخرى متراصة، وبين هذه وتلك انداحت مساحاتٌ ضئيلة للغاية من المزروعات القريبة من البيوت، قريبة كأنها بعضُ باحاتها أو أفنيتها التابعة لها من قريب، ولو أنها أكبر قليلًا من الأفنية … ولم أكن لأتصوَّر نفسي واقفًا وسطها أُطلِق زئيرًا مُدوِّيًا يُجلجل في الأنحاء.

ركبتُ الأتوبيس الذاهب في الاتجاه المعاكس، وقلتُ فلأجرِّب أماكنَ أخرى. ثم لاحظتُ أن الفارق ليس كبيرًا، بالإضافة إلى ما رأيتُه عِيانًا من أن التطور قد لحق بهذه الضواحي البعيدة عن قلب المدينة، فانقلبَت إلى أحياءٍ سكنيةٍ مأهولة في معظمها؛ بحيث لم تدَعْ موضعًا ملائمًا لراغبٍ في صياحٍ جنوني.

تذكَّرتُ فجأةً بيت العائلة القديم، البيت الكائن على بُعد مائتَي ميلٍ عن المدينة.

تذكَّرتُ أشجار السَّرو الكثيفة القائمة على حافَة النهر الطويل، وأسراب الكركي الأبيض العائدة إلى مبيتها أول المساء؛ تذكَّرتُها والأسماك الصغيرة تسقط من مناقيرها في الطرقات، وأنا أجري وأجمع مما تساقط الشيءَ الكثير. كانت تلك غابةً كبيرة من أشجار السَّرو التي تأوي في جنباتها هوامُّ الليل، وأسرابٌ من ابن عِرس والقطَط والأرانب البرية، وقيل إن «الأيائل النهرية» شُوهدَت بها؛ بَيْد أن الأرضَ هناك سهليةٌ منبسطة تمتد عند أطراف التل، بينها وبين المناطق الجبلية نحو عشرين ميلًا أو يزيد، ولا نعرف من أية ناحية قصدَتْها الأيائل لتستقرَّ بها؟ فكنتُ، أيام صباي، أروح وأجيء مع أقراني حافيَ القدمَين، ثم نجلس كلنا قُدام باب بيتنا نلهو بمشاكسة الفتيات، اللاتي يقدمن على بلدتنا من المناطق الجبلية القريبة، فكنا نجري وراءهن حتى نقف قبالةَ غابة السرو، وترهبنا شجراتها وأسرارها المسربلة بالظلال، ونصرخ معًا بكل ما في حلوقنا من طاقة، نتصايحُ صيحاتِ صبيةٍ عابثين، نُطلِق العِنان لأصواتنا على هوى نزواتنا الصغيرة، ونصخَب لدى أطراف البلدة ملء صدورنا، وفتياتُ الجبل — من وراء الدغل — يجاوبننا بأصواتهن المشرَّدة، فيلتئم في الصدى صخبنا … جدائل من نداءٍ أسطوريٍّ غائم، كما تغيم في شاشات التلفاز الصورُ والظلال:

يا فتاة الجبال …
يا ابنة التلال،
قولي لي أين أنت …
تعالَي، فوق النهر،
تعالَي، فوق شطوط المدى.

لكن الأصداء كانت تردِّدها هكذا: يا فتاة الجبال التلال، قولي لي أين أنت، أين أنت؛ تعالَي فوق النهر وشطوط المدى.

لم يكن هناك مَن يزجُرنا، وقتئذٍ، حتى الأمهات بملاحقاتهن المعتادة، وكل «الممنوعات» التي حفظناها عن ظهر قلب؛ ممنوع تسلُّق الأشجار، حاذِرْ أن تنزل النهر، إياكَ والشجارَ مع الآخرين! كلها لم تُوقِفْنا عن الهتاف تجاوبًا مع بنات الجبل، بل على العكس تمامًا، راحت أمي تحرِّضني على الصياح بكل قوَّتي، قالت ازعق بعزم ما في طاقتك، لئلا ينحبسَ صوتك وأنت بعدُ صغير! وكانت حكاية المرض الذي ألمَّ بصوتي هذه ما تزال بعدُ لم تتَّضِح بصورةٍ كافية. وأذكُر أن صديقًا كان قد نصحني، منذ وقتٍ غير بعيد، بأن أجرِّب الكشف عن صوتي في القسم الطبي التابع لأكاديمية الموسيقى. وقال لي وقتها إنه مكانٌ مشهود له بالكفاءة، تمامًا مثل قسم التجبير والعظام في كلية التربية البدنية. والمعروف أن القسم الطبي بأكاديمية الموسيقى مشهورٌ بكفاءته في تشخيص وعلاج أمراض الأنف والأذن والحنجرة. جلستُ وقال لي الطبيب: افتح فمَك على اتساعه، فلما فتحتُ فمي على اتساعه، سألني: ما شُغلتُك؟ قلت موظفٌ حكومي، تنهَّد طويلًا، وقال إنه لا يدري كيف يصارحني بما على طرف لسانه حتى لا يُحرجَني. قال … أنتم هكذا دائمًا أيها الموظفون، تريدون طوالَ عمركم أن تشعروا بأنكم أصحابُ مكانة في المجتمع، وكل واحدٍ منكم يظنُّ نفسه أنه متعلمٌ بحق. والمشكلة أنكم تتقمَّصون شخصية المثقَّف المتحذلق، تتكلمون بصوت المثقَّفين الناعم المخنَّث، ولا تفهمون أن الصوتَ هو أهم وظيفةٍ لا بد من ممارستها منذ ساعة الميلاد الأولى … الصوت لا يمكن كتمانه، يا حضرات! وإلا حصلَت المشاكل، وجاءت الأمراض والمصائب؛ فأنت بكتمانك لصوتك تعمل شيئًا شبيهًا بإخصاء الدِّيَكة. أنا دائمًا ما يحضُر إليَّ مرضى كثيرون في مثل حالتك بالتمام!

نفس ما قالته لي أمي بالضبط، وكأنه كان يتنصَّتُ عليها، وهي تقول ذلك، لكن امرأتي (لمَّا حكيتُ لها) بصقَت، وشتمَتْه شتائمَ قبيحة، وقالت: هذا طبيب خرْفان، وأنه هو من يجب إخصاؤه، وليس أي أحدٍ آخر.

قرَّرتُ السفر إلى بيتنا القديم في البلدة، وكل مرادي من السفر هو الصياح بملء صوتي. صحيحٌ أنه لم يعُد لي هناك أيُّ أقارب الآن، لكني ربما استطعتُ العثور على بعضٍ من أصدقاء الطفولة، واحدٍ منهم أو اثنَين على الأقل، نلتقي ونتذكَّر وقائع زمنٍ انقضى، نتسامر ونضحك معًا، ونحاول أن نستعيدَ صيحاتِ ذلك الزمان قُدام غابة السَّرو، وأوَّلُ ما سنستعيده نداؤنا العالي على فتيات الجبل، حتى إذا ما جاوبنَنا، ردَّدنا معهم مقاطع النداء، عبارةً وراء أخرى، فنصرخ ونصرخ ونتصايح إلى ألَّا يعود ثمَّة أنفاسٌ في حلوقنا.

غمرَتْني الفكرة، فأخذتُ إجازةً لمدة أسبوع، وحجزتُ مقعدًا وسافرتُ. وقدَّرتُ أني سأصل بعد عدة ساعات، وسيكون لديَّ وقتٌ في المساء لكي أصيحَ كيفما شئتُ. وربما واصلتُ مهمتي صباحَ اليوم التالي. وعندئذٍ، أكتفي إلى هذا الحد، وأعود أدراجي. وسيكون لديَّ المزيد من الوقت لأتجوَّل على راحتي هنا وهناك.

ثم خابت تصوُّراتي كلها؛ إذ فوجئتُ باختفاء غابة السَّرو من مكانها، بما ترتَّب عليه من ضياع معالم المكان تمامًا. وتبدَّلَت الأشياء عن مواضعها، حتى لم يعُد هناك موقعٌ يتفق مع صورته المختزَنة في ذاكرتي طوالَ تلك السنوات. وعرفتُ فيما بعدُ أن أشجار السَّرو تم اجتثاثُها جميعًا، حتى صارت الأرضُ بعدها خلاءً مديدًا، وزُرعَت بعضُ أشجار الكافور في أماكنَ متفرقة، لكنها لم تكن بحجم غابة، بل بضع شجراتٍ تناثرَت فوق سطح الأرض، مثلما تتناثر شعراتٌ ضئيلة في رأس سيدةٍ صلعاء.

سألتُ صاحبي (الوحيد الذي عثَرتُ عليه هناك) قائلًا:

«فماذا عن الأيل؟»

«أي أيل؟» رد على سؤالي بسؤال، وهو مرتبك.

قلتُ: «ألم يكن في الغابة قبل إزالتها أحد الأيائل؟ ألم تعثُروا عليه وأنتم تقطعون الشجر؟»

«لم أسمع بشيء من ذلك. وربما لو كان فيها أيلٌ لهرب إلى الجبل، وهم يقطعونها.»

طيِّب، وماذا عن فتيات الجبل؟ رجعن إلى الجبل طبعًا.

فمَع مَن إذن أهتف صائحًا بأعلى صوتي؟ ذبلَت رغبتي في الصياح ومجاوبة الصوت وأصدائه. وكنتُ أحسبُ أن مسقط رأسي هو الموضع الوحيد الذي تأتنس به وحشة رجائي، بَيْد أني — حتى بعد زوال الرغبة في الصياح — فوجئتُ بأعدادٍ من شبان البلدة يتوافدون ويتحلَّقون بي، كأني أحد تلك الكائنات الفضائية العجيبة. وأخذوا يتساءلون، وهم يحدِّقون فيَّ بأبصارهم: من أين الرجل؟ ماذا يعمل، وماذا يكسب في الشهر؟ وفيمَ جاء إلى هنا؟ لماذا لم يُحضِر معه امرأته؟ كم تمنَّيتُ ساعتَها أن أصرخَ وأصرخَ في وجوههم، لمَّا كان هذا بحد ذاته مبررًا لموقفٍ هَزْلي يفرضُ نفسه فوق رءوسنا جميعًا. لمَّا تبدَّد الحشد، ابتدرتُ صاحبي بسؤال:

«هل شعرتَ في حياتك بأنك تريد أن تصيح بكل قوة؟»

لوهلةٍ بدا غير مستوعبٍ للسؤال. ولعلَّه شك في دقة سمعه، لكن العبارة اخترقَت أذنَيه بوضوح، واختمرَت في وعيه للحظات. هنالك، أجابني قائلًا:

«ولماذا أصيح؟ هل جُنِنت؟ أنا لستُ طفلًا كي أصيح.»

مستحيلٌ أن أُطلِقَ العِنان لصياحي الآن، بالطبع، وإلا لظَنَّ بي الجنون. وكان أن رجعتُ إلى المدينة وقد تعقَّدَت مشكلتي، وتفاقمَت أزمة البغل الصغير بين جوانحي، بدرجةٍ تفوقُ الاحتمال.

وتصادَف، في تلك الآونة، الإعلان عن مباراة كرة قدم لفِرَق الدوري العام، وجاء فريق مدينة «أ» ليلعب في مدينتنا، فقلتُ إنها فرصةٌ للجميع كي يسعد بمباراةٍ مثيرة، وفرحتُ فرحةً لا تُوصف بهذا الخبر، باعتبار أن الفرصة قد واتَتْني أخيرًا، خصوصًا لما تذكَّرتُ ذلك الصخَب الجنوني الذي صاحَب مباراة كأس العالم إياها، فكان أن اشتريتُ تذكرةً وذهبت، تحدوني الآمال دون اكتراثٍ بفائز في المبارة أو خاسر؛ فلم تكن هذه المسألة تهمُّني على أي نحوٍ من الأنحاء، على أساس أن هدفي الوحيد من حضوري هو الصُّراخ وحده ولا شيء آخر، لا سيما أن الصُّراخ — في هذه المناسبات — لا يدخل في بند المخالفات القانونية. وساعةَ أن جلستُ بين الناس على المدرَّجات، ملأني فيضٌ من الفرحة بالخلاص.

لكن المحبط في الأمر أن الجمهور هنا ليس مثل مشجِّعي فريق المكسيك، من حيث إنه بدا هادئًا مهذَّب المسلك، جادًّا ووقورًا؛ جمهور جاء للمشاركة في اجتماعٍ تحضيري لمؤتمرٍ وطني، وليس للعبةٍ رياضيةٍ شعبية. وعلى أية حال، فقد بدا عليه الاهتمام بما يجري في الملعب بين الفريقَين المتنافسَين، ومن حينٍ لآخر تسري همهمة وسط المدرَّجات … همهماتٌ خفيضةٌ مصحوبة بشيءٍ من الانفعال الواضح في حركات الأيدي المشيرة تجاه الملعب، أو الأكُف المنقبِضة المتوتِّرة، لكن كل هذا من دون ضجةٍ أو انفعالٍ صوتي صاخب، فرَكِبني الغم، وفكَّرتُ فيما إذا كان مناسبًا أن أتخذَ طريقي خارج المدرَّج. واتخذتُ الأُهْبة لذلك فعلًا. وفي هذه اللحظة عينها، تزلزلَت أركانُ المدرجات بصياحٍ هائجٍ مائج بلغَت أصداؤه عَنانَ السماء، فبقيتُ بُرهةً مشتَّت الذهن، لا أدري ماذا حدث بالضبط، وقلَب الكفَّة (عرفت فيما بعدُ أن فريقنا كان أول مَا أحرز هدفًا، يومها). أخذتُ أتطلع حولي لأتفهَّم سبب هذه الصيحة المفاجئة، ثم قلتُ إنها، وأيًّا ما كان، هي الفرصة وقد سنحَت، فلماذا لا أنتهزها وأُطلِق صيحتي الحبيسة. فجذبتُ نفَسًا عميقًا ملء صدري، وفتحتُ فمي على اتساعه، وسمعتُ نفسي وأنا أصرُخ، صرخة مقرونة بشيء من العار، بشيء من الوجل، بشيء من الخزي، ثم لمَّا أدركتُ أن أحدًا لم يُعِرني انتباهًا، جأرتُ ملء حنجرتي، فكانت الصيحةُ مدويةً حتى فزعتُ منها، أنا نفسي. وإذن فقد واتَتْني الجرأة على أن أُصدِرَ صوتًا هائلًا بهذا القَدْر، فلأصرخ ملء قلب الدنيا؛ فقد شققتُ الصدع ومضيتُ خارجًا! وليكن ما يكون!

لكني لم أشُقَّ إلا نصف الصدع، ولم يسَعْني إلا أن أخرج من شقٍّ ضئيل؛ فالصرخة التي أطلقتها لم تتجاوز نصف الصيحة؛ ذلك أني ما كِدتُ أُطلِق الزئير المدوِّي حتى توقفتُ في منتصف الطريق، والسبب أن الجمهور من حولي كان قد هدأ وتوقَّف وطوى رايات الضجَّة الهائلة وانخرسَت طبوله، فلم يطاوعني النصف الثاني من الصرخة التي أطلقت رأسها مدوية، فآثرتُ السكوت كي لا أتطفل على سكوت الآخرين، وأبدُوَ أمامهم وقد خرقتُ الصمت خرقًا ساذجًا، فيظنُّوا بي الظنون؛ وربما قالوا إني مختلٌّ عقليًّا، أو شخصٌ غريبُ الأطوار. كم وددتُ تلك اللحظة لو اكتملَت سعادتي باستكمال نصف الصرخة! ولو أنها — في الحقيقة، وبالمعيار المضبوط — كانت تُعتبر نصف النصف؛ فتلك هي الأقدار وأحكامها التي تحرمني نصفَ نصفِ النصف من باقي صيحةٍ محتجَزة. وببلاغة الرمز، فكأن نصفَ البغل الجنيني قد تدلَّت منه رجلاه دون باقي الجسد، حتى لم يعُد هناك مفرٌّ من إعادتهما مرةً أخرى إلى بطن أمه؛ فتلك قروحٌ دامية يشقى بها مَن يكابدها، وتجلُّ تباريحها عن الوصف.

لما استولت عليَّ تلك التباريح، وأخذتُ أترقَّب تفريج الكرب، اكتشفتُ أن السبب في هذه المعاناة هو اهتمامي الشديد بمتابعة أحوال المتفرِّجين. واكتشفتُ أني — منذ أن جئتُ إلى المدرَّج — وأنا أصرف انتباهي كله إلى الجمهور في المدرَّجات من حولي، وليس إلى ساحة الملعب، مترقبًا أية بادرة صياحٍ من جانبهم، كي أنتهز فرصة الضجَّة المدوِّية وأُطلِق صُراخي أنا الآخر. ثم تساءلتُ عما يمنعني من أن أصيحَ كيفما شئتُ دون التقيد بالجمهور، خصوصًا أن امرأتي ليست حاضرةً معي، ولا أحد يعرفني هنا. وعلى هذا، بدأتُ أركِّز اهتمامي على الملعب نفسه؛ بحيث أصرخ وقتَ تسديد الهدف بالضبط، لا يهمُّ في ذلك إن صاح الجمهور أو لم يصِح، لا يهمُّ أبدًا، لا يهمُّ في شيء. ولحسن الحظ، فساعة أن تمنَّيتُ دخول الكرة في المرمى، تم ذلك على الفور، وتم تسديد الهدف، وقبل أن يُفيقَ حارس المرمى من ذهوله:

«آآهآآآآآ.»

انطلقتُ زاعقًا، قبل أن يُفيقَ الجمهور من ذهوله.

واصلتُ الصياح على ثقةٍ بأنهم سيتبعوني على الفور.

لكن، للغرابة، لم تَتبعْني منهم سوى الشتائم:

«أير الكلب …»

«جبان!»

«هل جُننت؟»

«أغلِق فمك، واخرَس!»

وبالطبع، فقد لزمتُ الصمت فورًا. والصرخة التي لم أكَد أُطلِق سَراحَها انخرسَت في عنفوانها. أدركتُ ساعتها فقط أن الفريقَ المنافسَ هو الذي أحرز الهدف، وقد فاتني الاهتمام بالتمييز بين شارات الفريقَين ولون راياتهما وملابس اللاعبين … إلخ، وإلا لكنتُ فطنتُ إلى أن اللاعب ذا الفانلة الحمراء والشورت الأخضر، صاحب الكرة المسدَّدة، يتبع الفريق الآخر.

عزَّ عليَّ الالتفاتُ من شدة الحرج، وقد شعَرتُ أنه لم يعُد لي مكانٌ بين مَن انقطعَت بيني وبينهم أسبابُ التفاهم. وملعب الكرة — كما يقولون — ساحة لكل التوقعات الممكنة وغير الممكنة على حدٍّ سواء. المهم أنه لم يعُد لي أن أبقى طويلًا ها هنا؛ فأي صياحٍ هذا الذي يتطلب الإذن بالموافقة من الآخرين، أو التوافق مع حالتهم المزاجية المتقلبة؛ بحيث يأتي وَفْق رغبتهم واستعدادهم؟ انتهزتُ فرصة انشغال الجمهور بالمباراة، وانسللتُ خارجًا من المدرَّج. وعند الباب، وجدتُ صبيةً صغارًا يرجون أن أُعطيَهم تذكرتي كي يجلسوا بها على مقعدي، ما دُمتُ لن أعود إلى مكاني. أعطيتُها لهم، فصاروا يتخطَّفونها بعضهم من بعض وكادوا يتعاركون. لم أكترث بما يقع بينهم، ومضيتُ خارجًا من الموضع الذي لم أجد به حلًّا لمشكلتي، فكان لزامًا أن أسلك سبيلًا آخر.

عزمتُ على الذهاب إلى جبل «إيميشان». وكنتُ قد سمعتُ من أحد الشبان — ممن تعرَّفتُ إليهم أيام عملي بالمصنع — أنه كان يقصدُ إلى قمته المميزة باللون الذهبي، ويرقب طلوع الشمس وأطياف السحاب في الأجواء البعيدة. ولم يكن صديقي هذا قد أدركَتْه آفةُ الرغبة في الصُّراخ فوق قمم التلال، لكنه — من فَرْطِ تأثُّره، وهو عند القمة الذهبية — لم يتمالك نفسه من الصُّراخ، ذات مرة. وكان قد ذكَر لي أنه لم يكن يدري بماذا يصرخ، حينما واتته الرغبة المفاجئة تلك المرة؛ فما كان منه إلا أن تطلَّع إلى الشمس وطائفة السحب الغامرة عند حدِّ الأفق وصاح:

«آيس كريم … اللذيذ!»

سكت قليلًا، وشرح لي سببَ عبارته تلك بأنه لم يكن يعرف عبارةً أخرى غيرها، وذلك بحكم عمله بائعًا للآيس كريم قبل مجيئه إلى المصنع. واعتبر أنه لا يهمُّ بماذا يزعق، ما دام الأمر لا يعدو كونه «صياحًا في صياح»!

كان لا بد لي أن أتذكَّر هذا الأمر مبكرًا. وعمومًا، فالوقت ما يزال متاحًا حتى الآن. وهذا في حد ذاته يكفي لكي يُشيعَ في نفسي قدْرًا من التفاؤل. وبالنسبة لقمة جبل إيميشان، فهي — فيما أعرف — تُعتبر من بين أعلى القمم في منطقتنا هذه؛ إذ تبلغ نحوًا من ثلاثة آلاف وسبعة وسبعين مترًا ارتفاعًا فوق سطح البحر. لم أفكِّر طويلًا في الأمر، بل قررتُ طلب إجازة لمدة ثلاثة أيام فقط لزيارة بيت العائلة، والاطمئنان على صحة الوالدة، وكانت قد أُصيبَت بوعكة في الأيام الماضية، وسأقول لامرأتي إني ذاهب في مهمةٍ خاصةٍ بالمكتب، تجنبًا لإثارة شكوكها. ويبدو أني أُصِبتُ بشيء من الاضطراب الذهني أو الخبال بعد ذلك؛ إذ اتضح أنِّي لم أتقدَّم بطلب إجازة إلى السيدة رئيسة القطاع فعلًا، وأني توهَّمتُ ذلك. وارتبكَت أفكاري للغاية، وقلتُ إن ذلك ربما يكونُ قد حصل في الحُلم؛ لأني لم أتذكَّر شيئًا من ذلك حتى قطعتُ التذكرة وسافرتُ، ووصلتُ إلى منطقة «باوكواس» … نعم، تمامًا؛ فأنا بالفعل لم أتقدَّم بطلب الإجازة. ولمَّا لاحظ زملائي تغيُّبي عن العمل، واتصلوا بزوجتي قالت لهم إنني في مهمةٍ تابعةٍ للمكتب، فاستغربوا جدًّا بالطبع، وظنُّوا أن مكروهًا قد وقع لي … كل هذا لم أكن أعرف عنه شيئًا، فيما كنتُ مشغولًا — منذ وصولي إلى «باوكواس» — بالصعود إلى القمة الذهبية. وفوجئتُ بأن زُوار الجبل الراغبين في الصعود إلى قمته كثيرون جدًّا، لم أتخيل أنهم كثيرون إلى هذا الحد، لدرجة أن المسافة من تحت الجبل إلى قمته كانت تمتلئ بالزوَّار، وكل زائر وراء الآخر في صفٍّ طالع أو نازل مثل طوابير النمل الزاحفة، وليس ثمَّة فراغ لمزيد، فكنتُ أخفضُ رأسي، وأُواصل الصعود مثابرًا. وقد سبقتُ كل خطوط النمل الزاحفة، التي كانت تشعر بي وأنا أزاحمها صعودًا، وتظن أني أتعجَّل البحث عن دورة المياه، فظَلِلتُ أصعد وأصعد طوال النهار حتى بلغتُ القمة بنهاية اليوم. لمَّا بلغتُها، حجزتُ غرفة في الفندق، واستأجرتُ سُترةً واقيةً من البرد، وتعشَّيتُ في المطعم، ثم نمتُ مبكرًا، وقلتُ إن النوم في وقتٍ مبكرٍ مطلوبٌ لأن الجو باردٌ جدًّا؛ هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ ثانيةٍ لأني كنتُ أحتاج إلى الراحة وتوفير أقصى درجة من الطاقة المطلوبة بدءًا من صباح الغد، للصياح بكل جهدٍ ممكن، ولمعرفتي بأن الجبل مقصد إقبالٍ جماهيري كثيف؛ فلم يكن من المناسب الاستيقاظ في وقتٍ متأخر، وإلا لفوجئتُ بأعدادٍ هائلةٍ من الناس قد سبقَتْني إلى هناك، مثل الأعداد التي فوجئتُ بها يوم ذهابي إلى الحديقة العامة؛ مما قد يحول بيني وبين غايتي من الزيارة.

وفي منتصف الليل، انتبهتُ قليلًا على صوت جلبةٍ صادرةٍ عن بعضٍ ممن وصلوا في وقتٍ متأخر، فقلتُ يا لَلأعداد الزاحفة إلى هذا المزار الديني العريق! وأغفيتُ وقتًا، ثم صحوتُ بعد الرابعة فجرًا بقليل، فاكتشفتُ أن هناك مَن ناموا قبلي واستيقظوا قبل أن أُفيق، ولعلهم لم يناموا أصلًا؛ لأني — حيثما ذهبتُ — وجدتُ زحامًا كثيفًا، حتى كنتُ أشُق طريقي بصعوبة بين المتزاحمين، وأنا في غاية الكرب خشيةَ العجز عن بلوغ الغاية، مما يُضيع كل ما تجشَّمتُه من أجل الزيارة بددًا. ذهبَت بي الظنون كل مذهب حتى شككتُ في رواية زميل المصنع القديم، وقدَّرتُ أنه عمره ما جاء إلى القمة الذهبية [المقدسة!]، ولا صاح فيها صيحةً واحدة. واستقرَّ عزمي على أن أحقِّق ما جئتُ من أجله هنا، وأُطلِق صيحاتي عاليًا، مهما كانت الظروف، وحتى لو كانت أعدادُ الناس حولي آلافًا مؤلَّفة، فسأصيح من دون تردُّد، وليكن ما يكون، يعني حتى لو انهالت عليَّ الشتائم من كل صوب، فلن أتراجع؛ فليس من السهل أن أجيء إلى هنا مرةً أخرى، وليس من المستساغ أيضًا أن أعود بالبغل الجنيني إلى حيث جئت؛ فلا مفر من أن أضعَه هنا، وأفرغَ من مخاض الميلاد.

لم أكن أنا الذي اقتربتُ بإرادتي من رأس الجبل الذهبي، بل كانت الجموع الزاحفة هي التي أخذَتني في خِضَمِّها، جذبَتني مع المتقدمين في الأمام، ودفعَتني مع المتدافعين من وراء. وساعةَ أن اقتربتُ منها، هالني منظر الحشود، حتى بدت من كثرة الرءوس كأنها ملاءةٌ سوداءُ كبيرةٌ في تجاور مع صفحة السماء الزرقاء في خلفية المشهد؛ بعض تلك الرءوس يتحرَّك وبعضها الآخر ساكن؛ إما بسبب البرد القارس، وإما بدافع الجو المهيب ووقار الترقُّب انتظارًا للحظة طلوع الشمس؛ الكل صامتٌ في خشوع. ولم يكن لي أن أفتح فمي بشيء وسط تلك الحشود المجلَّلة بالسواد؛ فالشيطان وحده هو المتجرئ في مثل هذا الظرف على الصُّراخ، فكان عليَّ انتظار لحظة الشروق حتى يعُم الضوء جنبات الدنيا، وبعدها تنطلق الصيحة. ولو أني لم أكن أترقَّب لحظة الشروق، على وجه الدقة، وإنما لحظتي المواتية.

وجاءت اللحظة. غير أن الشمس لم تجئ، وصفحة السماء عند مشرقها كانت قد تهيأَت تمامًا لهذا المجيء، فانفسح المدى الأزرق الصافي وراء السُّحب الداكنة، وبدا أنه افترش للطلوع ندفًا متناثرةً من غيومٍ ورديةٍ خفيفة تألَّقَت أهدابها بشفافيةٍ متدرجة، أخذَت تذوب وتنمحي شيئًا فشيئًا، والناس في صمتٍ وخشوعٍ يترقَّبون طلوع الشمس من طاق النهار، وبقلبي فيضٌ متدفق من مشاعرَ تجلُّ عن الوصف. وتذكَّرتُ ما قيل لي ساعةَ وصولي ليلةَ أمس، من أن كثيرين جاءوا وطلَعوا إلى قمة التل، وانتظَروا طلوعَ الشمس أيامًا طويلة، لكنهم غادروا دون أن يدركوا تلك اللحظة، لكني، من حسن حظي، كنتُ على موعد مع الشروق الذي رُحت أشهد بواكيره بعينَي رأسي، سوى أن تلك الغيوم الوردية — التي كانت قد أُشربَت بحمرةٍ خفيفة — تهيأَت للتلاشي بتدرجٍ وئيدٍ منذ لحظات، وسرعان ما تلاشى لمعانُ أطرافها لتُبدي ما كان خافيًا وراءها من موجات السحب الداكنة وهي تتلاحق، تتتابع مثل دفقاتِ الموج من تلك الناحية التي أوشكَت الشمسُ على أن تبزغَ منها؛ فما هي إلا لحظاتٌ حتى كانت قد حُجبَت أهداب السُّحب الوردية الشفَّافة بأستارٍ قاتمةٍ مغبَّشة من أثر اعتكار الألوان، فتبدَّل أفق السماء الشرقي ساحةً مكفهرةً متكدرة الصفو، في حين كانت الأجواء — فيما عدا تلك البقعة — عامرةً بالضياء في جنباتها. هو ذا النهار الطالع، قبل أن تطلع شمسه!

كانت ثمَّة تنهداتٌ آسفة، فحزنتُ من وطأتها، وانتابني الأسى.

تفكَّرتُ في الأمر، وقلتُ أليست الحياة مليئةً بأشياء كثيرة تجري على هذا النحو؟! ألا يأتي وقتٌ على المرء يصبح فيه رهن الانتظار، ينتظر ويطول به الزمن وهو على هذه الحال، ثم تنقضي الأوقات دون أن يتحقَّق له ما كان ينتظره، فيمنِّي نفسه بأشياء أخرى … ويمضي— مرةً أخرى — رهن الانتظار الطويل، ثم ما شأني أنا بانتظار طلوع الشمس؟ ذلك أمرٌ لا يهمُّني في شيء، ولا علاقة له بما عزمتُ عليه من الصياح؛ فمن ذا الذي فرض عليَّ أن أزعقَ عاليًا مع طلوع الشمس! ما المانع من أن أبقى ها هنا حتى يتفرقَ الناس بعد الشروق، وساعتها أجرِّب الصياح، لكن المشكلة أن الحشد هنا بدا كأنه أزلي … بدا كأنه يلزم المكان بالساعات وراء الساعات فلا يبرحه، كأنهم هنا ينتظرون شيئًا يهبط عليهم من السماء يلبِّي أشواقهم، أو يعوِّض زمن الصبر الطويل، فبقيتُ مثل جميعهم أنتظر وأتلبَّد بالمكان، إلى أن بدأ الجمع الحاشد ينفضُّ بالتدريج، إلا من قليلين راحوا يتلكَّئون ويُشيرون بأصابعهم صوبَ الأفق البعيد، ويقولون إنها الهالة البوذية المقدَّسة … وأشياء من هذا القبيل، والبعض كان يلتقط الصور التذكارية، فانتهزتُ فرصة خُلوِّ الساحة من الزحام، وقصدتُ إلى «شا شين يان» [منحدر التضحيات]، على أمل أن يقلَّ الزحامُ في هذا الركن البعيد، فتتهيأ الظروف لتحقيق بغيتي. ثم فوجئتُ بأنه مقابل صف النازلين من الجبل، فهناك صفٌّ آخر من الزوَّار الطالعين، فانزعجتُ جدًّا. رُحتُ أذرع الخطى جيئةً وذهابًا بالقرب من «منحدر التضحيات»، ثم قررتُ ألا أكترثَ بالنظر إلى جمهرة الزوَّار، فقصدتُ ركنًا بعيدًا بعضَ الشيء كي لا أنشغل — على الرغم مني — بالنظر إلى الحشود المتزايدة. وإذ بدا أني وجدتُ الفرصة سانحة، صاح بي أحدهم:

«أنت، أيها الرفيق، من فضلك، ابتعِد إلى جهة اليمين قليلًا.»

التفتُّ نحوه، ففهمتُ أنه يستعد لالتقاط صورةٍ تذكارية، فانتحيتُ جانبًا.

عندئذٍ، صاح بي آخر:

«عفوًا، يا سيدي، ليتك تقف إلى اليسار بمقدار خطوة.»

صورةٌ تذكارية أخرى. ولم يكن لي إلا أن أنتقل مقدارَ خطوةٍ جهة اليمين. ولو أن هذا الانتقال البسيط لو زاد قليلًا عن الحد لسقطتُ إلى قاع الوادي، والسقوط ساعتها سيكون أكثر حرية من الصُّراخ؛ حيث لن يكون هناك من يقفُ في وجهي.

مرةً أخرى، وجدتُ فرصةً سانحةً للصراخ، سوى أني توقفتُ وسألتُ نفسي: بماذا أصيح؟ فتلك هي المسألة التي لم أعمل حسابها منذ البداية، لم أفكِّر جيدًا في هذا، وقد بات من المستحيل أن أصيح مناديًا بعبارة «آيس كريم، اللذيذ!»

استغربتُ وقلتُ كيف مضى كل هذا الوقتِ وأنا أفكر في الصياح، فلمَّا جاءت اللحظة المناسبة إذا بي أكتشف فجأةً أنه ليس ثمَّة عبارةٌ أو كلمةٌ مناسبة للصياح. بقيتُ ذاهلًا لبعض الوقت، تمامًا مثل البغلة الأم التي فرَّت مخترقة الزحام، وعبرَت وسط الأسواق والناس حتى دخلَت الغابة، فلما صارت بين الأشجار وقفَت حائرة لا تدري كيف تضع حملَها، وما الذي يمكن أن تضعَه بالضبط!

وأنا وسط هذه الحيرة، إذا بيدٍ تربِّت على كتفي، فارتبكتُ وتلفتُّ حولي، فإذا بي وجهًا لوجه مع الشرطي الذي طالعتُ في قسماته شيئًا من الطيبة.

«ماذا تفعل بوقوفك هنا، أيها الرفيق؟»

«هه؟ لا، لا أفعل شيئًا!» أجبتُه مضطربًا.

«طيِّب، تعالَ معي، الآن.»

مشيتُ معه حتى أدخلَني غرفة، وأمرني بالجلوس، وراح يسألني بكل بشاشةٍ ولطفٍ عن اسمي وعنواني ومحل عملي. ثم واصل أسئلته عن حالتي الاجتماعية، ومهنة زوجتي، ومحل عملها، فلم أَدرِ كيف أجيبه؛ لأني لا أعرف عملها بالضبط، لكني أجبتُه فيما عدا ذلك من الأسئلة، أجبتُه طبعًا بكل إخلاص؛ فلماذا أُخفي عنه الحقائق، وما الداعي للَّف والدوران في مثل هذه الأحوال؟ ذهبَت ظنوني إلى ما يمكن أن يكون قد حدث بالأمس مع زميلي مستأجر غرفة الفندق؛ فلعله فقَد نقوده، أو أي شيءٍ كان معه، وأعود فأقول إن المراوغة لا تفيدُ المرء شيئًا سوى أنها تزيدُ الأمر تعقيدًا.

المُلفِت أنه قام بتدوين كل ما قلته، كل كلمة حرفًا بحرف، ثم قال لي:

«نحن نلاحظ كل تحركاتك منذ وقتٍ طويل. فقُل لي، يا سيدي، هل هناك ما يحزنُك، أو لنقُل، هل هناك أمرٌ يسبِّب لك الاكتئاب والحَيْرة؟»

قلتُ: «أبدًا.»

قال: «إذا كنتَ صادقًا، فلماذا ظَلِلتَ تروح وتجيء عند «منحدر التضحيات»، ولمدة ساعةٍ كاملة، بينما كنت تَهْذي بعباراتٍ غير مفهومة، وتتحدث إلى نفسك؟»

مشيتُ، رائحًا غاديًا طيلةَ ساعةٍ كاملة؟ وكنتُ أتحدَّث مع نفسي؟ أنا؟

«هل يمكن أن تخبرني، بمَ كنتَ تفكِّر؟»

مستحيل، لا أستطيع إخباره بما كنتُ أفكِّر؛ لأني لن أُفصِحَ عن نفسي بما فيه الكفاية، وأتلعثم كثيرًا. وكلما أفضتُ في الشرح زدتُ الأمرَ غموضًا؛ فمِن ثَم أجبتُه قائلًا:

«صدِّقني، ليس في الأمر أي شيءٍ غير عادي، وليس هناك ما يضايقني.»

قال: «إذن، فأنت لا تصدِّقنا، مع أننا نريد مصلحتك.»

سكتُّ، فلم أَنطِق بحرف.

عاد يسألني: «صارِحْني إذ أسألك، هل أنت مريض، أو يعني، هل سبق لك أن دخلت مصحَّة؟»

قلتُ: «أتقصد مصحةً نفسية؟»

قال: «يعني … شيء بهذا المعنى، لو أردت، المهم هل سبق لك دخولها؟»

قلتُ: «ليس بعدُ.»

قال: «ألا تشعُر أن حالتك النفسية …؟»

رأيتُ أن أحسم الموقف سريعًا، فسارعتُ إلى القول: «نعم، أعترف لك بصدقٍ أني كنتُ مكتئبًا بعضَ الشيء، لكني الآن أحسنُ حالًا، أنا الآن تحسَّنتُ كثيرًا.»

«حقًّا؟ هل تشعُر بتحسُّنٍ فعلًا؟» سألني مبتسمًا.

ابتسمتُ أنا الآخر، تجاوبًا معه. ولكي أزيل أي قَدْرٍ من الشكوك عنده، قلتُ:

«نعم، تحسَّنتُ، وزالت الأزمة.»

«أزالت الأزمة، تمامًا؟»

«نعم، تمامًا.»

«هل تُحب أن نتصلَ بأسرتك، أو بمحل عملك، كي يرسلوا أحدًا لمرافقتك؟»

أجبتُه بسرعة: «لا، لا داعي، سأعود وحدي.»

فكَّر قليلًا، ثم قال: «ما دام الأمر كذلك، فلا بأس. ولترجع إلى بيتك بالسلامة.»

«مع السلامة!»

نزلتُ الجبل متعجلًا، كأني أهربُ من مطاردة. ثم لاحت مني التفاتةٌ إلى الخلف، وأنا نازل، فلمحتُ أحد أفراد الشرطة (غير الذي كان يكلِّمني في المكتب) يتبعُني من بعيد، فأسرعتُ الخطى حتى بلغتُ منطقة «تسوان تيان» المحاطة بالأشجار، وما يزال الشرطي يلاحق خطواتي؛ فأبطأتُ السير عامدًا، واكتشفتُ أنه أخذ يمشي على مهلٍ هو الآخر. كانت ساعة غداء، فأسرعتُ بالدخول إلى أحد المطاعم، فدلَف خلفي، واتخذ مقعدَه في نفس المطعم. دُهِشتُ، وخالجني شعورٌ متزايد بالقلق، سرعان ما غالبتُه بمنطقٍ يقول إن الأمر لا يحتاج إلى كل هذه المخاوف؛ فجبل «إيميشان» موقعٌ سياحيٌّ مشهور، وزُوَّاره كثيرون، يقصدونه على مختلف أعمارهم وبيئاتهم. والطبيعي أن يكون ثمَّة شرطيٌّ وسط هؤلاء، من غير أن يثير هذا أي أسبابٍ للقلق. فقط، الشيء الوحيد الذي أحزنَني هو ما ذهب إليه ظن الرجل من أني مختلٌّ عقليًّا، أو أني مكروبٌ نفسيًّا للدرجة التي تدفعُني إلى الانتحار. هذا هو ما سبَّب لي الضيق حقًّا؛ كأني معاقٌ فقَد رشده، فقرَّر أن يُلقيَ بنفسه من فوق الجبل. وقد نزلتُ محاذرًا، وقلبي يرتجفُ من الرعب، لمجرد إحساسي بأني أهبطُ مرتقًى وَعْرا، وهذا بحد ذاته دليلٌ بأني لستُ فاقدَ الرشاد، ولستُ أبحث عن حتفي منتحرًا؛ لأن مريض الذُّهان؛ أي المُعاق ذهنيًّا لا ينتابه الشعور بالخوف أبدًا، والمنتحر مثله، إن لم يكن أشجع.

دَعْك من كل هذه الأعاجيب، وتأمل معي تلك العجيبة الفريدة من نوعها، التي أذهلَتني فعلًا؛ ذلك أني ما كِدتُ أبلغ منطقة منتصف الجبل؛ أي منطقة «باوكواس»، حتى فوجئتُ بزوجتي أمامي، وبرفقتها رئيسة القطاع بمحل عملي، بالإضافة إلى أحد الزملاء من المكتب؛ فما إن رأَوني حتى أقبلوا عليَّ يحتضنونني، ويسلِّمون عليَّ في ودٍّ غامر، كمن التقى قريبًا له بعد فراقٍ طويل، وانخرطَت زوجتي في البكاء.

قلتُ، وأنتم كيف جئتم إلى هنا؟ أشارت رئيسة القطاع إلى الأتوبيس، وقالت لي هيا اصعد الآن، وسنحكي لك كل شيء فيما بعدُ. ولاحظتُ أنهم قد أحضروا معهم من الشغل عربةً (ميكروباصًا) أخرى.

بعد أن دلفتُ إلى داخل البيت جذبَتْني امرأتي فعانقَتْني، وهي تبكي بمرارة، فقلتُ لها:

«لماذا ترفعين صوتك بالبكاء؟ ألا تخشين أن يسمعكِ الجيران؟»

خفضَت صوتها للغاية، وأجابت قائلة:

«ما الذي فعلتَه؟ ولماذا؟ ألم تفكِّر جيدًا قبل أن تتصرَّف؟ ألم تفكِّر فيما يمكن أن يحدثَ لي أو لوالدتك إذا أصابك مكروه؟»

ولدي — هو الآخر — انطلق يبكي.

قلتُ: «أنا لم أفعل شيئًا. والمسألة ليست على الصورة التي أُبلغتم بها؛ فهناك سوء فهم.»

سألَت: «فلماذا ذهبتَ إلى جبل «إيميشان»؟ وكذبتَ عليَّ وقلتَ إنكَ في مهمة عمل؛ فأنت حتى لم تأخذ إجازة لكي تذهب إلى هناك.»

قلتُ: «لماذا آخذ إجازة؟»

سألَتني: «ولماذا ذهبتَ إلى إيميشان؟»

غمغمتُ بما جاء على لساني، ولم أدرِ كيف أفسِّر لها الأمر، فانتَحبَت للمرة الثانية قائلةً إنني لا أثق فيها. قالت إنني لا أتصوَّر مدى حبها وإخلاصها لي، فشعرتُ بثقل النعاس في أجفاني، لكنها ظلَّت تُلاحقُني بالأسئلة … ماذا بك؟ قل لي ماذا دهاك؟ أجِب على كلامي، قل كلمةً واحدة، قل لي أي شيء، لا تصمت هكذا! أنت تقتلني غيظا!

لم تدَعْني أنام، فأغفيتُ جالسًا وساقاي تؤلمانني، فلمَّا حُوصِرتُ بدائرة عذاباتها، لم أجد مفرًّا من مصارحتها بما عندي:

«الموضوع أبسط من هذا كله؛ فقد ذهبتُ إلى «إيميشان» فقط لكي أصيح بملء صوتي.»

انفتح فمها، وتجمَّدَت ملامحها، وظلَّت لفترة هكذا، ثم سألَتني:

«ولماذا تذهب إلى هناك كي تصيح بملء صوتك؟»

«هو الأمر هكذا، كما قلتُ لك. أنا ذهبتُ لكي أزعقَ بأعلى صوت.»

«تصيح بماذا؟ ما الذي كنتَ تريد أن تقوله صارخًا؟» لاحقَتْني بالسؤال.

«ولا أنا أعرف»؛ أجبتُها وأنا مُغمَض العينَين، ثم سمعتُها — وأنا بين الإغفاء واليقظة — تصرُخ فيَّ قائلة:

«أليس معنى هذا أنك مختلٌّ نفسيًّا؟»

جاهدتُ أن أفتح عيني لحظة، قلت:

«لا أعرف، لا أعرف حقًّا.»

ثم لم أعُد أفتح عيني ثانية.

نمتُ حتى نحو العاشرة من صباح اليوم التالي، فلما قُمت، وجدتُ قصاصةً ورقيةً بخط زوجتي تقول فيها إني في إجازة من العمل، حسب تعليمات السيدة رئيسة القطاع؛ فقد تفضَّلَت بإعطائي إجازة لمدة ثلاثة أيام للراحة، وبعدها يتم البتُّ في شأني.

لم يكن هناك ما يبرِّر بقائي في منزلي دون موافقةٍ رسميةٍ من العمل، فكان لا بد من أن أقوم بإجراءات القيام بإجازة حسب طلبي الشخصي، وإلا أصبحتُ متغيبًا عن العمل بغير صفةٍ قانونية، وهو ما يعني الخصم من المكافأة المالية … إلخ. وكان أن ذهبتُ إلى المكتب، وهناك فوجئتُ بامرأتي جالسة مع رئيسة القطاع والسيد الوكيل العام يتحدثون فيما بينهم، فلما رأَوني، ارتبكوا وظهرَ القلقُ في وجوههم، فبدا الحال وكأنهم يدبِّرون لي أمرًا من وراء ستار، يحيكون شيئًا خفيًّا وحقيرًا.

بعد نصف ساعة من وصولي إلى المكتب تقريبًا، مال علي أذني السيد الوكيل، وأبلغني أن رئيسة القطاع تريد أن تتكلم معي في موضوعٍ مهم. هنا جاء الدور عليَّ كي أرتبك، وتتقبَّض ملامحي من القلق. ثم لم يلبث سيادة الوكيل أن أضاف قائلًا:

«هوِّن عليك، المسألة بسيطة جدًّا؛ فهي تريد أن تطمئن عليك، وتكلمك كأخٍ وزميل، لا أكثر، وسأحضُر المقابلة معك، لا تشغل بالك!»

هدأَت نفسي قليلًا. ولو أنه لم يكن يُفزعني شيء قدْر أن ألتقي مع رئيسة القطاع، ومَن هم على شاكلتها من المديرين والرؤساء، وكل تلك الكائنات العملاقة، بالرغم من أن هذه السيدة بالذات كانت طيبة القلب، لكن فكرة المقابلة معها — في هذا الظرف، وعلى نحوٍ مفاجئ — كان باعثًا على الانزعاج، لولا أن حضور سيادة الوكيل سيلطِّف الأمر كثيرًا بالنسبة لي، باعتباره رئيسي المباشر الذي اعتدتُ رؤيته ومجالسته يوميًّا، ولفترةٍ طويلة، منذ أن تم تحويلي إلى هنا.

اكتشفتُ لاحقًا أن حضور المقابلة لم يقتصر على السيد الوكيل، وإنما شمل — إلى جانبه — عددًا لا يُستهان به من الأفاضل؛ السيد المدير العام، والسيد رئيس الفرع … والسيدة امرأتي، التي لم يغِب عن بالها أن تشارك الجمع الغفير بحضورها. بابتسامةٍ رقيقة، أشارت لي رئيسة القطاع بالجلوس، بينما كانت هي والسيد رئيس الفرع يختلسان كلاهما النظرات المحاذرة إليَّ، نفس النظرات التي رأيتُها في وجوه الجميع منذ أن جئتُ … نظرات ملؤها التوجس والحيطة. حتى وأنا داخلٌ إلى المكتب، كان الموظفون يلقَونني وأنا ماشٍ في الممَر، فيُوسعون لي الطريق وهم يتنحَّون بطريقةٍ مُبالَغ فيها، والبعض كاد أن يلتصق بظهره إلى الحائط كي يفسح لي ممرًّا، والبعض الآخر كان يعود أدراجه أو يقف مكانه ريثما أمضي بجانبه، كأني تحولتُ فجأةً إلى كادرٍ قيادي من الدرجة الممتازة.

لم تستقبلني رئيسة القطاع في مكتبها، بل في قاعة الاجتماعات الكبرى. وعلى المنصة الرئيسية، كانت جالسةً تومئ برأسها ناحيتي، فاستغربتُ وظننتُ أنهم بصدد عقد اجتماعٍ مهم. إذن، فالأمر جلَل. أهو اجتماع لمناقشةٍ عامةٍ لمشكلتي بحضور جمعٍ غفير من المسئولين؟ مكثتُ هُنيهة، فاكتشفتُ أن القاعة ليس بها أحدٌ سوانا نحن الخمسة؛ أما ما عدا ذلك فلم يكن هناك إلا العاملة العجوز المسئولة عن تنظيف القاعة وجمع القمامة، وكانت — بين حين وآخر — تمُد عنقها تتلصَّص علينا، ثم سرعان ما تختفي. وتكلَّمَت رئيسة القطاع فقالت إنها اختارت أن نجلسَ في هذه القاعة لأنها توفِّر لنا الهدوء المطلوب، خصوصًا وهي تريد — من حديثها — أن يكون وديًّا بالأساس.

قاطعتُها قائلًا: «بعد إذن سيادتك، أنا يجب قبل كل شيء أن أعترفَ بما وقعتُ فيه من خطأ؛ لأنه كان من المفروض أن أتقدَّم بطلب إجازة أولًا، لكني نسيتُ، ووقع في ظني أني تقدَّمتُ به من قبلُ.»

أسرع مدير الفرع يقول: «يجب أن تعرف أن كلام السيدة رئيسة القطاع لم يتطرق إلى ما قلتَه الآن، أبدًا، بل هي تتكلم من زاويةٍ أخرى مختلفة؛ فهي تنطلق من زاوية الاهتمام بأحوالك، ومراعاة ظروفك؛ لذلك، فقد بدأَت كلامها بأنها تريد الحديث معك بشكلٍ ودي.»

قال المدير العام: «نعم، بالفعل؛ فقد لمستُ من موقف السيدة رئيسة القطاع أنها تهدفُ إلى مراعاة أحوالك والاهتمام بظروفك.»

وقال الوكيل: «أحب أن أؤكد لك بأن سيادتها، كما هو واضح بالموقف والكلمة، تقفُ إلى جانبك وتعملُ على راحتك.»

جاء الدور على امرأتي ولم يكن لها أصلًا أن تتكلم؛ لكنها، بالمرة، تكلَّمَت قائلة: «ألم أقُل لك دائمًا، ونحن معًا، ألم أقُل لك إنه ليس هناك في الدنيا كلها مَن يعمل على راحتك مثل السيدة الفاضلة رئيسة القطاع؟ ألم أقُل لك إن المرء أينما ذهب فلن يجد قيادةً تهتم بأحواله وترعى شئونه مثل سيادتها؟»

ذلك هو الكذب بعينه، بل الكذب السافر المتبجِّح؛ فقد سمعتُها تقول عنها في إحدى المرات: «تلك الشمطاء الصفيقة الوجه، الناهبة الجَشِعة التي لا يملأ فمها شيء، حتى لو ألقَيْت فيه جبلًا فستبلعه في الحال؛ تبلع الدنيا كلها ولا يكفيها.»

ثم إن رئيسة القطاع لم تدَعْها تُكمل أكاذيبها؛ إذ أشاحت لها بيدها وقاطعَتها، لتقول لي:

«اسمع، أنا بلغَني أن صحتك هذه الأيام ليست بخير تمامًا.»

«أبدًا، سيدتي»، أجبتُها قائلًا: «أنا بخير، بكل خير.»

«هل هناك ما يؤرِّقك هذه الأيام، هل هناك همومٌ تثقل خاطرك؟»

«على الإطلاق، سيدتي، ليس هناك ما يؤرِّقني أبدًا.»

«تكلَّم، لو كان عندك ما تريد قوله؛ فالناس هنا كلهم — في الحقيقة — رفقاؤك، فتكلَّم ولا تخشَ شيئًا.»

لم أتكلم؛ فلم أدرِ ماذا أقول بالضبط.

قال المدير العام: «لو كان هناك ما يؤرِّق تفكيرك، فلا حرج لو قُلتَه للسيدة رئيسة القطاع.»

وقال رئيس الفرع: «تستطيع أن تتكلم بكل ما عندك للسيدة رئيسة القطاع.»

وقال الوكيل: «هيا، تكلَّم، قُل لسيادتها عما يؤرِّقك.»

للمرة الثانية، التزمتُ الصمت؛ لأني — للمرة الثانية — لم أدرِ ماذا أقول. أضافت رئيسة القطاع قائلة: «الحقيقة أني قد بلغني أيضًا أنك تبحث عن مكانٍ بعيدٍ تذهب إليه لكي تصيحَ بأعلى صوتك؛ فلا عليك من هذا، لا بأس يعني … أنا عن نفسي أرى أنه شيءٌ طبيعي جدًّا.»

قال المدير العام: «حقًّا، هذا شيء طبيعي للغاية.»

ورئيس الفرع قال: «بالتأكيد، طبيعي من دون كلام.»

وقال الوكيل: «بل طبيعي جدًّا جدًّا.»

وقالت السيدة الرئيسة: «لذلك، فنحن اليوم رأينا أن نجلس معك هنا؛ حيث المكان بعيدٌ تمامًا عن المكتب، والموظفين … إلخ، ولن يسمعك أحد؛ وبالتالي، فنرجو منك إن كان عندك ما تريد أن تصيحَ به، فأطلِق لنفسك العِنان، على راحتك يعني؛ فما دمت تريد أن تصرخ فاصرخ، وستجد نفسك قد استرحتَ وزال عنك العَناء.»

سكتَت، ونظرتُها المشجِّعة تكاد تنطق بابتسامتها الودود، وتطلَّع جميعهم نحوي، وقد اعتصروا طاقتهم في ابتسامة، سوى زوجتي، وحدها كانت آسفةً حزينة.

وكنتُ آسفًا حزينًا.

«هيا … اصرخ»، قالت السيدة الرئيسة بلهجة المُستحِث على الصياح.

«هيا … اصرخ»، قال المدير العام بلهجة الناصح الذي يريد لي الخلاص.

«هيا … اصرخ»، قالها رئيس الفرع والوكيل معًا، هذا بلهجة المحرِّض،

وذاك بلغة المتعجِّل.

«هيا … اصرخ»، قالتها زوجتي أخيرًا مقرونةً بالتوسل.

قررتُ ألا أخذلَ رجاءهم جميعًا؛ فلطالما كنتُ أذرع الأرض بحثًا عن موضعٍ يصلُح للصُّراخ، وإذا بي قد عثرتُ عليه أخيرًا، ها هنا. والفرصة السانحة يجب اغتنامُها؛ فمن ثَم أعددتُ نفسي لصيحةٍ محترمةٍ مهذَّبة ذات وقار وشرف.

تركَّزَت عليَّ النظراتُ كلها، تترقَّب.

وكنت أترقَّب نفسي متلهفًا، أنا الآخر.

ثم انتابَتْني الحَيْرة مرةً أخرى، فقلت:

«لا أدري بماذا أصيح، بماذا أُطلِق العِنان لصوتي؟»

قالت رئيسة القطاع: «ازعق بما يرِد في نفسك، حسبما يتراءى لك أن تصيحَ به فافعل.»

قلتُ: «لكني لا أعرف ما الذي أريد أن أصرخَ به.»

«إذن، فلماذا تسعى إلى مكانٍ بعيد للصياح، ما دام الأمر كذلك؟»

«ولا أنا فاهم السبب الذي دعاني للبحث عن مكان بعيد للصياح.»

سكتَت السيدة الرئيسة، وسكَت الجميع، واستولى عليَّ شعور بالأسف؛ لأنني السبب في كل ما حدث؛ فلذلك قلتُ:

«سيدتي رئيسة القطاع، هل يمكن — بعد إذن سيادتك — أن يقترح لي أي واحدٍ من قيادات العمل الموجودين هنا أية عبارة أو كلمة لكي أصيح بها عاليًا في وجود حضراتكم؟»

تطلَّعَت الرئيسة نحوهم، مثلما كانوا يتطلعون إليها، وحدَها زوجتي بدت كاسفةَ البال.

سألَت الرئيسةُ المديرَ العام: «هل عندك اقتراح عما يصرخ به؟»

هزَّ رأسه بالنفي قائلًا: «للأسف، لا أجد عندي فكرةً مناسبة له؛ فلم يحدث إطلاقًا أن فكَّرتُ في الصياح قبل ذلك في حياتي.»

ثم توجَّهَت سيادتها إلى رئيس الفرع والوكيل بالسؤال نفسه، فأجابها كلٌّ قائلًا: «أبدًا، للأسف، لم يسبق أن فكَّرتُ في الصياح قبل ذلك.»

سألَتني سيادتها قائلة: «ما العمل الآن؟ لا أحد عنده فكرة للصياح من أجلك!»

قلتُ: «فما دامت المسألة هكذا، فلا داعي إذن للصياح، وليطمئن كل واحد من حضراتكم، فقد تبدَّدَت عندي الرغبة في الصياح.»

سألَتْني الرئيسة: «حقًّا؟ ألم تعُد ترغب في الصياح الآن؟»

أجبتُها قائلًا: «نعم، ليس عندي الآن أدنى رغبة في ذلك.»

«رائع، إذن فلتعُد الآن إلى عملك.» قالتها، وفي رنة صوتها شيءٌ من خيبة الأمل، لكنها أسرعَت تُواصِل قولها، «لا بأس، فالرغبة في الصياح شيءٌ طبيعي جدًّا، وحتى عدم الرغبة في الصياح الآن يُعد شيئًا طبيعيًّا كذلك.»

والآخرون قالوا كلٌّ بدوره، إنه شيءٌ طبيعي بكل تأكيد.

بعد ثلاثة أيام، أبلغَني سيادة الوكيل أن القسم الإداري أصدر قرارًا بأن يتم سفري للاستشفاء في مصحة «بيداخ».٢

وعلى الفور، حزمتُ أمتعتي استعدادًا للسفر.

قلتُ لنفسي، أليست «بيداخ» هذه منطقةً ساحلية؟ فلعلِّي إذن أستطيع هناك أن أجد موضعًا مناسبًا يسمح لي بالصياح، على قَدْرِ ما أجد من طاقةٍ في صوتي.»

ثم عُدتُ فاستغربتُ لهذا الخاطر، كيف عادت الفكرة تُلِحُّ عليَّ من جديد؟

اجتهدتُ في أن تمضيَ الأمور على حالها، وكأن خاطرًا لم يَرِد في أعماقي، لئلا تُبصِر به امرأتي، ويتجلى لها كنه الخواطر.

تمَّت في ٣ / ١٩٨٧م
١  نُطقها هكذا يبيِّن أنها تفهم من الاسم إشارة إلى الدواب؛ حيث «مارادونيا» = «الحصان رادونا»، أما نيولادونا فهو «الثور لادونا». (المترجم)
٢  منطقة علاجية وترفيهية راقية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦