شخصية منحرفة

شخصية أبي نواس

والآن نستطيع أن نثبت من سيرة «الحسن بن هانئ» صاحب الشخصية النموذجية، التي وجدت حقًّا ولم يخلقها الوهم من تصورات السامعين به على حسب اختلاف الأوقات والأحوال.

وهذه الشخصية النموذجية غير شخصية «أبي النواس» هي شخصية «نرجسية» باصطلاح النفسيين المحدثين على أن تفهم «النرجسية» فهمًا يخالف تعليلات «فرويد» وتعميماته، وهي تلك التعليلات والتعميمات التي لا يقرها أحد من نظرائه وأنداده، ومنهم أناس ضارعوه في المنزلة العلمية، والشهرة العالمية بعد أن تتلمذوا عليه.

فليست النرجسية طورًا طبيعيًّا من أطوار العمر يمر به كل إنسان، ولكنها آفة نفسية تولد مع صاحبها في رأي بعض النفسيين، وتنشأ من التربية البيتية وعوارض المعيشة الاجتماعية في رأي آخرين.

فمن الذين أنكروا تعليل فرويد لهذه الآفة العالم الفرنسي الدكتور رولان دالبيج Dalbieg، الذي عقب على مذهب فرويد بمجلدين ضخمين خلاصتهما أن فرويد لا يفرق بين منهج العلاج وفلسفة علم «النفاسيات»، وقد تناول دراسة النرجسية خاصة فقال في لهجة حاسمة: «ولكن هل لدينا ما يسوغ الذهاب إلى أبعد من هذا المدى لنقول كما قال فرويد: إن النرجسية درجة طبيعية في التطور الجنسي؟ إننا لا نتردد في الإجابة عن هذا السؤال بالنفي، فليس التطور الجنسي سلسلة متتابعة من الشذوذات، وليس النمو الجسدي كذلك سلسلة متتابعة من المسوخات».١

ومن معارضيه هرشفيلد المؤلف الموسوعي في النفاسيات الجنسية، وهو يتناول النرجسية في الفصل السادس من الجزء الأول من كتابه عن النفاسيات الجنسية، وهو كذلك ينكر أن النرجسية درجة طبيعية في التطور الجنسي، ويردها إلى فعل الغدد واختلاف تركيب البنية.

ومنهم الدكتور لوينفلد Lowenfeldt مؤلف كتاب «الجنسيات والأمراض العصبية»، وعنده أن النرجسية ليست طورًا طبيعيًّا أو درجة طبيعية، ولكنها انحراف يميل إلى الشذوذ الجنسي، ويجري أحيانًا في مجرى واحد مع غرام النرجسي بأبناء جنسه.
ومنهم الدكتور سادجر Sadger تلميذ فرويد الذي يخالف أستاذه، ويوافق الدكتور لوينفلد في رأيه وتفسيره.٢
ومنهم إمام مدرسة مستقلة عن المدارس الأوروبية، وهو الدكتور وليام مكدوجال ورأيه في كتابه «إجمال العلل النفسية» أن غرام الطفل بنفسه حالة غير النرجسية.٣
ومنهم سيدة طبيبة٤ تطبق العلل النفسية على الخصوص من الوجهة الأنثوية، وهي الدكتور كارين هورني Horney التي تقرر في كتابها عن الأساليب الحديثة في التحليل النفسي أن فرويد لم يفرق بين تعظيم النفس، وتمديدها Self-Inflation، وبين النرجسية بمعنى عشق النفس والتدله بها من الناحية الجنسية.

فالنرجسية التي نتتبع أعراضها في الحسن بن هانئ ليست حالة طبيعية تلاحظ على أنداده وفي مثل عمره، ولكنها حالة منحرفة ولد ببعض أعراضها، وجاءته الأعراض الأخرى من البيت والمجتمع، والعصر الذي نشأ فيه وعاش فيه سائر حياته، وهي حالة لا يشابهه فيها أحد من شعراء عصره، ولم يخطئ معاشروه الذين أفردوه بها، وأحسوا أنه هو دون غيره تلك «الشخصية» النموذجية التي طبعت بطابع واحد لم يتعدد في زمانه، ولعله لم يتعدد على هذا النمط بعد زمانه.

ولقد توافقت الدلالات والأعراض على تمييز هذه الشخصية النموذجية، فاجتمعت فيها دلالات التكوين ودلالات النشأة البيتية، ودلالات المجتمع ودلالات العصر بحذافيره حيث عاش بين البصرة والكوفة وبغداد، أو حيث عاش فترة من عمره في الديار المصرية.

وعلينا أن نقيم الفاصل الواضح بين هذه الدلالات في سيرة الحسن بن هانئ، وبين هذه الدلالات بعينها حين تؤخذ متفرقة، وحين تنفرد كل منها بالاستدلال على «شخصية مجهولة».

فالآفة هنا ثابتة والدلالات إنما تأتي بعد ذلك لتطبيقها، واستخراج أسبابها ومراجعة هذه الأسباب على النشأة والبيئة.

فليست الدلالات هنا هي التي تهم الحسن بن هانئ، وتقيم البينة على اتصافه بآفته النفسية، ولكنها قرائن تنتظر التطبيق والمضاهاة بينها وبين الآفة الموجودة، فلا حرج من الاستدلال بها وهي متفرقة، أو من الاستدلال بها وهي مجتمعة.

أما الاعتماد على أشباه هذه الدلالات لإثبات آفة غير ثابتة، فهذا هو موضع الحرج والأناة، فإن كلًّا منها قد يؤخذ على حدة، فلا يدل على شيء وقد تجتمع معًا فيبقى الشك في حقيقة الارتباط بينها، ومقدار التوافق في جوانب هذا الارتباط وتلاقيها حقًّا على وجهة واحدة.

لهذا يجوز أن يعتمد الباحث على بعض الأغراض في دلالتها على هذه الشخصية، ولا يجوز أن يعتمد عليها في سائر الشخصيات، ومرجع ذلك إلى ثبوتها مجتمعة ومتفرقة ثبوتًا لا خلاف عليه.

ونبدأ بدلالات التكوين الجسدي كما جاءت في أوصاف لم يخالفها أحد من مترجميه.

التكوين الجسدي

قال ابن منصور في أخبار أبي نواس: «كان حسن الوجه، رقيق اللون، أبيض، حلو الشمائل، ناعم الجسم، وكان في رأسه سماحة وتسفيط — أي: كان شعره منسدلًا على وجهه وقفاه — وكان ألثغ بالراء يجعلها غينًا، وكان نحيفًا، وفي حلقه بحة لا تفارقه».

وقال من سيرته مع والبة بين الحباب: «فرأى بدنا حسنًا، وكان جميل الوجه وحسن البدن، فأطار عقله».

وقال في سبب تسميته بأبي نواس: «سئل مرة أخرى فقال: سبب كنيتي أن رجلًا من جيراني بالبصرة دعا إخوانًا له، فأبطأ عليه واحد منهم فخرج من بابه يطلب من يبعثه إليه ليستحثه على المجيء إليه، فوجدني مع صبيان ألعب معهم، وكانت لي ذؤابة في وسط رأسي فصاح بي يا حسن امض إلى فلان وجئني به، فمضيت أعدو لأدعو الرجل وذؤابتي تتحرك، فلما جئت بالرجل قال: أحسنت يا أبا نواس، لتحرُّك ذؤابتي، فلازمتني هذه الكنية».

وكان يعتز بفراهة بدنه، قال أبو القشير: «نظمت الشعر وأنا غلام وأبو نواس غلام، وكنا جميعًا نضرب العود، وكنت أحسن وجهًا من أبي نواس وأبو نواس أطبع مني، فتفاخرنا بالشعر وغيره، ثم قلت له: إني أجمل منك وجهًا، فقال: بل أنا أحسن منك وجهًا وأفره.»

وكان لا ينسى ملاحته وتيهه بها، وقد جاوز الشباب كما قال من شعره:

تتيه علينا أن رزقت ملاحةً
فمهلًا علينا بعض تيهك يا بدر
فقد طالما كنَّا ملاحًا وربما
صددنا وتُهنا ثم غيرنا الدهر

وتكاد تتمثل لنا من هذه الملامح صورة نرجسية للحس والعيان قبل النرجسية التي يدور عليها بحث علماء الأمراض النفسية، فالبياض والرقة والنعومة والملاحة والشعر المتهدل أشبه ما تكون بملامح الفتى نرجس، الذي حنا على الجدول فاستحال نرجسة واتخذه الأسطوريون اليونان نموذجًا للجمال المفتون بمحاسنه.

ودلالات التكوين الأخرى تتم هذه الملامح فيما تسمعه الأذن ولا تراه العين، فاللثغة وبحة الصوت تشيران إلى تكوين وسط بين كيان الصبي وكيان الشباب الناضج، وليس هذا الاحتباس في جهاز الصوت موضعيًّا لا يرتبط بحالة كامنة في وظائف البنية؛ لأنه غير مقصور على لثغة اللسان بل شامل للحنجرة كما يبدو من بحة الصوت التي لا تفارقه، ولعلهم لو كانوا في زمانه يعرفون مراكز الدماغ التي تسيطر على النطق عامة لأضافوا إلى ذلك لوازم أخرى مع اللثغة والبحة الحنجرية، ولكن ما ذكروه كاف للدلالة على أن النقص شامل لجهاز النطق كله، وما يليه من الغدد التي تسيطر على إعداد البنية للمراهقة، وليس بالمقصور على الحنجرة واللسان.

ولا يخفى أن جهاز النطق شديد العلاقة بالنمو الجنسي في الرجال على الخصوص، فلا يدرك الرجل سن النضج حتى يغلظ صوته، ويعمق ويبرأ لسانه من لكنة الطفولة ولثغات الحروف، فإذا عم النقص لسانه وحنجرته كان لذلك علاقة بوظائفه الجنسية مدى الحياة.

وتضاف إلى لثغة أبي نواس، وبحته ظاهرة لها علاقة بالنفسية الجنسية، وبالكيان الجسدي المتصل بهذه النفسية، فالضفيرة التي كانت مرسلة من رأسه تنبئ من الوجهة النفسية التي كان أهله يشعرون بها ولا ريب عن صبي شبيه بالبنات ترسل له الضفائر تدليلًا ومجاراة لسيماه الغالبة عليه، هذا التدليل من علامات النرجسية التي يرجع فيها إلى أثر البيت والتربية.

ويظهر أن أبا نواس قد أراد الاحتفاظ بهذه الضفيرة بعد بلوغه سن الرجولة معتزًّا بغزارة شعره، فأشفق من السخرية والعبث ولم يسترح إلى نبذها مرة واحدة، فاستعاض عنها بتسفيط شعره وبقائه منسدلًا على جبهته وقذاله، وهذا إلى نعومة الجسم وخلوه من الشعر، علامة جنسية لا تهمل مع إضافتها إلى غيرها من العلامات المتوافقة.

فالمعهود في شعر الرأس أنه من العلامات الجنسية الثانوية، وأنه على صلة بهرمونات الذكور والإناث على السوء.

ويتعرض الرجل للصلع بعد سن الشباب على الأغلب، فقلما يصلع الشبان في إبان القوة الجنسية.

ولو وقف الأمر عند هذا لما احتاج إلى بحث طويل، فيكفي أن يقال: إن غزارة شعر الرأس مرتبطة بالقوة الجنسية، ثم يتساقط الشعر مع تقدم السن، وتناقص هذه القوة.

ولكن المشاهد أيضًا أن النساء قليلات الصلع، وأنه قلما يصيب الخصيان المجبوبين قبل البلوغ.

فبماذا يكون تعليل الصلع مع النظر إلى جميع هذه الملاحظات؟ هل يأتي من ضعف هرمونات الذكورة؟ إن كانت هذه هي العلة فالأولى أن يصاب به النساء والخصيان.

فهل يأتي من قوة تلك الهرمونات؟ على هذا التقدير ينبغي أن يصلع الشبان، ولا يصلع الشيوخ.

والتعليل المعقول إذن أنه يأتي من تحول طبيعة هرمونات الذكورة، فإذا كانت في نشأتها قوية غالبة، ثم شاخت مع شيخوخة البنية حدث الصلع، وإن لم تكن من نشأتها قوية غالبة لم يتحول الشعر عن حالته، وإذا بقيت على قوتها بقي شعر الرأس كأنه في سن الشباب.

فأبو نواس إذن بقي على حالة واحدة من صباه إلى شيخوخته، فحكمه في هذه الحالة حكم النساء والخصيان.

وإذا أضيف إلى هذا خلو جسمه من الشعر واحتباس جهازه الصوتي عند الحالة التي تتوسط بين الصبا والشباب كانت هذه العلاقة أيضًا خليقة أن يتلفت إليها، ولا تهمل في سياق الفحص عن الجنسيات والنفسيات.

ولا حاجة إلى الإسهاب في الكلام عن شعوره بمحاسن بدنه شعورًا نرجسيًّا كالعشق الذي يعنيه الأطباء النفسانيون، فإن مفاخرته لأبي القشير واعتزاه بفراهة بدنه، وذكرى التيه الذي كان ينعم به في صباه وأشباه ذلك من نوادره وقصائد مجونه، تغني عن الإسهاب في هذا الباب.

البيت

وعنوان النرجسية التي اندست إليه من تربية البيت هي تلك الضفيرة، التي ظلت مرسلة من رأسه إلى السن التي يلعب فيها مع الصبيان، سواء كانت هي سبب تسميته بأبي نواس، أو كان لهذه التسمية سبب غيرها.

فهو طفل مدلل في كفالة أمه؛ وربما دللته لأنه وحيدها كما قال في شبابه:

لا تفْجعي أمي بواحدها
لن تخلفي مثلي على أمي

فقد عاشت حتى شاخت وقالت فيها الجارية «عنان» تهجوه وتهجوها:

عليك أمك (خُذها)
فإنها كندبيرة

والكندبيرة بالفارسية هي العجوز الخرفة.

ولا يمنع أنه واحدها ما جاء في ترجمته من سيرة أخيه وأخته، فربما كانا أخويه لأبيه؛ إذ كانت أمه قد تطلقت من أبيه وهو غلام صغير، ولبث بعد ذلك في كفالة أمه، ولا يبعد أن يكون أبوه قد تزوج قبلها أو بعدها.

ومن أسباب التدليل التي أحصاها أطباء الأمراض النفسية أن تشتهي الأم أن ترزق بنتًا لغربتها، أو وحدها واقترابها من الشيخوخة التي تحتاج فيها إلى عناية المرأة، فترزق ولدًا ذكرًا بدلًا من البنت التي تتمناها، ويحدث في هذه الحالة أنها تربي الولد تربية البنات تسلية لها ومغالطة لأمنيتها، وليست هذه الأمنية بعيدة من خاطر أمه؛ لأنها كانت امرأة من قرى الأهواز تزوج بها هانئ وهو في جيش الأمويين، ثم نقلها إلى البصرة بعد قيام الدولة العباسية، فجاءتها وحيدة منقطعة عن أهلها، وجعلت تعيش في موطنها الجديد بإرضاع الأطفال، وصنع الجوارب وبيع الملابس لنساء البيوت.

يقول أندريه تريدون Tridon في كتابه «التحليل النفسي والأخلاق»:

إن المحللين النفسيين متفقون جميعًا على تكوين الشذوذ الجنسي في صورته المنفعلة، فإن الصبي الشاذ المنفعل هو في جميع الحالات ابن أيم أو زوجة مطلقة فارقت زوجها بالموت أو الهجر والمقاضاة عقب ولادة الطفل، فنما الطفل مضطرًّا إلى التماس قدوة يقتدي بها فوجد هذه القدوة في أمه، وكبر وهو يحاكيها في الإعراض عن النساء والمبالاة بالرجال، وأصبح كالمرأة في كل اعتبار غير اعتبار التشريح، ثم يدرك الرغبة الجنسية على النحو الذي تدركه المرأة، فيتمنى مثلها أن يحرزه رجل كما يحرز النساء.

ويجاري النفسيين في مثل هذا الرأي أستاذ لعلم الأمراض النفسية قليل الشطط في آرائه، وهو الدكتور جوردون آلبورت Allport أستاذ هذا العلم بجامعة هارفارد، فيقول في كتابه عن الشخصية والترجمة النفسية:٥ «إن الولد النحيل الذي يعاني جرحًا نرجسيًّا يجد ملاذًا له في أن يصبح عشيرًا مدللًا Pet لأستاذه».

ولم يكن التدليل هو كل ما ابتلي به أبو نواس في صباه من مغامز الآفات الجنسية، فقد قيل: «إن أمه كانت تستخدم في صناعاتها في الاتجار بملابس النساء للجمع بين الغواني وطلابهن في بيتها «وكان لها بيت تنادي فيه الغواني»، ولصقت به هذه السمعة إلى ما بعد شبابه، فقال فيه الشاعر أبان بن عبد الحميد اللاحقي:

أبو نواس بن هاني
وأمه جُلبان
والناس أفطن شيء
إلى دقيق المعاني

وكانت الجارية عنان تغري به السفهاء والعيارين أن يصيحوا به كلما رأوه:

أبو نواس اليماني
وأمه جلبان
والنغل أفطن شيءٍ
إلى حروف المعاني

وتريد بالنغل أبا نواس، وتشير إلى امرأة كانت كما قيل ترضع أولاد الزنا وتربيهم، وهي أمه جلبان!»

أما أبوه «هانئ» فالأرجح أنه من سلالة زنجية تنتمي إلى مولى من اليمن، وكان أسود شديد السواد، قال فيه إبان:

هانئ الجون أبوه
زاده الله هوانا

وكان أبو نواس يتعصب لليمانية أحيانًا، ويهجو من أجلهم النزارية كثيرًا، ولكن أصدق الأقوال في نسبه ما قاله فيه الرقاشي أنه:

واضعٌ نسبته حيثُ اشتهى
فإذا ما رابه ريبٌ رحل

فقد ادعى زمنًا أنه من ولد عبيد الله بن زياد بن ظبيان من بني عامر من تيم اللات الذي ينتهي نسبه إلى وائل. فقيل له: إن الرجل الذي تدعي النسب إليه لا عقب له؛ لأنه فلج ومات ولا ولد له، فترك الانتساب إليه وذهب يتنقل بين الأنساب اليمانية حيث شاء، ولم يلبث أن هجا اليمانية فقال:

لأزد عمانٍ بالمهلب نزوةٌ
إذا افتخر الأقوامُ ثم تَلِينُ
وبكرٌ ترى أن النبوةَ أنزلتْ
على مسمع٦ في الرَّحْم وهو جنين
وقالت تميمٌ: لا نرى أن واحدًا
كأحنَفِنا حتى الممات يكون

وفي غير هذا الكلام يهجو نزارًا فيقول:

واهجُ نزارًا وافرِ جلدَتَها
واهتك الستر عن مثالبها

وفي هذه القصيدة يقول مفتخرًا بقطحان:

فافخر بقطحان غير مكتئب
فحاتم الجود من مناقبها
ولا ترى فارسًا كفارسها
إن زلت الهام عن مناكبها
عمرٌو وقيسٌ والأشتران وزَيْد
الخيل أسد لدى ملاعبها

وربما تعاجم وتنكر للعرب جميعًا كما قال:

تراث أبي ساسان كسرى ولم تكن
مواريث ما أبقت تميم ولا بكر

وربما فضل منادمة العجم على منادمة العرب حيث يقول:

نادمتهم أرتاض في آدابهم
فالفرس عدوى سكرهم محسوم
ولفارس الأحرار أنفس أنفسٍ
وفخارهم في عترة معدوم

ويستكثر في قصيدة أخرى منادمة الشراب على الأمم جميعًا غير العرب فيقول:

لا تمكننِّي من العربيد يشربني
ولا اللئيم الذي إن شمني قطبا
ولا المجوس فإن النار ربَّهم
ولا اليهود ولا من يعبد الصلبا
ولا السفال الذي لا يستفيق ولا
غرِّ الشباب ولا من يجهل الأدبا
ولا الأراذل إلا من يُوَقِّرني
من السقاة، ولكن أسقني العربا

وهكذا راح أبو نواس يفخر اليوم بما ازدراه أمس، ويمدح لهذه المناسبة أو تلك ما ذمه لمناسبة أخرى، ويلهج بهذه المفاخرات والمهاترات في مطالع القصائد؛ لينعي على العرب طلولهم وبواديهم ويؤثر عليها التغني بالمدامة والمنادمة، أو يلهج بها في المدائح ليقدح في كل نسب غير نسب الممدوح، أو في الأهاجي ليعيب من يقصده بالهجاء، وكانت هذه النغمة هِجِّيرَاهُ لا يكاد يسكت عنها في باب من أبواب المعصية.

ومن اللغو أن تؤخذ هذه المهاترات مأخذ الدعاوى الجدية التي يحققها مدعيها، ويعول على تحقيقها، فإن المرء لا يلهج هذا اللهج بشيء إلا أن يكون له مساس بهوى دفين يغريه باللغط فيه على غير مشيئته، والمساس بالهوى الدفين هو الذي يسميه العصريون بالعقدة النفسية، وها هنا عقدة نفسية على متناول اليد لا تعنت السائل عنها من قريب، ولا تلجئه إلى سر غير مكشوف.

فليس في نفس النرجسي عقد آلم لها من تلك التي تمسها في فتنتها بذاتها، وتمسها من ثم في شهوة العرض والمعارضة، ونزوة التحدي والاستثارة.

ومشكلة النسب تمس أبا نواس في هذه وتلك، أي أنها تمس فتنته بذاته، وشهوة العرض والمعارضة في دخيلة طبعه.

فليس أثقل على الفتى المغمور النسب في أبويه معًا من المفاخرات، التي تتعالى بها الأصوات من حوله، ولا يسمع له بينها صوت.

وقد كان العصر عصر المفاخرة بين الشعوبيين والعرب أجمعين، وكان عصر المفاخرة بين القحطانيين والعدنانيين، وكان عصر المناجزة والمعاجزة بين العلويين والعباسيين، ولم يكن أبو نواس قصير اللسان منزويًا عن الناس فيسكت وينزوي، ولم يكن صغيرًا عند نفسه فيعترف عليها بالصغر والمهانة.

ونخالها العقدة الوحيدة التي شقيت بها نفس أبي نواس؛ لأن العقد النفسية لا تعيش في دخائل الإباحيين، إذ كانت العقدة بطبيعتها كبتًا وكتمانًا، وكانت الإباحية مجاهرة بما يكبته الناس ويكتمونه، ولكن مشكلة النسب شيء لا يباح به ولا يكشف إلا على المغالطة والتحدي، وهذا ما فعله أبو نواس.

ولا شك أن هذه العقدة كانت من أقوى بواعث أبي نواس على معاقرة الخمر وألفة مجالسها، واختيار المجالس التي لا تسمع فيها المفاخرة بالأنساب أو تسمع فيها، ولكنها تعاب على سنة الظرفاء والأحباب:

راح الشقيُّ على الربوع يهيمُ
والراح في راحي، فرحت أهيم
بمزمزمين عدَوا بسدفة ليلة
والليل ملتبس الظلام بهيم
نادمتُهم أرتاض آدابهم
فالفرسُ عدوى سكرهم محتوم
ولفارس الأحرار أنفَس أنفُسٍ
وفخارهم في عترةٍ معدوم
وإذا أنادم عصبةً عربية
بدرت إلى ذكر الفخار تميم
وعدت إلى قيسٍ وعدت قوسها
سبيت تميم وجمعهم مهزوم
وبنو الأعاجم لا أحاذرُ منهم
شرًّا فمنطق شربهم مذموم
لا يبذخون على النديم إذا انتشوا
ولهم إذا العرب اعتدت تسليم
وجميعهم لي حين أقعد بينهم
بتذلُّلٍ وتهيُّبٍ موسوم

نعم وهذه العقدة، فهو يختار المنادمة حيث لا مضايقة بالمفاخر والدعاوى، وحيث يرى من حوله التوقير والتسليم، ولكنه لا يسكت سكوت الواجم الذليل في غير هذا المجال، بل يصول صولته هاجيًا أو مباهيًا ليتحدى ويستثير.

ولا شك أن ولاءه لقوم من اليمانية غير مكذوب من أساسه، ولكنه ولاء العبد الذي تدرج من الفخر بسادته إلى ادعاء ولائهم ثم ادعاء نسبهم، وليس من المصادفات أن يكون اسم أبيه هانئًا كاسم بطل اليمن المشهور في حرب ذي قار «هانئ بن مسعود بن بكر»، وقائد قومه في النصر على جيش الأكاسرة، وليس من المصادفات أن يسمى أخوه أبا معاذ على اسم معاذ بن جبل الخزرجي الذي كان من اليمن، وكان رسولَ النبي — عليه السلام — إلى اليمن وقاضيها المختار لهدايتها وإرشادها، وكذلك جاءت نسبة أبي نواس إلى الذوين من اليمانيين، بل كذلك اختار أبو نواس جميع أساتذته أو أكثرهم من اليمانية وأصحاب الولاء فيهم، منهم يعقوب الحضرمي وخلف الأحمر وأبو زيد الأنصاري وغيرهم من المنتمين إلى اليمن بالنسب أو بالولاء.

فليس هذا مما يتفق بالمصادفة، ولكن صاحبنا علم أصل ولائه، ونما وترعرع وهو يستمع إلى الأسماء اليمانية في بيته، فأراد أن يغرس عقيدته في الانتساب إلى اليمانية بالإيحاء إلى نفسه، والتماس القربى لكل لاهج مثله بهذه النسبة، ومكنها بهجو النزارية عسى أن يقبله القحطانيون، فيتمكن بينهم بالإغضاء والسكوت إن لم يتمكن بينهم بلحمة الآباء والأجداد.

وأصل هذه الدعوى كلها على ما هو ظاهر أن هانئًا آباه كان من زنج اليمن أقرب بلاد العرب إلى جلب الزنج من طريق البحر الأحمر، ولم يختلط قومه طويلًا بغير الزنج، فلم يفارق أباه سواد لونه، وتزوجت أخته من عبد يسمى فرجًا القصار، ووُلِد الشاعر أبيض بلون أمه، فاختار من النسب أقربه إليه، ولم يخترع إلا وهو مستعد للإنكار وتشديد النكير على من ينكر دعواه، وبخاصة حين يجد من طبعه نزوعًا إلى تشديد النكير للتحدي والإثارة.

والحسن الصغير — على هذا — قد أخذ من بيته النرجسية مولودًا، وأخذها وهو يتربى مدللًا مهملا محرومًا من الرعاية الرشيدة، وأخذها من مشاهداته فيه، وهو يخطو إلى الفهم ويظن أنه يتعقل ما يراه، فليس أعون على الإباحية النرجسية من مشاهدة الرياء حاسرًا بغير قناع في حظائر الأسرار بين جدران البيت. وخليق بمن طبع على العبث بالعرف ألا يكترث له، وهو يرى المساتير من الرجال والنساء أمام الناس بادين على حقيقتهم في خلوات الفجور والمجون!

بيئة المجتمع

وتطبق البلية من بيئة المجتمع حيث فتح الحسن عينيه على الدنيا العريضة من مدينة البصرة فرضة العالم كله في ذلك الزمان.

فالبصرة في موقعها مثابة الطلاب والقصاد من كل بلد وكل نحلة، وفيها محاسن الحاضرة ومساوئها مبذولة لمن يشاء كيف شاء، وكل مصيب فيها بغية من العلم والأدب أو من الكسب والتجارة، أو من اللهو والغواية أو من الثورة على الدولة والولاء لها في ذلك الزمن المريج المتقلب بين شتى الدعوات والغارات.

وكان من حولها قطاع الطريق يتربصون بالقوافل برًّا وبحرًا، وينهبون من استطاعوا نهبه، ثم ينفقون السلب على الخمر والقمار والدعارة في الحاضرة الكبيرة، ولا يزالون بين اجتراء واختفاء كلما أنسوا غرة من الدولة وشاغلًا من حفاظ الأمن، أو أحسوا لها شدة ويقظة في تعقب الشطار والخراب.

وكان عصر أبي نواس أول عهد البصرة بالبوهيمية المتشردة المتهجمة، كما عرفتها مدن الحضارة حيث شاعت وفشت في أدوار القلاقل والمنازعات، ففي ذلك العصر أخذ «البوهيميون» يفدون من مواطنهم الآسيوية الهندية، ويزحفون إلى الغرب جموعًا أو متفرقين، بل جيوشًا أو عصابات على حسب المكان الذي يغيرون عليه.

هؤلاء هم الزط أو النور أو البوهيميون بعاداتهم وأساليبهم، التي تجمع بين غارات الفتك والعدوان، وغارات الغواية والمتاع المبذول، حيث يستطاع الفتك أو يروج المتاع.

والزط هم البوهيميون بعينهم، والكلمة مصحفة من كلمة أوروبية قديمة أطلقت عليهم؛ لأن الأوروبين حسبوهم قادمين من الديار المصرية، فسموهم تارة «جيتو» وتارة «جبسي» Gipsy من كلمة جبسيانو أو إجبسيانو التي يطلقونها على المصريين، إلى أن قامت طائفة منهم في أواسط أوروبا، فغلب عليهم اسم البلد الذي أقاموا فيه، واشتهروا من ثم بالبوهيميين.

والبوهيمية بعاداتها وأساليبها معروفة لم تتغير منذ تسربت إلى بلاد الحضارة، وأولها التشرد وقلة المبالاة بالعرف الاجتماعي، وطلب الكسب اختطافًا أو اختلاسًا، أو متاجرة باللذات والشهوات حيثما اتفقت، وهذه على الأقل هي البوهيمية كما اصطلح عليها العرف الشائع بين أبناء الحضارة وصفًا لما عهدوه من عادات «الزط» المترحلين.

وكان هؤلاء الزط ينزلون حيث نزلوا إلى جوار الحواضر، ومعهم فتياتهم يردون لهم البيوت والديار، وقد يكشفن لهم ثغرات المدن للإغارة عليها كلما أمكنتهم الفرصة أو العوز.

قال ابن خلدون: «هم قوم من أخلاط الناس غلبوا على طريق البصرة وعاشوا فيها».

وتفاقم خطبهم أيام الخليفة المعتصم فاجترءوا على مهاجمة المدن، ونهب بيادرها وحمل أرزاقها، ولم يأمن شرهم حتى جرد لهم قائده عجيفًا، وحصرهم بقطع الأنهار وسد مسالك الطرق، ثم أسر منهم أكثر من عشرة آلاف مقاتل نقلهم إلى عين زربة، فأخذهم الروم بنسائهم وذراريهم في غارة من غاراتهم على تخوم آسيا الصغرى.

أما في جيل أبي نواس فلم يكن قد وفد منهم على جيرة البصرة غير طلائع متفرقة، يقطع بعضهم الطريق في البادية، وينزل بعضهم إلى جوار الأرباض المتطرفة، ويجرون على عاداتهم التي تلخصها كما أسلفنا كلمتان: التشرد والتحلل من عرف المجتمع وآداب الحضارة.

وكانت الثقة التي اشتهرت باسم «الشطار» بعض طلائع هؤلاء الأخلاط، وهم المثل المقتدى به عند أبي نواس كما جاء في مجونه وخمرياته، ومنها فيمن يقول: إنها لامته على صحبتهم جاهلًا شرورهم:

وملحَّة باللوم تحسب أنني
بالجهل أوثر صحبة الشطار

ومن كلامه في منادمة الفتاك:

حَندريس عطر النكـ
ـهة كالمسك السحيق
إنما طَابَت لذي فتكٍ
تردى بفسوق
جاهر الناس بما يأ
تيه في ضنك وضيق
وبدا في الناس مشهو
رًا كذي الرأس الحليق

أي: كالفاتك الذي يأخذه أولياء الأمر ويحلقون شعره ويطوفون به للتشهير، وفي كل هذا مواضع تأمل لما يتحدث به الوعي الباطن من سريرة أبي نواس، أو يحن إليه مزاج الإباحية والغرام بالخروج على العرف المألوف.

ومن أمانيه في هذا المقصد أن يقطع الطريق إن لم يرتفع إلى منامة الخلفاء:

سأبغي الغنى إما جليسُ خليفةٍ
يقوم سواءً، أو مخيف سبيل
بكل فتى لا يستطار جنانه
إذا نوه الزحفان باسم قتيل
لنُخمس مال الله من كل فاجرٍ
أخي بطنةٍ للطيبات أكول

ولما خرج من بغداد ينوي الرحلة إلى مصر أحب أن يمثل الشطارة بزيه وثيابه، إذ كان لا يقوي على تمثيلها بسيوفه وحرابه، فخرج كما جاء في أخباره لابن منظور «بزي الشطار»، مصففًا شعره موسعًا كُميه يجرر ذيله على حد قوله في مجونياته:

يجرر أذيال الفسوق ولا فخر

ويروى في ترجمته أنه سأل أستاذه والبة بن الحباب أن يخرج إلى البادية مع وفد بني أسد ليتعلم العربية والغريب، فأخرجه مع قوم منهم، فأقام بالبادية سنة ثم قدم، ففارق والبة ورجع إلى بغداد.

ولم يرد في ترجمة أديب من بني عصره أنه ذهب إلى صحراء بني أسد؛ ليتعلم العربية والغريب فيها، فالراجح أنها كانت جمحة من جمحاته في مصاحبة الشطار، ثم أشفق من مغبتها وسكت عنها مخافة الطلب والقصاص.

•••

تقول الدكتور كارين هورني في مراقبتها النسوية للنرجسيين: إنهم يتعلقون بالمشروعات ولا يثبتون عليها، ويتنقلون من حرفة إلى حرفة، ومن مظهر إلى مظهر؛ ليطمئنوا إلى تمثيل الشخصية التي يستريحون إليها.

ويقول فليشر Flesher في كتابه عن الصحة العقلية والوقاية من الأمراض النفسية أو العصبية:٧ «إن اشتهاء القوة المشتق من غريزة العدوان وحب النفس النرجسي يشترك على التساوي في هذه الرغبة — رغبة التشبه بالكبار في كل ما يفعلون — وإن إعجاب الطفل بقدرة الكبار ينبغي أن يعزى إلى تمديد الشخصية الغالبة في النرجسية ليخلعها على أحدهم، وبخاصة خلال الطور الأول من أطوار الافتتان بالذات».

فإذا كانت الشطارة حلمًا من أحلام اليقظة تكبح مخاطرة الغلام النحيل الرقيق، الذي لا قبل له بتلك المخاطر المستهولة، ففي البيئة الاجتماعية التي ترعرع بينها هذا الغلام ألوان مستطاعة مما يحلم به، ويميل إليه طبعه ويرضي أهواء النرجسية في طويته، ويكاد أبو نواس يتشكل بكل شكل منها على التعاقب أو في وقت واحد، متتبعًا للمطالب المتنافرة التي لا يتأتى له الجمع بينها، ولا يجمع بينها عنده إلا تجاربه للشخصيات الجذابة التي يقدر أنها تلفت إليه الأنظار وتوافق «الفتنة الذاتية» التي لا تستقر على قرار.

فتعلم العزف على العود، ودق الدفوف ليسلك مسلك المسمعين والقيان بين طلاب الملاهي والفنون، وتعلم اللغة وتعلم التنجيم وتعلم الفقه والحديث، وتعلم القراءة والتجويد، ونظم الشعر وروي قصائد الفحول، وتعلم العطارة والتجارة، وتعلم الأخبار والأنساب، وتردد على معاهد الدرس ومعاهد الرقص والسكر والمجون، وتداول هذه الأدوار كأنما يخلع لباس دور من أدوار التمثيل؛ ليلبس غيره على المسرح، ولكنه مسرح الحياة.

وروى أبو هفان: «أن أبا نواس لما تأدب ونشأ وظرف، ورغب فيه فتيان البصرة للمصادقة قال: لا أصادق إلا رجلًا غريبًا شاعرًا يشرب الخمور، يصفها ويصف المجالس، ويكون له سخاء وشجاعة، فذكروا له جماعة، فلم يحب أن يكون الرجل من أهل بلده، فهرب إلى الكوفة، وذكر له بها رجل من بني أسد يقال له: والبة بن الحباب، يشرب الخمر ويقول الشعر ويجمع الخصال التي أرادها».

وهذا تلفيق ظاهر لا نخاله يروي قصة واقعية، ولكنه إذا أريد به تمثيل «الشخصية النواسية» أصدق من التاريخ في تصور هذه الشخصية، ولا يكون أبو نواس إلا هكذا في اختياره للناس، والتذرع للسفر والإقامة.

وأيًّا كانت الشخصية التي يتلبس بها للعرض والظهور، لقد كانت وراءها جميعًا تلك «النرجسية الجنسية»، التي تغريه أن يتشكل بجميع هذه الأشكال، ويتطور بجميع هذه الأطوار، وما نسيها ولا انسلخ منها وهو يغشى معاهد الدرس والتفوق، وكان كل أمرد يغشى معاهد الدرس على هذا المثال في عرفه كما قال:

إذا ما وطئ الأمر
دُ للعلم حَصا المسجد
فقلْ حل لنا عُقدًا
من العفَّة واستسفد
فإن كان عَرُوضيًّا
فها ذاك له أجود
وإن مالَ إلى الفقـ
ـه فللفقه له أفسد
وإن كان كلاميًّا
فحرك طرف المقود
وميله إلى الخير
ففيه قُرب ما يبعد
وخُذْهُ كيفما شئـ
ـتَ اقتضابًا أو على موعد
وقل: هذا قضاءُ اللـ
ـهِ هل يدفع أو يُجحد؟

وانتهى مصرحًا:

فيا من وطئ المسجدَ
من ذي بهجة أغيد
أنا قستُ على نفسي
فهذا الأمر لا أجحد

وقد كان يستند إلى سارية في معهد من هذه المعاهد حين كتب إليه ابن مناذر يمدحه بأبيات من الشعر فيما روى الرواة، فأجابه يفهمه أنه يتصدى للحباء وزينة الأزياء:

وألذُّ عندي من مديحك لي
سود النعال ولين القمص

ويخيل إلينا أنه لو نبت في بيئة اجتماعية تخالف بيئته تلك لما انثنى عنانه إلى غير المواطن التي تجذبه إليها آفته النفسية، فإنما هي الآفات كالثمرات في التربة المزروعة تمتص كل ثمرة من أرضها وهوائها وضيائها ما يلائم بذورها، ويوائم طعمها وشكلها ولونها. وإلى جانبها على مد الباع ثمرة أخرى تمتص من التربة والجو طعمًا غير ذلك الطعم، وشكلًا غير ذلك الشكل ولونًا غير ذلك اللون وفي البذور سر ذلك التباعد على القرب بين الثمرتين.

أما وهو قد نبت بين إباحية الشطار وإباحية الشذاذ من جميع الآفاق في مآلف الغواة والفساق، فقد كانت المحنة أقوى من طاقة المقاومة عنده لو أنه يقاوم، وإنما كان على عكس ذلك ينطلق انطلاقه ليسبق النظراء في حلبة الجماح والمجاورة.

العصر السياسي

العصر الذي أحاط بحياة أبي نواس يبتدئ من أوائل القرن الثاني للهجرة إلى نهايته، وهو عصر سقطت فيه دولة بني أمية وقامت فيه دولة بني العباس، وأمثال هذا العصر في تواريخ الأمم يتسم بسمات الانقلاب، ويشيع فيها اليأس من جانب والمجازفة من جانب، ويتبدل فيها الولاء غير مرة بين النجم الآفل والنجم الطالع، ولا تطول فيها الثقة بشيء حتى تثوب الأمور إلى قرار.

كان فيه لسان حال الأمويين يتردد في صيحة ابن سيار:

أرى خلل الرماد وميض جمر
ويوشك أن يكون له ضرام
وما أدري ولست إخال أدري
أأيقاظ أمية أم نيام
ففري عن رحالك ثم قولي
على الإسلام والعرب السلام

ومثلها أبيات عباس بن الوليد:

إني أعيذُكم بالله من فتنٍ
مثل الجبال تسامى ثم تندفع
إن البريةَ قد مَلَّت سياستكم
فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا

ولم يكن بنو أمية خلوًا من ذلك الملل الذي قال ابن الوليد: إنه عم البرية، فإن الأمويين انقسموا في بيت الملك منذ ابتدعوا عادة التوصية لولاية العهد باثنين في وقت واحد، يزاحمهما من بينهما من لم تشمله الوصاية، فلم ينقض عهد خليفة من خلفائهم دون مؤامرة من هنا ودسيسة من هناك، ونفاق يتراءى هنا وهناك.

وهذه المؤامرات في بيت الملك تقابلها في الرعية شعب متفرقة بين الفرس والعرب، وبين القحطانيين والعدنانيين من العرب أنفسهم، بل شعب متفرقة بين كل معسكر من هذه المعسكرات، فلا القحطانيون ولا العدنانيون مجتمعون على هوى واحد، ولا الخلاف حيث كان يرجع إلى سبب واحد، فربما تمرد أناس من الفرس لثقل الضريبة، ولا سبيل إلى تخفيفها كلما افتقرت الدولة المتداعية إلى المال للتدعيم والتقويم، أو افتقرت إليه لاستشراء عادات الترف، وانتشار الغصب والاختلاس بين العمال، وربما تمرد أناس منهم؛ لأنهم على حد قول القائل:

إذا لم يمكن للمرء في دولة امرئ
نصيب ولا حق تمنى زوالها

فلا تسلم الدولة من عداء السوقة الفقير، الذي حرمته رزقه، وعداء السيد الغني الذي حرمته الدولة ميراثه من الجاه والعتاد.

ووراء هؤلاء جميعًا قوم لا يرضون عن أحد ولا يرضى أحد عنهم، وهم الخوارج الذين حكموا على هذه الطوائف جميعًا بالكفر، وجردوا مرتكب المعاصي من الإسلام، وليس أكثر من مرتكبيها في ذلك الزمان.

وبعد شقاق طويل في معسكر الدولة الذاهبة تقبل الدولة الجديدة، وهي مشعبة بين فرعين: فرع بني علي وفرع بني العباس، وقد والاها من والاها في إبان الدعوة إليها باسم العلويين، ثم اتفق وجود زعيم بني العباس بالكوفة عند انهزام بني أمية، فبادر أعوانه إلى مبايعته، وذاع يومئذ أنها بيعة إلى حين انتظار إمام العلويين، ولم تمض غير سنوات حتى وضح أن العباسيين لا ينزلون عنها، وتولى الأمر خليفتهم الثاني بعد أن كان الغالب على الظن أن الخليفة الأول يوصي بها لصاحبها العلوي من أيام الدعوة، وهو محمد «صاحب النفس الزكية». فنشط محمد لها وآزره العديد الجم من الأهواز والعراق، واقتحم أخوه إبراهيم البصرة فدان له أهلها، وتمت البيعة له أو كادت لولا غلبة أبي جعفر على بغداد، فلم يلبث أولياء العلويين في البصرة أن تحولوا فجأة، أو على مهل إلى ولاء العباسيين.

كل هذا وأبو نواس في سن الفهم والوعي يناهز العاشرة، ولا يفوته أن يعي ما يرى من تبدل الحال، وتبدل الولاء وتقلب الناس مع السلطان والمال.

ثم تتساند الدولة الجديدة ويسطع فيها نجم الرشيد، ثم يذهب الرشيد والناس لم يتركوا الحديث عن المستخلفين الموعودين من أئمة العلويين، ولكن الرشيد يقسم الدولة بين ولديه، ويجعل للأمين ولاية العهد بعده، ويجعل للمأمون ولاية المشرق برعاية أخيه، فلا يمضي قليل حتى ينتقض العهد بين الأخوين، ويعيش الشاعر على مقربة من قصر الملك ببغداد، فيرى سيد القصر بين خاصته وجنده وذويه، وهم يتداولون تسليمه إلى عدوه مرة بعد مرة، ويقتله من اؤتمن عليه.

وكان الشاعر يذهب حيث ذهب، فلا يلقى في الرقعة الطويلة العريضة غير الثورة وأشراطها ومقدماتها، وقسم له في مصر أن يشهد بوادرها، وأن يعين واليها «الخصيب» على تسكينها، فخاطب الشاغبين بأبياته التي يقول فيها:

منحتُكم يا آل مِصرَ نَصيحتي
ألا فَخذُوا من ناصح بنصيب
ولا تثبوا وثب السِّفاه فتحملوا
على حد حامي الظهر غير ركوب
فإن يك باقٍ إفك فرعون فيكم
فإن عصا موسى بكف خصيب
رماكم أمير المؤمنين بحيَّة
أكول لحيَّات البلاد شروب

ولم تكن هذه الثورة يومئذ إلا إلى عودة، ولم تقمع بعد عودتها إلى أن حشد المأمون جيوشه بقيادته، ولم يعتمد في قيادتها على أحد من ولاته.

والذين زاملوا أبا نواس في هذا العصر كثيرون، منهم الشعراء والأدباء، ومنهم الظرفاء والندماء، ومنهم العلماء والحكماء، ولكن أحدًا منهم لم يبتل بمحنة العصر كما ابتلي بها؛ وليس ذلك لأنه كان مستعدًّا للإباحة بتكوينه وتربيته وحسب؛ بل لأنه عاش في قلب التقلبات ولم يكن أثرها فيه مقصورًا على المعية في الزمن، فأبوه كان من جند بني أُمية وضاع رزقه في الجيش الأموي بقيام الدولة الجديدة، وأمه من الأهواز حومة القتال بين كل خصم وكل خصم ينازعه، ومن جراء هذه المنازعات، وحرمان زوجها الرزق الرتيب هاجرت من موطن قومها إلى البصرة، وهذه البصرة كانت حومة أخرى للدعوة السياسية جهرًا وسرًّا وبالإقناع والإرهاب، فلما آن لوليد هذين الأبوين أن يفهم ويعقل فهم أن الدنيا كلها نفاق وشقاق، ولم يعقل من أحداثها وخلائقها إلا أنها إباحة ورياء.

العصر الثقافي

وتصطلح على الفتى محنة العصر الثقافي، ومحنة العصر السياسي في ضربة واحدة، فقد كانت مدن العراق يومئذ ملتقى كل ملة ومجتمع كل نحلة، وكان يغشى البصرة والكوفة مجوس وزنادقة، كما يغشاها أهل الهند والصين على اختلاف عاداتهم وشعائرهم، ومطالبهم في أوقات جدهم ولهوهم، وكان من حوله مشتجر المذاهب حتى في النحو والفقه بل في الفلسفة وعلوم الكلام، وما يجاورها أحيانًا من حذلقة المتعالمين ودعاوى المتظرفين. وتعدى اللغط بالخلاف والجدال في هذه المسائل طائفة المتأدبين والمتحذلقين إلى سواد الناس ممن يطلع في الكتب الغريبة، أو يطلع في الكتب المأثورة، أو لا يطلع على هذه ولا تلك، ولا يرجع في اعتقاده إلى اطلاع.

فالإباحية التي نادى بها بابك الخرمي في السنة الأولى من القرن الثالث للهجرة لم تفاجئ العراق ولا جيرتها من البلاد الفارسية، ولكنها كانت نحلة يدين بها ألوف من العامة وسواد الناس في شمال العراق، ويتفلسف بها المتحذلقون من المتظرفين؛ ليجعلوا لها محلًّا من الفكر والطبيعة كأنها تبالي الحلال والحرام، وهي في جوهرها تستبيح كل محظور، وقد هزم «بابك الخرَّمي» جيشًا بعد جيش من أقوى الجيوش العباسية، ولم يهزم قائد المعتصم الجبار إبراهيم بن مصعب جموع الخرميين إلا بعد أن قتل منهم ستين ألفًا وشتت أكثرهم، فلبثوا في انتظار الفرصة إلى حين، ثم أغار عليهم جباره الآخر حيدر بن كاوس الإفشيني، فطاولهم وطاولوه حتى ظفر بزعيمهم، وساقه مع أهله أسارى إلى بغداد.

ولم يقض أبو نواس سنة واحدة بعد خروجه من البصرة والكوفة إلا حيث ينغمس كما أسلفنا في «قلب التقلبات»، ولا يلامسها ملامسة «المعية» في الزمن وحسب، فلما طلعت بوادر الثورة في مصر كان هو ضيف الخصيب ونديمه، ولما استفحلت الثورة في عاصمة الدولة كان هو ضيف الأمين ونديمه، ولما أقصاه الأمين عنه حذرًا من وصمته كان ذو الرئاستين — داعية المأمون — يصف القوم جميعًا فيقول: إنهم «أهل فسق وفجور وخمور وماخور.»

بل كان رهط الزندقة قاطبة يقيم حيث أقام أبو نواس.

ومن آفات الإباحة في العصر الثقافي ما يصيب أبا نواس وأضرابه خاصة، فيغريهم بالإباحة حيث لا يغرى بها كل نابت في ذلك العصر، أو مطلع على مذاهبه الثقافية.

فالهوس بالإباحة — احتجاجًا على نفاق العلية وأرباب المقامات — إنما يعتري أبا نواس وأضرابه؛ لأنهم يرشحون أنفسهم بحكم ثقافتهم لأرفع المناصب وأشرف المجالس وأوجه المراسم، فهم أكفاء أهلها بالثقافة والدراية، أو أرجح منهم كفاءة وكفاية، ولكنهم يصدُّون عنها ويرون من أهلها الاحتجاز عنهم، والاعتزاز عليهم بسمتهم ومهابتهم، فلا يلعجهم شيء كما يلعجهم الولع بهتك ذلك الحجاز، وتلويث ذلك السمت واستباحة ذلك الذمار.

فلا يعاني الوضيع الجاهل مثل هذا الدافع العنيف إلى استباحة الوقار الذي يتدثر به سادة المجتمع، ولا يعاني الوجيه العالم دافعًا مثله؛ لأن وقار المجتمع وقاره، وسيادة العرف سيادته. وإنما يعانيه أشد المعاناة وضيع يتسامى إلى الوجاهة بحقها، ولا يزال مذودًا عنها، منظورًا إليه بين أهلها من علٍ وإن ضارعهم في مراتبها ومراسمها.

وعلى هذا الرفرف المضطرب بين الضعة والوجاهة كان أبو نواس.

لا حرمة له بين الحرمات، فما له يغار عليها من الإباحة والابتذال؟!

ولا نعرف اسمًا أصدق من اسم الهوس يطابق ذلك الولع بعرض الإباحة، والتحدي بها، كما اشتهر بها أبو نواس غير مزاحم في هذه الشهرة بين أبناء عصره.

فلا يكفي لإغراء المرء بهذا الولع أن يكون صاحب مذهب في الزندقة، فقد يعتقد الزنديق استحلال المحرمات فيبيحها لنفسه، ويقارفها سرًّا أو لا يعنت نفسه بالتستر والتجمل، ثم لا يزيد على ذلك.

ولا يكفي لإغرائه بذلك الولع أنه يتحدى ذوي الوقار؛ لأنهم يحتقرونه ويترفعون عليه بسمتهم وكبريائهم، فإن المرء إذا تسامى إلى الرفعة ونبذه أهلها قد يضطر المغيظ المحنق إلى هتك الستار عن ريائهم، والاستخفاف بصيانتهم وهو يود لو لم تلجئه الضرورة إلى هذا المأزق المكروه، وفرقٌ بعيد بين هذا التحدي المستنكر وبين ارتياح المرء إلى عرض الإباحة كأن العرض غرض مقصود لذاته، وكأنه لذة أمتع من اللذات التي يستبيحها.

وقد كان أبو نواس يتقي من حسن السمعة ما يتقيه الإنسان السوي من مذمتها، وقد أشرنا إلى طرف من كلامه في ذلك عند الكلام على النرجسية، ونشير هنا إلى نادرة هي جماع النوادر في هوى العرض وشهرة السوء. رواها ابن منظور في أخباره فقال: إن إخوانًا له أشاعوا أنه تاب ونزع عما كان عليه من الفسوق والخمر، فأقبل الناس يهنئونه، فجعل يكذب ذلك ويقول: والله أنا شر مما كنت، فلما كثر ذلك عليه دعا بخمار يهودي غلام، وأجلسه في جانبه ومعه خمر، فكلما جاء من يهنئه يقول لليهودي قبل أن يتكلم: صب لي من خمرك، فيشرب قدحًا ثم يقبل اليهودي، ويقول للذي جاء يهنئه: قد رأيت صحة التوبة! ثم قال في ذلك:

قالوا: نَزَعْتَ ولما يعلموا وطري
في كل أغيد ساجي الطرف مياس
كيف النزوع وقلبي قد تقسمه
لحظ العيون ولون الراح في الكاس
إذا عزمت على رشد تكنَّفني
رأيان قد شغلا يسري وإفلاسي
فاليسر في القصف واللذات أخلسها
والعسر في وصل من أهوى من الناس
لا خير في العيش إلا في المجون مع الأ
كفاء والحور والنسرين والآس
ومسمع يتغنى والكئوس لها
حث علينا بأخماس وأسداس
يا موري الزند قد أعيت قوداحه
اقبس إذا شئت من قلبي بمقياس

فليس هذا ولع المتمذهب بزندقة ولا ولع المضطر على رغمه، وإنما هو هوس المغلوب على طبعه منحرفًا عن الخلق السوي في كمين هواه.

والانحراف الوحيد الذي يفسر هذا المرض في جميع أعراضه هو النرجسية، أو الغرام بالذات.

فَدَاء أبي نواس هو النرجسية بدخائلها وتوابعها وخفاياها وألوان شذوذها.

وليس داؤه الشذوذ الجنسي بمعنى الشغف بأبناء جنسه، والإعراض عن المرأة، فإنه لم يكن يعرض عن المرأة، وليس الشذوذ الجنسي بهذا المعنى دافعًا إلى العلانية والإباحة، وعلماء الأمراض النفسية يدرسون حالتين من أحوال هذا الشذوذ لكل منهما أسبابها وعوارضها، وعلاقتها بسلامة البنية إجمالًا وبالغدد الصماء على التخصيص، ولكل منهما كذلك ملابستها البيتية والاجتماعية، فلا يتشابه الشاذ الفاعل والشاذ المنفعل بالملامح والسمات، ولا بالأخلاق أو عوامل النشأة البيتية والاجتماعية، ثم لا يتشابهان في العلاج النفسي عند الأطباء المختصين.

والقرائن التي تفسر إحدى الحالتين من الشذوذ لا تفسر الحالة الأخرى، بل لعلها تناقضها وتبطلها، فلا يمكن أن يجتمعا إلا في شذوذ واحد هو شذوذ النرجسية، بل تجتمع معهما في النرجسية هوى المرأة وغير هذا الهوى من العادات المريضة كالدلك أو جلد عميرة، وقد كان أبو نواس أول من لهج به من الشعراء، ونظم فيه لمناسبات لا داعي لاستقصائها، وهذا الدلك من أعراض المتعة النرجسية، حيث يستخدم النرجسي خياله لتشخيص ذاته Autoerotic Gratification.

•••

وجملة القول: أن هذه الآفة تفسر كل عادة من عادات الحسن بن هانئ، وكل خبر من أخباره وكل نزعة من نزعاته: تفسر غرامه الفاعل والمنفعل، وتفسر غرامه بالنساء وكل ما عرف عنه من الشذوذات الجنسية، وتفسر ولعه بالعرض والعلانية، واستهتاره بسوء القالة. لأن هذا كله يتولد من تشخيص الذات بالصورة التي يستملحها النرجسي ويتخيلها في خوالجه الجنسية، ومن هيامه بالعرض والعلانية، ولفت الأنظار إلى «الذات» وتقرير وجودها بالتحدي والمخالفة، أو ما يسمونه في التعبير الشائع المكايدة، ويوشك أن يقصروه على الشواغل الجنسية دون غيرها.

وكلما أمعن الباحث النفسي في دراسة هذه الشخصية بدا له أنها من كل وجه «شخصية نموذجية» في بابها، وأنها «لقطة» لا تظفر بها المشرحة النفسية في كل دراسة، ففيها أثر التكوين المولود وأثر البيت، وأثر البيئة الاجتماعية وأثر العصر من جانب السياسة وجانب الثقافة، ولديها تثبت العلامات التي يتشكك فيها النفسيون إذا طرأت منفردة متفرقة لا تتصل بالقرائن الأخرى، فإذا اتصلت جميعًا كما اتصلت في هذه الشخصية النموذجية، فهي أدل ما تكون على أعراضها وآفاتها.

١  الجزء الثانى من كتاب دالبيج Psychoanalytical Method and The Doctrine of Freud.
٢  يراجع المجلد الثانى من مجموعة الدكتور هافلوك اليس باب النرجسية وفيه المام بهذه الآراء.
٣  Outline of Abnormal Psychology.
٤  New Ways in Psycho-analysis.
٥  Personality and Psychological Interpretation, by G. Allport.
٦  مسمع أبو قبيلة في ربيعة.
٧  Mental Health and Prevention of Neuresis.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤